← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَاخْتلف أهل الْعلم فِي أَن " الرَّحْمَن الرَّحِيم " بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَونهمَا بِمَعْنى وَاحِد، أَو مُخْتَلفين؟ فَذهب بَعضهم: إِلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد ك " ندمان ونديم "، ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ على قَوْلَيْنِ: فَمنهمْ من قَالَ: يجمع بَينهمَا؛ تَأْكِيدًا. وَمِنْهُم من قَالَ: لما تسمى مُسَيْلمَة - لَعنه الله - ب " الرَّحْمَن " قَالَ الله تَعَالَى لنَفسِهِ: " الرَّحْمَن الرَّحِيم " فالجمع بَين هَاتين الصفتين لله - تَعَالَى فَقَط. وَهَذَا ضَعِيف جدا؛ فَإِن تَسْمِيَته بذلك غير مُعْتَد بهَا أَلْبَتَّة، وَأَيْضًا: فَإِن " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " قبل ظُهُور أَمر مُسَيْلمَة. وَمِنْهُم من قَالَ: لكل وَاحِد فَائِدَة غير فَائِدَة الآخر، وَجعل ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى تغاير متعلقهما؛ إِذْ يُقَال: " رحمان الدُّنْيَا، وَرَحِيم الْآخِرَة "، ويروى ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم - وَذَلِكَ لِأَن رَحمته فِي الدُّنْيَا تعم الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَفِي الْآخِرَة تخص الْمُؤمنِينَ فَقَط. ويروى: " رَحِيم الدُّنْيَا، ورحمان الْآخِرَة " وَفِي الْمُغَايرَة بَينهمَا بِهَذَا الْقدر وَحده نظر لَا يخفى. وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ أَيْضا: فَمنهمْ من قَالَ: الرَّحْمَن أبلغ؛ وَلذَلِك لَا يُطلق على غير البارئ - تَعَالَى -، وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ، وَجعله من بَاب " غَضْبَان " و " سَكرَان " للممتلئ غَضبا وسكرا؛ وَلذَلِك يُقَال: " رحمان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَرَحِيم الْآخِرَة فَقَط ". قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: " فَكَانَ الْقيَاس الترقي من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى كَمَا يُقَال: " شُجَاع باسل " وَلَا يُقَال: " باسل شُجَاع ". ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ أرْدف " الرَّحْمَن " الَّذِي يتَنَاوَل جلائل النعم وأصولها ب " الرَّحِيم "؛ ليَكُون كالتتمة والرديف؛ ليتناول " مَا دق مِنْهَا] ، ولطف. وَمِنْهُم من عكس: فَجعل " الرَّحِيم " أبلغ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة من قَالَ: " رَحِيم الدُّنْيَا، ورحمان الْآخِرَة "؛ لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا يرحم الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَفِي الْآخِرَة لَا يرحم إِلَّا الْمُؤمن. لَكِن الصَّحِيح أَن " الرَّحْمَن " أبلغ، وَأما هَذِه الرِّوَايَة فَلَيْسَ فِيهَا دَلِيل، بل هِيَ دَالَّة على أَن " الرَّحْمَن " أبلغ؛ وَذَلِكَ لِأَن الْقِيَامَة فِيهَا الرَّحْمَة أَكثر بأضعاف، وأثرها فِيهَا أظهر على مَا يرْوى: " أَنه خبأ لِعِبَادِهِ تسعا وَتِسْعين رَحْمَة ليَوْم الْقِيَامَة ".

стр. 72

وَالظَّاهِر أَن جِهَة الْمُبَالغَة فيهمَا مُخْتَلفَة؛ فمبالغة " فعلان " من حَيْثُ: الامتلاء وَالْغَلَبَة، ومبالغة " فعيل " من حَيْثُ: التّكْرَار والوقوع بمحال الرَّحْمَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَبِنَاء " فعلان " لَيْسَ كبناء " فعيل "؛ فَإِن بِنَاء " فعلان " لَا يَقع إِلَّا على مُبَالغَة الْفِعْل، نَحْو: " رجل غَضْبَان " للممتلئ غَضبا، و " فعيل " يكون بِمَعْنى " الْفَاعِل، وَالْمَفْعُول "؛ قَالَ الشَّاعِر: [الطَّوِيل] (٣٤ - فَأَما إِذا عضت بك الْحَرْب عضة ... فَإنَّك مَعْطُوف عَلَيْك رَحِيم) ف " الرَّحْمَن " خَاص الِاسْم، عَام الْفِعْل، و " الرَّحِيم " عَام الِاسْم، خَاص الْفِعْل؛ وَلذَلِك لَا يتَعَدَّى " فعلان " وَيَتَعَدَّى " فعيل ". حكى ابْن سَيّده: " زيد حفيظ علمك وَعلم غَيْرك ". وَالْألف وَاللَّام فِي " الرَّحْمَن " للغلبة كهي فِي " الصَّعق "، وَلَا يُطلق على غير الْبَارِي - تَعَالَى - عِنْد أَكثر الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - لقَوْله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] فعادل بِهِ مَا لَا شركَة فِيهِ بِخِلَاف " رَحِيم "، فَإِنَّهُ يُطلق على غَيره - تَعَالَى - قَالَ فِي [حَقه ﵊] : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٨] . وَأما قَول الشَّاعِر فِي [حق] مُسَيْلمَة الْكذَّاب - لَعنه الله تَعَالَى: [الْبَسِيط]

стр. 73

(٣٥ - ... ... ... ... ... ... وَأَنت غيث الورى لَا زلت رحمانا) فَلَا يلْتَفت إِلَى قَوْله، لفرط تعنتهم. وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مُعَرفا بِالْألف وَاللَّام أَو مُضَافا، وَلَا يلْتَفت لقَوْله: " لَا زلت رحمانا "؛ لشذوذه. وَمن غَرِيب مَا نقل فِيهِ أَنه مُعرب؛ لَيْسَ بعربي الأَصْل، وَأَنه بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، قَالَه ثَعْلَب، والمبرد، وَأنْشد قَول الْقَائِل: [الْبَسِيط] (٣٦ - لن تتركوا الْمجد أَو تشروا عباءتكم ... بالخز أَو تجْعَلُوا الينبوت ضمرانا) (أَو تتركون إِلَى القسين هجرتكم ... ومسحكم صلبهم رخمان قربانا) قَالَ ابْن الْخَطِيب - رَحمَه الله تَعَالَى -: إِنَّمَا جَازَ حذف الْألف قبل النُّون من لَفْظَة " الرَّحْمَن " فِي الْخط على سَبِيل التَّخْفِيف، وَلَو كتب بِالْألف حسن، وَلَا يجوز حذف الْيَاء من " الرَّحِيم "؛ لِأَن حذف الْألف من " الرَّحْمَن " لَا يخل بِالْكَلِمَةِ، وَلَا يحصل فِي الْكَلِمَة التباس، [بِخِلَاف حذف الْيَاء] من " الرَّحِيم ". قَالَ ابْن الْخَطِيب: أَجمعُوا على أَن إِعْرَاب " الرَّحْمَن الرَّحِيم " هُوَ الْجَرّ؛ لِكَوْنِهِمَا صفتين للمجرور، إِلَّا أَن الرّفْع وَالنّصب جائزان فيهمَا بِحَسب الْحَال، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير: " بِسم الله هُوَ الرَّحْمَن ". وَأما النصب فعلى تَقْدِير: " بِسم الله أَعنِي الرَّحْمَن الرَّحِيم ". وَفِي وصل " الرَّحِيم " ب " الْحَمد " ثَلَاثَة أوجه: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: " الرَّحِيم " - بِكَسْر الْمِيم - مَوْصُوفَة ب " الْحَمد " وَفِي هَذِه الكسرة احْتِمَالَانِ: أَحدهمَا: وَهُوَ الْأَصَح: أَنَّهَا حَرَكَة إِعْرَاب. وَقيل: يحْتَمل أَن الْمِيم سكنت على نِيَّة الْوَقْف، فَلَمَّا وَقع بعْدهَا سَاكن حركت بِالْكَسْرِ.

стр. 74

وَالثَّانِي: من وَجْهي الْوَصْل: سُكُون الْمِيم وَالْوَقْف عَلَيْهَا، والابتداء بِقطع الْألف " ألحمد " رَوَت ذَلِك أم سَلمَة ﵂ وَعَلِيهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -. الثَّالِث: حكى الْكسَائي عَن بعض الْعَرَب أَنَّهَا تقْرَأ " الرَّحِيم الْحَمد " بِفَتْح الْمِيم، وَوصل ألف الْحَمد كَأَنَّهَا سكنت الْمِيم، وَقطعت الْألف، ثمَّ أجرت الْوَقْف مجْرى الْوَصْل، فَأَلْقَت حَرَكَة همزَة الْوَصْل على الْمِيم الساكنة. قَالَ ابْن عَطِيَّة - رَحمَه الله تَعَالَى -: " وَلم ترو هَذِه قِرَاءَة عَن أحد فِيمَا علمت ". وَلِهَذَا نَظِير يَأْتِي تَحْقِيقه - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي: ﴿الم الله﴾ [آل عمرَان: ١، ٢] . وَيحْتَمل هَذَا وَجها آخر، وَهُوَ: أَن تكون الْحَرَكَة للنصب بِفعل مَحْذُوف على الْقطع، وَهُوَ أولى من هَذَا التَّكَلُّف، كالقراءة المروية عَن رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل وعظّم وفخّم. فصل فِي بَيَان هَل الْبَسْمَلَة آيَة من كل سُورَة أم لَا اخْتلف الْعلمَاء فِي الْبَسْمَلَة هَل هِيَ آيَة من كل سُورَة أم لَا؟ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا لَيست بِآيَة من " الْفَاتِحَة "، وَلَا من غَيرهَا، وَهُوَ قَول مَالك ﵀ لِأَن الْقُرْآن لَا يثبت بأخبار الْآحَاد، وَإِنَّمَا طَرِيقه التَّوَاتُر. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: " وَيَكْفِيك أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن الْكَرِيم اخْتِلَاف النَّاس فِيهَا، وَالْقُرْآن لَا يخْتَلف فِيهِ ". وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة [دَالَّة] على أَن الْبَسْمَلَة لَيست بِآيَة من " الْفَاتِحَة "، وَلَا من غَيرهَا، إِلَّا فِي " النَّمْل " وَاسْتدلَّ بِمَا روى [مُسلم ﵀] عَن النَّبِي ﷺ وشرّف وكرّم ومجّد وبجّل وعظّم أَنه قَالَ: " يَقُول الله ﵎ قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ... . ". الحَدِيث.

стр. 75

الثَّانِي: أَنَّهَا آيَة من كل سُورَة، وَهُوَ قَول عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: قَالَ الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -: هِيَ آيَة فِي الْفَاتِحَة، وَتردد قَوْله فِي غَيرهَا، فَمرَّة قَالَ: هِيَ آيَة من كل سُورَة، وَمرَّة قَالَ: لَيست بِآيَة إِلَّا من " الْفَاتِحَة " وَحدهَا. وَلَا خلاف بَينهم فِي أَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن فِي سُورَة " النَّمْل ". وَاحْتج الشَّافِعِي: بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم - أَنه رب الْعَالمين، فاقرءوا " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، إِنَّهَا أم الْقُرْآن، وَأم الْكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِحْدَى آياتها ". وَحجَّة ابْن الْمُبَارك مَا رَوَاهُ مُسلم أَن رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم - قَالَ: " أنزلت عليّ آنِفا سُورَة " فَقَرَأَ: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ": ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ [الْكَوْثَر: ١] .

