Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.
стр. 11516
الثاني: أن المخلوقة الآن في السماء السَّابعة، ولا يجوز إذا كانت في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات والأرض، فثبت بهذين الوجهين أنه لا بُدَّ من التأويل، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه - تعالى - لما كان قادراً لا يصحّ المنع عليه، وإذا كان حكيماً لا يصحّ الخلف في وعده، ثم إنه - تعالى - وعد على الطَّاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدّة المهيّأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، كما يقول المرء لصاحبه: أعددت لك المكافأة إذا عزم عليها وإن لم يوجدها.
والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدّها الله لهم، كقوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: إذا كان يوم القيامة نادى.
والجواب: أن قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] عام.
وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] مع قوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] خاص، والخاصّ مقدّم على العام.
وأما قولهم: إنَّ الجنَّة مخلوقة في السماء السابعة كما قال ﵊ ُ - في صفة الجنة: «سَقْفُهَا عرْشُ الرَّحْمنِ» فأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة.
قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: أن الجنة لا تنال إلَاّ بفضل الله ورحمته، ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ .
стр. 11517
قوله: ﴿مِن مُّصِيبَةٍ﴾ فاعل «أصاب» ، و «من» مزيدة لوجود الشرطين، وذكر فعلها؛ لأن التأنيث مجازي
стр. 11518
قوله: ﴿فِي الأرض﴾ يجوز أن يتعلق ب «أصاب» ، وأن يتعلق بنفس «مصيبة» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مصيبة» ، وعلى هذا فيصلح أن يحكم على موضعه بالجر نظراً إلى لفظ موصوفه، وبالرفع نظراً إلى محله، إذ هو فاعل.
والمصيبة غلبت في الشَّر.
وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر، وعلى الأول يقال: لم ذكرت دون الخير؟
وأجيب: بأنه إنما خصها بالذكر؛ لأنها أهمّ على البشر.
قوله: ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ﴾ حال من «مصيبة» ، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أي: إلا مكتوبة.
قوله: «مِنْ قَبْلِ» نعت ل «كتابٍ» ، ويجوز أن يتعلق به. قاله أبو البقاء. لأنه هنا اسم للمكتوب، وليس بمصدر.
والضمير في «نَبْرأها» الظاهر عوده على المصيبة.
وقيل: على الأنفس.
وقيل: على الأرض، أي على جميع ذلك. قاله المهدوي، وهو حسن.
فصل في مناسبة الآية لما قبلها
قال الزجاج: إنه - تعالى - لما قال: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] وبين أن المؤدي إلى الجنة لا يكون إلا بقضاء الله تعالى وقدره، فقال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ .
والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله، والمصيبة في الأرض قَحْط المطر، وقلّة النبات، ونقص الثِّمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوائح.
وأما المصيبة في الأنفس فقيل: هي الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود عليها.
وقيل: ضيق المعاش وقيل: الخير والشَّر أجمع، لقوله بعد ذلك: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ .
وقوله: ﴿إلا في كتابٍ﴾ يعني: مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ.
وقوله: ﴿من قبل أن نَبْرَأها﴾ .
стр. 11519
قال ابن عباس: من قبل أن نخلق المصيبة.
وقال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق الأرض والنفس.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي: خلق ذلك، وحفظه على الله يسير أي: هيّن.
قال الربيع بن صالح: لما أُخذ سعيد بن جبيرٍ ﵁ بَكَيْتُ، قال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه، قال: فلا تَبْكِ، فإنه كان في علم الله - تعالى - أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا في أَنفُسِكُمْ﴾ الآية.
قال ابن عباس: لما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقد ترك جماعة من السلف الدواء في أمراضهم، فلم يستعملوه ثقةً بربهم وتوكلاً عليه، وقالوا: قد علم الله أيام المرض وأيام الصِّحة، فلم حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا في أَنفُسِكُمْ﴾ الآية، ويؤيد هذا قوله ﵊ ُ:
«مَنْ عَرَفَ يُسْرَ اللَّهِ في القَدَر هَانَتْ عليْهِ المَصَائِبُ» .
فصل في اتصال الآية بسياق الآيات قبلها
قيل: إن هذه الآية نزلت متّصلة بما قبلها، وهو أن الله - تعالى - هوَّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال، وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له، وإنما على المرء امتثال الأمر، ثم أدبهم فقال: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم ييأسوا على ما فاتهم منه.
وعن ابن مسعود ﵁ أن نبي الله ﷺ َ قال: «لَا يَجِدُ أحَدكُمْ طَعْمَ الإيمانِ حتَّى يعْلمَ أنَّ ما أصابهُ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَهُ، ومَا أخطَأهُ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَهُ» ، ثمَّ قرأ: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ أي من الدنيا. قاله ابن عباس ﵄.
стр. 11520
فصل في أن ما كان وما يكون مكتوب في اللوح المحفوظ
قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللَّوح المحفوظ.
قال المتكلمون: وإنما كتب ذلك لوجوه:
أحدها: ليستدلّ الملائكة بذلك المكتوب على كونه - تعالى - على علم بجميع الأشياء قبل وقوعها.
وثانيها: ليعرفوا حكمة الله، فإنه - تعالى - مع علمه بأنهم يقدمون على المعاصي خلقهم ورزقهم.
وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي.
ورابعها: ليشكروا الله - تعالى - على توفيقه إياهم للطَّاعات، وعصمته إياهم عن المعاصي.
فصل في كيفية حدوث الأحداث
قال ابن الخطيب: إن الحكماء قالوا: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبِّرات أمراً، والمقسمات أمراً، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية، وتغيراتها هي الأسباب لتلك المسببات، وهذا هو المراد من قوله: ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٣] .
فصل في مصائب الأنفس
قوله تعالى: ﴿وَلَا في أَنفُسِكُمْ﴾ يتناول جميع مصائب الأنفس، فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبةٌ في اللوح المحفوظ مثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محال؛ لأن علم الله بوجودها مُنَافٍ لعدمها والجمع بين المتنافيين محال، وخصص مصائب الأرض والأنفس لتعلّقها بنا، ولم يقل: جميع الحوادث لشمولها حركات أهل الجنة والنار؛ لأنها غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال.
قال ابن الخطيب: وفي الآية دليلٌ على أن الله - تعالى - يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً ل «هشام بن الحكم» .
