← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9102

الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح

ابن الجزري

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف رب يسر ولا تعسر، بسم الله أبتدئ، وبكتابه أقتدي، وبسنّة نبيَه أهتدي. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسلما كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد.. فإن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم العبد بها، وأن نعمه اكثر من أن تحصى وتعد، ولكن عباد الله أصبحوا نادمين، وأمسوا تائبين. فإن الله له علينا حقوق، وشرط علينا شروطاً كثيرة، فينبغي لنا أن نؤديها. فلا تكن يا أخي غافلاً عنها فأنت تحاسب بها يوم القيامة، وإذا أردت أمراً من أمور الدنيا فعليك بالتردد فيه، فإن رأيته موافقاً لآخرتك فخذه، وإلا فقف عنه حتى تنظر من أخذه؟ كيف عمل في؟ وكيف نجا منه؟ ونسأل الله السلامة. وإذا أردت أمراً من أمور الآخرة فشمر إليه وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينه الشيطان. وإياك أن تخون مؤمناً، فمن خان مؤمناً فقد خان الله ورسوله. وعليك بتقوى الله والعمل بما علمك الله، والمراقبة لله تعالى حيث لا يراك

стр. 2

أحد إلا الله. وإياك والحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من حرام. وإياك والطمع، فإن الطمع هلاك الدين وإياك أن تضلل نفسك. وأحذر يا أخي أن يراك الله مشتغلاً بغيره فتسقط من عينه، ولا تكن غافلاً عنه فإنه ليس بغافل عنك. وعليك بتقوى الله العظيم وأن لا يفارق ذكر الموت قلبك، وأن يكون ذكر الله لازماً لسانك وقلبك، وأن تديم النظر في كونه مطلعاً عليك. فعليك بالاستغفار لما قد سلف عن ذنوبك، واسأل الله السلامة لما بقي من عمرك. وإياك أن تخرج من الدنيا على غير توبة. واعلم يا أخي أنك ميت، ومبعث، ومحاسب بعملك، ثم الوقوف بين يدي الله وأنت خاضع وذليل، قد نشر ديوانك وطهر كتابك، والجنة عن يمينك والنار عن يسارك والصراط بين يديك والله مطلع عليك، يقول لك: إقرأ كتابك.. وأنت مشفق مما فيه حذراً من فضائحه ودواهيه. فإن كنت سعيداً فإلى جنة عالية، وإن كنت شقيا فإلى نار حامية. فتزود يا أخي لنفسك ... ومثل الآخرة عليك بقلبك. واجعل الموت بين عينيك.. ولا تنس وقوفك بين يدي الله ... وكن من الله على وجل.. وأد فرائض الله ... وكف عن محارم الله وخالف هواك.. واذكر الله في كل وقت.. واحمد الله على كل حال.. واجعل شوقك إلى الجنة ... واستعذ بالله تعالى من النار.. وإياك ومخالفة الله تعالى فيما أمرك به ودعاك إليه.. واعلم أن بين يديك أهوالا وموقف. فإن استطعت يا أخي أن تعد لك كل يوم زاد لما بين يديك فافعل، فإن

стр. 3

الأمر أعجل من ذلك. فتزود يا أخي لنفسك وخذ في جهازك، وكن وصي نفسك.. واعلم يا أخي أن الليل والنهار لا يرجعان، والعمل لا يعود والطالب حثيثما، والليل والنهار يسرعان في هدم نفسك وفناء عمرك وانقضاء أجلك. فلا تطمئن يا أخي حتى تعلم أين مسكنك ومصيرك ومستقرك ومنزلك. فانظر لنفسك، واَقض ما فاتك، وأقض ما أنت قاض من أمرك. وكأني بالأمر يأتيك على بغتة. وإنني لا أقول ولا اًعلم أحدا أشد تضييقاً مني لذلك، فكأنك بالقيامة وقد قامت، وبالنفس الأمارة وقد لامت، وانفجعت عين طال ما نامت، ونحرت قلوب العصاة وقد هامت وقيل في المعنى شعر: غدا توفي النفوس ما كسبت ... ويحصد الزارعون ما زرعوا إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ... وإن أساؤوا فبئس ما صنعوا فالله ذو رحمة وذو كرم ... وإن جهلنا فحمله يسع يا رب اكتبنا اليوم في ملاء ... تمسكوا بالكتاب فانتفعوا وأغننا واعف عن جريمتنا ... وافن بأمن نتضرع قال رسول الله ﷺ :.

стр. 4

" يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة عطاشا سكارى حيارى من أهوال يوم القيامة، لا يعلم الرجل بالمرأة، ولا تعلم المرأة بالرجل ". قال ابن عباس ﵄: " ثم يوكل الله بكل رجل وامرأة ملكين يسوقانه إلى المحشر " وذلك قوله تعالى: " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " قال أيضا: " ثم تقف الخلائق يومئذ مائة وعشرين صفاً، ُ أمة محمد ﷺ معزولون، وهم ثمانون صفاً، ينظرون إلى السماء، وكل أحد منهم مشغول بنفسه، نادم على أفعاله " قال ابن عباس ﵄: " ثم يقفون ثلاثمائة سنة من سنين الدنيا، مائة سنة في العرق يلجمون: ومائة سنة في الظلمة يتحيرون، ومائة سنة بعضهم في بعض يموجون. قد شخصت منهم يومئذ الأحداق، وتطاولت الأعناق، وكثر العطش، وقل الإلتفات، وانقطعت الأصوات وضاقت المذاهب، واشتد القلق، وعظمت الأمور، وطاشت العقول، وكثر البكاء، وفنيت الدموع، وبرزت

стр. 5

الخفيات، وظهرت الخطيئات، وبانت الفضائح، وظهرت القبائح، ووضعت الموازين، ونشرت الأعلام، وبرزت الجحيم، وزفرت النار، وبئس الكفار، وشاب الصغير وسكت الكبير، وسعرت النيران، وتغيرت الألوان، وعظمت الأهوال، وطال القيام، وانقطع الكلام، فلا تسمع إلا همساً ". وقال ابن عباس ﵄: " ثم يأمر الله ملكاً أن ينصب الصراط على متن جهنم، وهو أرق من الشعرة، وأحدّ من السيف. طوله ألف عام، عليه كلاليب وخطاطيف، وله سبعة جسور. فأول ما يحاسب العبد على الإيمان، فإن سلم وإلا هوى في النار. والثاني يحاسب على الصلاة، فإن سلم وإلا هوى في النار. والثالث يحاسب على الزكاة، فإن سلم وإلا هوى في النار. والرابع يحاسب على الصيام، فإن سلم وإلا هوى في النار. والخامس يحاسب على الحج، فإن سلم وإلا هوى في النار. والسادس يحاسب على الوضوء، فإن سلم وإلا هوى في النار. والسابع يحاسب على بر الوالدين، فإن سلم وإلا هوى في النار. ثم ينادي مناد. يا محمد: قدم أمتك على الحساب، والجواز على الصراط، فمنهم من يجوز على الصراط كالبرق الخاطف، ومنهم من يجوز عليه كالريح العاصف، ومنهم من يجوز كالفرس الجواد، ومنهم من يجوز يحبو على

стр. 6

ركبتيه، ومنهم، يجوز يزحف على وجهه، ومنهم من يجز على وجهه ثم ينجو، ومنهم من يسقط على وجهه في النار. أعاذنا الله وإياكم عنها. الحشر يوم القيامة إخواني: تفكروا ما في الحشر والميعاد، ودعوا طول النوم والرقاد، وتفقدوا أعمالكم، فالمناقش ذو انتقام. إن في القيامة لحسرات، وإن عند الميزان لزفرات. فريق في الجنة، وفريقه في السعير. ففريق يرتقون إلى الدرجات، وفريق يهبطون إلى الدركات، وما بينك وبين هذا الأمر إلا أن يقال: فلان قد مات. يا من كان له قلب فمات.. يا من كان له وقت ففات.. أشرف الأشياء قلبك ووقتك، فإن أنت ضيعت وقتك وأهملت قلبك فقد ذهب منك الفوائد، إن كنت تبكي على ما فات فابك على فرقتك، وإن كنت تبكي على ما مات فابك على قلبك. وقيل في المعنى شعر: تأهب للذي لا بد منه ... فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد وقال أبو أيوب ﵁: " مررت بواعظ وهو يقول لأهل مجلسه: اعملوا فإن أعمالكم تعرض على موتاكم ومعارفكم من الموتى، قال أبو أيوب: اللهم لا تفضحني على رؤوس عبادك يوم القيامة ". وقال ﷺ : " يحاسب الناس يوم القيامة على ثلاثة أنفار: يوسف الصديق، وسليمان ابن داود، وأيوب ﵈. فأول ما يدعى بالمماليك، فيقول: ما شغلكم عن طاعتي؟ فيقولون: يا ربنا، جعلتنا تحت الآدميين، وابتليتنا

