← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9103

بغية المتطوع في صلاة التطوع

محمد بن عمر بازمول

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صلاة الليل والوتر يشتمل هذا الباب على الفصول التالية: (١-٣) فضلهما. (٢-٣) حكم صلاة الليل والوتر. (٣-٣) أول وقت صلاة الليل والوتر وآخره. (٤-٣) عدد ركعات صلاة الليل والوتر وصفتها. (٥-٣) ما يقرأ في الوتر. (٦-٣) القنوت في الوتر حكمه وموضعه وصفته. (٧-٣) من نام عن وتره أو نسيه. (٨-٣) مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان. (٩-٣) لا وتران في ليلة. وبيان ذلك كما يلي:

стр. 37

صلاة الليل والوتر (١-٣) فضلهما ورد من فضل صلاة الليل والوتر أحاديث، أذكر منها الأحاديث التالية: أ) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ". أخرجه مسلم. (١) ب) عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: " عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم". رواه الترمذي والحاكم. (٢) ج) عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن

стр. 38

الله زادكم صلاة؛ فحافظا عليها، وهي الوتر". أخرجه أحمد وابن أبي شيبة. (١) قلت: والأحاديث السابقة تدل على فضيلة صلاة الليل واستحباب المحافظة على صلاة الوتر. (٢-٣) حكم صلاة الليل والوتر صلاة الليل سنة مستحبة، والوتر في آخرها سنة مؤكدة، هذا ما دلت عليه النصوص؛ فمن ذلك الأحاديث التالية: أ) عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ؛ قال: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" متفق عليه. (٢) ب) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 39

يقول: " الوتر حق". أخرجه أحمد وأبو داود. (١) ج) عن أبي أيوب الأنصاري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس؛ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث؛ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة؛ فليفعل ". وفي رواية: " الوتر حق، فمن شاء؛ أوتر بسبع؛ ومن شاء؛ أوتر بخمس، ومن شاء؛ أوتر بثلاث، ومن شاء؛ أوتر بواحدة، ومن شاء؛ أومأ إيماء". (٢)

стр. 40

قلت: هذه الأحاديث تدل على تأكيد استحباب صلاة الليل والوتر، بل فيها ما قد يشعر بوجوب الوتر: إما مطلقاً، وإما في حق من يتهجد بالليل. لكن ورد ما يدل على أن صلاة الليل والوتر ليستا بحتم، من ذلك: عن علي ﵁؛ قال: " الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ ". أخرجه النسائي. (١) قلت: وهذا صريح في عدم وجوب الوتر، ولا أعلم له مخالفاً من الصحابة؛ فقوله هذا له حكم الإجماع السكوتي. (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل ". أخرجه البخاري ومسلم. (٣)

стр. 41

في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجباً؛ لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم. (١) عن علي بن أبي طالب؛ قال: إن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي ﵇ ليلة، فقال: " ألا تصليان؟ " فقلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا؛ بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: " وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً". متفق عليه. (٢) قلت: ولو كان قيام الليل واجباً، لما عذره بقوله ذاك، والله أعلم. (٣) عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح؛ قال: " قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم؛ إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان ". متفق عليه. (٤)

стр. 42

وفي رواية: " ... ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم "؛ فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته؛ إلا الصلاة المكتوبة ". أخرجها مسلم عن زيد بن ثابت. (١) قلت: هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على عدم وجوب صلاة الليل، إذ نص الرسول أنها من صلاة البيوت التي ليست بواجبة، وذلك أنه ﷺ خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل جماعة في المساجد في رمضان، فدل ذلك أنها ليست بواجبة جماعة في المساجد في رمضان وفي غير رمضان كذلك؛ لعدم الفرق، وأفراداً كذلك. (٢) عن ابن عمر؛ قال: " كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته". أخرجه البخاري. (٣) قلت: ثبت بالاستقراء أنه ﷺ لم يصل فريضة على راحلته، فدلت صلاته صلاة الليل والوتر على الراحلة أنها من التطوع الذي ليس بحتم كهيئة المكتوبة. (٤)

