Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يسعني يا أرحم الراحمين. قال: فما استتمت كلامها إلا وقائل يقول: قد عفونا وغفرنا لك.
قال الجنيد ﵀: كان بجواري رجل شرطي، فلما مات حمل إلى مسجدي لأصلى عليه، فامتنعت من الصلاة عليه لما أعرفه من ظلمه، فقلت: أصرفوه عني، فصرفوه وصلوا عليه ودفنوه، فرأيته في تلك الليلة في منامي وهو في قبة خضراء، فقلت له: أنت فلان الشرير، قال: نعم، قلت: بم نلت هذه المنزلة؟ قال: بإعراضك عني، فأقبل على الجليل ﷻ وقال: أقبل على المطرودين.
وقال مالك بن دينار ﵁: كان لي جار مسرف على نفسه كثير الخطايا، قد تأذى الجيران منه، فأخبرته بذلك، وقلت له: أخرج من البلد، فقال لي: أنا في منزلي لا أخرج، فقلت له: بع منزلك، فقال: لا أبيع منزل ملكي، فقلت له: أشكوك إلى السلطان، فقال: أنا من أعوانه، فقلت له: أنا أدعو عليك، فقال: إن الله أرحم بي منك.
فهممت أن أدعو عليه، فهتف بي هاتف: لا تدع عليه فإنه ولي من أوليائي، فجئت إلى باب داره، فنظر إلي وظن أني أخرجه، فقام لي كالمعتذر، فقلت: ما جئت إلى هذا، ولكني سمعت كذا وكذا، فوقع عليه البكاء وقال: إني تبت عما كان مني.
وقيل لذي النون المصري ﵁: ما كان بدء أمرك؟ فقال: كنت شاباً في لهو ولعب وتعب، فخرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام، بينما أنا راكب في المركب وقد توسطنا البحر، ففقد من بيننا كيس ففتش كل من في المركب، وكان بيننا شاب لا نبات بعارضيه، فلما وصلوا إلى الشاب ليفتشوه، فوثب من المركب وثبة حتى جلس على أمواج البحر، وقال: يا مولاي، إن هؤلاء
стр. 37
اتهموني، وأني أقسم عليك يا حبيب قلبي أن تأمر كل دابة في البحر أن تخرج رأسها، وفي فم كل واحدة منهن جوهرة.
قال ذو النون ﵁: فما استتم كلام الشاب حتى رأينا دواب البحر وقد أخرجت رؤوسها وفي فم كل واحدة منهن جوهرة تتلألأ وتلمع، ثم وثب - على الماء يتبختر وهو يقول: (إياك نعبد وإياك نستعين) .
وقيل لمالك بن دينار ﵁: كيف سبب توبتك؟ فقال: كنت شرطياً وكنت منهمكا على شرب الخمر، وكانت لي جارية، فولدت لي بنتاً فلما دبت على الأرض ألفتها وألفتني، وكنت إذا شربت الخمر جاءت إلي وأهرقتها علي، ثم أنها ماتت.
فلما كانت ليلة النصف من شعبان وأنا نائم سكران، فرأيت كأن القيامة قد قامت، فالتفت فإذا بتنين عظيم وهو من أعظم ما يكون، قد فتح فاه وهو مسرع إلي، فوليت هارباً منه مرعوبا، فرأيت شيخاً نقي الثوب، طيب الرائحة، فقلت له: أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ، وقال: إني ضعيف وهذا أقوى مني، فوليت هارباً حتى أشرفت على طبقات النيران، وكنت كدت أن أهوي فيها، فصاح صائح: إرجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله فرجعت.
فإذا التنين قد قرب مني وتحيرت في أمري، وإذا بإبنتي التي ماتت وقد أشرفت وقالت: يا أبت، أنت أبي والله، ومدت يدها اليمنى إلي فتعلقت بها، ومدت يدها اليسرى إلى التنين فولى هارباً، ثم أجلستني وقعدت في حجري، وقالت: يا أبت، (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) . فقلت لها: وأنتم تقرأون القرآن؟ قالت: نعم، ونحن أعرف بحروفه منكم، فقلت لها: أخبريني عن التنين الذي هو أراد هلاكي، قالت: يا أبت، هذا عملك السوء
стр. 38
قويته عليك،.فقلت: أخبريني عن الشيخ الذي مررت به، قالت: ذلك عملك الصالح أضعفته فلم يكن له قوة ولا طاقة بعملك السوء، فقلت لها: وما الذي تصنعون ههنا؟ قالت: نحن أطفال المؤمنين قد أسكننا الله تعالى في هذا الجبل ننتظر قدومكم علينا فنشفع لكم، فانتبهت فرحاً مسروراً.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇، يا داود: ليس كل الأولاد أولاداً صلحاء، منهم ولد يسعر على والديه ناراً، وولد يشفع في أبويه فيدخله الجنة.
يا داود، كم من مملوك عندي أقرب من سيده، وكم من ولد أطهر من أبيه.
يا داود، إن السعيد عندي هو السعيد أبداً وربما حال إلى الشقاوة، وإن الشقي عندي هو الشقي أبداً ولربما حال إلى السعادة، ثم لا راد لحكمي ولا دافع لقضائي.
وقال بعض الصالحين ﵃: كان بجواري رجل مدمن على الخمر فمات، فساًلت الله أن أراه في المنام، فرأيته بعد ستة أعوام وعليه حلة خضراء، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: يا سيدي، لما مت دفعت إلى جهنم، فضربوني بسياط من نار، بكل كأس شربته ألف ضربة. وكنت تركت زوجتي حاملاً، فولدت لي غلام فلما تكلم وقال: لا إله إلا الله أعتقني الله من النار.
فلما تم له خسة أعوام دخل المكتب فلقنه المعلم: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالها فأدخلني الله تعالى الجنة وأعطاني فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
قال ﷺ : " ما من شفيع أفضل عند الله منزلة يوم القيامة من القران ".
стр. 39
وقال ﵊: " خيركم من تعلم القران وعلمه ".
وحكي عن وهب - بن منبه ﵁ أنه اشترى جارية أعجمية أصبحت فصيحة، فقالت: يا مولاي، علمني فاتحة الكتاب، فقال لها: ويحك. أمسيت أعجمية وأصبحت فصيحة، وسألها سيدها عن ذلك؟ فقالت له: يا سيدي لرؤيا رأيتها البارحة، فقال لها: وما هي؟ قالت: رأيت كاًن الدنيا كلها أوقدت ناراً، وفتح لي منها طريق إلى الجنة، وكأن موسى ﵇ أقبل على الطريق وخلفه اليهود، فالتفت إليهم وقال: أنا ما أمرتكم أن تتهودوا، فسقطوا يميناً وشمالاً على وجوههم في النار وموسى وحده دخل.
وإذا بعيسى ﵇ قد أقبل وخلفه النصارى، فوقف والتفت إليهم وقال: أنا ما أمرتكم أن تنصروا، فسقطوا يميناً وكمالاً على وجوههم في النار، ومر عيسى ﵇ وحده ودخل الجنة.
وأقبل على أثره محمد ﷺ وأمته خلفه، فوقف والتفت، وقال: " أنا أمرتكم أن تؤمنوا بربكم فأمنتم فلا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ". فمروا خلفه حتى دخلوا الجنة وبقيت أنا وامرأتان على باب الجنة، فقال الله تعالى لنا: هل قرأتم القرآن، فقال الملك الذي على باب الجنة للمرأتين: قرأتما سورة الفاتحة؟ فقالتا: نعم، فقال رضوان: ادخلوا الجنة. فعلمني يا مولاي سورة الفاتحة.
وقال إدريس الحداد ﵁: دخلت على حمزة بن حبيب الزيات وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: يا آخي رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت، وقد دعي
стр. 40
بأهل القرآن، فكنت فيمن حضر، فسمعت قائلا يقول: لا يدخل الجنة إلا من يعمل بالقرآن، فرجعت، فهتف باسمي هاتف، فقلت: لبيك اللهم لبيك، فدخلت داراً، فسمعت فيها ضجيج القران، فوقفت أرعد، فسمعت قائلاً يقول: لا باس عليك، إقرأ سورة الأنعام، وأنا لا أدري على من أقرأ القرآن، فقرأت حتى بلغت: (وهو القاهر فوق عباده) ، فقيلّ: صدقت، فقرأتها حتى ختمتها، فقيل لي: إقرأ، فقرأت سورة الأعراف حتى بلغت إلى آخرها، وأومأت للسجود.
فقيل لي: يا حمزة، لا تسجد، وحق القرآن لأكرمن أهل القران، إدن مني، فدنوت منه، فدعا بسوار من ذهب فسورني به وقال: هذا بقراءتك القرآن، ثم دعا بمنطقة من ذهب فمنطقتي بها، وقال لي: هذا بصومك باللهار، ثم دعا بتاج من ذهب مكلل بالياقوت والزبرجد، فتوجني به، وقال: هذا بتعليمك الناس القرآن.
يا حمزة، وعزتي وجلالي ليس أفعل هذا بك وحدك، فقد فعلت ذلك ممن هو فوقك ومن هو دونك ممن قرأ القرآن.
يا حمزة، وعزتي وجلالي لا أعذب لساناً تلا القرآن بالنار، ولا قلباً وعاه، ولا أذناً سمعته، ولا عين نظرته.
وقال ﵊: " إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطو على قلب بشر، وان الرجل من أهل الجنة ليتزوج باثنتي عشرة ألف حورية، يعانق كل واحدة منهم بمدة عمرة ".
