← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9102

الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح

ابن الجزري

Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا تغرنك الدنيا وحكي أن داود ﵇ بينما هو يسبح في الجبال إذا أتى على غار فنظ، فأذا فيه رجل عظيم الخلقة من بني آدم، وإذا عند رأسه حجر مكتوب عليه: " أنا وسيم، ملك الصنع، ملكت الدنيا ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وبكرت ألف بكر من بنات الملوك، وقتلت ألف جبار، فمن رآني لا يغتر بالدنيا، فما كانت إلا كحلمة نائم، ثم صار أمري إلى ما ترى، صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، فمن راني فلا تغره الدنيا كما غرتني ". وقيل: مر عيسى ﵇ بقرية، فنادى أهلها، فإذا هو بنسر قائم عل فنائها، فقال له عيسى ﵇: كم لك في هذه القرية، فقال: خمسمائة عام، فقال: هل رأيت أحداً فيها، فقال: لا يا روح الله، فنادى عيسى ﵇: يا أرض، أين أهلك وأصحابك وسكانك؟ فأمرها الله تعالى أن تجيبه وتكلمه، فقالت: لقطعتهم من منازلهم آجالهم، وأحاطت بهم أعمالهم، وصارت ذنوبهم قلائد في أعناقهم، ووقفت أرواحهم بين يدي الخلاق، فلحومهم فانية، وعظامهم بالية، فإما إلى جنة عاليه، وإما إلى نار حامية. فبكى عيسى ﵇، وبكى أصحابه، وقال: هذا عاقبة الدنيا، فالويل لمن ركن إليها. وقيل في المعنى شعر: لا تأسفن على الدنيا وما فيها ... فالموت لاشك يفنينا ويفنيها وأعمل لدار البقاء رضوان خازنها ... والجار أحمد والجبار بانيها كيفية تعبد أبو الحسن الثوري قال بعض الصالحين: تعبد أبو الحسن الثوري ﵁ من صغره، فلما بلغ خمس عشرة سنة، قال لأمه: هبيني لله ، فقالت: يا بني، إنما يهدي للملوك - من يصلح لهم ويخضع لهم، وما فيك شيء يصلح لله ، فبكى ودخل بيتاً وتعبد فيه مدة خمس سنين، فظهرت عليه أنوار الخلوة فدخلت عليه

стр. 72

أمه، فلما رأته قبلت ما بين عينيه، وقالت: يا بني، قد وهبتك لله تعال، فخرج فرحاً مسروراً، فغاب عنها ثلاثين سنة، فاشتاق إليها، فحضر ليزورها، فطرق الباب، فقالت: من بالباب؟ فقال: ولدك أتى ليسلم عليك؟ فقالت: يا بني إني قد وهبتك لله، فو الله ما واليتك إلا بين يديه. وقيل في المعنى شعر: بحب الله لا تأويه دار ... ولا يأوي مكاناً فيه جار ولا يهتم في الدنيا بقوت ... ويكره أن يكون له عقار يفر من العقار إلى قفار ... فيبكي حتى تفقده القفار يقول لنفسه كدي وجدي ... فما في خدمة الرحمن عار بكاء الرسول عند قبض روحه قيل: إن رسول الله ﷺ أتاه ملك الموت ليقبض روحه الزكية، فبكى ﷺ ، فقال له ملك الموت: أتبكي وأنت راجع إلى ربك، فقال: " أبكي على ليالي الشتاء وأيام الصيف والاخيار يقومون ويصومون، ويتلذذون بوصاله ومناجاته وأنا في القبر ميت ". فأوحى الله تعالى إليه: " أنت عندي بهذه المنزلة ". وخيره بين الحياة والممات، فاختار الرفيق الأعلى ﷺ . اخش عذاب الله وعامله بتقواه قال الأصمعي ﵁: دخلت المارستان ببغداد، فإذا أنا بشاب حسن الوجه وهو مربوط في عامود، فلما رآني أنشد يقول شعراً: همومك بالفكر مقطوعة ... وهل تقطع اليوم إلا بهم مصائب دنياك ممزوجة ... وهل يؤكل الشهد إلا بسم

стр. 73

فقلت له: ما الاسم؟ فغاب عني، ثم أنشد يقول: غدي اسمي وكنيتي وفؤادي ... ضل عقلي من هول يوم المعاد فقلت له: فيما جلست؟ قال: في الحب، فقلت له: وما الحب؟ قال: شيئان دقيق له لون كلون النار في الحجر، إذا قدحته أورى، وإن تركته توارى. وقيل في المعنى شعر: - باتوا فأضحى الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين له قباء وأخجلتني منهم ومن قولهم ... ما ترك الفقر لهم شياء بأي شيء ألقاهم في غد ... إن وجدي من بعدهم خباء قال الأصمعي ﵁: قلت له: صفهم لي، أين أجدهم؟ فقال: ركبوا سفن الخشية، واستعملوا مقاديف الطاعة، وأرخوا قلاع التوكل، وعصفت عليهم رياح الشوق، فألقتهم في بحار المعرفة، فنقلتهم أمواج الرضا، وحملتهم تيارات اليقين، فصار القوم سائرين حتى غابوا عن كل أعين الناظرين، وكأني بمراكبهم تخرق لهم الحجب، والملائكة تتلقاهم بالروح والريحان، فيقولون: يا ملائكة الله، أين يكون الصراط؟ فتقول لهم الملائكة: أبشروا يا أولياء الله، فقد جاوزتم الصراط بخمسمائة عام، ثم شهق شهقة فمات رحمه الله تعالى: وقيل في المعنى شعر: من عامل الله بتقواه ... وكان في الخلوات يخشاه سقاه كأس من لذيذ المنى ... يغنيه عن لذة دنياه وقال بعض السادات ﵃: " من كان الذكر في الخلوة جليسه، كان المذكور في الوحدة أنيسه ". قال ﵊: " من مقت نفسه في ذات الله، أمنه الله من مقته يوم القيامة ".

стр. 74

مناجاة الصالحين وكان بعض الصالحين يقول في مناجاته: " وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك، وما عصيت إذ عصيتك وأنا بمكانك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا مستخف بأمرك، ولكن سولت لي نفسي وأعانتني عليها شقاوتي، وغرني سترك المرخى علي، عصيتك بجهلي، وخالفتك بسفهي، فالان من ينقذني من عذابك، واعتصم بحبل من أقطعت حبلك عني. فوا أسفاه.. ووا أسفاه من الذنوب، غداً بين يديك إذا قبل للمخفين جوزوا مع المخفين، وللمثقلين حطوا، أمع المثقلين أحط أم مع المخفين أجوز، وكلما كبر سني كثرت ذنوبي، وكلما طال عمري عظمت المعاصي، فكم أثوب وكم أعود؟ أما آن لي أن استحي من ربي؟!! وقيل في المعنى شعر: يا عظيم الجلال أنت ملاذي ... حين أحيى وغايتي لمعادي بك أرجو النجاة من كل كرب ... فارحم اليوم عبرتي وسهادي لست أدري ماذا تحاول ... نفسي من فساد يا منقذي من فسادي خف ربك يوم الحساب قيل: كان في بني إسرائيل رجل مسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة، قال لولده: يا بني إن طاعتي عليك ميتاً كطاعتي عليك حياً، فإذا أنا مت فاجعلني في حصير وأحرقني بالنار واسحقني كسحق الكحل الناعم، فإذا ارتفعت الرياح العواصف فذر نصفي في الجبال، ونصفي في البحار، فإني خائف من ربي أن يعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، قال: ففعل به ذلك، فأقامه الله تعالى في أسرع كل طرفة عين، وأوقفه بين يديه، وقال: يا عبدي، عصيتني حباً وكفرت بي ميتاً، فقال: يا رب خفت من هذا المقام، فغفر له بذلك. وقيل في المعنى شعر: -

