Полный текст (12 961 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.
стр. 10816
قومٌ: مَا فِي الرَّجَاءِ لِرَحْمَةِ الله أقْوَى مِنْ هذه الآية.
روى أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة الأَحْقَافِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ رَمْلٍ فِي الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» (اللَّهُمَّ تَوفَّنَا مُسْلِمِينَ) .
стр. 10817
سورة محمد
стр. 10818
مدنية. وهي ثمان وثلاثون آية، وخمسمائة وتسع وثلاثون كلمة، وألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم وقوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ... ﴾ أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة. والمراد بالذين كفروا قيل: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر، منهم أبو جهل والحارث بن هشام، وعبتة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وقيل: كفار قريش. وقيل: أهل الكتاب. وقيل: كل كافر. ومعنى صَدِّهِمْ عن سبيل الله، قيل: صدوا أنفسهم عن السَّبيل، ومنعوا عقولهم من اتِّباع الدليل. وقيل: صدوا غيرهم وَمَنَعُوهُم.
قوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ يجوز فيه الرفع على الابتداء والخبر الجملة من قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ ويجوز نصبه على الاشتغال بفعل مقدر يفسره «أضل» من حيث المعنى، أي خَيَّبَ الَّذينَ كَفَرُوا.
قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها فلم يقبلها وأراد بالأعمال ما فعلوا من إطعام
стр. 10819
الطعام، وصلةِ الأرحام قال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيِّ ﷺ َ وجعل الدائرة عليهم.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه الوجهان المتقدمان، وتقدير الفعل: «رَحِمَ الَّذِينَ آمَنُوا» .
قوله: ﴿وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ﴾ والعامة على بناء الفعل نزل للمفعول مشدداً، وزيد بن علي وابنُ مِقْسِم نَزَّلَ مبنيًّا للفاعل وهو اللهُ، والأعمش أُنْزِلض بهمزة التعدية مبنياً للمفعول. وقرىء: نَزَلَ ثلاثياً مبنياً للفاعل. قال سفيان الثوري: لم يخالفوه في شيء. قال بان عباس: «الذين كفروا وصدوا» مشركُوا مكَّةَ والذين آمنوا وعملوا الصالحات الأَنْصَارُ.
قوله: ﴿وَهُوَ الحق﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر المفسَّر والمفسِّر.
قوله: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ حالهم. وتقدم تفسير «البال» في طه. قال ابن عباس ﵁ : معنى: أصلح، أي عَصَمَهُمْ أيَّامَ حَيَاتِهِمْ يعني أن هذا الإصلاحَ يعود إلَى صلاح أعمالهم حتَّى لا يَعْصُوا.
فصل
قالت المعتزلة: تكفير السيئات مرتّب على الإيمان، والعمل الصالح، فمن آمن ولم يعمل صالحاً يبقى في العذاب خالداً.
والجواب: لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتباً على الكفر والصّد، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله. أو نقول: إن الله تعالى رتَّب أمرين فمن آمن كفر سيئاته، ومن عمل صالحاً أصلح باله. أو نقول: أي مؤمنٍ يتصور غير آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا طعام، وعلى هذا فقوله: «وعَملُوا» من عطف المسببِ على السبب كقول القائل: أَكَلْتُ كَثِيراً وشَبِعْتُ.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: «وآمنوا بما نُزّل على محمد» مع أن قوله: «آمنوا وعلموا الصلحات» أفاد هذا المعنى؟ .
فالجواب: من وجوه:
стр. 10820
الأول: قوله: «الذين آمنوا» أي الله ورسوله، واليوم الآخر، وقوله: «آمَنُوا بِمَا نزل» أي بجميع الأشياء الواردة في كلام الله ورسوله تعميماً بعد أمور خاصة كقولنا: خلق الله السموات والأرض وكل شيء إما على معنى وكل شيء غير ما ذكرنا، وإما على العموم بعد ذكر الخصوص.
والثاني: أن يكون المعنى آمنوا من قبل بما نزل على محمد «وهُوَ الحَقُّ» المعجز الفارق بين الكاذب والصادق يعني آمنوا أولاً بالمعجز، وأيقنوا أن القرآن لا يأتي به غير الله فآمنوا وعلموا الصالحات والواو للجمع المطلق. (و) يجوز أن يكون المتأخر ذكراً متقدماً وقوعاً، وهذا كقول القائل آمن به وكان الإيمان به واجباً ويكون بياناً لإيمانهنم، كأنه قال: آمنوا وآمنوا بما نزل على محمد أي آمنوا وآمنوا بالحق كقول القائل: خرجتُ وخرجت مصيباً أي وكان خروجي جيداً، حيث نجوت من كذا أو ربحت كذا، فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان بما أمر الله وأنزل الله لا بما كان باطلاً من عند غير الله.
قوله: «ذلك» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده.
الثاني: قال الزمخشري: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب كذا. فالجار في محلِّ نصب قال أبو حيان: ولا حاجة إليه.
قوله: ﴿بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل﴾ أي الشيطان. وقيل: قول كبرائهم، ودين آبائهم ﴿الذين آمَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ يعني القرآن. وقيل: الحق هو الله تعالى: وعلى هذا فلا يكون قوله: «من ربهم» متعلقاً بالحق وإنما يتعلق بقوله تعالى: ﴿اتبعوا﴾ أي اتبعوا من ربهم، أو من فضل الله أو هداية ربهم ابتعوا بالحق؛ وهو الله تعالى.
ويحتمل أن يقال: قوله: ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ عائد إلى الفريقين جميعاً، أي من ربهم اتبع هؤلاء الباطل، وهؤلاء الحق، وأي من حكم ربهم ومن عند ربهم.
قوله: «كذلك يضرب» خرجه الزمخشري على مثل ذلك الضرب يضرب الله للناس أمثالهم (والضمير راجع إلى الفريقين أو إلى الناس على معنى أنه يضرب أمثالهم) لأجل الناس ليعتبروا (انتهى) .
فصل
قال الزجاج: معناه كذلك بين الله أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال
стр. 10821
الكافرين. والمراد بالأمثال الأشكال. وقيل: بين كون الكافر متبعاً للباطل وكون المؤمن متبعاً للحق. والضمير في قوله ﴿أَمْثَالَهُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يعود إلى الناس، كأنه تعالى قال: يضرب للناس أمثال أنْفُسِهِمْ.
والثاني: يعود إلى الفريقين السابقين، والمعنى يضرب الله للناس أمثال الفريقين السَّابقين.
стр. 10822
قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ العامل في هذا الظرف فعل مقدر هو العامل في «ضَرْبَ الرِّقَابِ» تقديره فاضربوا الرقاب وقتَ مُلَاقَاتِكُمُ العَدُوَّ. ومنع أبو البقاء أن يكون المصدر نفسه عاملاً، قال: لأنه مؤكَّد وهذا أحد القولين في المصدر النائب عن الفعل، نحو: ضرباً زيداً، هل العمل منسوب إليه إم إلى عامله؟ ومنه (قول الشاعر) :
٤ ٤٦٢ - عَلَى جِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُرِهِمْ ... فَنَدْلا زُرَيْقَ المَالَ نَذْطَ الثَّعَالِبِ
فالمال منصوب إما ب «أندل» أو ب «ندْلاً» والمصدر هنا أضيف إلى معموله. وبه استدل على أن العمل للمصدر، لإضافته إلى ما بعده ولو لم يكن عاملاً لَمَا أضيف إلى ما بعده.
فصل
قال ابن الخطيب: الفاء في قوله: «فإذا لقيتم» يستدعي متعلَّقاً تُعَلَّقُ به وتُرَتَّبُ عَلَيْه وفيه وجوه:
الأول: لما بين أن الذين كفروا أضل أعمالهم، وأن اعتبار الإنسان بالعمل ومَنْ لا
стр. 10823
عمل له فهو هَمَج إعدامه خير من وجوده. ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا﴾ بعد ظهور أن لا حرمة لهم بعد إبطال عملهم فاضربوا أعناقهم قال البغوي: فضرب الرقاب نَصْبٌ على الإغراء.