стр. 41
وقال سفيان ﵁: والله لقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم فيتجلى عليهم نور تضييء منه الجنان الثمانية، فيظنون أن ذلك نور الحق ، فيخرون ساجدين، فينادون: ارفعوا رؤوسكم، ليس الذي تظنون، إنما هو نور جارية تبسمت في وجه زوجها من أهل عليين.
وقال الربيع بن خيثم ﵁: رأيت في المنام قائلا يقول لي: يا ربيع، إن ميمونة السوداء زوجتك في الجنة، فلما أصبحت سألت عنها؟ فقيل لي: هي تسكن الشام، فقصدتها، فوجدتها ترعى غنما، فسلمت عليها، فقالت: يا ربيع، ليس المأوى ههنا، فقلت لها: ما أكثر كلابك، وأقل غنمك، فقالت: ما هم كلاب ولكنهم ذئاب، فقلت لها: كيف تجمعي الذئاب مع الغنم؟ فقالت: أصلحت ما بيني وبين مولاي فأصلح الله ما بين الذئاب والغنم.
وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: دخلت على حي من أحياء العرب، فإذا بجارية فاستوقفني حسنها، فقلت: فاز من هذه له، فإذا برجل قبيح المنظر، فإذا هو أتاها وأخذ بيدها، فقلت: ما هذا منك؟ قالت: بعلي، فقلت لها: أترضين لهذا الوجه الجميل لمثل هذا، فقلت: بسبب ما قلت، لعله أحسن فيما بينه وبين الله فجعلني ثوابه، ولعلي أسأت فيما بيني وبين الله فجعله عقوبتي.
وحكي عن بعض الصالحين رضي الله تعالى عنهم أنه رأى رجلاً يبكي خلف جنازة امرأة، فقال له: يا أخي، ما هذه منك؟ قال: زوجتي، قلت: كم لها في صحبتك؟ قال: أربعين سنة،. قلت: فما كان سبب زواجك لها؟ قال: كنت كثير الصلاة في مسجد يحيى بن نعيم، فلما كان في بعض الأيام خرجت من المسجد، وإذا بي لمحتها، فوقعت في نفسي ووقعت في نفسها، فلم أزل حتى تزوجت بها، فلما دخلت معي في البيت، قلت لها: ما جزاء من جمع بيننا ومن علينا بالاجتماع، قالت: نقوم له هذه الليلة شكراً إلى السحر. معا.
ففعلنا ذلك، فلما صلينا الصبح، قالت: ما جزاء من منَّ علينا بالاجتماع حلالاً لا حراماً، فقلت لها: نصوم هذا اليوم شكراً لله تعالى، ولم نزل هكذا
стр. 42
أربعين سنة.
وقال بعض الصالحين ﵃: رأيت بعض الصالحين في النوم بعد وقاته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، قلت: أي الأعمال أفضل عندهم، قال: التوكل، وقصر الأمل.
وقيل: مكث عيسى ﵇ سبعين صباحاً يناجي ربه، فلم يأكل شيئاً، فخطر بباله الأكل، فانقطعت عنه المناجاة، فقعد يبكي، وإذا بشيخ قد أقبل، فقال له عيسى ﵇: يا شيخ، إدع الله لي، فإني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عني تلك الحالة، فقال الشيخ: اللهم إن كان الأكل خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي.
كرامات الأولياء
وقال عبد الله الكناني ﵁: جاءني فقير وهو يبكي، فسألته عن حاله؟ فقال لي: إني مكثت عشرة أيام لم آكل فيها شيئاً، فشكوت إلى بعضهم الجوع، ثم مررت ببعض الأزقة، فوجدت درهماً مطروحاً فأخذته، فإذا عليه مكتوب: أما كان الله عالماً بجوعك حين قلت: إني جائع.
وقيل قي المعنى شعر:
ليت شعري ما الذي قلت لنا ... ليلة أمرت فيها أمرنا
إن رضيني سيدي عبداً له ... أو مألى حيث الغيث الخنا
أو دعاني أمره عن إذنه ... عبد سوء أنت لم تصلح لنا
هكذا يا عبد سوء هكذا ... بعدما أوصلتنا قطعتنا
قد دعوناك فلم تعجب بنا ... واخترناك فما أعجبتنا
وقيل إن أبا يزيد البسطامي ﵁ أقام إثني عشر يوماً في الخلوة فلم
стр. 43
يفتح عليه بشيء، فعضه الجوع فخرج يطلب الرزق، فانتهى إلى باب يهودي، فوجد عند بابه كلباً، فوقف أبو يزيد بالباب سائلاً فدفع له رغيف، فلما أخذه وثب الكلب في وجهه، فقال أبو يزيد: لا تعجل إنما هو رغيف ونحن كلبان فلي نصفه، ثم رمى نصفه إلى الكلب وحمل عليه، فقال أبو يزيد: بحق من خلقك ألا ما كففت عني حتى أسأل ربي، فقال أبو اليزيد: اللهم أنطق لي هذا الكلب. فأنطقه الله تعالى، فقال لي: سبع سنين ولم أعرض عن باب اليهودي ولم يخطر ببالي الطمع في غيره، فإن أطعمني شيئاً أكلته، وإن أحرمني لم أعرض عن بابه، وأنت لازمت باب مولاك إثني عشر يوماً فعدلت عن بابه إلى باب يهودي، فأراد أن يؤدبك، فصاح أبو يزيد ومضى على وجهه.
وقيل: إن سفيان الثوري ﵁ أقام ثلاثة أيام لم يستطعم بطعام، فقال يوما لأخته: دقي على بعض الجيران، فذهبت، فقالت: إن أخي سفيان عادم القوت منذ ثلاثة أيام، فهل عندكم شيء يتقوت به؟ فقالوا: نحن عادمون القوت منذ خمسة أيام، فرجعت ودقت باباً آخر، فقالوا: نجن عادمون القوت منذ سبعة أيام، فنودي: يا سفيان، إن كنت محبا فاصبر على البلاء، وإلا فاسأله الإقالة.
وقيل: إن بعضهم ضاقت معيشته فشكا إلى صديق له ضيق المعيشة، فرأى صديقه في النوم وقائل يقول: قل لصديقك إن رضيت بحكمنا وإلا فارتحل من قربنا.
قال الشبلي ﵁: مررت بسكك بغداد، فرأيت جارية تبكي خلف درب، فقلت لها: ما يبكيك؟ قالت: يا سيدي لي سبعة أيام ولم أستطعم بطعام، فأنقدت بعض تلامذتي إلي السوق فاشتري لها طعاماً فأطعمها وسقاها، فانصرفت، فلما كان الليل رأيتها في المنام وهي نازلة من السماء، فقلت لها:
стр. 44
من أين؟ فقالت: من عنده، قلت: ما الذي صنعت؟ قالت: إستوهبتك منه، قلت: إن صدق منامي فإني أجدها ميتة، فلما أصبحت وجدتها ميتة.
قال عمر بن ا " فطاب ﵁: يصيح صائح يوم القيامة يقول: أين الذين أكرموا الفقراء والمساكين في الدنيا، ادخلوا الجنة لا خوف عليكم اليوم ولا أشتم تحزنون.
وقال بعض السادة الصالحين: رأيت أحمد بن طولون بعد موته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: لما قبضت روحي ساقني سائق عنيف، فمررت على جهنم، وقد فتحت أبوابها وارتفع دخانها، فخفت خوفاً شديداً وأيقنت بالهلاك، وإذا بجارية جميلة طيبة الرائحة قد أتت إلي، وقالت: يا أحمد لا تخف فقد وهبت لي، ثم وقفت بيني وبين النار فأنكف عني لهيبها، فقلت لها: من أنت؟ فقالت: صدقتك التي كنت تخفيها يميناً وشمالاً. ثم نادى مناد من تحت العرلش،: ادخلوه الجنة من باب المغفرة، فأدخلت الجنة وصرت إلى ما ترى، فقلت: ما هذه الكتابة التي طهرت عليك، فقال حياء مما كان.
وقال بعض الصالحين: مات أخ لي فرأيته في المنام، فقلت له: يا أخي، كيف ترى حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: يا أخي، أتأني بشهاب من نار. فلولا أن دعا داع لي لهلكت.
وقيل في المعنى شعر:
تقينت أبي مذنب ومحاسب ... ولم أدر مجروم أنا أو معاقب
وما أنا إلا بين الأمرين واقف ... فأما سعيد أم بذنبي مطالب
وقد سبقت مني ذنوب عظيمة ... فيا ليت شعري ما تكون العواقب
فيا منقذ الغرقى ويا كاشف البل ... ويا من له عند الممات مواهب
أغثنا بغفران فإنك لم تزل مجيباً ... لمن ضاقت عليه المذاهب
وقال مغيث بن شيبة ﵁: أوصتني والدتي عند موتها، فقالت: يا
стр. 45
بني، إذا أنت دفنتني فقم على قبري وقيل: يا أم شيبة قولي لا إله إلا الله، ففعلت ذلك ثم انصرفت إلى منزلي، فلما كان الليل رأيتها في المنام، فقالت: يا ولدي، جزاك الله عني خيراً، فلولا أنك أدركتني بقولك لا إله إلا الله محمد رسول الله لهلكت.
