Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان.
وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل.
وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلَاّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا.
وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل.
وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب.
قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه.
وقرأ علي ﵁ وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] .
ولما قرأ عليٌّ ﵁ قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل.
فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله.
قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ ﵁» .
فصل في المراد بالآية
قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك.
وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى.
والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما.
و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص.
стр. 11412
و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها.
قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ .
أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه.
قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى.
وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش.
وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود.
قال الشاعر: [الكامل]
٤٦٨٩ - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ
وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » .
стр. 11413
وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار.
قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ .
أي: مصبوب بكثرة.
وقيل: جارٍ لا ينقطع.
وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً.
وانصب انسكب انسكاباً.
ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم.
قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب.
وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء.
وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك.
قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ .
قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» .
أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة.
قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها.
قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان:
أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها.
стр. 11414
والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء.
وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلَاّ تعطف الصفة على موصوفها.
والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها.
وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا.
وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤] .
قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ .
العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» .
وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة.
و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة.
وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره.
قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» .
وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش.
وقيل: يعود على الحور المتقدمة.
وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق.
وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض.
«وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» .
стр. 11415
قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ .
قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة.
وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر.
والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم.
«وروي عن النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» .
«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي ﷺ َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» .
وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» .
وعن المسيب بن شريك: «قال النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً «فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي ﷺ َ:» لَيْسَ هُناكَ وجعٌ «» .
стр. 11416
وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي ﷺ َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » .
قوله: «عُرُباً» .
جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين.
فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة.
وقيل: الحسناء.
وقيل: المحسِّنة لكلامها.
وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس ﵄: هنّ العواشق.
وأنشد للبيد: [البسيط]
٤٦٩٠ - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ
ويروى: [البسيط]
стр. 11417
٤٦٩١ - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا
وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن.
وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة.
قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» .
«وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ َ في قوله تعالى:» عُرُباً «قال:» كلامُهنَّ عَربيٌّ «» .
وعن ابن عبَّاس ﵄: «العَرُوب» الملقة.
قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك.
قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» .
وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال.
وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» .
стр. 11418
وعنه ﵊ ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» .
قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ .
في هذه «اللام» وجهان:
أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين.
والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له.
وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين.
قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ .
رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه.
وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها.
بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي ﷺ َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» .
وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» .
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء.
стр. 11419
فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.
стр. 11420
قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ .
لما ذكر منازل أهل الجنة وسمَّاهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النَّار، وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاء والعذاب، فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ﴾ وهي الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها.
وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسمّ الحية والعقرب وغيرهما.
قال ابن الخطيب: «ويحتمل أن يكون هو السّم، والسّم يقال في خرم الإبرة، قال تعالى: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] ؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن» .
وقيل: السموم يختص بما يهبّ ليلاً، وعلى هذا فقوله: «سَمُومٍ» إشارة إلى ظلمة ما هم فيه.
و «الحَمِيم» : هو الماء الحارّ الذي قد انتهى حره، فهو «فَعِيل» بمعنى «فاعل» من حَمِمَ الماء، أو بمعنى «مفعول» من حم الماء إذا سخنه.
وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ .
«اليَحْمُوم» وزنه «يَفْعُول» .
قال أبو البقاء: «من الحمم، أو الحميم» .
قال القرطبي: «هو» يَفْعُول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل: مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم.
стр. 11421
و «اليَحْمُوم» : قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم.
وقيل: هو وادٍ في جهنم.
وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر.
وقيل: إنه الظُّلمة، وأصله من الحمم، وهو الفَحْم، فكأنه لسواده فحم، فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته.
قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً؛ لأنهم إن تعرَّضوا لمهبّ الهواء أصابهم السَّمُوم، وإن استكنُّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكِنِّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرُّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب، أو يقال: إنَّ السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار السَّموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءهُ، فيريد الاستظلال بظلّ، فيكون ذلك الظلّ ظل اليَحْمُوم.
وذكر السموم دون الحميم دون النَّار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرها.
قال الضَّحاك: النار سوداء، وأهلها سُود، وكل ما فيها أسود.
قوله: ﴿لَاّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ صفتان للظلّ، كقوله: «مِنْ يَحْمُومٍ» .
وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل «يحموم» ، وإن كان السياق يرشد إلى الأول.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿لا بَارِدٌ ولا كريمٌ﴾ برفعهما: أي: «هُوَ لا بَارِدٌ» .
كقوله: [الكامل]
٤٦٩٢ - ... ... ... ... ... ... ... ..... فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ
قال الضَّحاك: «لا بَارِدٍ» بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، «ولا كَرِيم» عذب.
وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم.
وقيل: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] .
стр. 11422
قال الزمخشري: «كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه» .
قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال: فائدة الظل أمران:
أحدهما: دفع الحر.
والآخر: كون الإنسان فيه مكرماً؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا.
ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون: «الدار لا واسعة ولا كريمة» .
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ .
أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعّمين بالحرام.
و «المُتْرَف» : المنعم.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال السُّدي: «مُتْرَفينَ» أي: مشركين.
قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ .
الحِنْثُ في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي.
وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله: «لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ» .
وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث.
وفي الحديث: «كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ» ، أي: يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو: «تَحَرَّجَ» فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب.
стр. 11423
فصل في تفسير الآية
قال الحسن، والضحاك، وابن زيد: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ أي: يقيمون على الشرك.
وقال قتادة ومجاهد: الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه.
وقال الشَّعبي: هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه، أي: لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم.
فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة
قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم.
وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] كما قاله في السَّابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه.
واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ ، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم.
وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ﴾ يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم: «بَلَغَ الحِنْثَ» أي: بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة.
وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب.
قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية.
стр. 11424
هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدّم الكلام على ذلك في «والصَّافات» ، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة «الرَّعْد» .
فإن قيل: كيف أتى ب «اللام» المؤكدة في قوله تعالى: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل «اللام» في خبر «إنَّ» ، تقول: «إنَّ زيداً ليجيء، وإنَّ زيداً لا يجيء» فلا تذكر «اللام» ، ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟ .
فالجواب من وجهين:
أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته.
والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا: «أئِذَا مِتْنَا» ثم لم يقتصروا عليه، بل قالوا بعده: ﴿وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً﴾ أي: وطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً، والعظامُ رفاتاً ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه:
أحدها: استعمال «إنَّ» .
ثانيها: إثبات «اللام» في خبرها.
ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا وقالوا: ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ فقال الله تعالى لهم: «قُلْ» يا محمد ﴿إِنَّ الأولين﴾ من آبائكم، و ﴿والآخرين﴾ منكم ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ يعني: يوم القيامة.
ومعنى الكلام: القسم ودخول «اللام» في قوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجمُوعون قسماً حقًّا، بخلاف قسمكم الباطل.
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون﴾ عن الهدى ﴿المكذبون﴾ بالبعث ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ ، وهو شجر كريه المَنْظَر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة «والصَّافَّات» .
وهذا الخطاب عامّ، وقيل: لأهل «مكة» ، وهو من تمام كلام النبي ﷺ َ وقدم هنا الضَّالين على المكذبين في آخر السورة، قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين﴾ [الواقعة: ٩٢] ، فقدم المكذبين على الضَّالين؛ لأنهم هنا أصرُّوا على الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا: «أئذا مِتْنَا» .
وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو
стр. 11425
يقال: إنَّ الكلام هنا مع الكُفَّار وهم ضلوا أولاً، وكذبوا ثانياً، وفي آخر السورة الكلام مع النبي ﷺ َ فقدم التكذيب به إظهاراً للعناية به ﷺ َ.
قوله: ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم.
الثاني: أن تكون «من» الثَّانية صفة ل «شجر» فيتعلق بمحذوف أي: مستقر.
الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجراً، و «من» الثانية على ما تقدم من الوجهين.
الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقُّوماً، و «من» الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من «زقّوم» أي: كائناً من شجر، ولو تأخَّر لكان صفة.
الخامس: أن «من شجر» صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئاً من شجر و «مِنْ زقُّومٍ» على هذا نعت ل «شجر» أو لشيءٍ محذوف.
السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها.
قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ .
الضمير في «منها» عائد على الشجر، وفي «عليه» للشجر أيضاً.
وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان.
وقيل: الضمير في «عليه» عائد على «الزَّقُّوم» .
وقال أبو البقاء: للمأكول.
وقال ابن عطية: «للمأكول أو الأكل» انتهى.
وفي قوله: «الأكْل» بُعْد.
وقال الزمخشري: «وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في» منها «و» عليه «، ومن قرأ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها» .
فصل في تحرير معنى الزقوم
قال ابن الخطيب: «اختلفت أقوال الناس في» الزقوم «، وحاصل الأقوال يرجع
стр. 11426
إلى كون ذلك في الطَّعم مرًّا، وفي اللمس حارًّا، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يَسيغهُ.
والتحقيق اللغوي فيه أن الزَّقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن» ز ق م «لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه.
يقال منه: مَزَقَ يَمْزقُ، ومنه: زَمَقَ شعره إذا نتفه، ومنه «القَزْمُ» للدَّناءة واللؤم.
وأقوى من هذا أن «القاف» مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر الأمر على مكروه، فالقاف مع «الميم» ك «القمامة والتَّقَمْقُم والقُمْقُمة» ، وبالعكس «المقامق» لتغليظ الصوت، و «المَقْمَقَة» هو الشق.
وأما القاف مع الزاي ف «الزق» رمي الطائر بذرقه، والزَّقْزقة: للخفة، وبالعكس - القزنوب - فينفر الطَّبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقُبْح، ثم قرن بالأكل، فدلَّ على أنه طعام ذو غُصَّة.
وأما ما يقال: بأن العرب تقول: «زَقَمْتَنِي» بمعنى: أطعمتني الزّبد والعسل واللَّبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس من ذهب «.
وقد تقدم الكلام على الزَّقُوم في» والصَّافات «.
وقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ .
بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل الشَّيء لتحلّة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا منها البطون.
وقوله:» البُطُون «إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم بطنه.
وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب.
قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الأكل، أو على الزَّقوم لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار.
قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ .
وهذا أيضاً بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارًّا مُنْتِناً، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهْيم، وهو الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من» شُرْب «.
стр. 11427
وباقي السبعة بفتحها.
ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها.
فقيل: الثلاث لغات في مصدر» شرِبَ «، والمقيس منها إنما هو المفتوح، والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب ك» الرَّعْي «و» الطَّحْن «.
قال القرطبي:» تقول العرب: «شَرِبْتُ شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً» بضمتين «.
قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشِّين وفتحها وكسرها.
والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله» فَعْل «؛ ألا ترى أنك تردّه إلى المرة الواحدة، فتقول:» فَعْلَة «نحو» شَرْبة «.
وقال الكسائي يقال:» شربت شُرْباً وشَرْباً «.
ويروى قول جعفر:» أيَّامُ مِنى أيَّام أكْلٍ وشَرْب «.
ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشَّاربين.
قال: [البسيط]
٤٦٩٣ - كأنَّهُ خَارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفتأدِ
و «الهِيْم» فيه أوجه:
أحدها: أنه جمع «أهْيَم أوْ هَيْمَاء» ، وهو الجمل والنَّاقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقماً شديداً. والأصل: «هُيْم» - بضم «الهاء» - ك «أحْمر وحُمْر، وحَمرَاء وحُمْر» فقلبت الضمة كسرة لتصح «الياء» ، وذلك نحو «بِيض» في «أبْيَض» .
وأنشد لذي الرّمة: [الطويل]
٤٦٩٤ - فأصْبَحْتُ كالهَيْمَاءِ، لا المَاءُ مُبْرِدٌ ... صَداهَا، ولا يَقْضِي عليْهَا هُيَامُهَا
стр. 11428
الثاني: أنَّه جمع «هَائِم وهَائمة» من «الهيام» أيضاً، إلا أن جمع «فَاعِل وفاعِلَة» على «فُعل» قليل، نحو: «نَازِل ونُزُل، وعائذ وعُوذ» .
ومنه: [الطويل]
٤٦٩٥ - ... ... ... ... ... ... ... ..... عُوذٍ مَطَافِلِ
وقوله: «العوذ المطافيل» .
وقيل: هو من «الهيَام» وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هَامَ على وجهه.
الثالث: أنه جمع «هَيَام» بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً، فيكون مثل «سَحَاب وسُحُب» - بضمتين - ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصحّ «الياء» كما فُعِلَ بالذي قبله.
[الرابع: أنه جمع «هُيَام» - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة في «الهيام» بالفتح. حكاها ثعلب.
إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على «فُعُل» نحو: «قَرَاد وقُرُد» ، ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح «الياء» ] .
وفي «الصحاح» : «والهُيَام - بالضَّم - أشدّ العطش، و» الهيام «كالجنون من العشق، و» الهَيْمَاء «أيضاً: المفازة لا ماء بها، و» الهِيَام «- بالكسر - العطاش» .
والمعنى: أنَّهم يصيبهم من الجُوع ما يلجئهم إلى أكل الزَّقُّوم، ومن العطش ما يضطرهم إلى شُرْب الهيم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟ .
قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهِي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين» . انتهى.
стр. 11429
يعني قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم فَشَارِبُونَ﴾ .
وهو سؤال حسن، وجوابه مثله.
وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ تفسير للشرب قبله.
ألا ترى أنَّ ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان:
إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه.
والثانية: عدم جَدْوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهِيْمِ على التفسيرين.
وقال أبو حيَّان: «» والفاء «تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولاً لما عطشوا شربُوا من الحميم ظنًّا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشاً بحرارة الحميم، فشربوا بعده شرباً لا يقع بعده ريٌّ أبداً، وهو مثل شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: الصفة، والمشروب منه في ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: فشاربون منه» انتهى.
قال شهاب الدين: «والظَّاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانياً» .
قوله: ﴿اذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ .
قرأ العامة: «نُزُلُهُمْ» بضمتين.
وروي عن أبي عمرو من طرق.
وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف.
و «النُّزُل» : ما يعدّ للضيف.
وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكّماً بمن أعد له.
وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضَّبي: [الطويل]
٤٦٩٦ - وكُنَّا إذا الجَبَّارُ أنْزَلَ جَيْشَهُ ... جعلنَا القَنَا والمُرهفاتِ لَهُ نُزْلا
стр. 11430
ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنُّزل الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] .
стр. 11431
قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ .
تحضيض، أي: فهلا تصدقون بالبعث؛ لأن الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى نحن خلقنا رزقكم، فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا، أو متعلق التصديق محذوف، تقديره: فلولا تصدقون بخلقنا.
قوله: «أفرأيتُم» .
[هي] بمعنى: «أخبروني» ومفعولها الأول «ما تمنون» .
والثاني الجملة الاستفهامية. وقد تقدم تقريره.
والمعنى: ما تصبُّونه من المنِيّ في أرْحَام النِّساء.
وقرأ العامَّة: «تُمْنُونَ» بضم التَّاء، من «أمْنى يمني» .
وابن عبَّاس وأبو السِّمال: بفتحها من «مَنَى يَمْنِي» .
قال الزمخشري: يقال: أمْنى النُّطفة ومناها، قال الله تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى﴾ [النجم: ٤٦] .
