Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.
стр. 11376
وقال زهير: [الطويل]
٤٦٦٧ - بِخَيْلٍ عليْهَا جنَّةٌ عبْقريَّةٌ ... جَدِيرُونَ يوماً أن ينَالُوا فَيستعْلُوا
وقال الجوهري: «العَبْقَري» موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن؛ قال لبيد: [الطويل]
٤٦٦٨ - ... ... ... ... ... ... ... كُهُولٌ وشُبَّانٌ كَجِنَّةِ عَبْقَرِ
ثم نسبوا إليها كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا: «عبقري» وهو واحد وجمع.
وفي الحديث: «أنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ على عَبْقَرِيّ» وهو البُسُط التي فيها الأصباغ، والنقوش، والمراد به في الآية: قيل: البسط التي فيها الصّور والتماثيل وقيل: الزَّرابي.
وقيل: الطَّنافس.
وقيل: الدِّيباج الثَّخين.
«عَبْقَرِي» جمع عبقرية، فيكون اسم جنس كما تقدم في «رفرف» .
وقيل: هو واحد دالّ على الجمع، ولذلك وصف ب «حِسَان» .
قال القرطبي: وقرأ بعضهم: «عَباقِريٌّ حِسَان» وهو خطأ؛ لأن المنسوب لا يجمع على نسبته.
وقال قطرب: ليس بمنسوب، وهو مثل: «كُرسيِّ وكَراسِيّ، وبُختيِّ وبخاتِي» .
قوله: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ .
قرأ ابن عامر: «ذُو الجلالِ» بالواو، جعله تابعاً للاسم، وكذا هي مرسومة في مصاحف الشَّاميين.
قال القرطبي: «وذلك يقوي كون الاسم هو المسمّى» .
стр. 11377
والباقون: بالياء، صفة للربّ، فإنه هو الموصوف بذلك، وأجمعوا على أن الواو في الأولى إلا من استثنى فيما تقدم.
فصل في تحرير معنى تبارك
«تبارك» تفاعل من «البركة» .
قال ابن الخطيب: وأصل التَّبارك من التَّبرك، وهو الدوام والثبات، ومنه برك البعير وبركة الماء، فإن الماء يكون فيها دائماً.
والمعنى: دام اسمه وثبت، أو دام الخير عنده؛ لأن البركة وإن كانت من الثبات، لكنها تستعمل في الخير، أو يكون معناه: علا وارتفع شأنه.
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
قال القرطبي: كأنه يريد به الاسم الذي افتتح به السُّورة، فقال: «الرحمن» فافتتح بهذا الاسم، فوصف خلق الإنسان والجن، وخلق السموات والأرض وصنعه، وأنه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها وصفة النار، ثم ختمها بصفة الجنان، ثم قال في آخر السورة: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ أي: هذا الاسم الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله فرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء والأرض، والخليقة، والخلق، والجنة والنَّار، فهذا كله لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه فقال: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ﴾ ، ثم قال: ﴿ذِي الجلال والإكرام﴾ أي: جليل في ذاته كريم في أفعاله.
روى الثعلبي عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: «لِكُلِّ شَيءٍ عروسٌ، وعرُوسُ القرآنِ سُورةُ الرَّحمنِ، جل ذكرهُ» .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورة الرَّحْمَنِ رحِمَ الله ضعفهُ، وأدَّى شُكْرَ مَا أنْعَمَ اللَّهُ عليه» .
والله الموفق الهادي إلى الخيرات، اللهم ارحمنا برحمتك.
стр. 11378
سورة الواقعة
مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. قال ابن عباس وقتادة: إلى آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢] .
وقال الكلبي: مكية إلا أربع آيات، منها آيتان: ﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨١، ٨٢] نزلتا في سفر، وقوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] نزلتا في سفره إلى " المدينة ".
стр. 11379
وهي سبع وتسعون آية، وثلاث مائة وثمان وسبعون كلمة، وألف [وتسعمائة] وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ .
في «إذا» أوجه:
أحدها: أنها ظرف محض ليس فيها معنى الشَّرط، والعامل فيها «ليس» .
الثاني: أن العامل فيها «اذْكر» مقدراً.
قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ؟ .
قلت: ب «ليس» ، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل.
ثم قال: أو بإضمار «اذكر» .
قال أبو حيان: «ولا يقول هذا نحوي» .
стр. 11380
قال: لأن «ليس» مثل «ما» النافية فلا حدث فيها، فكيف تعمل في الظرف من غير حدث، وتسميتها فعلاً مجازاً، فإن حدَّ الفعل غير منطبق عليها.
