← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال قتادةُ: والحَسَنُ، ومُجَاهِدٌ - رضي الله تعالى عنهم -: «جميعُ المخلوقينَ» ؛ قال ﵎: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] . واشْتِقَاقُه من العَلمِ والعَلَامَةِ، سُمُّوا بذلك؛ لظُهورِ أَثَرِ الصنعة فيهم. قال أَبُو عُبَيد - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: هم أرْبَعُ أُمَم: والإنسُ، والجِنُّ، والشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ من العلم، ولا يُقَال للبهائِمِ؛ لأنها لا تَعْقِلُ. واخْتَلَفُوا في مبلغِهِم. قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّب ﵁: «للهِ ألْفُ عَالَمٍ: سِتُّمائةٍ في البَحْرِ، وأربعمائة في البرِ» .

стр. 107

وقال مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان ﵁: «ثَمانُونَ أَلْفاً، أَرْبَعُون ألفا في البَحْرِ، وأربعونَ ألفا في البَرِّ» . وقال وَهْبٌ ﵁: «لله ثَمَانِيَةَ عَشرَ ألفَ عَالَمٍ، الدّنيا منها، وما العمران في الخَرَابِ إلا كفُسطاطٍ في صَحْراء» . وقال كَعْبُ الحبارِ ﵁: «لا يُحْصي عَدَدَ العَالَمِين إلاّ اللهُ » ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣ ١] . قوله تعالى : ﴿الرحمن الرحيم﴾ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ - وقرئا منصوبين، ومَرْفُوعَيْنِ، وتَوْجِيهُ ذلك ما ذكر في: ﴿رَبِّ العالمين﴾ ، وتقدم الكلام على اشْتِقاقِهما في «البَسْمَلَةِ» فَأَغْنَى عن إِعَادَتِه. قوله تعالى: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ يجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً أيضاً، أوْ بَدَلاًَ، وإن كان البدلُ بالمشتقِّ قليلاً، وهو مُشْتَقٌّ من «المُلْك» - بفتح الميم - وهو: الشَّدُّ والرَّبْطُ، قال الشاعرُ في ذلك: [الطويل] ٤٩ - مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا ومنه: إِمْلَاكُ العَرُوسِ؛ لأنّه عَقْدٌ، ورَبْطٌ، للِّنِكاحِ.

стр. 108

وقُرِىءَ: «مَالِك» بالألَفِ. قال الأَخْفَش - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - يُقال: مَلِك بَيَّنُ المُلْكِ - بضم الميم، و «مَالِك» من «المَلِكِ» بفتح الميم وكسرها. ورُويَ ضمُّها - أيضاً - بهذا المعنى. وروي عن العربِ: «لِي في هَذَا الوَادي مَلْكٌ ومُلْكٌ ومِلْكٌ» مُثَلَّثُ الفاء، ولكن المعروفَ الفرقُ بَيْنَ الأَلْفَاظِ الثَّلاثَةِ: فالمفْتُوح: الشَّدُّ والرَّبْطُ. والمضْمُومُ: هو القَهْرُ والتسلُّطَ على من يتأتّى منه الطَاعَةُ، ويكون باسْتِحْقَاقٍ وغَيْرِه، والمقصور: هو التَّسَلُّطَ عَلَى مَنْ يتأتّى منه الطاعة ومَنْ لا يتأتى منه، ولا يكونُ إلَاّ باستحقاقٍ؛ فيكونُ بَيْنَ المقصورِ والمضمُُومِ عمومٌ وخُصوصٌ من وجه. وقال الرَّاغِبُ: المِلْكُ أي «بالكَسْرِ» كالجِنْسُ للملك، أي «بالضَّم» فكُلُّ مِلْكٍ «بالكسر» ملك، وليس كُلُّ ملكٍ مِلْكاً، فعلى هذا يكُونُ بينما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وبهذا يُعْرَفُ الفرقُ بين ملك ومالك، فَإِنَّ ملكاً مأْخُوذَةٌ مِنَ المُلْكِ بالضمِ ومالِكا مأخوذ من المِلك «بالكَسْرِ» وقيل: إنَّ الفرقَ بينهما: أنَّ المَلِكَ: اسْمُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ السياسة، إِمَّا في نَفْسِه، بِالتمكُّنِ مِنْ زمام ِ قواه وصرفها عَنْ هَوَاهَا. وإِمَّا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، سَوَاءٌ تولى ذلك أَوْ لَمْ يتولّ. وقد رَجَّحَ كُلُّ فَرِيقٍ إِحْدَى القِرَائَتَيْنِ على الأُخْرَى تَرْجِيحاً يكادُ يسقط القِرَاءَاتِ الأُخْرَى، وهذا غَيْرُ مَرْضيٍّ؛ لأنَّ كِلْتَيْهِما مُتَوَاتِرةٌ، ويدلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ثَعْلَب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - أنه قال: إِذَا اخْتَلَفَ الإِعْرَابُ في القرآن عن السَّبعةِ، لم أُفَضِّلُ إِعْرَابَاً على إعراب في القرآنِ، فإذا خرجتُ إلى كلامِ الناسِ، فصَّلْتُ الأَقْوَى. نقله أَبُو عَمْرو الزّاهد في «اليَوَاقيت» . قال أَبُو شَامَة ﵀: - قَدْ أَكْثَر المُصَنِّفُونَ في القراءَات والتفاسِيرِ مِنَ التّرْجِيحِ

стр. 109

بَيْنَ هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ، حتى أن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، ولَيْسَ هذا بِمَحْمُودٍ بعد ثُبُوتِ القِرَاءَتَيْنِ، وصحَّةِ اتصافِ الربِّ بهما حتى إني أُصَلِّي بهذه في رَكْعَةٍ، وبهذه في رَكْعةٍ، ذكر ذلك عند قَوْلِهِ تعالى: مَالِك يَوْمِ الدِّين. وَرَوى الحُسَيْنُ بنُ عَليٍّ الجعفي، وعبدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ، عَنْ اَبِي عَمْروٍ: «مَلْكِ» بِجَزْمِ اللَاّمِ على النَّعْتِ أيضاً. وقرأ الأَعْمَشُ، ومحمدُ بنُ السّمفيع، واَبُو عَبْد الملك قاضي الجُنْد: «مَالِكَ» بنصب الكاف على النِّداءِ. روي أن النبي ﷺ َ قال في بعض غزواته: يا مالك يوم الدين، وقُرىء بنصبِ الكَافِ من غير ألف النداء أيضاً، وهي قراءةُ عَطِيَّةَ بن قَيْس، وقرأ عَوْن

стр. 110

العُقَيْلِيُّ بالأَلَف وَرَفْعِ الكَاف، على مَعْنَى: «هُوَ مَالِك» . وقرأَ يَحْيَى بنُ يَعْمُر «مالك» بالإمالة والإضجاع البليغ. وقرأ أيُّوبُ السَّخْتيَانِيّ: بَيْنَ الإمَالةِ والتّفْخِيم، ورواها قُتَيْبَةُ عنِ الكِسَائي. وقرأ الحَسَنُ «مَلَك يَوْمَ الدِّين» على الفِعْلِ، وهو اختيارُ أبِي حَنِيفَة - رضي الله تعالى عنه - ورُويتْ أيضاً عَنْ أَبِي حَيْوَة، ويَحيَى بن يعمر فمما رجحت به قراءة «مَالِكِ» أَنَّها أمْدَحُ؛ لعُمُوم إضافَتِه، إذ يُقالُ: «مَالِكُ الجِنِّ، والإِنْسِ، والطَّيْرِ» ولا يُقالُ: «مَلِك الطّيْرِ» ، وأنشدوا على ذلك: [الكامل] ٥٠ - سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ [الوُجُوهُ] لِوَجْهِهِ ... مَلِكِ المُلُوكِ وَمَالِكِ العَفْوِ وقالُوا: فُلَانُ مَالِك كَذَا، لِمَنْ يَمْلِكُه، بخلافِ مَلِك فَإِنَّهُ يُضَافُ إلى غَيرِ المُلُوكِ

стр. 111

نحو: «مَلِكِ العَرَب، والعَجَمِ» ، ولأَنَّ الزيادةَ في البناءِ تَدُّلُّ على الزيادةِ في المعنى، كما تقدم في «الرحمن» ولأنَّ ثواب تالِيها أَكثرُ من ثوابِ تَالِي «مَلِك» . ومما رُجِّحَتْ به قراءَةُ «مَلِكِ» ما حكاه الفَارسيّ، عن ابن السّرَّاجِ، عَنْ بَعْضِهِم: أنه وصف [نَفْسَه] بِأنه مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، بقوله: «رَبِّ العَالَمينَ» ، فَلا فَائِدَةَ في قراءَةِ مَنْ قَرَأَ «مَالِكِ» ؛ لأنها تَكْرَارٌ. قال أَبُو عَليٍّ: ولا حُجَّةَ فِيه؛ لأنَّ في التَّنْزِيلِ مِثْلهُ كَثِيرٌ، يَذْكُرُ العَامَُّ، ثُمَّ الخَاصُّ؛ نحو: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء المصور﴾ [الحشر: ٢٤] . وقال حَاتم: «مَالِكِ» أَبْلَغُ في مَدْحِ الخَالِقِ، و «مَلِكِ» أَبْلَغ في مَدْحِ المَخْلُوقِ، والفرق بَيْنَهُمَا: اَنَّ المَالِكَ مِنَ المخلوقين قد يَكُونُ غيرَ مَلِكٍ، وإذا كَانَ اللهُ - تعالى - مَلِكاً كان مالكاً [أيضاً] واختاره ابنُ العَرَبيِّ. ومِنْهَا: أَنَّها أَعَمُّ إذ تُضَافُ للملوكِ وغَيْرِ المَمْلوكِ، بخلاف «مَالِكِ» فإنه لا يُضَاف إلَاّ لِلْمملوكِ كما تقدم، ولإشْعَارِه بالكثرةِ، ولأنه تَمَدَّحَ تعالى - بقوله تعالى - «مَالِكِ المُلْكِ» ، وبقوله تعالى: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك﴾ [آل عمران: ٢٦] ، ومَلِكق مأخوذٌ منه [كما تقدّم، ولم يمتدح ب «مالك المِلْك» بكسر الميم الذي «مالك» مأخوذ منه] . وقال قَوْمٌ: «مَعْنَاهُمَا: واحِدٌ؛ مثلُ: فَرِهين وفَارِهِين، وحَذِرِين وحَاذِرِين» . ويُقالُ: المَلِكِ والمالِكِ: هو القَادِرُ على اختراع الأعيان من العَدَمِ إلى الوجود، ولا يَقْدِرُ عليه