فظاهر هذا أنه استشهاد للثلاثي، وليس فيه دليل له، إذ يقال من الرباعي أيضاً: تمني، كقولك: «أنت تكرم» وهو من «أكرم» .
وقال القرطبي: ويحتمل أن يختلف معناهما عندي، فيكون «أمْنَى» إذا أنزل عند جماع، و «مَنَى» إذا أنزل عند احتلام، وفي تسمية المنيِّ منيًّا وجهان:
أحدهما: لإمنائه، وهو إراقته.
стр. 11432
الثاني: لتقديره، وهو المَنّ الذي يوزن به؛ لأنه مقدار لذلك، فكذلك المَنِيّ مقدار صحيح لتصوير الخِلْقَة.
قوله: ﴿أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ . يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه فاعل فعل مقدر، أي: «أتَخْلُقُونهُ» فلما حذف الفعل لدلالة ما بعده عليه انفصل الضَّمير، وهذا من باب الاشتغال.
والثاني: أن «أنْتُم» مبتدأ، والجملة بعده خبر.
والأول أرجح لأجل أداةِ الاستفهام.
وقوله: «أمْ» يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أنها منقطعة؛ لأنَّ ما بعدها جملة، وهي إنما تعطف المفردات.
والثاني: أنها متَّصلة.
وأجابوا عن وُقوع الجملة بعدها بأن مجيء الخبر بعد «نحن» أتي به على سبيل التَّوكيد؛ إذ لو قال: «أمْ نَحْنُ» لاكتفي به دون الخبر، ونظير ذلك جواب من قال: «مَنْ في الدَّار» ؟ زيد في الدار، «أو زيد فيها» ، ولو اقتصر على «زيد» لكان كافياً.
ويؤيد كونها متصلة أن الكلام يقتضي تأويله، أي: الأمرين واقع، وإذا صلح كانت متصلة، إذ الجملة بتأويل المفرد.
ومفعول «الخَالِقُون» محذوف لفهم المعنى أي: «الخالقوه» .
فصل في تحرير معنى الآية
والمعنى: أنتم تصورون منه الإنسان ﴿أم نحن الخالقون﴾ المقدّرون المصورون، وهذا احتجاج عليهم، وبيان للآية الأولى، أي: إذا أقررتم بأنا خالقوه لا غير، فاعترفوا بالبعث.
قال مقاتل: نحن خلقناكم ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك، فهلَاّ تصدقون بالبعث.
قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ .
قرأ ابن كثير: «قَدَرْنَا» بتخفيف الدال.
стр. 11433
والباقون: بتشديدها.
وهما لغتان بمعنى واحد في التقدير الذي هو القضاء، وهذا أيضاً احتجاج، أي: الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخَلْق وإذا قدر على الخَلْق قدر على البعث.
قال الضحاك: معناه أي: سوَّينا بين أهل السماء وأهل الأرض.
وقيل: قضينا.
وقيل: كتبنا.
قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهَرَم، ومنكم من يموت صبيًّا وشابًّا.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: مغلوبين عاجزين.
قوله: ﴿على أَن نُّبَدِّلَ﴾ .
يجوز أن يتعلق ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ ، وهو الظَّاهر، أي: لم يسبقنا أحد على تبديلنا أمثالكم، أي: يعجزنا، يقال: سبقه إلى كذا، أي: أعجزه عنه، وغلبه عليه.
الثاني: أنه متعلق بقوله: «قَدَّرْنا» أي: قدرنا بينكم الموت، ﴿على أن نُبدِّل﴾ أي: تموت طائفة، وتخلفها طائفة أخرى. قال معناه الطبري.
وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ معترضاً، وهو اعتراض حسن.
ويجوز في «أمْثَالكُمْ» وجهان:
أحدهما: أنه جمع «مِثْل» - بكسر الميم وسكون الثاء - أي: نحن قادرون على أن نعدمكم، ونخلق قوماً آخرين أمثالكم، ويؤيده: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] .
والثاني: أنه جمع «مَثَل» - بفتحتين - وهو الصفة، أي: نغير صفاتكم التي أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً، و «ننشئكم» في صفات غيرها.
وتقدم قراءتا النَّشأة في «العنكبوت» .
فصل في تفسير معنى الآية
قال الطبري: معنى الآية: نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ في آجالكم، أي: لا يتقدم متأخر، ولا يتأخّر متقدم، ﴿وننشئكم فيما لا تعلمون﴾ من الصُّور والهيئاتِ.
стр. 11434
قال الحسن: أي: نجعلكم قِردةً وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم.
وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمّل المؤمن ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه.
وقال سعيد بن المسيب: قوله: ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني في حواصل طير سُودٍ تكون ببرهوت كأنها الخَطَاطِيْف، و «برهوت» : وادٍ في «اليمن» .
وقال مجاهد: ﴿فيما لا تعلمون﴾ أي: في أي خلق شئنا.
وقيل: ننشئكم في عالم فيما لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون.
قال ها هنا: ﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ .
وقال في سورة «الملك» : ﴿خَلَقَ الموت والحياة﴾ [الملك: ٢] بلفظ الخلق؛ لأن المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين، وهاهنا ذكر حياتهم ومماتهم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى﴾ .
أي: إذ خلقتم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا شيئاً. قاله مجاهد وغيره.