стр. 11521
قوله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا﴾ . هذه «اللام» متعلقة بقوله «ما أصَابَ» ، أي: أخبرناكم بذلك لكيلا يحصل لكم الحزن المقنط والمفرح المطغي فأما ما دون ذلك فالإنسان غير مؤاخذ به، و «كي» هنا ناصبة بنفسها، فهي مصدرية فقط لدخول لام الجر عليها.
وقرأ أبو عمرو: «بما أتاكم» مقصوراً من الإتيان، أي: بما جاءكم.
قال أبو علي الفارسي: لأن «أتاكم» معادل لقوله «فَاتَكُم» ، فكما أنَّ الفعل للفائت في قوله: «فاتكم» ، فكذلك الفعل الثاني في قوله: «بما أتاكم» .
وقرأ باقي السبعة: «آتاكم» ممدوداً من «الإيتاء» ، أي: بما أعطاكم الله إياه.
والعائد إلى الموصول في الكلمتين في الذكر المرفوع بأنه فاعل، و «الهاء» محذوفة من الصِّلة، أي: بما آتاكموه.
وقرأ عبد الله: «بما أوتيتم» .
فصل في أن حزن المؤمن صبر وفرحه شكر
قال ابن عبَّاس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً وغنيمته شكراً، والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز.
وقال جعفر بن محمد: يا ابن آدم ما لك تأسف على مقدر لا يردّه عليك الفَوْت، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.
وقيل ل «بزرجمهر» : أيها الحكيم، ما لك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح بما هو آتٍ؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرةِ، والآتي لا يستدام بالحَبْرةِ.
стр. 11522
وقوله: ﴿والله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: متكبر بما أوتي من الدنيا.
«فخور» به على النَّاس، قيل: الفخور الذي ينظر الناس بعين الاحتقار.
فصل فيمن قالوا بالإرادة والجبر
قال ابن الخطيب: المعتزلة وإن نازعوا في القدرة والإرادة، فهم مسلمون في العلم والجبر، فيلزمهم الجبر باعتبارهما.
والفلاسفة مذهبهم الجَبْر؛ لأن سبب الحوادث عندهم الاتصالات الفلكية.
والقدرية قالوا: بأن الحوادث اتفاقية، فجميع فرق العقلاء يلزمهم الجبر، سواء أقروا به أو أنكروه.
فصل في إرادة العبد الحزن والفرح
قالت المعتزلة: قوله: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ﴾ يدل على أنه إنما أخبرهم بكتبها ليحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا قدرتهم عليه لم يكن لذلك فائدة، ويدل على أنه لا يريد أن يقع منهم الفرح والحزن، وهو خلاف قول المجبرة؛ لأنه قال: ﴿والله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ والمحبة هي الإرادة.
وأجيبوا بأن المحبة هي إرادة خاصة وهي إرادة الثواب، ولا يلزم من نفيها نفي الإرادة.
قوله: ﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ . تقدم نظيره في سورة «النساء» .
قال القرطبي: «الذين» في موضع خفض نعتاً للمختال.
وقال ابن الخطيب: بدل من قوله: «كل مُخْتَال» .
وقيل: رفع بالابتداء، فهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله.
والمعنى: الذين يبخلون فالله غني عنهم.
قيل: أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد ﷺ َ في كتبهم لئلا يؤمن به النَّاس، فتذهب مأكلتهم.
قاله السُّدي والكلبي.
فيكون «الذين» مبتدأ، وخبره محذوف يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ .
стр. 11523
وقال سعيد بن جبير: «الذين يَبْخَلُون» يعني بالعلم ﴿وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ بألَاّ يعلموا الناس شيئاً.
وقال زيد بن أسلم: إنه البُخْل بأداء حق الله تعالى.
وقال عبد الله بن عامر الأشعري: هو البخل بالصدقة والحقوق.
وقال طاوس: وهو البُخْل بما في يديه.
فصل في قراءات البخل
«بالبخل» . قرأ العامة: «بالبُخْل» بضم الباء وسكون الخاء.
وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وابن محيصن وحمزة والكسائي «بالبَخَل» بفتحتين، وهي لغة الأنصار.
وقرأ أبو العالية وابن السَّميفع: «بالبَخْل» بفتح الباء وإسكان الخاء.
وعن نصر بن عاصم: «البُخُل» - بضمتين - وكلها لغات مشهورة.
وقال قوم: الفرق بين البخل والسخاء من وجهين:
أحدهما: أن البخيل الذي لا يعطي عند السؤال، والسَّخي الذي يعطي بغير سؤال.
وتقدم الفرق بين البُخْل والشُّحِّ في آخر آل عمران.
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: عن الإيمان ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ .
قرأ نافع وابن عامر: ﴿فإن الله الغني الحميد﴾ بإسقاط «هو» ، وهو ساقط في مصاحف «المدينة» و «الشام» ، والباقون: بإثباته، وهو ثابت في مصاحفهم، فقد وافق كل مصحفه.
قال أبو علي الفارسي: من أثبت «هو» يحسن أن يكون فصلاً، ولا يحسن أن يكون ابتداء؛ لأن الابتداء لا يسوغ حذفه.
стр. 11524
يعني أنه رجح فصليّته بحذفه في القراءة الأخرى، إذ لو كان مبتدأ لضعف حذفه لا سيما إذا صلح ما بعده أن يكون خبراً لما قبله.
ألا ترى أنك لو قلت: إن زيداً هو القائم يحسن حذف «هو» لصلاحية «القائم» خبراً، وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يحذف العائد المرفوع بالابتداء بشروط:
منها: ألَاّ يكون ما بعده صالحاً للصِّلة نحو: «جاء الذي هو في الدَّار، وهو قائم أبوه» لعدم الدلالة.
إلا أن للمنازع أن ينازع أبا عليٍّ ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى، وكم من قراءتين تغاير معناهما، كقراءتي: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾
[آل عمران: ٣٦] إلا أن توافق القراءتين في معنى واحد أولى، هذا مما لا نزاع فيه.
ومن أثبت «هو» فعلى أن يكون فصلاً، ويجوز أن يكون مبتدأ، و «الغَنِيّ» خبره والجملة خبر «إن» .
قال ابن الخطيب: وقوله «الحميد» كأنه جواب من يقول: إذا كان الله عالماً بأنه يبخل، فلم أعطاه المال؟ .
فأجاب: بأنه محمود حيث فتح أبواب الرحمة مع تقصير العبدِ في الطاعة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات﴾ .
يعني المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة.
وقيل: الإخلاص لله - تعالى - في العبادة.
﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي الكتب التي أوحينا إليهم فيها خبر من كان قبلهم.