وقال بعض الصالحين: كان رجل يصلي في الصحراء، فجعل في محرابه سبعة أحجار وكان يقول إذا فرغ من صلاته للأحجار: يا أحجار أشهدكم أني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فلما مات رأيته في المنام فسألته عن حاله؟ فقال: أمر بي إلى النار فذهب بي إلى الباب الثاني، وإذا بالباب الآخر قد سده حجر أخر ولم أزل من باب إلى باب حتى سدت السبعة أحجار أبواب جهنم السبعة عني.
وقال عبد الله الواحي ﵁: حضرت ذات يوم مجلس الواعظ القشيري لعلي انتفع به وبوعظه وأعمل على كل كلمة من لفظه، قال: فبينما هو يعظ وأنا أسمع إذ غلبني النوم، فنمت في المجلس، فرأيت كأن القيامة قد قامت والناس قد عرضوا على الحساب، فحوسب من حوسب ونجا من نجا، وهلك من هلك، وإذا بالقشيري الذي أنا في مجلسه قد أمر به، فحوسب فوجدت له سيئات كثيرة، فأمر به إلى النار، فأخذته الزبانية، فلما ذهبوا به. قال الله : ردوا عبدي، فرجعوا به بين يديه، فقال الله : وعزتي وجلالي لولا أنك كنت تجمع الناس إلى ذكري وتبشرهم برحمتي لأدخلتك النار، انطلقوا بعبدي إلى الجنة. فانتبهت لعظم ما رأيت فزعاً مرجوفاً، فإذا الشيخ القشيري على المنبر ينشد ويقول هذه الأبيات:
حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فاًعتقوا
هكذا سيمة الملو ... ك بالمماليك يرفقوا
إن قلبي يقول لي ... ولساني يصدق
стр. 46
كل من مات مسلما ... ليس بالنار يحرق
قال إبراهيم بن أدهم ﵁: بينما أنا أمشي وإذا بامرأة على رأسها ميت والناس يرجمونه بالحجارة، فقلت لها: ما هذا منك؟ فقالت: ولدي وقطعة من كبدي كان يعصي الحق ولا يستحي من الخلق، فقلت لها: أنا أحمله معك، فحملته معها وحفرت له قبراً وألحدته، فلما فرغت من دفنه لقنته قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ت فلما فرغت من تلقينه، قالت: يا إبراهيم، توار عني، فتواريت خلف جدار، فقامت أمه وضمت القبرِ إلى صدرها ومرغت خديها عليه، وقالت: ليت شعري ما الذي لك؟ وما الذي قيل لك؟ ثم تركته وانصرفت عنه.
قال إبراهيم: فرجعت إليه وجلست عند قبره أقرأ فلحقني سنة من النوم، فرأيت شخصين قد جاءا إلى القبر وشقاه، ونزلا وأجلساه، ثم شم أحدهما عينه فقال: عين خائنة ما بكت قط من خشية الله تعالى، ثم ضم يده، فقال: يد مشومة وعن الخير مغلولة، ثم شم بطنه، فقال: بطن ملئت من الحرام ليس فيها شيء حلال، ثم شم فرجه، فقال: منهمك على معاصي الله تعالى، فقال أحدها لصاحبه: أي شيء نعمل؟ فقال: حتى أؤدي الرسالة، فغاب ساعة، ثم عاد وهو يقول: الحق كريم غفر ذنبه العظيم، فقال له صاحبه: ماذا؟ قال: كما قلت للحق وهو أعلم به: يا رب، رأينا منه كذا وكذا، فقال: هل شمما قلبه؟ قلت له: لا يا رب، فقال: فإن في قلبه موضع توحيدي، خلقي قطعوه وأنا وصلته، وهم آيسوه من رحمتي وأنا نظرت إليه برأفتي، فأوجبت له مغفرتي.
وقيل في المعنى شعر:
يا من إذا أبصرني معرضاً ... وليس فعلي عنده مرتضي
стр. 47
لي رحمة التوحيد لا غيرها ... وهي لقد تدخلني في الرضا
ما حيلتي إلا الرجا يا سيدي ... فاعف بفضل منك عما مضى
وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى، لولا من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ما نزلت من السماء قطرة، ولا نبت، في الأرض ورقة.
يا موسى، إني آليت على نفسي من قبل أن أخلق السموات والأرض أن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله صادقاً من قلبه كتبت له براءة من النار، وأدخلته الجنة بغير حساب.
إثم عقوق الوالدين
قال أنس بن مالك ﵁: " كان على عهد رسول الله ﷺ رجل يسمى علقمة، وكان كثير الإجتهاد عظيم الصدقة، فمرض واشتد مرضه، فبعثت زوجته إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي علقمة في النزع فأردت أن أعلمك مجاله. فقال لها الني ﷺ : إنطلقوا بنا إليه، فلما دخلوا عليه، قال: " يا علقمة كيف ترى حالك؟ فلم ينطق، فلقنه الشهادة، فلم ينطق. فلما أيقنوا أنه هالك قال النبي ﷺ لزوجته: أله أبوان؟ فقالت: يا رسول الله، ليس له أب، إن أباه قد مات، وله أم كبيرة السن.
فدعا بها النبي ﷺ ، فأقبلت فقال لها: كيف كان حال علقمة؟ فقالت: يا رسول انه، كان يصوم ويصلي ويتصدق، ولكني ساخطة عليه لأنه كان يؤثر زوجته عليَّ، فقال النبي ﷺ : " انطلق واجمع لنا حطباً حتى نحرقه بالنار ".
стр. 48
فقالت أمه: يا رسول الله، ولدي وثمرة فؤادي تحرقه بالنار، فقال النبي ﷺ : " يا أم علقمة إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن عذاب الله لشديد، وان الله ﵎ لم يرض عنه إلا برضاك، ولا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا عبادته ولا صدقته ما دمت ساخطة عليه ".
فقالت: يا رسول الله، أشهدك وأشهد الله أني قد رضيت عليه. فتقدم النبي ﷺ إلى علقمة ولقنه الشهادة فنطق بها فمات من ساعته وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه، فقام الني ﷺ على قبره وقال: " يا معشر المهاجرين والأنصار، من فضل زوجته على أمه لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ".
وعن النبي ﷺ ، أنه قال لأبي ذر ﵁:
" قم بنا نزور الغرباء، فقال أبو ذر: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ فقال: الذين لا يزورهم أحد، فقال: لعلك يا رسول الله تعني الموتى: فقال: نعم.
فقمنا حتى بلغنا القبور، فوقف على قبر وبكى بكاء شديداً، فقلت: يا رسول الله، ما بكاؤك؟ فقال: يا أبا ذر، هذا قبر رجل يعذبونه، وهو من أمتي فنزل جبريل ﵇، فقال: يا محمد، بكت الملائكة لبكائك فادع الله له.، فدعا الني ﷺ فسمع صوتاً من القبو، وهو يقول: الأمان الأمان يا رسول الله من عذاب الله، النار من فوقي، والنار من تحتي، والنار عن يميني، والنار عن شمالي، فقال ﷺ : يا شاب، بأي شيء إستحقيت هذا؟ فقال: من دعاء والدتي عليَّ، فقال
стр. 49
عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: ناد في الناس من له في القبر ميت فليحضر عند قبر ميته.
فخرجوا وحضروا إلى ذلك القبر، فما كان بعد ساعة إلا وعجوز قد أقبلت متوكئة على عصاها وهي تقوم مرة وتقع أخرى، حتى بلغت رأس القبر، فقال ﷺ : صاحب هذا القبر ما هو منك؟ فقالت له: ولدي وقرة عيني، قال: فما أنت عنه راضية؟ فقالت: لا، وذلك لأنه دخل علي يوماً وهو سكران، فضربني وكسر يدي، فقلت له: لا رضي الله عنك، فقال لها ﵊: " ارحمي ترحي، ضعي أذنك على القبر واسمعي صوته ".
فسمعته وهو يقول: الأمان الأمان يا رسول الله، النار من فوقي، والنار من تحتي، وعن يميني، وعن شمالي، فلما سمعت صوته بكت بكاء شديداً وقالت: يا رسول الله، قد رضيت عليه فصاح الشاب: يا أماه إنصرفي فقد رحمني الله " وقيل في المعنى شعر:
ذهبت لذة الصبا في المعاصي ... وبقي بعد ذلك اخذ القصاص
وإحيائي إن حملت ذنوبي ... لمقام تشيب فيه النواصي
أنا عاصر، نوحي علي وابكي ... ويحق البكا على كل عاص
يا حميد الفعال يا من له الملك ... ارتجي في المعاد منك الخلاصي
بنبي أرسلته ورسول ... بحبيب لديك كنز اختصاص
تعف عما مضى وتب يا إلهي ... قبل موتي علي قبل القصاص
الخوف من النداء للعرض
حكي عن هشام ﵁ أنه قال: رأيت ولدي في المنام، فإذا هو شائب، فقلت له: يا ولدي مم هذا الشيب؟ قال: يا أبت قدم فلان علينا
стр. 50
فزفرت جهنم لقدومه فلم يبق أحد منا إلا شاب..
وقيل: إن عيسى ﵇ مر بمقبرة، فإذا سام بن نوح، فناداه وقال: عزمت عليك إلا ما قمت بإذن الله تعالى: فقام ولحيته ورأسه بيضاء، فقال عيسى ﵇: مم هذا الشيب، فقال: سمعت النداء فظننت أن القيامة قد قامت، فشابت لحيتي ورأسي، فقال عيسى ﵇: منذ كم أنت ميت؟ فقال: منذ أربعة آلاف سنة، وما ذهبت عني سكرة الموت.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل لبني إسرائيل لو لم يكن إلا الموت والحساب والحياة والأعوان الذين يجذبون الروح، ويقطعون الأوصال، ويجذبون الشعر من الحدق، ويكسرون الأعضاء، ويقطعون العروق حتى يسمع للميت صرير أسنانه، لكفى يا داود، مم من لسان فصيح قد بكم عن الكلام والتوحيد. يا داود، قل لبني إسرائيل استعدوا للزاد فإن الدنيا عن قليل تزول.