стр. 76

وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام على الْبَسْمَلَة فِي آخر الْكَلَام على الْفَاتِحَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فصل فِي بَيَان أَن أَسمَاء الله توقيفية أم اصطلاحية اخْتلف الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - فِي أَن أَسمَاء الله - تَعَالَى -: توقيفية أم اصطلاحية؟ قَالَ بَعضهم: لَا يجوز إِطْلَاق شَيْء من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات على الله - تَعَالَى - إِلَّا إِذا كَانَ واردا فِي الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَقَالَ آخَرُونَ: كل لفظ على معنى يَلِيق بِجلَال الله وَصِفَاته، فَهُوَ جَائِز؛ وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " الِاسْم غير، وَالصّفة غير، فاسمي مُحَمَّد، واسمك أَبُو بكر، فَهَذَا من بَاب الْأَسْمَاء، وَأما الصِّفَات، فَمثل وصف هَذَا الْإِنْسَان بِكَوْنِهِ طَويلا فَقِيها، وَكَذَا، وَكَذَا، إِذا عرفت هَذَا الْفرق فَيُقَال: إِمَّا إِطْلَاق الِاسْم على الله، فَلَا يجوز إِلَّا عِنْد وُرُوده فِي الْقُرْآن وَالْخَبَر، أما الصِّفَات فَإِنَّهُ لَا تتَوَقَّف على التَّوْقِيف ". وَاحْتج الْأَولونَ بِأَن قَالُوا: إِن الْعَالم لَهُ أَسمَاء كَثِيرَة، ثمَّ إِنَّا نصف الله بِكَوْنِهِ عَالما، وَلَا نصفه بِكَوْنِهِ طَبِيبا وَلَا فَقِيها، وَلَا نصفه بِكَوْنِهِ متيقنا، وَلَا بِكَوْنِهِ متبينا، وَذَلِكَ يدل على أَنه لَا بُد من التَّوْقِيف. وَأجِيب عَنهُ فَقيل: أما الطَّبِيب فقد ورد؛ نقل أَن أَبَا بكر ﵁ لما مرض قيل لَهُ: نحضر الطَّبِيب؟ فَقَالَ: الطَّبِيب أَمْرَضَنِي. وَأما الْفَقِيه فَهُوَ أَن الْفِقْه: عبارَة عَن فهم غَرَض الْمُتَكَلّم من كَلَامه بعد دُخُول الشُّبْهَة فِيهِ. وَهَذَا مُمْتَنع الثُّبُوت فِي حق الله تَعَالَى. وَأما الْمُتَيَقن: هُوَ الْعَلِيم الَّذِي حصل بِسَبَب تعاقب الأمارات الْكَثِيرَة، وترادفها، حَتَّى بلغ الْمَجْمُوع إِلَى إِفَادَة الْجَزْم، وَذَلِكَ فِي حق الله - تَعَالَى - محَال. [وَأما التَّبْيِين: فَهُوَ عبارَة عَن الظُّهُور بعد الخفاء] . وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِن التَّبْيِين عبارَة عَن الظُّهُور بعد الخفاء، وَذَلِكَ لِأَن التَّبْيِين مُشْتَقّ من الْبَيْنُونَة وَهِي: عبارَة عَن التَّفْرِيق بَين أَمريْن متصلين، فَإِذا حصل فِي الْقلب اشْتِبَاه صُورَة بِصُورَة، ثمَّ انفصلت إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى، فقد حصلت الْبَيْنُونَة، فَلهَذَا السَّبَب سمي ذَلِك بَيَانا وتبيينا، وَمَعْلُوم أَن ذَلِك فِي حق الله - تَعَالَى - محَال. وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ: لَا حَاجَة إِلَى التَّوْقِيف بِوُجُوه:

стр. 77

الأول: أَن أَسمَاء الله - تَعَالَى - وَصِفَاته مَذْكُورَة بِالْفَارِسِيَّةِ، وبالتركية، وبالهندية، وَإِن شَيْئا مِنْهَا لم يرد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَلَا فِي الْأَخْبَار، مَعَ أَن الْمُسلمين أَجمعُوا على جَوَاز إِطْلَاقهَا. الثَّانِي: أَن الله ﵎ قَالَ: ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٨٠] ، وَالِاسْم لَا يحسن إِلَّا لدلالته على صِفَات الْمَدْح، ونعوت الْجلَال، وكل اسْم دلّ على هَذِه الْمعَانِي كَانَ اسْما حسنا، فَوَجَبَ جَوَاز إِطْلَاقه فِي حق الله - تَعَالَى - تمسكا بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة. الثَّالِث: أَنه لَا فَائِدَة فِي الْأَلْفَاظ إِلَّا رِعَايَة الْمعَانِي، فَإِذا كَانَت الْمعَانِي صَحِيحَة كَانَ الْمَنْع من اللَّفْظ الْمُفِيد [إِطْلَاق اللَّفْظَة الْمعينَة] عَبَثا. وَأما الَّذِي قَالَه الْغَزالِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى - فحجته: أَن وضع الِاسْم فِي حق الْوَاحِد منا يعد سوء أدب؛ فَفِي حق الله - تَعَالَى - أولى. أما ذكر الصِّفَات بالألفاظ الْمُخْتَلفَة، فَهُوَ جَائِز فِي حَقنا من غير منع، فَكَذَلِك فِي حق الْبَارِي تَعَالَى. فصل فِي بَيَان صِفَات لَا تثبت فِي حق الله اعْلَم أَنه قد ورد فِي الْقُرْآن أَلْفَاظ دَالَّة على صِفَات لَا يُمكن إِثْبَاتهَا فِي حق الله تَعَالَى، وَنحن نعد مِنْهَا صورا: فإحداها: الِاسْتِهْزَاء؛ قَالَ ﵎: ﴿الله يستهزئ بكم﴾ [الْبَقَرَة: ١٥] ثمَّ إِن الِاسْتِهْزَاء جهل؛ لقَوْل مُوسَى ﵊ حِين قَالُوا: ﴿أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ [الْبَقَرَة: ٦٧] . وَثَانِيها: الْمَكْر قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمرَان: ٥٤] . وَثَالِثهَا: الْغَضَب؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿غضب الله عَلَيْهِم﴾ [المجادلة: ١٤] . وَرَابِعهَا: التَّعَجُّب؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ [الصافات: ١٢] . فَمن قَرَأَ: " عجبت " بِضَم التَّاء كَانَ التَّعَجُّب مَنْسُوبا إِلَى الله - تَعَالَى - والتعجب: عبارَة عَن حَالَة تعرض فِي الْقلب عِنْد الْجَهْل بِسَبَب الشَّيْء المتعجب مِنْهُ. وخامسها: التكبر؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر﴾ [الْحَشْر: ٢٣] . وَهُوَ صفة ذمّ. وسادسها: الْحيَاء؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا﴾ [الْبَقَرَة:

стр. 78

٢٦ -] وَالْحيَاء: عبارَة عَن تَغْيِير يحصل فِي الْقلب وَالْوَجْه عِنْد فعل شَيْء قَبِيح. وَاعْلَم أَن القانون الصَّحِيح فِي هَذِه الْأَلْفَاظ أَن نقُول: لكل وَاحِد من هَذِه الْأَحْوَال أُمُور تُوجد مَعهَا فِي الْبِدَايَة، وآثار تصدر عَنْهَا فِي النِّهَايَة -[أَيْضا]-. مِثَاله: أَن الْغَضَب: حَالَة تحصل فِي الْقلب عِنْد غليان دم الْقلب وسخونة المزاج، والأثر الْحَاصِل مِنْهَا فِي النِّهَايَة إِيصَال الضَّرَر إِلَى المغضوب عَلَيْهِ، فَإِذا سَمِعت الْغَضَب فِي حق الله - تَعَالَى -، فاحمله على نهايات الْأَعْرَاض، [لَا على بدايات الْأَعْرَاض] ، وَقس الْبَاقِي عَلَيْهِ. فصل فِي عدد أَسمَاء الله قَالَ ابْن الْخَطِيب ﵀: " رَأَيْت فِي بعض كتب الذّكر أَن لله - تَعَالَى - أَرْبَعَة آلَاف اسْم: ألف مِنْهَا فِي الْقُرْآن، وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة، وَألف فِي التَّوْرَاة، وَألف فِي الْإِنْجِيل، وَألف فِي الزبُور، وَيُقَال: ألف آخر فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَلم يصل ذَلِك الْألف إِلَى عَالم الْبشر ". فصل فِي فضل الْبَسْمَلَة رُوِيَ أَن نوحًا ﵊ لما ركب السَّفِينَة قَالَ: ﴿بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] وجد النجَاة بِنصْف هَذِه الْكَلِمَة، فَمن واظب على هَذِه الْكَلِمَة طول عمره كَيفَ يبْقى محروما من النجَاة؟ وَأَيْضًا أَن سُلَيْمَان ﵊ ملكه الله - تَعَالَى - الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ [النَّمْل: ٣٠] فالمرجو أَن العَبْد إِذا قَالَه، فَإِنَّهُ يملك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. فَإِن قيل: لم قدم سُلَيْمَان ﵇ اسْم نَفسه على اسْم الله - تَعَالَى - فِي قَوْله: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ﴾ [فَالْجَوَاب من وُجُوه: الأول: أَن " بلقيس " لما وجدت ذَلِك الْكتاب مَوْضُوعا على وسادتها، وَلم يكن لأحد عَلَيْهَا طَرِيق، وَرَأَتْ الهدهد وَاقِفًا على طرف الْجِدَار، علمت أَن ذَلِك الْكتاب من سُلَيْمَان، فَأخذت الْكتاب، وَقَالَت: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ ، فَلَمَّا فتحت الْكتاب رَأَتْ " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " [قَالَت: ﴿وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ] . فَقَوله: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ من كَلَام " بلقيس "، لَا من كَلَام " سُلَيْمَان ".

стр. 79

الثَّانِي: لَعَلَّ سُلَيْمَان كتب على عنوان الْكتاب: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ ، وَفِي دَاخل الْكتاب ابْتَدَأَ بقوله: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ كَمَا هُوَ الْعَادة فِي جَمِيع الْكتب، فَلَمَّا أخذت بلقيس ذَلِك الكاب، وقرأت مَا فِي عنوانه، قَالَت: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ [فَلَمَّا] فتحت الْكتاب، قَرَأت: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ، فَقَالَت: ﴿وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ . الثَّالِث: أَن بلقيس كَانَت كَافِرَة، فخاف سُلَيْمَان ﵇ أَن " بِسم الله " إِذا نظرته فِي الْكتاب شتمته، فَقدم اسْم نَفسه على اسْم الله تَعَالَى؛ ليَكُون الشتم لَهُ، لَا لله تَعَالَى. فصل الْبَاء من " بِسم الله " مُشْتَقّ من الْبر، فَهُوَ الْبَار على الْمُؤمنِينَ بأنواع الكرامات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَأجل بره وكرامته أَن يكرمهم يَوْم الْقِيَامَة بِرُؤْيَتِهِ. مرض لبَعْضهِم جَار يَهُودِيّ قَالَ: فَدخلت [عَلَيْهِ] للعيادة وَقلت [لَهُ] أسلم، فَقَالَ: على مَاذَا؟ قلت: من خوف النَّار، قَالَ: لَا أُبَالِي بهَا، فَقلت: للفوز بِالْجنَّةِ، فَقَالَ: لَا أريدها، قلت: فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: على أَن يرني وَجهه الْكَرِيم، فَقلت: أسلم على أَن تَجِد هَذَا الْمَطْلُوب، فَقَالَ لي: اكْتُبْ بِهَذَا خطا، فَكتبت لَهُ بذلك خطا، فَأسلم وَمَات من سَاعَته فصلينا عَلَيْهِ ودفناه، فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ: يَا شَمْعُون، [مَا فعل بك رَبك] قَالَ: غفر لي، وَقَالَ لي: أسلمت شوقا إليّ. وَأما السِّين فَهُوَ مُشْتَقّ من اسْمه السَّمِيع، يسمع دُعَاء الْخلق من الْعَرْش إِلَى مَا تَحت الثرى. رُوِيَ أَن زيد بن حَارِثَة ﵁ خرج مَعَ مُنَافِق من " مَكَّة " إِلَى " الطَّائِف "، فبلغا خربة، فَقَالَ الْمُنَافِق: ندخل هَا هُنَا ونستريح، فدخلا ونام زيد، فأوثق