стр. 112

أحد غير الله تعالى. وجمع «مَالِكِ» : مُلَاّك ومُلَّك، وجَمْعُ «مَلِك» : أَمْلَاك ومُلُوك. وقُرِىء: «مَلْك» بسكون اللاّم، ومنه قول الشاعر: [الوافر] ٥١ - ... - وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍ طوَالٍ عَصَيْنَا المَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا كما يُقالُ: فَخِذٌ وفَخْذٌ، وجَمْعُه على هذا: أَمْلُك ومُلُوك، قاله مَكِّيٌّ ﵀. و «مَلِيك» ، ومنه: الكامل ٥٢ - فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ المَلِيكُ فَإِنَّمَا ... قَسَمَ الخَلَائِقَ بَيْنَنَا عَلَاّمُهَا و «مَلَكي» بالإشْبَاعِ، وتُرْوَى عن نَافِع ﵀. إذا عُرِفَ هذا فيكونُ «مَلِك» نعتاً لله - تعالى - ظاهراً، فإنه معرفة بالإضافة. وأما «مَالِك» فإِنْ أُرِيدَ به مَعْنَى المُضّيِ، فجعلُه نَعْتاً واضِحٌ أيضاً؛ لأن إضافَتَه مَحْضَة فيتعرَّفُ بها، ويُؤيّد كونَهُ ماضِيَ المَعْنَى قِراءةُ من قرأ: «مضلَكَ يَوْمَ الدِّينِ» فجعل «مَلَكَ» فِعْلاً مَاضِياً، وإن أُرِيد به الحالُ، أو الاستقبالُ [فَيُشَكِلُ؛ لأنه: إِمَّا أنْ يُجْعَلَ نعتاً لله، ولا يجوزُ؛ لأنَّ إضافَةَ اسمِ الفاعلِ بمعنى الحالِ، أو الاستقبال] غَيْرُ محضةٍ، فلا

стр. 113

يُعْرَف، وإذا لم يتعرَّفْ، فلا يكون نعتاً لمعرفةٍ؛ لما عرفت فيه تقدم من اشتراط الموافقة تَعْرِيفاً وتنكيراً. وإِمَّا أنْ يُجْعَلَ بَدَلاً، وهو ضَعيفٌ، لأن البدل بالمشتقاتِ نادِرٌ كما تقدم. والذي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنه نعت على مَعْنَى أنَّ تَقْييدَهُ بالزمانِ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ؛ لأَنَّ الموصوفَ إِذَا عُرِّفَ بِوَصْفٍ كان تقييدُه بزمانٍ غير معتبرٍ، فكان المعنى - والله أعلم - أنه متَّصِفٌ بمالك يوم الدِّين مطلقاً من غير نظر إِلَى مُضِيٍّ وَلَا حَالٍ، ولَا اسْتِقْبالٍ، وهذا مَالَ إلَيهِ الزمخشريُّ رحمة الله تعالى. وإضافَةُ «مَالِكِ» و «مَلِكِ» إلى «يَوْمِ الدِّينِ» مِنْ بَابِ الاتِّساعِ؛ إذْ متعلّقهما غيرُ اليومِ، والتقديرُ: مَالِكِ الأَمْرِ كُلِّهِ يَوْم الدِّينِ. ونظيرُ إِضَافَةِ «مَالِكٍ» إلى الظَّرْفِ - هُنَا - نَظِيرُ إِضَافَةِ «طَبَّاخٍ» إلى «ساعات» في قول الشاعر: [الرجز] ٥٣ - رُبَّ ابْنِ عَمِّ لِسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ ... طَبَّاخِ سَاعَاتِ الكَرَى زَادَ الكَسَلْ إِلَاّ أَنَّ المَفْعُولَ في البيت مَذْكُورٌ - وهو «زادَ الكَسِلْ» ، وف الآية الكريمةِ غيرُ مذكورٍ؛ للدلَالةِ علَيه.

стр. 114

ويجوزُ أَنْ يكونَ الكَلَامُ [على ظاهِرِه] من غيرَ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. ونسْبَةُ «المِلك» والمُلْك «إلى الزمان في حَقِّ اللهِ - تعالى - غَيْرُ مُشْكِلِةٍ، ويُؤيِّدُه ظاهرُ قِرِاءَةِ مَنْ قَرأ:» مَلَكَ يَوْمَ الدّين «فِعْلاً ماضياً، فإن ظاهِرَهَا كونُ» يَوْمَ «مَفْعُولاً به والإضافةُ على مَعْنَى» اللامِ «، لأنَّها الأصل. ومِنْهم مضنْ جَعلها في هذا النحو على معنى» في «مُسْتَنِداً إلَى ظاهِرِ قَولِهِ ﵎: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] قال: المعنى» مَكْرٌ في اللَّيْلِ «إذ اللَّيلُ لَا يُوصَفُ بالمكرِ، إنما يُوصَفُ بِه العُقَلَاءُ، فالمَكْرُ واقِعٌ فيه. والمشهورُ أَنَّ الإضافَةَ: إِمَّا على معنى» اللامِ «وإما على مَعْنى [مِنْ] ، وكونٌُها بمعنى» في «غَيْرُ صَحِيحٍ. وأَمَّا قولُه تعالى:» مَكْرُ اللَّيْلِ «فلا دَلَالَةَ فِيه؛ لأنَّ هذا من بَابِ البَلَاغَةِ، وهو التَّجوزُ في أَنْ جَعَلَ ليلهم ونهارهم ماكِرَيْنِ مبالغةً في كَثْرة وقوعه منهم فيهما؛ فهو نَظيرُ قَوْلِهِمْ: نَهَارُهُ صَائِم، ولَيْلُهُ قَائِم؛ وقول الشاعر في ذلك البيت: [البسيط] ٥٤ - أَمَّا النَّهَارُ فَفِي قَيْد وَسِلْسِلَةٍ ... وَاللَّيْلِ فِي بَطْنِ مَنْحُوتٍ مِنَ السَّاجِ لما كانت هذه الأشياءُ يكْثُر وقُوعها في هذه الظروفِ، وَصَفُوهَا بها مُبَالغةً في ذلك، وهو مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ في كَلَامِهِمْ. و «اليَوْمُ» لُغَةً: القِطْعَةُ مِنَ الزَّمَانِ، أيَِّ زَمَنٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ وَنَهار؛ قال الله ﵎: ﴿والتفت الساق بالساق إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ [القيامة: ٢٩ و٣٠] وذلك كنايةٌ عن احتضار الموتى، وهو لا يختَصُّ بِلَيْلٍ ولا نَهَار. وأما في العُرْف: فهو من طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشمس. وقال الرَّاغِبُ: «اليوم» يُعَبَّرُ به عن وَقْتِ طُلُوعِ الشمسِ إلى [غُرُوبِها] . وهذا إنَّما ذكرُوهُ في النَّهارِ لا في اليَوم، وجعلوا الفرقَ بينهما ما ذكرتُ، وقد يُطْلَقُ اليوم على السَّاعةِ، قال ﵎: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وربما عُبِّرَ عَنِ الشِّدَّةِ باليومِ، يُقالُ يَوْمٌ أَيَوْمٌ؛ كما يُقالُ: لَيْلَةٌ لَيْلَاءُ. ذكره القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى. و «الدِّينِ» مضافٌ إِلَيْه أَيْضاً، والمرادُ به - هنا - الجَزَاءُ؛ ومنهُ قولُ الشاعر: [الهزج] ٥٥ - وَلَمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَا ... نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا

стр. 115

أي: جَازيْنَاهُمْ كما جَازَوْنَا. وقال آخَرُ في ذلك: [الكامل] ٥٦ - وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّ مُلْكَكَ زَائلٌ ... وَاعْلَمْ بَأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ومثله: [المتقارب] ٥٧ - إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُمُ ... وَدِنَّاهُمْ مِثْلَ مَا يَقْرِضُونا ومثله [الطويل] ٥٨ - حَصَادَكَ يَوْمَاً مَا زَرَعْتَ وإِنَّمَا ... يُدانُ [الفَتَى] يَوْماً كَمَا هُوَ دَائِنُ وقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - ومُقاتِلٌ والسُُّدَّيِّ: «مَالِكِ يَوْمِ لدِّينِ» : قَاضِي يَوْمِ الحِسَابِ؛ قال تعالى: ﴿ذلك الدين القيم﴾ [التوبة: ٣٦] . أي الحسابُ المستقيمُ. وقال قَتَادَةُ: «الدِّين: الجَزَاءُ ويقعُ على الجزاءِ في الخَيْرِ والشَّرِّ جمِيعاً» . وقال مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِي: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّين، يوم لا ينفعُ فيه إلَاَّ الدِّين» .

стр. 116

وقيل: الدين القَهْرُ: يُقالُ: دِنْتُهُ فَدَانَ أي: قَهَرْتُهُ فذلّ. وقيل: الدينُ الطاعَةُ؛ ومنه: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً» ، أيْ: طَاعَةٌ، وله مَعَاٍ أُخَرُ: العادَةُ؛ كقولِهِ هذا البيت: [الطويل] ٥٩ - كَدِينِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلِهَا ... وَجَارَتِهَا أُمِّ الرِّبابِ بمَأْسَلِ أَيْ: كَعَادَتِكِ. ومثله: [الوافر] ٦٠ - تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهَذَا دِينُهُ أَبَداً وَدينِي ودَانَ: عَصَى وأطاعَ: وذَلَّ وعَزَّ، فهو من الأضدَادِ [قاله ثعلب] . والقضاءُ؛ ومنه قولُه ﵎: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: ٢] ، أَيْ: في قَضَائِهِ وحُكْمِهِ. والحَالُ؛ سُئِلَ بعضُ الأعرابِ فقال: «لو كنتُ على دِينٍ غير هذه، لأَجَبْتُكَ» ، أَيْ: على حَالَةٍ. والدَّاءُ؛ ومنه قولُ الشاعرِ في ذلك: [البسيط] ٦١ - يَا دِينَ قَلبِكَ مِنْ سَلْمَى وَقَدْ دِينَا ... ويُقالُ: جِنْتُهُ بفعله أَدِينُه دَيْناً أَدِينُه دَيْناً وَدِيناً - بفتح الدَّال وكَسْرِها في المصدر - أيْ: جَازَيْتُه. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] . ويُقَالُ: دِينُ فُلَانٌ يُدَانُ إذا حُمِلَ على مَكْروهٍ، ومنه قِيل للعبدِ: مَدِين، ولِلأَمَةِ: مَدِينَة. وقِيل: هو من دِنْتُهُ: إذا جازيته بطاعته، وجعل بعضُهم «المَدِينَة» مِنْ هذا البابِ قاله الرَّاغِبُ، وسيأتي تحقيقُ هذه اللفظةِ عند ذكرها إِن شاء الله تعالى.