стр. 7

بالرق فاشتغلنا بخدمتهم عن خدمتك، فيدعى بيوسف ﵇، فيقول الله : هذا كان مملوكاً وما شغله ذلك عن طاعتي، ثم يأمر بهم إلى النار. ثم يدعى بأهل البلاء، فيقول الله : ما شغلكم عن عبادتي؟ فيقولون: يا ربنا، ابتليتنا ببلائك فشغلنا ذلك عن عبادتك، فيدعى بأيوب ﵇، فيقول: هذا ابتليته بأشد البلاء، وما شغله ذلك عن طاعتي، فيؤمر بهم إلى النار. ثم يدعى بالأغنياء، فيقول لهم: ما شغلكم عن طاعتي؟ فيقولون: يا ربنا، أعطيتنا المال فاشتغلنا به عن طاعتك، فيدعى بسليمان ﵇، فيقول: هذا أعطيته المال أكثر مما أعطيتكم، وما شغله ذلك عن طاعتي، فيؤمر بهم إلى النار ". حاسب نفسك إخواني: للدنيا تخدمون، وبالليل على فراشكم تنامون، ثم تقولون وانتم لا تفعلون، وكم تعاهدون وتنقضون، وكم تشاهدون اليسر ولا تعتبرون. يا مضيعون الأعمار في الغفلة على ماذا تتكلون؟ والموت والحسام والعقالب بين أيديكم.. أما تعلمون؟ كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، هنالك تطلبون الإقالة فلا تقالون، وتطلبون الرجعة فلا ترجعون. أي تطلبون الرجعة إلى الدنيا طمعاً في أن تعملوا عملا صالحاً غير الذي كنتم تعملون، فلا إلى الدنيا ترجعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال الحسن البصري: " عجبت لأقوام أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل

стр. 8

وهم يلعبون ". وقيل في المعنى شعر: لو يعلم الخلق ما يراد بهم ... وأيما مورد غدا يردوا ما استعذبوا لذة الحياة ولا ... طاب لهم عيشهم ولا رقدوا خوفا من العرض والصراط على ... نار تلظي وحرها يقد قال إبراهيم بن أدهم ﵁: " دخلت على بعض إخواني أعوده، فجعل يتنفس ويتأسف، فقلت له: على ماذا تتنفس وتتأسف؟ فقال: ما تأسفي على البقاء في الدنيا، ولكن تأسفي على ليلة نمتها، ويوم افطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى ".. وقال الجنيد ﵁: " لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ". وقال بعض الصالحين: " لي أربعون سنة ما غمني إلا طلوع الفجر ". وقيل لزيد بن هارون: " كم تصلي في الليل؟ فقال: أو أنام منه شيئاً إذا لا أنام الله لي منه عيناً أبداً ".

стр. 9

وروي عن مطرف رضي الله عن أنه كان يقول: " لا يراني الله آكلا نهاراً، ولا نائماً ليلاً أبداً ". وكان ثابت البناني ﵁ يصلي كل يوم ثلاثمائة وستين ركعة، وكان يقول في دعائه: " اللهم إن كنت أعطيت أحداً الصلاة في فبره، فأعطني ذلك. وذكر بعض أصحابه أنه كان يقول: " رأيته في منامي وهو قائم يصلي في قبره ". وروي عن علي بن عبد الله عنه، أنه كان يسجد في كل يوم ألف سجدة وكانوا يسمونه السجاد. وروي عن أويس القرني ﵁ أنه قال: " والله لأعبدن تعالى عبادة الملائكة، فليلة معظمها قائماً، وليلة معظمها سجداً " وقيل أن عامر بن قيس ﵁ كان يقول: " والله لاجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وأن هلكت فبعد جهدي " وكان مسروق ﵁ يصلي حتى انتفخت عيناه وقدماه. وكان مسلم الخولاني ﵁ قد علق صوتاً ببيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: " قومي خيراُ لله، فو الله لأرجفن بك حتى يكون الكل منك لامني. فإذا دخل أنفرد وتناول السوط، فيضرب به رجليه ويقول

стр. 10

لنفسه: " أنت أحق بالضرب من دابتي ".. وكان يقول: لا يظن أصحابي أنهم قد فازوا، فو الله لزاحمهم يوم القيامة حتى يعلموا أنهم خلفوا ورائهم رجالاً ". وكان ضيغم قد تعبد قائماً حتى أقعد، ومقعداً حتى استلقى، ومستلقياً حتى مات وهو ساجد، وكان يقول في دعائه: لا اللهم إني أحب لقاء فأحبب ". وقالت امرأة حسان ﵂: " كان حسان إذا آوى إلى فراشه جعل يخادعني كما تخادع المرأة ولدها، فإذا نمت شد روحه وقام إلى الصلاة، فأقول له: يا عبد الله رفقاً بنفسك، فيقول: اسكتي، ويحك، فو الله لأرقدن رقدة لا أقوم منها زمناً طويلا ". وكان الربيع بن خثيمة ﵁ لا ينام الليل ويخاف البيات، وكان يبكي ليلاً ولا نهاراً، ولا يفتكن البكاء. وكان السري السقطي ﵁ يدافع البكاء في أول الليل، فإذا نام الناس أخذ في البكاء إلى الصباح. وكان ضيغم ﵁ يقول: " لو علمت أن رضاه لي في تقريض لحمي بالمقاريض لفعلت ذلك ". وكان بشر ﵁ لا يزال مهموماً، فقيل له في ذلك، فقال: " إني مطلوب، وكان لا ينام الليل ": وكان يقول: " أخاف أن يأتيني أمره وأنا نائم ".

стр. 11

وكانت أم سليمان ﵂، على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام تقول له: " يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيامة. يا بني، من يرد الله لا ينام الليل لأن من نام الليل ندم بالنهار ". وقيل في المعنى شعر: يا أيها الغافل جد في الرحيل ... وأنت في لهو وزاد قليل لو كنت تدري ما تلاقي غدا ... لذبت من فيض البكاء والعويل فاخلص التوبة تحظى بها ... فما بقي في العمر إلا القليل ولا تنم إن كنت ذا غبطة ... فإن قدامك نوم طويل وقال بعض الصالحين ﵁: " كانت رابعة العدوية ﵂ تقوم الليل، وتهجع عند السحر، فإذا انتبهت قالت: يا نفس، كم تنامي؟ يوشك أن تنامي فلا تقومي إلى يوم القيامة ". وروي عن يحيى بن زكريا ﵉، أنه شبع ليلة من خبز الشعير، فنام عن حزبه، فأوحى الله تعالى إليه: " يا يحيى، هل وجدت داراً خيرا من داري، أو جواراً خيرا من جواري، وعزتي وجلالي لو اطلعت على الفردوس إطلاعة لذاب جسمك وذهبت نفسك، ولو اطلعت على وجهي إطلاعة لتبكين الصديد بدل الدموع، ولتلبس الحديد بدل المسوح ". وقيل: أوحى الله تعالى. إلى داود ﵇: " يا داود، إذا حدثتك نفسك بالنوم فاذكر مصرع أهل النار، وصول الزبانية، وغلق أبواب جهنم،

стр. 12

فإنك إن فعلت ذلك انتفى النوم عنك. يا داود، خذ حظك من الليل ولا تغفل عن الصلوات، واجعل موضوع الضحك بكاء خوفاً مني أنجيك من حر نار جهنم يوم القيامة. وكان سعيد بن المسيب يقول: " أيما رجل قام من الليل فتوضأ وصلى ركعتين، إلا تبسم الجبار في وجهه وقال: " يا ملائكتي، أشهد كم أني قد غفرت له ". وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: " يا داود، قل لبني إسرائيل: من صلى في السحر ركعتين بقلب حاضر توجه الله بتاج كرامته يوم القيامة ". وحكي عن واصلة بن هشام ﵁ أنه كان يصلي الليل كله، وإذا كان وقت السحر، قال: " إلهي، ليس مثلي يسألك الجنة، ولكن أجرني من النار ". وكان عمر بن عتبة ﵁ يخرج كل ليلة إلى المقابر، ويقول: " يا أهل القبور، طويت الصحف ورفعت الأقلام، ثم يصف قدميه ويصلي إلى الصباح ". وكان أسيد ﵁ إذا آوى إلى فراشه يتقلب كالحبة على المقلى، ويقول: " إنك لين وفراش ألين منك. ولا يزال راكعاً وساجداً إلى الصباح ". وكان الأسود ﵁ يصوم في الصيف وشدة الحر حتى يحمر مرة ويصفر مرة أخرى.