стр. 80

الْمُنَافِق زيدا، وَأَرَادَ قَتله، فَقَالَ زيد: لم تقتلني؟ قَالَ: لِأَن مُحَمَّدًا يحبك، وَأَنا أبغضه، فَقَالَ زيد: يَا رَحْمَن أَغِثْنِي، فَسمع الْمُنَافِق صَوتا يَقُول: وَيحك لَا تقتله، فَخرج من الخربة، وَنظر فَلم ير أحدا، وَأَرَادَ قَتله فَسمع هاتفا أقرب من الأول يَقُول: لَا تقتله، فَخرج فَلم ير شَيْئا، فَرجع ليَقْتُلهُ، فَسمع صائحا أقرب من الأول [يَقُول] : لَا تقتله، فَخرج فَرَأى فَارِسًا مَعَه رمح، فَضَربهُ الْفَارِس ضَرْبَة فَقتله، وَدخل الخربة، فَحل وثاق زيد ﵁ وَقَالَ لَهُ: أما تعرفنِي؟ فَقَالَ: لَا؛ فَقَالَ: أَنا جِبْرِيل حِين دَعَوْت كنت فِي السَّمَاء السَّابِعَة فَقَالَ الله تَعَالَى: أدْرك عَبدِي، وَفِي الثَّانِيَة كنت فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، وَفِي الثَّالِثَة بلغت إِلَى الْمُنَافِق. وَأما الْمِيم فَمَعْنَاه: أَن من الْعَرْش إِلَى مَا تَحت الثرى مَلكه ومُلكه. قَالَ السّديّ رَحمَه الله تَعَالَى: أصَاب النَّاس قحط على عهد سُلَيْمَان ﵊، فَأتوهُ فَقَالُوا لَهُ: يَا نَبِي الله، لَو خرجت بِالنَّاسِ إِلَى الاسْتِسْقَاء، فَخَرجُوا فَإِذا سُلَيْمَان ﵊ بنملة قَائِمَة على رِجْلَيْهَا باسطة يَديهَا، وَهِي تَقول: اللَّهُمَّ، إِنَّا خلق من خلقك، وَلَا غنى [لنا] عَن فضلك، قَالَ: فصب الله - تَعَالَى - عَلَيْهِم الْمَطَر، فَقَالَ: قد اسْتُجِيبَ لكم بِدُعَاء غَيْركُمْ. قَالَ ﵊: " من رفع قرطاسا من الأَرْض فِيهِ " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " إجلالا لله - تَعَالَى - كتب عِنْد الله من الصديقين وخفف عَن وَالِديهِ، وَلَو كَانَا مُشْرِكين ".

стр. 81

وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه ﵊ قَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَة إِذا تَوَضَّأت فَقل: بِسم الله وَالْحَمْد لله، فَإِن حفظتك لَا تستريح تكْتب لَك الْحَسَنَات حَتَّى تفرغ، وَإِذا غشيت أهلك، فَقل: بِسم الله، فَإِن حفظتك يَكْتُبُونَ لَك الْحَسَنَات حَتَّى تَغْتَسِل من الْجَنَابَة، فَإِن حصل من تِلْكَ الْوَاقِعَة ولد، كتب لَك من الْحَسَنَات نفس ذَلِك الْوَلَد، وَبِعَدَد أنفاس أعقابه إِن كَانَ لَهُ عقب حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم أحد، يَا أَبَا هُرَيْرَة إِذا ركبت دَابَّة، فَقل: بِسم الله، وَالْحَمْد لله يكْتب لَك من الْحَسَنَات بِعَدَد كل خطْوَة، فَإِذا ركبت السَّفِينَة فَقل بِسم الله وَالْحَمْد لله يكْتب لَك من الْحَسَنَات حَتَّى تخرج مِنْهَا ". وَعَن أنس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَن النَّبِي ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم قَالَ: " ستر مَا بَين أعين الْجِنّ وعورات بني آدم، إِذا نزعوا ثِيَابهمْ أَن يَقُولُوا: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ". كتب قَيْصر إِلَى عمر - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَن بِي صداعا لَا يسكن، فَابْعَثْ لي دَوَاء، فَبعث إِلَيْهِ عمر قلنسوة، فَكَانَ إِذا وَضعهَا على رَأسه سكن صداعه، وَإِذا رَفعهَا عَن رَأسه عَاد الصداع، فتعجب مِنْهُ ففتش القلنسوة، فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " [قَالَ ﵊: " من تَوَضَّأ وَلم يذكر اسْم الله تَعَالَى كَانَ طهُورا لتِلْك الْأَعْضَاء، وَمن تَوَضَّأ وَذكر اسْم الله تَعَالَى كَانَ طهُورا لجَمِيع بدنه "] .

стр. 82

وَطلب بَعضهم آيَة من خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ: إِنَّك تَدعِي الْإِسْلَام، فأرنا آيَة لنسلم؛ فَقَالَ: جيئوني بالسم الْقَاتِل، فَأتي بطاس من السم، فَأَخذهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَأكل الْكل، وَقَامَ سالما بِإِذن الله - تَعَالَى - فَقَالَ الْمَجُوسِيّ: هَذَا دين حق. مر عِيسَى ﵊ على قبر، فَرَأى مَلَائِكَة الْعَذَاب يُعَذبُونَ مَيتا، فَلَمَّا انْصَرف من حَاجته مرّ على الْقَبْر، فَرَأى مَلَائِكَة الرَّحْمَة مَعَهم أطباق من نور، فتعجب من ذَلِك، فصلى ودعا الله، فَأوحى الله - تَعَالَى - إِلَيْهِ: يَا عِيسَى، كَانَ [هَذَا] العَبْد عَاصِيا، ومذ مَاتَ كَانَ مَحْبُوسًا فِي عَذَابي، وَكَانَ قد ترك امْرَأَة حُبْلَى فَولدت ولدا، وربته حَتَّى كبر، فسلمته إِلَى الكتّاب، فلقنه الْمعلم " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم "، فَاسْتَحْيَيْت من عَبدِي أَن أعذبه بناري فِي بطن الأَرْض، وَولده يذكر اسْمِي على [وَجه] الأَرْض. وأسرار " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " أَكثر من أَن تحصى وَهَذَا الْقدر كَاف وَالله أعلم. [سُورَة فَاتِحَة الْكتاب] وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْأَكْثَرين، وَهِي سبع آيَات، وتسع وَعِشْرُونَ كلمة، وَمِائَة وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حرفا. عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم -: " الْحَمد لله رب الْعَالمين، سبع آيَات، إِحْدَاهُنَّ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَهِي السَّبع المثاني، وَهِي أم الْقُرْآن، وَهِي فَاتِحَة الْكتاب ". قَالَ عَليّ بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه -: " نزلت فَاتِحَة الْكتاب ب " مَكَّة " من [كنز] تَحت الْعَرْش ".

стр. 83

وَقَالَ مُجَاهِد ﵁ " فَاتِحَة الْكتاب أنزلت بِالْمَدِينَةِ ". قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لكل عَالم هفوة " وَهَذِه نادرة من مُجَاهِد؛ لِأَنَّهُ تفرد بهَا، وَالْعُلَمَاء على خِلَافه. وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم أَنَّهَا أول مَا نزل من الْقُرْآن وَأَنَّهَا السَّبع المثاني، [وَسورَة الْحجر مَكِّيَّة] بِلَا خلاف، وَلَا يُمكن القَوْل بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ ب " مَكَّة " بضع عشرَة سنة بِلَا فَاتِحَة الْكتاب. قَالَ بَعضهم: وَيُمكن الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهَا نزلت مرَّتَيْنِ: مرّة ب " مَكَّة "، وَمرَّة ب " الْمَدِينَة ". وَلها أَسمَاء كَثِيرَة، وَكَثْرَة الْأَسْمَاء تدل على شرف الْمُسَمّى: فَالْأول: " فَاتِحَة الْكتاب " سميت بذلك؛ لِأَنَّهُ يفْتَتح بهَا فِي الْمَصَاحِف والتعليم، وَالْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة. وَقيل: لِأَنَّهَا أول سُورَة نزلت من السَّمَاء. الثَّانِي: سُورَة الْحَمد؛ لِأَن أَولهَا لفظ الْحَمد. الثَّالِث: " أم الْقُرْآن " قيل: لِأَن أم الشَّيْء أَصله، وَيُقَال لمَكَّة: أم الْقرى: لِأَنَّهَا أصل الْبِلَاد، دحيت الأَرْض من تحتهَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: سَمِعت أَبَا الْقَاسِم بن حبيب قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر الْقفال قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن دُرَيْد يَقُول: " الْأُم فِي كَلَام الْعَرَب الرَّايَة الَّتِي ينصبها الْعَسْكَر ".

стр. 84

قَالَ قيس بن الخطيم: [الوافر] (٣٧ - نصبنا أمنا حَتَّى ازعرروا ... وصاروا بعد ألفتهم شلالا) فسميت هَذِه السُّورَة بِأم الْقُرْآن؛ لِأَن مفزع أهل الْإِيمَان إِلَى هَذِه السُّورَة، كَمَا أَن مفزع الْعَسْكَر إِلَى الرَّايَة. وَالْعرب تسمي الأَرْض أما، لِأَن معاد الْخلق إِلَيْهَا فِي حياتهم ومماتهم، وَلِأَنَّهُ يُقَال: أم فلَان فلَانا إِذا قَصده. وَالرَّابِع: السَّبع المثاني، سميت بذلك؛ قيل: لِأَنَّهَا مثنى نصفهَا ثَنَاء العَبْد للرب، وَنِصْفهَا عَطاء الرب للْعَبد. وَقيل: لِأَنَّهَا تثنى فِي الصَّلَاة، فتقرأ فِي كل رَكْعَة. وَقيل: لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاة من سَائِر الْكتب، قَالَ ﵊: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أنزلت فِي التَّوْرَاة، وَلَا فِي الْإِنْجِيل، وَلَا فِي الزبُور، وَلَا فِي الْفرْقَان مثل هَذِه السُّورَة، فَإِنَّهَا السَّبع المثاني، وَالْقُرْآن الْعَظِيم ". وَقيل: لِأَنَّهَا سبع آيَات، كل آيَة تعدل قرَاءَتهَا بِسبع من الْقُرْآن، فَمن قَرَأَ الْفَاتِحَة أعطَاهُ الله - تَعَالَى - ثَوَاب من قَرَأَ كلّ الْقُرْآن. وَقيل: لِأَنَّهَا نزلت مرَّتَيْنِ: مرّة ب " مَكَّة " وَمرَّة ب " الْمَدِينَة ". وَقيل: لِأَن آياتها سبع، وأبواب النيرَان سَبْعَة، فَمن قَرَأَهَا غلقت عَنهُ [أَبْوَاب النيرَان السَّبْعَة] . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَن جِبْرِيل ﵊ قَالَ للنَّبِي ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم -: " يَا مُحَمَّد، كنت أخْشَى الْعَذَاب على أمتك، فَلَمَّا نزلت الْفَاتِحَة أمنت، قَالَ: لم يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: لِأَن الله - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَإِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم﴾ [الْحجر: ٤٣، ٤٤] ، وآياتها سبع، فَمن قَرَأَهَا صَارَت كل آيَة طبقًا على كل بَاب من أَبْوَاب جَهَنَّم، فتمر أمتك عَلَيْهَا سَالِمين ". وَقيل: لِأَنَّهَا إِذا قُرِئت فِي الصَّلَاة تثنى بِسُورَة أُخْرَى. وَقيل: سميت مثاني؛ لِأَنَّهَا أثنية على الله تَعَالَى ومدائح لَهُ.

