Полный текст (12 961 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.
стр. 10781
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ لما قرر دلائل التوحيد والنُّبوة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحققين فقال: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة السجدة. والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلُونَ ويقولون: لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وههنا رفع الواسطة وذكر أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يلتقونهم بالبشارة من غير واسطة.
قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاء زائدة في خَبَر الموصول، لما فيه من معنى الشرط. ولم تمنع «إنَّ» من ذلك إبقاء معنى الابتداء بخلاف لَيْتَ، ولَعَلَّ، وكَأَنَّ.
قوله تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة﴾ قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مسائل:
أولها: أن قوله: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يفيد الحصر وأن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخ الجنة.
وثانيها: قوله ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء.
стр. 10782
وثالثها قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ يدل على إثبات العمل للعبد.
ورابعها: يدل على أن العبد يستحق على الله جزاء عمله وتقدم جواب ذلك.
قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ منصوب على الحالية و «جَزَاءً» منصوب إما بعامل مضمر، أي يُجْزَوْنَ جزاءً أو بما تقدم، لأن معنى أولئك أصحاب الجنة جَازَيْنَاهُمْ بِذَلِكَ.
стр. 10783
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ تقدم نظيره. قرأ الكوفيون: إحْساناً، وباقي السبعة «حسناً» بضَمِّ الحاء وسكون السين، فالقراءة الأولى يكون «إحْسَاناً» فيها منصوباً بفعل مقدر أي وصيناه أن يحسن أليهما إِحْسَاناً وقيل: بل هو مفعول به على تضمين وصينا معنى «أَلْزَمْنَا» فيكون مفعولاً ثانياً وقيل: بل هو منصوب على المفعول له، أي وصَّيْنَا بهما إحْسَاناً منا إليهما. وقيل: هو منصوب على المصدر، لأن معنى وصينا أحْسَنًّا، فهو مصدر صريحٌ، والمفعول الثاني هو المجرور بالباء. وقال ابن عطية: إنها تتعلق إما «بوصَّيْنَا» وإما «بإحْسَاناً» وردَّ عليه أبو حيان هذا الثاني بأنه مصدر مؤول فلا يتقدم معموله عليه، ولأن «أَحْسَنَ» لا يتعدى بالباء، وإنما يتعدى باللام لا تقول: أَحْسِنْ بزَيْدٍ على معنى وصول الإحسان إليه. ورد بعضهم هذا بقوله: ﴿أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي﴾ [يوسف: ١٠٠] . وقيل: هو بغير هذا المعنى. وقدر بعضهم: ووصينا الإنسان بوالديه ذَا إحْسَانٍ، يعني فيكون حالاً. وأما «حُسْناً» فقيل
стр. 10784
فيها ما تقدم في «إحسان» . وقرأ عِيسَى والسُّلَمي بفتحهما. وقد تقدم معنى القراءتين في البقرة وفي لقمان. قال ابن الخطيب: حجة من قرأ إحساناً قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: ٢٣] ومعناه أمر بأن يوصل إليهما إحساناً. وحجة القراءة الأخرى قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ [العنكبوت: ٨] ولم يختلفوا فيه. والمراد أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلاً حسنا، كما يقال: هذا الرجل عِلْمٌ وكَرَمٌ. قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بفتح الكاف، والباقون بضمها، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الضَّعْف والضُّعْف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ، والدُّفُّ، والشَّهْدُ والشُّهْدُ وقال الواحدي: الكُرْهُ مصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ والكَرْهُ الاسمُ كأنه الشيء المكروه، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فهذا بالضم، وقال: ﴿تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩] فهذا في موضع الحال، وما كان مصدراً في موضع الحال فالفتح فيه أحسن. وقال أبو حاتم: الكره بالفتح لا يحسن، لأنه بالفتح الغَصْبُ والغَلبة. ولا يلتفت لما قاله لتواتر هذه القراءة. وانتصابهما إمَّا على الحال من الفاعل أي ذات كره، وإِمَّا على النعت لمصدر مقدر أي حَمْلاً كُرْهاً.
فصل
قال المفسرون: حملته أمُّه مشقةً على مشقةٍ، ووضعته بمشقَّةٍ وليس المراد ابتداء الحمل فإن ذلك لا يكون مشقة، لقوله تعالى: ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ
стр. 10785
فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] فحينئذ حملته كرهاً ووضعته كرهاً يريد شدة الطلق.
فصل
دلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ فذكرهما معاً، ثم خص الأُمَّ بالذكر فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظمُ وأَنَّ وصول المشاقّ إليهما بسبب الولد كثيرة والأخبار كثيرة في هذا الباب.
قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أي مدة حمله. وقرأ العامة وفِصَالُهُ مَصْدَر «فَاصَل» كأن الأم فَاصَلَتْهُ وهُوَ فَاصَلَهَا. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وقَتَادَةُ: وفَصْلُهُ. قيل: والفَصْلُ والفِصَالُ بمعنى كالعَظْمِ والعِظَامِ والقَطْفِ والقِطَافِ. ولو نصب «ثلاثين» على الظرف الواقع موقع الخبر جاز وهو الأصل، هذا إذا لم نُقدر مضافاً فإن قدرناه أي مُدَّة حَمْلِهِ لم يجز ذلك وتعين الرفع لتصادق الخَبَر والمُخْبَرِ عَنْهُ.
فصل
دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرَّضَاع ثلاثونَ شَهْراً وقال تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر. وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: إذا حملتِ المرأةُ تسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرينَ شهراً. وروي عن أبي بكر (الصديق) ﵁ أَنَّ امرأةً رفعت إليه وقد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها. فقال عمر: لا رَجْمَ عليها وذكر الطريق المتقدمة. وعن عقمان نحوه وأنه يعم بذلك فقرأ ابن عباس عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل فليس في القرآن ما يدل عليه.
قوله: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ لا بد من جملة محذوفة، تكون «حَتَّى» غاية لها، أي عاش واستمرت حياته حتى إذا بلغ أشده، قال ابن عباس في رواية عطاء الأشد ثماني عشرة سنة وقيل: نهاية قوته وغاية شبابه واستوائه، وهو مابين ثماني عشرة سنة
стр. 10786
إلى أربعين سنة، فذلك قوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مَضَت القِصَّةُ. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قُحَافَةً عُثْمَانَ بْنِ عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو. وقال علي بن أبي طالب: الآية في أبي بكر الصديق أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر صحب النبي ﷺ َ وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي ﷺ َ ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام فلما بلغ أربعين سنة، ونُبِّىء النبيُّ ﷺ َ آمن به ودعا ربه فقال: ﴿رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ﴾ بالهداية والإيمان. وأكثر المفسرين على أن الأشد ثلاثُ وثلاثون سنةً.
فصل
قال ابن الخطيب: مراتب سن الحيوان ثلاثة، لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية، والرطوبة الغريزية زائدة في أول العمر، وناقصة في آخر العمر والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلى إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام:
فأولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية، وحيئنذ تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذَوَاتِها وزيادتها في الطول والعرض والعُمْق وهذا هو سن النُّشُوِّ (والانتماء) .
والثانية: وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافيةً بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نُقْصَان، وهذا هو سنّ الوقوف وهو سِنّ الشباب.
والمرتبة الثالثة: أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بفحظ الحرارة الغريزية. ثم هذا النقصان على قسمين:
فالأول: هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة. والثاني: هو النقصان الظاهر وهو سن الشَّيْخُوخَةِ.
قوله: «أَرْبَعِينَ» أي تمامها، «فأربعين» مفعول به. قال المفسرون: لم يبعث نَبِيٌّ قَطُّ إلَاّ بعد أربعين سنة. قال ابن الخطيب: وهذا يشكل بعيسى ﵊ ُ فإنه
стр. 10787
تعالى جعله نبياً من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال: الأغلب أن ما جاء (هـ) الوحي إلا بعد الأربعين وهكذا كان الأمر في حق نبينا ﷺ َ.