стр. 13

وكان سفيان الثوري. رضي الله تعالى عنه من شدة تفكره يبول الدم، وكان إذا سمع المؤذن يتغير لونه ويبكي حتى يغمى عليه. وكان أبو عبيدة الخواص ﵁ يبكي ويقول: " قد كبرت فاعتقني من النار ". وكان يزيد الرقاشي ﵁ يبكي حتى أظلمت عيناه وأحرقت ألد موع مجاريها. وكان مالك بن دينار ﵁ يبكي حتى سودت الدموع خده، وكان يقول: " لو ملكت البكاء لبكيت أيام حياتي ". وقيل لعطاء السلمي رض الله عنه: ما تشتهي؟ فقال: " أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر أن أبكي "، وكان يبكي في الليل والنهار، وكانت دموعة سائلة على خديه. وكان حذيفة ﵁ يبكي بكاء شديداً، فقيل له: " ما بكاؤك؟ فقال: لا أدري على ما أقدم؟ على رضا أم على سخط؟ ". وبكى معاذ ﵁ بكاء شديداً، فقيل له: " ما يبكيك؟ فقال: لأن الله قبض قبضتين، فجعل واحدة في الجنة، والأخرى في النار، فأنا لا أدري من أي الفريقين أكون ". وقال الفضيل بن عياض ﵁: " بكى أبني علي ﵁، فقلت له: يا بني، ما يبكيكَ؟ فقال: يا أبت، إني أخاف أن لا تجمعنا القيامة وتفرق بيننا ". وقيل لزيد بن يزيد ﵁: " ما لنا لا نرى عينك تجف من الدموع،

стр. 14

فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته يسجنني في النار ".. وقيل: إن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ وهو يبكي، فقال له ﵊: " يا جبريل، ما بكاؤك؟ فقال: يا محمد، ما غفلت عيني منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه، فيلقيني فيها ". وقال ﵊: " ما أتاني جبريل ﵇ إلا وهو يرعد خوفاً من الجبار، فقلت له: يا جبريل مما هذا البكاء وهو الخوف؟ فقال: يا محمد، والذي بعثك بالحق نبياً ما ضحكت منذ خلق الله تعالى جهنم، فقلت له: يا جبريل، صفها لي، فقال: يا محمد، أرضها الرصاص، وسقفها النحاس، وحيطانها الكبريت ". وقيل: " مر عيسى ﵇ بفتى قائم على صخرة وحوله دم طري ودم يابس، فقال عيسى ﵇: ما الذي أصابك؟ فقال: يا روح الله، دخل علي خوف جهنم في قلبي، فانشق له قلبي وجلدي وسائر لحمي، فهذا الدم الذي يسيل من جسدي لذلك. فخرج عيسى ﵇ إلى قومه وجمع الناس، وقال: هذا من أبناء الدنيا وخاف النار فانشق جلده وسائر جسده ولم يدخلها، فكيف حال من دخلها ". وقيل: " مر بعض العصاة بمقبرة، فتناول عظاما فتفتت في يده، فقال: ويل من تقصيري، وإلى هذا مصيري. فذهب إلى أمه فقال لها: يا أماه، مالي آبق،

стр. 15

وما يصنع بالأبق إذا وجده سيده، فقد وجدت شدة، فقالت: يا بني، لا تضيق علي، فصاح صيحة وخر مغشياً عليه، فقالت له: يا بني، فأين يكون التقي؟ فقال: يا أماه، إذا قدمت على يوم القيامة فسلي عني مالكا خازن النار،. ثم صاح صيحة عظيمة فمات. فنودي عليه بين الناس من يصلي على قتيل جهنم ". وقيل في المعنى شعر: لما تذكرت عذاب النار أزعجني ... ذاك التذكر عن أهلي وأوطاني فصرت في القفر أراعي الوحش منفرداً ... كما تراني على وجدي وأحزاني وهذا قليل لمثلي في جراءته ... فما عصى الله عبد مثل عصياني نادوا علي وقولوا في مجالسكم ... هذا المسيء وهذا المذنب الجاني فما بكيت ومما قصرت عن زللي ... ولا غسلت بماء الدمع أجفاني قال إبراهيم الخواص ﵁: " كنت كثير المشي إلى المقابر، فجلست يوما فغلبتني عيناي فنمت، فسمعت قائلاً يقول: خذوا سلسلة فأدخلوها في فيه وأخرجوها من أسفله، وإذا الميت يقول: يا رب، ألم أكن أصلي؟ ألم أكن أقرأ القرآن؟ ألم أكن أحج البيت الحرام؟ وإذا بقائل يقول: بلى، ولكنك إذا خلوت بالمعاصي لم تراقبني ". وكان ضيغم قد حج عشرين حجة، وجاهد عشرين سنة، فلما مات رؤي في النوم، فقيل له: " ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: بماذا جئتني؟ فقلت: يا رب بحج عشرين سنة، فقال: ما قبلت منها شيئا، فقلت: بقراءة القرآن عشرين سنة، فقال: ما قبلت منها شيئآَ، فقلت: بجهاد عشرين سنة

стр. 16

فقال: ما قبلت منها شيئاً، فقلت: يا رب، أنا بين يديك فقيراً، فقال: وعزتي وجلالي لولا اطلاعي عليك يوماً وقد خرجت من بيتك إلى صحن دارك لتنظر وقت الزوال لئلا يفوت الوقت احتراز لما فرضته عليك لعذبتك في النار. فأدخلني الجنة ". وحكي عن الحسن البصري ﵁ أنه رؤي في المنام بعد موته، فسئل عن حاله، فقال: " أقامني الله بين يديه وقال: يا حسن تذكر صلاتك في المسجد يوم كذا وكذا، إذا رمقك الناس بأبصارهم فزدت حسناً في صللاتك، وعزتي وجلالي لولا أن صلاتك لي خالصة لطردتك عن بابي، ولقطعتك عني مرة واحدة ". اعرف قدرك عند الله يا هذا، إن أردت أن تعرف قدرك عند الملك فانظر بم تشتغل؟ إن كنت من أهل القرب خالص العمل، وإن كنت من أهل البعد قطعك بمقاطع الأمل. كم بالباب من واقف بقصة ما يدخل إلا من به نال ماتمى، ويعطي ما سئل. نحن قسمنا ما كان وما يكون. وقيل إن بعض الرجال الصالحين قام ليلة يتهجد، فسبقه مدامعه، فقال: " يا رب، أما ترحم بكائي؟ فنودي: إن شئت فابك، وإن شئت فلا تبك، لو بكيت الدماء ما صلحت لك ". وقيل أوصى الله تعالى إلى داود عليه لا السلام: " ليس كل من صلى قبلت صلاته، ولا من عبد الله قبلت عبادته، يا داود، كم من ركعة لا تساوي عندي شيئاً، لأني نظرت إلى قلب صاحبها فوجدته إن برزت له امرأة متعرضة

стр. 17

أجابها، وإن عامله إنسان في تجارة خانه. يا داود، طهر ثيابك الباطنة، لأن الظاهر لا ينفعك عندي، وأني بكل شيء محيط ". قالع رسول الله ﷺ : " يؤتى بأقوام يوم القيامة لهم حسنات كآمال الجبال، فيؤمر بهم إلى النار، فقالوا: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ فقال ﷺ : كانوا يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، لكنهم كانوا إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه ". وقيل: مر عيسى ﵇ بقرية، فإذا أهلها في الأزقة والطرق موتى، فقال: يا معشر الحواريين، إن هؤلاء ماتوا من سخط الله تعالى، فقالوا: يا روح الله، وددنا لو علمنا بخبرهم. فأوحى الله تعالى إليه: يا عيسى، إذا كان الليل نادي: ة؟ نهم يجيبونك. فلما كان الليل ناداهم: يا أهل القرية، ما حالكم، وما أصابكم، وما قصتكم؟ فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله، بيأ نحن بتنا في عافية أصبحنا في الهاوية، فقال: وما ذلك؟ فقال: يا روح الله، بحبنا للدنيا وعصياننا المولى في الآخرة، فقال عيسى ﵇: فما بال أصحابك لا يجيبوني؟ فقال: إنهم ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد، فقال عيسى ﵇: وكيف تجيبني أنت من بينهم، فقال: إنني كنت نزيلا عندهم ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم، فإني معلق على شفير جهنم ولا ادري أنجو منها أم ألبث. فيها. فقال عيسى ﵇: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال بعض للصالحين: رأيت أبا عبد الله بن أبي سلمة في المنام، فقلت له: كيف حالك؟ فقال: يا أخي، نمشي غافلين، ونقف غافلين، فعشنا معهم غافلين،

стр. 18

ومتنا غافلين. آفات الغفلة إخواني لا ظلم أشد من الغفلة، ولا عمى أشد من عمى القلب، ولا خذلان أشد من التسويف. قال رسول الله ﷺ : " ليلة أسري بي إلى السماء، رأيت أقواما تقرض شفاهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء أمتك يوم القيامة يقولون ولا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به، ويجدون ولا يصبرون ". وقال ﵊: " يأتي على أمتي زمان يتعلمون القرآن ويحفظون حروفه، ويضيعون حدوده، فويل لهم مما حفظوا، وويل لهم مما ضيعوا ". وقال ﵊: " من لقي الله وهو مضيع للصلاة لم يعبأ الله بشيء من حسناته ".