стр. 85

الْخَامِس: " الوافية " كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ يسميها بِهَذَا الِاسْم. وَقَالَ الثلعبي: وتفسيرها أَنَّهَا لَا تقبل التنصيف، أَلا ترى أَن كل سُورَة من الْقُرْآن لَو قرئَ نصفهَا فِي رَكْعَة، وَالنّصف الثَّانِي فِي رَكْعَة أُخْرَى لجَاز؟ وَهَذَا التنصيف غير جَائِز فِي هَذِه السُّورَة. السَّادِس: " الوافية " سميت بذلك؛ قيل: لِأَن الْمَقْصُود من كل الْقُرْآن الْكَرِيم تَقْدِير أُمُور أَرْبَعَة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وَإِثْبَات الْقَضَاء وَالْقدر لله - تَعَالَى - فَقَوله: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ [الْفَاتِحَة: ٢ - ٣] يدل على الإلهيات. وَقَوله: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ [الْفَاتِحَة: ٤] يدل على الْمعَاد. وَقَوله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الْفَاتِحَة: ٥] يدل على نفي الْجَبْر، وَالْقُدْرَة على إِثْبَات أَن الْكل بِقَضَاء الله وَقدره. وَقَوله تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ [الْفَاتِحَة: ٦] إِلَى آخرهَا يدل - أَيْضا - على إِثْبَات قَضَاء الله - تَعَالَى - وَقدره. وعَلى النبوات كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. السَّابِع: " الكافية " لِأَنَّهَا تَكْفِي عَن غَيرهَا، وَغَيرهَا لَا يَكْفِي عَنْهَا، روى مَحْمُود بن الرّبيع، عَن عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 86

وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم: " أم الْقُرْآن عوض عَن غَيرهَا، وَلَيْسَ غَيرهَا عوضا عَنْهَا ". الثَّامِن: " الأساس " قيل: لِأَنَّهَا أول سُورَة من الْقُرْآن، فَهِيَ كالأساس. وَقيل: إِن أشرف الْعِبَادَات بعد الْإِيمَان هِيَ الصَّلَاة، وَهَذِه السُّورَة مُشْتَمِلَة على كل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْإِيمَان، وَالصَّلَاة لَا تتمّ إِلَّا بهَا. التَّاسِع: " الشِّفَاء " عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم: " فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سم ". وَمر بعض الصَّحَابَة ﵃ بِرَجُل مصروع فَقَرَأَ هَذِه السُّورَة فِي أُذُنه، فبرئ، فذكروه لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " هِيَ أم الْقُرْآن، وَهِي شِفَاء من كل دَاء ". الْعَاشِر: " الصَّلَاة " قَالَ ﵊: يَقُول الله تَعَالَى: " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ "، وَالْمرَاد هَذِه السُّورَة. وَقيل: لَهَا أَسمَاء غير ذَلِك. وَقيل: اسْمهَا " السُّؤَال ". وَقيل - أَيْضا -: أسمها " الشُّكْر ". وَقيل: اسْمهَا - أَيْضا - " الدُّعَاء ". وَقيل: " الرّقية " لحَدِيث الملدوغ.

стр. 87

فصل فِي فضائلها عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - عَن النَّبِي ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم - أَنه قَالَ: " فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من السم ". وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم -: " إِن الْقَوْم ليَبْعَث الله عَلَيْهِم الْعَذَاب حتما فَيقْرَأ صبي من صبيانهم فِي الْمكتب: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: ٢] فيسمعه الله - تَعَالَى - فيرفع عَنْهُم بِسَبَبِهِ الْعَذَاب أَربع سِنِين ". وَعَن الْحسن ﵁ قَالَ: " أنزل الله - تَعَالَى - مائَة وَأَرْبَعَة كتب: التَّوْرَاة، وَالْإِنْجِيل، وَالزَّبُور، وَالْفرْقَان، ثمَّ أودع عُلُوم هَذِه الْأَرْبَعَة فِي الْقُرْآن، ثمَّ أودع عُلُوم الْقُرْآن فِي الْمفصل، ثمَّ أودع عُلُوم الْمفصل فِي الْفَاتِحَة، فَمن علم تَفْسِير الْفَاتِحَة، كَانَ كمن علم تَفْسِير جَمِيع كتب الله الْمنزلَة، وَمن قَرَأَهَا، فَكَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالزَّبُور، وَالْفرْقَان ". وَعَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 88

وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم - على أبيّ بن كَعْب ﵁ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فصاح بِهِ فَقَالَ لَهُ: تَعَالَى يَا أبيّ، فعجّل أبيّ فِي صلَاته، ثمَّ جَاءَ لرَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم فَقَالَ: " مَا مَنعك يَا أبيّ أَن تُجِيبنِي، إِذْ دعوتك؟ أَلَيْسَ [الله تَعَالَى يَقُول] : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ﴾ [الْأَنْفَال: ٢٤] قَالَ أبيّ ﵁ لَا جرم يَا رَسُول الله لَا تَدعُونِي إِلَّا أَجَبْتُك، وَإِن كنت مُصَليا، فَقَالَ: " أَتُحِبُّ أَن أعلمك سُورَة لم تنزل فِي التَّوْرَاة، وَفِي الْإِنْجِيل، وَفِي الزبُور، وَلَا فِي الْفرْقَان مثلهَا "؟ فَقَالَ أبيّ ﵁: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: " لَا تخرج من بَاب الْمَسْجِد حَتَّى تتعلمها - وَالنَّبِيّ ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم يمشي يُرِيد أَن يخرج من الْمَسْجِد، فَلَمَّا بلغ الْبَاب ليخرج، قَالَ أبيّ: السُّورَة يَا رَسُول الله، فَوقف فَقَالَ: " نعم كَيفَ تقْرَأ فِي صَلَاتك "؟ فَقَالَ أبيّ: [إِنِّي أَقرَأ] أم الْقُرْآن، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أنزل فِي التَّوْرَاة، وَلَا فِي الْإِنْجِيل، وَلَا فِي الزبُور، لَا فِي الْقُرْآن مثلهَا، إِنَّهَا السَّبع المثاني الَّتِي آتَانِي الله ". " القَوْل فِي النُّزُول " ذكرُوا فِي كَيْفيَّة نزُول هَذِه السُّورَة أقوالا: أَحدهَا: أَنَّهَا مَكِّيَّة، روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه - أَنه قَالَ: " نزلت فَاتِحَة الْكتاب ب " مَكَّة " من كنز تَحت الْعَرْش " ثمَّ قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَعَلِيهِ أَكثر

стр. 89

الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل ﵁ أَنه قَالَ: أول مَا نزل من الْقُرْآن: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: ٢] ، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم أسر إِلَى خَدِيجَة ﵂ فَقَالَ: " لقد خشيت أَن يكون خالطني شَيْء " فَقَالَت: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: إِنَّنِي إِذا خلوت سَمِعت النداء ﴿اقْرَأ﴾ [العلق: ١] ، ثمَّ ذهب إِلَى ورقة بن نَوْفَل، وَسَأَلَهُ عَن تِلْكَ الْوَاقِعَة، فَقَالَ لَهُ ورقة: إِذا أَتَاك النداء، فَاثْبتْ لَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵊ فَقَالَ لَهُ: قل: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: ١ - ٢] . وبإسناده عَن أبي صَالح، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَامَ النَّبِي ﷺ وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم ب " مَكَّة " فَقَالَ: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم "، فَقَالَت قُرَيْش: رضّ الله فَاك. القَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا نزلت ب " الْمَدِينَة "، روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ، عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: " فَاتِحَة الْكتاب أنزلت بِالْمَدِينَةِ ". قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لكل عَالم هفوة، وَهَذِه هفوة مُجَاهِد؛ لِأَن الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - على خِلَافه. وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه: الأول: أَن سُورَة الْحجر مَكِّيَّة بالِاتِّفَاقِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ [الْحجر: ٨٧] ، وَهِي فَاتِحَة الْكتاب، وَهَذَا يدل على أَنه - تَعَالَى - آتَاهُ هَذِه السُّورَة فِيمَا تقدم.

стр. 90

وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيل، لِأَن النَّبِي ﵊ قَالَ: " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد ... " الحَدِيث، فَيكون هَذَا الْإِتْيَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَإِن منع فِي الْبَعْض فَلَا يمْنَع فِي الشَّفَاعَة. الثَّانِي: أَنه يبعد أَن يُقَال: إِنَّه أَقَامَ ب " مَكَّة " بضع سِنِين بِلَا فَاتِحَة الْكتاب. الثَّالِث: قَالَ بعض الْعلمَاء: هَذِه السُّورَة نزلت ب " مَكَّة " مرّة، وب " الْمَدِينَة " مرّة أُخْرَى، فَهِيَ مَكِّيَّة مَدَنِيَّة، وَلِهَذَا السَّبَب سَمَّاهَا الله - تَعَالَى - بالسبع المثاني؛ لِأَنَّهُ ثنى إنزالها، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك؛ مُبَالغَة فِي تشريفها. وأجمعت الْأمة على أَن الْفَاتِحَة سبع آيَات. وَرُوِيَ شاذا عَن الْحُسَيْن الْجعْفِيّ: أَنَّهَا سِتّ آيَات، وأجمعت الْأمة - أَيْضا - على أَنَّهَا من الْقُرْآن. وَنقل الْقُرْطُبِيّ: أَن الْفَاتِحَة مثبتة فِي مصحف ابْن مَسْعُود - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -

стр. 91

قولُه تعالى: ﴿الحمد للَّهِ﴾ . الحمدُ: الثناءُ على الجَمِيل سواءٌ كانت نِعمةً مُبْتدأة إلّى أَحَدٍ أَمْ لَا. يُقال: حَمَدْتُ الرجلَ على ما أَنْعَمَ به، وحمدتُه على شَجَاعته، ويكون باللسانِ وَحْدَهُ، دون عمل الجَوَارح، إذ لا يُقالُ: حمدت زيداً أيْ: عملت له بيدي عملاً حسناً، بخلاف الشكر؛ فإنه لا يكونُ إلاّ على نعمةٍ مُبْتَدأةٍ إلى الغير. يُقال: شَكَرْتُه على ما أعطاني، ولا يُقالُ: شكرتُه على شَجَاعَتِه، ويكون بالقلبِ، واللِّسانِ، والجَوَارح؛ قال الله تعالى: ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ [سبأ: ١٣] وقال الشاعرُ: [الطويل] . ٣٧ - أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلاثَةً ... يَدِي وَلِسانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَبَّبَا فيكونُ بين الحَمْدِ والشُّكْرِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ من وجه. وقيل: الحمدُ هو الشكر؛ بدليلِ قولِهم: «الحمدُ لِلَّهِ شُكراً» . وقيل: بينهما عُمومٌ وخصوص مُطْلق. والحمدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ. وقيلَ: الحمدُ: الثناءُ عليه تعالى [بأوصافِه، والشكرُ: الثناءُ عليهِ بِأَفْعاله] فالحامدُ قِسْمَانِ: شاكِرٌ ومُثْنٍ بالصفاتِ الجَمِيلة. وقيل: الحمدُ مَقْلُوبٌ من المَدْحِ، وليس بِسَدِيدٍ - وإِن كان منقولاً عن ثَعْلَب؛ لأنَّ المقلوبَ اقلُّ استِعمالاً من المقلوب منه، وهذان مُسْتَوِيانِ في الاستعمالِ، فليس ادعاءُ قلبِ أَحَدِهَما مِنَ الآخر أَوْلَى من العَكْسِ، فكانا مادّتين مُسْتَقِلَّتَيِن.