стр. 43

ومن الأدلة على عدم وجوب صلاة الليل والوتر ما سبق عن أبي هريرة ﵁؛ قال رسول الله ﷺ : " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". أخرجه مسلم. (١) وفيه دلالة على عدم وجوب صلاة الليل، إذ فاضل بين صلاة الليل وسائر الصلوات غير الفريضة، وقرن في التفضيل بين صيام شهر الله المحرم وصلاة الليل؛ فكما أن صيام شهر الله المحرم ليس بواجب؛ فكذا صلاة الليل، والله أعلم. والمقصود: أن مجموع هذه النصوص يدل على عدم وجوب صلاة الليل والوتر؛ فهي قرينة صارفة لما قد تشعر به بعض الأحاديث بوجوب الوتر، صارفة من الوجوب إلى الاستحباب. والله أعلم. ويؤكد عدم الوجوب ما ذكرته السيدة عائشة ﵂؛ من أن قيام الليل كان فرضاً في أول الأمر، ثم أنزل الله التخفيف في آخر سورة المزمل، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. (٢)

стр. 44

(٣-٣) أول وقت صلاة الليل والوتر وآخره أول وقت صلاة الليل والوتر بعد صلاة العشاء، وآخره طلوع الفجر، ويدل على ذلك ما يلي: أ) عن عائشة ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس: العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن؛ قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة ". أخرجه مسلم. (١) ب) وعن أبي بصرة الغفاري: قال رسول الله ﷺ : " إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر؛ فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر". أخرجه أحمد. (٢) قلت: والحديثان ظاهران في أن صلاة الليل والوتر وقتهما يبدأ من بعد صلاة العشاء (التي يدعو الناس: العتمة) إلى الفجر. ويؤكد أن آخرها الفجر ما ثبت عنه ﷺ : " فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" (٣) قال ابن نصر: " الذي اتفق عليه أهل العلم: أن ما بين صلاة العشاء إلى

стр. 45

طلوع الفجر وقت للوتر، واختلفوا فيما بعد ذلك إلى أن يصلي الفجر، وقد روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالوتر قبل طلوع الفجر". اهـ. (١) قلت: والأفضل في حق من خشي أن لا يقوم آخر الليل الصلاة في أوله، ومن وثق من نفسه؛ فالأفضل له تأخيره إلى آخر الليل؛ لما ثبت عن جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل؛ فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره؛ فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". أخرجه مسلم. (٢) (٤-٣) عدد ركعات صلاة الليل والوتر وصفتها صلاة الليل والوتر إحدى عشرة ركعة، ما زاد رسول الله ﷺ عليها، وقد وردت عنه ﵊ بأوصاف متنوعة، إذا صلى المسلم بأي صفة منها؛ أجزأته وهذه الأوصاف هي التالية: - (١-٤-٣) صلاة الليل مثنى مثنى والوتر بواحدة: عن عبد الله بن عمر؛ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". وفي رواية: " قام رجل فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟ ". أخرجه الشيخان. (٣)

стр. 46

قلت: والحديث يدل على أن صلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين. وأن الوتر يشرع كونه آخر صلاة الليل. وأن الوتر بركعة واحدة مفصولة عما قبلها مشروع. وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على تعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل؛ لأن هذا ظاهر السياق؛ لحصر المبتدأ في الخبر. وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل للمصلي؛ لما صح من فعله ﷺ بخلافه؛ كما سيأتي إن شاء الله. وليس في الحديث ما يعين أن جوابه ﷺ بقوله: "صلاة الليل مثنى مثنى"؛ أن هذا هو الأفضل، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف؛ إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها؛ لما فيه من الراحة غالباً، وقضاء ما يعرض من أمر مهم، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط؛ لما واظب عليه الرسول ﷺ ، ومن ادعى اختصاصه به؛ فعليه البيان، وقد صح عنه الفصل كما صح عنه الوصل. (١) وقد استدل بعضهم بالحديث على أن صلاة الليل لا حد لأكثرها، وفيه نظر من وجوه؛ منها: الوجه الأول: أن الثابت من فعله ﷺ في صلاة الليل والوتر أنه لم يزد فيها عن إحدى عشرة ركعة. الوجه الثاني: وردت رواية لهذا الحديث تفسره، وهي الرواية المشار إليها سابقاً، وقد أخرجها البخاري بلفظ: " أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وهو يخطب،