стр. 117

وإنما خُصَّ «يوم الدين» بالذكر مع كونِه مالِكا للأيّام كُلِّها؛ لأنَّ الأَمْلَاكَ يومئذَ زائِلة، فلا مُلْكَ ولَا أَمْرَ إِلَاّ لَه؛ قال الله تعالى: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾ [الفرقان: ٢٦] ، وقال: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] ، وقال تعالى: ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] . فصل فيمن قرأ بالإدغام هنا قرأ أَبُو عَمْرو - رَحِمَهُ اللهُ تعالى: - «الرَّحِيم ملك» بإدغام الميمِ في الميمِ، وكذلك يُدْغِمُ كُلُّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَخْرج واحد، أو [كانا] قرِيبَي المَخْرج، سواءٌ كانَ الحرفُ سَاكِناً أَوْ مُتَحَرِّكاً، إلاُّ أَنْ يَكُونَ الحرفُ الأوَّلُ مُشَدَّداً، أَوْ مُنَوَّناً، أَوْ مَنْقُوصاً أَوْ مَفْتُوحاً، أوْ تَاءَ الخِطَابِ قبلَه ساكِن في غَيْرِ المِثْلَين، فإنه لا يدغمها وإدغامُ المتحرك يَكُونُ في الإدغَامِ الكَبيرِ، وافَقه حَمْزَة من إدغام المتحركِ في قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ﴾ [النساء: ٨١] [الصافات: ١ و٢ و٣] ، ﴿والذاريات ذَرْواً﴾ [الذاريات: ١] . وأَدْغَمَ التاءَ فيما بعدَها من الحُرُوف وافَقَهُ حَمْزَةُ بروايةَ رَجَاء، وخَلَف،

стр. 118

والكِسَائِي [في إدغام الساكن في المتحرك] إِلَاّ في الراءِ عند اللام، والدال عند الجيم، وكذلك لا يُدْغِمُ حَمْزَةُ الدَّالَ عند السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلاّ في أحرف معدودة. فصل في كلام القدرية والجبرية قال ابنُ الخَطِيب: قالتِ القدريَّةُ: إن كان خَالِقَ أَفْعالِ العبادِ، هو الله - تعالى - امتنع القول بالثواب، والعقاب، والجزاءِ، لأن الثوابَ للرّجل على ما لم يعملْ عَبَث، وعقابه على ما لم يعمل ظُلْمٌ وعلى هَذا التقديرِ، فيبطل كونه مَالِكاً ليوم الدين. وقالت الجبريةُ: لو لم تَكُنْ أعمالُ العبادِ بتقدير الله وترجيحه، لم يكن مالكاً لها، ولما أَجْمَعَ المسلِمُون على كونه مَالِكاً للعباد، ولأعمالِهم، عَلِمْنَا أَنَّهُ حالقٌ لها مقدرٌ لَهَا.

стр. 119

إِيَّاكَ: كلمة ضمير خُصَّت بالإضافةِ إلى المُضْمَر، ويُسْتَعْمل مقدماً على الفعل، وإيَّاكَ أَسْأَلُ؛ ولا يُسْتَعْمَلُ مؤخراً إلاّ منفصلاً؛ فيُقال، ما عنيتُ إلَاّ إِيَّاكَ. وهو مفعولٌ مُقَدَّمٌ على «نعبد» قدِّم للاختصاصِ، وهوَ واجِبُ الانفصالِ. واخْتَلَفُوا فيه: هَلْ هو مِنْ قَبِيل الأسماءِ الظاهرة أو المضمرة؟ فالجمهورُ: على أنه مُضْمَرٌ. وقال الزَّجَّاجُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو اسمٌُ ظاهر. والقَائِلُون بأَنَّهُ ضميرٌ اخْتَلَفُوا فيه على أربَعةِ أقوالٍ: احدُهما: أنه كلمةُ ضَمِيرٍ. والثاني: عَلَى أَنَّ «إِيَّا» وَحْدَهُ ضَمِيرٌ، وما بَعْدَهُ اسمٌ مُضَافٌ إليه يبيّن ما يُرادُ به [من تكلّم وغيبة وخطاب] . وثَالِثُها: أَنَّ «إِيَّا» وحده ضميرٌ، وما بعده حُرُوفٌ تبين ما يُرادُ به [من تكلم وغيبة وخطاب] .

стр. 120

ورابعُها: أَنَّ «إيَّا» عمادٌ وما بعده هو الضميرُ، وشذّت إضافته إلى الظاهِرِ في قولِهِم: «إذا بلغ الرَّجُلُ السِّتِّينَ، فإياه وإيَّايَ الشَّواب» بِإضَافَةِ «إيَّا» إلى «الشواب» ، وهذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الكَافَ، والهاء، والياء في محلّ جر، إِذا قُلْتَ: «إِيَّاكَ إِيَّاه إِيَّايَ» وقد اَبْعَدَ بعضُ النَّحوِيِّينَ، فجعل له اشْتِقَاقَا، ثمَّ قال: هَلْ هو مشتقٌّ من «أَوَّ» ؛ كقول الشاعر في ذلك: [الطويل] ٦٢ - فَأوِّ لِذِكْرَاهَا إِذَا ما ذَكَرْتُهَا..... ... ... ... ... ... . أَوْ منْ «آيَة» ؛ كقوله [الرجز] ٦٣ - لَمْ يُبْقِ هَذَا الدَّهْرُ مِنْ آيَائِهِ ... وهل وَزْنُه: «إفْعَل، أو فَعِيل، أو فَعُول» ثم صَيَّره التصريفُ إلى صِيغةِ «إيَّا؟ وهذا الذي ذكره لا يُجْدِي فائدةً، مع أنَّ التصريفَ والاشتقاق لَا يَدْخُلان في المتوغِّل في البناءِ وفيه لُغاتٌ: أَشْهَرُها: كَسْرُ الهمزةِ، وتَشْدِيدُ اليَاءِ، ومنها، فَتْحُ الهمزةِ وإبدالها هاء مع تشديدِ الياءِ وتَخْفِيفها؛ قال الشَّاعر: [الطويل]

стр. 121

٦٤ - فَهِيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذي إِن الَّذِي إِنْ تَرَاحَبَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلِيْكَ مَصَادِرُهْ وقال بعضُهم:» إيَّاكَ «بالتَخْفِيفِ مرغوبٌ عنه؛ لأنه بَصيرُ:» شَمْسَك نعبد «؛ فإِنَّ إِيَاةَ الشمسِ: ضَوْؤُها - بكسر الهَمْزةِ، وقد تُفْتَحُ. وقيل: هي لها بمنزلةِ الهَالةِ للقمر، فإذا حذفت التاءَ، مَدَدْتَ؛ قال: [الطويل] ٦٥ - سَقَتْهُ إِيَاءُ الشَّمسِ إِلَاّ لِثَاتِه ... أُسِفَّ فَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بإثْمِدِ وقد قٌرِىءَ ببعضِهَا شَاذَّاً. وللضَّمائِرِ تَقسيمٌ مُتَّسِعٌ لا يحتمله هذا الكتاب، وإنما يأتي في غُضُونِه ما يليقُ به. و» نَعْبُدُ «فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ؛ لتجردِه من الناصبِ والجازِم، وقيل: لوقوعِه موقعَ الاسمِ، وهذا رأيُ البصريين. ومعنى المضارع المشابه، يعني: أنه أشبه الاسمَ في حركاتِهِ، وسكناتِهِ، وعدَدَ حُرُوفِهِ، ألَا تَرَى أَنَّ» ضَارِباً «يُشْبِهُ» يَضْرِب «فيما ذكرت، وأنه يشيع ويختصُّ في الأزمانِ كما يشيعُ الاسمُ، ويختص في الأَشْخاصِ، وفَاعِلُهُ مستترٌ وُجُوباً لما مرَّ في الاستعاذة. والعبادَةُ: غايةُ التذللِ، ولا يستحقُّها إلا مَنْ له غاية الإفْضَالِ، وهو الباري - تعالى - وهو أبلغ من العُبُودِيَِّة إظهار التذلُّلِ، ويُقالُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ، أَيْ: مُذَلَّلٌ بالوطْء فيه. وقال طَرَفة في ذلك: [الطويل] ٦٦ - تُبَاري عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وَأُتْبِعَتْ ... وَظِيفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ

стр. 122

ومنه: العَبْدُ؛ لِذلَّتِهِ، وبَعيرٌ معبَّدٌ: أَيْ مُذلَّلٌ بِالقَطْرَان. وقيل: العبادةُ التَّجَرُّدُ، ويُقالُ: عَبَدْتُ اللهَ - بالتخفيف فقط - وعَبَّدْتُ الرجل - بالتشديدِ فقط، أَيْ: ذللتُه، واتخذتُه عبداً. وفي قوله تعالى: «إيَّاكَ نَعْبُد» التفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطَابِ، إِذْ لو جرى الكلامُ على اصله، لَقِل: الحمد لله، ثم قيل: إيَّاهُ نَعبدُ، والالتفاتُ: نوعٌ مِن البلاغَةِ. قال ابنُ الخَطيب ﵀: والفائدةُ في هذا الالتفاتِ وجوه: أحدُها: أن المصلِّي كان أَجْنَبِيَّاً عند الشروعِ في الصَّلاةِ، فلا جَرَمَ أَثْنَى على الله - تعالى - بألفاظ الغيبة، إلى قوله: «يَوْمِ الدِّينِ» ، ثم إنه تعالى كأنه قال له: حَمَدْتَنِي وأَقْرَرْتَ بكونِي إلهاً، ربَّا، رحماناً، رحيماً، مالكاً ليوم الدين، فَنَعْمَ العبْدُ أنت، فرفعنا الحجابَ، وأبدلنا البُعْدَ بالقُرْبِ، فتكلّم بالمخاطبة وقل: إياك نعبد. الثاني: أنّ أحسنَ السؤالِ ما وقع على سبيلِ المُشَافَهَةِ، [والسبب فيه أن الردَّ مِنَ الكريمِ إذا سُئِلَ] على سبيل المشَافهة والمخاطبة بَعِيدٌ. ومن الالتفاتِ - إلاّ كونه عَكْسَ هذا - قولُه ﵎: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] ولم يَقُلْ: «بكم» ؛ وقد التفتَ امرؤ القَيْسِ ثَلاثَ التفاتاتٍ في قوله: [المتقارب] . ٦٧ - تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بَالأَثْمُدِ ... وَنَامَ الخَلِيليُّ وَلَمْ تَرْقُدِ وَبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ ... كَلَيْلَةٍ دِي العَائِرِ الأرْمَدِ وَذَلِكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءنِي ... وَخُبِّرْتُهُ عَن أَبِي الأَسْوَدِ وقد خطَّأَ بعضُهم الزمخشريَّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - في جَعْلِهِ هذا ثَلاثةَ التفاتَاتٍ، وقال: بل هما التفاتان: أحدُهما: خُروجٌ مِنَ الخِطابِ به في قولِهِ: «لَيْلُك» ، إلى الغَيْبَةِ في قوله: «وبَاتَتْ له لَيْلَةٌ» . والثاني: الخروجُ من هذه الغيبةِ إلى التكلِّم، في قولِه: «مِنْ نَبَأ جَاءَنِي وخُبِّرْتُهُ» .

стр. 123

والجوابُ: أَنَّ قولَه أَوّلاً: «تَطَاوَلَ لَيْلُك» فيه التفاتٌ؛ لأنه كان أصل الكلامِ أَنْ يقولَ: «تطاول لَيْلِي» ؛ لأنه هو المقصودُ، فالتفتَ مِنْ مقامِ التكلُّمِ إلى مقامِ الخِطَابِ، ومن مقامِ الخِطَابِ إلى الغيبة، ثمَّ مِنَ الغيبةِ إلى التكلُّمِ الذي هو الأصل. وقُرِىءَ شاذّاً: «إِيَّاكَ يُعْبَدُ» على بنائِهِ للمفعول الغائب؛ ووجهُها على إشْكَالِها: أن فيها استعارةً والتفاتاً: أما الاستعارةُ: [فإنه استُعِير] فيها ضميرُ النصبِ لضمير الرفْع، والأصل: أنت تُعْبَدُ، وهو شائع؛ كقولِهم: «عَسَاكَ، وعَسَاهُ، وعَسَانِي» في أحدِ الأقوالِ؛ وقول الآخر: [الرجز] ٦٨ - يا ابْنَ الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا ... وَطَالَمَا عَنِّيْتَنَا إِلَيْكَا فالكافُ في «عَصَيْكَا» نائبةٌ عن التاءِ، والأصل: «عَصَيْتَ» . وأما الالتفاتُ: فكان من حقِّ هذا القارئ أَنْ يَقْرَأَ: «إِيَّاكَ تُعْبَدُ» بالخطابِ، ولكنه التفت من الخطاب في «إِيَّاكَ» إلى الغَيْبَةِ في «يُعْبَدُ» إلاّ أن هاذ الالتفاتَ غَريبٌ؛ لكونِهِ في جُمْلةٍ واحدةٍ، بخلاف الالتفاتِ المتقدّمِ؛ ونظيرُ هذا الالتفات قولُه: [الطويل] ٦٩ - أَأَنْتَ الهِلَالِيُّ الَّذي كُنْتَ مَرَّةً ... سَمِعْنَا بِهِ وَالأَرْحَبِيُّ المُغَلَّبُ فقال: «بِهِ» بعد قوله: «أَنْتَ» و «كُنْتَ» . و «إِيَّاكَ» واجبُ التقديم على عامله؛ لأَنَّ القاعدَةَ أَنَّ المفعولَ به إذا كان ضميراً - لو تأخر عم عامله - وجب اتصالُهُ «، من نحو:» الدرهم إياه أعطيتك «لأنك لو أخرتَ الضميرَ هنا فقلتَ:» الدِّرْهَمُ أَعْطَيُكَ إِيَّاهُ «لم يَلْزَم الاتصالُ، لما سيأتي بل يجوزُ:» أعطيتكَهُ «.

стр. 124

فصل في معنى العبادة قال ابنُ الخَطيب رَحِمَهُ اللهُ تعالى: العبادةُ عبارةٌ عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تَعْظِيم الغَيْرِ، من قولهم: طريقٌ مُعّبَّدٌ، أَيْ: مذلَّلٌ، فقوله: إيَّاكَ نَعْبُدُ، معناه: لا أعبد أحداً سواك، ويدلُّ على هذا الحصر وجوه: فَذّكَر من جملتها: تسميَة الله، والرب، والرحمن، والرحيم، ومالك يوم الدين، وكونَهُ قادراً بان يُمسِكَ السّماءَ بلا إعانة، وأَرْضاً بلا دِعَامة، ويُسَيِّرُ الشمسَ والقمر، ويسكن القُطْبَيْن، ويخرجُ من السَّماء تارة النَّارَ؛ وهو البرق، وتارة الهواءَ؛ وهو الريح، وتارة الماء؛ وهو المطر. وأما في الأرضِ فتارةً يُخْرج الماء من الحَجَرِ؛ وتارةً يُخْرج الحجرَ من الماء؛ وهو الجمد، ثم جعل في الأرض أجساماً مُقيمةً لا تسافر؛ [وهي الجبال] ، وأجساماً مسافرة لا تقيم؛ وهي الأنهار، وخسف بقارون فجعل الأَرضَ فَوْقَهُ، ودفع محمداً ﵊ ُ - إلى قَاب قَوْسَيْن، وجعل الماء ناراً لى قوم فرعون؛ لقوله: ﴿أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ [نوح: ٢٥] ، وجعل النارَ بَرْدَا وسلاماً على إِبْرَاهِيمَ ﵇ ورفع مُوسَى ﵇ فوق الطُّورِ، وغرق الدنيا من التّنُّورِ، وجعل البحر يبساً لموسى ﵊ ُ - فهذا من أداة الحَصْرِ. والكلام في» إِيِّاكَ نَسْتَعِينُ «كالكَلَامِ في» إِيَّاكَ نَعْبُدُ «. والواو: عاطِفَةٌ، وهي من المشتركةِ في الإعرابِ والمعنَى، ولا تقتضي تَرْتِيباً على قول الجمهور، خلافاً لطائفةٍ من الكوفيينَ ولها أحكام تختص بها تأتي إن شاء الله تعالى. وأصل» نَسْتَعِين «:» نَسْتَعْوِنُ «؛ مَثْلُ:» نَسْتَخْرِجُ «في الصحيح؛ لأنه من العَوْنِ، فاسْتُثْقِلَتِ الكسرةُ على الوَاوِ، فنقلت إلى السّاكنِ قَبْلَها، فسكنت الواوُ بعد النَّقلِ وانكَسَر ما قبلها؛ فَقُلِبَتْ ياءً. وهذه قاَعِدةٌ مطّردَةٌ؛ نَحْوَ:» مِيزَان، وميِقَات «، وهما من: الوَزْنِ، والوَقْتِ. والسِّينُ فيه معناها: الطلبُ، أَيْ نَطْلُبُ منك العونَ على العِبَادَةِ، وهو أحد المعاني التي ل» استفعل «وله معََانٍ أُخَرٌ: الاتخاذُ: نحو:» اسْتَحْجَرَ الطِّينُ «، أَيْ: نَطْلُبُ منك العونَ على العِبَادَةِ، وهو أحد المعاني التي ل» استفعل «، وله مَعَانٍ أُخَرٌ: الاتخاذُ: نحو:» اسْتَعْبِدْهُ «أي: اتخذْهُ عبداً. والتحولُ؛ نحو: «اسْتَحْجَرَ الطِّينُ» أَيْ: صار حجراً، ومنه قوله: «إنَّ البُغَاثَ بأَرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ» أي: تتحولُ إلى صفة النُّسور. ووجودُ الشَّيْءِ بمعنى ما صِيغَ منه؛ نحو: «اسْتَعْظَمَهُ» أَيْ: وجده عظيماً.