لا تغتر بالدنيا
وقيل: إن رجلين تخاصما في أرض، فأنطق الله تعالى لبنة في حائط، فقالت: يا هذان، إلى كم تتخاصمان؟ وعزة الله تعالى إنني كنت ملكاً من الملوك ملكت الدنيا ألف سنة، ثم مت وصرت ترابا ألف سنة، فأخذني خزاف فجعل مني إناء فاستعملت حتى انكسرت، ثم صرت تراباً ألف سنة، ثم أخذني رجل وضرب مني لبنة، وجعلت في هذا الحائط منذ ثلاثمائة سنة. فانصرف الرجلان ولم يتخاصما بعدها.
وقيل: مر عيسى ﵇ بجب فتوضأ منه، وشرب، فإذا هو مُر، فسأل الله تعالى أن يكلمه الجب، فقال: يا روح الله، ما تريد مني؟ فقال: حدثني ما هذه المرارة التي فيك؟ فقال: يا روح الله، إنني كنت إنساناً، فلما قبضت
стр. 51
روحي وصرت تراباً رميما، ومرت علي السنين والأعوام جعلت جباً، فلم تنفك عني سكرة الموت ولا مرارته.
وقيل: إن رجلاً كان خائفاً من الموت كثير الجزع والخوف، دائم الفكرة وكثير البكاء، قاداه الجزع إلى أن خرج يطوف في الأرض من غير حاجة، فلقيه ملك الموت، فقال له: يا هذا أتعرفني؟ فقال: لا أعرفك، فقال: أنا ملك الموت، فشخص الرجل وخر مغشياً عليه، فلما أفاق، قال له ملك الموت: إرجع إلى أهلك وعد المرضى، فإن رأيتني عند رجلي المريض فصف له الدواء فإنه يبرأ، وإن رأيتني عند رأسه فاعلم أن أجله قد قرب، فلا تصف له شيئاً من الدواء، وإنك عن قريب ستراني عند رأسك، فاستعد لذلك اليوم.
فرجع الرجل إلى أهله. فكان يعود المرضى ويأخذ في طبهم، فبينما هو ذات يوم عند أهله، إذ رأى ملك الموت عند رأسه، فشخص الرجل ببصره ونادى بأهله: عجلوا بصحيفة أكتبها لكم، فإني رأيت كل من كنت أخافه وأخوف الناس منه. فقال ملك الموت: الآمر أعجل من ذلك، وإنما كنت حذرتك قبل هذا اليوم لتنظر لنفسك، وألان قد انقضت مدتك، وانقطعت أيامك. فقبض روحه من قبل أن يكتب وصيته.
وقيل في المعنى شعر:
يا ساهيا يا غافلاً عما يراد له ... حان الرحيل فما أعددت من زاد
تضن أنك تبقى سرمدا أبداً ... هيهات أنت غدا فيمن غدا غادي
مالي سوى أنني أرجو الإله لما ... أهمني فهو أرجو يوم ميعاد
احزن في الدنيا تفرح في الآخرة
وقال بعض الصالحين: لما مات عطاء السلمي ﵁، رأيته في المنام تلك الليلة فقلت له: ما الذي صرت إليه بعد الموت، فقال: والله إلى خير كثير
стр. 52
ورب غفور، قلت له: لقد كنت طويل الحزن في الدنيا.. فتبسم وقال:، غد أعقبني بذلك بشارة وسرورا دائماً.
وقال سفيان الثوري ﵁: مات أخ لي، فرأيته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال رضي عني وأدخلني الجنة، وقال: إفرح كما كنت تحزن.
وقال بعض الصالحين ﵃: لما مات عطاء السلمي رأيته تلك الليلة في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ غفر لي، وقال: يا هذا كم استحيت مني؟ لقد كنت تخافني كل الخوف، وعزني وجلالي لقد توفيتك يوم وفاتك وما على وجه الأرض أحب إلي منك.
وحكي أن أبا الفتح الموصلي رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: قربني وأدناني، وقال: يا أبا الفتح، وعزتي وجلالي لقد صعد إلى المكان الموكلان بك أربعين سنة وما في صحيفتك خطيئة.
وقال ﵊: " ما من أحد يأتي يوم القيامة إلا وله من الذنوب، ما خلا يحيى بن زكريا، فإنه يلقى الله ولا ذنب عليه ".
وحكي عن بشر الحافي ﵁ أنه رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: رضي عني وأتحفني ورحمني وزوجني، وأطعمني طعاماً طيباً، وسقاني شراباً لذيذاً، وفرش لي فرشاً رطباً، وقال لي: نم كما كنت تسهر، واسرح كما كنت تشب، وافرح كما كنت تحزن، واشبع كما كنت تجوع،! واروى كما كنت تظمأ.
وقال عاصم ﵁: رأيت داود بن يحيى في المنام، فقلت: ما فعل الله بأحمد بن حنبل، وعبد الوهاب بن الوراق، قال: تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى، يأكلان ويشربان على مائدة من موائد الجنة من نور. قلت: فما فعل الله
стр. 53
بابن المبارك؟ قال: هو يسلم على ربه كل يوم مرتين.
وقال أسدين موسى رضي ا. لله عنه: رأيت مالك بن دينار ﵁ في النوم بعد موته وعليه ثياب خضر وهو على ناقة تطير به بين السماء والأرض، فقلت له: يا عبد الله، كيف كان قدومك على ربك؟ قال: قدمت على ربي وأكرمني وكلمني، وقال لي: سلني أعطيك، وتمنى علي أرضيك، فقلت: يا رب أسألك الرضا عني، فقال: قد رضيت عنك.
وقال ثابت البناني ﵁: ما زلت مشوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى رأيتها لقيته وهي تضحك.
وقيل: إن أبا عبيدة الخواص ﵁ لم يضحك منذ أربعين سنة، ولا رفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى.
وقيل: إن سفيان ﵁ بكى خمسين سنة حتى عمي، فأوحى الله تعالى إليه: يا سفيان، مم بكاؤك؟ إن كان شوقاً إلى الجنة فقد أبحتك إياها، وإن كان خوفاً من النار فقد أنجيتك. فقال: يا رب لا خوفاً ولا فزعاً من النار، ولا شوقاً إلى الجنة، ولكن شوقاً إلى لقائك. فقال: وعزتي وجلالي لأرسلن إليك عبداً من عبيدي يخدمك عشر سنين، ثم أخلي بينك وبينه بحراً من نار يخوضه شوقاً إليك، ثم أتجلى له وأكلمه فأكون قد كلمت من خدمك.
وقيل: إن بعض الأنبياء ﵈ بكى حتى عمي، وصام حتى انحنى، وقام حتى أقعد، وقال: وعزتك وجلالك لو كان بيني وبيتك بحر من نار لولجته شوقا إليك.
وكان فتح الموصلي ﵁ يقول: قد طال شوقي إليك فعجل بقدومي عليك.
وقيل في المعنى شعر:
وحياة من ملكت يداه قيادي ... لأخالفن على الهوى حسادي
стр. 54
ولأعصين عواذلي في حبه ... ولأهجرن لنائذي ورقادي
ولأجعلن نزاهتي فيه البكا ... ولأكحلن مدامعي بسهادي
ولأحفرن لسره بين الحشا ... قبراً ولم يعلم بذاك فؤادي
ولاحلفن يمين صدق أنني ... اخلصت فيه محبتي وودادي
هو غايتي هو منيتي هو بغيتي ... هو سيدي يا سادتي ومرادي
والحمد لله الذي خلق الورى ... حمداً له يبقى على الآباد
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، عجباً لمن أحبني، كيف يهوى قلبه سواي؟!! يا داود، قل لبني إسرائيل، لو رأيتم الجنة وما أعددت فيها لأوليائي من النعيم المقيم لما ذقتم طعاماً بشهوة، أين المشتاقون إلى لذيذ الطعام والشراب؟ أين الذين جعلوا موضع الضحك بكاء خوفا مني؟ فطالما صلوا والناس نيام.
يا داود، وعزتي وجلالي إني رضيت عنهم، ولولاهم ما رضيت على أهل الدنيا.
وقال بعض الصالحين: مات رجل من جيراني، فرأيته في المنام وهو على زي أهل النار، ثم رأيته بعد ذلك وهو في الجنة، فقلت له: بماذا؟ قال: دفن عندنا رجل من الصالحين فشفع في أربعين من جيرانه، فكنت أنا من جملتهم.
لا تغفل عن ذكر الله
وحكي عن مالك بن دينار ﵁: أنه مشى خلف جنازة أخيه وهو يبكي، فقال: والله لا تقر لي عين حتى أعلم ما صرت إليه، والله لا أعلمه ما دمت حياً.
وقال أبو الدرداء ﵁: ألا أخبركم بفقري يوم أوضع في قبري.
وقال سفيان الثوري ﵁: من أكثر من ذكر الموت وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.
стр. 55
وكان الربع بن خيثم قد حفر له قبراً في داره لنفسه، وكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه واضطجع ومكث ساعة، ثم يقول: رب أرحمني لعلي أعمل صالحا فيما تركت، ثم يقول: يا ربيع قد رجعت فاعمل قبل أن لا ترجع.