ثم قال: وأمَّا المثال الذي نظر به، فالظرف ليس معمولاً ل «ليس» بل للخبر، وتقدم معمول خبرها عليها، وهي مسألة خلاف. انتهى.
قال شهاب الدين: الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ومعنى كلام الزمخشري أن النفي المفهوم من «ليس» هو العامل في «إذا» كأنه قيل: ينتفي كذب وقوعها إذا وقعت، ويدل على هذا قول أبي البقاء ﵀.
والثاني: ظرف لما دل عليه ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ ، أي: إذا وقعت لم تكذب، فإن قيل: فليجر ذلك في «ما» النافية؟ .
فالجواب: أن الفعل أقرب إلى الدلالة على الحدث من الحرف.
الثالث: أنها شرطية، وجوابها مقدر، أي: «إذا وقعت كان كيت وكيت» ، وهو العامل فيها.
الرابع: أنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ويليها، وهو اختيار أبي حيان، وتبع في ذلك مكيًّا.
قال مكي: «والعامل فيه» وقعت «؛ لأنها قد يجازى بها، فعمل فيها الفعل الذي بعدها كما يعمل في» مَا «، و» مَنْ «اللتين للشرط في قولك: ما تَفْعَلْ أفْعَلْ، ومن تُكْرِمْ أكْرِمْ» ، ثم ذكر كلاماً كثيراً.
الخامس: أنها مبتدأ، و «إذَا رُجَّتْ» خبرها، وهذا على قولنا: «إنها تتصرف» وقد مضى تحريره إلا أن هذا الوجه إنما جوزه ابن مالك، وابن جني، وأبو الفضل الرازي على قراءة من نصب «خافِضَةً رافِعَةً» على الحال، وحكاه بعضهم عن الأخفش.
قال شهاب الدين: «ولا أدري اختصاص ذلك بوجه النَّصب» .
السادس: أنه ظرف ل «خافضة» ، أو «رافعة» . قاله أبو البقاء. أي إذا وقعت خفضت ورفعت.
السابع: أن تكون ظرفاً ل «رُجَّتْ» ، و «إذَا» الثانية على هذا إما بدل من الأولى، أو تكرير لها.
الثامن: أن العامل فيه ما دلّ عليه قوله:
﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: ٨] أي: إذا وقعت بانت أحوال الناس فيها.
стр. 11381
التاسع: أن جواب الشرط، قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: ٨] إلى آخره، و «لِوقعَتِهَا» خبر مقدم، و «كاذبة» اسم مؤخر.
و «كاذبة» يجوز أن تكون اسم فاعل، وهو الظَّاهر، وهو صفة لمحذوف، فقدر الزمخشري: «نفس كاذبة» .
أي: أن ذلك اليوم لا يكذب على الله أحد، ولا يكذِّب بيوم القيامة أحد.
ثم قال: «و» اللام «مثلها في قوله: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ، أو ليس نفس تكذبها، وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها اليوم، يقلن لها: لن تكوني، أو هي من قولهم: كَذَبَتْ فُلاناً نفسُه في الخَطْبِ العظيم إذا شجعته على مباشرته، وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال به، على معنى أنها وقعة لا تُطاق شدة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحت صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذلّ، ألا ترى إلى قوله ﴿كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤] ، والفراش مثل في الضعف» .
وقدره ابن عطية: «حال كاذبة» .
قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين:
أحدهما: كاذبة أي: مكذوبة فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما تقول: هذه قصّة كاذبة، أي: مكذوب فيها.
والثاني: حال كاذبة أي: لا يمضي وقوعها، كقولك: فلان إذا حمل لم يكذب.
والثالث: «كاذبة» مصدر بمعنى التَّكذيب. نحو ﴿خَآئِنَةَ الأعين﴾ [غافر: ١٩] .
قال الزمخشري: وقيل: «كاذبة» مصدر ك «العاقبة» بمعنى التكذيب من قولك: حمل فلان على قرنه فما كذب، أي فما جبن ولا تثبَّط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له وإقدامه عليه وأنشد ل «زهير» : [البسيط]
٤٦٦٩ - ... ... ... ... ... ... . إذَا ... مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقَا
أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد انتهى.
стр. 11382
وهو كلام حسن جدًّا.
ثم لك في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها لا محلّ لها من الإعراب، إما لأنها ابتدائية، ولا سيما على رأي الزمخشري، حيث جعل الظرف متعلقاً بها.
وإما لأنها اعتراضية بين الشرط وجوابه المحذوف.
الثاني: أن محلّها النصب على الحال. قاله ابن عطية.