«والمِيزَانَ» ، قال ابن زيد: هو ما يُوزَنُ به، ويتعامل.
روي أن جبريل ﵇ نزل بالميزان فدفعه إلى نوح ﵊ ُ - وقال: مُرْ قَوْمكَ يَزِنُوا بِهِ ليقُومَ النَّاسُ بالقِسْطِ، أي: بالعدل في معاملاتهم.
وقيل: أراد به العدل.
قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان وهو من باب: [الرجز]
٤٧٢٥ - عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً ...
стр. 11525
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان﴾ [الرحمن: ٧] .
قوله: «مَعَهُمُ» حال مقدرة، أي: صائراً معهم، وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأن الرسل لم ينزلوا، ومقتضى الكلام أن يصحبوا الكتاب في النزول.
وأما الزمخشري فإنه فسّر الرسل بالملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فالمعية متحققة.
قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد﴾ .
روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ َ قال: «إنَّ اللَّهَ تعَالَى أنْزلَ أرْبَعَ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ: الحَديْدَ والمَاءَ والنَّارَ والثَّلْجَ» .
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل ثلاثة أشياء مع آدم ﵊ ُ - الحَجَر الأسود وكان أشد بياضاً من الثَّلج، وعصا موسى، وكانت من آسِ الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السَّنْدَان، والكَلْبتَان، والميْقَعَة، وهي المِطْرقَة ذكره الماوردي.
وروى الثعلبي عن ابن عبَّاس قال: نزل آدم من الجنَّة، ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: السَّندان، والكلْبتَان، والمِيْقعَة، والمِطْرقَة والإبْرَة.
وحكاه القشيري قال: والمِيْقعَة: [ما يحدد به، يقال: وقعت الحديدة أقعها، أي حددتها.
وفي «الصحاح» ] : «المِيْقَعَة» الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصَّار التي يدقّ عليها، والمِطْرقَة، والمِسَنّ الطويل.
وروي أن الحديد أنزل يوم الثلاثاء.
﴿فيه بأس شديدٌ﴾ أي: لإهراق الدِّماء، ولذلك نهي عن الفَصْد والحِجَامة يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدَّم.
وروي عن رسول الله ﷺ َ «إنَّ فِي يَوْمِ الثلاثاءِ ساعةً لا يُرَاقُ فِيْهَا الدَّمُ» .
стр. 11526
وقيل: «أنزلنا الحديد» أي: أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى:
﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأنعام﴾ [الزمر: ٦] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء.
وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه.
وقوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ جملة حالة من «الحديد» ، والمراد بالحديد يعني: السلاج والجُنَّة.
وقيل: إن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال مجاهد: يعني جُنَّة.
وقيل: انتفاع النَّاس بالماعون: الحديد كالسِّكين والفأس ونحوه.
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾ . عطف على قوله: ﴿لِيَقُومَ الناس﴾ ، أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس، وليعلم الله.
وقال أبو حيان: علّة لإنزال الكتاب والميزان والحديد.
والأول أظهر؛ لأن نصرة الله ورسوله مناسبة للإرسال.
قوله: «ورُسُلَهُ» عطف على مفعول «ينصره» ، أي: وينصر رسله.
قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على «من» لئلا يفصل به بين الجار، وهو «بالغيب» ، وبين ما يتعلق به وهو «ينصر» .
قال شهاب الدين: وجعله العلة ما ذكره من الفصل بين الجار، وبين ما يتعلق به يوهم أن معناه صحيح لولا هذا المانع، وليس كذلك؛ إذ يصير التقدير: وليعلم الله من ينصره بالغيب، وليعلم رسله، وهذا معنى لا يصح ألبتة، فلا حاجة إلى ذكر ذلك، و «بالغيب» حال وقد تقدم مثله أول «البقرة» .
فصل في معنى الآية
المعنى: وليعلم الله من ينصره، أي: أنزل الحديد ليعلم من ينصره، أو ليقوم الناس بالقسط؛ أي: أرسلنا رسلنا.
﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، أي: وهم لا يرونهم.
стр. 11527
﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قوي في أخذه عزيز أي: منيع غالب.
وقيل: بالغيب أي: بالإخلاص.
فصل في الرد على من قال بحدوث علم الله
احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: «وليعلم الله» .
وأجيب: بأنه - تعالى - أراد بالعلم المعلوم، فكأنه - تعالى - قال: ولتقع نُصْرة الرسول ممن ينصره.
فصل في الرد على الجبرية
قال الجبائي: قوله: ﴿لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ يدل على أنه - تعالى - أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط، وأن ينصروا رسله، وإذا أراد هذا من الكل بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك.
وأجيب: بأنه كيف يمكن أن يريد من الكُلِّ ذلك مع علمه بأن ضدّه موجود، والجمع بين الضِّدين محال، والمحال غير المراد.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
لما أجمل الرسل في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ فصل ها هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحاً وإبراهيم، وجعل النبوة في نسلهما، لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب﴾ ، أي: جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمماً يتلون الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والزَّبُور والفُرقَان.
وقال ابن عبَّاس: الخَطّ بالقَلم.
قوله: ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ﴾ .
والضمير يجوز عودهُ على الذُّرِّية، وهو أولى لتقدم ذكره لفظاً.
وقيل: يعود على المرسل إليهم لدلالة رسلنا والمرسلين إليهم.
والمعنى: منهم مهتد ومنهم فاسق، والمراد بالفاسق هاهنا، قيل: الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن لإطلاق هذا الاسم، وهو يشمل الكافر وغيره.
وقيل: المراد بالفاسق ها هنا الكافر؛ لأنه جعل الفُسَّاق ضد المهتدين.
стр. 11528
قوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم﴾ ، أي: أتبعنا على آثارهم، أي: على آثار الذُّرية.
وقيل: على آثار نوح وإبراهيم برسلنا موسى وإلياس وداود ويونس، وغيرهم، ﴿وقفّينا بعيسى ابن مريم﴾ ، فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمّه.
﴿وَآتَيْنَاهُ الإنجيل﴾ : وهو الكتاب المنزل عليه وقد تقدم اشتقاقه في أول آل عمران.
وقراءة الحسن: بفتح الهمزة.
قال الزمخشري: أمره أهون من أمر البَرْطِيل والسَّكينة فيمن رواها بفتح «الفاء» ؛ لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب.
وقال ابن جنّي: قراءة الحسن - بفتح الهمزة - مثال مبالغة، لا نظير له؛ لأنه «أفعيل» وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته لأنه يستخرج به الأحكام.