стр. 19

وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل لبني إسرائيل، من ترك صلاة واحدة لقيني يوم القيامة وأنا عليه غضبان. وقال ﵊: " من ترك الصلاة عمدا بريء من دينه، ومن لم يصل فقد كفر ". وقال ﵊: " عشرة من أمتي يسخط الله عليهم يوم القيامة ويؤمر بهم إلى النار، قيل: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: أولهم الشيخ الزاني، والإمام الجائر، ومدمن الخمر، ومانع الزكاة، واكل الربا، والذي يطلق ويمسك، والذي يحكم بالجور، والماشي بالنميمة، وشاهد الزور، وتارك الصلاة، والذي ينظر لوالديه بعين الغضب ". وقال ﵊: " أخبرني جبريل ﵇ أن في النار كهوفاً ومضائر أعدت لقاطع الرحم، والعاق لوالديه ". وقال ﵊:

стр. 20

" ليعمل البار لوالديه ما شاء من الخطايا، فلا يدخل النار، وليعمل العالق لوالديه ما شاء من الطاعات، فلن يدخل الجنة، ولا تنفعه الطاعة ولا تنفعه الشفاعة ". إياك وعقوق الوالدين وقيل: سأل موسى ﵇ ربه أن يريه رفيقه في الجنة؟ فأوحى الله تعالى: يا موسى، انطلق إلى مدينة كذا وكذا، فإنك ترى رفيقك في الجنة. فسار موسى ﵇ حتى انتهى إلى المدينة، فتلقاه شاب فسلم عليه، فقال له موسى ﵇: عليك يا عبد الله السلام، أنا ضيفك الليلة. فقال له الشاب: يا هذا، رضيت إن رضيت بما عندي أنزلتك وأكرمتك، فقال له موسى ﵇: قد رضيت بما عندك. فأنزله، وأخذه الشاب ومضى إلى حانوته، وكان الشاب جزاراً، فأجلسه حتى فرغ من بيعه وشرائه، وكان الشاب لا يمر بشحم ولا مخ إلا عزله، فلما كان وقت الإنصراف أخذ بيد موسى ﵇، وانطلق به إلى منزله، ثم أخذ الشاب الشحم والمخ وطبخه. ثم دخل بيتاً فيه قفتان معلقتان في السقف فأنزل أحدهما إنزالا رفيقاً، وإذا فيها شيخ كبير قد سقط حاجباه على عينه من الكبر، فأخرجه من القفة وغسل وجهه وثيابه وبخرها، ثم ألبسه إياها، ثم أخذ خبزاً وثرده، وصب عليه الشحم والمخ وأطعمه حتى شبع، وسقاه حتى روي، فقال الشيخ: يا ولدي لا خيب الله سعيك معي، وجعلك رفيقاً لموسى بن عمران في الجنة. ثم أنزل القفة الثانية وفعل بها مثل الأولى، وإذا فيها عجوز كبيرة، فصنع معها مثل ما صنعه بالشيخ، فقالت: الحمد لله يا ولدي الذي لا خيب الله سعيك معي، وجعلك رفيق موسى بن عمران في الجنة. ثم ردهما إلى مكانهما. وخرج موسى ﵇ وهو يبكي رحمة لهما، فتبعه الشاب وقدم له طعاماً،

стр. 21

فقال: يا أخي، ما أنا محتاج إلى طعامك، ولكن سألت الله أن يريني رفيقي في الجنة، فأوحى الله تعالى إلى أن رفيقي في الجنة أنت، فقال الشاب: من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا موسى بن عمران، فخر الشاب مغشياً عليه، ودخل على والديه وأخبرهما أن الله قد استجاب دعاءهما وأن هذا موسى قد أخبره بذلك عن رب العالمين. فلما سمعا ذلك شهقا فماتا معاً، فغسلهما موسى وصلى عليهما، وصحبه الشاب إلى أن مات ﵁. وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى، من بر والديه فليس له عندي جزاء إلا الجنة، ومن لم يبر والديه فليس له عندي جزاء إلا النار. وقال أحمد التمار ﵁: مات لي أخ في الله تعالى، فرأيته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال لي: منعني بعقوق الوالدين أن لا أشم رائحة الجنة وأنا منتظر قدومهما لعلهما يرضيان عني فيرضى الله علي. إياك والزنا وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل لبني إسرائيل: إياكم وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل الربا، والإصرار على الزنا. يا داود، أدنى ما أفعل بالزاني أن أكوي حدقتيه ظاهراً وباطناً بمكاو من نار. وقال ﷺ : " يحشر الزاني يوم القيامة أنتن من ريح الجيفة " وقال ﵊:

стр. 22

" من صافح امرأة وقبلها وباشرها، فعليه الوزر في الدنبا، والعقاب في الآخرة ". لا تنظر إلى مالا يحل لك. وقال ﵊: " من حفظ طرفه حفظ الله عليه أهله، ومن نظر إلى عورة أخيه المسلم هتك الله عورته، وكحله بالنار يوم القيامة ". وحكي عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه قال: رأيت فتى في الطواف تفرست فيه الخير، فنظر الفتى إلى امرأة كانت تطوف، وإذا بسهم قد أصاب عينه، فذهبت إليه وأخرجت من عينه السهم فإذا عليه مكتوب: نظرت بعينك إلى غيرنا فأعميناها، ولو نظرت بقلبك إلى غيرنا لكويناه. وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، كيف غفلت حتى مددت عينك إلى ما لا يحل لك، يا داود، أما علمت أني غيور. يا داود، لو علمت ما سطر في الكتاب لكففت عينك ولما جفت لك عين. يا داود، لولا سري فيك لمحوتك من ديوان الأنبياء. يا داود إني جعلت في النار قطعاً من الزجاج والرصاص لمن ينظر إلى ما لا يحل له. يا داود، من نظر إلى ما لا يحل له حرمت عليه النظر إلى وجهي. وحكي عن يحيى بن زكريا ﵉ أنه قال لعيسى ﵇: لا تكن حديد النظر إلى ما لا يحل لك فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل، ولن تستطيع ذلك إلا بإذن الله تعالى.

стр. 23

وقيل: إن حسان بن ثابت ﵁ خرج يوم عيد، فصلى ثم عاد إلى زوجته، فقالت له: يا حسان، كم رأيت من وجه مليح؟ فقال: والله رفعت. طرفي ولا علمت ما كان من الناس، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نظر إلى ما لا يحل له حرم الله عليه النظر إلى وجهه وألقاه في النار ". وقيل: إن أبا عبيدة التراز - وأنه أبو عبد الله الرزاز ﵁، رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك، فقال: أوقفني بين يديه وغفر لي كل ذنب عملته إلا ذنبا واحداً استحيت أن أذكره، فأوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي، فقيل: وما هو؟ فقال: نظرت إلى شخص جميل فاستحيت أن أذكره. وقيل: إن راهبا تعبد في صومعته ستين سنة، فقال في نفسه: لو نزلت إلى الأرض ومشيت فيها لأنظر إلى ثمارها وأنهارها، فنزل ومعه رغيف، فتعرضت له امرأة فلم يملك نفسه إلى أن واقعها، ورأى كل سائلاً فأعطاه الرغيف ومات في تلك الحالة، فجيء بعمل ستين سنة فوضع في كفة من الميزان، ثم جيء بالخطيئة فوضعت في الكفة الأخرى، فرجحت على عمل الستين، ثم جيء بالرغيف فوضع في أعماله فرجحت أعماله على خطيئته. وقيل: إن بعض الصالحين تعرضت له امرأة في طريقه فلم يلتفت إليها، فلما كان الليل كتبت له رقعة وهي تقول فيها: الله الله في أمري، فكل عضو مني مشغول بحبك فلما وقف على الرقعة تشوش باطنه. وكتب إليها: إن الله تعالى إذا عصاه العبد أول مرة حلم عليه، وإذا عصاه ثاني مرة ستره، وإذا عصاه ثالث مرة غضب عليه غضباً تضيق منه السموات والأرض، فمن ذا يطيق غضب الله . فلما وقفت على الرقعة لزمت بيتها وتابت إلى الله تعالى.