стр. 125

وعَدُّ الشَّيْ كذلك، وإِن لم يكُنْ؛ نحو: «اسْتَحْسَنَهُ» . ومطاوعةُ «أَفْعَل» ؛ نحو: أَشْلَاه فَاسْتَشْلَى «. وموافقتُه له أيضاً؛ نحو:» أَبَلَّ الْمَرِيضُ وَاسْتَبَلَّ «. وموافقةُ» تَفَعَّلَ «؛ نحو:» اسْتَكْبَرَ «بمعنى» تكبر «. وموافقةُ» افْتَعَلَ «؛ نحو:» اسْتَعْصَمَ «بمعنى» اعْتَصَمَ «. والإِغْنَاءُ عن المجرد؛ نحو:» اسْتَكَفّ «و» اسْتَحْيَا «، لم يتلفظ لهما بمجردِ استغناء بهما عنه. والإغْنَاءُ بهما عن» فَعَلَ «أي المجرد الملفوظ به نحو:» اسْتَرْجَعَ «و» استعان «، أيْ: رجع وحَلَق عانته. وقُرِىءَ:» نِسْتَعِينُ «بكسرِ حرف المضارعة؛ وهي لُغَةٌ مطردةٌ في حروف المُضَارعة. وذلك بشرط ألا يكن حرفُ المضَارعة ياءً؛ لثقل ذلك، على أنَّ بعضَهُم قال:» ييجَلُ «، مضارع» وَجَلَ «، وكأنه قصد إلى تَخْفِيفِ الواو إلى الياء، فكسر ما قبلها لتنقلب؛ وقد قُرِىءَ: ﴿فإنَهم ييلَمُون﴾ [النساء: ١٠٤] ، وهي هادمةٌ لهذا الاستثناءِ، وسيأتي تحقيقُ ذلك في موضعه إنْ شاء الله تعالى. وأن يكونَ المُضَارع من ماضٍ مكسورِ العَيْنِ؛ نحو:» تِعْلَمْ «من» عَلِمَ «، أو في أوله همزةُ وصلٍ، نحو» نِسْتَعِينُ «من» اسْتِعَانَ «، أو تاءُ مُطَاوَعةٍ؛ نحو:» نِتَعَلَّمُ «من» تَعَلَّمَ «، فلا يجوزُ في» يضْربُ «و» يقتلُ «كشر حرف المُضَارعة؛ لعدم الشرُّوط المذكورة. والاستعانَةُ: طلبُ العَوْنَ: وهو المُظَاهرة والنصرة، وقدم العِبَادَةَ على الاسْتِعَانَةِ؛ لأنها وصلةٌ لطلب الحاجة. وقال ابنُ الخَطيبِ: كأنه يقولُ: شَرَعْتُ في العِبَادَةِ: فأستعين بك في إتمامها، فلا تمنعني من إتمامها بالمَْوتِ، ولا بالمرضِ، ولا بقلب الدَّواعي وتَغَيُّرِها. وقال البَغَوِيُِّ: رَحِمَهُ اللهُ تعالى - فإن قيل: لم قدم ذِكْرُ العِبَادَةِ على الاستعانَةِ، والاستعانةُ لا تكون إلَاّ قبل العبادة؟

стр. 126

قلنا: هذا يلزمُ من جَعَلَ الاستعانةَ قبلَ الفعل، ونحن نَجْعلُ التوفيقَ، والاستعانةَ مع الفعل، فلا فرق بيت التقديم والتأخير. وقيل: الاستعانَةُ نوعُ تعبُّدٍ، فكأنه ذكر جملة العبادَةِ أوّلاً، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها وأطلق كُلاًّ من فِعْلَيْ العبادَةِ والاستعانَةِ فلم يذكر لهما مفعولاً؛ ليتناول كل معبود به، وكلَّ مُسْتَعان [عليه] ، أَوْ يكون المُرادُ وقوعَ الفعلِ من غير نظر إلى مفعول؛ نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [البقرة: ٦٠] أي أوقعوا هذين الفِعْلَيْنِ. فصل في نظم الآية قال ابنُ الخَطِيبِ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: قال تعالى:» إيَّاكَ نَعْبُدُ «فقدَّمَ قولَه:» إيَّاكَ «على قوله:» نعبد «ولم يقل:» نعبدك «لوجوه: أحدُها: أنه ﵎ قدّم ذِكْرَ نَفْسِهِ؛ لينبه العَابِدَ على أن المعبودَ هو اللهُ - تعالى - فلا يتكاسَلُ في التعظيم. وثانيها: أَنَّه إِنْ ثقلت عليك العبادات والطاعات وصعبت، فَاذْكُرْ أوَّلاً قولَه: «إياك» ؛ لتذكرني، وتحضر في قلبك معرفتي، فإذا ذكرتَ جَلَالي وعظمتي، وعلمت أني مولاك، وأنك عبدي؛ سهلت عليك تلك العبادة. وثالثها: أن القديمَ الواجبَ لذاتِه متقدمٌ في الوجودِ على لمحدث الممكن لذاته، فوجب أن يكون ذكره متقدماً على جميع الأذكار. فصل في نون «نعبد» قال ابنُ الخَطيب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: لقائلٍ أّنْ يقولَ: النُّون في قوله تعالى: «نعبد» إما أن تكون نونَ الجمع، أو نونَ العظمةِ، والأول باطِلٌ، لأن الشخصَ الواحدَ لا يكون جَمْعَاً، والثاني باطل أيضاً؛ لأن عند أداء العبوديةِ، اللَّائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعَجْزِ والذّلة لا بالعَظَمَةِ. واعلم أنه يمكن الجوابُ عنه مِنْ وُجُوه: أحدها: أنّ المرادَ مِنْ هذه النونِ نونُ الجَمْعِ، وهو تنبيه على أنَّ الأَوْلَى بالإنسان، أَنْ يؤدي الصَّلاة بالجماعة. الثاني: أنَّ الرجلَ إِنْ كان يُصَلِّي في جماعة، فقوله: «نعبد» ، المُرَاد منه ذلك الجمعُ، وإن كان يصلّي الصَّلاة بالجماعة. الثالث: أنَّ المُؤْمِنين إخوةٌ، فلو قال: «إياك أعبدُ» كان قد ذكر عبادَةَ نفسِه، ولم يذكر

стр. 127

عبادَةَ غَيْرِه، أما إذا قال: «إياك نعبدُ» كان قد ذكر عبادَة نفسِه، وعبادة جميع المؤمنين شرقاً وغرباً.

стр. 128

اهْدِ: صِيغَةُ أمْرٍ، ومعناها: الدعاءُ، فقِيلَ معناه: أَرْشِدْنَا. وقال عَليٌّ: وأُبَيُّ بن كَعْب ﵄ ثبتنَ؛ كما يُقال للقائِم: قم حتى أعودَ إليك، أَيْ: دُمْ على ما أنت عليه، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم علَى الهدايَةِ بِمعنى التَّثْبِيتِ، وبمعنى طلبِ مزيد الهدَاية؛ لأنَّ الأَلْطافَ والهدايات من الله - تعالى - لا تتناهى على مذهب أَهْلِ السُّنة. قال ابنُ الخَطِيب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: المرَادُ من قوله تعالى: «اهِدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ» هو: أنْ يكونَ الإنسانُ مُعْرِضاً عما سوى الله - تعالى - مُقْبِلا بكليةِ قلبه وفِكْرِه وذِكْرِه على الله تعالى. مثالُه: أنْ يصيرَ بحيثُ لو أُمِرَ بذبح غيرُه، لأطاعَ؛ كما فعل إبراهيم ﵊ ُ، ولو أُمِرَ بأَنْ ينقادَ، لأن يذبَحهُ غيرُه، لأطاعَ؛ كما فعله إسْماعِيلُ ﵊، ولو أُمِرَ باَنْ يُلْق] نفسَهُ في البحر، لأطاعَ؛ كما فعله يُونُس ﵊ ُ، ولو أُمِرَ بأن يتلمذَ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المَنْصب إلى أعلى الغايات، لأطاع؛ كما فعله موسى ﵊ مع الخَضِر [﵊] ، ولو أُمِرَ بأنْ يصبرَ في المر بالمَعْرُوف، والنهي عن المنكر على القتل، والتفريقِ بنصفين، لأطاع؛ كما فعله يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا - عليهما الصَّلاة والسلام - فالمراد بقوله تعالى «اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ» ، هو الاقتداءُ بأنبياء اللهِ في الصَّبرِ على الشدائدِ، والثبات عند نزُولِ البلاءِ، ولا شَكّ أن هذا مقامٌ شَدِيدٌ؛ لأن أكثر الخَلْقِ لا طاقة لهم به. واعلم أن صيغةَ «أَفْعَلْ» تَرُِ لمعانٍ كثيرةٍ ذكرِها الأُصُوليُّونَ. وقال بعضُهم: إن وردت صيغةُ «افعل» من الأعلى للأدنى، قيل فيها: أَمرٌ، وبالعكس دُعاء، ومن المُساوي التماسٌ، وفاعله مستتر وُجُوباً، لِمَا مَرَّ، أي: اهْدِ أنت، و «ن» مفعولٌ أَوَّلٌ، وهو ضميرٌ متصل يكون للمتكلم مع غيره، أو المعظّم نفسه، ويستعملُ في موضع: الرّفع، والنصب، والجر، بلفظ واحد؛ نحو: «قُمْنَا» ، و «ضَرَبَنَا زَيْدٌ» ، و «مَرَّ بِنَا» ، ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيره من الضَّمائر. وقد زعم بعضُ النَّاسِ أن الياء كذلك؛ تقولُ: «أكرمني» ، و «مرّ بي» ، و «أنت تقومين يا هند» ، و «الياء» في المثال الأوّل منصوبةُ المحلِّ، وفي الثاني مجرورته، وفي

стр. 129

الثالث مرفوعتهُ، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن الياءَ في حالةِ الرفع، ليست تلك الياء التي في حالة النَّصبِ والجر؛ لأن الأُولَى للمتكلم، وهذه المخاطبة المؤنثة. وقيل: بل يشاركُه لفظُ هُم؛ تقول: «هم نائمون» و «ضربتهم» و «مررت بهم» ، ف «هم» مرفوعُ المحلِّ، ومنصوبُهُ، ومجروره بلفظ واحد، وهو للغائبين في كل حالٍ، وهذا وإِنْ كان اَقربَ منَ الأولِ، إلاّ أَنَّهُ في حالة الرفع ضميرٌ منفصل، وفي حالة النصب والجر ضميرٌ متّصل. فافترقا، بخلاف «نَا» فإنَّ معناها لا يختلِفُ، وهي ضمير متصل في الأحوال الثلاثة. و «الصِّراطَ» مفعولٌ ثانٍ، و «المستقيم» صِفَتُه، وقد تبعه في الأربعةِ من العشرة المذكورة. وأصلُ «هَدَى» أن يتعدّى إِلَى الأولِ بنفسه وإلى الثاني بحرفِ الجَرِّ، وهو إما: «إلى» أو «اللام» ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ، ﴿يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ثم يُتَّسَعُ فيه، فَيُحْذَفُ الجَرُّ، فيتعدى بنفسه، فأصلُ «اهْدِنا الصِّرَاطَ» : إهدنا للصِّراط أو إلى الصّراط، ثم حذف. والأمرُ عند البصريين مَبْنِيٌّ وعند الكوفين مُعْرَبٌ، ويَدَّعُونَ في نحو: «اضْرِبْ» ، أنَّ أصله: «لِتَضْرِبْ» بلامِ الأَمْرِ، ثم حذف الجازم، وتبعه حرفُ المُضَارعةِ، وأتي بهمزة الوصل؛ لأجل الابتداء بالسَّاكن، وهذا مما لا حاجة إليه، وللرد عليهم موضعٌ يليق به. ووزْنُ «اهْدِ» «افْعِ» ؛ حُذِفَتْ لَامُه، وهي الياءُ حملاً [للأمر على المجزوم، والمجزوم تُحْذَفُ] منه لامه إذا كانت حرف علّة. ومعنى الهِدايَة: الإرشادُ أو الدلَالَةُ، أو التقدّم. ومنه هواد الخيل لتقدمها. قال امرؤُ القَيْسِ: [الطويل] ٧٠ - فَاَلْحَقَنَا بالهَادِيَاتِ وَدُونَهُ ... جَوَاحِرُهَا في صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ أي: المتقدّمات الهَادية لغيرها. أو التَّبيينُ؛ نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أي: بيّنّا لهم؛ ونحو: ﴿أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] ، أيْ: أَلْهَمَهُ لمصالحه. أو الدعاءُ؛ كقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ، أيْ دَاعٍ.