стр. 75

قد كان ما كان يجهل الصبا ... فلا تؤاخذني بما قد مضى لي حرمة التوحيد لا غيرها ... وهي التي تطعمني في الرضا قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: " يا موسى، إن العبد ليعصيني، حتى تقول الملائكة: لن يغفر الله لهذا العبد أبدا، فإذا دعاني، قلت: لبيك عبدي، وإن العبد ليعرض عني حتى كأنه لم يعرفني. يا موسى، وعزتي وجلالي لأمهلن من عصاني حتى يتلذذ بنعمائي، فإن استحى مني استحيت منه، وإن أعرض عني نظرت إليه، وإن تاب تبت عليه ". وروي أن حبشياً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: " يا رسول الله، إني كنت أكثرت الفواحش، فهل لي من توبة؟ فقال: " نعم يا حبشي "، فولى ثم رجع مسرعاً، فقال: يا رسول الله أكان يوافي وأنا فيها، قال: " نعم "، فصاح الحبشي صيحة خرجت روحه. وقيل في المعنى شعر:، - ما اعتذاري لأمر ربي عصيت ... قد نهاني وما رآني انتهيت ما جوابي إذا وقفت ذليلا ... قد نهاني وما رآني انتهيت يا غنيا عن العباد جميعاً ... وعليما بماله قد سعيت ليس لي حجة ولا لي عذر ... فاعف عني زلتي وما قد جنيت قال الحسن رضي الله تعالى عنه: نمت ليلة في قرية من قرى الشام، فسمعت طول الليل طائراً ينوح ويبكي، ويقول: أخطأت فلا أعود: أسأت فلا أعود إلى العتاب ... وجئتك خاضعاً قبل العقاب وهذا للذنب آخر كل ذنب ... وأخره إلى يوم الحساب إياكم ومحقرات الذنوب قال ﷺ :

стр. 76

" أصغر الذنب عند الله تعالى أعظمها عند الناس، وأعظم الذنوب عند الله أصغرها عند الناس ". وقيل في المعنى شعر: لا تحقرن من الذنوب أقلها ... إن القليل إلى القليل كثير قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، ورضي عن آبها: " إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا ". قوله : (إنه كان للأوابين غفوراً) . قال سعيد بن المسيب ﵁: " معناه: أن الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب ". بادر بالتوبة فان الموت يأتي بغتة قال لقمان لابنه وهو يعظه: " يا بني، لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة ". وأنشد في المعنى شعر: لا تأمن الدنيا وإن سلمت ... فإنها خوانة غادرة وبادر العمر وخف فوته ... فالكيس الحازم من بادره وقل لمن أمسى على عزة ... ما أقرب الدنيا من الآخرة قال بعض الصالحين ﵃: " الذنوب ضعف في البدن، وظلمة في القلب، وإن الحسنات قوة في البدن ونور في القلب ".

стр. 77

وقال عيسى ﵇: " من أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب محيت عنه، وإن لم يتب وأذنب ذنباً ثانياً نكت في قلبه نكتة ثانية، ولا يزال يذنب وينكت حتى يصير القلب سوداً ". لا تقنط من رحمة الله وحكي عن الحسن البصري ﵁: أنه تاب على يده شاب يقال له العباس، وكان كثير المعاصي، ثم تاب ثم نكث سبعين مرة يتوب وينكث حتى كان آخر عمره وقد حضرته الوفاة، قال لوالدته أدركيني بالشيخ حتى أجدد التوبة على يديه، فلعل الله يقبلني. فأتت العجوز إلى الشيخ وسلمت عليه، وقالت له: أنا أم العباس، وقد حضرته الوفاة وهو يريد تجديد التوبة على يديك، فقال لها: إذهبي فلا حاجة لي فيمن يتوب وينكث، فرجعت باكية، وقالت: ويحك يا عباس إن الشيخ قد أبى أن يأتيك لقبح أفعالك، فقال: إلهي وسيدي ومولاي، إن الشيخ قطعني فلا تقطعني ولا تقطع رجائي منك. ثم قال لوالدته: إذا أنا متّ فضعي رجلك على وجهي، وضعي في رقبتي حبلاً، واسحبيني في الأسواق وقولي هذا جزاء من عصى الله، فلعله يراني فيرحمني بفضله وكرمه. فهمت أن تضع رجلها على وجهه، وإذا بهاتف يقول: لا تضعي قدمك موضع السجود، واعلمي أن الله قد غفر له وأعتقه من النار، فجهزته ووارته بالتراب وانصرفت. فرأى الشيخ البصري رب العزة في المنام، وهو يقول: " يا حسن، ما حملك على أن تقنط عبدي من رحمتي، أليس أنا الذي خلقته ورحمتي وسعت كل شيء، وعزتي وجلالي لئن عدت إلى مثلها لأمحونك من ديوان الصالحين ". وحكي أن شاباً دخل على الدنيوري، فرآه يعظ الناس، فقال له: يا شيخ ألا ترى ما نزل بي كلما وقفت على باب المولى صرفني بقواطع المحن والبلوى، وكلما

стр. 78

ترددت عليه غلبني الحياء منه، فقال له الشيخ: كن على باب مولاك كالولد الصغير مع أمه، كلما طردته ترامى عليها، فلا يزال كذلك حتى تكون هي التي تضمه إليها، يا أخي، إذا وليت عن بابه فباب من تقصد؟ وأنشدوا في المعنى شعراً: قم واعتذر عن قبائح سلفت ... وسله يعفو عن الذي كانا فإن مولى الجميع ذو كرم ... يبدل السيئات غفرانا ويحكى أن رجلاً أصاب ذنباً فنودي في سره: قم أخرج واطلب لك شفيعاً يشفع لك عند مولاك، فخرج فلقيه رجل في الطريق، فقال له: يا عبد الله إلى أين تريد، فقال: أريد من أتشفع به وأتوصل به إلى ربي فيقيل توبتي، فقال له: إرجع فإنه أرحم بك، فقال: لا بدلي من ذلك، ثم سار فلقيه رجل من بعض الأولياء، فقال: مرحباً بك يا حبيب الله، مرحباً بالعبد المعتذر من ذنبه، المستقيل من عثرته، إعلم أن الله تعالى قد قبل توبتك، وإذا بمناد من قبل السماء ثلاث مرات: قبلت. وقيل في المعنى شعر: ما اعتذاري وما يكون جوابي ... ما اعتذاري إذا قرأت كتابي عن معاص أتيتها باغتراري ... بعد موتي بموقفي للحساب يا عظيم الجلال مالي عذر ... فاعف عن زلتي وعظم مصابي قال بعض السادات الصالحين: " قال الله ﵎ في بعض كتبه المنزلة: " يا ابن آدم تسألني فأمنعك لعلمي بما يصلحك، ثم تلح علي في السؤال فأجود بكرمي عليك فأعطيك ما سألتني وتستعين به على المعاصي، ثم أستر عليك ثم تعود إلى المعاصي فأستر عليك، فكم من جيل أصنعه معك، وكم من قبيح تصنعه معي، يوشك أن أغضب عليك فلا أرضى بعدها أبداً ".

стр. 79

كن لله مطيعاً ولا تشتغل بالدنيا قال ذو النون المصري ﵁: يقول الله ﵎ في بعضن كتبه المنزلة: " من كان لي مطيعاً كنت له ولياً، وعزتي وجلالي لو سألني في زوال الدنيا لا زلتها ". قال بعض الصالحين: " علامة مقت الله للعبد أن يراه مشتغلاً بما لا يعنيه من أمر نفسه يطلب الجنة بلا عمل، ويذنب وينتظر الشفاعة ". وقيل لمعروف الكرخي ﵁: بأي شيء حصل للطائعين الطاعة؟ قال: " بإخراج الدنيا من قلوبهم، ولو كان في قلوبهم منها مثقال ذرة واحدة، ما تقيل الله منهم سجدة واحدة ". وقيل: إن رجلاً جاء إلى أبي يزيد البسطامي ﵁ وقال له: عظني، فقال له: أنظر إلى السماء بحال، فنظر إليها، فقال: أتدري من خلقها؟ قال: الله تعالى، فقال له: إن الذي خلقها مطلع عليك حيث كنت فأحذره. قال أبو يزيد ﵁: رأيت ربي في المنام، فقلت له: أين أجدك؟ فقال: " فارق نفسك وتعالى تجدني ". وقيل: " إن الليل مطية المحبين، فإذا قاموا بين يديه سقاهم من صافي الوداد، فإذا أنزهه لهم وكربوا طابت نفوسهم وجالت قلوبهم في الملكوت حباً إلى الله تعالى وشوقاً إليه، فيقطعون ليلهم بمناجاتهم ". وقيل في المعنى شعر: غرست الحب غرسا في فؤادي ... فلا أسلو إلى يوم التنادي مزقت القلب مني باتصال ... فشوقي زائد والحب بادي سقاني شربة أحي فؤادي ... فكأس الحب من بحر الوداد فلولا الله يحفظ عارضيه ... لهم العابدون بكل واد