стр. 47

فقال: كيف صلاة الليل؟ فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة؛ توتر لك ما قد صليت" (١) ، وهذه الرواية فيها بيان أن المراد بقوله ﷺ : "مثنى مثنى" بيان كيفية الصلاة لا كمية الصلاة، فلا يريد الرسول ﷺ بقوله ذاك بيان العدد، وإنما الفصل والوصل؛ فصلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين، وأولى ما فسر به الحديث من الحديث. (٢) الوجه الثالث: أن قوله ﷺ : " مثنى مثنى": يفيد إرادة الصفة، لا إرادة العدد، إذ العدد المعدول (مثنى مثنى) إنما يعني: صلي صلاة الليل ركعتين ركعتين؛ دون أن يراد بيان العدد؛ فافهم. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣] . (٣) - (٢-٤-٣) الوتر بركعة واحدة: يشرع الوتر بركعة واحدة، ومما يدل عليه ما يلي: أ) ما سبق من قوله ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بركعة ". ب) ما سبق من حديث أبي أيوب: قال رسول الله ﷺ : " الوتر حق على كل مسلم، فمن شاء؛ أوتر بسبع، ومن شاء؛ أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء؛ أوتر بواحدة، فمن غلب؛ فليومئ إيماء". ج) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : " الوتر ركعة من آخر الليل ". أخرجه مسلم. (٤)

стр. 48

- (٣-٤-٣) الوتر بثلاث ركعات: ويشرع الوتر بثلاث ركعات فقط، ولك أن تصليها على صفتين، ما تيسر لك منها يجزئ عنك، وهي التالية: الأولى: أن تصلي هذه الركعات الثلاث: ركعتين ثم تسلم، ثم تصلي ركعة واحدة. الثانية: أن تصليها ثلاث ركعات متصلة، لا تقعد إلا في آخرهن: لما ثبت عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : " لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب، ولكن أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى عشرة". أخرجه الحاكم. (١) وقد ثبت أداء الثلاث موصولات دون قعود إلا في آخرهن عن رسول الله ﷺ ؛ فقد جاء عن أبي بن كعب؛ قال: " كان رسول الله يقرأ من الوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وفي الركعة الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ ، ولا يسلم إلا في آخرهن". أخرجه النسائي. (٢) وعن عائشة؛ قالت: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في

стр. 49

آخرهن ". أخرجه الحاكم. (١) وعن بعض الصحابة رضوان الله عليهم. (٢) ومن الأدلة على مشروعية الوتر بثلاث ركعات ما تقدم في حديث أبي أيوب: "ومن أحب أن يوتر بثلاث؛ فليفعل". - (٤-٤-٣) الوتر بخمس ركعات: يشرع الوتر بخمس ركعات، ولك أن تصليها على صفتين: الأولى: أن تصلي ركعتين، ثم تصلي ركعتين، ثم تصلي ركعة. الثانية: أن تصليها خمس ركعات موصولات، لا تجلس إلا في آخرهن. والدليل على ذلك جميعه ما يلي: أ) ما سبق في حديث أبي أيوب المتقدم: "من أحب أن يوتر بخمس؛ فليفعل".

стр. 50

ب) ما سبق في حديث ابن عمر: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر؛ أوتر بركعة". ج) عن عائشة ﵂؛ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرها". وفي رواية: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر ". أخرجه مسلم. (١) د) وعنها؛ قالت: " إن النبي ﷺ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في الآخرة منهن". أخرجه أبو عوانة. (٢) - (٥-٤-٣) الوتر بسبع ركعات: يشرع الوتر بسبع ركعات، ويؤدى على صفتين: الأولى: أن يصلي ست ركعات مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة. الثانية: أن يصلي سبع ركعات موصولات، لا يقعد إلا في السادسة، فيتشهد، ثم يقوم ولا يسلم، ويأتي بالسابعة ثم يسلم. ومما يدل على ذلك ما يلي: حديث أبي أيوب، وفيه: " الوتر حق، فمن شاء؛ أوتر بسبع". عن أم سلمة: " كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر

стр. 51

وضعف أوتر بسبع". أخرجه الترمذي والنسائي. (١) ج) حديث ابن عمر المتقدم: " صلاة الليل مثنى مثنى ... ". د) عن عائشة؛ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات؛ لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس، فيذكر الله ، ويدعو، ثم يسلم تسليمة يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فلما كبر وضعف؛ أوتر بسبع ركعات، لا يقعد إلا في السادسة ثم ينهض ولا يسلم، فيصلي السابعة، ثم يسلم تسليمة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس". أخرجه مسلم والنسائي. (٢) - (٦-٤-٣) الوتر بتسع ركعات: ويشرع للمسلم أن يوتر بتسع ركعات، وله فيها صفتان، وهي التالية: الأولى: أن يصلي مثنى مثنى ثمان ركعات ثم يوتر بواحدة. الثانية: أن يصلي تسع ركعات موصولات، لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد، ثم يصلي التاسعة، ويقعد فيها للتشهد الثاني، ثم يسلم.