وقال ابن الخطيب: وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع؛ وله وجهان:
أحدهما: أنه شاذ، كما حكي عن بعضهم في البَرْطِيل.
والثاني: أنه ظن الإنجيل أعجميًّا، فحرف مثاله؛ تنبيهاً على كونه أعجمياً.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه﴾ على دينه يعني: الحواريين وأتباعهم ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ .
стр. 11529
قرأ الحسن: «رَآفة» بزنة «فَعَالة» .
قال مقاتل: المراد من الرَّأفة والرحمة: المودَّة فكان يوادّ بعضهم بعضاً كما وصف الله - تعالى - أصحاب محمد ﷺ َ بقوله: ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصَّفْحِ، وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قستْ قلوبهم، وحرّفوا الكلم عن مواضعه.
والرَّأفة: [اللِّين.
والرحمة:] الشَّفقةُ.
وقيل: الرأفة تخفيف الكُل، والرحمة تحمل الثقل.
وقيل: الرَّأفة: أشد من الرحمة وتم الكلام.
فصل في أن أفعال العبد خلق لله تعالى
دلت هذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى؛ لأنه حكم بأن هذه مجعولة، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية.
قال القاضي: المراد بذلك أنه - تعالى - لطف بهم حتى قويت دواعيهم في الرَّهبانية التي هي تحمّل الكلفة الزائدة على ما يجب.
والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا؛ لأن الحال الاستواء بمنع حصول الرُّجحان؛ لأنَّ حصول الرجحان عند الاستواء ممتنع، فعند المرجوحية أولى بأن يصير ممتنعاً، وإذا امتنع المرجُوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض.
قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها﴾ . في انتصابها وجهان:
أحدهما: أنها معطوفة على «رأفة ورحمة» .
و «جعل» إما بمعنى «خَلَق» ، وإما بمعنى «صيّر» ، و «ابتدعوها» على هذا صفة ل «رَهْبَانية» ، وإنما خصّت بذكر الابتداع؛ لأن الرَّأفة والرحمة في القلب أمر غريزة لا تكسُّب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية، فإنها أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسُّب، إلا أن أبا البقاء منع هذا الوجه، بأن ما جعله الله لا يبتدعونه.
стр. 11530
وجوابه: ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك منها.
وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف عليها، و «ابتدعوها» نعتٌ له، والمعنى: فرض عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها، ولهذا قال: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابتغآء رِضْوَانِ الله﴾ .
والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظَّاهر.
وقال أبو علي: «ابتدعوها رهبانية» ، وتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي والزمخشري، وأبو البقاء وجماعة.
إلَاّ أن هذا يقال: إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له، فالرأفة والرحمة لما كانت من فعل الله نسب خلقهما إليه، والرهبانية لمَّا لم تكن من فعل الله - تعالى - بل من فعل العبد يستقلّ بفعلها نسب ابتداعها إليه.
ورد عليهم أبو حيَّان هذا الإعراب من حيث الصناعة، وذلك أن من حق الاسم المشتغل عنه ألَاّ يصلح للرفع بالابتداء، و «رَهْبَانية» نكرة لا مسوغ للابتداء بها، فلا يصلح نصبها على الاشتغال.
قال شهاب الدين: وفيه نظر لأنا لا نسلم أولاً اشتراط ذلك، ويدل عليه قراءة من قرأ: ﴿سُورَةً أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١] بالنصب على الاشتغال، كما تقدم تحقيقه، ولئن سلمنا ذلك فثمَّ مسوغ وهو العطف، ومن ذلك قول الشَّاعر: [البسيط]
٤٧٢٦ - عِنْدِي اصْطِبَارٌ وشَكْوَى عِنْدَ قَاتلتِي ... فَهَلْ بأعْجَبَ مِنْ هَذَا امْرُؤٌ سَمِعَا؟
وقول الآخر: [الطويل]
٤٧٢٧ - تَغَشَّى ونَجْمٌ قَدْ أضَاءَ فَمُذْ بَدَا ... مُحَيَّاكِ، أخْفَى ضَوْءُهُ كُلَّ شَارِقِ
ذكر ذلك ابن مالك.
و «الرَّهْبَانية» : منسوبة إلى «الرَّهْبَان» ، وهو «فَعْلَان» من رهب، كقولهم: الخَشْيَان من خشي، وقد تقدم معنى هذه المادة في سورة «المائدة» .
وقرىء بضم الراء.
стр. 11531
قال الزمخشري: كأنها نسبة إلى «الرُّهْبَان» ، وهو جمع: راهب، ك «راكب، ورُكْبان» .
قال أبو حيان: والأولى أن يكون منسوباً إلى «رَهْبَان» - يعني بالفتح - وغيِّر؛ لأنَّ النَّسب باب تغيير، ولو كان منسوباً ل «رُهْبَان» الجمع لردّ إلى مفرده إلَاّ إن قد صار كالعلم، فإنه ينسب إليه ك «الأنصار» .
فصل في المراد بالرهبانية
والمراد من الرهبانية: ترهُّبُهم في الجبال فارِّين من الفتنة في الدين متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة، واللِّباس الخَشِن، والاعتزال عن النساء، والتعبُّد في الغيرانِ والكهوف.
روى ابن عباس أن في أيام الفترةِ بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - غيَّر الملوك التوراة والإنجيل، فراح نفرٌ، وبقي نفر قليل، فترهبوا وتبتلوا.
قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى ﵊ ُ - ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقيَ على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يسعُنَا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصَّوامع.
وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفضُ النساء، واتخاذ الصَّوامع.
وفي خبر مرفوع: هي لحوقهم بالبرارِي والجبال.
قوله تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ .
صفة ل «رهبانية» ، ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك.
قال ابن زيد: معناه ما فرضناها عليهم، ولا أمرناهم بها.
стр. 11532
وقوله: ﴿إِلَاّ ابتغآء رِضْوَانِ الله﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه استثناء متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ابتغاء مرضات الله، فيكون «كتب» بمعنى «قضى» ، فصار المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء مرضات الله، وهذا قول مجاهد.
والثاني: أنه منقطع.
قال الزمخشري ولم يذكر غيره: «أي: ولكنهم ابتدعوها» .
وإلى هذا ذهب قتادة وجماعة، قالوا: معناه لم يفرضها عليهم، ولكنهم ابتدعوها.
الثالث: أنه بدل من الضمير المنصوب في «كَتَبْنَاها» قاله مكي.