стр. 80

ثمرة الأكل من الحلال قال الشبلي رحمه الله تعالى: " عزمت أن لا آكل إلا حلالاً وأنا أطوف بالبراري، فرأيت شجرة فمددت يدي إليها فنادتني الشجرة: تأدب يا شبلي مع الله تعالى فإني لرجل يهودي، فتركتها وانصرفت ". وعن الفضيل العسقلاتي ﵁ انه اشتهى سمكاً منذ مدة سنين وعاهد نفسه أنه لا يأكله إلا حلالاً، فمد يده ليأكل منه، وإذا بشوكة قد أصابت يده، فقال: " إذا كان هذا حال من مد يده إلى حلال، فكيف حال من يده إلى حرام ". فحلف أن لا يأكله بقية عمره. وحكي أن أويس القرني ﵁ مكث ثلاثة أيام لا يأكل شيئاً، ثم مشى فرأى ديناراً في الأرض، فرفعه إليه وقال: هم وغم، ثم ألقاه من يده؟ فبينما هو كذلك، إذا بشاة في فمها رغيف ساخن، فقال في نفسه: لعل هذه الشاة أخذته من راعيها، فأنطقها الله تعالى وقالت: " يا أويس، هذا رزق من عند الله تعالى، أتاني به جبريل ﵇، وأمرني بدفعه لك ". وكان بعض الصالحين ﵃ إذا جاء أوان الفواكه ذهب إلى السوق فيشتري منها ويذهب بها إلى الكتاتيب، فمن أشار إليه أطعمه من تلك الفواكه، ويقول للمعلم: " هل عندك فقير أو يتيم؟ فيقول هذا وهذا، فيعطيهم من تلك الفواكه، فلما مات الرجل رؤي في المنام وهو في بستان عظيم كثير الفواكه، وهو يأكل منها ما أحب، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أطعمنا له فأطعمنا ". وقال أبو بكر ﵁: دخلت على أبي مسلم في يوم عيد، فرأيت عليه قميصاً مرقعاً، وبين يديه خروف وهو يأكل منه، فقلت: يا أبا مسلم، فقال: لا تنظر إلى الخروف ولكن انظر إذا سألني ربي، من أين لك هذا؟ فأي جواب أقوله وما اعتذاري. وعن أبي موسى بن إبراهيم ﵁، أنه قال: رأيت فتح الموصلي يوم

стр. 81

عيد، وقد رأى الناس بالثياب والعمائم، فقال: لثوب يبلى، وجسد يأكله الدود غداً، هؤلاء أنفقوا دنياهم في بطونهم وعلى ظهورهم، ويأتون ربهم مغلسين. لا تؤخر التوبة وتذكر لقاء الله وكان شاب على عهد رسول الله ﷺ قليل الصلاة، فلما مات أتوا به إلى النبي ﷺ . فلم يصل عليه، فقالت الملائكة: يا ربنا رأيناه يصلي يوم عيد، فأمر الله تعالى جبريل ﵇: " أن اهبط إلى نبي محمد ﷺ ، وقل له: هذا الشاب قد وقف ببابنا مرة واحدة فصل عليه فإنا قد غفرنا له. وأنشدوا في المعنى موالاً: يا نفس كم توعديني بالصلاة والصوم ... تماطليني فيقضى العمر يوم بيوم أنت رضيت لنفسك بالكسل والنوم ... إن جئتنا وطردناك ما علينا لوم وكان في بني إسرائيل رجل عبد الله مائتي عام ويريد أن يرى إبليس، فلما كان ذات يوم وإذا بإبليس لعنه الله قد تصور بين يديه، فقال له: ماذا تريد مني؟ فقال له: أريد منك أن تعلمني كم بقي من عمري؟ فقال: بقي من عمرك مائتا سنة، فقال العابد في نفسه: أشتغل باللهو والفسق مائة وخمسين سنة وأتوب في الخمسين الباقية، فخرج العابد تلك الليلة على نية المعصية، فأدركه الموت فمات وكان يقدم المعصية على التوبة. وكذلك الشقي يؤخر التوبة ويقدم المعصية، ومن كان في النقصان فالموت خير له، وقد جرى القلم بما به الإله حكم، وقضى بيننا فما ظلم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقيل في المعنى شعر: قضى الله أمراً وأجرى القلم ... وفيما قضى بيننا فما ظلم

стр. 82

نقض العهود والغدر فيها قوله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) . يا هذا، عاهدت الله وغدرت، وأوعدت وأخلفت، في غد يأتيك الجزاء إذا حوسبت على كل لحظة، ونوقشت على كل صغيرة وكبيرة، وخطيرة وحقيرة. يقول الله : " يا عبدي، أما استحيت مني وهذا فضلي عليك، أمهلتك حتى تماديت، سترتك وأقبلت عليك بعد إعراضك عني، وسترت عيوبك عن الناس، ومحوت زلتك من الكتاب، ولم أناقشك في الحساب ". حاسب نفسك وكان بعض السادة الصالحين يقول: " ينبغي للعبد أن يزن نفسه قبل أن توزن أفعاله، ويحاسب قبل أن تحاسب، ويذكرها العرض على الله في يوم الفزع الأكبر ". قال رجل لبشر الحافي ﵁: أوصيني بوصية، فقال: " إحذر أن اوصيك بوصية يكون وبالها عليك وعلي، فقال: أوصني، ثم قال: انظر بأي بدن تقف في القيامة، وانظر من تقف بين يديه ويحاسبك. واعلم بأنك مسؤول لا محالة، فحاسب نفسك والزم بيتك، واذكر اسم الله ، وكن مع الله ". بكاء الصالحين عند موتهم خوفاً من الله تعالى قال بعضهم: دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف ترى حالك؟ فقال: " الموت في عنقي، والقبر بين يدي، والقيامة

стр. 83

موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي ".. ثم بكى بكاءً شديداً حتى غمي عليه، فلما أفاق، قال: " اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين ". وقيل: إن محمد بن المنكدر بكى بكاءً شديداً عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ فرفع طرفه إلى السماء، وقال: " اللهم إنك أمرتني ونهيتني فعصيت، فإن غفرت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت ". وبكى أبو هريرة ﵁ عند الموت، فتقيل له: ما يبكيك؟ فقال: " لبعد سفري، وقلة حيلتي ". وبكى عمر ﵁ عند الموت، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن أكون قد أتيت بذنب أحسبه هيناً وهو عند الله عظيم. وكان بعضهم يبكي ليلاً ونهاراً، فقيل له في ذلك، فقال: " أخاف أن يكون الله تعالى رآني على معصية، فيقول: مر عني فإني غضبان عليك ". وبكى الحسن ﵁ بكاء شريداً، فقيل له: يا أبا سعيد ما يبكيك؟ فقال: خوفاً من أن يطرحني في النار ولا يبالي. عذاب أهل النار وقال ﵊: " أن أهل النار ليبكون في النار حتى تجري دموعهم كالأودية، فلو أن السفن ألقيت فيها لجرت "

стр. 84

وقال ﷺ : " ما في جهنم من غل ولا قيد ولا سلسلة إلا وعليها إسم صاحبها في النار ". وقرأ الفضيل ﵁ قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ".. فبكى، وقال: " والله ما طمعوا في الخروج، وإن الأيدي لموثوقة، والأرجل لمقيدة، وكلما رفعهم لهيبها يصيرون في أعلاها، فزدهم الزبانية بمقامع من حديد إلى أسفلها ". فنعوذ بالله منها. وحكي عن الحسن البصري ﵁: أنه ذكر النار يوماً فبكى، وقال: " يخرج من النار رجل بعد ألف عام، ثم غلب عليه البكاء ثم قال: يا ليتني أكون ذلك الرجل ". وسئل بعضهم عن الطامة الكبرى؟ فبكى، وقال: " هي الساعة التي تدفع فيها لخزنة جهنم " وذكر الناس يوماً جهنم، فذكر لهم ما أعده الله فيها لأهلها، وبكى وقال: " فإذا ألفحتهم النار لفحة واحدة، فلا تدع لحماً ولا جلداً إلا ألفته في العراقيب وتبقى العظام بيضاء تلوح ". وفي أنفسكم أفلا تبصرون إخواني: إلى كم تفترون، وعن عيبكم لا تقصرون، (وفي أنفسكم أفلا