الثاني: إذا تبين تباين الفريقين وتباعد الطريقين بأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان والآخر يتبع الحق وهو حِزب الرحمن حق القتال (عند التَّحَزُّب) فإذا لَقِيتُمُوهُمْ فاقْتُلُوهُمْ.
الثالث: أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقُصُور نَظَرِه إيلام الحَيوان من الظُّلْم والطُّغْيَان ولا سيما القَتْلُ الذي هو تخريب بنيان. فيقال رَدًّا عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فلمن يُقْتَلْ في سبيل الله لتعظيم الله وبأمره له (من) الأجر ما للمصلى والصائم فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأْخُذْكُمْ بهم رأفة. فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل.
فصل
والحكمة في اختيار ضرب الرقبة دون غيرها من الأعضاء، لأن المؤمن هنا ليس بدافع، إنما هو مدافع وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولاً مقتله، بل يُتَدَرَّج ويُضْرَب غير المقتل فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى درجة الإهلاك، فأخبر تعالى أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود دفعهم عن وجه الأرض بالكلية، وتطهير الأرض منهم وكيف لا والأرض لكم مسجِد، والمشركون نَجَسٌ، والمسجدُ يُطَهَّرُ من النجاسة؟ فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم بخلاف دفع الصَّائل. والرقبة أظهر المقاتل، لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت، بخلاف سائر المواضع ولا سيما فِي الحرب. وفي قوله «لَقِيتُمْ» ما ينبىء عن مخالفتهم الصَّائل، لأن قوله: «لقيتم» يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا «لقيكم» ، ولذلك قال في غير هذا الموضع
﴿واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١] .
فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ بإضمار الفعل وإظهار
стр. 10824
المصدر، وقال في الأنفال: ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢] بإظهار الفعل وترك المصدر؟! .
فالجواب مبني على تقديم مقدَّمة، وهي أن المقصود في بعض الصور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمناً؛ إذ لا يمكن أن يفعلَ فاعل إلا فاعل، فيطلب منه أن يفعل مثاله من قال: أنِّي حَلَفْتُ أن أخْرُج مَن المدينة، فيقال له: فاخْرج صار المقصود صدور الفِعْل منه والخروج في نفسه غير مقصود الابتعاد ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه أن لا يَخْرُج لكن في ضرورة الخروج أن يخرج. فإذا قال قائل صادق: ضَاقَ بي المكانُ بسبب الأعداء فيقال مثلاً: الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب، حتى لو أمكن الخروج منغير فعل منه، لحصل الغرض لكنه محال فيعبته الفعل. وإذا عرف هذا فيقال: في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة، وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا للنّصرة (و) من حضر في صفِّ القتالِ، فصدور الفعل منه مطلوب. وههنا الأمر وارد ليس في وقتِ القِتال، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ﴾ والمقصود بيان كون المصدر مطلوباً لتقدم المأمُورِ على الفِعْل قال: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ . وفي ذلك بيان فائدة أخرى، وهي أن الله تعالى قال هناك ﴿واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وذلِكَ لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى القتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل وههنا ليس وقت القتال. فبين أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك.
قوله: ﴿حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ هذه غاية للأمر بضرْب الرِّقاب، لا لبيان غاية القتل. وقوله: ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ قرأ السُّلَمِيُّ: فَشِدُّوا بكسر الشين وهي ضعيفة جِدًّا. والوَثَاقُ بالفتح وفيه الكسر اسم ما يُوثَقُ به والمعنى حتى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ أي بالَغْتُم في القتل وقَهَرْتُمُوهُمْ فشدّوا الوثاق يعني في الأسر حتى لا يَفْلِتوا. والأسر يكون بعد المبالغة في القتل كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] .
стр. 10825
قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ . فيهما وجهان:
أشهرهما: أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره؛ لأن المصدر متَى سبق تفصيلاً لعاقبة جملة وجب نصبه بإِضمار فعل لا يجوز إظهاره، والتقدير: فَإِمَّا أنْ تَمُنُّوا وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوا فِدَاءً ومثله:
٤٤٦٣ - لأَجْهَدَنَّ فَإِمَّا دَرْءَ وَاقِعَةٍ ... تُخْشَى وَإِمَّا بُلُوغَ السُّؤْلِ وَالأَمَلِ
والثاني: قال أبو البقاء: إنهما مفعولان بهما لعامل مقدر تقديره: أَوْلُوهُمْ مَنَّا وأقْبَلُوا مِنْهُمْ فِدَاءً.
قال أبو حيان: وليس بإعرابِ نَحْويًّ.
وقرأ ابن كثير: فِدًى بالقصر قال أبو حاتم: لا يجوز، لأنه مصدر فَادَيته. ولا يُلْتَفَتُ إليه؛ لأن الفرّاء حكى فيه أربع لغات المشهور المدّ والإعراب: فِدَاءً لَكَ، وفَدَاءِ بالمد أيضاً والبناء على الكسر، والتنوين، وهو غريب جداً.
وهذا يشبه قول بعضهم: هؤلاءٍ بالتنوين. وفِدًى بالكسر مع القصر، وفَدًا بالفتح مع القصر أيضاً. والأوزار هنا الأثقال. وهو مجاز. وقيل: هو من مجاز الحذف أي أهْل الحرب. والأوزار عبارة عن آلات الحرب قال (الشاعر في معنى ذلك ﵀ :
стр. 10826
٤٤٦٤ - وَأَعْدَدْتَ لِلْحَرْبِ أَوزَارَهَا ... رِمَاحاً طُوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورا
وحتى الأولى غاية لضرب الرقاب، والثانية ل «شُدُّوا» ويجوز أن يكونا غايتين لضَرْب الرِّقاب علىأن الثانية توكيد وبدل.
قال ابن الخطيب: وفي تعلق «حَتَّى» وجْهَانِ:
أحدهما: تعلقها بالقتل أي اقْتُلُوهُمْ حَتَّى تَضَعَ.
وثانيهما: بالْمَنِّ والفِداء. ويحتمل أن يقال متعلقة بقوله: «فشدوا الوثاق» وتعلقها بالقتل أظهر.
فصل
قدم المن على الفداء، لأن حرمة النفس راجحة على طلب المال. والفداء يجوز أن يكون مالاً ويجوز أن يكون غيره من الأشياء ويشرط بشرط عليهم، أوعليه وحده.
فصل
قال ابن الخطيب: الوزر الإثمُ أو السِّلاح، والإثم إنما هو على المحارب وكذلك السلاح ومعناه تضع الحرب الأوزار التي على المحاربين أو السلاح الذي عليهم، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] فكأنه قال: حتى تَضَع أمةُ الحرب، أو فِرقةُ الحرب أوزارها. والمراد انقضاء الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر لا حزب ن أحزاب الإسلام هذا إذا أمعنت النظر في المعنى. ولو قلنا: حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية، كقول القائل: خصومتي ما انْفَصَلَتْ، ولكني تركتها في هذه الأيام. وإذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم تَبْقَ. واختلفوا في وقت وضع الأوزار على أقوال، يرجع حاصلها إلى الوقت الذي لا يبقى فيه حِزْبٌ من أحْزَاب الإسلام، ولا حزب من أحزاب الكفر. وقيل: ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى ﵊ ُ.
فصل
اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي
стр. 10827
الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وبقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وإليه ذهب قتادة والضحاك، والسُّديُّ وابنُ جُرَيْجٍ، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي وقوالوا: لا يجوز المنّ على من قوع في الأسر من الكفار ولا الفداء.
وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا أوقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يَسْتَرِقَّهُمْ أو يمُنَّ عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يُفَادِيهم بالمال أو بأسارى المسلمين. وإليه ذهب ابنُ عمر. وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء. وهو قول الثَّوريِّ والشافعيِّ وأحمد وإسحاق. قال ابن عباس ﵄ لما كثر المسلمون واشتد سلطناهم أنزل الله في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ ، وهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله ﷺ َ والخلفاءُ بعده.