стр. 130

وقيل: هو المَيْلُ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] والمعنى: بقلوبِنا إِلَّيْكَ، وهذا غلط؛ فإن تَيْك مادةٌ أخْرى من «هَادَ - يَهُودُ» . وقال الرَّاغِبُ: الهِدَايَةُ: دَلَالَةٌ بِلُطْفٍ، ومنه الْهَدِيَّةُ، وخصّ ما كان دلالةً ب، «هديت» وما كان إعْطَاءً ب «أهديت» . و «الصِّرَاط» : الطَّريقُ المستسهلُ، وبعضُهم لا يقيده بالمستسهلِ؛ قال [الرجز] ٧١ - فَضَلَّ عَنْ نَهْجِِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ... ومثله: [الوافر] ٧٢ - أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ وقال آخَرُ: [الوافر] ٧٣ - شَحَّنَا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى ... تَرَكْنَاهُم أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ أَي: الطَّريقِ. وهو مُشْتَقٌّ من «السَّرْطِ» وهو: الابتِلَاع؛ إِمَّا لأنَّ سالكَهُ يَسْتَرِطُه، أَوْ لأنه يَسْتَرِطُ سَالِكَه؛ ألا ترى إلى قولهم: قَتَلَ أَرْضَاً عَالِمُهَا، وقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلُها؛ وبهذَيْن الاعتباريْن قال أبو تمام: [الطويل] ٧٤ - رَعَتْهُ الْفَيَافي بَعْدَ مَا كَانَ حِقْبَةً ... رَعَاهَا وَمَاءُ المُزْنِ يَنْهَلُ سَاكِبُهْ وعلى هذا سُمِّيَ الطريقُ لَقَماً ومُلْتَقِماً؛ لأنه يلتقِمُ سالِكَه، أو يلتقمُهُ سالِكُه.

стр. 131

وأصله: السّين: وقد قرأ به قُنْبُل رَحِمَهُ اللهُ تعالى حيث ورد، وإنما أُبْدِلَتْ صَاداً؛ لأجلِ حرفِ الاسْتِعْلَاءِ وإبدالها صاداً مُطَّرد عنده؛ نحو: «صَقَر» في «سَقَر» ، و «صَلَخ» في «سَلَخ» ، و «أَصْبغ» في «أَسْبَغ» ، و «مُصَيْطر» في «مُسَيْطر» لما بينهما من التَّقارب. وقد تُشَمُّ الصادُ في «الصِّرَاطِ» ونحوه زَاياً، وقرأ به خَلَفٌ، وحَمْزَةُ حيث ورد، وخَلَاّد: الأوَّلَ فقط، وقد تُقْرأُ زاياً مَحْضة، ولم تُرْسَمْ في المصحَفِ إلا بالصَّاد، مع اختلافٍ في قراءتِهم فيها كما تقدم. و «الصِّراطَ» يُذْكَرُ ويُؤَنَّثُ: فالتذكيرُ لُغَة تَميم، والتَّأنيثُ لغةُ «الحِجَازِ» ، فإِنِ اسْتُعمِلَ مُذكَّراً، جمع على «أَفْعِلَة» في القلّةِ، وعلى «فُعُل» في الكَثْرَةِ، نحو: «حِمَارِ» ، و «أَحْمِرَة» و «حُمُر» ، وإِنِ اسْتُعْمِلَ مُؤَنثاً، فقياسه أن يجمعَ على «اَفْعُل» : نحو: «ذِرَاع» و «أذْرُع» . و «المُسْتَقيمَ» اسمُ فَاعِلِ من استقامَ، بمعنى المُجَرّد، ومعناه: السَّوِيِّ مِنْ غَيْرِ

стр. 132

اعْوِجَاج، واَصْلُه: «مُسْتَقْوم» ثُم أُعِلّ كإعلالِ «نَسْتَعِيْن» وسيأتي الكلامُ [مُسْتَوْفى] على مادتِه إن شاء الله - تعالى - عند قوله تعالى ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة﴾ [البقرة: ٣] . و «الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ» قال ابنُ عَبَّاسٍ، وجَابِرٌ ﵄: هو الإسْلام، وهو قولُ مُقَاتِلٍ، وقال ابنُ مَسْعودٍ رضي الله تعالى عنهما: هو القرآن الكريم، وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - مرفوعاً: الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ: كِتَابُ اللهِ تَعَالى. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ ﵁ «طَريقُ الجَنَّة» . وقال سَهْلُ بن عَبْدِ الله رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو طريقُ السُّنَّةِ والجَمَاعة. وقال بَكْرُ بنُ عبد الله المُزْنِيِّ: هو طريقُ رسول الله ﷺ َ.

стр. 133

وقال أَبُو العَالِيةِ، والحَسَنُ: رسولُ الله ﷺ َ وصَاحِبَاه. قال ابنُ الخَطيب: الحِكْمَةُ في قوله: «اهْدِنَا» ولم يَقُلْ «اهدني» ؛ إما: لأن الدعاءَ مهما كان أعم، كان إلى الإجابة أَقْربَ. وإمَّا لقول النبي ﵊ ُ «ادْعوا الله تعالى بأَلْسِنَةٍ مَا عَصَيْتُمُوه بها» قالُوا: يَا رَسُولِ الله، فمن لنا بتلك الأَلسِنَةِ؟ قال: «يَدْعُو بَعْضَكُمْ لبعضٍ؛ لأنك ما عصيت بِلِسَانه، وَهُوَ ما عَصَى بِلِسَانِكَ» . الثالث: كانّ العبدَ يقولُ: سمعتُ رَسُولَك يقولُ: «الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ» ، فلما أَرَدْتُ حمدك، قلتُ: الحَمْدُ لله، ولما ذكرت العبادة، ذكرُ عبادةَ الجَمِيع، ولما ذكرتُ الاستعانةَ، ذكرتُ استعَانَة الجَمِيع، فلا جرم لَمَّا طلبتُ الهدايةَ، طلبتُها للجميع، ولما طلبتُ الاقتداءَ بالصالحين، طلبتُ اقتداءَ الجميع؛ فقلتُ: «غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّيْنَ» ، فلما لَمْ أُفارِق النبياءَ والصالحين في الدنيا، فأرجو ألا أفارِقََهم في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم﴾ [النساء: ٦٩] الآية الكريمةَ.

стр. 134

قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ «صِرَاطَ الذِيْنَ» بدل منه، بدل كُلِّ مِنْ كُلّ، وهو بَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِنْ مَعْرِفَةٍ. والبدلُ سبعةُ أَقْسَامٍ على خلاف في بعضها:

стр. 135

بدلُ كُلَ من كُلّ، ولد بَعْضٍ من كُلّ، وبدلُ اشتِمَالٍ، وبدلُ غَلَطٍ، وبدل نِسْيَان، وبدل بَدَاء، وبدل كُلّ من بعض. أما الأقسامُ الثلاثَةُ الأُوَلُ، فلا خلَاف فِيها. وأما بدلُ البدَاء، فأثبته بعضُهم؛ مستدلاً بقوله ﵊: «وإنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصلَاة، وما كتب له نِصْفُهَا ثُلُثُهَا رُبعُها إلى العُشُرِ» ولا يَرِدُ هذا القرآن الكريمِ. وأما الغَلَطُ والنسْيَانُ: فأثبتهما بعضُهم؛ مُسْتَدِلاًّ بقول ذي الرُّمَّةِ: [البسيط] ٧٥ - لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وَفِي اللِّثاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ قال: لأنَّ «الحُوّة» السّوادُ الخالِصُ، و «اللَّعَسُ» سواد يشوبه حُمْرَة، ولا يرِدُ هذان البدلان في كَلَامٍ فصيحٍ. وأما بدل الكُلّ من البعض، فأثبته بعضهُم، مُسْتَدِلَاّ بظاهِر قوله: [الخفيف] ٧٦ - نَضَرَ اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوهَا ... بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ في رواية مَنْ نَصَبَ «طَلْحَةَ» ، قال: لأنَّ «الأَعْظُمَ» بعضُ «طَلْحَةَ» ، و «طَلْحَةَ» كُلّ وقد أُبْدِلَ منها؛ واستدلّ - أيضاً - بقول امرئ القيس [الطويل] ٧٧ - كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا ... لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ ف «غَدَاةَ» بعضُ «اليوم» ، وقد أُبْدِلَ «اليوم» منها. ولا حُجَّةَ في البيتَيْنِ، أما الأولُ: فإنَّ الأَصْلَ «أعظماً دفنوها أَعْظَمَ طلحة» ثم حُذِفَ المضافُ، وأُقيم المضافُ إليهِ مُقَامه؛ ويدلُّ على ذلك الروايةُ المشهورةُ وهي جَرُّ «طَلْحَةَ» على أن الأصل: «اعظم طلحة» ولم يَقُم المضاف إليه مقامَ المضاف. وأما الثاني: فإنَّ «اليَوْمَ» يُطلقُ على القطعةِ من الزمان، كما تقدّم، وليس هذا موضعَ البَحْثِ عَن دَلائِلِ المذهبيْن.