стр. 24

وحكي أن رجلاً خلا مع امرأة، فقال لها: إغلقي الأبواب وارخي الستور، ففعلت ذلك، فلما دنا منها قالت له: إنه بقي باب لم أغلقه، فقال لها: وأي باب هو؟ فقالت له: الذي بينك وبين الله تعالى. فصاح الرجل صيحة، فخرجت روحه فيها. وقال بعض الصالحين: رأيت حداداً وهو يخرج الحديد من النار بيده ويقلبها باًصابعه، فقلت في نفسي: هذا عبد صالح، فدنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت له: يا سيدي، بالذي عليك بهذه المنزلة ألا ما دعوت الله لي، فبكى وقال: يا أخي، ما أنا من القوم الذين تزعم، ولكن أحدثك أمري، وذلك أني كنت كثير المعاصي والذنوب، فوقعت على امرأة من أحسن الناس وجهاً، فقالت لي: هل عندك شيء لله تعالى، فأخذت قلبي؟ فقلت لها أمضي معي إلى البيت وادفع لك ما يكفيك، فتركتني وذهبت ثم عادت وهي تبكي، وقالت: والله لقد أحوجني الوقت إلى أن رجعت إليك، فأخذتها ومضيت بها إلى البيت ثم أجلستها، وتقدمت أليها، فإذا هي تضطرب كالسفينة في الريح العاصف، فقلت: مم اضطرابك، فقالت: خوفا من الله تعالى أن يرانا على هذه الحالة، فإن تركتني ولم تصبني فلا أحرقك الله بناره لا في الدنيا ولا في الآخرة. فقمت عنها ودفعت لها ما كان عندي لله تعالى، فخرجت من عندي، وأغمي علي، فرأيت في النوم امرأة أحسن منها، فقلت لها: من أنت؟ فقالت: أنا أم الصبية التي جاءت إليك، هي من نسل رسول الله ﷺ ، ولكن يا أخي جزاك الله عني خيراً، ولا أحرقك الله بناره لا في الدنيا ولا في الاخرة، فإنتبهت وأنا فرح مسرور فأنا من ذلك اليوم تركت ما كنت عليه من المعاصي، ورجعت إلى الله تعالى.

стр. 25

إياك مخالفة الله في أمره وقال بعض الصالحين: رأيت غلاماً قد انقطع عن الناس وهو قائم يصلي، فانتظرته حتى فرغ من صلاته، فسلمت عليه وقلت له: أما معك مؤنس؟ قال: نعم، قلت: وأين هو؟ قال: أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، ومن تحتي، فقلت في نفسي: إن عنده معرفة، فقلت له: هل عندك زاد؟ قال: نعم، فقلت: وأين هو؟ قال: الإخلاص لله والتوحيد، والإقرار لنبيه محمد ﷺ ، قلت له: يا سيدي: إن لي عندك حاجة، قال: وما هي؟ فقلت: أن تدعو الله تعالى لي، فقال: حجب الله طرفك من كل معصية وألهمك بفكرة فيما يرضيه حتى لا يكون لك همة إلا هو، قلت: يا سيدي، متى ألقاك؟ قال لي: أما اللقاء في الدنيا فلا تحدث نفسك بلقائي، وأما الآخرة فإنها لجميع المتقين، وإياك أن تخالف الله تعالى فيما أمرك به وندبك إليه، وإياك إن كنت تبتغي لقائي فاطلبني مع الناظرين إليه، قلت له: وكيف ذلك، قال: بتغضيض بصري عن كل محرم واجتنابي عن كل مسكر، وقد سألت الله تعالى أن يجعل جنتي النظر إليه، ثم صاح يسعى وأقبل يسعى، حتى غاب عن بصري. وقال الأصمعي رضي الله تعالى عنه: رأيت، أعرابياً في الطواف وهو أرمد العينين والقذى يسبل من عينيه وهو لم يزل قذاهما، فقلت له: ما بالك لا تزيل القذى من عينيك؟ فقال: إن الطبيب زجرني عن ذلك، ولا خير فيمن لا يزجر بالطبيب، إذا نهاه فلا ينتهي، فقلت له: أي شيء تشتهي؟ فقال: أشتهي لكن أحتمي، لأني رأيت أهل الجنة غلبت حميتهم على شهوتهم، فهم لا يشتهون بعدها أبداً. ورأيت أهل النار غلبت شهوتهم على حميتهم فلذلك افتضحوا وشقوا شقاوة لا يسعدون بعدها أبداً. وحكي عن الحسن البصري ﵁ انه مشى خلف جزارة، فلما بلغ

стр. 26

سكة الجزارة وقف وبكى بكاء شديداً، فقيل له في ذلك، لقال: كان ههنا رجل عابد، فدخل يوما هذه السكة، فرأى امرأة نصرانية، فافتتن بها فخاطبها، فامتنعت منه إلا أن يدخل في دين النصرانية، فغلب عليه الشيطان، ودخل في دينها، فلما سمعت المرأة بذلك خرجت إليه وبصقت في وجهه، وقالت له: أفٍ لك من رجل تركت دين الاسلام لشهوة ساعة وأنا تركت دين النصرانية لشهوة ساعة، وأنا تركت دين النصرانية لشهوة الأبد، فأسلمت وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وحسن إسلامها. وقال الحسن الرازي ﵁: رأيت ولدي في المنام عليه ثياب النيران، ومقطعات النيران، فقلت له: يا بني، مالي أرى عليك زي أهل النار، فقال: يا أبت، حدثتني نفسي بشيء، وغلبني هواي، وقد هوى بي في النار، فإياك يا أبت ثم إياك أن تضلل نفسك. وقال سفيان الثوري ﵁: رأيت رجلاً متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم سلم، فقلت له: ما شأنك؟ ومم تطلب السلامة؟ فقال لي: يا أخي، كنا أربعة أخوة تنصر أحدنا عِنْداً، وتهوَّد الآخر، وتمجس الثالث، وبقيت أنا خائفاً من الله تعالى، وراغباً في السلامة. وحكى بعضهم أنه اصطاد سمكتين، فنادته أحدهما: أتأخذني وأنا أطوع منك إلى الله تعالى، فجاوبتها الأخرى: لا تمني عليه بطاعتك، فما عبده أحد إلا بما سبق له في القدر. وقال ذو النون المصري ﵁: مررت بدير فوجدت فيه رجلاً يعبد الشمس من دون الله تعالى، فقلت له: يا شيخ لمن تعبد؟ فقال: الشمس، فقلت له: دع، واعبد الله الذي خلقك وخلق السموات والأرض، والشمس والنجوم، والليل والنهار، والشجر والجبال، وخلق كل شيء فقدره تقديراً،

стр. 27

فقال: تصرم حبلي وفني عمري، ولا حصل لي تقوى الله، ولا انصلح لي شأن، فو الله إنني خائف من فضيحتي منه، إذا نصب الميزان، يا ذا النون، القلب مغلوق، والمفتاح معدوم، والشقاء قد قيد القدمين، والقضاء قد أعمى العينين، وكيف لي بالصلح والباب في وجهي مردود وأنا منه مهزوم ومعبود. فقال ذو النون: يا إلهي، هذا عبدك قد عزم على الصلح، والخير كله بيدك، فناداه المجوسي: يا ذا النون، قد جاء المفتاح من عند الفتاح، فبكى ذو النون بكاء شديداً، فقيل له: تبكي؟ فقال: إني خائف حين فتح عليه الباب أن يغلق في وجهي. فنودي: ياذا للنون، لا تظن بنا إلا خيراً. أقوال الصالحين في التوبة والإقلاع عن الذنوب وقال أبو يزيد البسطامي ﵁: حججت سنة من السنين إلى بيت الله الحرام، فجعلت أدعو وأتملق تملقاً، وإذا بهاتف يقول: يا أبا يزيد، لو دعوتنا بهذا الدعاء ألف سنة، وحججت ألف حجة ما قبلنا ولا ذرة واحدة، فقلت: لماذا؟ قال: لأنك ترى عملك ولا ترى من استعملك، قلت: يا رب، إذا لم تقبل مني عبادتي ولا عبري، وعزتك لأتقطعن الوصال بيني وبينك، فقيل له: يا أبا يزيد إن كان بيدك فاقطعه، نحن أوصلناك نسيتنا، فقلت: وعزتك لا ألبرح من حرمك حتى أعلم رضاك عني، فقل لي: قل يا أبا يزيد، ما تريد؟ وعزتي وجلالي لو يعلم العالم ما أعلمه من باطنك لرجوك، فقلت: وعزتك وجلالك، لو يعلم العالم ما أعلمه من كرمك ما عبدوك. وإذا بهاتف يقول: يا أبا يزيد، لا نقول ولا تقول، أنت عندنا مقبول. وقال يحيى بن سعيد ﵁: رأيت رب العزة في المنام، فقلت: يا! لهي أدعوك وأنت لا تستجيب لي، فقال لي: إني أحب أن أسمع صوتك.