روى البخاري عن أبي هريرةَ قال: «بعث النبي ﷺ َ خيلاً قبل نَجْد، فجاءت برجُل من بني حنيفة، يقال (له) ثُمَامَةُ بنُ أُثَالِ، فربطوه في سَارِيَةٍ من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ َ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خيرٌ يا محمد، إن تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإن تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شاكرٍ وإنْ كُنْتَ تريدُ المالَ فلك ما شئتَ، حتى كان الغَدُ لقال له: ما عندك يَا ثُمَامَةُ؟ فقال: عندي ما قلتُ لك: إن تُنْعِمْ تُنْعمْ عَلَى شكر. فتركه حتى إذا كان بعد الغد قال: ما عند يا ثمامةُ؟ قال: عندي ما قلتُ لك قال: أطْلِقُ اثمامة، فانطلق إلى نخل قريبٍ من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضُ إليَّ مِنْ وَجْهِكَ فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، واللهِ ما ك ان من دينٍ أبغَضَ إلَيَّ من دينكَ فأصبح دينُك أحبَّ الدِّين إلَيَّ. واللهِ ما كان من بَلَدٍ أبغضَ إلَيَّ من بلدِكَ فقد أصبح بلدكُ أحبَّ البلادِ إلَيَّ. وإ، خَيْلكَ أخذتني وأنا أريدُ العُمْرَةَ فما ترى؟ فبشَّره رسول الله ﷺ َ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: صَبَوْتَ؟ قال: لا ولكن أسلمت مع محمد ﷺ َ ولا واللهِ لا يأتيكُم من اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْكَةٍ حتى يأذن فيها النبي ﷺ َ» وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قال: أسر أصحاب رسول الله ﷺ َ رجلاً من عَقِيل فأوثقوه، وكانت ثَقِيفٌ قد أسرت رجلين من أصحاب النبي ﷺ َ فَفَداهُ رسول الله ﷺ َ بالرجلين اللذين أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ.
стр. 10828
قوله: «ذَلك» يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك وأن ينتصب بإضمار «افْعَلُوا» . قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: واجبٌ أو مقدمٌ كما يقول القائل: إنْ فعلت فذاك، أي فذاك مقصود ومطلوبٌ.
فصل
قال المفسرون: معناه «ذلك» الذي ذكرت وبيّنت من حكم الفكار، ﴿وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ فأهلكهم وكفاهم أمرهم بغير قتال، «ولكن» أمركم بالقتال ﴿لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب، ومن قتل من الكافرين إلى العذاب.
فإن قيل: ما التحقيق في قولنا: التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السِّرَّ وأخْفَى؟
فالجواب من وجوه:
الأوّل: أن المراد منه يفعل ذلك فعل المسلمين أي كما يقول المبتلى المُخْتَبَر.
الثاني: أن الله تعالى يَبْلُو ليظهر الأمر لغيره، إما للملائكة، أو للناس والتحقيق هو أن الابتلاء والاختبار فعل يظهر بسببه أمر ظاهر.
فإن قيل: فائدة الابتلاء حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله عالماً فَأَيُّ فائدةٍ فيه؟
فالجواب: أن هذا السؤال كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مُسْتَغْنٍ؟ ولم خلق النار مُحْرِقَةً وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟ وجوابه: لَا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ؟
قوله: ﴿والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ قرأ العامة قَاتَلُوا. وأبو عمرو وحفصٌ قُتِلُوا مبنياً للمفعول على معنى أنهم قُتِلُوا وماتوا؛ أصاب القتل بعضهم كقوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . وقرأ الجَحْدَرِيّ: قَتَلُوا بفتح القاف والتاء خفيفة ومفعوله محذوف. وزيد بن ثابت والحسن وعيسى قُتِّلُوا، بتشديد التاء مبنياً للمفعول.
قوله: ﴿فلن يضل أعمالهم﴾ قرأ على ﵁ يُضَلَّ مبنياً للمفعول أَعْمَالُهُمْ
стр. 10829
بالرفع لقيامه مقام الفاعل. وقرىء: تَضِلَّ بفتح التاء أَعْمَالُهُمْ بالرفع فاعلاً. والفاء في قوله: «فَلَنْ يُضِلّ» جَزَائية؛ لأن قوله تعالى: ﴿والذين قُتِلُواْ﴾ فيه معنى الشرط. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أُحُدٍ، وقد
فَشَتْ في المسلمين الجِرَاحَاتُ والقَتْلُ.
قوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور وفي الآخرة إلى الدرجات ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ برضى خصمائهم وتقبل أعمالهم. وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ والماضي والمستقبل راجحٌ إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان، والعمل الصالح، وكان قد وقع منهم فأخبر عن الجزاء أيضاً بصيغة الوقوع.
وههنا وعدهم بسببه القتل والقتال وكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال، لأن قوله ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ﴾ يدل على الاستقبال فقال: ﴿بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة﴾ .
قوله: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون مستأنفة.
والثاني: أن تكون حالاً.
فيجوز أن تضمر «قد» ، وأن لا تضمر، و «عَرَّفَهَا» من التعرف الذي هو ضد الجَهْل والمعنى أن كل أحد يعرف منزله في الجنة. وقيل: الملك الموكل بأعماله يهديه.
وعن ابن عباس ﵄ أنه من العَرْفِ وهو الطيب أي طيِّبهَا لهم.
وقال الزمخشري: يحتمل أن يقال: عرَّفَهَا لهم من عرَّفَ الدَّارَ وأَوْرَثَها أي حددها، وتحديدها في قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، ويحتمل أن يقال: المراد هو قوله تعالى لهم: ﴿وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف: ٧٢] فيشير إليه معرفاً لهم بأها هي تلك. وقيل: عرفها لهم وقت القتل، فإن الشهيد وقت وفاته يُعْرَضُ عليه منزلة في الجنة فيشتاقُ إليه. وقرأ أبو عمرو في رواية ويِّدْخِلْهُمْ بسكون اللام وكذا ميم ويُطْعِمُهُمْ وعين ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧] كان
стр. 10830
يستثقل الحركات. وقد تقدم له قراءة بذلك في ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] و ﴿يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وبابه.
قوله
: ﴿يا
أيها
الذين آمنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ﴾ أي إن تنصروا دينَه وتَنْصُروا رَسُولَهُ يَنْصُرْكُمْ على عدوكم. وقيل: إنْ تنصُرُوا حِزْبَ اللهِ وفَرِيقَهُ.
قوله: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ قرأ العامة ويثبت مشدداً. وروي عن عاصم تخفيفه من أثْبَتَ. والمعنى: ويُثَّبِّتْ أقْدَامَكُمْ عند القتال.
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: فَتَعِسُوا وأُتْعِسُوا، بدليل قوله: ﴿فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ وقوله: «فتعساً» منصوب بالخبر. ودخلت الفاء تشبيهاً للمبتدأ بالشرط. وقدر الزمخشري الفعل الناصب ل «تعساً» فقال: لأن المعنى يقال تعساً أي فقَضَى تَعْساً لَهُمْ. قال أبو حيان: وإضمار ما هو من لفظِ المصدر أولى. والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره «فَتَعْساً لَهُمْ» ، كما تقول: زَيْدٌ جَدَعاً لَهُ. كذا قال أبو حيان تابعاً للزمخشري. وهذا لا يجوز لأن «لهم» لا يتعلق ب «تَعْساً» ، إنما هو متعلق بمحذوف لأنه بيان أي أعني عنهم. وتقدم تحقيق هذا. فإن عيَّنا إضماراً من حيثُ مُطْلَقُ الدَّلالة لا من جهة الاشتغال فمُسَلَّم، ولكن تأباه عبارتُهُما وهي قولهما: منصوب بفعل مضمر يفسره «فعساً لهم» . و «أَضَلَّ: عاطف على ذلك الفعل المقدر أي أتْعَسَهُمْ وأَضَلَّ أعمالهم والتَّعْسُ ضدّ السَّعْدِ، يقال: تَعَسَ الرَّجُل بالفتح تَعْساً، وأَتْعَسَهُ اللهُ، قال مُجَمَّعٌ:
стр. 10831
٤٤٦٥ - تَقُولُ وَقَدْ أَفردْتُهَا عَنْ خَليلِهَا ... تَعَسْتَ كَمَا أَتْعَسْتَنِي يَا مُجَمَّعُ
وقيل: تعس بالكسر عن إبي الهَيْثَم وشَمِرٍ وغيرهما. وعن أبي عبيدة: تَعسهُ واتْعَسَهُ مُتَعَدِّيَانِ، فهُما مَّما اتُّفِقَ فِيهِما فَعَلَ وأَفْعَلَ.