وقيل: أوحى الله تعالى إن داود ﵇: يا داود، نح على نفسك وكن كأنك أحضرت في القيامة، فلما حاسبتك رددتك إلى الدنيا وقلت لك: إعمل صالحاً أشكرك عليه.
يا داود، قل لبني إسرائيل: لو أمتكم ثم بعثتكم، ثم بعثتكم واريتكم القيامة، ثم رددتكم إلى الدنيا ما ازددتم إلا خسارا.
وحكي عن بعض الصالحين ﵁ أنه رأى أستاذه في النوم، فقال له: أي الحسرة أعظم عندكم؟ قال: حسرة الغافلين.
قال بعض الصالحين ﵃: مررت بساحل البحر، فرأيت صياداً بصيد السمك وإلى جانبه إبنه، وكلما صاد سمكة تركها في قفته فيأخذها الصبي فيرميها في البحر، فالتفت الرجل فلم ير شيئاً، فقال لابنه: لأي شيء فعلت بالسمك كذا ألقيته في البحر؟ وما حملك على هذا؟ ومن علمك ذلك؟ قال: يا أبت، أليس سمعتك تقول: لا تقع سمكة في شبكة صياد إلا إذ غفلت عن ذكر الله، فلا حاجة لنا شيء ممن يغفل عن ذكر الله تعالى. فخرج الرجل هائماً على وجهه وتاب إلى الله تعالى.
وقيل: إن عابدا من عباد بني إسرائيل قال: إلهي، عصيتك فلا تؤاخذني، فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان: أخبره كم نعمة لي فيه وهو لا يدري قساوة قلبه، وجحود عينه عقوبة مني لو غفل.
وقيل في المعنى شعر:
أيها المعرض عنا ... إن أعراضك منا
стр. 56
لو أردناك جعلنا ... كلما فيك يردنا
علامة حب الله للعبد
وقيل: إن موسى ﵇، قال: يا رب، ما علامة من أحببت؟ قال: يا موسى، إذا أحببت عبداً من عبادي جعلت فيه علامتين، قال: يا رب وما هما؟ قال: ألهمته ذكري لكي أذكره في ملكوت السموات والارض، وأعصمه من محارمي وسخطي لئلا يحل عليه عذابي، وأحول بينه وبين نفسه لكيلا يقع في محارمي وسخطي فيحل عليه غضبي.
وقال بعض الصالحين: بينما أنا أطوف بالكعبة وإذا أنا بجارية وهي تقول: يا كريم، عهدك القديم، فإني على عهدك مقيمة، فقلت لها: يا جارية، وما العهد الذي بينك وبينه؟ قالت: يا أخي، أمر عجيب وذلك أنني كنت في البحر، فعصفت بنا ريح قد دمرت كل من في السفينة، وغرق كل من كان فيها ولم ينج منها أحد غيري وهذا الطفل، وبقيت على لوح ورجل أسود على لوح آخر، فلما أصبح الصبح دخل الأسود إلي وجعل يدافع الماء بذراعيه حتى وصل إلي واستوى معنا علا اللوح، وجعل يراودني عن نفسي، فقلت له: يا عبد الله، نحن في بلية لا نرجو السلامة منها بطاعة، فكيف بالمعصية؟ فقال: دعيني، فو الله لا بد من ذلك.
ومد يده وأخذ الطفل مني ورمى به في البحر، فرفعت طرفي إلى السماء، وقلت: يا من يحول بين المرء وقلبه، حل بيني وبين هذا الأسود بحولك وقوتك إنك على كل شيء قدير، وإذا بدابة من دواب البحر قد فتحت فاها والتقمت الأسود وغابت في البحر، فبقيت الأمواج ترميني يميناً وشمالاً حتى ألقتني إلى جزيرة من جزائر العرب، فقصصت لهم قصتي وما جرى لي فتعجبوا من ذلك، وأطرقوا رؤوسهم، وقالوا: لقد أخبرتينا بأمر عجيب، ونحن نخبرك بعجيبين:
стр. 57
وذلك إننا كنا سائرين في البحر إذ اعترضتنا دابة ووقفت أمامنا، وإذا بطفل على ظهرها، ومناد ينادي: خذوا عني هذا الطفل من فوق ظهري وإلا أهلكتكم، فنزل منا واحد فمد يده على ظهرها وأخذه، وغاصت في البحر، وقد عاهدنا الله أن لا يرانا على معصية أبداً. وأعطوني الطفل، وهذا من بعض عجائب قدرة الله.
وقيل: إن عيسى ﵇ إستسقى يوماً لقومه فأمر من كان من أهل المعاصي أن يعتزل، فاعتزل الناس إلا رجلا أصيب بعينه اليمنى، فقال له عيسى ﵇: مالك لا تعتزل؟ فقال: يا روح الله، ما عصيته طرفة عين، ولقد نظرت عيني اليمنى إلى قدم امرأة من غير قصد فقلعتها، ولو نظرت الأخرى لقلعتها.
فبكى عيسى ﵇، وقال له: إدع الله لنا، فأنت أحق بالدعاء مني، فرفع يده إلى السماء، وقال: اللهم إنك خلقتنا وتكلفت لنا بأرزاقنا فأرسل علينا مدراراً. فأنزل الله عليهم الغيث، تسقوا حتى رووا.
الغيبة والنميمة
وقيل: إن موسى ﵇ استسقى لقومه فلم يسقوا، فقال: يا رب، بأي شيء منعتنا الغيث؟ فقال: يا موسى، إن فيكم رجلاً عاصياً قد بارزني بالمعاصي أربعين سنة، فطلع موسى ﵇ على ربوة عالية ونادى بأعلى صوته: أيها العاصي أخرج من بيننا، فقد منعنا الغيث بسببك. فنظر العاصي يميناً وشمالاً فلم ير أحداً، فعلم في نفسه أنه هو المطلوب، فقال في نفسه: إن خرجت افتضحت، وإن قعدت منعوا لأجلي، إلهي قد تبت إليك فاقبلني.
فأرسل الله تعالى عليهم الغيث، فسقوا حتى رووا. فتعجب موسى على السلام
стр. 58
من ذلك، فقال: يا رب، بم أسقيتنا ولم يخرج أحد من بيننا؟ فقال: يا موسى، الذي منعتم به قد تاب إلي ورجع، فقال: يا رب دلني عليه، فقال: يا موسى، أنهاكم عن النميمة وأكون نماماً.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، لا تجالسوا المغتابين، ولا تصحبوا الأمين، ولا تحلفوا باسمي كاذبين ولا صادقين، فمن حلف باسمي صادقا أورثته الفقر؟ ومن حلف باسمي كاذباً أورثته العمى.
وقيل: إن الله تعالى خلق ملكاً عرض شحمة أذنه مسيرة خمسمائة عام، يقول في تسبيحه: سبحانك من عظيم، ما أعظمك، فيقول الله : قل ذلك لمن يحف بي كذباً.
وقال ﵊: " من مات تائباً من الغيبة فهو أول من يدخل الجنة، ومن مات وهو مصر عليها فهو أول من يدخل النار وهو يبكي ".
وقال ﵊: " من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي ".
وحكي عن بعض الصالحين أنه رأى رجلاً وهو يضحك ضحكاً شديداً، فقال له: يا هذا، هل ذقت الموت؟ قال: لا، قال: فهل أمنت مكروها؟ قال: لا، قال: فهل رجح ميزاتك؟ قال: لا،،. قال: فهل جزت الصراط؟ قال: لا، قال، فلأي شيء هذا الضحك والفرح؟ قال: فبكى الرجل وقال: لله علي نذر أن لا أضحك بعدها أبدا.
وحكي عن بعض الصالحين أن غلاماً دخل على أمه وهو ابن سبع سنين وهو باك كئيب حزين، وقال لها: يا اماه، دخلت مجلس واعظ فسمعته وهو يقول:
стр. 59
من أكل لقمة من حرام قسى قلبه، وقد وجدت لليوم قساوة في قلبي، فما أطعمتيني؟ قالت له: يا بني، والله ما أطعمتك حراماً قط، ولكن أذكر اليوم دخلت على بعض الجيران فأخذت شيئاً من كحلها فوضعته في عينك، فقال: يا أماه، فمن ذلك أوتي علي قساوة القلب.
وقال ﵊: " من أكل لقمة من حرام لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً اربعين يوماً ".
اتق دعوة المظلوم
وقال مالك بن دينار ﵁: من أراد السلامة فلا يظلمن أحداً، فقيل له في ذلك، فقال: بينما أنا امشي على ساحل البحر، إذ رأيت صيادا ومعه سبعة أنوان، فأخذت منه نوناً وهو كاره بعد أن ضربته علي رأسه، فعض النون على إبهامي، واتفقت الأطباء على قطعه، ثم وقعت الأكلة في كفي وسائر عضدي، فخرجت أسيح في الأرض وأريد قطع يدي، فآويت إلى شجرة ونمت تحتها، فقيل لي في المنام: لأي شيء تقطع يدك، رد الحق إلى أهله، فانتبهت وجئت مسرعا إلى الصياد وقلت له: أخطأت ولا أعود، فقال لي: ما أعرفك. فقصصت عليه قصتي وتضرعت إليه في اللين فحاللني، قمت قائماً على قدمي والدور يتناثر من عضدي، وسكن الوجع بإذن الله تعالى، فقلت: يا أخي، بأي شيء دعوت علي؟ فقال: لما ضربتني وأخذت السمكة مني، نظرت إلى السماء وبكيت بكاء شديداً، وقلت: يا رب أسألك أن تجعله عبرة لخلقك.