ولم يبين صاحب الحال، ماذا؟ .
وهو واضح إذ لم يكن هنا إلَاّ الواقعة، وقد صرَّح أبو الفضل بذلك.
وقرأ العامة: برفع «خَافِضَةٌ ورافِعَةٌ» على أنها خبر ابتداء مضمر، أي: هي خافضة قوماً إلى النَّار، ورافعة آخرين إلى الجنة، فالمفعول محذوف لفهم المعنى.
أو يكون المعنى أنها ذات خفض ورفع، كقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ، ﴿وَكُلُواْ واشربوا﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وقرأ زيد بن علي وعيسى والحسن، وأبو حيوة، وابن مقسم واليزيدي: بنصبهما على الحال.
ويروى عن الكسائي أنه قال: «لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به» انتهى.
قال شهاب الدين: «ولا أظن مثل هذا يصح عن مثل هذا» .
واختلف في ذي الحال:
فقال أبو البقاء: من الضمير في «كاذبة» ، أو في «وقعت» .
وإصلاحه أن نقول: أو فاعل «وقعت» ؛ إذ لا ضمير في «وقعتْ» .
وقال ابن عطية وأبو الفضل: من «الواقعة» .
ثم قرّرا مجيء الحال متعددة من ذي حال واحدة، كما تجيء الأخبار متعددة. وقد تقدم بيانه.
وقال أبو الفضل: «وإذا جعلت هذه كلها أحوالاً، كان العامل في» إذا وقعت «محذوفاً يدل عليه الفحوى، أي: إذا وقعت يحاسبون» .
стр. 11383
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ أي: إذا قامت القيامة، والمراد: النَّفخة الأخيرة، وسميت الواقعة لأنها تقعُ عن قرب.
وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشَّدائد.
قال الجرجاني: «إذا» صلة، أي: وقعت الواقعة، كقوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] وهو كما يقال: جاء الصوم، أي: دنا واقترب.
وقال القرطبي: فيه إضمار، أي: اذكر إذا وقعت، وعلى هذا «إذا» للتَّوقيت، والجواب قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: ٨] .
وقال ابن الخطيب: أو يكون التقدير: إذا وقعت الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، ولا يتمكّن أحد من إنكارها.
و ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ .
«الكاذبة» : مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى: ﴿لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أي: لغو، والمعنى: ليس لها كذب.
قاله الكسائي.
ومنه قول العامة: عائذاً بالله، أي: معاذ الله، وقُمْ قائماً، أي: قم قياماً.
وقيل: الكاذبة: صفة، والموصوف محذوف، أي: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة، أي كل من يخبر عن وقعتها صادق.
وقال الزجاج: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: لا يردها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة.
وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها.
وقيل: إن قيامها جدّ لا هزل فيه.
وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ .
قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت من نأى، يعنى أسمعت القريب والبعيد.
وعن السّدي: خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين.
стр. 11384
وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.
وقال ابن عطاء: خفضت أقواماً بالعدل، ورفعت أقواماً بالفضل.
والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزّ والمهانة، ونسب الرفع والخفض إلى القيامة توسعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يمكن منه الفعل، يقولون: ليلٌ قائم، ونهار صائم.
وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] .
والرافع والخافض في الحقيقة هو الله تعالى.
و «اللام» في قوله «لوقعتها» إما للتعليل، أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها.
وإما للتعدية، كقولك: «ليْسَ لزيد ضارب» فيكون التقدير: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب يكذب إذا أخبر عنه.
قال ابن الخطيب: وعلى هذا لا يكون «ليس» عاملاً في «إذا» وهو بمعنى «ليس» لها كاذب.
стр. 11385
قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ .
стр. 11386
يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره.
وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها.
وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» .
قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» .
قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب.
والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت.
قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله.
وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام.
والرَّجْرجَة: الاضطراب.
وارتجّ البحر وغيره: اضطرب.
وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» .
يعني: إذا اضطربت أمواجه.
قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى.
قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وعن ابن عباس ﵄: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت.
стр. 11387
قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ .
أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها.
وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد.
أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: ١٠٥] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ.
والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً.
قال الراجز: [الرجز]
٤٦٧٠ - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا
وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب.
وقال مجاهد: سالت سيلاً.
وقال عكرمة: هدّت.
وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل.
على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت.
قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ .
قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ.
стр. 11388
ومعنى الآية لا ينبو عنه.
قال علي ﵁: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك.
وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس.
وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً.
وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] أي: فرق ونشر.
قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ .
أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ .
قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ .
«أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: ١، ٢] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: ١، ٢] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم.
فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا.
وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها.
стр. 11389
والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا.
وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب.
و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم.
فصل في تحرير معنى الآية
قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار.
و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة.
ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم.
وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم.
قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» .
قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» .
وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات.
стр. 11390
وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة.
وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي ﷺ َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ .
قال: هذا آدمُ ﵊ ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث.
وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين.
ثم عجب نبيه ﷺ َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: ١، ٢] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: ١، ٢] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» .
وفي حديث أم زرع ﵂: «مالك، وما مالك؟» .
والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب.
والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها.
فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: ٤١] .
فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [
стр. 11391
في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله.
قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان:
أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك.
كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» .
وقوله: [الرجز]
٤٦٧١ - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه.
التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة.
الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه.
الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة.
وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ .
قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا.
الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً.
وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله،
стр. 11392
وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً.
فصل في المراد بالسابقين
قال ﵊ ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» .
ذكره المهدوي.
وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء.
وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة.
وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: ١٠٠] .
وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي ﵁: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس.
وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] .
وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد ﷺ َ، وهما أبو بكر وعمر ﵄ قاله ابن عباس.
حكاه
الماوردي.
وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى
стр. 11393
ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال.
وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة.
وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ .
قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ .
يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم.
ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» .
وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد.
وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» .
وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: ٨٨] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها.
وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها.
قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ .
«ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» .
ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة.
أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] .
وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ .
أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ .
فهذه أربعة أوجه.
و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة.
стр. 11394
وأنشد: [الطويل]
٤٦٧٢ - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ
ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت.
وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء.
ومنه قوله: [الرجز]
٤٦٧٣ - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا
أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى.
ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى.
فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق.
وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة.
و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» .
فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية.
﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد ﷺ َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد ﷺ َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك.
وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا.
стр. 11395
(قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي ﷺ َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي ﷺ َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة.
قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه:
أحدها: أن عدد أمة محمد ﷺ َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة.
الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ.
الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين.
الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله ﵊ ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» .
قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» .
قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ .
ولذلك [قال ﵊ ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] .
стр. 11396
وقال أبو بكر ﵁: كلا الثُّلتين من أمة محمد ﷺ َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها.
وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: ٣٢] .
وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: ١٠] .
﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال ﵊ ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم»
ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين.
قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا ﵊ ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلَاّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل.
ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] .
وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي ﷺ َ.
قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ .
أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير.
وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» .
و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب.
стр. 11397
وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت.
وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] .
وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب.
وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت.
و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض.
ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها.
قال الأعشى: المتقارب]
٤٦٧٤ - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا
وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز]
٤٦٧٥ - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا
مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» .
فجعله أصلاً في نسيج الدروع.
وقال الآخر: [الوافر]
٤٦٧٦ - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟
أي حزامي.
و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج.
قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» .
стр. 11398
قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ .
حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» .
ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» .
فصل في معنى الآية
«مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة.
والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه.
قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت.
قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ .
يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً.
﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد.
والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً.
وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون.
ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]
٤٦٧٧ - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلَاّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ
وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون.
يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة.
وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء.
قال الشاعر: [الكامل]
٤٦٧٨ - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ
стр. 11399
وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق.
وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون.
وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة.
وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة.
قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة.
قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» .
و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه.
قال الشاعر: [البسيط]
٤٦٧٩ - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ
وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف]
٤٦٨٠ - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ
وقال آخر: [البسيط]
٤٦٨١ - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ
ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق.
قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» .
و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون.
стр. 11400
وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة.
وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة.
قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى.
وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه.
قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب.
يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه.
وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾
[محمد: ١٥] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة.
فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ .
فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب.
قوله: ﴿لَاّ يُصَدَّعُونَ﴾ .
يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك.
وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» .
ومعنى ﴿لَاّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها.
قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها.
والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه.
قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط]
٤٦٨٢ - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ
قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه.
стр. 11401
والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا.
وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق.
ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد.
والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] .
وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة.
قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» .
قوله: ﴿وَلَا يُنزِفُونَ﴾ .
تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» .
وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها.
والمعنى لا ينفدُ خمرهم.