وقيل: التعس ضد الانتعاش، قال الزمخشري (رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى) : وتعساً له نقيض لَعَا لَهُ يعني أن كلمة» لَعَا «بمعنى انْتَعَشَ قال الأعشى:
٤٤٦٦ - بِذَاتِ لَوْث عَفْرَنَاةٍ إذَا عَثَرَتْ ... فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لعَا
وقيل: التعْسُ الهَلَاك. وقيل التعس الجَرُّ على الوجه، والنّكْسُ الجر على الرأس.
فصل
قال ابن عباس: صَمْتاً لهم، أي بُعْداً لهم. وقال أبو العالية: سُقْطاً لهم. وقال ابن زيد: شقاءً لهم وقال الفراء: هو نصب على المصدر على سبيل الدعاء. وقيل: في الدنيا العَثْرَةُ، وفي الآخرة التَّردَّي في النار. ويقال للعاثر: تَعْساً إذا لم يريدوا قيامه
стр. 10832
وضده لمَا إذا أرادوا قيامه. وأضل أعمالهم؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان، وهذا زِيَادَةٌ في تقوية قُلُوبِهِمْ؛ لأنه تعالى قال: لَكُم الثباتُ ولهم الزوالُ والتَّعَثُّر.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون» ذلك «مبتدأ، والخبر الجار بعده، أو خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب أنهم كرهوا. أو منصوب بإضمار فعل أي فَعَلَ بهم ذَلِكَ بسبب أنهم كرهوا فالجار في الوجْهَيْنِ الأخيرين منصوب المحل والمعنى: ذلك التعس والإضلال بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم والمراد أنهم كرهوا القرآن، أو كرهوا ما أنزل الله من بيان التوحيد فلم يعرفوا العَمَل الصَّالِحَ بل أشركوا، والشرك يحبط العمل، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقيل: كرهوا ما أنزل الله من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها والدنيا وما فيها وما لها باطل، فأحبط الله أعمالهم.
стр. 10833
ثم خوف الكفار فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ﴾ أي أهلكهم.
قوله: ﴿دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يكون حذف مفعوله، أي أهلك الله بُيُوتَهُمْ، وخرّبها عليم أو يضمن معنى «دمر» معنى سخط اله عليهم بالتدمير. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ مناسب للوجه الأخير، يعني فينظروا إلى حالهم، ويعلموا أن الدنيا فانيةً.
قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أي أمثال العاقبة المتقدمة. وقيل: أمثال العقوبة. وقيلأ: التدمير. وقيل: الهلكة. والأول أولى لتقدم ما يعود عليه الضمير صريحاً مع صحة معناه.
стр. 10834
فإن قيل: إذا عاد الضمير إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟
فالجواب: أن المراد هو العذاب الذي هو مدلول العاقبة، والألم الذي دلّت العاقبة عليه.
فصل
في المراد بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ وجهان:
أحدهما: أن المراد الكافرون بمحمد ﵊ ُ.
الثَّانِي: أن المراد أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من الكفارين مَنْ تقدّم، كأنه يقول: دَمَرَ اللهُ عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها.
فإن قيل: إذ كان المراد (من) الكافرين بمحمد ﵊ ُ فإنهم أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة، فالأولون أهلكوا بأمور شديدة كالزَّلَازِلِ والنِّيران والرِّيَاحِ والطُّوفَانِ، ولا كذلك قوم محمد ﵊ ُ.
فالجواب: يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين، لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه، وأخبارهم عنه، وإنذارهم على أنهم قتلوا وأُسِرُوا بأيدي مَنْ كانوا يَسْتَخِفُّونَهُمْ ويستضعفونهم والقتل بيد المِثللا آلم من الهلاك بسبب عام.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ﴾ تقدم الكلام على نظيره ﴿وَأَنَّ الكافرين لَا مولى لَهُمْ﴾ والمراد بالمولى هنا الناصر. ثم ذكر ما للفريقين فقال: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ لما بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين حالهم في الآخرة وقال: إنه يدخل المؤمن الجنة، والكافر النار. وقد تقدم أن مِنْ في قوله: «مِنْ تَحْتِهَا» تحتمل أن تكون صلة معناه تجري تحتها، ويحتمل أن يكون المراد (أن) ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، يقال: هذا نهر مَنْبَعُهُ مِنْ أَيْنَ؟ يقال: من عين كذا من تحت جبل كذا.
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام﴾ أي ليس لهم هِمة إلا بطونهم وفروجهم وهم لاهون عما في غد. قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والكافر يتزين، والكافر يتمتع.
قوله: ﴿كَمَا تَأْكُلُ الأنعام﴾ إما حال من ضمير المصدر، أي يأكلون الأكل مشبهاً أكل الأنعام وإما نعت لمصدر أي أكلاً مثل أكل الأنعام.
стр. 10835
قوله: ﴿والنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافاً. ويجوز أن تكون حالاً، ولكنها مقدرة أي يأكلون مقدار ثَوْيتهم في النار. وقال في حق المؤمن: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ﴾ بصيغة الوعد، وقال في حق الكافر: ﴿النار مثوى لهم﴾ بصغية تنبىء عن الاستحقاق، لأن الإحسان لا يستدعي استحقاقاً، فالمحسن إلى من يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم. والمعذب من غير استحقاق ظالم.
قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ يريد أهل، ولذلك راعى هذا المقدر في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ بعدما راعى المضاف في قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ﴾ والجملة من هي ابتداء صفة لقرية. وقال ابن عطية: نسب الإخراج للقرية حملاً على اللفظ وقال: «أهلكناهم» حملاً على المعنى. قال أبو حيان: وظاهر هذا الكلام لا يَصِحّ لأن الضمير في «أهلكناهم» ليس عائداً على المضاف إلى القرية التي أسند إليه الإخراج بل على أهل القرية في قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ فإن كان أراد بقوله: «حملاً على المعنى» ، أي معنى القرية في قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ فهو صحيح، لكن ظاهر قوله: حملاً على اللفظ، وحملاً على المعنى أن يكون في مدلول واحد. وكان على هذا يبقى كأين مفلتاً غير محدَّث عنه بشيء إلا أن يتخيَّل أن ﴿هِيَ أَشَدُّ﴾ خبر عنه والظاهر أنه صفة لقرية. قال شهاب الدين: وابنُ عطية إنما أراد لفظ القرية من حيث الجملة لا من حيث التفسير.
فصل
لما ضرب الله لهم مثلاً بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ ، ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل، ضرب للنبي ﷺ َ مثلاً تسلية له فقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس: كان رجالهم أشد من أهل مكة، يدل عليه قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: «أهلكناها» فلا ناصر لهم كذلك يفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم.
وقوله: ﴿فلا ناصر لهم﴾ قال الزمخشري (كيف) قال ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (مع) أن الإهلاك ماضٍ وقوله: ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ للحال والاستقبال محمول على الحكاية، والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال: قوله: ﴿فلا ناصر لهم﴾ عائد على أهل قرية محمد
стр. 10836
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كأنه قال: أهلكنا من تقدم من أهل دينك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويُخلِّصهُمْ مِنْ مِثْلِ ما جرى على الأولين.
فصل
قال ابن عباس ﵄ : لما خرج رسول الله ﷺ َ من مكة إلى الغار التفت إلى مكة، وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلَيَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك. فأنزل الله هذه الآية.
قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ أفمن كان مبتدأ والخبر ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ﴾ وحمل على لفظ «مَنْ» فأفرد في قوله: «سوء عمله» ، وعلى المعنى فجمع في قوله: ﴿واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ . (والجملة من «اتبعوا أهواءهم» عطف على «زين» ؛ فهو صلة.