стр. 52

ومما يدل على ذلك ما يلي: أ) ما سبق من قوله ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى؛ فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ". ب) عن سعد بن هشام؛ قال: " قلت: يا أم المؤمنين (يعني: عائشة ﵂ ! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله؟ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ ؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله من آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة، قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء الله أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات؛ لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد؛ فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما سن نبي الله ﷺ ، وأخذه اللحم؛ أوتر بسبع؛ وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول؛ فتلك تسع يا بني ... " أخرجه مسلم. (١) - (٧-٤-٣) الوتر بإحدى عشرة ركعة: يشرع للمسلم أن يوتر بإحدى عشرة ركعة، ويصليها على صفتين:

стр. 53

الأولى: أن يصلي مثنى مثنى عشر ركعات ثم يوتر بواحدة. الثاني: أن يصلي أربعاً أربعاً ثم يصلي ثلاثاً. (١) ويدل على ذلك ما يلي: أ) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاته ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً،؛ فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: " يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ". وفي رواية: " كان يصلي ثلاث عشرة ركعة: يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس؛ فإذا أراد أن يركع؛ قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من الصبح ". أخرجه الشيخان. (٢) ب) وعنها؛ قالت: " إن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة؛ يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها؛ اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين ". وفي رواية: " كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة؛ يسلم بين كل

стр. 54

ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن؛ قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة". أخرجه مسلم. (١) قلت: وانتهت صلاة الليل والوتر إلى الإحدى عشرة ركعة. (٢)

стр. 55

مسألة: ما حكم الركعتين اللتين كان يصليهما الرسول ﷺ بعد الوتر جالساً؟ وللجواب عن هذه المسألة أقول: قال ﷺ : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً " متفق عليه. (١) وسبق أن الرسول ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد الوتر أحياناً وهو جالس.

стр. 56

وعليه؛ فإن فعله ﷺ دل على أن قوله: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً"؛ إنما هو إرشاد إلى الأفضل، فيباح للمسلم أن يصلي بعد الوتر، ولا حرج عليه في ذلك. ويؤكد هذا ما جاء عن ثوبان؛ قال: كنا مع الرسول ﷺ في سفر، فقال: " إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم؛ فليركع ركعتين، فإن استيقظ، وإلا؛ كانتا له". أخرجه الدارمي وابن خزيمة وابن حبان. (١) فدل ذلك على أن المقصود من الأمر بجعل آخر صلاة الليل وتراً أن لا يهمل الإيتار بركعة؛ فلا ينافيه صلاة ركعتين بعده؛ كما ثبت من فعله ﵊ وأمره (٢) . والله أعلم. وقد بوب ابن خزيمة ﵀ على حديث ثوبان هذا بقوله: " باب ذكر الدليل على أن الصلاة بعد الوتر مباحة لجميع من يريد الصلاة بعده، وأن الركعتين اللتين كان النبي ﷺ يصليهما بعد الوتر لم يكونا خاصة للنبي ﷺ دون أمته؛ إذ النبي ﷺ قد أمرنا بالركعتين بعد الوتر أمر ندب وفضيلة لا أمر إيجاب وفريضة" (٣) اهـ. (٥-٣) ما يقرأ في الوتر يشرع للمسلم أن يقرأ في الأولى من الوتر: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ،

стр. 57

وفي الثانية: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾ . وأحياناً يقرأ في الثالثة مع ﴿قل هو الله أحد﴾ : المعوذتين. والدليل على ذلك ما يلي: عن أبي بن كعب: " أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وفي الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ ، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ؛ قال عند فراغه: " سبحان الملك القدوس"؛ ثلاث مرات، يطيل في آخرهن". أخرجه النسائي. (١) عن ابن عباس؛ قال: " كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث؛ يقرأ في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وفي الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ ". أخرجه النسائي. (٢) عن عبد العزيز بن جريج؛ قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: " كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وفي