стр. 92

وأيضاَ فإنه يمتنعُ إطلاقُ المَدْحِ حيثُ يَجُوزُ إطلاقُ الحَمْدِ، فإنه يُقالُ: حمدتُ الله - تعالى - ولا يقال: مَدَحْتُه، ولو كانَ مَقْلُوباً لما امتنع ذلك. ولقائلٍ: أَنْ يقولَ: منع من ذلك مانِعٌ، وهو عَدَمُ الإِذْنِ في ذلك. وقال الرَّاغِبُ: «الحَمْدُ لله» : الثناءُ بالفَضِيلَةِ، وهو أخصُّ من المدحِ، وأَعَمُّ من الشُّكْرِ، فإنَّ المدْحَ يقال فيما يكونُ من الإنسانِ باختيارِه، وما يكونُ منه بغَيْرِ اختيار، فقد يُمْدَح الإنسانِ بطولِ قَامَتِهِ، وصَبَاحةِ وجهه، كما يمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه، والحمدُ يكونُ في الثَّاني دُونَ الأوّلِ. قال ابنُ الخَطِيبِ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: الفَرْقُ بين الحَمْدِ والمَدْحِ من وجوه: أحدها: أن المَدْحَ قد يحصلُ لِلحَيِّ، ولغيرِ الحَيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ من رَأَى لُؤْلُؤَةً في غايةِ الحُسْنِ، فإنه يَمْدَحُها؟ فثبتَ أنَّ المدحَ أَعمُّ من الحمدِ. الثَّاني: أن المدحَ قد يكونُ قَبْلَ الإِحْسَانِ، وقد يكونُ بعدَه، أما الحمدُ فإنه لا يكونُ إلَاّ بعد الإحسان. الثالث: أنَّا المدحَ قَدْ يكونُ مَنْهِياً عنه؛ قال ﵊: «احْثُوا التُّرَابَ في وُجُوهُ المَدَّاحينَ» . أما الحمدُ فإنه مأمورٌ به مُطْلَقاً؛ قال ﵊ ُ -: «مَنْ لَمْ يَحْمَدِ النَّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ» الرابعُ: أنَّ المدحَ عبارةٌ عنِ القولِ الدَّالُّ على كونه مُخْتَصاً بنوع من أنواع الفَضَائل. وأمّا الحمدُ فهو القولُ الدَّالُّ على كونه مختصَّا بِفَضيلة مُعَيَّنَةٍ، وهي فضيلةُ الإنعامِ والإحسان، فثبت أنَّ المدحَ أعمُّ من الحمدِ. وأمَّا الفرقُ بين الحمدِ والشُّكرِ، فهو أنَّ الحمدَ يَعَمُّ إذا وَصَلَذلك الإنْعَامُ إليك أَوْ إلَى غَيْرِك، وأما الشُّكْرُ، فهو مُخْتَصٌّ بالإنعامِ الواصلِ إليك. وقال الرَّاغِبُ ﵀: والشكرُ لا يُقالُ إلَاّ في مُقَابلة نعمة، فكلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ، وليس كُلُّ حمدٍ شُكْراً، وكل حمد مَدْحٌ، وليس كُلُّ مَدْحٍ حَمداً.

стр. 93

ويقال: فُلانٌ مَحْمُودٌ إذَا حُمِد، ومُحَمَّدٌ وُجِدَ مَحْمُوداً، ومحمد كثرت خصالُه المحمودَةُ. واحمدُ أَيْ: أَنَّهُ يَفُوقُ غَيْرَه في الحَمْدِ. والألفُ: واللام في «الحَمْد» قِيل: للاستغراقِ. وقيل: لتعريفِ الجِنْس، واختاره الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وقال الشاعر: [الطويل] ٣٨ - ... ... ... ... ... ... ... إلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ وقيل: للعَهْدِ، ومنع الزمخشريُّ كونَها للاستغراقِ، ولم يُبَيِّنْ وجهةَ ذلك، ويشبه أن يُقالَ: إنَّ المطلوبَ من العبدِ إنشاء الحَمْدِ، لا الإخبار به، وحينئذٍ يَسْتَحيلُ كونها للاستغراقِ، إذْ لا يمكنُ العَبْد أن ينشىءَ جميعَ المَحَامِدِ منه ومن غيرِه، بخلاف كونها للجِنسِ. والصلُ في «الحَمْدِ» المصدريّة؛ فلذلك لا يُثَنَّى، ولا يُجْمَعُ. وحكى ابنُ الأَعْرَابِيُّ جَمْعَهُ على «أَفْعُل» ؛ وأنشد: [الطويل] ٣٩ - وَأَبْيَضَ مَحْمُودِ الثَّنضاءِ خَصَصْتُهُ ... بأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضَلِ أَحْمُدِي وقرأ الجُمْهُورُ: «الحَمْدُ للهِ» برفْعِ وكسرِ لَامِ الجَرِّ، ورفعُهُ على الابتداءِ، والخبرُ الجارُّ والمجرورُ بعده يَتَعَلَّقُ بمحذوفٍ وهو الخَبَرُ في الحقيقة. ثم ذلك المحذوفُ إن شئتَ قدَّرْتَهُ [اسْماً، وهو المُخْتارُ، وإن شِئْتَ قَدَّرْتَهُ] فِعْلاً أَي: الحمدُ مُسْتَقِرٌّ لله، واسْتَقَرَّ لله. والدليلُ على اختيارِ القَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ ذَلك يَتَعَيَّنُ في بَعضِ الصورِ، فلا أَقَلُّ مِنْ

стр. 94

ترجيحِه في غَيْرِها، وذلك أنّك إذا قُلْتَ: «خَرجتُ فإِذَا في الدَّارِ زَيْدٌ» وأمَّا في الدَّارِ فَزَيْدٌ «يتعيّنُ في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ [أن يقدر بالاسم] ؛ لأنَّ» إذا «الفُجائية وأَمَّا الفُجائية وأَمَّا التَّفصِيليَّةُ لا يَلِيهِمَا إلَاّ المبتدأ. وقد عُورِضَ هذا اللَّفظُ بأنه يَتَعيَّنُ تقدير الفِعْلِ في بعضِ الصُّورِ، وهو ما إِذا وَقَعَ الجَارُّ والمجرورُ صِلَةً لموصولٍ، نحو: الَّذي في الدارِ فليكن رَاجِحاً في غيره؟ والجوابُ: أَنَّ ما رجحنا به من باب المبتدإِ، أَو الخبر، وليس أَجْنَبِيَّا، فكان اعتباره أوْلَى، بخلاف وقوعه صِلةً، [والأول غيرُ أَجْنَبِيٍّ] . ولا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قاعدةٍ - ها هنا - لعُمُومِ فائدتها، وهي أَنَّ الجار والمجرور والظرف إذا وَقَعا صلةً أو صِفَةً، أو حالاً، أو خبراً تَعلقا بمحذوفٍ، وذلك أن المحذوف لا يجوز ظهوره إذا كان كَوْناً مُطلقاً: فأمّا قول الشاعر: [الطويل] ٤٠ - ... - لَكَ الْعِزُّ إِنْ مَوْلاكَ عَزَّ، وَإِنْ يَهُنْ فَأَنْتَ لَدَى بُحْبُوحَةِ الْهُونِ كائِنُ ... وأما قولُه ﵎: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ﴾ [النمل: ٤٠] فلم يقصدْ جعلِ الظَّرفِ كائناً فلذلك ذكر المتعلِّقَ به، ثم ذلك المحذوفُ يجوزُ تقديرهُ باسمٍ أَوْ فعلٍ إلاّ في الصلَةِ، فإنه يتعيّنُ أن يكونَ فِعلاً. واختلفُوا: أَيُّ التقديرَيْنِ أَوْلَى فيما عدا الصور المستثناة؟ فقومٌ رجّحُوا تقديرَ الفِعْلِ، [وقومٌ رجَّحُوا تقدير الاسمِ] ، وقد تقدمَ دليلُ الفريقين. وقُرِىءَ شَاذَّاً بنصب الدالِ من» الحَمْد «، وفيه وجهان: أظهرُهُما: انه منصوبٌ على المصدريَّةِ، ثم حُذِف العاملُ، ونابَ المصدرُ مَنَابه؛ كقولِهِم في الأخبار:» حمداً، وشكراً لا كُفْراً «والتقدير:» أَحمد الله حمداً «، فهو مصدرٌ نَابَ عن جملةٍ خبريَّةٍ. وقال الطَّبريُّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: «إنَّ في ضمنِهِ أَمْرَ عبادِه أَنْ يُثْنُوا به عليه، فكأَنَّهُ

стр. 95

قال:» قولوا: الحَمْد للهِ «وعلى هذا يَجِيءُ قُولُوا: إيَّاكَ» . فعلى هذه العبارة يكونُ من المصادِر النائبَةِ عن الطَّلبِ لا الخبرِ، وهو محتملٌ للوجْهَيْنِ، ولكنْ كونُهُ خَبَرِيَّا أَوْلَى من كونه طَلَبياً، ولا يجوزُ إظهار الناصب، لئلَاّ يجمعَ بين البدلِ والمُبْدَلِ مِنْه. والثاني: أنه منصوبٌ على المَفْعُولِ بهِ، أَي: اجْمَعْ ضَبُعاً، والأوّلُ أَحْسَنُ؛ للدَّلالَةِ اللفظيةِ. وقراءَةُ الرفْعِ أمكنُ، وأَبْلَغُ مِنْ قراءَةِ النَّصب، لأنَّ الرفعَ في باب المَصَادِر التي أَصْلُها النِّيَابَةُ عَنْ أَفْعَالِها يدل على الثُّبُوتِ والاستقرَارِ، بخلافِ النَّصبِ، فإنه يدلُّ على التجددِ والحُدوثِ، ولذلك قال العلماء ﵏: إن جوابَ إِبْرَاهيمَ ﵊ في قوله تَعَالَى حكايةً عنه: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] أَحْسَنُ من قولِ الملائكة: ﴿قَالُواْ سَلَاماً﴾ [هود: ٦٩] امتثالاً لقولِه تعالى: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ [النساء: ٨٦] . و «لله» على قراءةِ النصبِ يتعّقُ بمحذوفٍ لا بالمصدرِ، لأنَّها للبيانِ، تقديرهُ: أَعْنِي لله، كقولِهم: «سُقْياً له ورَعياً لك» تقديرُه: «أَعْنِي له ولك» ، ويدلُّ على أنَّ اللام تتعلّقُ في هذا النوع بمحذوف لا بنفس المصدر، أنَّهم لم يُعْمِلُوا المصدر المتعدِّي في المجرور باللام، فينصبوه به فيقُولُوا: سُقْياً زيداً، ولا رَعْياً عمراً، فدلَّ على أنه ليس مَعْمولاً للمصدرِ، ولذلك غَلِطَ من جعل قولَه تَعَالَى: ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٨] ، مِنْ بَابِ الاشْتِغَالِ؛ لأنَّ «لَهُمْ» لا يتعلَّقُ ب «تَعْساً» كما مَرَّ. ويحتملُ أَنْ يُقالُ: إن اللام في «سُقياً لك» ونحوِهِ مقويةٌ لتعدِيَةِ العامل؛ لكونِهِ فَرْعاً فيكون عاملاً فيما بعده. وقُرىءَ: - أَيْضاً - بِكَسْرِ الدَّال، وجهُهُ: أَنَّها حركةُ إِتباعٍ لكسرَةِ لَامِ الجَرِّ بعده، وهي لُغَةُ «تَمِيم» ، وبَعْضِ «غَطَفَان» ، يُتْبِعُونَ الأوّل للثَّاني؛ للتَّجانسِ. ومنه: [الطويل] ٤١ - ... ... ... ... ... ... اضْرِبِ السَّاقَيْنُ أُمُّكَ هَابِلُ

