بغية المتطوع
في صلاة التطوع
بقلم
محمد بن عمر بن سالم بازمول
стр. 2
مقدمة الكتاب
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإنه لما كانت صلوات التطوع من هدي الرسول ﷺ الذي قال الله ﵎ فيه: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ [الأحزاب: ٢١] ، ولما كان تطلب أحكامها وصفاتها من كتب الحديث وشروحه يحتاج إلى جهد ووقت؛ رأيت أن أجمع في ذلك جملة مما صح، مرتباً له، مع تعليق وجيز حول فقه الحديث فيما أورده من أجله؛ رغبة في تقريب هدي الرسول ﷺ في صلوات التطوع لي ولعموم المسلمين، وتسهيل وتيسير الوقوف عليه في محل واحد.
وقد راعيت الاختصار غير المخل، وابتعدت عن الإكثار؛ مكتفياً غالباً بالإشارة عن طول العبارة، وسميته: " بغية المتطوع في صلاة التطوع ".
стр. 3
وأسأل الله بأن له الحمد لا إله إلا هو الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام: أن يتقبل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقني القبول في الدنيا والآخرة؛ إنه سميع مجيب.
وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مكة ٢٢ رمضان ١٤١٣ هـ
محمد بن عمر بازمول
стр. 4
صلوات التطوع
تعريفها، وأنواعها، وفضلها
ويشتمل هذا الباب على الفصول التالية:
(١-١) تعريف صلوات التطوع.
(٢-١) أنواع التطوع.
(٣-١) فضل التطوع.
وإليك البيان:
стр. 5
صلوات التطوع
تعريفها، وأنواعها، وفضلها
(١-١) تعريف صلوات التطوع
(صلوات التطوع) : مركب إضافي، والأسماء المركبة يبدأ في تعريف مفرداتها، ثم تعريفها بعد الإضافة.
فـ (الصلوات) : جمع، مفردها صلاة.
وهي في اللغة: الدعاء (١)
وفي الشرع: أقوال وأفعال، مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.
و (التطوع) في اللغة: تكلف الطاعة، أو التبرع بما لا يلزم من الخير، أو الزيادة التي ليست لازمة.
ولا يقال: (تطوع) ، إلا في باب الخير والبر (٢) .
وفي الشرع: الزيادة على ما وجب بحق الإسلام، سواء كانت هذه الزيادة واجبة أم لا
стр. 6
وبما أن الصلوات الواجبة بحق الإسلام هي: الصلوات الخمس في اليوم والليلة: صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.
وبما أن التطوع هو ما زاد على الفرض؛ سواء كان واجباً أم لم يكن.
فإن صلوات التطوع، هي: الصلوات الزائدة على الفروض الخمسة؛ سواء كانت هذه الصلوات واجبة أم لا.
فكل صلاة مشروعة في الإسلام زيادة على الفروض الخمسة الواجبة في اليوم والليلة يشملها اسم (صلوات التطوع) .
ولا يخفى عليك إن شاء الله أنه لا تعارض هذا كون بعض الصلوات غير الفروض الخمسة لها حكم الوجوب، مع كونها داخلة في (صلوات التطوع) ، على التقرير السابق؛ لأن وجوبها ليس بذاتها؛ إنما لأمر حف بها، ولا يترتب لها من الأحكام ما يترتب للفروض الخمسة؛ من استقرار وجوبها العيني على كل مسلم ومسلمة، حضراً وسفراً، لأن وجوب هذه الصلوات الخمس إنما هو بحق الإسلام، أما غيرها من الصلوات – إذا وجبت – فإن وجوبها بأسباب مختلفة؛ كدخول المسجد وإرادة الجلوس فيه، فإنه سبب لوجوب تحية المسجد، ووجوب الوفاء بالنذر سبب لوجوب الصلاة المنذورة، وهكذا (١)
стр. 7
(٢-١) أنواع صلوات التطوع
التطوع نوعان:
الأول: التطوع المطلق، وهو الذي لم يأت فيه الشارع بحد.
فمثلاً: صدقة التطوع لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت، ولو نصف تمرة، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى.
ولكن في هذا التطوع المطلق ينبغي أن لا يداوم عليه مداومة السنن الراتبة، وأن لا يؤدي إلى بدعة أو مشابهة أهلها.