وهذا تقرير للنشأة الثَّانية.
وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم ﵊ ُ.
﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ . أي: فهلا تذكرون.
قرأ طلحة: «تَذْكُرون» بسكون «الذال» ، وضم «الكاف» .
وفي الخبر: «عَجَباً كُل العَجبِ للمُكذِّبِ بالنَّشأة الآخرةِ، وهُو يَرَى النَّشْأة الأولى، وعَجَباً للمُصدِّقِ بالنَّشأةِ الآخرةِ، وهُوَ يَسْعَى لدارِ الغرُورِ» .
стр. 11435
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ وما بعده تقدم نظيره، وهذه حجة أخرى، أي: أخبروني عما
стр. 11436
تحرثون من أرضكم، فتطرحون فيها البَذْر، أأنتُم تُنشئُونه، وتجعلونه زرعاً، فيكون فيه السُّنبل والحب، أم نحن نفعل ذلك وإنما منكم البِذْر وشقُّ الأرض؟ فإذا أقررتم بأن إخراج السُّنبلة من الحبَّة ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟ .
وأضاف الحَرْث إليهم، والزَّرع إليه تعالى؛ لأنَّ الحرث فعلهم، ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله - تعالى - وينبت على اختياره لا على اختيارهم.
وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ َ أنه قال: «لا يَقُولنَّ أحدُكمْ: زَرعتُ، وليقُلْ حرثتُ، فإنَّ الزَّارعَ هُوَ اللَّهُ» .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون﴾ .
قال القرطبي: «والمستحبّ لكل من زرع أن يقرأ بعد الاستعاذة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ الآية، ثم تقول: بل الله هو الزارع، والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمره، وجَنِّبْنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشَّاكرين، ويقال: إنَّ هذا القول أمان لذلك الزَّرع من جميع الآفات: الدُّود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة وجرَّبناه فوجدناه كذلك» .
فإن قيل: إذا كان الزَّارع هو الله، فكيف قال تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزراع﴾ [الفتح: ٢٩] .
وقال ﵊ ُ: «الزَّرْعُ للزُّراع»
فالجواب: أن الحرث أوائل الزَّرع، والزرع أواخر الحرث، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر لاتِّصاله به.
ومعنى: «أأنْتُمْ تزرَعُونَهُ» ، تجعلونه، وقد يقال: فلان زَرَّاع كما يقال: حرَّاث أي: يفعل ما يؤول إلى أن يصير زَرْعاً، وقد يطلق لفظ الزَّرْع على بَذْر الأرض وتكريبها تجوزاً.
قال القرطبي: «وهذا نهي إرشاد وأدب، لا حظر وإيجاب» .
стр. 11437
ومنه قوله ﵊ ُ: «لا يَقُولنَّ أحدُكم: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: غُلامِي وجَاريَتِي وفَتَايَ وفَتَاتِي» .
قوله: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ .
أتى هنا بجواب «لو» مقروناً ب «اللام» ، وهو الأكثر؛ لأنه مثبت، وحذف في قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ [الواقعة: ٧٠] ؛ لأن المنّة بالمأكول أعظم منها بالمشروب. قاله الزمخشري.
وهذا منقوض بقوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا﴾ [يس: ٦٦] و ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ [يس: ٦٧] ، وذلك أن أمر الطَّمس أهون من أمر المسخ، وأدخل فيهما «اللام» .
وأجاب الزمخشري بجواب آخر فقال: ﴿ولو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ كان أقرب الذكر، فاستغنى باللام فيه عن ذكرها ثانياً.
قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] مع قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ [يس: ٦٧] أقرب من قوله: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ ، و ﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ [الواقعة: ٧٠] اللَّهُم إلَاّ أن تقول هناك: أحدهما قريب من الآخر ذكراً لا معنى؛ لأن الطَّمْس لا يلزمه المَسْخ ولا بالعكس، وأما المأكول يكون معه المشرُوب في الدهر فالأمران متقاربان لفظاً ومعنى.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال الماوردي: هذه الآية تتضمن أمرين:
أحدهما: الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم.
الثاني: البرهان الموجب للاعتبار؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من العفنِ والتَّتريب حتى صار زرعاً أخضر، ثم قوي مشتدًّا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من أمات أحق عليه وأقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السَّليمة، ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: متكسِّراً، يعني: الزَّرع والحُطَام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبَّه بذلك على أمرين:
стр. 11438
أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه.
الثاني: ليعتبروا بذلك في أنفسهم كما أنه يجعل الزَّرع حُطاماً إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتَّعظوا فينزجروا.
قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ .
قرأ العامة: بفتح الظَّاء، بلام واحدة وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في «طه» .
وأبو حيوة وأبو بكر في رواية: بكسر الظاء.
وعبد الله الجحدري: «فظَلِلتُمْ» على الأصل بلامين، أولاهما مكسورة.
وروي عن الجحدري: فتحها، وهي لغة أيضاً.
والعامة: «تَفَكَّهُونَ» بالهاء.
ومعناه: تَنْدَمُون، وحقيقته: تلقون الفكاهة من أنفسكم، (ولا تلقى) الفكاهة إلَاّ من الحزن، فهو من باب «تحَرَّج وتأثّم وتحوب» .