стр. 96

بضمِ نُونِ التّثنِيَةِ لأجل ضمّةِ الهَمْزَةِ، ومثلُه، [البسيط] ٤٢ - ... - وَيْلِمِّهَا فِي هَوَاءِ الْجَوِّ طَالِبَةً وَلَا كَهَذَا الَّذِي في الأَرْضِ مَطْلُوبُ ... الأصل: وَيْلٌ لأُمِّهَا، فحذفَ اللَّامَ الأُولَى، واستثقَلَ ضَمَّةَ الهمزةِ بعد الكَسْرَةِ، فنقلَها إلى اللام بعد سَلْبِ حَرَكَتِها، وحذَفَ الهَمْزَةَ، ثم أَتْبَعَ اللَاّمَ المِيمَ، فصار اللفظ: «وَيْلِمِّهَا» . ومِنْهم مَنْ لا يُتْبِعُ، فيقول: «وَيْلُمِّهَا» بِضَمِّ اللَاّمِ، قال: [البسيط] ٤٣ - وَيْلُمِّهَا خُلَّةً قَدْ سِيْطَ مِنْ دَمِهَا ... فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِخْلافٌ وتَبْديلُ ويحتملُ أَنْ تَكُونَ هذه القراءةُ مِنْ رَفْعٍ، وأَنْ تَكُونَ مِنْ نَصْبٍ، لأنَّ الإعرابَ نُقَدَّرٌ مَنَعَ من ظُهُورِهِ حَرَكَةُ الإتباعِ. قرىء أيضاً: «لُلَّهِ» بضم لَامِ الجَرِّ، قَالُوا: وهي إتباعٌ لحركةِ الدَّالِ وفضّلها الزمخشريُّ على قراءة كَسْرِ الدَّالِ، مُعَلِّلاً لذلك بِأَنَّ إتباعَ حركَةِ الإعرابِ أَحْسَنُ مِنَ العَكْسِ، وهي لغةُ بَعْضِ «قَيْس» ، يُتْبِعُون الثانِي نحو: «مُنْحَدُر ومُقُبِلِينَ» بضم الدَّال والقاف لأجل الميم، وعليه قرىء: ﴿مُرُدفين﴾ [الأنفال: ٩] بِضَمِّ الراءِ، إِتْباعاً لِلْمِيمِ. فهذه أَرْبَعُ قِرَاءَاتٍ في «الحَمْدِ للهِ» . ومعنى لام الجَرِّ - هنا - الاستحقاقُ أَيْ: الحمدُ مستحقٌّ لله - تعالى - ولها معانٍ أخر نَذْكُرُها وهي: المُلْكُ: المالُ لِزَيْدٍ. والاستحقاقُ: الجُل لِلْفَرَسِ. والتَّمْليكُ: نحو: وهبتُ لَكَ وَشِبْهُهُ نحو: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [الشورى: ١١] لتسكنوا إليها. والنسب: نحو: لِزَيْدٍ عَمٌّ. والتعليلُ: نحو: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس﴾ [النساء: ١٠٥] ، والتبليغُ: نحو: قُلْتُ لَكَ. والتبليغُ: نحو قلتُ لك. وللتعجُّبِ في القَسَمِ خاصَّةً؛ كقوله: [البسيط]

стр. 97

٤٤ - للهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ ... بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيَّانُ وَالآسُ والتَّبيِينُ نحو قولِه تَعَالَى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] . والصيرورةُ: نحو قولِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] . والظرفية إِمَّا بِمَعْنَى «فِي» : كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، أَوْ بِمَعْنَى «عِنْدَ» : كقولِهم: «كَتَبُتُهُ لِخَمْسٍ» ، أيْ: عِنْدَ خَمْسٍ، أَوْ بِمَعْنَى «بَعْدَ» : كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ: بَعْدَ دُلُوكها. والانتهاءُ: كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] . والاستعلاءُ: نحو قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] . وقد تُزَادُ باطّرادِ في معمول الفعلِ مُقدَّماً عليه؛ كقولِه تَعَالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] [وإذا] كان العامِلُ فرعاً، نحو قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] . وَبِغَيْرِ اطرادٍ؛ نحو قوله في ذلك البيت: [الوافر] ٤٥ - فَلَمَّا أَنْ تَوَاقَفْنَا قَليلاً ... أَنَخْنَا لِلكَلَاكِلِ فَارتَمَيْنَا وأما قولُه تَعَالَى: ﴿عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] فقِيل: على التَّضْمِينِ، وقِيلَ: هي زَائِدَةٌ. ومن الناسِ مَنْ قال: تقديرُ الكَلام: قُولُوا: الحمد لله.

стр. 98

قال ابنُ الخَطِيب: - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: وهذا عندي ضعيفٌ؛ لأنْ الإضمارَ إنما يُصارُ إليه ليصحّ الكلامُ، وهذا الإضمار يُوجِبُ فسادَ الكلامِ، والدليل عليه: أن قوله - تعالى - «الحَمْدُ للهِ» إخبارٌ عن كونِ الحَمْدِ حقَّا [لله تعالى] وملكاً له، وهذا كَلَامٌ تام في نفسه، فلا حاجةَ إلى الإضمار. وأيضاً فإن قولَه: «الحمد لله» يدلُّ على كونِهِ مُسْتَحقاً للحمدِ بحسب ذاته، وبحسبِ أَفْعَالِه، سواءٌ حَمَدُوه أَوْ لَمْ يَحْمِدُوه. قال ابنُ الخَطِيب: رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: «الحَمْدُ للهِ ثمانيةُ أَحْرُفٍ، وأبوابُ الجَنَّةِ ثمانية [أبواب] ، فمن قال:» الحمد لله «بصفاءِ قَلْبِهِ استحقَّ أَبْوابَ الجَنَّةِ الثمانية» والله أعلم. فَصْلٌ تمسَّكَ الجَبْرِيَّةُ والقدريَّةُ بقوله تعالى: «الحمدُ للهِ» أما الجبريةُ فقد تمسَّكوا به من وجوه: الأولُ: اَنَّ كُلَّ مَنْ كَان فِعْلهُ اشْرَفَ وأَكْمَل، وكانت النعمةُ الصادِرةُ عنه أَعْلَى وأفضل، كان استحقاقُه للحمدِ أكثرَ، ولا شك أنَّ أَشْرَفَ المخلُوقَاتِ هو الإيمانُ، فلو كان الإيمانُ فِعلاً للعبد، لكان استحقاقُ العبدِ للحمدِ أَوْلَى وأجلَّ مِنِ اسْتِحْقاقِ الله له، ولما لم يكنْ كذلك، علمنا أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بخلقِ الله - تعالى - لا بِخَلْقِ العَبْدِ. الثاني: أجمعتِ الأمّةُ على قولِهم:: الحمدُ للهِ على نعمةِ الإيمانِ «؛ باطلاً، فإنَّ حمد الفاعِل على ما لَا يَكُون فِعْلاً له باطلٌ قَبِيحٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨] . الثالثُ: أّن قوله تعالى:» الحمدُ للهِ «يدلُّ ظاهِرُهُ على أنَّ كُلَّ الحمدِ لله، وانه لَيْسَ لِغَيْرِ الله - تعالى - حَمْدٌ أَصْلاً، وإنما يكونُ كلُّ الحمدِ لله تعالى إذا كان كُلُّ النِّعمِ من اللهِ تعالى، والإيمانُ أَفْضَلُ النعم، فوجب أَنْ يكونَ الإيمانُ من الله تعالى. الرابعُ: أَن قولَه:» الحَمد لله «مَدْحٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، ومدحُ النَّفْسِ قَبيحٌ فيما بينَ الخَلْقِ، فلما بدأ كتابَهُ بمدح النفْسِ، دلَّ ذلك على أَنَّ حالَهُ بخلافِ حَالِ الخلقِ، وأَنَّه يَحْسُن منه ما يقبحُ من الخَلْقِ، وذلك يدلُّ على أنه ﵎ مقدَّسٌ عن أن تُقَاس أفعالُه على أَفعالِ العِبَادِ.

стр. 99

الخامسُ: عند المعتزلةِ أفعالُه - تعالى - يجبُ أَنْ تكونَ حَسَنةً، ويجبُ أَنْ تكونَ لها صفةٌ زائِدَةٌ على الحُسْنِ، وإلا كان عبثاً، وذلك في حقه تعالى محالٌ، والزائدةُ على الحُسْنِ إمَّا [أن تَكُونَ] واجِبةً، وإما أن تكونَ من باب التَّفَضُّلِ. أما الواجبُ فهو مثلُ إِيصالِ الثواب، والعوض إلى المُكَلَّفِين. وأما الذي يكونُ من باب التفضل، فهو مثلُ أنَّه يزيدُ على قَدْرِ الواجِبِ على سبيلِ الإحْسَانِ. فنقولُ: هذا يَقْدّحُ في كونه - تعالى - مستحقاً للحمد، ويُبْطِلُ صحَّةَ قولنا: الحمدُ لله. وتقريرهُ أن نقولَ: أما أداةُ الواجِباتِ، فإنه لا يفيد استحقاقَ الحَمْدِ، ألا ترى أنَّ مَنْ كان له على غيره دَيْنُ دِينارِ، فادّاه، فإنه لا يَسْتَحِقُّ الحمدَ، فلو أوجبنا على الله تعالى فعلاً، لكان ذلك الفعلُ مخلصاً [له] عن الذَّمِّ، ولا يُوجِبُ استحقاقه للحمد. وأما فِعْلُ التفضُّلِ فعند الخصم أنه يستفيد بذلكَ مزيدَ حَمْدٍ ولو لم يصدرْ عنه ذلك الفعلُ، لما حَصَل له الحمدُ، فإذا كان كذلك كان ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، وذلك يمنع مِنْ كونه - تعالى - مُسْتحقاً للحمدِ والمدح. السَّادسُ: قولُه: الحمدُ لله يدلُّ على أنه - تعالى - محمودٌ، فنقولُ: استحقاقُه للحمد والمدحِ إما أن يكونَ أَمْرا ثابتاً لذاتِه، فإن كان الأوّل، امتنَع ثُبوتُه لغيره، فامتنع - أيضاً - أن يكون شَيْءٌ من الأفعالِ موجباً له استحقاق الذم؛ لأن ما ثبت لِذَاتِهِ امتنع ارتفاعه، فوجب ألَاّ يجبَ للعباد عليه شيءٌ مِنَ الأعْواضِ والثَّوابِ، وذلك يَهْدِمُ أصولَ المعتزلة. وأمّا القسم الثَّاني - وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتاً لذاتِهِ - فنقول: فيلزم منه أن يكونَ ناقِصاً لذاته مُستكملاً بغيره، وذلك على الله - تعالى - محالٌ. أما قول المعتزلة: إنَّ قَوْلَهُ:» الحَمْدُ لله «لا يتم إلَاّ على قولِنَا؛ لأن المستحقَّ للحمدِ على الإطلاقِ هو الذي لا قَبِيحَ في فِعْلِهِ، ولا جَورَ في قَضِيَّتِهِ، ولا ظُلمَ في أحكامِهِ، وعندنا أنَ الله - تعالى - كذلك؛ فكان مُسْتَحِقَّاً لأعظمِ المَحَامِدِ والمدائح. أمّا على مذهب الجَبْرِ لا قَبِيحَ إلا وهو فِعْلُه، ولا جَوْرَ إلا وهو حُكْمُه، ولَا عَبَثَ إلا وهو صُنْعُه؛ لأنه يخلقُ الكُفْرَ في الكافر، ثم يعذبُه عليه، ويؤلم الحيواناتِ مِنْ غَيْرِ أن يُعَوِّضَهَا، فكيف يُعْقلُ على هذا التقدِيرِ كونُه مُسْتحقاً للحمد؟ وأيضاً ذلك الحمد الذي يستحقه الله - تعالى - بسب الإلهيَّة؛ إِمَّا أن يستحِقُّهُ على

стр. 100

العبدِ، أَوْ عَلَى نفسه، فغن كان الأول وجب كونُ العبدِ قادراً على الفِعْلِ؛ وذلك يُبْطِلُ القول بالجَبْرِ. وإنْ كان الثاني كان معناه أن الله تعالى يجب عليه أن يحمد نَفْسَهُ؛ وذلكَ بَاطِلٌ، قالوا: فثبت أَنَّ القولَ لا يصحُّ إلا على قولنا. فَصْل هل وجب الشكر يثبت بالعقل أو الشرع؟ اختلفوا في أَنَّ وُجُوبَ الشُّكْرِ ثابِتٌ بالعَقْلِ أَوْ بالسَّمْعِ. مِنَ الناس مَنْ قال: إنه ثابِتٌ بالسَّمْعِ، لقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ، ولقوله ﵎: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] . ومِنْهم من قال: إنه ثَابِتٌ قبلَ مَجيء الشرع، وبعد مجيئه على الإطلاقِ؛ والدليلُ عليه قولُه ﵎: «الحَمدُ للهِ» وبيانه من وجوه: الأولُ: أَن قولَه تعالى: «الحمدُ لله» يدلُّ على أن هذا الحمدَ حَقُّهُ، وملكُه على الإطْلَاقِ، وذلك يدل على أنّ ثبوت هذا الاستحقاقِ كان قبل مَجِيء الشرْع. الثاني: أنه تعالى قال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] ؛ وقد ثَبَتَ في [أصُول] الفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ على الوَصْفِ المناسِبِ، يَدُلُّ على كونِ الحُكْمِ مُعَلِّلاً بذلك الوصف، فها هنا أثبتَ الحَمْدَ لنفسه، ووصف نَفْسَهُ بكونِه رَبَّ العالَمينِ رَحْماناً رَحِيماً بِهِم، مالكاً لعاقبةِ أمْرِهم في القيامَةِ، فهذا يدلُّ على أن استحقاقَ الحمدِ ثابتٌ - لله تعالى - في كل الأوقات، سواءٌ كان قَبْلَ مَجِيء النَّبي، أو بعده. فصل قال ابنُ الخَطيب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: تَحميدُ اللهِ - تعالى - ليس عبارةً عن قَوْلِنا: الحمدُ للهِ، إخبارٌ عن كُلِّ فِعْلٍ عن كُلِّ فِعلٍ يُشْعِرُ بتعظيم المنعم بسبب كَوْنِهِ مُنْعِماً، وذلك الفعل: إما أن يكونَ فِعْلَ القلبِ، أو فعل اللِّسان، أوْ فِعلِ الجوارح. أمَّا فعلُ القلبِ: فهو أنْ يَعْتَقِدَ فيه كونَهُ مَوْصُفاً بصفات الكمالِ والإجْلَال. وأما فعل اللِّسان فهو أنْ يذكر ألفاظاً دالَّةً على كونه مَوْصُوفاً بصفات الكمال [والإجلال] .