فصل
معنى قوله: «أفمن كان على بينة من ربه» أي يقين من دينه، يريد محمداً والمؤمنين، كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) يعني عبدة الأوثان، يريد أبا جهل والمشركين.
стр. 10837
قوله: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ لما بين الفرق بين في الاهتداء والإضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما.
قوله: «مثل الجنة» فيها أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ وخبره مقدر، فقدره النضْرُ بنُ شُمَيْل: مثل الجنة ما يسمعون «فما يسمعون» خبر، و ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ﴾ مفسر له. وقدره سبيويه: فيما يتلى عليكم ثمل الجنة.
والجملة بعدها أيضاً مفسرة للمثل. قال سيبويه: المثل هو الوصف ومعناه وصف الجنة، وذلك لا يقتضي مشابهة.
стр. 10838
الثاني: أن مثل زائدة تقديره: الجنَّةُ التي وعد المتقون فيها أنهار. ونظير زيادة مثل هنا زيادة «اسم» في قوله:
٤٤٦٧ - إلَى الْحَوْلِ ثُمَ اسْمُ السَّلَام عَلَيْكُمَا..... ... ... ... ... ... ... . .
الثالث: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله: «فيها أنهار» ، وهذا ينبغي أن يمتنع؛ إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ، ولا ينفع كون الضمير عائداً على ما أضيف إليه المبتدأ.
الرابع: أن مثل الجنة مبتدأ خبره ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار﴾ فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد (في النار) (فقدر حرف الإنكار ومضافاً ليصحَّ.
وقدره الزمخشري أمثل الجنة كمن جزاؤه من هو خالد) والجملة من قوله: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ﴾ على هذا فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: هي حال من الجنة، أي مستقرة فيها أنهار.
الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر، أي هي فيها أنهار، كأن قائلاً قال: ما فكيها؟ فقيل: فيها أنهار.
الثالث: أن تكون تكريراً للصلة، لأنها في حكمها، ألا ترى إلى أنه يصح قولك:
التي فيها أنهار.
وإنما أعري قوله مثل الجنة تصوير المكابرة من أن يسوّي بين المستمسك بالبينة وبين التابع هواه، كمن يسوّي بين الجنة التي صفتها كيت وكيت وبين النار التي صفتها أن يسقي أهلُها الحَمِيم. ونظيره قوله القائل ﵀:
٤٤٦٨ - أَفْرَحُ أَنْ اُزْرَأَ الكِرَامَ وَأَنتْ ... أُورثَ ذَوداً شَصَائِصاً نُبْلاً
стр. 10839
هذا كلام منكر الفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تَعَرِّيه من حرف الإنكار. وذكر ذلك كله الزمخشري. وقرأ علي بن أبي طالب: مِثَالُ الجَنَّةِ. وعنه أيضاً وعن ابن عباس وابن مسعود: أَمْثَالُ بالجمع.
قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ قرأ ابن كثير: أًسِن بزنة حَذِرٍ، وهو اسم فاعل من أَسِنَ بالكسر يَأسنُ، فهو أَسِنٌ كَحَذر يحذر فهو حَذِر. الباقون آسِن بزنة ضَارِبٍ من: أَسَنَ بالفتح يأسن، يقال: أَسَنَ المَاءُ بالفتح يَأسِنُ ويَأسُنُ بالكسر والضم أُسُوناً. وكذا ذكره ثَعْلَبُ في فصيحة. فهما لغتان يقال: أسن الماء يأسن أسناً وأَجِن يَأجنُ، وأَسِنَ يَأسُنُ ويَأسِنُ، وأَجَن يَأجُنُ أُسُوناً وأُجُوناً. وقال اليَزِيدِيُّ يقال: أَسِنَ بالكسر يَأسَنُ بالفتح أَسَناً أي تغير طعمه، وأما أَسِنَ الرَّجُلُ إذا دخل بئراً فأصابه من ريحها ما جعل في رأسه دواراً فأَسِنَ بالكسر فقط قال الشاعر:
٤٤٦٩ - قَدْ أَتْرُكَُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ ... يَمِيدُ فِي الرُّمْحِ مَيْدَ المَائِحِ الأَسِنِ
وقرىء يَسِنٍ بالباء بدل من الهمزة. قال أبو علي: هو تخفيف أسن وهو تخفيف غريب.
стр. 10840
قوله: ﴿لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ صفة ل «لَبَنٍ» .
قوله: «لَذَّةٍ» يجوز أن يكون تأنيث «لَذٍّ» ولَذٌّ بمعنى لَذِيدٍ، ولا تأويلَ على هذا. ويجوز أن يكون مصدراً وصف به، ففيه التأويلات المشْهُورَة. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يقال: ما ثَبَتَتْ لذَّتُهُ يقال: كعام لَذٌّ ولَذِيدٌ، وأَطْعِمَةٌ لَذَّة ولَذِيدَةٌ، ويحتمل أن يكون ذلك وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحكيم: هو حَكِيمٌ كله، وللعاقل: هو عاقل كله. والعامة على جرِّ «لَذَّة» صفة لخمر. وقرىء بالنصب على المفعول له وهي تؤيد المصدرية في قراءة العامة. وبالرفع صفة «لأنهار» . ولم تجمع، لأنها مصدر إن قيل به وإلا فلأنها صفة لجمع غير عاقل، وهو يعامل معاملة المؤنثة الواحدة.
قوله: ﴿مِّنْ عَسَلٍ﴾ نقلوا في عسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير في قوله: «مُصَفًّى» والْعَسَلَانُ العدو، وأكثر استعماله في الذِّئْبِ، يقال: عَسَلَ الذّئبُ والثعلب. وأصله من عسلان الرمح وهو اهتزازه، فكا، العادي يَهُزّ أعضَاءَهُ ويُحركها، قال الشاعر:
٤٤٧٠ - لَدْنٌّ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وكنى بالعُسَيْلَة عن الجِمَاع، لما بينهما. قال ﵊ ُ: «حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»
فصل
قال ابن الخطيب: اختار هذه الأنهار من الأنهار الأربعة؛ لأن المشروب إما أن يُشْرَبَ لِطَعْمِهِ أو لغير طعمه، فإن كان للطعم فالمطعوم تسعة: المُرّ والمَالِح، والحريف، والحَامِض، والعَفِصُ والقَابضُ والتّفه، والحلو، والدَّسِم. وألذها الحُلو والدَّسِم، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسَمُ الأشياء فالدهن لكن الدُّسُومَة إذا تَمَحَّضَتْ لا
стр. 10841
تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدّهن لا يأكل ولا يشرب في الغالب وأما اللبن ففيه الدسم الكائن في يغره وهو طيب للأكْل وبه تغذية الحيوان أولاً فذكره الله تعالى؛ وأمّا ما يشرب لغير الطَّعْم فالماء والخَمْر، فإن الخمر كريهة الطعم، لحصول التواتر بذلك، وإنما تشرب لأمر آخَر غير الطعام وأما الماء فلأن به بقاء الحيوان فذكره.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الخمر: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ ولم يقل في اللبن: لم يخبر طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفًّى للناظرين؟
فالجواب: قال ابن الخطيب: لأن اللذَّةَ تختلف باختلاف الأشخاص فربَّ طعام يلتذ به شخص ويَعَافُهُ الآخر فقال: لذة للشاربين بأَسْرِهِمْ، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال لذة، أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة طعم وأما الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإن الحُلْوَ والحَامِضَ وغيرهما يدركه كل أحد قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أنَّ لهم طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجةً.
قوله: ﴿كُلِّ الثمرات﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا الجار صفة لمقدر، وذلك المقدر مبتدأ وخبره الجار قبله وهو «لَهُمْ» و «فيها» متعلق بما تعلق به، والتقدير: ولهم فيها زَوْجَانِ من كل الثمرات، كأنه انتزعه من قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] وقدر بعضهم صِنْفٌ. والأول أليق.
والثاني: أن «مِن» مزيدة في المبتدأ.
قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على ذلك المقدر لا بِقِيْدِ كونه في الجنة، أي ولهم مغفرة؛ لأَنَّ المغفرة تكون قبل دخول الجنة؛ أو بقيد ذلك. ولا بدّ من حذف مضاف حينئذ أي وبِنَعِيمِ مَغْفِرَةٍ؛ لأنه ناشىءٌ عَنِ المغفرة وهو الجنة.