стр. 136

وقيل: «الصراط» الثاني غير الأول، والمرادُ به: العلمُ بالله تعالى. قاله جَعْفَرُ بنُ محمد رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وعلى هذا فتخريجته أن يكونَ مَعْطُوفاً حُذِفَ منه حَرْفُ العَطْفِ، وبالجملة فهو مُشْكلٌ. والبدلُ ينقسمُ أيضاً إلى: بدل ظاهِر من ظاهرٍ: ومُضْمَرٍ مِنْ مُضْمَرٍ، وظاهرٍ مٍنْ مضمر، ومضمرٍ من ظاهر. وفائدةُ البَدَلِ: الإيضاحُ بعد الإبْهَامِ؛ لأنهُ يُفِيدُ تأكيداً من حَيْثُ المعنى، إذ هو على نيّةِ تَكْرَار العامل. و «الذين» في مَحَلِّ جرٍّ بالإضافة، وهو اسمُ موصولٍ، لافتقاره إلى صلةٍ وعائدٍ، وهو جمع «الذي» في المعنى، والمشهورُ فيه أن يكونَ بالياءِ، رفعاً، ونصباً، وجرَّاً؛ وبعضُهم يرفعُه بالواوِ؛ جَرْياً له مَجْرَى جَمْعِ المذكَّر السَّالم؛ ومنه: [الرجز] ٧٨ - نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحا ... يَومَ الفَسَادِ غَارَةً مِلْحَاحَا وقد تُحْذَفُ نُونُه استِطَالةً بصلته؛ كقوله: [الطويل] ٧٩ - وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمَ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمِّ خَالِدِ ولا يقع إلاّ على أولي العلم، [ولا يقع مجرى جمع المذكر السَّالم، بخلاف مجرده فإنه يقع على أولي العلم] وغيرهم.

стр. 137

و «أَنْعَمْتَ» : فِعْلٌ، وفاعلٌ، صِلَة المَوْصُولِ. والتاء في «أنعمتَ» ضميرٌ مرفوعٌ مُتَّصل. و «عليهم» جار ومجرور متعلّق ب «أنعمتَ» ، والضميرُ هو العائدُ، وهو ضمير جمع المذكرين العقلاء، ويستوي فيه لفظ مُتَّصِلِهِ ومُنْفَصِلِهِ. والهمزةُ في «أنعمتَ» ؛ لجَعْلِ الشيءِ صَاحِبَ ما صِيَغَ منه، فحقُّه أن يَتَعَدَّى بِنَفْسِه، ولكن ضُمِّنَ معنى «تَفَضَّلَ» فَتَعَدَّى تَعْدِيَتُهُ. وقرأ عمر بنُ الخَطّاب، وابنُ الزُّبَيْرِ رضي الله - تعالى - «صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ» . ول «أَفْعَلَ» أربعةٌ وعشرُونَ مَعْنى، تقدّمَ وَاحِدٌ. والتعدِيَةُ؛ نحو: «أَخْرَجْتُه» . والكثرةُ؛ نحو: «أظْبَى المَكَانُ» أَيْ: «كَثُرَ ظِبَاؤُه» . والصَّيرورة؛ نحو: «اَغَدَّ البَعِيرُ» صار ذا غُدّة. والإعانةُ؛ نحو: «أَحْلَبْتُ فُلَاناً» أي: أعنتُه على الحَلْبِ. والتَّشْكِيَةُ؛ نحو: «أَشكيته» أي: أزلتُ شِكَايَتَهُ. والتَّعرِيضُ؛ نحوك «أبعتُ المبتاعَ» ، أي: عرضتُه للبيع. وإصابةُ الشيءِ بمعنى ما صيغ منه؛ نحو: «أحمدتُه» أي: وجدتُه محموداً. وبلوغُ عَدَدٍ؛ نحو: «أعشَرتِ الدَّرَاهِمُ» ، أي: بلغتِ العَشَرَة. أو بلوغُ زَمانٍ؛ نحو «أصبح» ، أو مَكَانٍ؛ نحو «أَشْأَمَ» . وموافقَةُ الثّلاثي؛ نحو: «أحزتُ المكانَ» بمعنى: حُزْتُهُ. أَوْ أَغْنَى عن الثلاثي؛ نحو: «أَرْقَلَ البعيرُ» . ومطاوعةُ «فَعَلَ» ؛ نحو قَشَعَ الريح، فَأَقْشَع السّحابُ.

стр. 138

ومطاوعةُ «فَعَّلَ» ؛ نحو: «فَطَّرْتُهُ، فَأَفْطَرَ» . ونَفْيُ الغريزَةِ؛ نحو: «أسرع» . والتَّسميةُ؛ نحو: «أخطأتهُ» ، أَيْ: قلتُ له: سَقَاكَ الله تعالى. والاستحقاقُ؛ نحو «أَحَصدَ الزرعُ» ، أيْ: استحقَّ الحصادَ. والوصولُ؛ نحوه: «أَعْلَقْتُهُ» ، أيْ: وصَّلتُ عقلي إليه. والاستقبالُ نحو: «أَفَفْتُهُ» ، أي: استقبلتُه بقول: أُفٍّ. والمجيءُ بالشيء؛ نحو: «أكثرتُ» أَيْ: جئت بالكثير. والفرقُ بين أَفْعَلَ وفَعَلَ، نحو: أَشْرَقَتِ الشَّمسُ: أضاءتْ، وشَرَقَتْ: طَلَعَتْ. والهجومُ؛ نحو: اَطْلَعْتُ على القوم، أيْ: اطَّلعْتُ عَلَيْهِمْ. و «على» حرف استعلاء حقيقةً أو مجازاً؛ نحو: عليه دَيْنٌ: ولها معانٍ أُخَرُ، منها: المُجَاوزة؛ كقوله: [الوافر] ٨٠ - إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لِعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا أيْ: عَنِّي. وبمعنى «الباءِ» ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَاّ أَقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ، أي: بأَنْ، وبمعنى «في» ؛ ﴿الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ: فِي [مُلْكٍ] ، ﴿المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى﴾ [البقرة: ١٧٧] . والتعليلُ: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ؛ أي لأجلِ هِدَايَتِه إياكم. وبمعنى «مِن» : ﴿حَافِظُونَ إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] ، أيْ: إلاّ مِنْ أَزواجهم.

стр. 139

والزيادة كقوله: [الطويل] ٨١ - أبَى اللهُ إلَاّ أَنَّ سَرْحَةَ مَالِكٍ ... عَلَى كُلِّ أَفْنَانٍ العِضَاهِ تَرُوقُ لأنَّ «تُروقُ» يتعدى بنفسِه، ولكل موضع من هذه المواضع مَجَالٌ للنظر. وهي مترددةٌ بين الحَرْفِيَّةِ، والاسْمِيَّةِ؛ فتكونه اسماً في موضعين:

стр. 140

أحدهُما: أن يدخلَ عليها حَرْفَ الجَرّ؛ كقول الشاعر: [الطويل] ٨٢ - غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُهَا ... تَصِلُ وَعَنْ قَيْضٍ بِزَيزَاءَ مَجْهَلِ ومعناها «فَوق» ، أيْ: من فوقه. والثاني: أنْ يؤدي جعلُه حرفاً، إلى تعدِّي فعل المضمر المنفصل إلى ضمير المتّصل في غيرِ المَوَاضِع الجَائِز فيها؛ ومن ذلك قوله: [المتقارب] ٨٣ - هَوِّنْ عَلَيْكَ فإنَّ الأُمُورَ ... بِكَفِّ الإلهِ مَقَادِيرُهَا ومثلُها في هذيْن الحُكْمَيَن «عن» ، وستأتي إن شاء الله تعالى. وزعم بعضُهم أنَّ «على» مترددةٌ بين الاسم، والفِعْلِ، والحرفِ. أما الاسمُ والحرفُ، فقد تقدما. وأما الفعلُ: قال: فإنك تقولُ: «عَلَا زيدٌ» أي: ارتفع. وفي هذا نَظَرٌ؛ لأن «عَلَا» إذا كان فِعْلاً، مُشْتَقٌّ من العُلُوِّ، وإذا كان اسماً أو حرفاً، فلا اشتقاقَ له، فليس هو ذَاكَ، إلَاّ أنَّ هذا القَائِلُ يَرُدَُّ هذا النظرَ، [بقولهم: إنَّ «خَلَا» ، «وَعَدا» مترددانِ بين الفعليَّةِ والحرفيَّةِ، ولم يلتفتوا إلى هاذ النظر] . والأصلُ في هاء الكِناية الضَّمُّ، فإن تقدمها ياءٌ ساكنة، أو كسرةٌ، كَسَرَها غيرُ الحِجازَيين؛ نحو: عَلَيْهِم وفِيهِمْ وبِهِمْ. والمشهورُ في مِيمِها السكونُ قبل متحرك، والكسرُ قبل ساكن، هذا إذا كَسَرْتَ الهاء، أما إذا ضممتَ، فالكَسْرُ ممتنع إلاّ في ضَرُورة؛ كقوله: «وفِيهُمِ الحكام» بِكَسْرِ المِيمِ. وفي «عَلَيْهِمْ» عشرُ لُغاتٍ:

стр. 141

قُرِىءَ بِبَعْضِها: «عَلَيْهُمْ» بكسر الهاء وضمها، مع سُكُون الميم. «عَلَيْهِمي» ، بكسر الهاء، وزيادة الياء، وبكسر الميم فقط. «عليهُمُو» بضم الميم، وزيادة واو، أو الضم فقط. «عليهِمُو» بِكَسْرِ الهاءِ، وضم الميمِ، بزيادة الواو. «عليهُمِي» بِضَمِّ الهاء، وزيادة ياي بعد الميم. أو الكسر فقط «عليهِمُ» بكسر الهاء، وضم الميم، حكى ذلك ابنُ الأَنْبَاري. والتفسيرُ، قال البَغَويُّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: «صراط الذين أنعمت عليهم أي: مَنَنْتَ عليهم بِالهِدَايَةِ والتوفيق، وقال عِكْرِمة - رضي الله تعالى عنه -: مَنَنْتَ عليهم بالثَّبات على الإيمان والاسْتِقَامَةِ وعلى الأنبياء ﵈. وقِيل: على كُلِّ مَنْ ثَبَتَهُ الله - تعالى - من النَّبِيين والمُؤْمنين الذي ذكرهم الله - تعالى - في قوله: ﴿فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين﴾ [النساء: ٦٩] وقال ابنُ عباس - رضي الله تعالى عنهما - هُمْ قومُ مُوسَى، وعِيسَى - عليهما الصلاة والسلام، قبل أن غيروا دينهم. وقال أَبُو العَالِيَةَ: هم آلُ الرسولِ ﷺ َ وأبو بكر، وعمر ﵄. وقال شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ﵁: هم أصحابُ النبي ﷺ َ، وأهل بَيْتِهِ.