الثاني: التطوع المقيد، وهو ما جاء له حد في الشرع.
فمثلاً: من أراد أن يأتي بسنة الفجر الراتبة؛ لا يتحقق منه الإتيان بها إلا بركعتين قبل صلاة الفجر بعد دخول وقتها بنية راتبة الفجر، وكذا مثلاً: من أراد أن يصلي صلاة الكسوف؛ لا تتحقق صلاته إلا بالصفة المشروعة، وكذا صلاة العيدين ... وغيرها من السنن التي جاء الشرع لها بوصف معين.
وموضوع هذه الرسالة هو: النوع الثاني من التطوع؛ أعني: التطوع المقيد.
(٣-١) فضل صلوات التطوع
وردت في فضل صلوات التطوع أحاديث كثيرة؛ منها:
أ) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم (١) الصلاة". قال: " يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي؛ أتمها أم نقصها (٢) ؟
فإن كانت
стр. 8
تامة؛ كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا؛ هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع؛ قال: أتمموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. (١)
والحديث فيه بيان حكمة من حكم مشروعية صلوات التطوع.
ب) عن ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي؛ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل". فقلت: أسألك مرافقتك في
стр. 9
الجنة. قال: " أو غير ذلك؟ ". قلت: هو ذاك! قال: " فأعني على نفسك بكثرة السجود". أخرجه مسلم وأصحاب السنن (١) .
ج) عن معدان بن أبي طلحة اليعمري؛ قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة (أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله) ؟ فسكت، ثم سألته؟ فسكت، ثم سألته الثالثة؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " عليك بكثرة السجود لله (٢) ؛ فإنك لا
стр. 10
تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة". قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته؟ فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. (١) .
والحديثان يدلان على فضيلة الإكثار من صلوات التطوع.
стр. 11
السنن الرواتب
فضلها، ووصفها، وأحكامها
المقصود بالسنن الرواتب: الصلوات التي كان رسول الله ﷺ يصليها أو يرغب في صلاتها مع الصلوات الخمس المفروضة؛ قبلها أو بعدها.
ويشتمل هذا الباب على الفصول التالية:
(١-٢) فضل السنن الرواتب.
(٢-٢) وصفها وأحكامها.
وبيان ذلك فيما يلي:
стр. 12
السنن الرواتب
فضلها، ووصفها، وأحكامها
(١-٢) فضل السنن الرواتب
وردت في فضل السنن الرواتب أحاديث: منها في فضل السنن الرواتب على الإجمال، ومنها في فضل بعض أفرادها؛ من ذلك:
أ) ما جاء عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ؛ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً (١) غير فريضة؛ إلا بنى الله له بيتاً في الجنة (أو: إلا بنى له بيت في الجنة) ". أخرجه مسلم.
وفي رواية للترمذي والنسائي فسر هذه الركعات: " أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر" (٢) .
стр. 13
قلت: والحديث يدل على استحباب المثابرة على صلاة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً كل يوم.
ومن حافظ على السنن الرواتب؛ دخل في هذا الفضل المذكور في هذا الحديث؛ إذ أنه يصلي قطعاً في كل يوم ثنتي عشرة ركعة وأكثر.
ففي الحديث فضيلة المحافظة على السنن الرواتب عموماً والمذكورة في الحديث خصوصاً، والله أعلم.
وقد ثبت فعل الرسول ﷺ للسنن الرواتب، فاجتمع لها القول والفعل منه ﵊.
ب) عن ابن عمر ﵄؛ قال: " حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها، حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر؛ صلى ركعتين"
وفي رواية للبخاري ولمسلم نحوها زيادة: " وسجدتين بعد الجمعة".
стр. 14
وفي مسلم: " فأما المغرب والعشاء والجمعة؛ فصليت مع النبي ﷺ في بيته ".
وفي رواية الترمذي: " حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات يصليها بالليل والنهار" (١)
(٢-٢) وصف السنن الراتبة وأحكامها
يشتمل هذا الفصل على بيان السنن الراتبة لكل صلاة من الصلوات الخمس المفروضة، من خلال خمسة مباحث، لكل صلاة مفروضة مبحث يتعلق براتبتها، أدرج تحته المسائل المتعلقة به.