قوله: «أَوْزِعْنِي» قال ابن عباس ﵄ معناه أَلْهِمْنِي. قال الجوهري: أَوْزَعْتُهُ أَغْرَبْتُهُ به، فَأُوزعَ بِه فَهو مُوزعٌ به أي مُغْرّى به، واسْتَوْزَعْتُ اللهَ فَأَوْزَعَنِي أي اسْتَلْهَمْتُهُ فأَلْهَمَنِي.
قوله: «وأَن أعمل صالحاً ترضاه» قال ابن عباس ﵄ أجاب الله دعاء أبي بكر، فأعتق تعسةً من المؤمنين يُعَذَّبُونَ في الله، منهم بلالٌ، وعامرُ بنُ فُهَيْرة، فلم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه. ودعا أيضاً فقال: «فَأَصْلِح لِي فِي ذُرِّيَّتِي» فأجاب الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعاً. فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً. فأدرك أبو قحافة النَّبِيَّ ﷺ َ وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عبد الرحمن أبو عتيق، كلهم أدركوا النبي ﷺ َ ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة.
قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتيا﴾ أصلح يتعدى بنفسه لقوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وإنَّمَا تعدى ب «في» لتضمنه معنى: الطف بي في ذريتي أو لأنه جعل الذرية طرفاً للاصلاح كقوله:
٤٤٥٢ - يَخْرُجُ فِي عَرَاقِيها نُصَلِّي ... والمعنى هب لي الصلاح في ذريتي، وأوقعه فيهم.
قوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين﴾ والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، ومع كونه من المسلمين.
قوله: ﴿أولئك الذين نتقبل عنهم﴾ قرأ الأَخَوانِ وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ بفتح النون مبنياً للفاعل ونصب «أحسن» على المفعول به، وكذلك «نتَجَاوَزُ» والباقون للمفعول،
стр. 10788
ورفع «أحْسَن: لقيامه مقام الفاعل، ومكان النون ياء مضمومة في الفعلين.
الحَسَنُ والأَعْمَشُ وعِيسَى بالياء من تحت، والفاعل الله تعالى.
(فصل)
ومعنى أولئك أي أهل هذا القول الذي تقدَّم ذكره، فمن يدعو بهذا الدعاء نتقبل عنهم، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن.
فإن قيل: كيف قال: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ والله يَتَقبَّل الأحْسَنَ وَمَا دُونَه؟!
فالجواب من وجهين:
الأول: المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى: ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وكقولهم: النَّاقِصُ والأشجُّ أعدلا بني مروان أي عادلاً بني مروان.
الثاني: أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب، ولا عقاب، والأحسن ما يغاير ذلك وهو المندوب أو الواجب.
وقوله: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فلا يعاقبهم عليها.
قوله: ﴿في أصحاب الجنة﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنه في محل أي كائنين في جملة أصحاب الجنة كقولك: «أَكْرَمَنِي الأَميرُ في أصحابِهِ» أي في جُمْلَتِهِم.
والثاني: أن «في» معناها «مَعَ» .
الثالث: أنها خبر ابتداء مضمر أي هُمْ في أصحاب الجنَّة.
قوله: ﴿وَعْدَ الصدق﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله: ﴿أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ في معنى الوعد، فيكون قوله: «نَتَقَبَّلُ وَنَتَجَاوَزُ» وعداً من الله بالتقبل والتجاوز والمعنى (أنه) يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله، فبين أنه صدق لا شك فيه.
стр. 10789
قوله تعالى: ﴿والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ لما وصف الولد البارَّ بوالديه، وصف الولد العاقَّ بوالديه ههنا. واعلم أنه قد تقدم الكلام على أُفٍّ. و «لكما» بيان أي التأفيف لكما نحو: «هَيْتَ لَكَ» وهي كلمة كَرَاهَيِة. ﴿أتعدانني أَنْ أُخْرَجَ﴾ كم قبري حياً ﴿وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي﴾ ولم يبعث منهم أحد. قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد: نزلت في عبد الله. وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وهو قوله: أُفٍّ كما أَحْيوا لي عَبْدَ الله بن جُدْعَان، وعامرَ بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون. واحتجوا بهذا القول بأنه (لما) كاتب معاوية إلى ابن مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم شيئاً نُكراً أتبايعون أبناءكم فقال: (مروان) يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه: ﴿والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ والصحيح أنها نزلت في كل كافر عاقٍّ لوالديه. قاله الحسن وقتادة. قال الزجاج: قوله من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه يبطله قوله: ﴿أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فأعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المؤمنين، فلا يكون ممّن حقَّت عليهم كلمة العذاب. قال ان الخطيب: وهذا القول هو الصحيح فإن قالوا: روى أه لما دعاه أبواه إلى الإسلام، وأخبراه بالبعث بعد الموت قال: أَتَعِدَانني أَنْ أُخْرَجَ من القبر يعني أبعث بعد الموت «وَقَدْ خلت القرون من قبلي» يعني الأمم الخالية، فلم يرجعوا منهم عبد الله بن جدعان، وفلان وفلان. فنقول: قوله: أولئك الذي حق عليهم القول المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله هم الذين حق عليهم القول فالضمير عائد إلى المُشارِ إليهم بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي﴾ لا
стр. 10790
إلى المشار إليه بقوله: ﴿والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ . هذا جواب الكلبي في دَفْعِ ذلك الدليل، وهو حسن. وأيضاً روي أن مَرْوَان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ﵂ ذلك فغضبت وقالت: والله ما هُوَ به، ولكن الله كفَّر أباك وأنت في صلبه. وإذا ثبت ذلك كان المراد كُلّ ولد اتصف بالصفات المذكورة. ولا حاجة إلى تخصيص اللفظ بشخص معين.
قوله: ﴿ا﴾ العامة على نوني مكسورتين، الأولى للرفع والثانية للوقاية وهشام بالإدغام ونافع في رواية بنون واحدة. وهذه شبيهة بقوله: «تَأْمُرُونِّي أَعْبُد» . وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر وعبد الوارث عن أبي عمرو بفتح النون الأولى، كأنهم فروا من توالي مثلين مكسورين بعدهما ياء.
واقل أبو البقاء: وهي لغة شاذة في فتح نون الاثنين. قال شهاب الدين: إن عنى نون الاثنين في الأسماء نحو قوله:
٤٤٥٣ - عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
فليس هذا منه، وإن عنى في الفعل فلم يثبت ذلك لُغَةً، وإنما الفتح هنا لما ذكرت.
قوله: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ هو الموعود به، فيجوز أن نقدر الباء قبل «أن» وأن لا نقدِّرَهَا.
стр. 10791
قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ﴾ جملة حالية، وكذلك ﴿وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ الله﴾ أي يَسْأَلَانِ الله، واستغاث يتعدى بنفسه تارة، وبالباء أخرى، وإن كان ابن مالك زعم أنه متعدٍّ بنفسه، وعابَ قولَ النحاة: مُسْتَغَاثٌ بِهِ قال شهاب الدين: لكنه لم يرد في القرآن إلا متعدياً بنفسه، (كقوله) : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ﴿فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قال ابن الخطيب: معناه يستغيثان الله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل للفعل، ويجوز أن يقال: حذف الباء، لأنه أريد بالاستغاثة الدعاء، فحذف الجار، لأنَّ الدعاء لا يَقْتَضِيهِ.
قوله: «وَيْلَكَ» منصوب على المصدر بفعل ملاق له في المعنى دون الاشتقاق، ومثله: وَيْحَهُ ووَيْسَهُ، وَوَيْتَهُ. وإما على المفعول به بتقدير ألْزَمَكَ اللهُ وَيْلَكَ، وعلى كلا التقديرين الجملة معمولة لقول مضمر، أي يَقُولَانِ وَيْلَكَ آمِنْ، (والقول في محل نصب على الحال أي يستغيثان الله قَائِلِينَ ذلك، والمعنى يقولان له ويلَكَ آمنْ) وصدِّقْ بالبْعثِ، وهو دعاء عليه بالثُّبُورِ والمراد الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهَلَاك.
قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ قرأ العامة بكسر إنّ، استئنافاً، أو تعليلاً، وقرأ عمرو بْنُ فَائِدٍ والأعرجُ بفتحها على أنها معمولة «لآمِنْ» على حذف الباء أي آمن بأن وعد الله حق بالبعث «فَيَقُولُ» لهما ﴿مَا هاذآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
قوله: ﴿١٦٤٨;ئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي وجب عليهم العذاب ﴿في أُمَمٍ﴾ أي مع أمم. وقد تقدم ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ قال ابن عباس ﵄ يريد
стр. 10792
من سبق إلى الإسلام فهوأفضل ممَّنْ تخلف عنه ولو ساعةً. وقال مقاتل: ولكل واحدٍ من الفريقين يعني البارَّ بوالديه والعاقّ لهما «دَرَجَاتٌ» في الإيمان والكفر والطاعة والمعْصِيَةِ.
فإن قيل: كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات في أهل النار، وقد روي: الجَنَّةُ دَرَجَاتُ والنَّار دركات؟
فالجواب من وجوه:
أحدهما: أن ذلك على جهة التغليب.
وثانيها: قال ابن زيد: دَرَدُ أهل الجنة تذهب عُلُوًّا، ودَرَدُ أهلِ النار تذهب هُبُوطاً.
الثالث: المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، فدرجات أهل الجنة في الخيرات والطاعات ودرجات أهل النار في المعاصي والسيئات.
قوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ معلَّلة بمحذوف تقديره جَاؤُوهُمْ بذلك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم وهشام بالياء من تحت وباقي السبعة بالنون. والسُّلَميّ بالتاء من فوق: أسند التَّوفيَةً للدرجات مجازاً. قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ إما استئناف وإما حال مؤكَّدة.
стр. 10793
قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ اليوم منصوب بقول مضمر، أي يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ في يوم عرضهم. وجعل الزمخشري هذا مثل قولهم: «عُرِضَتْ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ» فيكون قلباً. وردهُ أبو حيان بأنه ضرورة وأيضاً العرض أمر نسبي فتصح إلى الناقة، وإلى
стр. 10794
الحوض. وقد تقدم الكلام في القلب وأنَّ فيه ثلاثة مذاهب.
قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ قرأ ابن كثير: أَأَذْهَبْتُمْ بهمزتين الأولى مخففة والثانية مُسَهَّلة بَيْنَ بَيْنَ ولم يُدخل بينهما ألفاً. وهذا على قاعدته في: «أأنذرتهم» ونحوه. وابن عامر قرأ أيضاً بهمزتين، لكن اختلف رواياه عنه: فهشام سهل الثانية وخففها، وأدخل ألفاً في الوجهين، وليس على أصله فإنه من أهل التحقيق. وابن ذكوان بالتحقيق فقط، دون إدخال ألف، والباقون بهمزة واحدة فيكون إما خبراً وإما استفهاماً سقطت أداته للدلالة عليها.
والاستفهام معناه التقريع وكلتا القراءتين فصيحتان لأن العرب تسْتَفْهِمُ وتترك الاستفهام فتقول: أذْهَبْتَ فَفَعَلْتَ كَذَا؟ وذَهَبتَ فَفَعَلْتَ كَذَا؟ .
قوله: ﴿فِي حَيَاتِكُمُ﴾ يجوز تعلقه «بأَذْهَبْتُمْ: ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال من» طَيْبَاتِكُمْ «.
فصل
قيل: المعنى يعرض الذين كفروا على (النار) أي يَدْخُلُون النار. وقيل: تدخل عليهم النارُ ليروا أهوالها، ويقال لهم: أَذْهَبتُمٍ طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمعتم بها، والمعنى أن ما قدر لكم من الطيبات والدَّرَجَات فقد استوفيتموه في الدنيا، فلم يبق لكم بعد استيفاء حضكم شيء منها. وعن عمر ﵁: لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أَطْيَبَكُمْ طَعَاماً وأحْسَنَكُمْ لِبَاساً، ولكنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي. قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون
стр. 10795
التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، لأن هذه الآية لا تدل على المنع من التمتع، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر، لأنه تمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته، والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم، فلا يبّخ بتمتعه، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] نعم لا يُنْكَر أنَّ الاحتراز عن التنعيم أولى؛ لأن النفس إذا اعتادت التنعيم صعب عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربّما حمله المَيْلُ إلى تلك الطيبات على فعل ما لا يَنْبَغِي. روى عمر ﵁ » قال: دخلت على رسول الله ﷺ َ فإذا هو على زُمّالٍ حَصِيرٍ قد أثر الزّمّال بجنبه فقلت يا رسول الله: ادعه الله أن يُوسِّعَ على أمتك، فإنَّ فارساً والرومَ قد وسع عليهم وهم يعبدون غير الله فقال: أولَئِكَ قوم قد عُجِّلَتْ لهم طيباتهم في الحياة الدنيا «وروت عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ َ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبضَ رسول الله ﷺ َ وعنها قالت: لقد كان يأتي علينا الشَّهْرُ ما نُوقِدُ فيه ناراً ما هو إلا الماء والتمز.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ َ يَبِيتُ الليالي المتتابعةَ طاوياً وأهلُه لا يجدون شيئاً، وكان أكثر خبزهم خبزَ الشعير، والأحاديث فيه كثيرة.
قوله: ﴿فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون﴾ أي العذاب الذي فيه ذُلّ وخِزْي. وقرىء: عَذَاب الهَوَانِ ﴿بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ فعلّل تعالى ذلك العذاب بأمرين:
أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب.
والثاني: الفِسق، وهو ذَنْب الجوارح وقدم الأول على الثاني، لأن أحوال القلب أعظم وقعاً من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يكتبرون عن قول الدين الحق، ويستكبرون عن الإيمان بمحمد ﷺ َ والمراد بالفسق المعاصي.
فصل
دلت الآية على ان الكفار يخاطبون بفروع الإسلام، لأن الله تعالى علل عذابهم بأمرين:
стр. 10796
أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق وهذا الفِسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر لأن العَطْفَ يوجب المغايرة فثبت أن فسق الكافر يوجب العذاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيَّات.
стр. 10797
قوله تعالى: ﴿واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف ... ﴾ الآية لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها لهذا السبب قال تعالى في حقهم: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوةً وجاهاً، ثم إن الله تعالى سلَّط عليهم العذاب بكفرهم وذكر قصتهم ليعتبر بها أهل مكة فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا ويقبلوا على طلب الدين الحق فقال: «وَاذْكُرْ يا محمد لقومك أَخَا عَادٍ» أي هوداً ﵊ ُ.
قوله: ﴿إِذْ أَنذَرَ﴾ بدل من «أخا» بدل اشتمال وتقدم تحقيقه. وقوله ﴿بالأحقاف﴾ هي جمع حِقْفٍ وهو الرمل المستطيل المعوجُّ ومنه احْقَوْقَفَ الهِلَالُ، قال امرؤ القيس:
٤٤٥٤ - فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ حقْفٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ
стр. 10798
قال ابن عباس ﵄ وادٍ بين عمان ومَهْرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت، بموضع يقال له: مَهْرَةَ إليها تنسب الإبل المَهْرِيَّة، وكانوا أهل عُمُد سيارة في الربيع فإذا العُود رَجَعُوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرَم، وقال قتادة: ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً من اليمن كانوا أهل رمل مشرفين على البحر، بأرض يقال لها الشِّحْر.
قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول والرابط الواو، والنُّذُر جمع نَذِيرٍ ويجوز أن يكون معترضة بين «أَنْذَرَ» وبين «أَنْ لا تَعْبُدُوا» أي أنذرهم بأن لا.
وقوله: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي مضت الرسل من قبل هود ومن خلفه أي بعده. (والمعنى أعلمهم أن الرسل الذي بعثوا قبله والذين يبعثون) بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.
فصل
قال المفسرون: إن هُوداً ﵊ ُ كان قد أنذرهم وقال: أن لا تعبدوا إلا الله إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم العذاب قالوا جئتنا لتأفكنا «أي لتصرفنا» عَنْ آلِهَتِنَا أي عن عِبَادَتِهَا، والإفْكُ الصَّرْفُ، يقالُ: أَفِكَهُ عَنْ رَأيهِ إذا صَرَفَهُ عنه. وقيل: المراد لتلفتنا بالكذب. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ من معاجلة العذاب على الكفر ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ في وعدك أن العذاب نازل بنا قال هود: إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وهو يعلم متى يأتيكم العذاب ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من الوحي والتحذير من العذاب، فأما العلم بوقته فما أوحاه إليَّ ﴿ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ وهذا يحتمل أ، المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا مقترحين ولا سائلين عن غير ما أُذِنَ لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين.
ويحتمل أن يكون المراد قوماً تجهلون من حيث إنكم بَقِيتُم مُصرِّين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذا الجهل المفرط والوقاحة التامة.
ويحتمل أن يكون المراد قوماً تجهلون حيث تُصِرُّونَ على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً ولكن لم يظهر لكم أيضاً كوني كاذباً، فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم.
стр. 10799
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً﴾ في «هاء» «رَأَوْهُ» قولان:
أحدهما: أنه عائد على «ما» في قوله «ما تَعِدُنا» .
الثاني: أنه ضمير مبهم يفسره «عَارِضاً» إما تمييزاً، أو حالاً. قالهما الزمخشري.
وردَّه أبو حيان بأن التمييز المفسِّر للضمير محصورٌ في باب رُبَّ، وفي نِعْمَ وبِئْسَ، وبأنَّ الحالَ لم يُعْهَد فيها أن توضع الضمير قبلها، وأن النَّحويِّين لا يعرفون ذلك. وذكر المبرد في الضمير ههنا قولين:
الاول: ما تقدم. والثاني: أنه يعود إلى غير مذكور وبينه قوله:: «عارضاً» كقوله: ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] . ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا الضمير ههنا، عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأَوا السَّحَابَ عارِضاً. وهذا اختيار الزجاج. ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير.
والعارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبّق السماء. قال أهل اللغة: العَارِضُ المُعْتَرِضُ من السَّحَاب في الجوِّ، قال:
٤٤٥٥ - يَامَنْ رَأَى عَارِضاً أَرقْتُ لَهُ ... بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ
قوله: ﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ صفة ل «عَارِضاً» ، وإضافة غير محضة فم ثَمَّ سَاغَ
стр. 10800
أن يكون نعتاً لنكرة وكذلك «مُمْطِرُنَا» وقع نعتاً «لِعَارِضٍ» ومثله:
٤٤٥٦ - يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ ... لَاقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُمْ وَحِرْمَانَا
وقد تقدم أن أوديةً جمع وادٍ، وأن أفْعِلَةً وردت جمعاً لفاعل في ألفاظ كَوَادٍ وأدْوِيَةٍ ونَادٍ وأنْدِيَةٍ، وحَائِزٍ وأَحْوِزَةٍ.
فصل
قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ لهم يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ من العذاب. ثم بين ماهيته فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم وصف تلك الريح فقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي تهلك كل شيء من الحيوان والناس بأم ربها. ومعناه أن هذا ليس من باب تأثيراتٍ الكواكب والقِرانَات بل هو أمر حدث ابتداءً بقدرة الله تعالى لأجل تَعْذِبكم.
قوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ قرىء: «ما اسْتُعْجلْتُمْ» مبنياً للمفعول. وقوله: «ريحٌ» يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هُوَ رِيحٌ، ويجوز أن يكون بدلاً من «هِيَ» و «فِيهَا عَذَابٌ» صفة ل «رِيحٍ» وكذلك «تُدَمّر» .
وقرىء: يَدْمُر كل شيء، بالياء من تحت مفتوحة، وسكون الدال، وضمّ الميم بالرفع على الفاعلية، أي تهلك كل شيء.
وزيد بن علي كذلك إلا أنه بالتاء من فوق ونصب كل والفاعل ضمير الريح؛ وعلى هذا فيكون (دَمَرَ) الثلاثي لازماً ومتعدياً.
стр. 10801
قوله: ﴿فَأْصْبَحُواْ لَا يرى إِلَاّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ قرأ حمزة وعاصم لا يُرَى بضشم الياء من تحت مبْنيًّا للمفعول «مَسَاكِنُهُمْ» بالرفع لقيامه مقام الفاعل، والباقون من السبعة فتح تاء الخطاب مَسَاكِنَهُمْ بالنَّصب مفعولاً به. والجَحْدَرِيُّ والأعمشُ وابنُ أبي إسحاق والسُّلَمِيّ وأبو رجاء بضم التاء من فوق مبنياً للمفعول مَسَاكِنُهُمْ بالرفع لقيامه مقام الفاعل، إلا أن هذا عند الجمهور لا يجوز، أعني إذا كان الفاصل «إلا» فإنه يمتنع لحاق علامة التأنيث (في الفعل) إلَاّ في ضرورة كقوله ﵀ :
٤٤٥٧ - كَأَنَّهُ جَمَلٌ وَهُمٌ وَمَا بَقِيَتْ ... إلَاّ النُّحَيْزَةُ وَالأَلْوَاحُ والْعُصُبُ
وعيسى الهمداني: لا يُرَى بالياء من تحت مبنياً للمفعول مَسْكَنُهُمْ بالتوحيد.
ونصرُ بنُ عاصم بتاء الخطاب مَسْكَنَهُمْ بالتوحيد أيضاً منصوباً. واجْتُزِىءَ بالوَاحِدِ عَن الْجَمْعِ.
فصل
روي أن الريح كانت تحمل الفُسْطَاطَ فَترْفَعُهَا في الجوِّ، وتحمل الظَّعِينَةَ حتى تُرَى كأنها جَرادَةٌ وقيل: إن أوّل من أبصر العذاب امرأة بينهم قالت: (رَأَيْتُ) ريحاً فيها كشُهب النار.
وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم أنهم رأوا ما كان في الصحراء من
стр. 10802
رجالهم ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب، وصَرَعَتْهُمْ وأمال الله تعالى عليهم الأَحْقَافَ فكانوا تحتها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّام، لَهُمْ أنينٌ، ثم أمر الله الريح فكشف عنه الرِّمال واحتملهم، فرَمَتْ بهم في البحر. وروي أن هوداً لما أحسَّ بالريح خط على نفسه على المؤمنين خطًّا إلى جنب عين تنبعُ، وكانت الريح التي تصيبيهم ريحاً طَيِّبةً هادية، وا لريح التي تُصيبُ قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء، وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزةِ إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه. قال عليه الصلاة وةالسلام، «مَا أَمَرَ اللهُ خَازِنَ الرِّيَاحِ أنْ يُرْسِلَ عَلَى عَادٍ إلَاّ مِثْلَ مِقْدَارِ الخَاتَم» وذَلِكَ القَدْرُ أهْلَكَهُمْ بكُلِّيَّتِهِمْ وذلك إظهارُ قدرة الله تعالى. «وعن النبي ﷺ َ أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال:» اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ به «قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القوم المجرمين﴾ والمقصود به تخويف كفار مكة فإن قيل: لما قال (تعالى) : ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فكيف يحصل التخويف؟
فالجواب: أن ذلك قبل نزول الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ ما موصولة، أو موصوفة.