стр. 85

تبصرون) .. أفلا تبصرون بالله، فبالله عليكم لا تفترون، وعلى الله تجأرون، فسوف تناقشون وتندمون، وعلى خالقكم تعرضون (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) . قال أنس ﵁: مر عيسى ﵇ بقرية خراب، فناداها: " أين أهلك؟ أين عمارك؟ فسمع صوتاً وهو يقول، بنو بنياناً وباتوا فلم يصبحوا، فقال عيسى ﵇: ما الذي بلغ بهم؟ فقال: كانوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فقال عيسى ﵇: فما بالك أجبتني من دونهم؟ فقال: إني لم أكن منهم، وإنما كنت ماراً بينهم في الطريق فغشيهم العذاب، فروحي مع أرواحهم في سجين، فقال له عيسى ﵇: وما سجين؟ فقال صخرة سوداء تحت الأرض السابعة ". نعوذ بالله منها. أهوال القيامة قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر) . معناه: الإكثار من الأموال والأولاد، شغلهم عن يوم العرض والمعاد. (حتى زرتم المقابر) . وفارقتم الأحباب والأصحاب، وصرتم مرتهنين بين أطباق الثرى، حيارى إلى يوم الحساب. (كلا سوف تعلمون) . اذا برزتم في المقابر مهطعين وأتاكم ما توعدون من رب العالمين.

стр. 86

(ثم كلا سوف تعلمون) . إذا قامت القيامة بدواهيها، وانشقت السماء ونزل من فيها، ووضعت الناس ما في بطنها، وذهلت المراضع عن أولادها، وشابت الولدان من أهوالها، وكسفت الشمس وزاد حرها. (كلا لو تعلمون) . إذا بلغت القلوب الحناجر، فكيف بك يا ابن آدم إذا نصبت الموازين، ونشرت الدواوين، وتعلق المظلومون بالظالمين. (علم اليقين) . إذا جاؤوا في ظلل من الغمام، ونزلت الملائكة الكرام، وقال الروح الأمين والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن، وطال عليهم الوقوف والقيام. (لترون الجحيم) . وجاءت النار تقودها ملائكة غلاظ شداد، تكاد تميز من الغيظ على أهلها ثم يقال لها: لا هل امتلأت وتقول هل من مزيد له. (ثم لترونها عين اليقن) . إذا مد الصراط على متنها وتسمعون حسها، وتعاينون أهوالها، وتعاينون أهلها، فبين مناد من مقرها، وبين مناد من أطباقها، وبين متعلق بسلاسلها وكلاليبها. (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) . يومه عن ظل ظليل، واكتساب الحرام، وشرب الماء البارد، ولبس الثياب الحرير.

стр. 87

تأهب لأهوال القيامة فتأهبوا لتلك الشدائد والأهوال، واعتدوا للجواب عند السؤال، فكيف بك يا ابن آدم، إذا نشر ديوانك، وخف ميزانك، وطاش خيالك، وكشف عنوانك؟ أتدري من عصيت؟ وعلى من اجتريت؟ أبعدت التوبة والإنابة، ونكثت عهده، وأفشيت سره، وعصيت أمره، وركبت الجرائم. أما علمت أنه يراك؟ فمن ينجيك منه إذا وقفت بين يديه وساًلك عن قبيح فعلك، وقد أطرقت منه خجلا؟ فإن أقررت أخذت بالاقرار، وإن أنكرت لم ينفعك الإنكار. فانظر لنفسك قبل حلول رمسك، فقد تصرمت أيامك، وحان حمامك قال ابن المبارك ﵁: " يا ابن آدم، استعد للآخرة، وأطع الله بقدر حاجتك إليه، وأغضب الله بقدر صبرك على النار ". وقال الحسن ﵁: " إن الله تعالى أمر بالطاعة وأعان عليها، ونهى عن المعصية وأغنى عنها، فاعمل بقدرك على النار، ولا تجعل في ركوبها حجة ". وقال الفضيل بن عياض ﵁: " العجب كل العجب لمن عرف الله ثم عصاه بعد المعرفة ". وقال سعيد بن سعيد: " لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن أنظر من عصيت ". وقال الفضيل ﵁: " وجدت في بعض الكتب: إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني ". وقال حميد الطويل لبعض إخوانه: عظني، فقال: " يا أخي، إذا عصيت وظننت أنه يراك فقد تجرأت على عظيم، ولكنك بجهلك تظن انه لا يراك ". وقال حماد بن يزيد ﵁: " إذا أذنب العبد بالليل أصبح ومذلته في

стр. 88

وجهه ". وقال مالك بن دينار ﵁: " رأيت عتبة الغلام وهو في يوم شديد الرد، وهو يرشح عرقاً، فقلت له: ما الذي أوقفك في هذا الموضع؟ فقال: يا سيدي هذا موضع عصيت الله فيه "، وأنشد يقول: أتفرح بالذنوب وبالمعاصي ... وتنسى يوم يؤخذ بالنواصي وتأتي الذنب عمداً لا تبالي ... ورب العالمين عليك حاصي قالت أم محمد ابنة كعب ﵂ لأبنها: " أني لأعرفك صغيراً وكبيرا طيبا، فقال: يا أماه، وما موتتي أن يكون الله اطلع علي وأنا ذنوبي قد غمستني فمضتني، وقال: وعزتي وجلالي لأغفرن لك ". وقال الفضيل رحمه الله تعالى: " رحم الله عبداً نظر لنفسه، فإنه إن لم ينظر لنفسه لم ينظر لها غيره ". وقيل في المعنى شعر: إن الأماكن في المعاد عزيزة ... فاختر لنفسك إن عقلت مكاناً لا تأكل النار موضعاً مسحته الدموع وقال عتبة ﵁ لرسول الله ﷺ : ما النجاة يا رسول الله؟ فقال: " إمسك لسانك، والزم بيتك، وآبك على خطيئتك "

стр. 89

وقال ابن منبه ﵁: فقد زكريا ولده عليهما للسلام، فوجده بعد ثلاثة أيام على قبر يبكي، فقال له: يا بني، ما يبكيك؟ فقال له: إنك أخبرتني أن جبريل ﵇ أخبرك أن بين الجنة والنار مغارة لا يطفىء حرها إلا الدموع، فقال: إبك يا بني ". وقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، أيدخل من أمتك الجنة بغير حساب؟ قال: " من كثرت ذنوبه فبكى عليها ". وقيل: إن فتى من الأنصار ﵁، دخل خوف النار في قلبه، حتى حبسه في بيته. فجاءه النبي ﷺ واعتنقه، فخر ميتاً، فقال النبي ﷺ : " جهزوا صاحبكم، فإن خوف النار فتت كبده ". وكان محمد بن المنكدر إذا بكى مسح وجهه بدموعه، ويقول: إن النار لا تأكل موضعاً مسحته الدموع ". وقيل لبعض الصالحين ﵁: إن كثرة البكاء تذهب البطر، فبكى عمره حتى عمي. وقال الحسن ﵁: " رأيت بعض إخواني في المنام وهو شديد البياض، ومجاري دموعه تبرق، فقلت له: مت؟ قال: نعم، قلت له: إلى ماذا صرت وكنت طويل الحزن في إلدنيا؟ فتبسم وقال: " رفع الله لنا بذلك الحزن علم الهداية إلى منازل الأبرار، فحللنا مساكن المتقين ". قلت له: بماذا تأمرني؟ فقال: " يا أخي، أطول الناس حزناً في الدنيا أكثرهم فرحاً في الآخرة ". وقال رسول ﷺ :