وهو مشكل، كيف يكون بدلاً وليس هو الأول لا بعضه، ولا مشتملاً عليه.
وقد يقال: إنه بدل اشتمال؛ لأن الرهبانية الخالصة المرعية حق الرعاية قد يكون فيها ابتغاء رضوان الله، ويصير نظير قولك: الجارية ما أحببتها إلا أدبها فأدبها بدل من الضمير في «أحببتها» بدل اشتمال، وهذا نهاية التمحُّل لصحة هذا القول.
والضمير المرفوع في «رَعَوْهَا» عائد على من تقدم.
والمعنى: أنهم لم يدوموا كلهم على رعايتها، وإن كان قد وجد هذا في بعضهم.
وقيل: يعود على الملوك الذين حاربوهم.
وقيل على أخلافهم و «حقَّ» نصبه على المصدر.
قال القرطبي فيها: وقيل: «إلَاّ ابتغاء» استثناء منقطع، والتقدير: «ما كتبناها عليهم، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله» .
﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
أي: ما قاموا بها حقَّ القيام، بل ضمُّوا إليها التثليث والاتحاد، وأقام الناس منهم على دين عيسى ﵊ ُ - حتى أدركوا نبينا محمداً ﵊ ُ - فآمنوا به، فهو قوله تعالى: ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون﴾ .
وقيل: إنّا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلَاّ ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال لغير هذا الوجه، وهو طلب الدنيا والرِّياسة والسُّمعة.
وقيل: معناه أنا كتبناها عليهم فتركوها، فيكون ذلك ذمًّا لهم لتركهم الواجب.
стр. 11533
وقيل: إن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمداً ﷺ َ ولم يؤمنوا به.
فصل فيمن أحدث بدعة
دلت هذه الآية أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيراً أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية.
وعن أبي أمامة الباهلي واسمه صديُّ بن عجلان أن النبي ﷺ َ قال: «أحْدَثْتُم قيامَ رمضانَ ولمْ يُكتَبْ عليْكمْ، إنَّما كُتِبَ عليْكُمُ الصِّيامُ، فدُومُوا على القِيامِ إذْ فعلتُمُوهُ ولا تَتْرُكُوهُ، فإنَّ ناساً مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتدَعُوا بِدَعاً ولَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عليهم ابتغَوْا بِهَا رضْوانَ اللَّهِ فَما رَعَوْهَا حَقَّ رعايتِهَا فَعَاتَبَهُم الله عليها بِترْكِهَا» ، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها﴾ الآية.
فصل
دلّت الآية على العزلة عن الناس وذلك مَنْدُوبٌ إليه عند فساد الزمان، وتغير الأحوال والإخوان.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ .
أي: آمنوا بموسى وعيسى ﴿اتقوا الله وَآمِنُواْ﴾ بمحمد ﷺ َ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ ، أي: مثلين من الأجْر على إيمانهم بعيسى وبمحمد ﷺ َ؛ وهذا نظير قوله تعالى: ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] .
و «الكِفْلُ» : الحظّ والنصيب.
وقد تقدم، وهو في الأصل كساء يكتفلُ به الراكب يحفظه من السقوط. قاله ابن جرير.
وقال الأزهري: اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، والمعنى: يؤتكم نَصِيبيْنِ يحفظانكم من هلكةِ المعاصي كما يحفظ الكفلُ الراكب.
وقال أبو موسى الأشعري: «كِفْلَيْن» ضِعْفَيْن، بلسان «الحبشة» .
стр. 11534
وقال ابن زيد: «كِفْلين» أجر الدنيا والآخرة.
وقيل: لما نزلت: ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٤] افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ﷺ َ فنزلت هذه الآية.
فإن قيل: إنه - تعالى - لما أعطاهم كِفْلَيْنِ، وأعطى المؤمن كفلاً واحداً كان حالهم أعظم.
فالجواب: أنه لا يبعد أن يكون النَّصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين.
روى أبو موسى عن النبي ﷺ َ أنه قال: «ثَلاثَةٌ يُؤتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رجُلٌ كانَتْ لَهُ جَاريةٌ فأدَّبهَا وأحْسَنَ أدبهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا وتَزوَّجَهَا، ورجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِكِتَابِهِ، وآمَنَ بمُحمَّدٍ ﷺ َ وعبدٌ أحْسَنَ عبادةَ اللَّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ» .
قوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً﴾ .
قال مجاهد: أي: بياناً وهدى.
وقال ابن عباس: هو القرآن.
وقيل: ضياء يمشون به في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، وهو النور المذكور في قوله تعالى ﴿يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [الحديد: ١٢] .
وقيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام، فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها، وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد ﷺ َ وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى، لا الرِّياسة الحقيقية في الدين ثم قال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ، أي: ما أسلفتم من المعاصي، ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ .
стр. 11535
هذه «اللام» متعلقة بمعنى الجملة الطَّلبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا الله، وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم.
وفي الآية هذه وجهان:
أشهرهما عند النحاة والمفسرين: أنها مزيدة كهي في ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] و ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] . على خلاف في هاتين الآيتين.
والتقدير: أعلمكم الله بذلك ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضلِ الله، وثبوت أن الفضل بيد الله، وهذا واضح بيِّن، وليس فيه إلا زيادة ما ثبتت زيادته شائعاً ذائعاً.
والثاني: أنها غير مزيدة، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب [عجز المؤمنين. نقل ذلك أبو البقاء، وهذا لفظه.
وكان قال قبل ذلك: «لا» زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب] عجزهم.
وهذا غير مستقيم؛ لأن المؤمنين عاجزون أيضاً عن شيءٍ من فضل الله، وكيف يعمل هذا القائل بقوله: ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ ، فإنه معطوف على مفعول العلم المنفي، فيصير التقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أنَّ الفضل بيد الله، وهذا لا يستقيم نفي العلم به ألبتة، فلا جرم كان قولاً مطرحاً.
وقرأ العامة: «لئلَاّ» بكسر لام كي، وبعدها همزة مفتوحة مخففة.
وورش يبدلها ياء محضة. وهو تخفيف قياسي نحو: «مِيَة وفِيَة» في «مِئَة وفِئَة» ويدل على زيادتها قراءة عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، والجحدري، وعبد الله بن سلمة: «ليعلم» بإسقاطها.
وقراءة حطَّان بن عبد الله: «لأن يعلم» بإظهار «أن» .
والجحدري أيضاً والحسن: «ليعلم» .