стр. 58

الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين ". أخرجه الترمذي. (١) واعلم أن هذه الأحاديث تشعر بأن الرسول ﷺ كان يفصل بين الشفع والوتر، وهذا جاء صريحاً: عن ابن عمر؛ قال: " كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليم يسمعناه". أخرجه ابن حبان. (٢) وليس معنى هذا أن الرسول ﷺ ما كان يوتر بثلاث موصولات؛ فقد جاء في رواية لحديث أبي بن كعب السابق بلفظ: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وفي الركعة الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ ، ولا يسلم إلا في آخرهن، ويقول (يعني: بعد التسليم) : " سبحان الملك القدوس:؛ ثلاثاً ". أخرجه النسائي. (٣)

стр. 59

فائدة: دل حديث أبي بن كعب على مشروعية أن يقول المسلم إذا فرغ من الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يطيل في آخرهن. (٦-٣) القنوت في الوتر ويشتمل هذا الفصل على المسائل التالية: المسألة الأولى: حكم القنوت في الوتر. المسألة الثانية: موضعه. المسألة الثالثة: صفته. وإليك بيان ذلك: - (١-٦-٣) حكم القنوت في الوتر: القنوت في الوتر مستحب، وليس بواجب. والدليل على استحبابه: أن الرسول ﷺ كان يوتر ولا يقنت أحياناً، فدل ذلك على عدم وجوب القنوت في الوتر، إذ لو كان واجباً؛ ما تركه ﷺ أحياناً. والله أعلم.

стр. 60

والدليل على ذلك؛ أنه ثبت عن بعض الصحابة والتابعين ترك القنوت في الوتر، وثبت عن بعضهم ترك القنوت في الوتر طوال السنة؛ إلا في النصف من رمضان، وثبت عن آخرين القنوت في الوتر طوال السنة (١) . وهذا الاختلاف منهم مشعر بأنه لم يثبت لديهم جميعهم قنوت الرسول ﷺ في كل صلاة وتر، وفي هذا دليل على أنه ﷺ كان يترك الوتر أحياناً. والله أعلم. وممن حكى هذا الاختلاف الترمذي، فقال: " اختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع. وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة. وقد روي عن علي بن أبي طالب: أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي وأحمد " (٢) . اهـ. - (٢-٦-٣) موضع القنوت في الوتر: القنوت يكون في الركعة الأخيرة بعد القراءة وقبل الركوع، هذا الثابت من فعله صلوات الله وسلامه عليه غالباً، وكان أحياناً يقنت للوتر بعد الركوع، والله أعلم. والدليل على ذلك ما يلي: أ) عن أبي بن كعب؛ قال: " إن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع". أخرجه ابن ماجه. (٣)

стр. 61

ب) عن علقمة؛ " أن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع". أخرجه ابن أبي شيبة. (١) قلت: ففي حديث أبي بن كعب وأثر علقمة دليل على أن قنوت الوتر يكون بعد القراءة قبل الركوع. أما الدليل على أنه ﷺ كان يقنت أحياناً بعد الركوع في الوتر؛ فهو التالي: عن عبد الرحمن بن عبد القاري؛ أنه قال: " خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل. ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه (٢) ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون

стр. 62

(يريد: آخر الليل) . وكان الناس يقومون أوله (وزاد في رواية: وكان يلعنون الكفرة في النصف (١) : اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك، إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجداً) " (٢) . قلت: ومحل الدلالة في قوله: " ثم يكبر ويهوي ساجداً "؛ إذ فيه أن دعاء القنوت في الوتر كان بعد الركوع، إذ لو كان الدعاء بعد القراءة؛ لكبر للركوع لا للسجود. وبالله التوفيق.

стр. 63

- (٣-٦-٣) صفة القنوت في الوتر: الذي يظهر من تأمل النصوص الواردة؛ أنه ليس في قنوت الوتر شيء موقت، إنما هو دعاء واستغفار. (١) ومن خير الدعاء في قنوت الوتر ما يلي: عن الحسن بن علي ﵄: " علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن [إذا فرغت من قراءتي] في قنوت الوتر: " اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، (ولا منجأ منك إلا إليك] " (٢) كما يشرع في دعاء القنوت في الوتر في النصف من رمضان بما ثبت في الرواية السابقة في أثر عبد الرحمن بن عبد القاري: " وكان يلعنون الكفرة في النصف: اللهم قاتل الكفرة، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك، إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: وكان يقول إذا فرغ