وقيل: «تفكّهون» . تتعجبون بذهابها ما نزل بكم في زرعكم. قاله عطاء والكلبي ومقاتل.
وقيل: تتندمون مما حلّ بكم. قاله الحسن وقتادة وغيرهما.
وقيل: تلاومُون.
وقيل: تتفجَّعون، وهذا تفسير باللازم.
وقرأ أبو حزام العكلي: «تَفَكَّنُونَ» بالنون، أي: تندَّمون.
قال ابن خالويه: «تَفَكَّه» تعجَّب، و «تَفَكَّن» تندَّم.
وفي الحديث: «مثلُ العالم كمثل الحمَّة، يأتيها البُعدَاءُ ويترُكُهَا القُربَاءُ، فَبَيْنَا هُم إذ غَارَ ماؤهَا فانتفع به قومٌ، وبَقِي قومٌ يتفكَّنُون» ، أي: يتندَّمُون.
قال الفرَّاء: والنون، لغة عكل.
وفي الصحاح: «التَّفَكُّن» التندُّم على ما فات.
وقيل: التفكُّه: التكلُّم فيما لا يعنيك.
стр. 11439
ومنه قيل للمزاح: فُكاهة بالضَّم.
فأما الفَكَاهة - بالفتح - فمصدر «فَكِهَ الرَّجل» بالكسر، فهو فَكِهٌ إذا كان طيّب النفس مزَّاحاً.
قوله: «إنا لمغرمون» .
قرأ أبو بكر: «أئِنَّا» بالاستفهام، وهو على أصله في تحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما.
والباقون: بهمزة واحدة على الخبر.
وقيل: هذه الجملة قول مقدر على كلتا القراءتين، وذلك في محل نصب على الحال، تقديره: فظلتم تفكهون قائلين، أو تقولون: إنا لمغرمون؛ أي: لمُلزمُون غرامة ما أنفقنا، أو مُهلكُونَ لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك. قاله الزمخشري.
ومن مجيء الغرام بمعنى الهلاك قوله: [الخفيف]
٤٦٩٧ - إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ ... طِ جَزيلاً فإنَّهُ لا يُبَالِي
قال ابن عبَّاس وقتادة: الغرام: العذاب.
ومنه قول ابن المُحلَّم: [الطويل]
٤٦٩٨ - وثِقْتُ بأنَّ الحِلْمَ منِّي سَجيَّةٌ ... وأنَّ فُؤادِي مُبْتَلٌ بك مُغْرمُ
وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا.
يقال: أغرم فلان بفلانة أي أولع بها، ومنه الغرام، وهو الشر اللازم.
وقال مجاهد أيضاً: لملقون شرًّا.
وقال النحاس: «لمُغْرمُون» مأخوذون من الغرام، وهو الهلاك.
стр. 11440
وقال الضحاك وابن كيسان: هو من الغرم.
و «المُغْرَم» : الذي ذهب ماله بغير عوضٍ، أي: غرمنا الحبَّ الذي بذرناه.
وقال مرة الهمداني: مُحَاسَبُون.
قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ .
أي: حرمنا ما طلبنا من الريع، والمحروم المحدود الممنوع من الرِّزق، والمحروم ضد المرزوق. قاله قتادة.
وعن أنس «أنَّ النبي ﷺ َ مرَّ بأرض الأنصار، فقال:» ما يمنَعُكمُ الحَرْث «؟ قالوا: الجُدوبة، فقال:» لا تَفْعَلُوا، فإنَّ الله - تعالى - يقولُ: أنَا الزَّارعُ، إن شِئْتُ زرعْتُ بالماءِ، وإن شِئْتُ زرعْتُ بالرِّيحِ، وإن شِئْتُ زرعتْ بالبَذْرِ «، ثم تلا: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون﴾ » .
قال القرطبي: «وفي هذا الحديث والذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزَّارع في أسماء الله - تعالى -» وأباه جمهور العلماء.
стр. 11441
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ﴾ .
لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم.
﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن﴾ .
أي: السحاب، وهو اسم جنس، واحدهُ: مزنة.
قال: [المتقارب]
٤٦٩٩ - فَلَا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودقَهَا ... ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَهَا
وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أيضاً والثوري: المُزْن: السَّماء والسَّحاب.
وقال أبو زيد: المُزنة: السحابة البيضاء، والجمع مزن.
والمُزْنة: المطرة.
стр. 11442
قال: [الطويل]
٤٧٠٠ - ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مُزْنَةً ... وعُفْرُ الظِّباءِ في الكناسِ تَقَمَّعُ
وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ المنزلون﴾ .
أي: إذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي، ولم تنكروا قُدرتي على الإعادة؟ .
وقوله: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ .
وقد تقدم عدم دخول «اللام» في جواب «لو» هذه.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم دخلت» اللام «في جواب» لو «في قوله:» لجعلناه حطاماً «، ونزعت منه هاهنا؟ .
قلت: إن» لو «لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلصة للشرط ك» إن «و» لا «عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضمون جملتين أن الثَّاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق فزيدت هذه» اللام «لتكون علماً على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علماً مشهوراً مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه، وصار مألوفاً ومأنوساً به لم يبال بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السَّامع.