ومنه قول الشاعر: [الطويل]
٤٦٨٣ - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا
وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» .
قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال.
قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ .
стр. 11402
العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» .
أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾
[الحاقة: ٢١] .
فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ .
فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] .
وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن ﵃، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا.
والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها.
وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار.
وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ .
قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب.
قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ .
قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» .
والباقون: برفعهما.
والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما.
وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما.
стр. 11403
فأما الجر فمن أوجه:
أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري.
قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» .
قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» .
وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ.
قال الشاعر: [الوافر]
٤٦٨٤ - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا
والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل.
وقال آخر: [مجزوء الكامل]
٤٦٨٥ - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا
الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري.
الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب.
ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها.
وأما الرَّفْع فمن أوجه:
أحدها: عطفاً على «ولْدَان» .
стр. 11404
أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا.
وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» .
قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» .
الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما.
الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان.
وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه.
الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور.
وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» .
يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل]
٤٦٨٦ - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلَاّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء
ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ
عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب.
الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء.
قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلَاّ بالخمر وحدها.
وأما النصب ففيه وجهان:
стр. 11405
أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً.
والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه.
وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة.
وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط.
وقوله ﵊ ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» .
[وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] .
وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» .
وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة.
وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب.
وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً.
وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] .
стр. 11406
وهذه القراءة تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ.
وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين.
وتقدم الكلام في اشتقاق العين.
«كأمْثَال» : صفة، أو حال.
و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء.
وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به.
وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به.
قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً﴾ .
قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً.
و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام.
و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت.
قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً.
وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً.
قوله: «إلَاّ قيلاً» ، فيه قولان:
стр. 11407
أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم.
والثاني: أنه متصل.
وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه.
وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول.
قوله: ﴿سَلَاماً سَلَاماً﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً.
الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» .
الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلَاّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج.
الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً.
وقرىء: «سلامٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» .
قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة.
فصل في معنى الآية
معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً.
وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام.
قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم » .
وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
و «القيل» مصدر كالقول.
стр. 11408
قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف.
وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.
стр. 11409
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ .
رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم.
وقيل: أصحاب القوة.
وقيل: أصحاب النور.
قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ .
قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه.
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي ﷺ َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ .
стр. 11410
فقال رسول الله ﷺ َ: ومَا هِيَ؟ .
قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله ﷺ َ:» أو لَيْسَ يقولُ: «سِدْرٌ مخْضُودٌ» خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر «» .
وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت.
قال أمية بن أبي الصَّلت ﵁ يصف الجنَّة: [الكامل]
٤٦٨٧ - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ
وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً.
وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال.
قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ .
و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة.
وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب.
وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك.
قال الجعديُّ: [الرجز]
٤٦٨٨ - بَشَّرها دليلُها وقَالَا ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا
ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك.
стр. 11411
وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان.
وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل.
وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلَاّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا.
وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل.
وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب.
قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه.
وقرأ علي ﵁ وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] .
ولما قرأ عليٌّ ﵁ قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل.
فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله.
قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ ﵁» .
فصل في المراد بالآية
قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك.
وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى.
والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما.
و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص.
стр. 11412
و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها.
قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ .
أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه.
قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى.
وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش.
وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود.
قال الشاعر: [الكامل]
٤٦٨٩ - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ
وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » .
стр. 11413
وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار.
قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ .
أي: مصبوب بكثرة.
وقيل: جارٍ لا ينقطع.
وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً.
وانصب انسكب انسكاباً.
ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم.
قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب.
وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء.
وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك.
قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ .
قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» .
أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة.
قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها.
قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان:
أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها.
стр. 11414
والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء.
وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلَاّ تعطف الصفة على موصوفها.
والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها.
وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا.
وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤] .
قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ .
العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» .
وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة.
و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة.
وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره.
قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» .
وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش.
وقيل: يعود على الحور المتقدمة.
وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق.
وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض.
«وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» .
стр. 11415
قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ .
قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة.
وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر.
والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم.
«وروي عن النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» .
«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي ﷺ َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» .
وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» .
وعن المسيب بن شريك: «قال النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً «فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي ﷺ َ:» لَيْسَ هُناكَ وجعٌ «» .
следующие страницы →