стр. 64

من لعنه الكفرة، وصلاته على النبي، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق " (١) . تنبيه: ثبت عن على بن أبي طالب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢) . قلت: أورد هذا الحديث بهذا السياق الترمذي في (باب في دعاء الوتر) ، والنسائي في (باب الدعاء في الوتر) ، وأبو داود في (باب القنوت في الوتر) ، وابن ماجه في (باب ما جاء في القنوت في الوتر) . ووجه ذلك ما أشار إليه السندي في "حاشيته على النسائي" حيث قال: "قوله: " كان يقول في آخر وتره": يحتمل أنه كان يقول في آخر القيام، فصار هو من القنوت؛ كما هو مقتضى كلام المصنف، ويحتمل أنه كان يقول في قعود التشهد، وهو ظاهر اللفظ" (٣) اهـ. لكن أخرج هذا الحديث النسائي من كتاب " عمل اليوم والليلة" وكذا ابن

стр. 65

السني باللفظ التالي: عن على بن أبي طالب؛ قال: " بت عند رسول الله ﷺ ذات ليلة، فكنت أسمعه إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه يقول: اللهم إني أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، اللهم لا أستطيع ثناء عليك ولو حرصت، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك" (١) . وهذه الرواية فيها تعيين موضع هذا الدعاء، وهو ما بوب عليه النسائي في كتابه "عمل اليوم والليلة"، حيث قال: " باب ما يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه". (٧-٣) من نام عن وتره أو نسيه جاء في حق من نام عن صلاة الليل وهو ينوي أن يصلي قول أبي الدرداء ﵁: " من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى أصبح؛ كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه ". أخرجه النسائي وابن ماجه (٢)

стр. 66

وهذا الأثر، وإن كان موقوفاً؛ إلا أنه في حكم المرفوع. ويشرع للمسلم إذا نام عن وتره أو غلبه عليه وجع ونحوه أن يصليه من النهار، وهو مخير في عدد الركعات التي يصليها بين أمرين: الأول: أن يصلي وتره كما كان يصليه. وهذا يؤخذ من قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " من نام عن وتره أو نسيه؛ فليصله إذا ذكره". أخرجه أبو داود والترمذي. (١) الثاني: أن يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة. وهذا ما نقلته عائشة ﵂ من فعل الرسول ﷺ ؛ حيث قالت: " كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل؛ صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة". أخرجه مسلم. (٢)

стр. 67

(٨-٣) مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان ثبتت مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان عن الرسول ﷺ من قوله ومن فعله. أما القول؛ فهو ما جاء عن جبير بن نفير عن أبي ذر ﵁؛ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ ، فلم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليتنا هذه؟ فقال: " إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كتب له قيام ليلة"، ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، وصلى بنا الثالثة، ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح. قال جبير بن نفير الراوي عن أبي ذر قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور. أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. (١) قال الترمذي في تعليقه على الحديث: " اختار ابن المبارك وأحمد وإسحاق الصلاة مع الإمام في شهر رمضان، واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئاً " (٢) اهـ. قلت: حديث أبي ذر هذا نص قولي عن الرسول ﷺ يفيد مشروعية الجماعة في صلاة الليل، بل ويبين فضلها.

стр. 68

أما الفعل من الرسول ﷺ لصلاة الليل جماعة؛ فهو ما جاء عن عائشة ﵂؛ قالت: إن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة؛ عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضي الفجر؛ أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: " أما بعد؛ فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها". أخرجه الشيخان. (١) قال الحافظ ابن حجر عند ذكره لفوائد هذا الحديث: " [فيه] ندب قيام الليل - ولا سيما في رمضان - جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي ﷺ ، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب" (٢) . اهـ. (٩-٣) لا وتران في ليلة عن قيس بن طلق بن علي؛ قال: زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا الليلة وأوتر بنا، ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه، حتى إذا بقي الوتر، قدم رجلاً، فقال: " أوتر بأصحابك؛ فإني

стр. 69

سمعت النبي ﷺ يقول: لا وتران في ليلة ". أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. (١) قال أبو عيسى الترمذي ﵀ معلقاً على قول الرسول ﷺ : "لا وتران في ليلة": "اختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره: فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها ركعة، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته؛ لأنه: "لا وتران في ليلة". وهو الذي ذهب إليه إسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إذا أوتر من أول الليل، ثم نام، ثم قام من آخر الليل، فإنه يصلي ما بدا له، ولا ينقض وتره، ويدع وتره على ما كان. وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأهل الكوفة وأحمد. وهذا أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه أن النبي ﷺ قد صلى بعد الوتر ". (٢) اهـ. قلت: هذا الذي قال عنه الإمام الترمذي ﵀: " وهذا أصح": هو