стр. 60
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، كم تنادي أن لا أجمع بيتك وبين خصمك يوم القيامة، وعزتي وجلالي لأوقفنك مع خصمك ولأوردنك مقاماً ترعد منه الأرض، وتنكس الملائكة أجنحتها، لا يجاوزتي ظلم ظالم.
وقيل: إن نملة دبت على ذيل سليمان ﵇، فغضب عليها من ذلك، فأخذها وألقاها، فنادت النملة لفرط الألم، وقالت: يا نبي الله، هذه السطوة أظهرت القوة على ضعفي، وهو مطلع على ما فعلت بي، فكن على أهبة الجواب السؤال على ظلمي، فقد أوهنت عظمي، فهبط الأمين جبريل ﵇، وقال: يا نبي الله، الحق يقرؤك السلام، ويقول لك: وعزتي وجلالي لئن لم تطلب العفو من النملة لأطلبتك بذنبها يوم القيامة.
وقيل: إن بعض الملوك بنى قصراً وخرج يدور حوله ينظر إلى بنيانه، وإذا ببابه عجوز لها خصي، وكان الملك قد قصدها في بيعة، فأبت، فقال الملك: وأين هي؟ قالوا: لم تكن حاضرة في بيتها، فقال: إهدموه. فهدموه في أسرع وقت، فجاءت العجوز فوجدت بيتها خراباً، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم إني كنت أينما كنت، إلهي أما كنت أين كنت، هدموا بيتي واستضعفوني، ثم بكت بكاء شديداً، فبكت ملائكة السماء، فأمر الله تعالى أن يهدم القصر على من فيه. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل لبني إسرائيل: من ظلم امرأة أو صبية، أو من لا يعقل كحبة في الميزان، كويته بمقدارها في النار.
يا داود، وعزتي وجلالي لأوقفن الخصاء موقف الخصماء، ولأحفرنهم يوم القيامة، ولأسالنهم عن القليل والكثير، والفتيل والنقير، والقطمير، والأعمى من
стр. 61
عمي عن حجته (ما فرطنا في الكتاب) ، ولا قصرت رسلي وقد أتت بما أوحيت إليها، وأنا الشاهد وكفى بي أعظم الشاهدين..
أد الأمانة ولا تخن من خانك
وقال الحسن بن كهموس ﵁: أذنبت ذنباً وأنا أبكي عليه، فقيل له: وما هو؟ فقال: زارني أخ لي أشتهى سمكاً، فقدمت إليه سمكاً، فلما فرغ من أكله قمت إلى حائط لجاري، فأخذت منها قطعة طين وغسل بها يده، فأنا أبكي على ذلك أربعين سنة..
وقيل: مر عيسى ﵇ بمقبرة، فنادى رجلا فأحياه الله تعالى، فقال له عيسى ﵇: ما كنت تعمل في دار الدنيا؟ فقال: كنت حمالاً أحمل على رأسي وأتقوت به، فحملت ذات يوم لإنسان حطباً، فكسرت منه خلالاً فتخللت به، فلما مت أوقفني الله بين يديه، وقال: يا عبدي: أما علمت إني موقفك بين يدين وفلان إشترى حطباً بماله ودفع لك الأجرة لتعود به إلى منزله، فأخذت منه شظية لا تملكها، إستونت بأمري، فسألتك بالله األا ما شفعت لي عند الله فإنني في الحساب منذ أربعين سنة.
وقال الحسن رضي الله. عنه: إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني وبيتك الله، فيقول: والله ما أعرفك، فيقول: أنت أخذت طينة من حائطي، وآخر يقول: أنت أخذت خيطاً من ثوبي، فهذا وأمثاله قطع قلوب الخائفين..
قيل: إن حسان بن أبي سفيان كان لا ينام الليل، ولا يأكل سميناً، ولا يشرب ماءً بارداً، فلما مات رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أنأ محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها لصاحبها.
стр. 62
وقيل: كان عمر بن الخطاب ﵁ نهاره صائم وليله قائم، فرآه ولده في المنام بعد موته، فقال: يا بني، منذ كم فارقتكم؟ قال: يا أبت منذ عشرين سنة، فقال: الان لجا خرجت من الحساب كأَن عرشي يهوي لولا أني لقيت رباً كريماً.
وقال بعض الصالحين: رأيت بهلولاً وهو يبكي راكباً على قصبة وهو يغدو إلى المقابر، فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى العرض على الله تعالى، فمضى ساعة، ثم عاد وهو يبكي، فقلت له: وما يبكيك؟ قال: من عظم ما أصابني، عرضت بين يديه، فلما عرفني طردني.
وقيل في المعنى شعر:
قد سودت وجهي المعاصي ... وأثقلت ظهري الذنوب
وأورثني ذكرها سقاماً ... وليس لي في الورى طبيبُ
يا شؤم نفسي غداة عرضي ... إذا أحاطت بي الكروب
والداعي لما دعاني باسمي ... أنت تقرأ وما يجيب
هذا كتاب الذنوب فاقرأ ... فعندها تظهر العيوب
وقال بعض الصالحين: رأيت صبياً ليلة الخميس وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: يا عم، هذا يوم الخميس أتاني، وهو يوم العرض، واعرض على المعلم وأنا أخاف من زلة أو غلطة، فقلت في نفسي: هذا صبي صغير خائف من عرضه على معلمه، وهو بشر مثله، كيف حال من يعرض على مولاه بالقبائح والزلات.
وقيل في المعنى شعر:
سوف تأتي عليك ساعة هول ... حين تعطى صحائف الأعمال
стр. 63
فكأتي أرى فضائح قوم ... قد تجلى لعرضها ذو الجلال
ليت شعري إذا قرأت كتابي ... بيميني أعطاه أم بشمالي
وقال ذو النون المصري ﵁: رأيت شاباً متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: يا رب، أعف عني عما فعلته في أيام غفلتي، فقد فني جسمي، فهتف به هاتف وهو يقول: إنا لا نؤاخذ العبد بما فعله في أيام غفلته.
الخصال التي تنجي من السوء
وقال سهل بن عبد الله ﵁: حرام على كل قلب أن يشم رائحة اليقين، وفيه سكون إلى عمله إلى غيره.
وقال الحسن ﵁: المؤمن أسير، فيجب عليه أن يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله تعالى، ويعلم أنه مؤاخذ عليه في سمعه، وبصره، ولسانه، وجميع جوارحه.
وقال بعض الحكماء: أحفظ أربع خصال تنج بها من كل سوء: عينك، ولسانك، وقلبك، وهواك.
ولسانك لا تقل به شيئاً من الشر تعلم أن الحق خلافه، وقلبك لا يكن فيه غل ولا عداوة لأحد من المسلمين، وهواك لا يكن فيه شبه، فإن كان فيك هذه الخصال، وإلا فاجعل الرماد على رأسك، واعلم بأنك قد هلكت.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: إذا نظرت إلى يمينك فانظر إلى جناتي ونعمائي، وإذا نظرت عن شمالك فاذكر ناري وعقابي، وإذا نظرت من فوقك فاذكر جلالي وعظمتي، وإذا نظرت من تحتك فانظر قدرتي وعجائبي، وإذا نظرت أمامك فاذكر الحساب ودقائقه، وإذا نظرت وراءك فأذكر الموت وأعوانه وشدائد هـ وأهواله وسكراته. واعلم أنك مطلوب بأعمالك رهين.
стр. 64
وقال ذو النون ﵁: ثق بالله وأرض من م لله، فكل شيء بقضاء الله، ولو علم الإنسان قرب الله منه ما عصى الله.
وقيل في المعنى شعر موال:
إن كنت صوفي فعجل ... إن وقتك سيف
وإن تهاونت ضيعت ... الشتاء والصيف
واعلم بأن ابن آدم ... من أهله كالضيف
دنا الرحيل فقل ... كيف حالي كيف
داوم على حساب نفسك
وقال بعض الصالحين ﵁: سألت بعض الرهبان: ألكم عيد؟ قال: نعم، كل يوم لا تعصى الله فيه فهو عيد. قلت: فما بالكم تلبسون السواد؟ فقال: هذا لباس أهل المصائب. قلت: وأي مصيبة عندكم أعظم، فقال: وأي مصيبة أعظم من ارتكاب المعاصي؟ قال: فتأملته فإذا هو في كمه الأيمن حصى أبيض، وفي كمه الأخر حصى أسود، فقلت: ماذا الحصى الأبيض والأسود؟ قال: كلما عملت نفسي حسنة أخذت حصاة بيضاء ورميتها في الأسود، وكلما عملت نفسي سيئة أخذت حصاة سوداء ورميتها في الأبيض، فإذا كان الليل حاسبتها، فإذا كان الأسود أكثر من الأبيض علمت أنها سيئات، فأرجع إلى نفسي فأعاقبها وأقطع عنها الأكل والشرب. وإذا كان الأبيض أكثر من الأسود علمت أنها حسنات عملتها فأنعمها وأطعمها وأسقيها، وهذا دأبي معها إلى أن أفارقها وأنطرح.
وقيل: كان بعض الصالحين ﵃ كلما عمل شيئاً كتبه في لوح، فإذا كان الليل وضع اللوح بين يديه وحاسب نفسه، فلا يزال باكياً نادماً إلى الصباح، وأقام علما ذلك بقية عمره.