وفي «إنْ» ثلاثة أوجه:
أحدها: شرطية، وجوابها محذوف والجملة الشرطية صلة ما، والتقدير: في الَّذي إنْ مَكَّنَّاكُمْ فيه طَغَيْتُمْ.
والثاني: أنها مزيدة تشبيهاً للموصولة بما النافية والتوقيتية، وهو كقوله:
٤٤٥٨ - يُرَجِّي الْمَرْء مَا إنْ لَا يَرَاهُ ... وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الخُطُوبُ
стр. 10803
والثالث: وهو الصحيح أنها نافية بمعنى مكّناكم في الذي ما مكّناهم فيه من القوة والبَسْطَةِ وسَعَةِ الأرزاق. ويدل له قوله في مواضع: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: ٩] وأمثاله. وإنما عدل عن لفظ «ما» النافية إلى «إنْ» كراهية لاجتماع متماثلين لفظاً. قال الزمخشري: وقد أَغَيُّ أبو الطيب في قوله:
٤٤٥٩ - لَعْمُرَكَ ما ما بانَ مِنْكَ لَضَارِبٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: «مَا إنْ بان» .
فصل
معنى الآية مكناهم فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطولِ العمر، وكَثْرةِ المال ثم إنهم مع زيادة القُوَّة ما نَجَوْا من عذاب الله تعالى فكيف يكون حالكم؟ ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾ أي فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمْعاً، فما استعملوه في سَمَاع الدلائل وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في دلائل ملكوت السموات والأرض، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى بل صرفوا كل هذه القُوَى إلى طلب الدنيا ولذاتها فلا جَرَمَ ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله تعالى.
قوله: ﴿فَمَآ أغنى﴾ يجوز أن يكون «ما» نفياً وهو الظاهر. أو استفهاماً للتقرير.
واستبعده أبو حيان لأجل قوله: ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ قال: إذ يصير التقدير أي شيء أعنى عنهم من
стр. 10804
شيء؟ فزاد «من» فِي الوَاجِبِ، وهو لا يجوز على الصحيح.
قال شهاب الدين: قالوا يجوز زيادتها في غير المُوجب. وفسروا غير الموجب بالنفي والنهي والاستفهام وهذا استفهام.
قوله: ﴿إِذْ كَانُواْ﴾ معمول ل «أغْنى» وِهيَ مُشْربة معنى التعليل، أي لأنهم كانوا يجحدون فهو كقوله ضَرَبْتُهُ إذْ أَسَاءَ، أي ضربته لأنه أساء. وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة. ثم قال: ﴿وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب على سبل الاسْتِهْزَاء.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ القرى﴾ يا كفار مكة كحِجْر ثَمُود وعاد باليمن وأرض سدوم ونحوها بالشام ﴿وَصَرَّفْنَا الآيات﴾ الحُجج بيناها لهم لعل أهل القرى يرجعون. قال الجبائي: قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ معناه لكي يرجعوا عن كفرهم وذلك يدل على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم وأجيب: بأنه فصل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة وإنَّما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه تعالى مريد لجميعِ الكائنات.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً آلِهَةَ﴾ القُرْبَانُ ما تُقُرِّب به إلى الله.
أي اتخذوها شفعاء وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] .
قوله: ﴿قُرْبَاناً﴾ فيه أربعة أوجه:
أظهرها: أن المفعول الأول ل «اتَّخَذَ» محذوف، هو عائد ... . . «قُرْبَاناً» نصب على الحال، و «آلِهَةً» هو المفعول الثاني للاتِّخَاذ، والتقدير ... . . نَصَرَهُم الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مُتَقَرَّباً بهم آلهة.
стр. 10805
والثاني: أن المفعول الأول محذوف كما تقدم و «قُرْبَاناً» مفعولاً ثانياً و «آلهة» بدل منه. وإليه نحا أبن عطية والحَوْفِيُّ وأبو البقاء، إلا أن الزمخشري منع هذه الوجه قال: «الفساد المعنى» . ولم يبين جهة الفاسد. قال أبو حيان: ويظهر أن المعنى صحيح على ذلك الإعراب. قال شهاب الدين: ووجه الفساد والله أعلم أن القُرْبَانَ اسم لما تقرب به إلى الإله، فلو جعلناه مفعولاً ثانياً و «آلهةً» بدلاً منه لزم أن يكون الشيء المُتَقَرَّبُ به آلهةً والغرض أنه غيرُ آلهة. بل هو شيء يتقرب به إليها فهو غيرها فكيف تكون الآلهة بدلاً منه؟ وهذا مَا لَا يَجُوزُ.
الثالث: أن «قرباناً» مفعولٌ من أجله. وعزاه أبو حيان للحَوْفي. وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً. وعلى هذا ف «آلِهَةً» مفعولٌ ثان، والأول محذوف كما تقدم.
الرابع: أن يكون مصدراً. نقله مكي. ولولا أنه ذكر وجهاً ثانياً وهو المفعول من أجله لكان كلامه مؤولاً بأنه أراد بالمصدر المفعول من أجله لبُعْدِ معنى المصدر.
قوله: ﴿بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم ينفعهم عد نزول العذاب لهم.
قوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ العامة على كسر الهمزة، وسكون الفاء، مصدر أَفِكَ يَأفِكُ إفْكاً، أي كَذِبُهُمْ وابن عباس بالفتح وهو مصدر له أيضاً. وابن عباس أيضا وعكرمة والصَّباح بنْ العلاء أَفَكَهُمْ بثلاث فتحات فعلاً ماضياً، أي صَرَفَهُمْ. وأبو عياض وعكرمة أيضاً كذلك، إلا أنه بتشديد الفاء للتكثير، وابن الزبير، وابن
стр. 10806
عباس أيضاً آفَكَهُمْ بالمد فعلا ماضياً أيضاً. وهو يحتمل أن يكون بزنة فَاعَل، فالهمزة أصلية، وأن يكون بزنة أَفْعَلَ فالهمزة زائدة والثانية بدل من همزة.
وإذا قلنا: إنه أفعل، فهمزته يحتمل أنت تكون للتعدية، وأن تكون أفعل بمعنى المُجَرّد وابن عباس أيضاً آفكُهُمْ بالمد وكسر الفاء، ورفع الكاف جعله اسم فاعل بمعنى صارفهم. وقرى أَفَكُهُمْ بفتحتين ورفع الكاف على أنه مصدر لأفِكَ أيضاً فيكون له ثلاثة مصادر الإفك والأَفك بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء وفتح الهمزة والفاء، وزاد أبو البقاء أنه قرىء: آفَكُهُمْ بالمد وفتح الفاء، ورفع الكاف قال: بمعنى أَكْذَبُهُمْ. فجعله أفعل تفضيل.
قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ يجوز أن تكون ما مصدرية، وهو الأحسن، ليعطف على مثله، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف أي يَفْتَرُونَهُ والمصدر من قوله: «إفكهم» يجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل بمعنى كُذِبُهُمْ، وإلى المفعول بمعنى صَرْفُهُمْ.
والمعنى: وذلك إفكهم أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ يكذبونَ أنَّها آلِهَةٌ.
стр. 10807
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن ... ﴾ الآية لما بين أن في الإنس مَنْ آمَنَ، ومنهم من كفر، بين أيضاً أن في الجن من آمن ومنهم من كفر، وأن مؤمنهم مُعَرّض للثواب، وأن كافرهم معرض للعقاب.
قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ﴾ منصوب باذْكُرْ مقدراً. وقرىء: صَرفنا بالشديد للتكثير «مِنْ الْجِنِّ» صفلة ل «نَفَراً» ويجوز أن يتعلق ب «صَرْفَنا» و «مِنْ» لابتداء الغاية.