وإليك البيان:
(١-٢-٢) راتبة صلاة الفجر:
ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية:
стр. 15
أولاً: حكمها.
ثانياً: وصفها وفضلها.
ثالثاً: تخفيفها.
رابعاً: ما يقرأ فيها.
خامساً: الاضطجاع بعدها.
سادساً: من فاتته.
وتفصيل القول في هذه المسائل كما يلي:
أولاً: حكمها:
راتبة الفجر من آكد السنن الراتبة، وكان ﷺ يتعاهدها ولا يدعها في حضر ولا سفر.
ولم يصح عنه ﷺ ما يدل على وجوبها. (١)
والدليل على صلاة الرسول ﷺ لركعتي الفجر في السفر: ما ثبت عن أبي مريم؛ قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح؛ نزل رسول الله ﷺ فنام ونام الناس، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﷺ المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة" (٢) .
стр. 16
والحديث يدل على أنه ﷺ كان يصلي صلاة راتبة الفجر مع صلاة الفجر في السفر.
كما يدل على مشروعية صلاتها عند فوات صلاة الفجر عن وقتها، فإنه يشرع في صلاة راتبة الفجر ثم صلاة الفجر كما فعل رسول الله ﷺ .
ثانياً: وصفها وفضلها:
راتبة الفجر ركعتان، تصليان قبل صلاة الفجر، وقد ورد في فضلها أحاديث منها:
أ) عن عائشة عن النبي ﷺ ؛ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها [لهما أحب إلي من الدنيا جميعاً] ". أخرجه مسلم. (١)
والحديث يدل على استحباب ركعتي الفجر والترغيب فيهما.
стр. 17
ب) عن عائشة ﵂؛ قالت: " لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر". أخرجه الشيخان (١) . والحديث يدل على تأكيد المحافظة على ركعتي الفجر.
وقد اجتمع في هذه الراتبة: القول منه ﷺ في الترغيب فيها، والفعل منه ﷺ في المحافظة عليها.
ج) وعنها ﵂؛ قالت: " إن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل [الصبح] الغداة". أخرجه البخاري والنسائي (٢)
وهذه الأحاديث تدل على فضل ركعتي الفجر، وأنها من أوكد الرواتب.
ثالثاً: تخفيفهما:
كان من هديه ﷺ أن يخفف ركعتي الفجر، فلا يطيل القراءة فيهما، ومن الأحاديث الدالة على ذلك:
أ) ما جاء عن أم المؤمنين حفصة؛ قالت: " إن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح؛ ركع ركعتين خفيفتين قبل
стр. 18
أن تقام الصلاة". أخرجه الشيخان (١)
ب) عن عائشة؛ قالت: " كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إنّي لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟ ". أخرجه الشيخان (٢) .
والحديثان يدلان على مشروعية تخفيف ركعتي الفجر.
واستدل بعض أهل العلم بحديث عائشة على مشروعية الاقتصار في سنة الفجر على قراءة فاتحة الكتاب، ولا دلالة في الحديث على ذلك، وغاية ما فيه الإشعار بأنه ﵊ كان يخفف فيهما القراءة، ويؤكد هذا ما يأتي في المسألة التالية.
رابعاً: ما يقرأ فيهما:
أ) عن أبي هريرة ﵁: " أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ " (٣) .
стр. 19
ب) عن ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... ﴾ الآية التي في البقرة [١٣٦] ، وفي الآخرة منهما: ﴿آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون﴾ [آل عمران:٥٢] ".
وفي رواية: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ [البقرة: ١٣٦] ، والتي في آل عمران: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] " (١)
والحديثان يدلان على استحباب قراءة سورة الإخلاص في الركعة الأولى وسورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ في الركعة الثانية من ركعتي الفجر، كما يدل على استحباب قراءة الآية من سورة البقرة وسورة آل عمران، فيقرأ المسلم أحياناً بهذا وأحياناً بهذا؛ تطبيقاً للسنة. (٢)
خامساً: الاضطجاع بعدهما:
يستحب المسلم إذا صلى راتبة الفجر في البيت أن يضطجع على شقه الأيمن، وذلك لما ورد:
أ) عن أبي هريرة؛ قال رسول الله ﷺ : " إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على شقه الأيمن". أخرجه الترمذي. (٣)
стр. 20
والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وفيه دلالة على الوجوب؛ إذ هذا مقتضى الأمر (١) ، لكن صرفه عن الوجوب إلى الاستحباب الحديث التالي:
ب) عن عائشة: " أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر، فإن كنت مستيقظة؛ حدثني، وإلا؛ اضطجع حتى يؤذن بالصلاة". أخرجه البخاري (٢) .