стр. 90

" إذا مات أحدكم عرض علي مقعده بالغدو والعشي، أن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ". وقال ﷺ : " الموت قيامة، فإذا مات أحدكم قامت قيامته ". وقال وهب بن الوردي: " لا يخرج العبد من الدنيا حتى يرى الملكين اللذين وكلّلا به في دار الدنيا، فإذا كان عمله صالحاً قالا: جزاك الله عنا خيرا، فطالما سمعنا منك الخير فنحن لك اليوم على ما تحب. وإن كان عمله سيئاً قالا له: لا جزاك الله عنا خيراً ما سمعنا منك إلا سوءاً ونحن لك اليوم على ما تكره ". وقيل في المعنى شعر: الموت في كل حين ينشر الكفنا ... ونحن في غفلة عما يؤدبنا لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ... وإن توشحت في أثوابها الحسنا عش ما شئت فإنك ميت قيل: إن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: " يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه،

стр. 91

واعمل ما شئت فانك مجازى به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس " وقال الحسن ﵁: " يا ابن آدم، إنما هي أيام إذا مضى يومك ينقصك ". وقيل في المعنى شعر: إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً ... فإنما الربح والخسران في العمل وقال بعض الحكماء عجبت لمن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن على نقصان عمره، وعجبت لمن الدنيا مدبرة عنه، والآخرة مقبلة عليه، كيف يشتغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة؟ ". وقال عيسى ﵇: " عجبت لثلاثة: غافل غير مغفول عنه، ومؤمل الدنيا والموت يطلبه، وباني قصراً والقبر مسكنه ". وقال عمر بن الخطاب ﵁: " ويل لمن كانت الدنيا همه، والخطايا عمله، كيفما يقدم غدا بقدر ما تحرثون تحصدون ". قال لقمان لابنه: " خلق الإنسان ثلاثة أثلاث: ثلث لله، وثلث لنفسه، وثلث للدود ". أد الفرائض وكف عن المحارم وقال رسول الله ﷺ لأبي هريرة:

стр. 92

" يا أبا هريرة، أما تريد أن لا يجري عليك القلمْ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: أد فرائض الله، وكف عن محارم الله، ودع الكلام فيما لا يعنيك ". قال بعض العارفين لولده: " يا بني، خذ على نفسك، وقيد ألفاظك، لا تقل لفظة إلا أن تأمن عاقبتها، فإن كانت لله وإلا فاًمسك عنها، ولا تأكل طعاماً إلا إن تدبرت أمره، إن كان حلالاً أو حراماً وإلا فلا تأكل منه، واحرص على الحلال، لكن هل من ذنوب؟ قال: كثيرة، قال: كم في اليوم والليلة؟ قال: مائة، قال: كثيرة، قال: خمسين، قال: كثيرة. قال: فما زال حتى قال له: يا أبت واحد بالليل وواحد بالنهار، قال: يا بني، كم يكونون في السنة؟ قال: سبعمائة وعشرين، فقال له: يا ولدي، إن آدم خرج من الجنة بذنب واحد، وأنت ترجو دخولها بسبعمائة وعشرين ذنباً في السنة ". وقيل في المعنى شعر: تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد وعن أبي الدرداء ﵁، أنه مرض فدخل عليه بعض إخوانه، فقال له: " ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: ما تشتهي؟ قال: الجنة، قال: أندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني ". ودخل رسول الله ﷺ على شاب مريض، فقال له: " كيف حالك؟ فقال: يا رسول الله أرجو الله تعالى وأخاف ذنوبي، فقال ﵊: لا يجتمعان في قلب واحد إلا أعطاه. الله ما يرجو وآمنه بما يخاف "

стр. 93

وقيل لحسان بن أبي سنان في مرضه: " كيف تجدك؟ قال: بخير إن نجوت من النار ". وقال يحيى بن معاذ ﵁: " من أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن خاف النار إنصرف عن السيئات ". وقيل في المعنى شعر: إن فؤادي قد إمتلا ... بصنوف من البلا عذلوه فما ارعوى ... ونهوه فما انتهى ليت شعري إلى متى ... يتمادى على العمى ليت شعري إلى متى ... يتمادى على الهوى روعة العرض يوم القيامة قال بعض السادة: " وقفت على عابد وهو يبكي، فقلت له: مم بكاؤك؟ فقال: روعة وجدها الخائفون في قلوبهم، فقلت له: وما الروعة؟ قال: روعة النداء بالعرض على الله تعالى ". قال عثمان بن إبراهيم ﵄: " حضرنا حكم الأقداد وقاضيكم الجبار، والمأوى إلى الجنة أو النار ". قال أنس بن مالك ﵁: جاء جبريل ﵇ إلى النبي صلى الله عليه وسلمفي ساعة ما كان يأتيه فيها قط، فهو متغير اللون، فقال: " يا حبيبي يا محمد، هذه الساعة التي أمر الله تعالى فيها بمنافخ النار، ولا

стр. 94

ينبغي لمن يعلم أن جهنم حق، واُن عذاب الله أكبر أن تقر له عين خوفاً منها "، فقال ﷺ : " يا أخي يا جبريل، صفها لي. قال: يا أخي يا محمد، أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يخمد حرها ولا يطفأ لهيبها، حرها شديد وقعرها بعيد، وكرابها مديد، لها سبعة أبواب، بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب منها أشد حراً من الآخر، وأبوابها هي مقزوجة مفتوحة، سماء قاله رضوان مقزوجة إلى أسفل، يساق أعداء الله إليها، فإذا انتهوا إلى أول الأبواب تلقتهم الزبانية بالسلاسل، فتضع السلسلة في صدره وتخرج من بين كتفيه، ويقرن كل كافر مع شيطان، ويسحب على وجهه، ويضرب بمقامع الحديد ". (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) . فقال الني ﷺ : " يا أخي يا جبريل، ما سكان هذه الأبواب؟ فقال: أما الباب الأسفل ففيه المنافقون واسمه الهاوية، والثاني: فيه المشركون واسمه الجحيم، والثالث: فيه الصابئون واسمه سقر، والرابع: فيه المجوس واسمه لظى، والخامس: فيه اليهود واسمه الحطمة، والسادس: فيه النصارى واسمه السعير ". ثم أمسك جبريل عن السابع، فقال ﵊: " ما للك لا تخبرني عن السابع؟ " فقال: " يا حبيبي، لأهل الكبائر من أمتك الذين ماتوا ولم يتوبوا ". فخر ﷺ مغشياً عليه، فلما أفاق، قال: " يا جبريل، عظمت مصيبي واشتد حزني، أو يدخل أحد من أمتي النار؟ " فقال: " يا محمد، تسوقهم الملائكة إلى النار ولا تسود وجهم، ولا تزرق أعينهم، ولا يختم على

стр. 95

أفواههم، ولا يقرن معهم أحد من الشياطين، ولا يوضع عليهم شيء من السلاسل والأغلال ". قال: " يا أخي يا جبريل، وكيف تقودهم الملائكة؟ قال: يا محمد، أما الرجال فباللحاء أو النواصي، وأما النساء فبالذوائب والنواصي، فكم من شيبة تنادي واشيبتاه، وكم من امرأة تنادي وافضيحتاه، حتى ينتهوا بهم إلى مالك، فيقول مالك للملائكة: من هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء من أمة محمد ﷺ ، فيقول لهم مالك: أمالكم في القرآن زاجراً عن المعاصي؟ فيقولون له: دعنا نبكي على أنفسنا، فيأذن الله لهم فيبكون الدماء، فيقول لهم مالك: ما أحسن هذا البكاء لو كان في الدنيا من خشية الله تعالى لما مستكم النار ". " ثم يقول مالك للزبانية: ألقوهم في النار، فإذا ألقوا فيها نادوا: لا إله إلا الله، فترجع النار عنهم، فيقول مالك: يا نار خذيهم، فمنهم من تأخذه إلى قدمه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى صدره، ومنهم من تأخذه إلى ليحته، فإذا أنفذ الله حكمه فيهم نادوا: يا حنان، يا منان، يا ذا الجلال والإكرام، لا اله إلا أنت. فيأمر الله تعالى جبريل أن يحدث الني ﷺ : أن العصاة من أمتك يعذبون. قال: فيأتي جبريل ﵇، فيخبره، فيخر ساجداً لله ، فيقول الله تعالى: يا أحمد، ارفع رأسك واشفع تشفع، فيقول: " الأشقياء من أمتي أنفذت. حكمك فيهم، فشفعني فيهم "، فيقول الله تعالى: " قد شفعتك فيهم ". فيأتي النبي ﷺ إلى مالك فيقول: " يا مالك، ما حال أمتي الأشقياء؟ فيقول: في أسوأ الأحوال، قال: فيأمره الني ﷺ بفتح الياب، فيفتحه، فإذا نظروا إلى الني ﷺ صاحوا بأجمعهم: يا سيدنا يا رسول الله، النار أحرقت جلودنا وأكبادنا، فيخرجون فحماً أسود، فينطلق بهم إلى نهر