стр. 142

وقرأ حَمْزَةُ «عَلَيْهُمْ» ، و «إلَيْهُمْ» ، و «لَدَيْهُمْ» بضم الهاء. ويضم يَعْقُوب كُلُّ هاءٍ قبلها ياءٌ ساكنة تثنيةً وجمعاً، إلاّ قوله تعالى: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] . والآخَرونَ: بكسرها. فَمَنْ ضَمَّها ردّها إلى الأصل؛ لأنها مضمومة عند الإنفراد. ومَنْ كسرها، فالأصل الياءُ السَّاكنة، والياءُ أختُ الكسرة. وضم ابنُ كَثِير، وأَبُو جَعْفَر كلَّ ميم جمع مُشْبِعاً في الوَصلِ، إذا لم يلقها ساكن، فإن لقيها ساكِنٌ فلا يُشبِعُ. ونَافِعٌ يُخَيَّرُ، ويضمُّ وَرْش عند ألِفِ القطع. وإذا تلقته ألفُ الوصلِ، وقبل الهاء كسرٌ، أو ياءٌ ساكنةٌ، ضمّ الهاءَ والمِيمَ حَمْزَةُ والكسائي - رحمهما الله - وكَسَرَهُما أبُو عَمْرو، وكذلك يَعْقُوبُ إذَا انْكَسر ما قبله.

стр. 143

والآخرون: بضمّ الميم، وكسرِ الهاء؛ لأجل الياء أو لكسر ما قبلها، وضمّ الميم على الأصل، وقرأ عمرُ بن الخَطَّاب - رضي الله تعالى عنه -: «صرَاطَ مَنْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» . قال ابنُ الخَطيب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: اخْتُلِفَ في حَدِّ النّعْمَةِ: فقال بعضُهم: إنَّها عِبَارَةٌ عن المَنْفَعَةِ المفعولة على جِهَةِ الإحسان إلَى الغيرِ. ومنهم مَنْ يقولُ: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحْسَان إلَى الغير] . قالوا: وإنما زدْنا على هذا القَيْدِ، لأن النعمةَ يستحقّ لها الشكر والإحسان [والحقّ أن هذا القيد غير معتبر؛ لأنه لا يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان] ، وإنْ كان فعله محظوراً؛ لأن جهةَ استحقاقِ السكر غير جهةِ استحقاق الذَّنْب والعِقاب، فأيُّ امتناعٍ في اجتماعهما؟ ألَا ترى أن الفاسِقَ يستحقُّ بإنعامه الشُّكْرَ، والذَّمِّ بمعصيةِ الله تعالى، فلا يجوزُ أن يَكُونَ الأمرُ ها هنا كذلك. ولنرجع إلى تفسير الحَدِ: فنقول: أما قولُنا: «المنفعةُ» ؛ فلأن المَضَرَّةَ المحضةَ لا تكونُ نِعمَةً. وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان؛ لأنه لو كان نفعاً وقَصَدَ الفاعلُ به نفعَ نفسه، نَفْعَ المفعولِ به، فلا يكونُ نِعْمَةً، كَمَنْ أحسن إلى جَاِريَتِهِ، ليربَحَ عليها. وها هنا فوائدُ: الفائِدَةُ الأُوْلَى: أنَّ كلّ ما يصل إلى الخلق من النفع، ودفع الضَّرر، فهو من الله تعالى على ما قال ﵎: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: ٥٣] ، ثمَّ إنَّ النعمةَ على ثلاثةِ أَقْسَامٍ: أحدُها: نِعمةٌ تَفَرَّدَ الله - تعالى - بإيجَادِهَا، نحو: أنْ خَلَق وَرَزَقَ. وثانيها: نعمةٌ وصلت إلينا من جهةِ غيرِ الله - تعالى - في ظاهرِ الأمْرِ، وفي الحقيقة فهي - أيضاً - إنّما وصلت إلينا من الله ﵎؛ وذلك لأنه - تعالى - هو الخالقُ لتلك النعمةِ، والخالقُ لذلك المنعِِمِ، وخالقٌ لداعيةِ الإنْعَام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم، إلاّ أنه ﵎ لَمّا أَجْرَى تلك النعمة على يَدِ ذلك العَبْدِ، كان ذلك العبدُ مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله - تعالى - ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير﴾ [لقمان: ١٤] فبدأ بنفسِه، تنبيهاً على أن إنعامَ الخلقِ لا يتمّ إلاّ بإنعام الله تعالى. وثالثها: نِعْمُ وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا، وهي أيضاً من الله تعالى؛ لأنه

стр. 144

لولا أنَّ الله وَفَّقنا للطاعات، وأعاننا عليها، وهدانا إليها، وأَزَاحَ الأعذار عَنا، وإلاّ لَمَا وصلنا إلى شَيْءٍ منها، فظهر بها التقرير أنَّ جَمِيعَ النعم في الحقيقة كم الله تَعَالى. الفائدةُ الثانيةُ: اختلفوا [في أنه] هل لله - تعالى - نعمةً على الكافرِ أَم لَا؟ فقال بعضُ أصحابنا: ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة. وقالت المعتزلةُ: لله - تعالى - على الكافر نعمة دينية، ونعمة دنيوية. واحتجَّ الأصحابُ على صحّةِ قولهم، بالقرآن [الكريم] ، والمعقول. أما القرآنُ؛ فقوله ﵎: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ وذلك لأنه لو طلب كان لله على الكافر نعمةٌ، لكانوا داخِلينَ تحت قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيكون طلباً لصراطِ الكُفَّارِ، وذلك بَاطِلٌ، فثبت بهذه الآيةِ أنه ليس لله - تعالى - على الكافر نعمةٌ. فإن قَالُوا: إنَّ قَوْله: ﴿الصراط المستقيم﴾ يدفعُ ذَلِكَ. قلنا: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الصراط المستقيم﴾ ؛ فكان التَّقْدير: «اهدِنا صراطَ الذين أنعمت عليهم» ، وحينئذٍ يَعُودُ المحذوف المذكورُ. وقوله ﵎: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وأما المَعْقُولُ: فهو أَنَّ نِعَمَ الدنيا الفانيةَ في مقابلةِ عَذَابِ الآخرة على الدوام، كالقَطْرةِ في البحر، ومثل هذا لا يكون نِعْمَةً، فقد احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَآءً﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] ، على أنه يَجِبُ على الكُلِّ طاعةُ الله - تعالى - لأجلِ هذه النعم، وإلاّ لما كانت هذه النعمُ العظيمةُ معتبرةً؛ وقولِه تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ [البقرة: ٢٨] ، ذكر ذلك في معرض الامْتِنَانِ، وشرحِ النعم. وقولِه تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] . وقولِه تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣] . وقول إبليس: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] .

стр. 145

ولو لم تحصل النعمة، لم يلزمْ من عَدَمِ إقدامِهم على الشكر محذورٌ؛ لأنّ الشكر لا يمكن إلاّ عند حصول النعمة. الفائدة الثالثةُ: قال ابنُ الخَطيب ﵀: قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يدل على إمامةِ أبي بكر ﵁؛ لأنا ذكرنا أن تقديرَ الآية: «اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم» والله - تعالى - قد بيّن في آية أُخْرَى أَنَّ ﴿الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من هم؛ بقوله تعالى: ﴿فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين﴾ [النساء: ٦٩] ورئيسهم أبو بكر الصّديق - رضي الله تعالى عنه - فكان معنى الآية أن الله - تعالى - أمرنا أن نطلب الهداية [التي كان عليها أبو بكر الصديق، وسائر الصّديقين، ولو كان أبو بَكْرٍ ﵁ فكان معنى الآية أن الله - تعالى - امرنا أن نطلب الهداية [التي كان عليها أبو بكر الصديق، وسائر الصّديقين، ولو كان أبو بَكْرٍ - رضي الله تعالى عنه - غيرَ إمام، لما جَازَ الاقتداء به] ، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا، أو نعمة الدين، والأول باطل فثبت أن المراد منه نعمة الدين. فنقول: كل نعمة ديِنيَّة سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان، وأمّا نعمة الإيمان فيمكن حصولها خالياً عن سائر النعم الدينية، وهذا يدلّ على أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو نعمة الإيْمَان، فرجع حاصل القول في قوله تعالى: ﴿١٦٤٩;هْدِنَا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنه طلب لنعمة الإيمان، وإذا ثبت هذا الأصل، فيتفرع عليه أحكام: الأول: أنه لما ثبت أن المرادَ من هذه النعمة نِعْمَةُ الإيمان، إذ لفظ الآية الكريمة صريح في أن الله - تعالى - هو المنعم بالنعمة، ثبت أنّ الخالق للإيمان، والمعطي للإيمان هو الله تعالى، وذلك يدل على فساد قول المعتزلة، وكان الإيمان أعظم النعم، فلو كان الفاعل للإيمان هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله تعالى، ولو كان كذلك لما حسن من الله - تعالى - أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم. الحكم الثاني: يجب ألَاّ يبقى المؤمن مخلداً في النار؛ لأن قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مذكور في معرض التَّعظيم بهذا الإنعام، ولو لم يكن له أثر في دفع العَذَاب المؤبّد لكان قليل الفائدة، فما كان يحسن من الله - تعالى - ذكره في معرض التعظيم. الحكم الثالث: دلّت الآية الكريمة على أنه لا يجب على الله - تعالى - رعاية [الصلاح والأصلح] في الدين؛ لأنه لو كان الإرشاد على الله - تعالى - واجباً لم يكن ذلك إنعاماً،
следующие страницы →