فهذا الحديث فيه أن الرسول ﷺ كان يترك أحياناً الاضطجاع على شقه الأيمن بعد صلاة راتبة الفجر، ولو كان واجباً؛ ما تركه.
ودعوى الخصوصية وغيرها لا تثبت إلا بدليل، والأصل العموم، والعمل بجميع ما ورد عنه ﵊ أولى من العمل ببعض دون بعض.
والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع على الجانب الأيمن.
وهل يكون هذا في البيت أو في المسجد؟
حديث أبي هريرة مطلق: فإن صلى راتبة الفجر في المسجد؛ اضطجع في المسجد، وإن صلاها في البيت؛ اضطجع في البيت، لكن لم ينقل عن
стр. 21
الرسول ﵊ ولا عن الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك (١) .
سادساً: من فاتته ركعتا الفجر:
يشرع لمن فاتته ركعتا الفجر أن يصليهما بعد صلاة الفجر مباشرة أو بعد طلوع الشمس، والأفضل أن يصليهما بعد طلوع الشمس.
عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : " من لم يصل ركعتي الفجر؛ فليصلهما بعد ما تطلع الشمس". أخرجه الترمذي. (٢)
قلت: ظاهر هذا الحديث وجوب صلاة راتبة الفجر إذا فاتتا بعد طلوع الشمس، لكن هذا الأمر مصروف إلى الاستحباب بدليل الحديث التالي:
عن قيس بن قهد (بالقاف المفتوحة وسكون فدال مهملة) (٣) ﵁؛ أنه صلى مع رسول الله ﷺ الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله ﷺ ؛ سلم معه، ثم قام فركع ركعتي الفجر، ورسول الله ﷺ
стр. 22
ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه ". أخرجه الترمذي وابن حبان. (١)
والحديث يدل على جواز قضاء راتبة الفجر بعد الفرض لمن لم يصلها قبل الفرض.
(٢-٢-٢) راتبة صلاة الظهر:
ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية:
أولاً: حكمها.
ثانياً: وصفها وفضلها.
ثالثاً: من فاتته الأربع قبل الظهر.
رابعاً: من فاتته الركعتان بعد الظهر.
وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
أولاً: حكمها:
راتبة صلاة الظهر من السنن المستحبة التي ثبتت عن الرسول ﷺ قولاً وفعلاً.
ولم يأت ما يدل على وجوبها.
стр. 23
ثانياً: وصفها وفضلها:
راتبة الظهر: إما أن تصلى أربعاً قبل صلاة الظهر وأربعاً بعدها، وإما أن تصلى أربعاً قبل الظهر واثنتين بعدها، وإما أن تصلى اثنتين قبل صلاة الظهر واثنتين بعدها، أي ذلك فعل المسلم بنية راتبة صلاة الظهر، أجزأه، وكان مؤدياً هذه السنة.
والدليل على مشروعية هذه الصفة الأحاديث التالية:
أ) عن أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، حرمه الله على النار ". أخرجه الترمذي وابن ماجه (١)
والحديث يدل على استحباب صلاة أربع ركعات قبل الظهر، وأربع ركعات بعد الظهر، والمحافظة عليها.
ب) عن عبد الله بن شقيق؛ قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي
стр. 24
بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم؛ ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً؛ ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر؛ صلى ركعتين". أخرجه مسلم. (١)
قلت: والحديث يدل على مشروعية صلاة أربع قبل الظهر واثنتين بعدها.
والظاهر أنه كان يصليها ﵊ متصلة بتشهدين دون فصل بالتسليم، فتؤدى كالصلاة الرباعية، وتخصص من عموم حديث: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٢) .
قال أبو عيسى الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة، وقال بعض أهل العلم: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى؛ يرون الفصل بين كل
стр. 25
ركعتين، وبه يقول الشافعي وأحمد". "سنن الترمذي" (٢/٢٨٩-٢٩٠) .