وأصلها كالتي قبلها «لأن يعلم» فأبدل الهمزة ياء لانفتاحها بعد كسرة؛ وقد تقدم أنه قياسي كقراءة ورش «ليلاّ» ثم أدغم النون في الياء.
стр. 11536
قال أبو حيان: «بغير غُنَّةٍ كقراءة خلف» أن يضرب «بغير غُنَّةٍ» . انتهى.
فصار اللفظ «ليعلم» . وقوله «بغير غنة» ، ليس عدم الغنة شرطاً في صحة هذه المسألة بل جاء على سبيل الاتفاق، ولو أدغم بغنة لجاز ذلك فسقوطها في هذه القراءات يؤيد زيادتها في المشهورة.
وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه أبو بكر بن مجاهد: «ليلا يعلم» بلام مفتوحة وياء ساكنة كاسم المرأة، ورفع الفعل بعدها.
وتخريجها: على أن أصلها «لأن لا» على أنها لام الجر ولكن فتحت على لغة مشهورة معروفة؛ وأنشدوا:
٤٧٢٨ - أرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا ... . ..... ... ... ... ... ... . .
بفتح «اللام» ، وحذف الهمزة اعتباطاً، وأدغمت النون في «اللام» فاجتمع ثلاثة أمثال فثقل النطق به، وأبدل الوسط ياء تخفيفاً، فصار اللفظ «ليلا» كما ترى، ورفع الفعل؛ لأن «أنْ» هي المخففة لا النَّاصبة، واسمها على ما تقرر ضمير الشَّأن، وفصل بينهما وبين الفعل الذي هو خبرها بحرف النَّفْي.
وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه قطرب: «ليلا» بلام مكسورة، وياء ساكنة، ورفع الفعل بعدها، وهي كالَّتي قبلها في التخريج، غاية ما في الباب أنه جاء بلام الجر كما هي في اللغة الشهيرة.
وروي عن ابن عباس: «لكي يعلم» و «كي يعلم» .
وعن عبد الله: «لكيلا» .
وهذه كلها مخالفة للسَّواد الأعظم، ولسواد المصحف.
وقراءة العامة: ﴿أن لا يقدرون﴾ بثبوت النون، على أن «أنْ» هي المخففة.
وعبد الله: بحذفها على أن «أن» هي الناصبة.
وهذا شاذّ جداً؛ لأن العلم لا يقع بعده الناصبة.
وقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ الظاهر أنه مستأنف.
стр. 11537
وقيل: هو خبر ثانٍ عن الفضل.
وقيل: هو الخبر وحده، والجار قبله حال، وهي حال لازمة؛ لأن كونه بيدِ الله لا ينتقل ألبتة.
فصل في اتصال الآية بما قبلها
نقل ابن الخطيب عن الواحدي أنه قال: هذه الآية مشكلة، وليس للمفسرين فيها قول واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن «لا» هاهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب.
وقال أبو مسلم وجماعة: على أن «لا» ليست زائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله وتوفيقه.
أما على القول بزيادتها، فاعلم أنه لا بُدَّ هاهنا من تقديم مقدمة، وهي أن أهل الكتاب كانوا يقولون: إن الوحْيَ والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلَاّ لنا، وإنّ الله خصَّنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين العالمين.
إذا عرفت هذا، فنقول: إن الله - تعالى - لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد ﷺ َ ووعدهم الأجر العظيم في ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآيةِ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيءٍ من فَضْل الله لقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً.
وأما القول بأن «لا» غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: «لا يَقْدرون» عائد إلى الرسول ﷺ َ وإلى أصحابه ﵃ والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، فإنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه، فقد علموا أنَّهم يقدرون عليه ثم قال: ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ فيصير التقدير: إنا جعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله في قوم معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله.
واعلم أنَّ هذا القول ليس فيه إلَاّ أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ تقديره: وليعتقدوا أنَّ الفضل بيد الله وأما القول الأول فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجود، ومن المعلوم أنَّ الإضمار أولى من الحذف؛ لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً.
стр. 11538
وأما إذا افتقرنا إلى الحذف كان ظاهرهُ موهماً للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى.
فصل في نزول هذه الآية
قال قتادةُ: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: لئلا يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله.
وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منّا نبيٌّ يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: «لئلا يعلم» ، أي: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون يعني: أنهم لا يقدرون، كقوله: ﴿أَلَاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ [طه: ٨٩] والمراد من فضل الله.
قيل: الإسلام وقيل: الثواب.
وقال الكلبي: من رزق الله.
وقيل: نِعَمُ الله التي لا تُحْصَى.
﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ ليس بأيديهم، فيصرفوا النُّبُوَّة عن محمد ﷺ َ إلى من يُحِبُّون.
وقيل: إن الفضل بيد الله، أي: بقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ .
روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ َ وهو قائم على المنبر يقول: «إنَّما بَقَاؤكُمْ فِيْمَا سَلَفَ قَبْلكُمْ مِنَ الأممِ كما بَيْنَ صلاةِ العصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، أعْطِيَ أهْلُ التَّوراةِ التَّوْراةَ فَعمِلُوا بِهَا حتَّى انْتَصفَ النَّهارُ، ثُمَّ عَجَزُوا فأعْطُوا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أعطي أهْلُ الإنجيلِ الإنجيلَ فعمِلُوا بِهِ حتَّى صلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا فأعْطُوا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أعطيتُمُ القُرْآنَ فعَمِلْتُمْ بِهِ حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فأعطيتُمْ قِيْراطَيْنِ قِيْراطَيْنِ، قال أهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هؤلاءِ أقَلُّ عملاً وأكْثَرُ أجْراً، قال: هَلْ ظُلِمْتُمْ مِنْ أجْرِكُمْ شَيْئاً؟ قَالُوا: لا، قال: فذلِك فَضْلُ اللَّهِ أوتيهِ مَنْ أشَاءُ» .
وفي رواية: «فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارى وقالُوا: رَبَّنَا» الحديث.
стр. 11539
سورة المجادلة
[مدنية] في قول الجميع إلا رواية عن عطاء: أن العشر الأول منها مدني، وباقيها مكي.
وقال الكلبي: نزلت جميعها ب " المدينة " غير قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧] نزلت ب " مكة ".
стр. 11540
وهي ثنتان وعشرون آية وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمة وألف وسبعمائة واثنان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية.
«قَدْ» هنا للتوقع.
قال الزمخشري: «لأنه ﵊ ُ - و المجادلة كانا يتوقعان أن يسمع اللَّه مجادلتهما وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنهما» .