стр. 28

وقال سفيان الثوري ﵁: سمعت أعرابياً يقول في الطواف: إلهي من أولى بالتقصير مني وقد خلقتني ضعيفاً، ومن أولى بالكرم منك وقد سميت نفسك رؤوفا، ولك المنة علي وقد عصيتك بعلمك، ولك الحجة علي فبانقطاع حجتي ووجوب حجتك وفقري إليك وغناك عني إلا ما غفرت لي. وقال بشر بن الحارث ﵁: رأيت شاباً ولع به الوله، وهو يقول هذه الأبيات: كم زللت فلم أذكرك في زلل ... وأنت يا واحد في الغيب تذكرني كم أهتك السر جهراً عند معصيتي ... وأنت تلطف بي حباً وتسترني ولا بكيت بدمع العين من أسف ... ولا بكيت بكاء الواله الحزن وقال بعض السلف الصالحين ﵃: رأيت شاباً في سفح جبل وعليه آثار القلق، ودموعه تنحدر كالموج إذا اندفع، فقلت له: ما أنت؟ فقال: عبد آبق من مولاه، فقلت له: يعود ثم يعتذر، فقال: العذر يحتاج إلى إقامة حجة ولا حجة للمفرط، فقلت: يتعلق بشفيع، فقال: كل الشفعاء يخافون منه، قلت: من هو؟ قال: مولاي، رباني صغيراً فعصيته كبيراً، قد حباني من حسن صنعه فقابلته بقبيح فعلي، ثم صاح صيحة عظيمة ودفع مغشياً عليه، فحرجت عجوز وقالت: من أعان على قتل هذا اليائس الحيران، فقلت: عبدك يعينك عليه، فقالت: دعه ذليلا بين يدي قاتله عسى أن يراه بعين عفوه ورحمته. وقيل في المعنى شعر: إلهي لا تعذبني فإني ... مقر بالذي قد كان مني ومالي حيلة إلا رجائي ... وعفوك إن عفوت وحسن ظني وكم من زلة لي في الخطايا ... وأنت علي ذو فضل ومن

стр. 29

إذا فكرت في جرمي عليها ... قرعت أناملي غيظا بسني يظن الناس بي خيراً وإني ... أشر الناس إن لم تعف عني وقال كعب الأحبار ﵁: أتى رجل فاحشة فدخل نهراً يغتسل فيه، فناداه إن إِ تتب من هذا الزنا، فخرج ص من النهر فزعاً مرعوباً، وهو يقول: والله لا أعصى الله بعدها ابداً. وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: أتيت يوماً من الأيام بيت المقدس، وإذا فيه حلقة عظيمة وفيهم شاب حسن الثياب وهو جالس على كرسي وعنده أشربة وأدوية، وهو يصف لكل علة دواء، فأردت أن امتحنه، فقلت له: يا أخي، عندك دواء لهذا الجرح الذي أعضل وتكامل، فنظر إلي وقال لي: إليك عني يا بطال، هذا الكلام كلام من عصى الله وساء عمله، قل أستغفر الله، يا أخي عصيته ليلاً أو نهاراً؟ فقلت: نهاراً، فقال: صوماً أو إفطاراً؟ فقلت: صوما فنظر إلي وقال: يا أخي، عليك بصحبة الأبرار، واجتناب الأشرار، واخلع نعل الفخر من قدميك، ورداء الكبر من منكبيك، وخذ من أهليج الخشوع، وماء القنوع، وسناء الزهد، وورق الفقر، وعيدان الصبر، ودقه في هون التوكل، واطرحه في طاجن القلق وأوقد تحته عيدان الصفا، فإن على فعليك بتحريكه بمغرفة المعرفة، وإذا أزيد الحكمة حركه بأسطام الخشية، وفرغه في أقداح الفكرة، وروح عليه بمراوح الاستغفار، واشربه بالعشي والأسحار، وتمضمض، عليه بالمراقبة، وقل في غسق الدجى: يا من لا يقطع الرجاء. وقيل في المعنى شعر: يا رب أنت أمرتني ونهيتني ... وسلكت في طرق الضلالة والهدى وعلمت أني لا أفر من الذي ... قدرت لي إن كان خيراً أوردي وسلكت بي ما شئت للسر الذي ... في الخلق قد أخفيته يا سيدي

стр. 30

ودخلت في غير اختيار تحته ... فالعبد محكوم عليه وإن عدى فأقبل بفضلك توبتي لك مخلصا ... فارحم فإني قد بسطت لك اليدا وحكي عن بعض الصالحين أنه كان يقول في مناجاته: إلهي، كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف أحزن وقد عرفتك؟ وكيف أدعوك وأنا خاطئ، وكيفا لا أدعوك وأنت كريم؟ وقيل في المعنى شعر: ذنوبي وإن فكرت فيها عظيمة ... ورحمة ربي من ذنوبي أوسع وما طمعي في صالح قد عملته ... ولكنني في رحمة الله أطمع وقال آخر: إلهي أنت ذو فضل ومنّ ... وإني ذو الخطايا فاعف عني فظني فيك يا ربي جميل ... فحقق يا إلهي فيك ظني يظن الناس بي خيرا وإني ... أشر الناس إن لم تعف عني وقيل: أذنب عبد لعبد العزيز بن عمر ﵄ ذنباً، فأوقفه بين يديه وأمر بضربه، فقال له: يا مولاي، أما بينك وبين الله تعالى ذنب فأمهلك فيه، فقال: وأي ذنب ما أمهلني، فقال: بالذي أمهلك إلا ما أمهلتني. فعفا عنه وتركه. تم أذنب ثانياً، فأوقفه بين يديه وأمر بضربه، فقال: مولاي، أما عصيت الله تعالى ثانياً فأمهلك، قال: بلى، فقال: يا مولاي، بالذي أمهلك إلا ما أمهلتني، فعفا عنه وتركه. ثم أذنب ثالثاً، فأوقفه بين يديه وأمر بضربه، فاًطرق برأسه إلى الأرض ولم يتكلم، فقال له سيده: ما بالك لا تقول القول الذي كنت تقوله في كل مرة،

стр. 31

فقال: يا سيدي، منعني الحياء من كثرة ما أتوب ثم أعود. وقيل في المعنى شعر: عصيت مولاك يا سعيد ... ما هكذا تفعل العبيد فراقب الله واتقيه ... يا عبد سوء غدا الوعيد قال الحسن البصري ﵁: رأيت رب العزة في المنام، فقلت له: اللهم اغفر لي، فقال: إن أحسنت فيما بقي غفرت لك فيما مضى، وإن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي. وقال بعض الصالحين: رأيت شاباً وهو يقول: يا قديم الإحسان إحسانك القديم، فقلت له يوماً: أراك لا تغفل عن هذه الكلمة، فقال لي: لذلك سبب عجيب، وذلك أن من عادتي إذا كانت ضيافة أو عرس أبرز مثل النساء فاًتزر وأتقنع وأدخل بينهن وأجلس، فاتفق أن كأن عرس في دار الأمير، فحضرت على العادة فضاعت جوهرة في دار الأمير، فأمر الأمير بتفتيش النساء، فكشفوا عن اقنعتهن، وأنا كنت اقول: يا قديم الإحسان إحسانك القديم، ونذرت مع الله نذراً إن سترني لا أعود إلى ذلك أبداً، فلما وصلوا إلي نودي في القوم: أن اتركوا البقية فقد وجدنا الدرة. قال: فتبت من ذلك اليوم وعاهدت الله أن لا أعود. وقيل في المعنى شعر: لا عدت أفعل ما قد كنت أفعله ... جهلاً فخذ بيدي يا خير من رحما هذا مقام ظلوم خائف وجل ... لم يظلم الناس لكن نفسه ظلما فاصفح بعفوك عمن جاء معتذرا ... بذلة سبقت منه وقد ندما مالي سقاك ولا علم ولا عمل ... فامنن بعفوك يا من عفوه كرما