ج) وتقدم في فضل السنن الرواتب حديث أم حبيبة؛ قالت: سمعت الرسول ﷺ : " ما من عبد مسلم، يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة، تطوعاً غير فريضة؛ إلا بنى الله له بيتاً في الجنة (أو: إلا بنى له بيت في الجنة) ، [أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر ... ] " الحديث.
د) وتقدم حديث عائشة ﵂: " كان لا يدع أربعاً قبل الظهر ... ".
هـ) وتقدم حديث ابن عمر ﵄: " حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها ... ".
ثالثاً: من فاتته الأربع قبل الظهر:
ورد عن الرسول ﷺ ؛ أنه كان إذا فاتته الأربع قبل الظهر؛ صلاهن بعد صلاة الظهر.
عن عائشة: " إن النبي كان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر؛ صلاهن بعدها". أخرجه الترمذي وابن ماجه. (١)
والحديث يدل على أن من فاتته الأربع الركعات قبل الظهر؛ صلاهن بعد
стр. 26
فرض الظهر مطلقاً. (١)
رابعاً: من فاتته الركعتان بعد الظهر:
عن كريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي ﷺ ، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعاً، وسلها عن الركعتين بعد [صلاة] العصر، وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنهما (قال ابن عباس: وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها) ؟ قال كريب: فدخلت عليها وبلغتها ما أرسلوني به، فقالت: سل أم سلمة. فخرجت إليهم، فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، أما حين صلاهما؛ فإنه صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بنى حرام من الأنصار، فصلاهما فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه، فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله ﷺ ! إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما " فإن أشار بيده؛ فاستأخري عنه. قال: ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف؛ قال: "يا بنت أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر؟ إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان ". أخرجه الشيخان. (٢)
стр. 27
قلت: الحديث يدل على مشروعية قضاء سنة الظهر البعدية إذا فاتتا.
فإن قيل: ذكر في الحديث أن أم سلمة قالت: " يا رسول الله! سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما"، وهذا يقتضي النهي عن تلك الركعتين.
فالجواب: الظاهر من الحديث أن النهي عن هاتين الركعتين بعد العصر إنما هو لمن داوم عليهما ظناً أنها سنة (١) ، ألا ترى أنه ذكر في الحديث نفسه أن السيدة عائشة ﵂ كانت تصليهما: " اقرأ ﵍ منا جميعاً وسلها عن الركعتين بعد العصر، وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينهما ... فقالت السيدة عائشة: سل أم سلمة "، فلو كان المراد من النهي عن الركعتين بعد العصر على الإطلاق؛ ما صلتهما عائشة. والله أعلم.
وهناك تعليل آخر، وهو أن النهي عن الركعتين بعد العصر لمن صلاها والشمس غير بيضاء نقية؛ فإن الرسول ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة، ولذلك لما أجابها ﵊؛ بين لها سبب هاتين الركعتين، وأنهما الركعتان بعد الظهر، فدل الحديث على جواز قضاء راتبة الظهر البعدية في وقت النهي.
стр. 28
وقد ثبت ما يدل على هذا؛ فإن ابن عباس قال في هذا الحديث: " كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها "؛ يعني: أنه كان ينهى الناس عن الصلاة بعد العصر مطلقاً، والظاهر أن عائشة بلغها هذا، فقالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. وفي رواية عنها: قالت: لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. قال: فقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك". رواه مسلم. (١)
فدل هذا على النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، ومفهومه أن الصلاة بعد العصر والشمس بيضاء نقية غير داخل في النهي، وهذا المفهوم جاء منطوقاً في حديث عن على بن أبي طالب مرفوعاً: " نهى عن الصلاة بعد العصر؛ إلا والشمس مرتفعة". أخرجه أبو داود والنسائي، وفي رواية لأحمد: " لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" (٢) .
(٣-٢-٢) راتبة صلاة العصر:
ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية:
стр. 29
أولاً: حكمها.
ثانياً: فضلها.
ثالثاً: صفتها.