قوله: «يسمعون» صفة أيضاً لنفراً، أو حال، لتخصصه بالصفة إن قلنا: إن «مِنَ الْجِنِّ» صفة له وراعى معنى النفر فأعاد ليه الضمير جمعاً، ولو راعى لفظه فقال: يستمع لجاز.
قوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ يجوز أن تكون الهاء للقرآن وهو الظاهر، وأن تكون للرسول ﷺ َ وحينئذ يكون في الكلام التفات من قوله: «إلَيْكَ» إلى الغيبة في قوله «حَضَرُوهُ» .
قوله: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ العامة على بنائه للمفعول، أي فرغ من قراءة القرآن وهو يؤيد عود «هاء» حضروه على القرآن. وأبو مِجْلزٍ وحبيب بن عبد الله قَضَى مبنياً للفاعل، أي أتم الرسول قراءته وهي تؤيد عودها على الرسول ﵊ ُ.
فصل
ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين:
الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تَسْتَمع، فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إما حدث لشيء في الأرض؟ فذهبوا يطلبون السّبب. وكان قد اتفق أن النبي ﷺ َ لما أَيِسَ من أهله مكة أن يُجِيبُوه خرج إلى الطائف، ليَدْعُوَهُمْ إلى الإسلام فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن مكة نخلة قام يقرأ القرآن، فمر به نفرٌ من أشراف (جِنِّ) نَصِيبِينَ، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم فسمعوا القرآن، فعرفوا أن ذلك هو السبب.
والقول الثاني: أن الله أمر رسوله أن يُنْذِرَ الجنَّ ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ
стр. 10808
عليهم القرآن فصرف إليه نفراً من الجن ليَسْتَمِعُوا منه القرآن، ويُنْذِرُوا قومهم (انتهى) .
فصل
نقل القاضي في تفسيره أن الجنَّ كانوا يهوداً؛ لأن في الجن مِلَلاً كما في الإنس من اليهود والنَّصارَى والمجوس وعبدة الأوثان، وأطبق المحقِّقون على أن الجنة مكلفون. سئل أبن عباس: هل للجن ثواب؟
قال: نعم: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في أبواب الجنة ويزدَحِمُونَ على أبوابها.
فصل
قال الزمخشري: النَّفَرُ دون العَشَرَةِ ويجمع على «أَنْفَارٍ» روى الطبري عن ابن عباس أن أولئك الجنَّ كانوا سبعة نفر من أهل نصِيبِين، فجعلهم رسول الله ﷺ َ رسلاً إلى قومهم.
وعن زِرِّ بن حبيش كانوا تسعة، أحدهم زوبعة. وعن قتادة: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نِينَوَى. واختلفت الروايات في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي ﷺ َ ليلة الجن؟
فصل
روى القاضي في تفسيره عن أنس قال: كنت مع النبي ﷺ َ وهو بظاهر المدينة إذْ أَقْبَلَ شيخ يَتَوَّكأ علىعُكَّازِهِ فقال النبي ﷺ َ أنها لمشية جنِّيِّ، ثم أتَى فسلم على النبي ﷺ َ فقال النبي ﷺ َ إنها لنغمةُ جِنِّيّ، مفاق الشيخ: أَجَلْ يا رسول الله فقال له النبي ﷺ َ من أَيِّ الجن أنت؟ قال يار سول الله: أنا هَامُ بن هِيم بن لاقيس بن إبليس فقال له النبي ﷺ َ: لا أدري بينك ونبين إبليس إلا أبوين قال: أجل يا رسول الله. قال كم أتى عليك مِنَ العُمر. قال: أكلت عُمر الدنيا إلا القليل كنت حين قَتَلَ قابيلُ هابيلَ غلاماً ابن أعوام فكنت أَتَشَوفُ على الآكام، وأصْدَادُ الهَامَ وأُوْرِشُ بين
стр. 10809
الأنَام. فقال النبي ﷺ َ بئس العملُ قال يا رسول الله دعني من العتب، فإني ممن آمن مع نوحٍ ﵊ ُ وعاتبته في دعوته فبكا وأبكاني وقال: إني والله لَمِنَ النّادمينت، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. ولَقِيتُ إبراهيم وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رُمِيَ به في المَنْجَنِيق، كنت معه في النار إذْ أُلْقِيَ فيها وكنت مع يوسف إذ أُلقِيَ في الجُبِّ فسبقته إلى قصره ولَقِيتُ موسى بْنَ عِمْرَان بالمكان الأثير. وكنت مع عيسى ابن مَرْيَمَ فقال لي: إن لَقِيتَ مُحَمَّداً فاقرأ ﵇ علّمني التوراة وإن عيسى علمني الإنجيل، فعلّمني القرآن. قال أنس: فعَلَّمَهُ النبي ﷺ َ عَشْرَ سُوَرٍ، وقُبِضَ رسول الله ﷺ َ ولم يَنْعِهِ إلينا. قال عمر بن الخطاب ﵁ ولا أراه إلا حيًّا. وروي أنه عمله سورة الواقعة، و ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [النبأ: ١ و ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] و ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] وسرة الإخلاص والمُعَوِّذَتَين.
فصل
اختلفوا في عدد النفر، فقال ابن عباس ﵄ كانوا سبعة وقد تقدم، وقيل: كانوا تسعةً. وروى عاصم عن زِرِّ بن حُبَيْش كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا أي قال بعضهم لبعض أنصتوا أي اسْكُتُوا مستمعين يقال: أَنْصَتَ لِكَذَا، واسْتَنْصَتُّ لَهُ. روي في الحديث أن الجنة ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيَّاتٍ وكِلَاب، وصنف يحلّون ويظْعَنُون.
ثم إنهم لما استمعوا القرآن حتى فرغ من تلاوته ﴿وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم﴾ انصرفوا إليهم «مُنْذِرِينَ» مخوفين داعين بأمر رسول الله صلى لله عليه وسلم وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يَدْعُونَ غيرهم إلى سماع القرآن، والتصديق به، إلا وقد آمنوا. وعند ذلك ﴿قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لكتب الأنبياء، وذلك أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملةً على الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى النبوة والمَعَاد وتطهير الأخلاق، وكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني وهو معنى قوله ﴿يهدي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
فإنْ قيل: كيف قالوا: من بعد موسى، ولم يقولوا: من بعد عيسى؟
стр. 10810
فالجواب: أنه روي عن عطاءٍ والحسن أنه كان دينهم اليهودية فلذلك قالوا: إنا سمعنا كتاباً أنزل بعد موسى. وعن ابن عباس ﵄ أن الجنَّ ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا: من بعد موسى ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا يا قومنا أجيبوا دَاعِيَ الله «يعني محمَّداً ﷺ َ.
فصل
دلت هذه الآية على أنه صلى الله عليه سولم كان مبعوثاً إلى الجِنِّ كما كان مبعوثاً إلى الإنْسِ.
قال مقاتل: لم يبعث الله نبياً إلى الإنس وإلى الجن قبله.
فإن قيل: قوله ﴿أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال: وآمنوا به» ؟
فالجواب: أفاد ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهم الأقسام وِأشرفها وقد جرت عادة القرآن الكريم بأنه يذكر اللفظ العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله: ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ قال بعضهم: كلمة «من» هنا زائدة والتقدير: يغفر لكم ذُنُوبَكُمْ، وقيل: بل فائدته أن كلمة «من» هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ثم ينتهي إلى عَفْوِ ما صدر عنكم من ترك الأَوْلَى والأكمل. ويجوز أن تكون تبعيضيةً.
قوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ فاستجاب لهم من قومهم نحو سبعينَ بَعْلاً من الجن فَرَجَعُوا إلى رسول الله ﷺ َ فوافقوه في البَطْحَاء فقرأ عليهم القُرْآنَ وأمرهم ونَهَاهُمْ.
فصل
اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل: لا ثَوَابَ لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم: كُونُوا تراباً مثلَ البهائم. واحتجوا على ذلك بقوله: (ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) وقو قول أبي حنيفة والصحيح أن حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على
стр. 10811
الطاعة والعقاب على المعصية.