ألا ترى ما يحكى عن رؤبة، أنَّه كان يقول: خيرٍ، لمن قال له: كيف أصبحت؟
فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه، وتساوي حال إثباته وحذفه لشهرة أمره، وناهيك بقول أوس: [السريع]
٤٧٠١ - حَتَّى إذا الكَلَاّبُ قال لَهَا ... كاليَوْمِ مَطْلُوباً ولا طَلَبَا
وحذفه:» لَمْ أرَ «فإذاً حذفها اختصار لفظي، وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة، مُغْنٍ عن ذكرها ثانياً، ويجوز أن يقال: إن هذه» اللام «مفيدة معنى التَّوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أنّ أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمَطْعُوم.
стр. 11443
ألا ترى أنك إنما تسقي ضيفك بعدما تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء: [الوافر]
٤٧٠٢ - إذا سُقِيَتْ ضُيُوفُ النَّاسِ مَحْضاً ... سَقَوْا أضْيافَهُمْ شَبَماً زلالا
وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب» . انتهى.
وقد تقدم جواب ابن الخطيب له عن ذلك.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس: «الأجاج» : المالح الشديد الملوحة.
وقال الحسن: مُرًّا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما.
«فلولا» أي: فهلا «تشكرون» الذي صنع ذلك بكم.
стр. 11444
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ﴾ .
أي: أخبروني عن النَّارِ التي تظهرونها بالقَدْحِ من الشجر الرطب.
و «تُوُرون» : من أوريت الزند، أي: قدحته فاستخرجت ناره، وورى الزند يري أي: خرجت ناره، وأصل «تُورُون» توريون.
والشَّجرة التي يكون منها الزناد هي المَرْخُ والعفار.
ومنه قولهم: «فِي كُلِّ شجرٍ نارٌ، واستَمْجدَ المَرْخُ والعَفَارُ» .
أي: استكثروا منها، كأنهما أخذا من النَّار ما حسبهما.
وقيل: إنهما يسرعان الوَرْي.
قوله تعالى: ﴿أَمْ نَحْنُ المنشئون﴾ .
أي: المخترعون الخالقون، أي: فإذا عرفتم قُدرتي، فاشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث.
قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ .
стр. 11445
يعني: نار الدنيا موعظة للنار الكبرى. قاله قتادة.
وقال مجاهد: تبصرة للناس من الظَّلام.
قال ﵊ ُ: «» إنَّ نَاركُمْ هذه الَّتي توقدونها يا بني آدَمَ جزءٌ من سَبْعينَ جُزْءاً من نَارِ جهنَّم «، فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال:» فإنَّهَا فُضِّلتْ عليْها بِتسْعَةٍ وسِتينَ جُزْءاً، كُلُّهن مثلُ حرِّها «» .
قوله: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ .
يقال: أقوى الرَّجل إذا حلَّ في الأرض القواء، وهي القفر، ك «أصحر» : دخل في الصحراء، وأقوت الدَّار: خلت من ذلك؛ لأنها تصير قَفْراً.
قال النابغة: [البسيط]
٤٧٠٣ - يَا دَارَ مَيَّةَ بالعَلْيَاءِ فالسَّندِ ... أقْوَتْ، فطال عليْهَا سالفُ الأمَدِ
قال الضحاك: «متاعاً للمقوين» أي منفعة للمسافرين، سموا بذلك لنزولهم القوى، وهي القفر التي لا شيء فيها، وكذلك القوى والقواء - بالمد والقصر -.
ومنزل قواء: لا أنيس به، يقال: أقوت الدار، وقويت أيضاً، أي خلت من سكانها. قال: [الكامل]
٤٧٠٤ - حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقَادمَ عَهْدُهُ ... أقْوَى وأقْفَرَ بَعْدَ أمِّ الهَيْثَمِ
وقال مجاهد: «للمقوين» أي المنتفعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها.
وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم.
стр. 11446
يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئاً، وبات فلان القواء وبات القَفْرَ، إذا بات جائعاً على غير طعم.
قال الشاعر: [الطويل]
٤٧٠٥ - وإنِّي لأخْتَارُ القَوَى، طاويَ الحَشَا ... مُحافَظَةً مِنْ أن يُقالَ: لَئِيمُ
وقال قطرب: المقوي من الأضداد، يكون بمعنى الفقير، ويكون بمعنى الغني.
يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زادٌ، ويقال للفقير: مُقْوٍ إذا لم [يكن] معه مالٌ.
وتقول العربُ: أقويت منذ كذا، أي: ما أكلت شيئاً، وأقوى: إذا قويت دوابه، وكثر ماله ليقويه على ما يريد.
وقال المهدوي: والآية تصلح للجميع؛ لأن النَّار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير.
وقال القشيري: وخصّ المسافر بالانتفاع بها؛ لأنَّ انتفاعه أكثر من انتفاع المقيم؛ لأنَّ أهل البادية لا بُدَّ لهم من النَّار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السِّباع، وفي كثير من حوائجهم.
قوله
: ﴿فَسَبِّحْ
باسم
رَبِّكَ العظيم﴾ .
أي: فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد والعجز عن البعث.
قال ابن الخطيب: والمشهور أن الاسم مقحم، والأحسن أنه من باب الأولى، وأنَّ تعظيم المسمى آكد، وقد تقدم أن تعلُّق الفعل إن كان ظاهراً استغنى عن الحرف ك «ضرب» ، وإن كان خفيًّا قوي بالحرف ك «ذهب» ، وإن كان بينهما جاز الوجهان ك «شَكَر ونَصَحَ» .