وبيانها فيما يلي:
أولاً: حكمها:
راتبة العصر من السنن الرواتب (١) ، التي ثبت الترغيب فيها من الرسول ﷺ ، كما ثبت فعله لها؛ فالمحافظة عليها من الأمور المستحبة.
ثانياً: فضلها:
ورد في فضل راتبة العصر الحديث التالي:
عن ابن عمر؛ قال رسول الله ﷺ : " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً". أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود. (٢)
стр. 30
والحديث يدل على استحباب فعل هذه الركعات، بل والمحافظة عليها؛ رجاء الدخول في دعوة رسول الله ﷺ .
ثالثاً: صفتها:
راتبة العصر، أربع ركعات، موصولات بتشهدين كالصلوات الرباعية، يسلم في آخرهن، تصلى قبل صلاة العصر.
عن عاصم بن ضمرة السلولي، قال: سألنا علياً عن تطوع رسول الله ﷺ بالنهار؟ فقال: إنكم لا تطيقونه. فقلنا: أخبرنا به؛ نأخذ منه ما استطعنا. قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر؛ يمهل، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا (يعني: من قبل المشرق) بمقدارها من صلاة العصر من هاهنا (يعني: من قبل المغرب) ؛ قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا (يعني: من قبل المشرق) مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا؛ قام فصلى أربعاً، وأربعاً قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين ". قال علي: " فتلك ست عشرة ركعة تطوع رسول الله ﷺ بالنهار، وقل من يداوم عليها " أخرجه الترمذي وابن ماجه.
وفي رواية للنسائي: " كان رسول الله ﷺ يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات، يجعل التسليم في آخره" (١)
стр. 31
قال أبو عيسى الترمذي: " حديث علي حديث حسن، واختار إسحاق بن إبراهيم أن لا يفصل في الأربع قبل العصر، واحتج بهذا الحديث، وقال إسحاق: ومعنى أنه يفصل بينهن بالتسليم؛ يعني: التشهد. ورأى الشافعي وأحمد صلاة الليل والنهار مثنى مثنى؛ يختاران الفصل في الأربع قبل العصر " (١) . اهـ.
قلت: الظاهر هو ما قاله إسحاق بن إبراهيم، ويؤيده الرواية التي عند النسائي: "يجعل التسليم في آخره" (٢) ، ويرشحه أنه لو كان المراد بالتسليم للخروج من الصلاة في قوله: "يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين ... "، لو كان المراد التسليم للخروج من الصلاة؛ للزم المصلي أن ينوي ذلك، وهذا لم يرد شرعاً، فدل هذا على أن المراد بالتسليم على الملائكة المقربين ... إلخ: التشهد، خاصة وقد ورد مرفوعاً أن التشهد فيه التسليم على كل عبد صالح في السماء والأرض.
стр. 32
وعليه؛ فتخصص هذه الراتبة من عموم حديث: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (١) .
والحديث يدل على أن الرسول ﷺ كان يصلي هذه الأربع الركعات قبل العصر؛ فعدها من السنن الرواتب هو الصواب إن شاء الله؛ لثبوتها عنه ﷺ قولاً وفعلاً وبالله التوفيق.
(٤-٢-٢) راتبة صلاة المغرب:
ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية:
أولاً: حكمها.
ثانياً: صفتها وفضلها.
ثالثاً: تأكيد صلاتها في البيوت.
وبيان ذلك كما يلي:
أولاً: حكمها:
راتبة المغرب سنة من السنن الرواتب، التي يستحب للمسلم المحافظة عليها، وقد ثبتت هذه السنة عنه ﷺ بالقول والفعل.
ثانياً: صفتها وفضلها:
راتبة المغرب ركعتان، تصليان بعد صلاة المغرب، وتقدم في النص عليها:
حديث أم حبيبة؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة؛ إلا بنى الله له بيتاً في
стр. 33
الجنة (أو: إلا بني له بيت في الجنة) : [أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب ... ] ".
وحديث ابن عمر ﵁؛ قال: "حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته ... ".
وحديث عبد الله بن شقيق؛ سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، عن تطوعه؟ فقالت: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين ... ".
ثالثاً: تأكيد صلاتها في البيوت:
كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه صلاة التطوع في البيت إلا ما كان لعارض، وقد جاء عنه ﷺ التأكيد على صلاة راتبة المغرب في البيوت.