стр. 70

ما قدمته لك (١) ، حيث قررت أن قوله ﷺ : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً "؛ ليس على الوجوب، وأن المقصود منه أن لا يترك المسلم الوتر في صلاة الليل؛ كما قال ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف؛ فاركع واحدة؛ توتر لك ما قد صليت" (٢) . فقوله: " فاركع واحدة؛ توتر لك ما قد صليت ": يدل على أن المراد أمر المسلم بأن لا يدع صلاته بالليل شفعاً دون وتر. والله أعلم. (٣)

стр. 71

صلوات متفرقة يشتمل هذا الباب على الفصول التالية: (١-٤) صلاة الإشراق. (٢-٤) صلاة الضحى. (٣-٤) صلاة الزوال. (٤-٤) صلاة الدخول والخرج من المنزل. (٥-٤) صلاة ركعتين بعد الوضوء. (٦-٤) صلاة تحية المسجد. (٧-٤) الصلاة بين الأذان والإقامة. (٨-٤) صلاة التوبة. (٩-٤) صلاة سنة الجمعة. (١٠-٤) صلاة التسبيح. (١١-٤) صلاة القادم من السفر. (١٢-٤) صلاة الاستخارة. (١٣-٤) صلاة الكسوف والخسوف. (١٤-٤) صلاة العيدين. (١٥-٤) صلاة الاستسقاء. (١٦-٤) صلاة الجنازة. (١٧-٤) صلاة ركعتي الطواف. (١٨-٤) الصلاة في مسجد قباء. وإليك بيان ذلك فيما يلي:

стр. 72

صلوات متفرقة (١-٤) صلاة الإشراق هي أول صلاة الضحى، إذ إن وقت صلاة الضحى يبدأ من طلوع الشمس. وقد ثبت تسمية هذه الصلاة في هذا الوقت من صلاة الضحى بـ (صلاة الإشراق) عن ابن عباس. عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: " أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى. قال: فأدخلته على أم هانئ، فقلت: أخبري هذا بما أخبرتني به فقالت أم هانئ: دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، فأمر بماء، فصب في قصعة، ثم أمر بثوب، فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رش ناحية البيت، فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء، قريب بعضهن من بعض. فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: ﴿يسبحن بالعشي والإشراق﴾ ، وكنت أقول: أين صلاة الإشراق؟ ثم قال بعد: هن صلاة الإشراق ". أخرجه الطبري في تفسيره والحاكم. (١)

стр. 73

وفي فضل صلاة الضحى في أول وقتها - وهى صلاة الإشراق - جاء الحديث التالي: عن أبي أمامة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة، يثبت فيه حتى يصلي سبحة الضحى؛ كان كأجر حاج أو معتمر تاماً حجته وعمرته ". أخرجه الطبراني. ومن رواية: " من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ... " أخرجه الطبراني. (١) (٢-٤) صلاة الضحى يشتمل هذا الفصل على مسائل: المسألة الأولى: فضلها. المسألة الثانية: حكمها. المسألة الثالث: وقتها. المسألة الرابعة: عدد ركعاتها وصفتها. وبيان هذه المسائل هو التالي: - (١-٢-٤) فضل صلاة الضحى: وردت أحاديث في فضل صلاة الضحى، أذكر منها الأحاديث التالية:

стр. 74

عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: " يصبح على كل سلامى (١) من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". أخرجه مسلم. (٢) عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، عن الله ؛ أنه قال: " ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي. (٣) عن أبي هريرة؛ قال: قال: " لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب". قال: "وهي صلاة الأوابين". أخرجه ابن خزيمة والحاكم. (٤)

стр. 75

- (٢-٢-٤) حكم صلاة الضحى: الأحاديث السابقة وأمثالها تبين أن الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة. (١) وفيها ما يدل على مشروعية المداومة عليها. (٢) ولم يثبت ما يدل على وجوبها. - (٣-٢-٤) وقت صلاة الضحى: يبدأ وقت صلاة الضحى من طلوع الشمس إلى الزوال. وأفضله وقت اشتداد الشمس. الدليل على ذلك ما يلي: أما أول وقتها؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء وأبي ذر السابق، ومحل الشاهد فيه: "اركع لي من أول النهار أربع ركعات ".
следующие страницы →