والثاني: أن يجعل خبرها مقدراً على ولَهُمْ مغفرةٌ. والجملة مستأنفة، والفرق بين الوجيهن أن الوجه الذي قبل هذا فيه الإخبار ب «لَهُمْ» الملفوظ به عن شيئين، ذلك المحذوف ومغفرة. وفي الوجه الآخر الخبر جار آخر حذف للدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
قوله: ﴿كَمَنْ هُوَ﴾ قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً عن: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ ، بالتأويلين
стр. 10842
المذكورين عن ابن عطيةَ والزمخشريِّ وأما إذا لم تجعله خبراً عن «مَثَلٍ» ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: حَالُ هؤلاء المتقين كحال مَنْ هُو خَالدٌ.
وهذا تأويل صحيح. وذكر فيه أبو البقاء الأوجه الباقية فقال: وهو في موضع رفع أي حَالُهُمْ كحَالِ مَنْ هُوَ خَالدٌ فِي النَّار.
وقيل: هو اسْتِهْزَاءٌ بهم. وقيل: هو على معنى الاستفهام أي أكمنْ هُوَ خالد، وقيل: في موضع نصب أي يُشْبِهُونَ (حال) مَنْ هُو خَالدٌ فِي النَّار. انتهى.
ومعنى قوله: وقيل: هو استهزاء أي أن الإخبار بقولك: حالهم كَحَال مَنْ (هُوَ خَالِدٌ) على سبيل الاستهزاء والتهكم. قال البغوي: معناه أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟ .
قوله: ﴿وَسُقُواْ﴾ عطف على الصلة عطف فعلية على اسمية، لكنه راعى في الأول لفظ «من» فأفرد وفي الثانية معناه فجمع. والأمعاء جمع مِعًى بالقصر وهو المُصْرَانُ التي في البطن. وقد وصف بالجمع في قوله:
٤٤٧١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ....... ... ... ... . . ومَعِى جِيَاعُ
على إرادة الجنس.
فصل
الماء الحميم هو الشديد الحَرِّ تسعر عليه النار منذ خلقت إذا أُدْنِيَ مِنْهم شَوَى وُجُوَهَهُمْ، ووقعت فَروة رُؤُسِهم، فإذا شَرِبُوا قطَّع أمعاءهم فخرجت من أدبارهم جميع ما في البطن من الحَوَايَا، واحدها مِعًى.
стр. 10843
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يعنى الكفار منهم من يستمع إليك يعني المنافقون يستمعون إليك فلا يسمعونه، ولا يَفْهَمُونَه تهاوناً. والضمير في قوله: «وَمِنْهُمْ» يحتمل أن يرجع إلى معنى قوله: ﴿هُوَ خَالِدٌ فِي النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً﴾ يعنى ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك.
قوله
﴿حتى
إِذَا
خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ قال المفسرون: حَتَّى للعطف. قالوا: والعطف بحتى لا يحسُنُ إلا إذا كان المعطوف جُزْءاً من المعطوف عَلَيْهِ إمَّا أعلاه وإما أدونه، كقولك: أَكْرَمَنِي النَّاسُ حَتَّى المَلِكُ وجاء الحُجَّاجُ حَتَى المُشَاةُ. وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف متعلّقاً بالمعطوف عليه من حيث المعنى. ولا يشترط بالعطف بالواو ذلك. فوجه التعلق ههنا هو أن قوله: ﴿حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ يفيد معنًى واحداً في الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعاً بالغاً جيداً لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلُّم الطالب للتفهم، يفعلون ذلك استهزاء كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . ويحتمل أن يكون فعلهم ذلك لعدم فهمهم. والأول يؤيده قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾ [الأعراف: ١٠١] ، وقوله بعد ذلك ﴿أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي تركموا اتّباعَ الحقِّ، إما لعدم الفهم أو لعدم الاستفادة.
قوله: «آنِفاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الحال فقدَّره أبو البقاء: ماذا قال مُوْتَنِفاً؟ وقدره غيره مبتدئاً أي ما القول الذي ائْتَنَفَهُ الآن قبل انْفصاله عنه؟
والثاني: أنه منصوب على الظرف أي ماذا قال الساعة. قاله الزمخشري. وأنكره أبو حيان قال: لأنا لم نعلم أحداً عده من الظروف.
واختلفت عبارتهم في معناه؛ فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف حالي كالآنَ، ولذلك فسّره بالسَّاعةِ.
وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون: آنفاً معناه الساعة الماضية القريبة منا وهنذا تفسير بالمعنى. وقرأ البَزِّيُّ بخلاف عنه أنِفاً بالقصر. والباقون المدِّ، وهما
стр. 10844
لغتان بمعنًى واحدٍ. وهما اسما فاعل كَحذر وحَاذِر وأَسنٍ وآسنٍ؛ إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مُجَرَّد، بل المستعمل ائْتَنَفَ يأتَنِفُ، واستأنف يَسْتَانِفُ والأئْتناف والاسْئتِنَاف الابتداء. قال الزجاج: هو من اسْتَأنَفْتُ الشَّيْءَ أي ابْتَدَأتُهُ أي مذا قال في أول وقت يَقْرُبُ منَّا؟
فصل
روى مقاتل ﵁ أن النبي ﷺ َ كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجدد سألوا عَبْدَ الله بن مسعود استهزاءاً ماذا قال محمد آنفاً؟ ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ فلم يؤمنوةا واتَّبعوا أهواءهم في الكفر والنفاق.
قوله: ﴿والذين اهتدوا﴾ يجز فيه الرفع بالابتداء والنَّصْب على الاشتغال و «تَقْوَاهُمْ» مصدر مضاف لفاعله. والضمير في «وَآتَاهُمْ» يعود على الله أو على (قَوْل) المنافقين؛ لأن قولهم ذلك ما يزيد المؤمنين تقوى. أو على الرسول والمعنى زادهم قول الرسلو هُدًى وآتاهم (تقواهم أي وفقهم للعمل بما آمر به، أو زادهم الله هدى وآتاهم الله تقواهم أو زادهم استهزاء المنافقين وآتاهم) قول المنافقين تقواهم أي ثواب تقواهم يوم القيامة.
стр. 10845
قوله: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني الكافرين والمنافقين، قال ﵊ ُ: «مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إلَاّ غَنًى مُطْغِياً، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ مَرَضاً
стр. 10846
مُفْسِداً أَوْ هرَماً مُفَنِّداً، أَوْ مَوْتَا مُجْهِزاً أو الدَّجَّال، والدَّجَّال شَرٌّ غَائِبٍ يَنْتَظِرُ أو السَّاعَةُ، والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» وسميت القيامة بالساعة لسرعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب.
قوله: ﴿أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ بدل من الساعة بدل اشتمال. وقرأ أبو جعفر الرؤاسيّ: إنْ تَأتِيهِمْ بإنِ الشّرطية وجز ما بعدها. وفي جوابها وجهان:
أحدهما: أنه قوله: ﴿فأنى لَهُمْ﴾ قال الزمخشري. ثم قال: فإن قلتَ: بم يتصل قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ على القراءتين؟ قتلُ: بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول كقولك: إنْ أَكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأَنَا حَقِيقٌ بالإكْرَامِ أكْرِمهُ.
والثاني: أن الجواب قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ وإتيان الساعة وإن كان متحقّقاً إلا أنهم عُومِلُوا معاملةَ الشَّاكِّ وحالهم كانت كذا.
قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ الأَشْراط جمع شَرْطٍ بسكون الراء وفتحها قال أبو الأسود:
٤٤٧٢ - فَإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ باِالصَّرْمِ بَيْنَنَا ... فَقَدْ جَعَلْتِ أَشْرَاط أَوَّلِهِ تَبْدُو
والأشراط العلامات. ومنه أشراط الساعة. وأَشْرَطَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أي ألْزَمَهَا أموراً.