стр. 32

وقال بعض الصالحين: رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يساقون إلى الحساب، وأنا مع طائفة منهم عليهم الحلل والتيجان، فمروا إلى ساحل بحر فجلسوا، فأردت أن أجلس معهم، فقالوا: إليك عنا، فلست منا أطلب أصحابك المذنبين، فسرت قليلاً وإذا أنا بأقوام على كراسي من نور فأردت أن أجلس معهم، فقال لي قائل منهم: لا تجلس معنا اطلب أصحابك المذنبين، فمشيت قليلاً وإذا أنا بأقوام عليهم ثياب رثة، ووجوه غيره مصفرة، فقالوا: إجلس معنا فأنت منا، فقلت: من أنتم؟ قالوا: " أصحابك المذنبين، فجلست معهم وبقيت متفكراً في أمري، وإذا بسفينة من الذهب الأحمر، وشراعها من السندس الأخضر، وإذا بمناد ينادي ويقول: هذه سفينة الأبرار المستغفرين بالأسحار، فقامت طائفة وقالت: لبيك داعي ربنا وسعديك، ثم ركبوا فرحين مستبشرين حتى غابوا عن أعيينا، ثم أقبلت سفينة من لؤلؤة بيضاء شراعها من السندس الأخضر، وإذا مناد ينادي ويقول: أين العلماء ورثة الأنبياء، فقالوا: لبيك داعي ربنا وسعديك، فركبوا حامدين شاكرين فرحين مستبشرين حتى غابوا من أعيننا ولم يبق على ساحل البحر غيرنا. فبينما نحن في كرب شديد وغم وحزن ما عليه من مزيد، وإذا بسفينة قد أقبلت، وهي من الياقوت الأحمر وشراعها من السندس الأخضر، فتأملت الشراع فإذا هي مكتوب عليها: (ورحمتي وسعت كل شيء) ، ومناد ينادي ويقول: هذه سفينة الرحمة والتعطف، أين أهل العصيان والتخلف؟ فركبنا مستغفرين ذاكرين الله تعالى. ولم نزل في الرجاء والامتنان حتى أشرفنا على وادي العفو والغفران، فجاءنا توفيق من الكريم المنان قد غفر لنا، فلما غفر لنا ما غفر لنا، وسر لنا ما سر لنا، ووهب لنا ما وهب لنا، حمدنا الله تعالى غلى منه وكرمه.

стр. 33

وقال مالك بن دينار ﵁: رأيت إبن بشار في النوم بعد موته بسنة، فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام، فقلت له: ماذا لقيت بعد الموتي؟ فدمعت عيناه، وقال: لقيت أهوالاً وزلازلاً عظاما شداداً، فقلت: وما كان بعد ذلك؟ فقال: وما يكون من الكريم، قبل منا الحسنات، وعفا عن السيئات، وضمن لنا الدرجات، ثم شهق مالك شهقة عظيمة فخر مغشياً عليه. وقيل: إن الحجاج الزاهد رآه بعض أصحابه في النوم، فقال له: في ترى حالك؟ فقال: الأمر سهل، وما رأيت شيئاً مما كنت أخاف منه والحمد لله. وقيل: إن الشبلي ﵀ لما رؤي في النوم فقل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبني وناقشني حتى يئست، فلما رآني يئست تغمدني برحمته. وقال احمد بن العربي: رأيت أحمد بن الحسن الرازي في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل، الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال لي: يا عبد، سوء فعلت وتركت وصنعت، فقلت: يا سيدي، ما بلغني عنك هكذا، فقال: ما بلغك عني؟ فقلت: بلغني عنك انك كريم، والكريم إذا قدر عفا، فقال: خدعتني بقولك، فقلت: يا رب، هبني لمن شئت، فقال: إذهب فقد وهبتك لك. وقيل: إن منصور بن عمار ﵁ روي في المنام بعد موته، فقبل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال لي: يا منصور، أتدري لم قد غفرت لك؟ فقلت: لا يارب، فقال: انك جلست للناس يوماً تحدثهم فاًبكيتهم، فبكى منهم عبد من عبادي لم يبك قط من خشيتي فغفرت له ووهبت كل من في المجلس له، وهبتك فيمن وهبت. وقال أحمد الخواص رضي الله عنة: رأيت يحيى بن أكثم في النوم بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال أوقفني بين يديه وقال لي،: يا شيخ السوء تنسى

стр. 34

تخاليطك الكثيرة فتحيرت، ثم قلت: يا رب ما بلغني هكذا، فقال: وما بلغك عني، فقلت: يا رب، سمعت في بعض الأخبار أنك قلت: " من شاب شيبة في الإسلام إستحيت أن أعذبه في النار "، فقال: صدقت، يا ملائكتي اذهبوا بعبدي إلى الجنة. وقيل: أوحى إلى داود ﵇: يا داود، إني لأنظر إلى الشيخ في كل يوم صباحاً ومساء وأقول له: يا عبدي، كبر سنك، ورق جلدك، ودق عظمك، وحان قدومك علي، فاستحي مني فإني أستحي منك. وحكي أن الشبلي رحمه الله تعالى وعظ الناس يوماً وبكى بكاء شديداً، فقام إليه شيخ وهو قابض على لحيته وعيناه تذرفان بالدموع، فقال له: يا شبلي: انصف بيني وبينك وبين ربك، فقال: وما ذاك؟ قال: يا شبلي، كلما قمت أقعدني، وكلما نهضت نحوه قطعني، وكلما قصدت الباب وجدته مغلوقاً في وجهي وقد كبر سني، ووهن عظمي، وقلت حيلتي، فما ترى في قضيتي، فقال له الشيخ: نعم يا سيدي، هذه علتي، فقال له: يا سيدي، أريد فتى من الفتيان يحمل عني أوزاري وذنوبي، فليس لي طاقة على حملها، فقد أثقلت ظهري وأعجزت مقدرتي. وقيل في المعنى شعر: يا مالكي يا خالقي يا رازقي ... يا من إليه تحركي وسكوني

стр. 35

إني ضعيف عن عذابك سيدي ... ومقصر عن حمل قبيح ذنوبي قال: فأطرق الشيخ رأسه متعجبا لأمره، وإذا امرأة قد قامت وقالت: يا سيدي، أنا من الخاطئات المذنيات، وأنا أكثر ذنوباً من هذا الشيخ، وقد تحملت ذنوبه مع ذنوبي أقدم بها على ربي، فقال الشيخ الشبلي رحمه الله تعالى: فما استتمت كلامها حتى هتف في المجلس هاتف، وهو يقول: يا شبلي: قد غفرنا لمن في المجلس كلهم لأجل هذه المرأة لحسن ظنها بنا. وقيل في المعنى شعر: يا ذا المكارم والعلا إن ... يا ذا الجلال الأوحد إن العصاة تجمعوا ... لوجود عفوك سيدي قصدتك كل قبيلة ... فلمن يروح ويغتدي حطو إليك رحالهم ... يستشفعون بأحمد قال بعض الصالحين ﵃: رأيت جارية تطوف حول البيت وهي تقول: أتراك تقبلني وتغفر زلتي، فقلت لها: ما فعلت؟ فقالت: أنا امرأة عاصية فخرجت يوما أتحدث مع أعرابي، إذ مر بي هاتف وهو يقول: يا ملعونة، كيف تقتني عباد الله؟ فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا الرقيب، ما في صحيفتك قط عندي حسنة، وهذا العبد قد امتلأت صحيفته من السيئات، فقلت له: إذا أنا تبت يقبلني؟ فقال: وهل التوبة إلا لمثلك، فخرجت من وقتي وساعتي، ولبست هذا الثوب الشعر، وقلت: عسِى يقبل توبتي، وقد تبت إليه عما كان مني. قال: فبينما هي تكلمني وإذا بهاتف يقول: لقد قبلناك وقبلنا توبتك، ثم شهقت شهقة عظيمة وفارقت الدنيا. فرحمة الله عليها. وقال وهب بن الوردي ﵁: بينما امرأة تطوف وهي تقول: يا رب ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب مالك عقوبة إلا النار، أما في عفوك ما