стр. 65
فلما مات رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا عبدي، قد جعلت حسابك في الدنيا لنفسك بدلاً عن حسابك في الآخرة.
وانشد في المعنى شعر:
كم ذا التشاغل والأمل ... كم ذا التواني والكسل
حتى متى وإلى متى ... يحصى عليك فلا تمل
هل بعد شيب العارضين ... سوى التوقع للأجل
يا من يغر بنفسه ... وعن الصلاح قد امتهل
فالموت أقرب نازل ... والقبر صندوق العمل
سخط الإله بما جنيت ... من المعاصي والزلل
يا رب عبد مذنب ... قد شقه طول الأمل
منك الشفاء لعلتي ... وعليك نعم المتكل
قال مالك بن دينار: أن من عرف الله لقيه سالماً، والويل كل الويل لمن ذهب عمره في الدنيا باطلاً.
تذكر الموت واجعله أمامك
وقيل للحسن ﵁: يا أبا سعيد، كيف رأيت حالك؟ فقال: حال من ينتظر الموت إذا أمسى، وإذا أصبح لا يدري هل يمسي؟ وكيف يمسي؟ وقال أويس للقرني ﵁ لبعض إخوانه: يا أخي، إذا نمت فاذكر الموت واجعله أمامك، وإذا قمت فلا تنظر لصغر ذنبك، ولكن أنظر إلى من عصيت.
وقال حسان ﵁ لأمه يوماً: يا أماه، أتحبين أن تلقي الله تعالى، قالت: لا وقد عصيته..
стр. 66
وقال ﵊: - " ما من أحد يموت إلا ويندم، أن كان محسناً ندم أن لا يكون قد زاد فيه، وان كان مسيئاً ندم أن لا كان أقلع منه " قال بعض الصالحين: حضرت رجلاً عند الموت، فقلت له: قل لا إله إلا الله، فقال: كلمة كنت أقولها منذ سبعين سنة، وألان قد بدا لي أن لا أقولها.
وقال بعض السادة الصالحين ﵃: بكى عمر الجويني ﵁ ذات ليلة بكاء شديداً، فقالت له أمه: ما يبكيك؟ ألا تشكر صلاتك وصيامك؟ قال: دعيني يا امي، فوالله ما أدري ما يحتم لي به.
وقال ابن عجلان ﵁: حضرنا في نزع رجل عالم من العلماء، ما رأيت أشد خشية لله تعالى منه، فلقناه الشهادة، فلما هم أن يقولها فلم يستطع أن يقولها، فسألناه عن ذلك؟ فقال: حبل بيني وبينها، وذلك أني قتلت نفساً في شبابي، فنعوذ بالله من مكره.
стр. 67
طريد الله
قال ذو النون ﵁: كنت في البادية، فرأيت شخصاً عظيم. الخلقة على تل عال، فدنوت منه فإذا عين تجري من عينيه، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا طريد الله، فقلت له: مم بكاؤك؟ فقال: إنما بكائي على الوصال الذي كان بيني وبين الله تعالى. وأنشد في المعنى شعر:
ليس لي فيك مرتجى ... غير صبري على القضا
وبكى على الوصال ... الذي كان وانقضى
وقوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) قال ذو النون: معناه: ادعوا محبة الله ولم يكونوا فيها صادقين.
قال عمر ﵁: ليست الأعمال كلها ترضيه ولا بالذي تسخطه، لكنه رضي عن قوم فاستعملهم بعمل الرضى، وسخط على كل قوم آخرين فاستعملهم بعمل السخط.
وقيل: إن رجلاً أطال الصلاة ورجل خلفه ينظر إليه، فلما فرغ من صلاته قال الرجل: يا أخي لا يعجبك ما رأيته مني.؛ وذلك لأن إبليس - لعنه الله - عبد الله دهراً طويلاً ثم صار إلى ما صار إليه.
الأمن من مكر الله
وقيل: إن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ وهو يرعد خوفاً وزمعاً، فقال له النبي ﷺ : " ما هذا الخوف؟ فقال: يا حبيبي يا محمد، إن إبليس - لعنه الله - عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة، ثم صار - إلى ما صار إليه، ثم هاروت وماروت وقد
стр. 68
كانا لهما فضل كثير، فلا نأمن من إن يبتلينا بمعصية فنعذب عليها.
فقعدا يبكيان حتى ناداهما مناد من السماء: أن الله تعالى أمنكما من أن يبتليكما بمصيبة فيعذبكما عليها. ففرحا فرحاً شديداً وقالا: الحمد لله ".
وقيل: إن الله تعالى قال لجبريل وميكائيل: ما هذا الخوف للذي دخلكما وقد علمتما مكانكما مني، وإني لا أظلم أحداً شيئاً؟ فقالا: أجل يا ربنا، ولكنا لا نأمن من مكرك، فقال: صدقا لا تأمنا مكري أبداً.
وقال عمر ﵁: عباد الله، لا تغتروا بطول حلم الله، واتقوا السفه، فقد سمعتم قوله عز وفي في كتابه: (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين)
إحذر آفة الشهوة
وقيل: إن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، من عمل من أمتك عملاً يريد به الدنيا - لم يجعل الله منه نصيباً يوم القيامة. فقال النبي ﷺ : " إنا لله وإنا إليه راجعون ".
وقيل في قوله تعالى: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) .
معناه: " وإن يأتوكم أسارى " أي: في الشهوات، " تفادوهم " أي: تداووهم على للرياضات والمجاهدات، فإن الله لا يتجلى لقلب مشغول بشهوة من الشهوات..
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، حذر أصحابك من أكل الشهوات، فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا معقولة محجوبة مني ".
стр. 69
وقال عليه الصلاة وللسلام: " إذا رأيتم مبتلي فسلوه العافية فأهل البلاء هم أهل الغفلة عن ذكرالله تعالى ".
قيل: إن جبريل ﵇ أتى يوسف ﵇، فقال: يا يوسف، الحق يقرؤك للسلام، ويقول لك: أما تستحي مني، إشتغلت بغيري، وعزتي وجلالي لأبتليك بالسجن بضع سنين. فقال يوسف: يا جبريل، هو راضٍ عني؟ قال: نعم، قال: إذاً لا أبالي.
وحكي عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهما: يوم مجيىء البشير من الله تعالى إما يرضاه وإما يسخطه، ويوم الموقف بين يدي الله تعالى.
فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، وليلتان ليلة مبيت الميت في قبره مع أهل القبور، فلم يبت ليلة مثلها وليلة صبيحتها القيامة ليس بعدها ليلة ".
وقيل: إن إبراهيم ﵇ بكى بكاء شديداً، فنزل عليه جبريل ﵇، وقال له: يا إبراهيم الخليل، إن الله يقرؤك السلام ويقول: هل رأيت خليلاً يعذب خليله؟ فقال إبراهيم ﵇: " إذا تذكرت خطيئتي نسيت خلتي ".
فإذا كان هذا إبراهيم مع. نبوته وخلته فما حال العاصي مع زلته وخطيئته، فحاسب نفسك يا أخي قبل أن تحاسب، ومهد لها قبل أن تعذب، وجاهدها الجهاد الأكبر، وقيل عند ذبحها: بسم الله والله أكبر.
إحذر غضب الله
وقيل: إن يحيى بن زكريا عليه للسلام لقي عيسى ﵇، فقال: يا روح الله، أخبرني عن أشد الأشياء في للدارين، فقال: غضب الله.
стр. 70
وقيل: لقي حاتم ﵁. حامداً، فقال له: يا. أخي، كيف أنت في نفسك؟ فقال: سالم معافى، فقال: يا أخي، إنما السلامة من وراء الصراط، والعافية في الجنة.
وقيل في المعنى شعر:
دعوه لا تلوموه دعوه ... فقد علم الذي لا تعلموه
رأى علم الهدى فسما إليه ... وطالب مطلباً لا تطلبوه
أجاب دعاءه لما دعاه ... فقال بحقه وأخلفتموه
اطلب النجاة من عذاب الله
وحكي عن بعضهم أنه مر براهب في صومعته، فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانياً، فاًشرف عليه الراهب وقال: " يا هذا، ما أنا براهب، وإنما الراهب من ترهب إلى الله في سمائه وعظمته وكبريائه، وصر على بكائه، ورضي بقضائه، وشكره على نعمائه، وتواضع لعظمته، وخضع لهيبته، وفكر في حسابه وأليم عقابه، فنهاره صائم وليله قائم، قد أسهره ذكر النار ومسألة الجبار، فذاك هو الراهب، وإنما أنا كلب عقور قد حبست نفسي في هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم "، فقلت له: ادع لنا، فقال: " اللهم يا من علمه لا يحس، ونوره لا يطفأ، وأمره لا يخفى، يا من فرق البحر لموسى ونجاه مما يخاف ويخشى، نجنا مما نخاف ونخشى ". ثم أدخل نفسه في الصومعة ولم نره بعدها.
وقيل في المعنى شعر:
فبحرمة الود يا ودود ... بموضع المجد يا مجيد
أعطف بعفو على عبيد ... لم ينهه الوعد والوعيد
يا ليتني كنت قبل موتي ... أبكي فأنسى فلا أعود
أيا كاتباً بلا خطايا ... قد كنت عن درسه أعبد
стр. 71
لا تغرنك الدنيا
وحكي أن داود ﵇ بينما هو يسبح في الجبال إذا أتى على غار فنظ، فأذا فيه رجل عظيم الخلقة من بني آدم، وإذا عند رأسه حجر مكتوب عليه: " أنا وسيم، ملك الصنع، ملكت الدنيا ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وبكرت ألف بكر من بنات الملوك، وقتلت ألف جبار، فمن رآني لا يغتر بالدنيا، فما كانت إلا كحلمة نائم، ثم صار أمري إلى ما ترى، صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، فمن راني فلا تغره الدنيا كما غرتني ".