قال أوس:
٤٤٧٣ - فَأَشْرضطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ ... فَأَلْقَى بأَسْبَاب لَهُ وَتَوَكَّلَا
والشرط القطع أيضاً مصدر شرط الجلد يَشْرُطُهُ شَرْطاً.
стр. 10847
فصل
قال سهل بن سعد: «رأيت النبي ﷺ َ قال بإصبعه هكذا بالوْسْطَى والتي تلي الإبهام: بُعِثْتُ وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنْ» وقال عليه الصلاة السلام: «إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أن يُرْفَعَ العِلْمُ وَيكْثُرَ الجَهْلُ ويَكْثُرَ الرِّبَا، ويَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، ويَقِلَّ الرِّجَالُ، وتَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امرأة القيمُ الواحِدُ» وقال ﵊ ُ: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمانَةُ فَانْتَظِر السَّاعَةَ فقيل: كَيْفَ إضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِر السَّاعَة» واعلم أن قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون بياناً لغاية عِنَادِهِمْ. ويحتمل أن يكون تسليةً لقلب المؤمنين كأنه تعالى لما قال: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة﴾ ، فهم منه تعذيبهم، قال المفسرون: أشراط الساعةمثل انشقاق القمر، ورسالة محمد ﵊ ُ.
قوله: ﴿فأنى لَهُمْ﴾ «أَنَّى» خبرٌ مقدم، و «ذِكْرَاهُم» مبتدأ مؤخر، أي أَنَّى لهم التذكير. وإذَا وما بعدها معترض. وجوابها محذوف أي كيف لهم التذكير إذا جاءتهم الساعة؟ فكيف تتذكرون؟ ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفاً أي أنَّى لهم الخلاص؟ ويكون «ذِكْرَاهُمْ» فاعلاً ب «جَاءَتْهُمْ» . وقرأ أبو عمرو في رواية «بَغَتَّةً» بفتح الغين وتشديد التاء.
وهي صفة فنصبها على الحال، ولا نظير لها في الصفات ولا في المصادر، وإنما هي في الأسماء نحو: الجَرَبَّة للجماعة والشَّرَبَّة للمكان. قال الزمخشري: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب: بَغَتَةً بفتح الغين من غير تشديدٍ.
فصل
معنى الآية فمن أين لهم التَّذَكُّر والاتِّعاظ والتوبة إذا جاءتهم ذكراهم أي السّاعة نظيره: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى﴾ [الفجر: ٢٣] .
قوله: ﴿فاعلم أَنَّهُ لَا إله إِلأ الله﴾ وجه مناسبته لما قبله هو أنه تعالى لما قال فاعلم أنه لا
стр. 10848
إله إلا الله أي يأتي بالساعة كما قال: ﴿أَزِفَتِ الآزفة لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧٥٨] . وقيل: فاعلم أنَّه لا إله إلا الله ينفعك، قيل الخطاب للنبي ﷺ َ والمراد غيره. وقيل: معناه فاثْبُتْ عليه. وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: فازدَدْ علماً إلى علمك. وقال أبو العالية وابن عُيَيْنَةَ: معناه إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا مَلْجَأَ ولا مَفْزعَ عند قيامها إلا الله. ثم قال: «فَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» أمرٌ بالاستغفار من أنه مغفور له لِتَسْتَنَّ به أمته. وقيل: معنى قوله لذنبك أي لذَنبِ أهل بيتك الذي ليسوا منك بأهل بيت. وقيل: المراد النبي؛ والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتُنا دون ذلك. قال ﵊ ُ: إنّهُ لَيُعَانُ عَلَى قَلْبِ وَإنّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ.
قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم ﷺ َ أن يستغفر لذنوبهم ﴿والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ قال ابن عباس والضحاك: متقلبكم: مُنْصَرَفَكُمْ ومنْشَرَكُمْ في أعمالكم في الدنيا «ومثواكم» مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار. وقال مقاتل وابن جرير: متقلبكم منصرفكم لأشغالكم بالنهار ومثواكم مأواكم إلى مضاجعكم بالليل. وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم ومقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن ومثواكم مقامكم في القبور، وقيل: معناه أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي هلَاّ. ولا التفات إلَى قول بعضهم إنَّ «لَا» زائدة. والأصل لو نزلت. والعامة على رفع محكمة لقيامها مقام الفاعل. وزَيْدُ بنُ عَلِيٍّ بالنصب فيهما على الحَالِ. والقائم مقام الفاعل ضمير السورة المتقدمة وسَوَّغ وقوعَ الحال كذا وَصْفُها كقولك: الرَّجُلُ جَاءَنِي رَجُلاً صَالِحاً وقرىْ: فَإذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ. وقرأ زيدٌ بْنُ عَلِيٍّ وابنُ عُمَيْر «وَذَكَرَ» مبنياً للفاعل أي الله تعالى «القِتَالَ» نصباً.
стр. 10849
فصل
المعنى ويقول الذين آمنوا حرصاً منهم على الجهاد هلا أنزلت سورة تأمرنا بالجِهاد.
واعلم أن المؤمن كان ينتظرم نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها وإذا تأخرت عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها. وأما المنافق فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف فيشق عليه ذلك فحصل التَّبَايُن بين الفريقين في العلم والعمل.
والمراد بالسورة التي فيها تكليف؟ . وقوله: «مُحْكَمَةُ» أي لم تنسخ، وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ يعنى المنافقين ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ شَزْراً بتحديقٍ شديدٍ كراهِيةً منهم للجهاد، وجبناً عن لقاء العدوِّ.
قوله: ﴿نَظَرَ المغشي﴾ الأصل نَظَراً مثل نَظَراً مثل نَظَر المَغْشِيِّ عليه من الموت كما ينظر الشاخص بصره عنْد الموت.
قوله: ﴿فأولى لَهُمْ طَاعَةٌ﴾ . اختلف اللّغويون وةالمُعْرِبُونَ ﵀ عَلَيْهِمْ) في هذه اللفظة فقال الأصمعي ﵀ : إنها فعل ماضٍ بمعنى قاربه ما يهلكه، وأنشد ﵀ :
٤٤٧٤ - فَعَادَى بَيْنَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وَأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ عَلى الثَّلَاثِ
أي قارب أن يزيد.
قال ثعلب: لم يقل أحدٌ في أوْلَى أحسنت من الأصمعيِّ. وقال البغوي: معناه وَلِيَكَ وَقَرَبَك ما تكره ولكن الأكثرين على أنه اسم. ثم اختلف هؤلاء فقيل هو مشتق من الوَلْي وهو القريب كقوله:
٤٤٧٥ - تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُهَا ... وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنا وَخُطُوبُ
стр. 10850
وقيل: هو مشتق من الوَيْل والأصل فيه أوئل. فقلبت العين إلى ما بعد اللام فصار وزنه أفلع. وإلَى هذا نحا الجُرْجَانيّ والأصل عدم القلب وأما معناها فقيل: هي تهديد ووعيد كقوله:
٤٤٧٦ - فَأَوْلَى ثُمَّ أَولَى ثُمَّ أَوْلَى ... وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ
وقال المبرد: يقال لمن هم بالغضب: أولى لك كقول أعرابيِّ كان يوالِي رمي الصيد فيفلت منه فيقول: ِأَوْلَى لَكَ. ثم رمى صيداً فَقَارَبَهُ فأفلت منه فقال (رَحْمَةُ الله عليه ورِضَاهُ) :
٤٤٧٧ - فَلَوْ كَانَ أَوْلَى يُطْعِمُ الْقَوْمَ صِدْتُهُمْ ... وَلَكِنْ أَوْلَى يَتْرُكُ الْقَوْمَ جُوَّعَا
هذا ما يتعلق باشتقاقه ومعناه.
وأما الإعراب فإن قلنا بقول الجمهور ففيه أوجه:
أحدهما: أن «أولى» مبتدأ (و) «لهم» خبره تقديره: فالهلاك لهم. وسوغ الابتداء بالنكرة كونهُ دُعَاء نحو: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] .