وهو قولُ ابن أَبِي لَيْلَى ومَالِكٍ وتقدم عن ابن عباس أيضاً نحوُ ذلِكَ. قال الضحاك: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، لأن كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حقِّ الجنِّ. والفرق بينهما بَعيداً جِدًّا، وذكر النقاش في تفسيره حديثاً أنه يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يُلْهِمُهُم اللهُ تسبيحهُ وذِكْرَه فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة. وقال أَرطَأَةُ بْنُ المُنْذِر: سألت ضمرةَ بن حبيب هل للجن ثواب؟ ققال: نعم وقرأ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] . وقال عمر بن العزيز: إن مؤمني الجنِّ حول الجنة في رَبَض وَرِحابٍ ولُبْسِ فيها.
قوله: ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض أي لا يعجز الله فيفوته ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ﴾ أنصار يمنعونه من الله ﴿أولئك فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ .
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض. .﴾ اعلم أنه تعالى قرر من أول سورة إلى ههنا أمر التوحيد والنبوة. ثم ذكر ههنا تقرير القادر من تأمل في ذلك علم أن المقصود من القرآن كله تقرير هذه الأصول الثلاثة. واعلم أن المقصود من هذه الآية الدلالة على كونه تعالى قادراً على البعث، لأنه تعالى أمام الدليل على خلق السموات والأرض وخلقهام أعظم من أعادة هذا الشّخص حيًّا بعد أن كان ميِّتاً، والقادر على الأكمل لا بدّ وأن يكون قادراً على ما دونه.
قوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ العامة على سكون العين وفتح الياء مضارع «عِيِيَ» بالكسر يَعْيَا بالفتح فلما دخل الجازم حذف الألف. وقرأ الحسن يَعِي بكسر العين وسكون الياء. قالوا: وأصلها عَيِيَ بالكسر فجعل الكسر فتحة، على لغة طَيِّةء فَصَار «عَيَا» ، كما قالوا في بَقِي: بَقَا. ولما بنى الماضي على «فَعَلَ» بالفتح جاء مضارعه على يَفْعِلُ بالكسر فصار يَعْيي مثل يَرْمِي، فلما دخل الجَازم حذف الياء الثانية فصار: لَمْ يَعْيِ بعين ساكنة وياءٍ مكسورة، ثم نقل حركة الياء إلى العين فصار اللفظ كما
стр. 10812
تَرَى. وقد تقدم أن عَيِيَ وحَيِيَ فيها لغتان، الفَكّ والإدغام. فأما حَيِيَ فتقدَّمَ في الأنفال و (أما) عَيِيَ فكقوله:
٤٤٦٠ - عَيّوا بأمْرِهِمْ كمَا عَيْيَتُ ... ببيضَتِهَا الحَمَامَهْ
والعي عدم الاهتداء إلى جهةٍ. ومنه العَيُّ في الكلام، وعَيِيَ بالأَمر إذا لم يهتد لوجهه.
قوله: «بِقَادِرٍ» الباء زائدة وحَسَّنَ زيادتَها كَوْنُ الكلام في قوة «أَلَيْسَ اللهُِ بِقَادرٍ» . قال أبو عبيدة، والأخفش: الباء زائدة للتوكيد، كقوله: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] وقاس الزجاج «مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أحداً بِقَائِمٍ» عَلَيْهَا. والصحيح التوقف. وقال الكسائي والفراء العرب تدخل الباء في الاستفهام فتقول: ما أظُنُّكَ بقائمٍ.
وقرأ عيسى، وزيد بن علي «قَادِرٌ» بغير ياء.
قوله: «بلى» إيجاب لما تضمنه الكلام من النفي في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ .
стр. 10813
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ على النار﴾ فيقال لهم: أَلْيسَ هَذا بالْحَقِّ قَالُوا بَلَى فقوله: أليس هذا معمول لقول مضمر هو حال كما تقدم في نظيره. والمقصود من هذا الاستفهام التهكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده. فيقال لهم ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ الفاء في قوله «فَاصْبِر» عاطفة هذه الجملة على ما تقدم، والسببية فيها ظاهرة. واعلم أنه تعالى لما قرر المَطَالِبَ الثَّلاثَة وهي التوحيد والنبوة وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول ﷺ َ وذلك لأن كانوا يؤذونه ويُوجِسُون صدره فقال تعالى: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم﴾ أي أُولو الجِدِّ والصَّبْر والثَّبَات وقال ابن عباس ﵄ أولو الحَزْم.
قوله: ﴿مِنَ الرسل﴾ يجوز أن تكون من تبعيضية، وعلى هذا فالرُّسُلُ أَولُو عَزْم وَغيرُ أُولِي عَزْمٍ. ويجوز أن يكون للبيان فكلهم على هذا أُولو عَزْم. قال ابن زيد: كُلّ الرُّسُلِ كانوا أولى عزم ولم يبعث الله نبياً إلا كان ذَا عَزْم وحَزْمٍ، ورأي وكمال عقل. وإنما دخلت مِنْ للتَّجْنِيس لا للتبعيض كما يقال اشتريت (أكسية) من الخَزِّ وأَرْدِيَةً من البزّ. وقيل: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يُونُسَ لعجلة كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي ﷺ َ: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] وقيل هم نُجَبَاء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لقوله بعد ذكرهم: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ فبهداهُم اقْتَدِهْ» . وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين وقيل: هم ستة: نوحٌ وهودٌ، وصالحٌ، ولوطُ، وشعيبٌ،
стр. 10814
ومُوسَى، وهم المذكورون على النَّسقِ في سورة الأعْراف والشُّعَرَاءِ.
وقال مقاتل: هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يُغْشَى عَلَيْه، وإبراهيم صَبَرَ على النار وذبْح الوَلَد، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فَقْد ولده، وذَهَابِ بصره، ويوسفُ صبر في الجُبِّ والسِّجْن، وأيوبُ صبر على الضُرِّ.
وقال ابن عباس وقتادة: هم نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع مُحَمَّد خمسة. وقال البغوي: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وفي قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى: ١٣] الآية روي أن النبي ﷺ َ قال لعائشة: يا عائشةُ إن الله لم يرض لاولي العزم إلا بالصّبر على مكروهها، والصبر على محبوبها لم يرضَ إلا ان كلفني ما كلفهم قال: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ ، وإني والله لا بدّ لي من طاعة، والله لأصبرنَّ كما صَبَرُوا وأَجْهَدَنَّ ولا قوة إلا بالله.
قوله: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ العذاب فإنه نازل بهم. قيل: إن النبي ﷺ َ ضجر من قومه بعضَ الضَّجَر، وأحبَّ أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر، وترك الاستعجال. ثم أخبر أن ذلك العذاب إذ أنزل بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿لَمْ يلبثوا إِلَاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ إذا عاينوا العذاب صار طُول لَبْثهِمْ في الدنيا والبْرزَخ كأنه ساعةٌ من النهار، أو كان لم يكن لهول ما عاينوا، لأن ما مضى وإن كان طويلاً صار كأنه لم يكن، قال الشاعر:
٤٤٦١ - كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ إذَا مَضَى ... كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ إذَا أَتَى
واعلم أنه تم الكلام ههنا.
قوله: «بلاغ» العامة على رفعه. وفيه وجْهَان:
أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم: تلكَ الساعةُ بلاغٌ، لدلالة قوله: ﴿إِلَاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ . وقيل: تقديره هذا أي القرآن والشرع بلاغٌ من الله إليكم.
والثاني: أنه مبتدأ والخبر قله «لَهُمْ» الواقع بعد قوله ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل﴾ أي لهم بلاغ
стр. 10815
فيوقف على «ولا تستعجل» . وهو ضعيف جداً، للفصل بالجملة التشبيهية، ولأن الظاهر تَعَلُّق «لهم» بالاسْتِعْجَالِ فهو يشبه الهيئة والقطع.
وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى «بلاغاً» نصباً على المصدر أي بلِّغ بلاغاً. ويؤيده قراءة ابن مِجْلَزِ «بَلِّغْ» أمراً. وقرأ أيضاً «بَلَّغَ» فعلاً ماضياً. ويؤخذ من كلام مَكِّيٍّ أنه يجوز نصبه نعتاً «لِسَاعَةِ» فإنه قال: «ولو قرىء بلاغاً بالنصب على المصدر، أو على النعت لساعة جاز» . وكأنه لو لم يطلع على ذلك قراءة. وقرأ الحسن أيضاً: بَلَاغٍ بالجر، ويُخَرِّج على الوصف ل «نَهَار» على حذف مضاف أي من نهارٍ ذي بلاغ، أو وصف الزمان بالبلاغ مبالغةً. والبلاغ بمعنى التَّبلْيغ.
قوله: «فهل يهلك» العام على بنائه للمفعول. وابن محيصن يَهْلِكُ بفتح الياء وكسر اللام مبنياً للفاعل. وعنه أيضاً فتح اللام وهي لغةٌ والماضي هَلِكَ، بالكسر. قال ابن جني: «كُلٌّ مَرْغُوبٌ عَنْهَا» . وزيد بن ثابت: بضم الياء وكسر اللام، فالفاعل هو الله تعالى. ﴿القوم الفاسقون﴾ . نصباً على المفعول به. وقرىء: «تَهْلِكُ» بالنو وكسر اللام ونب «الْقَوْم» .
فصل
المعنى فهل يهلك بالعذاب إذا نزل إلاّ القَوْم الفاسقون الخارجون عن أمر الله قال الزجاج: تأويله لا يَهْلِكُ مع رحمة الله وفضْلِهِ إلَاّ القَوْم الفاسقون، ولهذا قال
стр. 10816
قومٌ: مَا فِي الرَّجَاءِ لِرَحْمَةِ الله أقْوَى مِنْ هذه الآية.
روى أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة الأَحْقَافِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ رَمْلٍ فِي الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» (اللَّهُمَّ تَوفَّنَا مُسْلِمِينَ) .
стр. 10817
سورة محمد
стр. 10818
مدنية. وهي ثمان وثلاثون آية، وخمسمائة وتسع وثلاثون كلمة، وألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم وقوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ... ﴾ أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة. والمراد بالذين كفروا قيل: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر، منهم أبو جهل والحارث بن هشام، وعبتة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وقيل: كفار قريش. وقيل: أهل الكتاب. وقيل: كل كافر. ومعنى صَدِّهِمْ عن سبيل الله، قيل: صدوا أنفسهم عن السَّبيل، ومنعوا عقولهم من اتِّباع الدليل. وقيل: صدوا غيرهم وَمَنَعُوهُم.
قوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ يجوز فيه الرفع على الابتداء والخبر الجملة من قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ ويجوز نصبه على الاشتغال بفعل مقدر يفسره «أضل» من حيث المعنى، أي خَيَّبَ الَّذينَ كَفَرُوا.
قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها فلم يقبلها وأراد بالأعمال ما فعلوا من إطعام
стр. 10819
الطعام، وصلةِ الأرحام قال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيِّ ﷺ َ وجعل الدائرة عليهم.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه الوجهان المتقدمان، وتقدير الفعل: «رَحِمَ الَّذِينَ آمَنُوا» .
قوله: ﴿وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ﴾ والعامة على بناء الفعل نزل للمفعول مشدداً، وزيد بن علي وابنُ مِقْسِم نَزَّلَ مبنيًّا للفاعل وهو اللهُ، والأعمش أُنْزِلض بهمزة التعدية مبنياً للمفعول. وقرىء: نَزَلَ ثلاثياً مبنياً للفاعل. قال سفيان الثوري: لم يخالفوه في شيء. قال بان عباس: «الذين كفروا وصدوا» مشركُوا مكَّةَ والذين آمنوا وعملوا الصالحات الأَنْصَارُ.
قوله: ﴿وَهُوَ الحق﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر المفسَّر والمفسِّر.
قوله: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ حالهم. وتقدم تفسير «البال» في طه. قال ابن عباس ﵁ : معنى: أصلح، أي عَصَمَهُمْ أيَّامَ حَيَاتِهِمْ يعني أن هذا الإصلاحَ يعود إلَى صلاح أعمالهم حتَّى لا يَعْصُوا.
فصل
قالت المعتزلة: تكفير السيئات مرتّب على الإيمان، والعمل الصالح، فمن آمن ولم يعمل صالحاً يبقى في العذاب خالداً.
والجواب: لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتباً على الكفر والصّد، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله. أو نقول: إن الله تعالى رتَّب أمرين فمن آمن كفر سيئاته، ومن عمل صالحاً أصلح باله. أو نقول: أي مؤمنٍ يتصور غير آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا طعام، وعلى هذا فقوله: «وعَملُوا» من عطف المسببِ على السبب كقول القائل: أَكَلْتُ كَثِيراً وشَبِعْتُ.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: «وآمنوا بما نُزّل على محمد» مع أن قوله: «آمنوا وعلموا الصلحات» أفاد هذا المعنى؟ .
فالجواب: من وجوه:
стр. 10820
الأول: قوله: «الذين آمنوا» أي الله ورسوله، واليوم الآخر، وقوله: «آمَنُوا بِمَا نزل» أي بجميع الأشياء الواردة في كلام الله ورسوله تعميماً بعد أمور خاصة كقولنا: خلق الله السموات والأرض وكل شيء إما على معنى وكل شيء غير ما ذكرنا، وإما على العموم بعد ذكر الخصوص.
والثاني: أن يكون المعنى آمنوا من قبل بما نزل على محمد «وهُوَ الحَقُّ» المعجز الفارق بين الكاذب والصادق يعني آمنوا أولاً بالمعجز، وأيقنوا أن القرآن لا يأتي به غير الله فآمنوا وعلموا الصالحات والواو للجمع المطلق. (و) يجوز أن يكون المتأخر ذكراً متقدماً وقوعاً، وهذا كقول القائل آمن به وكان الإيمان به واجباً ويكون بياناً لإيمانهنم، كأنه قال: آمنوا وآمنوا بما نزل على محمد أي آمنوا وآمنوا بالحق كقول القائل: خرجتُ وخرجت مصيباً أي وكان خروجي جيداً، حيث نجوت من كذا أو ربحت كذا، فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان بما أمر الله وأنزل الله لا بما كان باطلاً من عند غير الله.
قوله: «ذلك» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده.
الثاني: قال الزمخشري: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب كذا. فالجار في محلِّ نصب قال أبو حيان: ولا حاجة إليه.
قوله: ﴿بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل﴾ أي الشيطان. وقيل: قول كبرائهم، ودين آبائهم ﴿الذين آمَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ يعني القرآن. وقيل: الحق هو الله تعالى: وعلى هذا فلا يكون قوله: «من ربهم» متعلقاً بالحق وإنما يتعلق بقوله تعالى: ﴿اتبعوا﴾ أي اتبعوا من ربهم، أو من فضل الله أو هداية ربهم ابتعوا بالحق؛ وهو الله تعالى.
ويحتمل أن يقال: قوله: ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ عائد إلى الفريقين جميعاً، أي من ربهم اتبع هؤلاء الباطل، وهؤلاء الحق، وأي من حكم ربهم ومن عند ربهم.
قوله: «كذلك يضرب» خرجه الزمخشري على مثل ذلك الضرب يضرب الله للناس أمثالهم (والضمير راجع إلى الفريقين أو إلى الناس على معنى أنه يضرب أمثالهم) لأجل الناس ليعتبروا (انتهى) .
فصل
قال الزجاج: معناه كذلك بين الله أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال
следующие страницы →