стр. 101

[وأما فعل الجوارح؛ فهو أنْ يأتي بأفعالٍ دالّةٍ على كَوْنِ المنعمِ مَوصُوفاً بصفات الكمال والإجلال] . واعلم أن أهل العلم ﵏ افترقوا في هذا المقام فِرقاً كثيرةً: فمنهم مَنْ قال: إنه لا يجوزُ عقلاً أن يأمرَ الله عَبِيدَه بان يَحْمَدُوه، واحتجوا عليه بوجوه: الأولُ: أن ذلك التحميدَ، إما أن يكونَ بناءً على إنْعَام وَصَل إليهم، أَوْ لا بِنَاءَ عليه، فالأول باطِلٌ؛ لأن هذا يقتضي أنه - تعالى - طلبَ منهم على إنعامِهِ جَزَاء ومُكافَأةً، وذلك يقدحُ في كَمَال الكرم، فإنّ الكريم إذا أنعم لم يُطالِبْ بالمُكَافأة. وأما الثاني: فهو إِتْعَابٌ لِلْغَيْرِ ابتِداءً، وذلك يُوجِبُ الظُّلْمَ. الثاني: قالُوا: إنَّ الاشتغالَ بهذا الحمدِ مُتْعِبٌ للحامدِ، وغيرُ نَافِعٍ للمحمُودِ، لأنه كامِلٌ لذاتِهِ، والكامل [لذاته] يستحيل أن يستكملَ بِغَيْره، فثبت أنَّ الاشتغال بهذا التحميدِ عَبَثٌ وضَرَرٌ، فوجب ألا يكونَ مَشروعاً. الثالثُ: أنَّ مَعْنَى الإِيجَابِ: أنه لَوْ لم يفعل لاسْتَحَقَّ العذابَ، فإيجابُ حَمْدِ الله تعالى معناه: أنه لو لم تشتغلْ بهذا الحمدِ، لَعَاقَبْتُكَ، وهذا الحمدُ لا نفعَ لَهُ في حَقِّ اللهِ ﵎، فكان معناه أن هذا الفعلَ لا فَائِدَة فِيه لأحدٍ، ولو تركته [لعاقبتك] أَبَدَ الآبادِ، وهذا لا يليقُ بالحَلِيم الكريم. والفريقُ الثاني: قَالُوا: الاشتغالُ بِحَمْدِ الله - تعالى - سُوءُ أَدَبٍ من وجوه: الأولُ: أنه يَجْرِي مَجْرَى مقابَلَةِ إحْسَانِ اللهِ بذلك الشُّكر القَلِيلِ. والثاني: أنَّ الاشتغالَ بالشُّكْرِ لا يتأتى مع استحضارِ تلك النِّعَمِ في القلْبِ، واشتغالُ القلبِ بالنعم يمنعه من الاسْتِغْرَاق في مَعْرِفَة المُنْعِمِ. والثالثُ: أنَّ الثناءَ على الله - تعالى - عند وُجْدَانِ النِّعْمَةِ يدلُّ على أنه إنَّما أَثْنَى عليه؛ لأجْلِ الفوز بتلك النعم، وهذا الرَّجُلُ في الحَقِيقَةِ مَعْبُوده، ومَطْلُوبُه إنما هو تلك النِّعَمِ، وحظُّ النَّفسِ، وذلك مقامٌ نَازِلٌ. وهذانِ مَرْدُودانِ بما تَقَدَّمَ وبأنَّ أفعالَهُ وأقوالَه وأسماءَهُ لا مدخل للعَقْلِ فيها، فقد سَمَّى رُوحَه مَاكِراً بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] ، ومتكبراً وغيرَ ذلك ممَّا تقدّم في أسمائه من قوله تعالى: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وغَيْرِه.

стр. 102

فإن قِيل: إنما ورد ذلك مِنْ حيثُ المُقَابلة، قُلْنَا: نُسلِّمُ، ولكنه قد سمى نفسه به، ونحن لا يجوزُ لنا تسميتُهُ به. وأما مِنْ حَيْثُ ورودُه في الشرع، فقال اللهُ تعالى: ﴿فاذكرونيا أَذْكُرْكُمْ واشكروا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] . قولُه تَعَالَى: ﴿رَبِّ العالمين﴾ . الرَّبُّ: لُغَةً: السيدُ، والمَالِكُ، والثَّابِتُ والمَعْبُودُ؛ ومنه قولُه: [الطويل] ٤٦ - أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ ... لَقَدْ هَانَ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ والمُصْلِحُ، وزاد بعضُهم أنه بمعنى: الصّاحبِ؛ وأنشد القائل: [الكامل] ٤٧ - قَدْ نَالَهُ رَبُّ الكِلَابِ بِكَفِّهِ ... بِيضٌ رِهَابٌ ريشُهُنَّ مُقزَّعُ والظاهِرُ أَنَّهُ - هنا - بمعنى المَالِك، فليس هو معنى زائداً. وقيل: يكون بمعنى الخَالِقِ. واختُلِفَ فيه: هل هو في الأصلِ وَصْفٌ أو مصدر؟ فمنهم من قال: [هو وَصْفٌ أي صِفَة مشبهة بمعنى «مُرَبٍّ» ] ، ثم اختلف هَؤلاءِ في وزنه. [فمنهم من قال] : هو على «فَعِل» كقولك: «نَمَّ - يَنِمُّ - فهو نَمٌّ» من النّمام، بمعنى غَمَّاز. وقيل: وزنه «فَاعِل» ، وأصلُه: «رَابٌّ» ، ثم حُذِفت الألفُ؛ لكثرةِ الاستعمالِ؛ لقولِهم: رَجُلٌ بَارٌّ وَبَرٌّ. ولقائلٍ أن يقولَ: لا نسلم أن «بَرَّ» مأخوذ من «بَارّ» بل هما صِفتان مُسْتقلتَانِ، فَلَا يَنْبَغِي أنْ يُدّعَى أنّ «ربَّا» أصله «رابٌّ» . ومنهم مَنْ: قال إنه مَصْدرٌ «رَبَّهُ - يَرُبُّهُ - رَبَّاً» أي: مَلَكَهُ.

стр. 103

قال: «لأنْ يَرُبَّنِي رَجَلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رَجَلٌ من هَوَازِنَ» . فهو مصدر في معنى الفاعل نحو: «رجل عَدْل وصَوْم» . ولا يُطْلقُ على غَيْرِ الباري - تعالى - إلاّ بقيد إضافةٍ، نحو قوله تعالى: ﴿ارجع إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] ، ويقولون: «هو رَبُّ الدَّارِ، ورَبُّ البَعِير» ، وقد قالته الجاهليةُ لِلْمَلِكِ من الناس مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ؛ قال الحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: [الخفيف] ٤٨ - وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْ ... مِ الحِيَارَيْنِ وَالبَلاءُ بَلَاءُ وهذا مِنْ كُفْرِهِمْ. وقرأ الجمهورُ: «رَبِّ» مجروراً على النعتِ «لله» ، أو البَدَلِ منه. وقرِئَ مَنْصوباً، وفيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: إمَّا بِمَا دَلَّ عليه الحمدُ، تقدِيرُه: «أحمد ربُّ العالمين» . أو على القطع من التبعية، أو على النِّداءِ وهذا أضعفُهَا، لأنه يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بين الصفة والموصوف. وقُرِىءَ مَرْفُوعاً على القَطْعِ من التبعية، فيكونُ خبراً لمبتدإٍ مَحْذّوفٍ، أيْ: «هُوَ رَبُّ» وإذْ قد عرض ذِكْرُ القَطْعِ في التَبعيَّةِ، فلنستطردْ ذِكْرَهُ، لِعُمُومِ فَائِدَتِهِ فنقول: اعلم أنَّ الموصوفَ إذا كان معلوماً بدون صفته، وكان الوصفُ مَدْحَاً، أو ذماً، أو ترحُّما - جاز في الوَصْفِ الإتباعُ والقطعُ. والقطعُ: إما على النصْبِ بإضمار فعل لائقٍ، وإمَّا على الرَّفعِ على خَبَرٍ لمبتدإ مَحْذُوفٍ، ولا يجوزُ إظهارُ هذا الناصِبِ، ولا هذا المبتدإ، نحو قولِهم: «الحَمْدُ لله أَهْلُ الحَمْدِ» رُوِيَ بنصبِ «أهْل» ورفعِه، أيْ: أعني أَهْلَ، أو هو أَهلُ الحمدِ. وإِذا تكررتِ النُّعوتُ، والحالةُ هذه، كُنْتَ مُخَيَّراً بين ثلاثة أوجه:

стр. 104

إما إتباعُ الجَميعِ، أو قَطْعُ الجَميع، أوْ قَطْعُ البَعْضِ، وإتباعُ البَعْضِ. إلاّ أنك إذا أَتْبَعْتَ البعضَ، وقطعتَ البعضَ وجب أَنْ تَبْدَأ بالإتباعِ، ثُمَّ تأتي بالقَطْعِ من غير عَكْسٍ، نحو: «مررتُ بزيدٍ الفَاضِلِ الكَرِيمُ» ؛ لِئَلَاّ يلزمَ الفصلُ بين الصفَةِ والموصُوفِ بالجملةِ المَقْطُوعَةِ. و «العَالَمِينَ» خَفْضٌ بالإضافَةِ، عَلَامةُ خفضِه الياءُ؛ لجريانه مَجْرى جمع المذكرِ السَّالِمِ، وهم اسْمُ جَمْعٍ؛ لأنَّ واحِدَهُ مِنْ غَيْرِ لفظه، ولا يَجوزُ أن يكونَ جمعاً ل «عَالَم» مُرَاداً به العاقل دُونَ غَيْره، فيزولَ المحذْورُ المذكور؟ وأُجِيبَ عنه: بأنه لَوْ جاز ذلك، لَجَازَ أَنْ يُقالَ: «شَيْئُون» جَمْعُ «شَيءٍ» مُرَاداً به العاقل دون غيره، فدل عَدَمُ جَوَازِه على عدم ادّعاءِ ذلك. وفي الجواب نَظَرٌ، إذْ لِقائل أنْ يقول: شيئون «منع منه مانِعٌ آخرُ، وهو كونهُ لَيْسَ صِفَةً ولا علماً، فلا يلزَمُ مِنْ مَنْعِ ذلك منعُ» عَالَمِين «مراداً به العاقل. ويُؤَيِّدُ هذا ما نَقَلَ الراغِبُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ - رضى الله تعالى عنهما - أنَّ «عَالَمِين» إنما جمع هذا الجمع؛ لأن المراد به الملائكةُ والجنُّ والإنْسُ. وقال الراغِبُ أيضاً: «إنَّ العَالَم في الأصلِ اسم لما يُعْلَمُ به كالطَّابَعِ اسم لما يُطْبَعُ» وجُعِلَ بناؤُه على هذه الصيغَةِ، لكونه كالآلةِ، فالعالَمُ آلة في الدلالةِ على صَانعه. وقال الرَّاغبُ أيضاً: «إنَّ العَالَم في الأصل لما يُعْلَمُ به كالطَّابَعِ اسم لما يُطْبَعُ» وجُعِلَ بناؤه على هذه الصيغَةِ، لكونه كالآلةِ، فالعالَمُ آلة في الدلالةِ على صَانِعه. وقال الرَّاغِبُ: أيضاً: «وأما جمعُه جَمْعُ السَّلامةِ، فلكون الناس في جُمْلَتِهِم، والإنسانُ إذا شَارَك غيرَهُ في اللَّفظِ غَلَبَ حُكْمُ» ، فظاهر هذا أَنَّ «العَالَمِين» يطلق على العُقَلاء وغَيْرِه، وهو مُخالِفٌ لما تقدّم من اختصاصِهِ بالعقلاء، كما زعم بعضُهم، وكلام الراغِبِ هو الأصَحُّ الظّاهرُ.