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: العِقَابُ أو الهَلاك أَوْلَى لهم. أي أقرب واَدْنَى. وقال ابنُ الخطيب: التقدير: فالموت أولى لهم؛ لأنَّ الموت سبق ذكره في قوله: ﴿نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ ، وذلك أن الحياة في طاعة الله ورسوله خير منها. ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء أي أولى وأحق بِهِمْ.
стр. 10851
الثالث: أنه مبتدأ و «لهم» متعلق به، واللام بمعنى الباء. و «طاعة» خبره التقدير: أولى بهم طاعة دون غيرها.
وإن قلنا بقول الأصمعي فيكون فعلاً ماضياً، وفاعله مضمر يدل عليه السِّيَاق، كأنه قيل: فأولى هو أي الهلاك.
وهذا ظاهر عبارة الزمخشري حيث قال: ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقال ابن عطية: المشهور من استعمال العرب أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي أحق. وقد تستعمل العرب «أولى لك» فقط على جهة الحذف والاخْتِصَار؛ لما معها من القول فتقول: أولى لك يا فلان على جهة الزجر والوعيد. انتهى.
وقال أبو البقاء: أَوْلَى مؤنثة أَوْلاة. وفيه نظر؛ لأن ذلك إنما يكون في التذكير والتأنيث الحقيقيين؛ أما التأنيث اللفظي وفلا يقال فيه ذلك. وسيأتي له مزيد بيان في القيامة إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قوله: ﴿طَاعَةٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر «أَوْلَى» على ما تقدم.
الثاني: أنها صفة «لِسُورَة» أي فإذا أنزلت سُورَةٌ محكمة «طاعة» أي ذات طاعة أو مطاعة. ذكره مكي، وأبو البَقَاءِ. وفيه بُعْد لكثرة الفواصل.
الثالث: أنها مبتدأ و «قَوْل» عطف عليها والخبر محذوف تقديره: أَمْثَلُ لَكُمْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وقدّر مَكِّيٌّ منَّا طاعةٌ فقدّره مقدَّماً.
الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أمْرُنَا طَاعَةٌ.
الخامس: أن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر. والوقف والابتداء يُعْرَفَانِ مما تقدم.
стр. 10852
فصل
قال المفسرون: قوله: طاعة وقول معروف ابتداء محذوف الخبر، تقديره طاعة وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً كان أمثل وأحسن. وساغ الابتداء بالنكرة، لأنها وُصِفَتْ بدليل قوله: ﴿وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: كاعة مخلصةً وقولٌ معروف خير. وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة، أو منا طاعة وقول معروف: حسن.
وقيلأ: «متَّصل» . واللام في قوله: «لَهُمْ» بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا الله كانت الطاعة والإجابة أولى بهم. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عَطَاءٍ.
قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمر﴾ في جوابها ثلاثة أوجه:
أحدهما: قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ﴾ نحو: إذَا جَاءنِي طَعَامٌ فَلَوْ جِئْتَنِي أَطْعَمْتُكَ.
الثاني: أنه محذوف تقيدره: فَاصْدُقْ، كذا قدره أبو البقاء.
الثالث: أن تقديرنا ناقضوا. وقيل: تقديره كرهوا ذلك. وعَزَمَ الأمْر على سبيل الإسناد المجازي كَقوله:
٤٤٧٨ - قَدْ جَدَّتِ الْحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا ... أو يكون على حذف مضاف أي عَزَمَ أَهْلُ الأمر. وقال المفسرون: معناه إذا جدَّ الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا فلو صدقوا لله في إظهار الإيمان والطاعة لكان
стр. 10853
خيراً لهم. وقيل: جواب إذا محذوف تقديره فإذا عزم الأمر لكلُّوا أو كذبوا فيما وعدو ولو صدقوا لكان خيراً لهم.
قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي فلعلكم إن توليتم أعرضتهم عن القرآن وفارقتم أحكامه ﴿أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ ، تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية تفسدوا في الأرْضِ بالمعيصية والبَغْي وسَفْكِ الدماء وترجعون إلى الفُرْقة بعدما جمعكم الله بالإسلام!
قوله: ﴿أَن تُفْسِدُواْ﴾ خبر عسى.
والشرط مُعْتَرِضٌ بينهما وجوابه محذوف لدلَالَةِ: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» عليه أو هو يفسره «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» ، عند من يرى تقديمه.
وقرأ علي ﵁ «إن تُوُلِّتُمْ» بضم التاء والواو وكسر اللام مبنياً للمفعول من الولاية أي وُلِّيتم أمور الناس. وقال ابن الخطيب: لولا تولَاّكم ولاةٌ ظلمة، جُفاة غَشَمَة ومشيتم معهم لفسدتم وقعطت الأرحام والنبي ﵊ ُ لا يأمركم إلا بصلة الأرحام فلم تتقاعدون عن القتال؟! . والأول أظهر ومعناه إن كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد، وقطع الأرحام وكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك، حيث تَتَقَتَلُونَ على أدنى شيءٍ كما كان عادة العرب الأُوَل. (وقرى: وُليتم من الولاية أيضاً) .
فصل
قال ابن الخطيب: في استعمال «عسى» ثلاثة مذاهب:
أحدها الإتيان بها على صورة فعل ماض معه فاعل تقول: عَسَ زَيْدٌ، وعَسَيْنَا وعَسَوْا، وعَسَيْتُمَا، وعَسَيْتُ وعَسَيْتُنَّ وعَسَيْنَا وعَسَيْتُنَّ.
والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل ومفعول يقال: عَسَاهُ، وعَسَاهُمَا، وعَسَاكَ، وَعَسَاكُمَا وعَسَايَ وعَسَانَا.
стр. 10854
الثالث: الإتيانُ بها من غير أن يُقْرَن بها شيء تقول: عَسَى زَيْدٌ يَخْرُجُ، وعَسَى أَنْتَ تَخْرُجُ، وعَسَى أَنَا أخْرُجُ، والك متوجه ما عليه كلام الله أوجه، لأن «عسى» من الأفعال الجامدة، واقتران الفاعل بالفعل الأول من اقتران المفعول، لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجوزوا فيه أرْبَعَ متحركات في مثل قول القائل: بَصُرْتُ وجوزوا في مثل قولنا: بَصَرُكَ. وقد تقدم الكلام في «عسى» مشْبَعاً.
وفي قوله: «عَسَيْتُم» إلى آخره، التفات من غيبة في قوله: ﴿الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ إلى خطابهم بذلك زيادة في توبيخهم والاستفهام للتقرير المؤكد فإنه لو قال على سبيل الإخبار: «عَسَيْتُمْ إنْ» لكان للمخاطب أنينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام فإنه يقول: أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر (أن) تجيب إلا ب «لا» أو «نَعَمْ» ، فهو مُقَرَّر عندك وعندي.
واعلم أن «عَسَى للتوقع والله عالم بكل شيء والكلام فيه كالكلام في» لَعَلَّ «وفي قوله: ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] فقال بعضهم: يفعل بكم فعل المترجِّي والمبتلي والمتوقع. وقيل: كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. وقال ابن الخطيب: هو محمول على الحقيقة؛ لأن الفعل إذا كان في نفسه متوقعاً فالنظر غير مستلزم لأمر، وإِنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة، ولا يحصل منه أخرى يكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجِّي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه أو لم يعلم مثاله من نَصَبَ شَبَكةً لاصطياد الصَّيد يقال: هو متوقع لذلك، فإن حصل له العمل بوقوعه فيه بأخبار صادقٍ أنه سيقع أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع.
غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فظن أن عدم العلم لازم للتوقع فليس كذلك بل التوقع
стр. 10855
هو المنتظر بأمر ليس بواجب الوقوع نظراً إلى ذلك الأمر حسب سواء كان له به علم أو لم يكن.
قوله: ﴿وتقطعوا﴾ قرأ العامة بالتشديد على التكثير، وأبو عمرو في رواية وسلام ويعقوب: بالتخفيف مضارع قَطَع. والحَسن: بفتح التاء والطاء مشددة، أصلها تَتَقَّطُعُوا بتاءين حذفت إحداهما. وانتصب «أَرْحَامَكُم» على هذا إسقاط الخافض أي في أرْحَامِكُمْ.
следующие страницы →