стр. 96

على باب الجنة فيغتسلون منه، فيخرجون منه بوجوه كالأقمار، مكتوب على جباههم هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار، قال: فعند ذلك تقول الكفار: يا ليتنا كنا من عصاة المسلمين " صفة دخول المؤمنين الجنة قال ابن عباس ﵄: " فإذا انتهوا إلى باب الجنة، إذا هم بشجرة من تحتها عينان، فيشربون من أحدهما فلا يبقى في بطونهم شيء ولا قذر إلا خرج، ويغتسلون من الأخرى، فلا يبقى شيء مما يكرهون، ثم يقال لهم: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) . " ثم يؤتون بحلل من الياقوت مكللة بالدر والجواهر، فيلبس كل واحد منهم حلتين، لو أن حلة أشرفت لأهل الأرض لذهلوا عن عقولهم ". " ثم يأمر الله الملائكة بإذهابهم إلى قصورهم، فإذا دخلوها استقبلتهم الحور العين، كل حوراء عليها سبعون حلة، كل حلة لا تشبه الأخرى، ينظر إلى مخها من داخل فمها، وإلى كبدها من تحت صدرها ". وقال كعب الأحبار ﵁: " خلق الله تعالى آدم، وكتب بيده، وغرس الجنة بيده، ثم قال لها تكلمي "، فقالت: (قد أفلح المؤمنون) قال سعيد بن المسيب ﵁: " ليس أحد في الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة، واحد ة من ذهب، والثانية من فضة والثالثة من لؤلؤ ". وقوله :

стр. 97

(ولباسهم فيها حرير) . قال: " في دار المؤمن درة مجوفة، في وسطها شجرة تنبت الحلل، وان للأدنى من أهل الجنة آلف حوراء ". قال ﵊: " الطير في الجنة كالبخت ". قوله تعالى: (ومساكن طيبة في جنان عدن) قال ابن عباس ﵄: " في الجنة قصر من لؤلؤ طوله فرسخ، وعرضه فرسخ، وفي الجنة ما لا رأت عين، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وإذا اشتهى أن يأكل من ثمر شجرة، فتاتي إليه، فيأكل منها، ثم ترجع مكانها، هذا كله للمتقين الذين يجتنبون شرب الخِير والفواحش ". وقال الحسن البصري ﵁: " إذا شرب العبد الخمر مرة إسود قلبه، وإذا شربه مرة ثانية تبرأت منه الحفظة وإذا شربه مرة ثالثة تبرأ منه الجبار ". وقال إبن المبارك ﵁: " لقد أمهلكم كأنه أهملكم، وسر كأنه غفر ". مكفرات الذنوب وموجبات الجنة قال ﵊: " أن لله يبسط يد التوبة لمسيء النهار إلى غروب الشمس، ولمسيء

стр. 98

الليل إلى طلوع الفجر " قيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: " يا داود، بشر الخائفين، وحذر الصديقين "، فقال داود: وكيف ذلك؟ فقال الله تعالى: يا داود، قل للخائفين أن لا تقنطوا، وقيل للصديقين لا تعجبوا ". وقال ﵊: " من أصبح باراً راضياً لوالديه أصبح له بابان مفتوحات إلى الجنة، ومن أصبح مسخطاً لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار " وقال ﵊: " يتعلق الفقير بجاره الغني يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا الغني لم منعني معروفه سد عني بابه ". وقال الفضيل ﵁: " كم من فضيحة في القيامة، يا له من يوم ليس كالأيام ". قوله : (وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) .

стр. 99

قال: " هي الوالدة تأتي ولدها، ثم تقول له: يا ولدي، ألم تك بطني لك وعاء؟ فيقول: يا أماه، ولكني مشغول بنفسي ". وكان حبيب العجمي يدعو ويقول: " إلهي، في الدنيا هموم وغموم، وفي الآخرة الحساب والعقاب ". وقيل في المعنى شعر: جسمي علما مبرد ليس يقوى ... ولا على النار والحرارة وكيف يقوى على سعير ... وقودها الناس الحجارة حال أهل النار: قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع) معناه: الشوك اليابس، نعوذ بالله منه. قوله تعالى: (وهم فيها كالحون) . قال ﷺ : " الشفة العالية ساقطة على السفلى ". قوله تعالى: (زدناهم عذاباً فوق العِذاب) . قال ابن عباس: " هي عقارب لها أذنا كالنخل الطوال. فقوله تعالى:

стр. 100

(أن الدنيا أنكالاً) . قال إبن عباس: " هي قيود لا تنحل أبداً ". وقيل في المعنى شعر: حطب النار شباب ... وشيوخ وكهول ونساء عاصيات ... طال منهن العويل قوله تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات) . قال رسول الله ﷺ لجبريل: " كيف يكون الناس في ذلك اليوم؟ " قال: " يكونون على أرض بيضاء لم يعمل عليها دنس، فإذا زفرت جهنم وفارت، تعلقت الملائكة بالعرش، وكل ملك ينادي: نفسي لا أملك غيرها، وتكون الجبال كالعهن المنفوش من حرق جهنم، ثم تنقاد جهنم يوم القيامة بسبعين ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك، حتى تقف بين يدي الله ، فيقول لها ﷻ : تكلمي، فتقول: لا إله إلا الله، وعزتك لأنتقمن اليوم ممن أكل رزقك وعبد غيرك ". فقال الني ﷺ : " الحمد لله الذي ألهم أمتي الشهادة ". وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: " يا داود، أتدري أي المؤمنين أحب إلى الله وأطول حياة؟ هو من إذا قال لا إله إلا الله إقشعر جلده ". وقال ﵊: " إن كلمة لا إله إلا الله من قالها مخلصاً حجبته عن المعاصي ".

стр. 101

وقال إبن عباس ﵄: " كان في بني إسرائيل راهب متفرد في صومعته دهراً طويلاً، وكان ملك ذلك الزمان يأتيه صباحاً ومساء، وأنبت الله له فوق كرماً يأكل منه ما يشتهي، وإذا عطش مديده فيسكب فيها الماء. فجاءت في بعض الأيام امرأة بديعة الحسن والجمال بعد العشاء ونادته: يا سيدي، بحق المعبود إلا ما بيتني عندك الليلة فإني أخشى على نفسي، ومكاني بعيد، فقال لها: اصعدي. فلما صارت عنده رمت أثوابها وصارت عريانة، فغطى وجهه وقال لها: ويلك استتري، فقالت: والله لا بد أن أتمتع بك هذه الليلة، فقال الراهب لنفسه: ما تقولين؟ فقالت له: اتق الله واخش عذاب الآخرة فإني أخشى عليك من نار لا تطفأ وعذاب لا يفنى، ويغضب الله علينا فلا يرضى، ثم بعد ذلك راودته نفسه على الفعل، فقال لها: يا نفسي أعرض عليك ناراً صغيرة فإن صبرت متعتك. ثم قام وملأ السراج زيتاً وغلظ فتيلته، والمرأة تنظر إليه، ثم أدخل إصبعه في السراج، فصاح ملك من السماء أن أحرق، فاًحرق إبهامه ثم السبابة إلى أن انتهت النار إلى يده، فصاحت المرأة صيحة، فخرجت روحها فسرتها بأثوابها، ثم قام إلى مصلاه. فلما أصبح الصباح، وقف إبليس على باب صومعته، وصرخ في المدينة: الراهب زنى بفلانة، وقتلها وهي عنده، فركب الملك بطائفته حتى جاء لصومعته وصاح به، فأجابه، فقال له:. أين فلانة؟ فقال: عندي، فقال له: قل لها تنزل، فقال: إنها ماتت، فقال له: قد رضيت بالزنا حتى قتلتها. فهدموا صومعته ومسكوه، وجيء به إلى محل التلف، وكان من دأبهم نشر الزاني بالمنشار ويده ملفوفة في كمه، وهو لا يعلمهم ولا يحدثهم بقصته، فوضعوا المنشار على رأسه إلى أن بلغ إلى عنقه، فتأوه، فأوحى الله تعالى إلى جبريل ﵇: أن قل له أن تاًوه الثانية لأهد من السموات ولأخسفن بمن في الأرض، ولكن أنظر إلى صنع الله.