وإظهار الدال عند السين قراءة الجماعة إلا أبا عمرو والأخوين.
ونقل عن الكسائي أنه قال: من بيَّن الدال عند السين فلسانه أعجمي، وليس بعربي. وهذا غير معرج عليه.
стр. 11541
و «في زوجها» في شأنه من ظهاره إياها.
فصل فيمن جادلت الرسول ﷺ َ
التي اشتكت هي خولة بنت ثعلبة.
وقيل: بنت حكيمٍ.
وقيل: بنت خُويلد.
قال الماوردي: وليس هذا بمختلف؛ لأن أحدهما: أبوها، والآخر: جدها، فنسبت إلى كل منهما.
قيل: كانت أمة.
وقيل: هي ابنة صامت.
وقيل: أمة لعبد الله بن أبي. وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: ٣٣] أي لا يكرهها على الزنا.
وقيل: هي ابنة حكيم.
قال النحاس: وهذا ليس بمُتناقض، يجوز مرَّة أن تنسب إلى أبيها، ومرَّة إلى أمها، ومرَّة إلى جدِّها، ويجوز أن تكون أمةً كانت لعبد الله بن أبي، فقيل لها: أنصارية بالولاء؛ لأنه كان في عداد الأنصاريين وأنه كان من المنافقين. نقله القرطبي.
وقيل: اسمها جميلة، وخولة أصح، وزوجها أوسُ بن الصَّامت أخو عبادة بن الصَّامت.
وروي أن عمر بن الخطاب مرَّ بها في خلافته، وهو على حمارٍ والناس معه، فاستوقفته طويلاً ووعظته، وقالت: يا عمرُ، قد كنت تدعى عُمَيراً ثم قيل لك: عمر، ثم قيل: أمير المؤمنين، فاتَّقِ الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقفُ لهذه العجوز هذا الوقوف.
فقال: والله لو حَبَسَتْنِي من أول النهار إلى آخره لا زلت إلَاّ للصَّلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هذه خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟! .
стр. 11542
وقالت عائشة: تبارك الذي وسِعَ سمعهُ كُلَّ شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي إلى رسول الله ﷺ َ وهي تقول: يا رسول الله أكَلَ شَبَابي، ونَثرْتُ له بطني حتَّى إذا كبرت سنّي، وانقطع ولدي ظاهر منِّي، اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية.
«روي أنها كانت حسنة الجِسْمِ، فرآها زوجها ساجدةً فنظر عجيزتها، فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبَتْ فغضب عليها، قال عروة: وكان امرأ به لممٌ فأصابه بعض لممهِ، فقال لها: أنْتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي وكان الإيْلاء والظِّهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي ﷺ َ فقال لها:» حَرُمْتِ عليْهِ «، فقالت: والله ما ذكر طلاقاً، وإنه أبو ولدي وأحبّ الناس إليَّ، فقال رسول الله ﷺ َ:» حَرُمْتِ عَليْهِ «، فقالت: أشكو إلى الله فَاقتِي ووحْدتِي، فقد طالت له صُحْبتي ونفَضَتْ له بَطْني، فقال رسول الله ﷺ َ:» مَا أرَاك إلَاّ قَدْ حَرُمْتِ عليْهِ ولَمْ أومر فِي شأنِك بِشيءٍ «، فجعلت تراجع رسول الله ﷺ َ وإذا قال لها رسول الله:» حَرُمْتِ عليْهِ «هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتِي وشدة حالي، وإن لي صبيةً صغاراً إن ضَممتُهُمْ إليَّ جاعُوا، وإن ضَممتُهُمْ إليه ضاعُوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهُم إني أشكو إليك فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهارٍ في الإسلام فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية. فأرسل رسول الله ﷺ َ إلى زوجها، وقال:» مَا حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ «؟ فقال: الشيطان، فهل من رُخْصَة؟ فقال:» نَعَمْ «، وقرأ عليه الأربع آيات، فقال:» هَلْ تَسْتطِيْعُ الصَّوْمَ «؟ فقال: لا والله، فقال:» هَلْ تَسْتطيعُ العِتْقَ «؟ فقال: لا والله، إني أن أخطأ في أن آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري وظننت أني أموت، قال:» فأطْعِمْ ستِّيْنَ مِسْكيناً «، فقال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعونٍ وصلةٍ، فأعانه رسول الله ﷺ َ بخمسةَ عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله، فتصدق به على ستين مسكيناً» .
فصل في اللمم الذي كان بأوس بن الصامت
قال أبو سليمان الخطَّابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: وكان بن لَمَم الخبل والجنون، إذ لو كان به ثُمَّ ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه شيء، بل معنى
стр. 11543
اللَّمَم هاهنا: الإلمام بالنساء وشدة الحِرْصِ والتَّوقَانِ إليهن.
فصل في الظهار
اعلم أن الظِّهار كان من أشدّ طلاق الجاهلية؛ لأنه في التحريم أوكدُ ما يمكن، فإن كان الحكم صار مقرّراً في الشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم يفد نسخاً؛ لأن النسخ إنما يدخل في الشَّرائع لا في عادة الجاهلية، لكن الذي روي أنه ﵊ ُ - قال لها: «حَرُمْتِ» أوْ «مَا أَرَاكَ إلَاّ قَدْ حَرُمْتِ» كالدلالة على أنه كان شرعاً.
فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك.
وفي الآية دليل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ولم يَبْقَ له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المُهِمّ.
فصل فيما حكاه الله عن هذه المرأة
اعلم أنَّ الله - تعالى - حكى عن هذه المرأة أمرين:
أحدهما: المجادلة وهو قوله تعالى: ﴿تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ أي: في شأن زوجها، وتلك المجادلة هي أنه ﵊ ُ - كلما قال لها: «حَرُمَتْ عَليْهِ» ، قالت: والله ما ذكر طلاقاً.
والثاني: شكواها إلى الله فَاقتَهَا ووحْدتهَا، وقولها: إن لي صبية صغاراً.
فصل في سمع الله تعالى
قال القرطبي: الأصل في السماع إدراك المسمُوعات وهو اختيار أبي الحسن، وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسمُوع.
وقال الحاكم أبو عبد الله: «السميع» هو المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذُن كالأصَم من النَّاس لما لم يكن له هذه الحاسة لم يكن أهلاً لإدراك الصوت، والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متّصفاً بهما.
وقرىء: «تُحَاوِرُكَ» أي: تراجعك الكلام.