عن محمود بن لبيد؛ قال: أتى رسول الله ﷺ بني عبد الأشهل، فصلى بهم المغرب، فلما سلم؛ قال: " اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم ". أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة (١) .
عن كعب بن عجرة؛ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما صلى؛ قام ناس يتنفلون، فقال النبي ﷺ : "عليكم بهذه الصلاة في البيوت ". أخرجه أبو داود والنسائي (٢) .
стр. 34
قلت: الحديثان يدلان على تأكيد استحباب صلاة راتبة المغرب في البيوت. (١)
стр. 35
(٥-٢-٢) راتبة العشاء:
وتتعلق بها مسألتان:
أولاً: حكمها.
ثانياً: صفتها وفضلها.
أولاً: حكمها:
راتبة العشاء من السنن الراتبة؛ فهي صلاة يستحب للمسلم أن يحافظ عليها؛ لثبوت فعلها عنه ﷺ ؛ كما ثبت الترغيب فيها بقوله ﷺ .
ثانياً: صفتها وفضلها:
تقدم حديث ابن عمر: " حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات ... وركعتين بعد العشاء في بيته ".
وتقدم حديث عبد الله بن شقيق؛ قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، عن تطوعه؟ فقالت: " ... ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين ".
وتقدم حديث أم حبيبة؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة؛ إلا بنى الله له بيتاً في الجنة ... [ ... وركعتين بعد العشاء ... ] ".
قلت: وهذه الأحاديث فيها أن راتبة العشاء ركعتين بعد صلاة العشاء.
стр. 36
صلاة الليل والوتر
يشتمل هذا الباب على الفصول التالية:
(١-٣) فضلهما.
(٢-٣) حكم صلاة الليل والوتر.
(٣-٣) أول وقت صلاة الليل والوتر وآخره.
(٤-٣) عدد ركعات صلاة الليل والوتر وصفتها.
(٥-٣) ما يقرأ في الوتر.
(٦-٣) القنوت في الوتر حكمه وموضعه وصفته.
(٧-٣) من نام عن وتره أو نسيه.
(٨-٣) مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان.
(٩-٣) لا وتران في ليلة.
وبيان ذلك كما يلي:
стр. 37
صلاة الليل والوتر
(١-٣) فضلهما
ورد من فضل صلاة الليل والوتر أحاديث، أذكر منها الأحاديث التالية:
أ) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ". أخرجه مسلم. (١)
ب) عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: " عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم". رواه الترمذي والحاكم. (٢)
ج) عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن
стр. 38
الله زادكم صلاة؛ فحافظا عليها، وهي الوتر". أخرجه أحمد وابن أبي شيبة. (١)
قلت: والأحاديث السابقة تدل على فضيلة صلاة الليل واستحباب المحافظة على صلاة الوتر.
(٢-٣) حكم صلاة الليل والوتر
صلاة الليل سنة مستحبة، والوتر في آخرها سنة مؤكدة، هذا ما دلت عليه النصوص؛ فمن ذلك الأحاديث التالية:
أ) عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ؛ قال: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" متفق عليه. (٢)
ب) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 39
يقول: " الوتر حق". أخرجه أحمد وأبو داود. (١)
ج) عن أبي أيوب الأنصاري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس؛ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث؛ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة؛ فليفعل ".
وفي رواية: " الوتر حق، فمن شاء؛ أوتر بسبع؛ ومن شاء؛ أوتر بخمس، ومن شاء؛ أوتر بثلاث، ومن شاء؛ أوتر بواحدة، ومن شاء؛ أومأ إيماء". (٢)
стр. 40
قلت: هذه الأحاديث تدل على تأكيد استحباب صلاة الليل والوتر، بل فيها ما قد يشعر بوجوب الوتر: إما مطلقاً، وإما في حق من يتهجد بالليل.
لكن ورد ما يدل على أن صلاة الليل والوتر ليستا بحتم، من ذلك:
عن علي ﵁؛ قال: " الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ ". أخرجه النسائي. (١)
قلت: وهذا صريح في عدم وجوب الوتر، ولا أعلم له مخالفاً من الصحابة؛ فقوله هذا له حكم الإجماع السكوتي. (٢)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل ". أخرجه البخاري ومسلم. (٣)