و «سَبِّحْ» متعد بنفسه إلَاّ أنه لما دخل على الاسم - والمراد الذَّات - خفي التعليق من هذا الوجه، فأتي بالحرف.
وأما قوله ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [من سورة الأعلى: ١] . فيحتمل أن ذلك لأنهم كانوا
стр. 11447
يعترفون بالله، ويقولون: «نحن لا نشرك» في المعنى، وإنما سمي الأصنام آلهة باللفظ، فقيل لهم: نزّهوا الاسم كما نزهتم الحقيقة، وعلى هذا فالخطاب ليس للنبي ﷺ َ بل هو كقول الواعظ: يا مسكين، أفنيت عمرك وما أصلحت عملك، ويريد السَّامع.
والمعنى مع الباء: فسبّح مبتدئاً باسم ربك، فلا تكون «الباء» زائدة.
ومعنى العظيم: القريب من الكل، فإن الصَّغير إذا قرب من شيء بعد عن غيره.
стр. 11448
قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ .
قرأ العامة: «فَلَا» لام ألف.
وفيه أوجه:
أحدها: أنها حرف نفي، وأنَّ النفي بها محذوف، وهو كلام الكافر الجاحد، تقديره: فلا حجة لما يقول الكُفَّار، ثم ذكر ابتداء قسماً بما ذكر.
وإليه ذهب كثير من المفسِّرين والنحويين.
قال الفرَّاء: «هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف [القسم] ، كما تقول:» لا والله ما كان كذا «ولا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي: ليس الأمر كما ذكر، بل هو كذا» .
وضعِّف هذا بأن فيه حذف اسم «لا» وخبرها.
قال أبو حيَّان: «ولا يجوز ولا ينبغي، فإنَّ القائل بذلك مثل سعيد بن جبير تلميذ خبر القرآن وبحره عبد الله بن عباس.
ويبعد أن يقوله إلا بتوقيفٍ» .
الثاني: أنَّها زائدة للتأكيد. والمعنى: فأقسم، بدليل قوله: وإنه لقسم، ومثله في قوله تعالى: ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] ، والتقدير: ليعلم.
стр. 11449
وكقوله: [الطويل]
٤٧٠٦ - فَلَا وأبِي أعْدائِهَا لا أخُونُهَا ... الثالث: أنها لام الابتداء، والأصل: فلأقسم، فأشبعت الفتحة، فتولّد منها ألف.
كقوله: [الرجز]
٤٧٠٧ - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ ... قاله أبو حيَّان.
واستشهد بقراءة هشام: «أفئيدة» .
قال شهاب الدين: «وهذا ضعيف جدًّا» .
واستند أيضاً لقراءة الحسن وعيسى: «فلأقسم» بلام واحدة.
وفي هذه القراءة تخريجان:
أحدهما: أن «اللام» لام الابتداء، وبعدها مبتدأ محذوف، والفعل خبره، فلما حذف المبتدأ اتصلت «اللام» بخبره، وتقديره: «فلأنا أقسم» نحو: «لزيد منطلق» .
قاله الزمخشري وابن جني.
والثاني: أنها لام القسم دخلت على الفعل الحالي، ويجوز أن يكون القسم جواباً للقسم، كقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ﴾ [التوبة: ١٠٧] ، وهو جواب لقسم مقدر ويجوز أن يكون القسم كذلك وهذا هو قول الكوفيين، يجيزون أن يقسم على فعل الحال. والبصريون يأبونه، ويخرجون ما يوهم ذلك على إضمار مبتدأ، فيعود القسم على جملة اسمية.
ومنع الزمخشري أن تكون لام القسم.
قال: لأمرين:
أحدهما: أن حقها أن تقرن بالنون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيحٌ.
والثاني: أن «لأفعلن» في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال.
يعني أن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال.
стр. 11450
وأمَّا قوله: «إنَّ حقَّها أن تقرن بها النون» ، هذا مذهب البصريين أيضاً. وأمَّا الكوفيون فيجيزون التَّعاقب بين اللام والنون، نحو: «والله لأضرب زيداً» كقوله: [الطويل]
٤٧٠٨ - لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَليْكُم بُيُوتكُمْ ... ليَعْلَمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
و «الله اضربن زيداً» .
كقوله: [الكامل]
٤٧٠٩ - وقَتِيلِ مُرَّة أثأَرَنَّ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقد تقدم قريب من هذه الآية في قوله تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] ، ولكن هناك ما لا يمكن القول به هنا، كما أن هنا ما لا يمكن القول به هناك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريب منه في «القيامة» في قراءة ابن كثير: ﴿لأُقْسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
قال القرطبي: وقيل: «لا» بمعنى «ألَا» للتنبيه، كقوله: [الطويل]
٤٧١٠ - ألا عِمْ صَبَاحاً أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي..... ... ... ... ... ... ... ...
ونبَّه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، فإنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة كما زعموا.
وقرأ العامة: «بمواقع» جمعاً.
والأخوان: «بموقع» مفرداً بمعنى الجمع؛ لأنه مصدر فوحَّد.
ومواقعها: مساقطها ومغاربها. قاله قتادة وغيره.
следующие страницы →