стр. 105

فصل في وجوه تربية الله لعبده قال ابنُ الخَطِيبِ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: «وجوه تَرْبِيَةِ الله لِلْعَبْدِ كثيرةٌ غيرُ مُتَنَاهِيَةٍ، ونحن نذكر منها أمثله: الأولُ: لما وَقَعَتِ النّطفةُ مِنْ صُلْبِ الأَبِ إلى رَحِمِ الأُمِّ، فَرَبَّاهَا حتى صارت عَلَقَةً أَولاً، ثم مُضْغَةً ثانيةً، ثم تولّدت منه أعضاء مُختلفةٌ، مثلُ العِظَامِ، والغَضَارِيفِ، والرّبَاطَاتِ، والأَوْتَارِ، والأوردَةِ، والشرايِين، ثم اتصل البعضُ بالبعضِ، ثمَّ حَصَلَ في كُلِّ واحِدٍ منها نَوْعٌ خَاصٌّ من أنواع القُوَى، فحصلت القوّةُ الباصرة في العَيْنِ، والسَّامِعَةُ في الأُذُنِ، والنَّاطِقَةُ في اللِّسانِ، فسُبْحَانَ مَنْ بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأَسْمَعَ بِعَظْمٍ، وأَنْطَقَ بِلَحْمٍ» ! . والثَّاني: أن الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وقعت في الأرض، فإذا وصلت نَدَاوةُ الأرضِ إليها، انتفَخَتْ ولا تنشق من شيء من الجوانِبِ إلاّ مِنْ أَعْلَاها وأسفلها، مَعَ أنَّ الانتفاخَ حاصلٌ من جميع الجوانب. أما الشق الأعلى، فيخرجُ منه الجزءُ الصاعِدُ، فبعد صعودِهِ يحصُلُ له سَاقٌ، ثم ينفصِلُ من ذلك الساقِ أَغْصَانٌ كثيرةٌ، ثم يظهر على تلك الأغصانِ الأَنْوَارُ أوَّلاً، ثُمَّ الثِّمَار ثانياً، ويحصل لتلك الثمار أجزاء مختلفة بالكَثَافَةِ، واللطافة، وهي القُشُور، واللّبوبُ، ثم الأدهان. وأما الجُزْءُ الغائِصُ من الشجرة، فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها، وتلك الأطراف تكون في اللطافة كأنها مياع منعقدة، ومع غايةِ لُطْفِها، فإنها تغوص في الأرض الصّلبة اليابسة، وأودع فيها قُوى جاذبةً تجذِبُ اللّطيفةَ من الطين إلى نفسها، والحكمةُ في كلِّ هذه التدبِيرَاتِ تحصيلُ ما يحتاج العبد إليه من الغِذَاءِ، والإدام، والفواكه، والأشربةِ، والأدْوِيَةِ؛ كما قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] . فَصْلٌ اختلفوا في ﴿العالمين﴾ . قال ابن عباس ﵄: «هُمُ الجنُّ والإِنْسُ؛ لأنهم المكلّفون بالخِطَابِ» ؛ قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] .

стр. 106

وقال قتادةُ: والحَسَنُ، ومُجَاهِدٌ - رضي الله تعالى عنهم -: «جميعُ المخلوقينَ» ؛ قال ﵎: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] . واشْتِقَاقُه من العَلمِ والعَلَامَةِ، سُمُّوا بذلك؛ لظُهورِ أَثَرِ الصنعة فيهم. قال أَبُو عُبَيد - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: هم أرْبَعُ أُمَم: والإنسُ، والجِنُّ، والشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ من العلم، ولا يُقَال للبهائِمِ؛ لأنها لا تَعْقِلُ. واخْتَلَفُوا في مبلغِهِم. قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّب ﵁: «للهِ ألْفُ عَالَمٍ: سِتُّمائةٍ في البَحْرِ، وأربعمائة في البرِ» .

стр. 107

وقال مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان ﵁: «ثَمانُونَ أَلْفاً، أَرْبَعُون ألفا في البَحْرِ، وأربعونَ ألفا في البَرِّ» . وقال وَهْبٌ ﵁: «لله ثَمَانِيَةَ عَشرَ ألفَ عَالَمٍ، الدّنيا منها، وما العمران في الخَرَابِ إلا كفُسطاطٍ في صَحْراء» . وقال كَعْبُ الحبارِ ﵁: «لا يُحْصي عَدَدَ العَالَمِين إلاّ اللهُ » ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣ ١] . قوله تعالى : ﴿الرحمن الرحيم﴾ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ - وقرئا منصوبين، ومَرْفُوعَيْنِ، وتَوْجِيهُ ذلك ما ذكر في: ﴿رَبِّ العالمين﴾ ، وتقدم الكلام على اشْتِقاقِهما في «البَسْمَلَةِ» فَأَغْنَى عن إِعَادَتِه. قوله تعالى: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ يجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً أيضاً، أوْ بَدَلاًَ، وإن كان البدلُ بالمشتقِّ قليلاً، وهو مُشْتَقٌّ من «المُلْك» - بفتح الميم - وهو: الشَّدُّ والرَّبْطُ، قال الشاعرُ في ذلك: [الطويل] ٤٩ - مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا ومنه: إِمْلَاكُ العَرُوسِ؛ لأنّه عَقْدٌ، ورَبْطٌ، للِّنِكاحِ.

стр. 108

وقُرِىءَ: «مَالِك» بالألَفِ. قال الأَخْفَش - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - يُقال: مَلِك بَيَّنُ المُلْكِ - بضم الميم، و «مَالِك» من «المَلِكِ» بفتح الميم وكسرها. ورُويَ ضمُّها - أيضاً - بهذا المعنى. وروي عن العربِ: «لِي في هَذَا الوَادي مَلْكٌ ومُلْكٌ ومِلْكٌ» مُثَلَّثُ الفاء، ولكن المعروفَ الفرقُ بَيْنَ الأَلْفَاظِ الثَّلاثَةِ: فالمفْتُوح: الشَّدُّ والرَّبْطُ. والمضْمُومُ: هو القَهْرُ والتسلُّطَ على من يتأتّى منه الطَاعَةُ، ويكون باسْتِحْقَاقٍ وغَيْرِه، والمقصور: هو التَّسَلُّطَ عَلَى مَنْ يتأتّى منه الطاعة ومَنْ لا يتأتى منه، ولا يكونُ إلَاّ باستحقاقٍ؛ فيكونُ بَيْنَ المقصورِ والمضمُُومِ عمومٌ وخُصوصٌ من وجه. وقال الرَّاغِبُ: المِلْكُ أي «بالكَسْرِ» كالجِنْسُ للملك، أي «بالضَّم» فكُلُّ مِلْكٍ «بالكسر» ملك، وليس كُلُّ ملكٍ مِلْكاً، فعلى هذا يكُونُ بينما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وبهذا يُعْرَفُ الفرقُ بين ملك ومالك، فَإِنَّ ملكاً مأْخُوذَةٌ مِنَ المُلْكِ بالضمِ ومالِكا مأخوذ من المِلك «بالكَسْرِ» وقيل: إنَّ الفرقَ بينهما: أنَّ المَلِكَ: اسْمُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ السياسة، إِمَّا في نَفْسِه، بِالتمكُّنِ مِنْ زمام ِ قواه وصرفها عَنْ هَوَاهَا. وإِمَّا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، سَوَاءٌ تولى ذلك أَوْ لَمْ يتولّ. وقد رَجَّحَ كُلُّ فَرِيقٍ إِحْدَى القِرَائَتَيْنِ على الأُخْرَى تَرْجِيحاً يكادُ يسقط القِرَاءَاتِ الأُخْرَى، وهذا غَيْرُ مَرْضيٍّ؛ لأنَّ كِلْتَيْهِما مُتَوَاتِرةٌ، ويدلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ثَعْلَب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - أنه قال: إِذَا اخْتَلَفَ الإِعْرَابُ في القرآن عن السَّبعةِ، لم أُفَضِّلُ إِعْرَابَاً على إعراب في القرآنِ، فإذا خرجتُ إلى كلامِ الناسِ، فصَّلْتُ الأَقْوَى. نقله أَبُو عَمْرو الزّاهد في «اليَوَاقيت» . قال أَبُو شَامَة ﵀: - قَدْ أَكْثَر المُصَنِّفُونَ في القراءَات والتفاسِيرِ مِنَ التّرْجِيحِ

стр. 109

بَيْنَ هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ، حتى أن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، ولَيْسَ هذا بِمَحْمُودٍ بعد ثُبُوتِ القِرَاءَتَيْنِ، وصحَّةِ اتصافِ الربِّ بهما حتى إني أُصَلِّي بهذه في رَكْعَةٍ، وبهذه في رَكْعةٍ، ذكر ذلك عند قَوْلِهِ تعالى: مَالِك يَوْمِ الدِّين. وَرَوى الحُسَيْنُ بنُ عَليٍّ الجعفي، وعبدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ، عَنْ اَبِي عَمْروٍ: «مَلْكِ» بِجَزْمِ اللَاّمِ على النَّعْتِ أيضاً. وقرأ الأَعْمَشُ، ومحمدُ بنُ السّمفيع، واَبُو عَبْد الملك قاضي الجُنْد: «مَالِكَ» بنصب الكاف على النِّداءِ. روي أن النبي ﷺ َ قال في بعض غزواته: يا مالك يوم الدين، وقُرىء بنصبِ الكَافِ من غير ألف النداء أيضاً، وهي قراءةُ عَطِيَّةَ بن قَيْس، وقرأ عَوْن

стр. 110

العُقَيْلِيُّ بالأَلَف وَرَفْعِ الكَاف، على مَعْنَى: «هُوَ مَالِك» . وقرأَ يَحْيَى بنُ يَعْمُر «مالك» بالإمالة والإضجاع البليغ. وقرأ أيُّوبُ السَّخْتيَانِيّ: بَيْنَ الإمَالةِ والتّفْخِيم، ورواها قُتَيْبَةُ عنِ الكِسَائي. وقرأ الحَسَنُ «مَلَك يَوْمَ الدِّين» على الفِعْلِ، وهو اختيارُ أبِي حَنِيفَة - رضي الله تعالى عنه - ورُويتْ أيضاً عَنْ أَبِي حَيْوَة، ويَحيَى بن يعمر فمما رجحت به قراءة «مَالِكِ» أَنَّها أمْدَحُ؛ لعُمُوم إضافَتِه، إذ يُقالُ: «مَالِكُ الجِنِّ، والإِنْسِ، والطَّيْرِ» ولا يُقالُ: «مَلِك الطّيْرِ» ، وأنشدوا على ذلك: [الكامل] ٥٠ - سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ [الوُجُوهُ] لِوَجْهِهِ ... مَلِكِ المُلُوكِ وَمَالِكِ العَفْوِ وقالُوا: فُلَانُ مَالِك كَذَا، لِمَنْ يَمْلِكُه، بخلافِ مَلِك فَإِنَّهُ يُضَافُ إلى غَيرِ المُلُوكِ
следующие страницы →