وقيل: مر عيسى ﵇ بقرية، فنادى أهلها، فإذا هو بنسر قائم عل فنائها، فقال له عيسى ﵇: كم لك في هذه القرية، فقال: خمسمائة عام، فقال: هل رأيت أحداً فيها، فقال: لا يا روح الله، فنادى عيسى ﵇: يا أرض، أين أهلك وأصحابك وسكانك؟ فأمرها الله تعالى أن تجيبه وتكلمه، فقالت: لقطعتهم من منازلهم آجالهم، وأحاطت بهم أعمالهم، وصارت ذنوبهم قلائد في أعناقهم، ووقفت أرواحهم بين يدي الخلاق، فلحومهم فانية، وعظامهم بالية، فإما إلى جنة عاليه، وإما إلى نار حامية. فبكى عيسى ﵇، وبكى أصحابه، وقال: هذا عاقبة الدنيا، فالويل لمن ركن إليها.
وقيل في المعنى شعر:
لا تأسفن على الدنيا وما فيها ... فالموت لاشك يفنينا ويفنيها
وأعمل لدار البقاء رضوان خازنها ... والجار أحمد والجبار بانيها
كيفية تعبد أبو الحسن الثوري
قال بعض الصالحين: تعبد أبو الحسن الثوري ﵁ من صغره، فلما بلغ خمس عشرة سنة، قال لأمه: هبيني لله ، فقالت: يا بني، إنما يهدي للملوك - من يصلح لهم ويخضع لهم، وما فيك شيء يصلح لله ، فبكى ودخل بيتاً وتعبد فيه مدة خمس سنين، فظهرت عليه أنوار الخلوة فدخلت عليه
стр. 72
أمه، فلما رأته قبلت ما بين عينيه، وقالت: يا بني، قد وهبتك لله تعال، فخرج فرحاً مسروراً، فغاب عنها ثلاثين سنة، فاشتاق إليها، فحضر ليزورها، فطرق الباب، فقالت: من بالباب؟ فقال: ولدك أتى ليسلم عليك؟ فقالت: يا بني إني قد وهبتك لله، فو الله ما واليتك إلا بين يديه.
وقيل في المعنى شعر:
بحب الله لا تأويه دار ... ولا يأوي مكاناً فيه جار
ولا يهتم في الدنيا بقوت ... ويكره أن يكون له عقار
يفر من العقار إلى قفار ... فيبكي حتى تفقده القفار
يقول لنفسه كدي وجدي ... فما في خدمة الرحمن عار
بكاء الرسول عند قبض روحه
قيل: إن رسول الله ﷺ أتاه ملك الموت ليقبض روحه الزكية، فبكى ﷺ ، فقال له ملك الموت: أتبكي وأنت راجع إلى ربك، فقال: " أبكي على ليالي الشتاء وأيام الصيف والاخيار يقومون ويصومون، ويتلذذون بوصاله ومناجاته وأنا في القبر ميت ".
فأوحى الله تعالى إليه: " أنت عندي بهذه المنزلة ".
وخيره بين الحياة والممات، فاختار الرفيق الأعلى ﷺ .
اخش عذاب الله وعامله بتقواه
قال الأصمعي ﵁: دخلت المارستان ببغداد، فإذا أنا بشاب حسن الوجه وهو مربوط في عامود، فلما رآني أنشد يقول شعراً:
همومك بالفكر مقطوعة ... وهل تقطع اليوم إلا بهم
مصائب دنياك ممزوجة ... وهل يؤكل الشهد إلا بسم
стр. 73
فقلت له: ما الاسم؟ فغاب عني، ثم أنشد يقول:
غدي اسمي وكنيتي وفؤادي ... ضل عقلي من هول يوم المعاد
فقلت له: فيما جلست؟ قال: في الحب، فقلت له: وما الحب؟ قال: شيئان دقيق له لون كلون النار في الحجر، إذا قدحته أورى، وإن تركته توارى. وقيل في المعنى شعر: -
باتوا فأضحى الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين له قباء
وأخجلتني منهم ومن قولهم ... ما ترك الفقر لهم شياء
بأي شيء ألقاهم في غد ... إن وجدي من بعدهم خباء
قال الأصمعي ﵁: قلت له: صفهم لي، أين أجدهم؟ فقال: ركبوا سفن الخشية، واستعملوا مقاديف الطاعة، وأرخوا قلاع التوكل، وعصفت عليهم رياح الشوق، فألقتهم في بحار المعرفة، فنقلتهم أمواج الرضا، وحملتهم تيارات اليقين، فصار القوم سائرين حتى غابوا عن كل أعين الناظرين، وكأني بمراكبهم تخرق لهم الحجب، والملائكة تتلقاهم بالروح والريحان، فيقولون: يا ملائكة الله، أين يكون الصراط؟ فتقول لهم الملائكة: أبشروا يا أولياء الله، فقد جاوزتم الصراط بخمسمائة عام، ثم شهق شهقة فمات رحمه الله تعالى: وقيل في المعنى شعر:
من عامل الله بتقواه ... وكان في الخلوات يخشاه
سقاه كأس من لذيذ المنى ... يغنيه عن لذة دنياه
وقال بعض السادات ﵃: " من كان الذكر في الخلوة جليسه، كان المذكور في الوحدة أنيسه ".
قال ﵊: " من مقت نفسه في ذات الله، أمنه الله من مقته يوم القيامة ".
стр. 74
مناجاة الصالحين
وكان بعض الصالحين يقول في مناجاته: " وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك، وما عصيت إذ عصيتك وأنا بمكانك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا مستخف بأمرك، ولكن سولت لي نفسي وأعانتني عليها شقاوتي، وغرني سترك المرخى علي، عصيتك بجهلي، وخالفتك بسفهي، فالان من ينقذني من عذابك، واعتصم بحبل من أقطعت حبلك عني.
فوا أسفاه.. ووا أسفاه من الذنوب، غداً بين يديك إذا قبل للمخفين جوزوا مع المخفين، وللمثقلين حطوا، أمع المثقلين أحط أم مع المخفين أجوز، وكلما كبر سني كثرت ذنوبي، وكلما طال عمري عظمت المعاصي، فكم أثوب وكم أعود؟ أما آن لي أن استحي من ربي؟!! وقيل في المعنى شعر:
يا عظيم الجلال أنت ملاذي ... حين أحيى وغايتي لمعادي
بك أرجو النجاة من كل كرب ... فارحم اليوم عبرتي وسهادي
لست أدري ماذا تحاول ... نفسي من فساد يا منقذي من فسادي
خف ربك يوم الحساب
قيل: كان في بني إسرائيل رجل مسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة، قال لولده: يا بني إن طاعتي عليك ميتاً كطاعتي عليك حياً، فإذا أنا مت فاجعلني في حصير وأحرقني بالنار واسحقني كسحق الكحل الناعم، فإذا ارتفعت الرياح العواصف فذر نصفي في الجبال، ونصفي في البحار، فإني خائف من ربي أن يعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، قال: ففعل به ذلك، فأقامه الله تعالى في أسرع كل طرفة عين، وأوقفه بين يديه، وقال: يا عبدي، عصيتني حباً وكفرت بي ميتاً، فقال: يا رب خفت من هذا المقام، فغفر له بذلك.
وقيل في المعنى شعر: -
стр. 75
قد كان ما كان يجهل الصبا ... فلا تؤاخذني بما قد مضى
لي حرمة التوحيد لا غيرها ... وهي التي تطعمني في الرضا
قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: " يا موسى، إن العبد ليعصيني، حتى تقول الملائكة: لن يغفر الله لهذا العبد أبدا، فإذا دعاني، قلت: لبيك عبدي، وإن العبد ليعرض عني حتى كأنه لم يعرفني.
يا موسى، وعزتي وجلالي لأمهلن من عصاني حتى يتلذذ بنعمائي، فإن استحى مني استحيت منه، وإن أعرض عني نظرت إليه، وإن تاب تبت عليه ".
وروي أن حبشياً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: " يا رسول الله، إني كنت أكثرت الفواحش، فهل لي من توبة؟ فقال: " نعم يا حبشي "، فولى ثم رجع مسرعاً، فقال: يا رسول الله أكان يوافي وأنا فيها، قال: " نعم "، فصاح الحبشي صيحة خرجت روحه.
وقيل في المعنى شعر:، -
ما اعتذاري لأمر ربي عصيت ... قد نهاني وما رآني انتهيت
ما جوابي إذا وقفت ذليلا ... قد نهاني وما رآني انتهيت
يا غنيا عن العباد جميعاً ... وعليما بماله قد سعيت
ليس لي حجة ولا لي عذر ... فاعف عني زلتي وما قد جنيت
قال الحسن رضي الله تعالى عنه: نمت ليلة في قرية من قرى الشام، فسمعت طول الليل طائراً ينوح ويبكي، ويقول: أخطأت فلا أعود:
أسأت فلا أعود إلى العتاب ... وجئتك خاضعاً قبل العقاب
وهذا للذنب آخر كل ذنب ... وأخره إلى يوم الحساب
إياكم ومحقرات الذنوب
قال ﷺ :
следующие страницы →