стр. 36

يسعني يا أرحم الراحمين. قال: فما استتمت كلامها إلا وقائل يقول: قد عفونا وغفرنا لك. قال الجنيد ﵀: كان بجواري رجل شرطي، فلما مات حمل إلى مسجدي لأصلى عليه، فامتنعت من الصلاة عليه لما أعرفه من ظلمه، فقلت: أصرفوه عني، فصرفوه وصلوا عليه ودفنوه، فرأيته في تلك الليلة في منامي وهو في قبة خضراء، فقلت له: أنت فلان الشرير، قال: نعم، قلت: بم نلت هذه المنزلة؟ قال: بإعراضك عني، فأقبل على الجليل ﷻ وقال: أقبل على المطرودين. وقال مالك بن دينار ﵁: كان لي جار مسرف على نفسه كثير الخطايا، قد تأذى الجيران منه، فأخبرته بذلك، وقلت له: أخرج من البلد، فقال لي: أنا في منزلي لا أخرج، فقلت له: بع منزلك، فقال: لا أبيع منزل ملكي، فقلت له: أشكوك إلى السلطان، فقال: أنا من أعوانه، فقلت له: أنا أدعو عليك، فقال: إن الله أرحم بي منك. فهممت أن أدعو عليه، فهتف بي هاتف: لا تدع عليه فإنه ولي من أوليائي، فجئت إلى باب داره، فنظر إلي وظن أني أخرجه، فقام لي كالمعتذر، فقلت: ما جئت إلى هذا، ولكني سمعت كذا وكذا، فوقع عليه البكاء وقال: إني تبت عما كان مني. وقيل لذي النون المصري ﵁: ما كان بدء أمرك؟ فقال: كنت شاباً في لهو ولعب وتعب، فخرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام، بينما أنا راكب في المركب وقد توسطنا البحر، ففقد من بيننا كيس ففتش كل من في المركب، وكان بيننا شاب لا نبات بعارضيه، فلما وصلوا إلى الشاب ليفتشوه، فوثب من المركب وثبة حتى جلس على أمواج البحر، وقال: يا مولاي، إن هؤلاء

стр. 37

اتهموني، وأني أقسم عليك يا حبيب قلبي أن تأمر كل دابة في البحر أن تخرج رأسها، وفي فم كل واحدة منهن جوهرة. قال ذو النون ﵁: فما استتم كلام الشاب حتى رأينا دواب البحر وقد أخرجت رؤوسها وفي فم كل واحدة منهن جوهرة تتلألأ وتلمع، ثم وثب - على الماء يتبختر وهو يقول: (إياك نعبد وإياك نستعين) . وقيل لمالك بن دينار ﵁: كيف سبب توبتك؟ فقال: كنت شرطياً وكنت منهمكا على شرب الخمر، وكانت لي جارية، فولدت لي بنتاً فلما دبت على الأرض ألفتها وألفتني، وكنت إذا شربت الخمر جاءت إلي وأهرقتها علي، ثم أنها ماتت. فلما كانت ليلة النصف من شعبان وأنا نائم سكران، فرأيت كأن القيامة قد قامت، فالتفت فإذا بتنين عظيم وهو من أعظم ما يكون، قد فتح فاه وهو مسرع إلي، فوليت هارباً منه مرعوبا، فرأيت شيخاً نقي الثوب، طيب الرائحة، فقلت له: أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ، وقال: إني ضعيف وهذا أقوى مني، فوليت هارباً حتى أشرفت على طبقات النيران، وكنت كدت أن أهوي فيها، فصاح صائح: إرجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله فرجعت. فإذا التنين قد قرب مني وتحيرت في أمري، وإذا بإبنتي التي ماتت وقد أشرفت وقالت: يا أبت، أنت أبي والله، ومدت يدها اليمنى إلي فتعلقت بها، ومدت يدها اليسرى إلى التنين فولى هارباً، ثم أجلستني وقعدت في حجري، وقالت: يا أبت، (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) . فقلت لها: وأنتم تقرأون القرآن؟ قالت: نعم، ونحن أعرف بحروفه منكم، فقلت لها: أخبريني عن التنين الذي هو أراد هلاكي، قالت: يا أبت، هذا عملك السوء

стр. 38

قويته عليك،.فقلت: أخبريني عن الشيخ الذي مررت به، قالت: ذلك عملك الصالح أضعفته فلم يكن له قوة ولا طاقة بعملك السوء، فقلت لها: وما الذي تصنعون ههنا؟ قالت: نحن أطفال المؤمنين قد أسكننا الله تعالى في هذا الجبل ننتظر قدومكم علينا فنشفع لكم، فانتبهت فرحاً مسروراً. وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇، يا داود: ليس كل الأولاد أولاداً صلحاء، منهم ولد يسعر على والديه ناراً، وولد يشفع في أبويه فيدخله الجنة. يا داود، كم من مملوك عندي أقرب من سيده، وكم من ولد أطهر من أبيه. يا داود، إن السعيد عندي هو السعيد أبداً وربما حال إلى الشقاوة، وإن الشقي عندي هو الشقي أبداً ولربما حال إلى السعادة، ثم لا راد لحكمي ولا دافع لقضائي. وقال بعض الصالحين ﵃: كان بجواري رجل مدمن على الخمر فمات، فساًلت الله أن أراه في المنام، فرأيته بعد ستة أعوام وعليه حلة خضراء، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: يا سيدي، لما مت دفعت إلى جهنم، فضربوني بسياط من نار، بكل كأس شربته ألف ضربة. وكنت تركت زوجتي حاملاً، فولدت لي غلام فلما تكلم وقال: لا إله إلا الله أعتقني الله من النار. فلما تم له خسة أعوام دخل المكتب فلقنه المعلم: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالها فأدخلني الله تعالى الجنة وأعطاني فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. قال ﷺ : " ما من شفيع أفضل عند الله منزلة يوم القيامة من القران ".

стр. 39

وقال ﵊: " خيركم من تعلم القران وعلمه ". وحكي عن وهب - بن منبه ﵁ أنه اشترى جارية أعجمية أصبحت فصيحة، فقالت: يا مولاي، علمني فاتحة الكتاب، فقال لها: ويحك. أمسيت أعجمية وأصبحت فصيحة، وسألها سيدها عن ذلك؟ فقالت له: يا سيدي لرؤيا رأيتها البارحة، فقال لها: وما هي؟ قالت: رأيت كاًن الدنيا كلها أوقدت ناراً، وفتح لي منها طريق إلى الجنة، وكأن موسى ﵇ أقبل على الطريق وخلفه اليهود، فالتفت إليهم وقال: أنا ما أمرتكم أن تتهودوا، فسقطوا يميناً وشمالاً على وجوههم في النار وموسى وحده دخل. وإذا بعيسى ﵇ قد أقبل وخلفه النصارى، فوقف والتفت إليهم وقال: أنا ما أمرتكم أن تنصروا، فسقطوا يميناً وكمالاً على وجوههم في النار، ومر عيسى ﵇ وحده ودخل الجنة. وأقبل على أثره محمد ﷺ وأمته خلفه، فوقف والتفت، وقال: " أنا أمرتكم أن تؤمنوا بربكم فأمنتم فلا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ". فمروا خلفه حتى دخلوا الجنة وبقيت أنا وامرأتان على باب الجنة، فقال الله تعالى لنا: هل قرأتم القرآن، فقال الملك الذي على باب الجنة للمرأتين: قرأتما سورة الفاتحة؟ فقالتا: نعم، فقال رضوان: ادخلوا الجنة. فعلمني يا مولاي سورة الفاتحة. وقال إدريس الحداد ﵁: دخلت على حمزة بن حبيب الزيات وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: يا آخي رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت، وقد دعي

стр. 40

بأهل القرآن، فكنت فيمن حضر، فسمعت قائلا يقول: لا يدخل الجنة إلا من يعمل بالقرآن، فرجعت، فهتف باسمي هاتف، فقلت: لبيك اللهم لبيك، فدخلت داراً، فسمعت فيها ضجيج القران، فوقفت أرعد، فسمعت قائلاً يقول: لا باس عليك، إقرأ سورة الأنعام، وأنا لا أدري على من أقرأ القرآن، فقرأت حتى بلغت: (وهو القاهر فوق عباده) ، فقيلّ: صدقت، فقرأتها حتى ختمتها، فقيل لي: إقرأ، فقرأت سورة الأعراف حتى بلغت إلى آخرها، وأومأت للسجود. فقيل لي: يا حمزة، لا تسجد، وحق القرآن لأكرمن أهل القران، إدن مني، فدنوت منه، فدعا بسوار من ذهب فسورني به وقال: هذا بقراءتك القرآن، ثم دعا بمنطقة من ذهب فمنطقتي بها، وقال لي: هذا بصومك باللهار، ثم دعا بتاج من ذهب مكلل بالياقوت والزبرجد، فتوجني به، وقال: هذا بتعليمك الناس القرآن. يا حمزة، وعزتي وجلالي ليس أفعل هذا بك وحدك، فقد فعلت ذلك ممن هو فوقك ومن هو دونك ممن قرأ القرآن. يا حمزة، وعزتي وجلالي لا أعذب لساناً تلا القرآن بالنار، ولا قلباً وعاه، ولا أذناً سمعته، ولا عين نظرته. وقال ﵊: " إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطو على قلب بشر، وان الرجل من أهل الجنة ليتزوج باثنتي عشرة ألف حورية، يعانق كل واحدة منهم بمدة عمرة ".
следующие страницы →