стр. 102

قال ابن عباس: فرد الله روح المرأة فقامت وقالت إنهْ مظلوم، وما زنى بي وما قتلني، وقصت عليهم القصة وما فعله في نفسه، فاًخرجوا يده، فإذا هي محروقة، فقالوا له: لو علمنا ما فعلنا، فخر ميتاً وكذلك المرأة خرت ميتة، فحفروا لهما قبراً ودفنوهما، وإذا بمناد ينادي من جهة السماء: أن الله تعالى قد نصب لهما منبراً تحت العرش وأشهد ملائكته أني قد زوجته ألفاً من الحور العين، وهكذا أفعل بأهل المراقبة. وقال مالك بن دينار ﵁: كان عابد في بني إسرائيل، فلما كان في بعض الأيام وضعت امرأة غلاما ونسبته إليه، فقال من أين هذا؟ فقالت: منك، فحمله وجعل يطوف به على عباد بني إسرائيل، ويقول: يا أصحابي أحذركم بمثل ما لقيت، هذه خطيئتي أحملها على كتفي، فغفر الله له بذلك. وجاء في الخبر: أن المرأة إذا حان خروج ولدها منها أرسل الله لها ملكين يخرجانه من بطنها، ملك عن يمينها وملك عن يسارها، فإذا أتاه صاحب اليمين ليخرجه زاغ إلى صاحب الشمال، وإذا أتاه صاحب الشمال زاغ إلى صاحب اليمين، وتتفلق المرأة ويخاف الملكان، ويعرجان إلى الله ، ويقولان: يا ربنا، ما قدرنا. قال: فعند ذلك يتجلى الله ﵎، ويقول: عبدي، من أنا؟ فيقول له: أنت الله ويسجد، فعند ذلك يخرج في سجوده على رأسه. وجاء في الخبر أيضاً: أن الله وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللذان كانا وكلا به: يا ربنا أنت أعلم، وقد مات فأذن لنا أن نصعد إلى السماء نسبحك ونقدسك، فيقول الله : السماء مملوءة بملائكتي، فيقولان: أين نذهب؟ فيقول الله : اذهبا إلى قبر عبدي، قدساني وسبحاني واحمداني وكبراني وعظماني، واكتبا ذلك لعبد إي يوم القيامة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " يأمر الله الحافظين أن أرفقا بعبدي في كل سنة، حتى إذا بلغ

стр. 103

الأربعين، قال: احفظا وخففا ". وكان أبو سنان يقول: " الآن كبر السن، ووهن العظم، ووقع التحفظ ". قلا يزال يبكي حتى يغشى عليه. وكان أبو عبيدة الخواص ﵁ يقول في مناجاته: " قد كبر سني، وضعف جسمي،. ووهن العظم مني فاعتقني ". وأنشد يقول: طال اشتياقي وطال في الرجا فكري ... والليل ماض ولم يقض به وطري الله أعلم أتي لا أحب بقا ... في هذه الدار فانقلني إلى حضري قال أحمد بن حرب ﵁: " عجبت لمن يعلم أن الجنة تزين فوقه، والنار تضرم تحته، كيف ينام بينهما ". وقيل في المعنى شعر: يا كثير الرقاد والغفلات ... كثرة النوم تورث الحسرات إن في القبر إذ نزلت إليه ... لرقادا يطول بعد الممات أأمنت الثبات من ملك المو ... ت أم أنادي مناد بالبينات لقاء الأرواح المؤمنة قال رسول الله ﷺ : " أن أرواحكم تعرض على موتاكم، فإذا مات الميت استقبلوه كما تستقيل البشارة بالجنة، ثم يقولون دعوه حتى يسكن روعه، فإنه كان في كرب وغم، ثم يسألونه عن الرجل فإذا كأن خيراً حمدوا الله تعالى واستبشروا له، وإذا قالوا عن إنسان مات قبله "، قال: إنه مات قبلي، فما مر بكم؟ فيقولون: والله ما مر بنا، وذهب إلى أمه الهاوية، إنا لله وإنا إليه راجعون ".

стр. 104

وقال عليه أفضل الصلاة والسلام:. " إذا مات المؤمن أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله، جاءنا بالبينات فآمنا به واتبعناه، فيقولان: قد كنت تقول هكذا، فيفسح له في قبره سبعون ذراعاً ". وقال عبد الله بن عبيد ﵁: " عدت مريضاً فقلت له: كيف نجدك؟ فأنشد يقول: خرجت من الدنيا وقامت قيامتي ... غدا يثقل الأشخاص حمل جنازتي وتضحك أهلي حول قبري وصيروا ... خروجي وتعجيلي إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قط صورتي ... عليهم غدا يأتي كيومي وساعتي وقال آخر في المعنى: إن للملوك الذي عن حظها غفلت ... حتى سقاهم بكأس الموت ساقيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الموت نبينها نلهوا ونأمل آمالاً تعدلنا ... سريعة الطي تطوينا ونطويها وكان عطاء السلمي ﵁ إذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر، ويقول: " يا أهل المقابر، متم فواموتاه، وعاينتم عملكم، فواعملاه "، ثم يقول: " غدا أغطى في القبر ". ولا يزال يبكي إلى الصباح. وأنشد في المعنى: ينادي ربه والليل داج ... ألك العقبى قلني من ذنوبي وحقك لا أعود لكسب ذنب ... بحق محمد أستر عيوبي

стр. 105

قال بعض الصالحين: " دخلت ديوان التحقيق، فرأيت جماعة من العمال بأيديهم صحائف الأعمال والأعوان وقوف وقد نصبت الموازين، ونشرت الدواوين، وجرت الأوامر بتحرير العمال واستخراج الأعمال، فوقفت أتأمل ووجهي يتململ وقد حضروا بثلاثة نفربريء، ومقصر، وجان، وقد عرضوا للحساب. فتقدم الأول، فقيل له: أين أعمالك التي قدمتها وحسناتك التي أخرجتها؟ فقال وهو ذليل: حسابي منتظم مستطر، وعملي حاضر، فعرضت أعماله على البصير، وأطلع عليها العالم الخبير، فقيل له: هنيئاً لك من خادم، بحق سعد في أحواله، ووقف فطولع، فخرج الأمر بإكرامه وإجلاله، وكتب له القبول وخلعت عليه خالع الوصول. وقدم الثاني، وهو المخلط المتواني عن مثل تلك المعاني، وحوسب فظهر أنه فرط في البعض، وشقي بحسابه يوم العرض، فلما دقق عليه ونوقش وشدد عليه، وحقق بعد حاصلة، وارتعدت مفاصله، فلم يزل يتردد بين لعل وسوف، والوقوف بين الرجاء والخوف، إلى أن خرج الأمر بتسليم لم ما في يده، وأن يسقط ما بقي عليه، ثم قيل له: إياك أن تعود إلى التخليط، وأحذر من أن تأتي بتفريط، وكن مطيعاً سامعاً، فما كل وقت تجد شافعاً. ثم جيء بالثالث وهو الجاني الساكت، فتلجلج في الجواب، إذا لم يكن معه عمل ولا حسنات، فقيل له: ما الذي دهاك وغرك ولهاك، فقال: شغلني جرمي ومصابي عن نظم حسابي، وانقطع زماني بالشهوات والأماني، فقيل له: ما بهذا أمرت ولا عليه عوملت، يا قليل الفلاح، هذه أعمالك القباح، ألك ما ينجيك؟ آلك عمل يوفيك؟ فقال: والله ما لي ذخيرة، ولو كنت أعقل أمري ما انهتك اليوم ستري، فحوسب بأعماله فحرج الأمر بنكاله، فخرج يتعثر في أذياله، متحيراً لسوء أفعاله، فحمل إلى ضيق السجون وهو على حاله، متحسر مغبون ". وهذا مثل مضروب لتصغي إليه أرباب العقول. وقيل في المعنى شعر:

стр. 106

يا ويح قلي ما له لا يلين ... قد أتعب القراء والواعظين يا نفس كم تبيتين من مرة ... وكم تقولين ولا تفعلين وكم تنادي فلا تسمعي ... وكم تقالين فلا ترجعين حتى متى يا نفس حتى متى ... يراك مولاك مع الغافلين فاستغفري الله لما قد مضى ثم ... أستحي من خالق العالمين وقال ﵊: " التوبة معلقة ما بين السماء والأرض تقول من يقبلني قبل أن يعذب إلى أن تطلع الشمس من مغربها ". وقيل لبعض الرهبان: " لأي شيء قست قلوبنا وكثرت ذنوبنا ولا نتوب إلى ربنا؟ قال: لأنكم تركتم الاخرة، وأعمالكم خاسرة، وظهر منكم الظلم، وضيعتم ع الأمانة، وأظهرتم الخيانة، ودخلكم الكبر، وظهر فيكم الغدر، وضيعتم الصلاة، ومنعتم الزكاة، ومشيتم بالغيبة والنميمة، وظلمتم الأيتام، وجرتم في الأحكام، وعصيتم الرحمن، وأطعتم النساء والشيطان، وأكلتم الربا، وتركتم ما أمرتم به، وملتم إلي الفجور، وشهدتم الزور، وتواضعتم للأغنياء، وتكبرتم على الفقراء، فقست قلوبكم، وكثرت ذنوبكم، فلا واعظ زاجراً، ولا خائف حاذر كلامكم حلو، وفعلكم مر، وألسنتكم فاشية، وقلوبكم قاسية، فلا من الله تستحون، ولا إليه تتوبون، ولكن سوف تبعثون وتسألون عما كنتم تعملون. قال بعض الصالحين: مر بنان رضي الله تعالى عنه ببعض الأسواق، فرأى رجلاً ذا ثروة وعنده بناؤون وفعلة، ويعطي كل شخص أجرته، فمد يده بنان من جلة الأيدي، فقال الرجل: هذه اليد لم تعمل لنا عملاً، فبكى بنان وخر مغشياً عليه، وحمل من عنده، فلما أفاق قال: " إذا كان لا يأخذ إلا من عمل فمن يجود على الفقراء والمساكين.

стр. 107

وأنشد في ذلك شعراً: نحن قوم أثقلتنا ذنوب ... ومنعنا الوقوف بين يديه فتركنا بين الأنام حيارى ... وخجلنا من القدوم عليه قيل: إنه يقف العبد بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيقول الله : عبدي، أما تستحي مني، أما راقبتني، أرخيت الستور، وأغلقت الأبواب، وتجرأت علي، فيقول العبد: بكتابك وقلت ذلك وقولك الحق " الله لطيف بعباده "، فيقول الله : أنا أولى أن أفعل ما أقول. قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لطفي بالعصاة من أهل القبور، كلما بليت أبدانهم غفرت لهم، وكلما صارت عظامهم نخرة محوت عنهم ذنوبهم جوداً مني وكرماً. يا موسى، إني لم أنسهم أحياء مرزوقين، فكيف أنساهم وهم موتى مقبورين، ما من عاصي عصاني حتى إذا كان في كرب الموت لم أنظر إلى جهله وتقصيره، ولكن أنظر إلى ضعفه ومسكنته، وإذا نظرت إلى حاله ألهمته وحدانيتي أريد له بها النجاة، الله لطيف بعباده، خلقي خلقتهم، وعبادي رزقتهم وجعلت ذنوبهم مستورة مغفورة، وجعلت لهم محمداً ﷺ شفيعاً، وأن الله تعالى لا ينظر إلى شيء إلا رحمه، ولو نظر إلى أهل النار لرحمهم، ولكن قضى الله لا ينظر إليهم. وصية الرسول ﷺ للنساء وقال ﵊ لعائشة رضي الله تعالى عنها: " يا عائشة، احفظي بيتك فإن النساء يوم القيامة أكثرهن حطب للنار، قالت: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنهن لا يصبرن في الشدة، ولا يشكرن في الرخاء، ويكفرن النعم. يا عائشة، أن الله أوجب حق الرجال على النساء أن يطعنهم في أمورهم، ولا يصمن إلا بإذنهم، وما من امرأة باتت هاجرة لفراش

стр. 108

زوجها، إلا لعنتها الملائكة حتى تصبح. يا عائشة، ما من امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها إلا لعنها كل ملك في السماء. يا عائشة، ما من امرأة قالت لزوجها: ما رأيت خيراً منك قط، إلا أحبط الله عملها. يا عائشة، ما من امرأة نظرت لزوجها بوجه عبوس إلا لعنها كل نجم في السماء. يا عائشة، ما من امرأة كلفت زوجها في أمر نفقة ما لا يطيق لم تنلها رحمة ربي وليس لها في شفاعتي نصيب. وما من امرأة قالت لزوجها: أراحني الله منك، لم تشم رائحة الجنة. يا عائشة، ما من امرأة دعاها زوجها للفراش فأبت، إلا خرجت من حسناتها كما تخرج الحبة من قشرها. يا عائشة، ما من امرأة دعاها زوجها فأجابته بطيب نفس إلا غفر الله لها ذنب يومها وليلتها، وكانت في حرز الله وأمانته. يا عائشة، ما من امرأة غزلت وكست زوجها إلا كساها الله من حلل الجنة يوم القيامة. يا عائشة، لو أن امرأة مصت منخر زوجها وهو يسيل دماً وقيحا، ما أدت له جزاء. يا عائشة، طوبى لمن رضي عنها زوجها، فإن رضى الزوج من رضى الله، تعالى، وكذلك الوالدين، فإن عقوق الوالدين من الكبائر. يا عائشة، من أدرك والديه ولم يدخلاه الجنة فلا أدخله الله الجنة " وقيل في المعنى شعر:

стр. 109

الموت باب وكل الناس داخلة ... يا ليت شعري بعد الباب ما الدار الدار جنة عدن إن عملت بما ... يرضى الإله وإن خالفت فالنار ولابن عباس ﵄: شيب وعيب لا يليق بمؤمن ... إن الخطايا في المشيب فجور فعلي يبكي إن شيبي قد بدا ... وأبانا على فعل القبيح خسور ما لابن عباس سواك لحشره ... عون معين شافع ومجير وقيل: إن سيدنا يوسف لما ملك مصر وصارت الخزائن بيده، أتاه رجل فقير، فقال له: أعطني مما أعطاك الله، فأمر له بصاع من القمح، فقال له: زدني، فأمر له بصاع اخر، فقال له: زدني، فقال له يوسف: يا أخي، أما تعلم ما الناس فيه من الغلاء، فقال له الرجل: لو علمت من أنا لأرضيتني، فقال له: ومن أنت؟ فقال له: أنا الذي شهدت لك بالبراءة من تهمة زليخاء زوجة العزيز، هـ فأمر له يوسف ﵇ بمائة أردب من القمح، ومائة دينار. فأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف، هذا عطاؤك لمن شهد لك بالبراءة مرة واحدة، فكيف من شهد لي بالليل، والنهار والصباح والمساء بالوحدانية؟ ولنبيي محمد ﷺ بالرسالة؟ فكيف يكون عطائه في له؟

стр. 110

خاتمة اللهم إنا نشهد أنك واحد فرد صمد، وأن محمداً عبدك ورسولك ﷺ وأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ونهج الملة، وأن الرسل حق، وأنهم بلغوا الرسالة، وأن الموت حق، والقبر حق، والميزان حق، والصراط حق، والجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. اللهم توفنا مسلمين تائبين، لا مغيرين ولا مبدلين آمين يا رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.