стр. 11544
قوله: ﴿وتشتكي إِلَى الله﴾ يجوز فيه وجهان:
أظهرهما: أنه عطف على «تجادلك» فهي صلة أيضاً.
والثاني: أنها في موضع نصب على الحال، أي: تجادلك شاكيةً حالها إلى الله.
وكذا الجملة من قوله: ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ والحالية فيها أبعد.
و «شكا» و «اشتكى» بمعنى واحد.
و «المُحَاورة» : المراجعة في الكلام، حار الشيء يحُور حَوْراً، أي: رجع يرجع رجوعاً.
ومنه: «نعوذ بالله من الحور بعد الكورِ» ، وكلمته فما أحار بكلمة، أي: فما أجاب.
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . أي: يسمع كلام من يناديه، ويبصر من يتضرع إليه.
قوله: ﴿الذين يُظَاهِرُونَ﴾ تقدم الخلاف في «تُظَاهرون» في سورة «الأحزاب» ، وكذا في ﴿اللائي﴾ [الأحزاب: ٤] .
وقرأ أبيّ هنا: «يَتَظَاهرون» .
وعنه أيضاً: «يتظهرون» .
وفي «الذين» وجهان:
أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره: قوله ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ .
الثاني: أنه منصوب ب «بصير» على مذهب سيبويه في جواز إعمال «فعيل» قاله مكي.
يعني: أن سيبويه يعمل «فعيلاً» من أمثلة المبالغةِ، وهو مذهب مطعُون فيه على سيبويه؛ لأنه استدلّ على إعماله بقول الشاعر: [البسيط]
٤٧٢٩ - حَتَّى شَآهَا كَلِيلٌ مَوْهِناً عَمِلٌ ... بَاتَتْ طِرَاباً وبَاتَ اللَّيْلَ لَمْ يَنَمِ
стр. 11545
ورد عليه بأن «موهناً» ظرف زمان، والظروف يعمل فيها روائح الأفعال، والمعنى: يأتي «ما» قاله مكي.
وقرأ العامة: «أمَّهاتِهِمْ» بالنصب على اللغة الحجازية الفصحى، كقوله
﴿مَا هذا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] .
وعاصم في رواية بالرفع على اللغة التميمية، وإن كانت هي القياس لعدم اختصاص الحرف، وقرأ عبد الله: «بأمَّهاتهم» بزيادة الباء وهي تحتمل اللغتين.
وقال الزمخشري: «وزيادة الباء في لغة من يَنْصِبُ» .
قال شهاب الدين: هذا هو مذهب أبي عليّ، يرى أن «الباء» لا تزاد إلا إذا كانت عاملة، فلا تزاد في التميمية، ولا في الحجازية إذا منع من عملها مانع، نحو: «ما إن زيد بقَائمٍ» ، وهذا مردُود بقول الفرزدق وهو تميمي: [الطويل]
٤٧٣٠ - لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتَارِكِ حَقِّهِ ... ولا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
وبقول الآخر: [المتقارب]
٤٧٣١ - لَعَمْرُكَ مَا إنْ أبُو مالكٍ ... بِوَاهٍ ولا بِضَعيفٍ قُوَاه
فزادها مع «ما» الواقع بعدها «إن» .
فصل في التعبير بلفظ الظهار
ذكر الظَّهْر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يُرْكَب بطنُها، ولكن كنَّى عنه بالظَّهر؛ لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره فكنَّى بالظهر على الركوب، ويقال: نزل عن امرأته أي: طلقها كأنه نزل عن مركُوبه، ومعنى: أنت عليَّ كظهرِ أمي،
стр. 11546
أي: أنت عليَّ محرمة لا يحلّ لي ركوبك نقله القرطبي.
ونقل ابن الخطيب عن صاحب «النظم» : أنه ليس مأخوذاً من الظَّهر الذي هو عضو من الجسد؛ لأنه ليس الظَّهر بأولى بالذكر في هذا الوضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعةِ والتلذُّذ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من العُلوّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي: يعلوه وكذلك امرأة الرجل ظهره؛ لأنه يعلوها بملك البضع وإن لم يكن ناحية الظَّهر، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له.
ويدلُّ على صحة هذا المعنى ما نقل عن العرب أنهم يقولون في الطلاق: نزلت عن امرأتي، أي: طلقتها، وفي قولهم: أنت عليّ كظهر أمي حذف وإضمار؛ لأن تقديره: ظهرك عليّ، أي ملكي إياك، وعلوي عليك حرام كما عُلوي على أمي وملكها عليّ.
فصل في حقيقة الظهار
حقيقة الظهار: تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظَهْر محلّل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أنَّ من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، أنه مظاهر.
وقال أكثرهم، إذا قال لها: أنت عليّ كظهرِ ابنتي، أو أختي، أو من تحرم عليه على التأبيد من ذوات المحارم أنه مظاهر.
فصل في ألفاظ الظهار
وألفاظ الظِّهار: صريح وكناية:
فالصريح: أنت علي كظهر أمي، وأنت عندي، وأنت منّي، وأنت معي كظهر أمي، وكذلك أنت عليَّ كبطن أمي، أو كرأسها أو فرجها ونحوه، وكذلك فرجك، أو رأسك، أو ظهرك، أو بطنك، أو رجلك عليَّ كظهر أمي، فهو مظاهر مثل قوله: يدك، أو رجلك، أو رأسك، أو فرجك طالق تطلق عليه، ومتى شبهها بأمّه، أو بإحدى جداته من قبل أبيه، أو أمه فهو ظهار بلا خلاف، وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحلّ له بحال كالبنت، والأخت، والعمة، والخالة كان مظاهراً عند أكثر الفقهاء.
والكناية: أن يقول: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي، فإنه يعتبر فيه النية، فإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن لم ينو الظهار لم يكن مظاهراً على خلاف في ذلك، فإن شبه امرأته بأجنبيّة، فإن ذكر الظهر كان ظهاراً، وإن لم يذكر الظهر، فقيل: يكون ظهاراً.
стр. 11547
وقيل: طلاقاً.
وقال: أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئاً.
وقيل: وهذا فاسد؛ لأنه شبّه محللاً من المرأة بمحرم، فأشبه الظهر. نقله القرطبي.
فإن قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمي، كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأن قوله: أنت عليَّ حرام يحتمل التحريم بالطلاق، فيكون طلقة، ويحتمل التحريم بالظِّهار، فلما صرح به كان تفسيراً لأحد الاحتمالين، فقضي به فيه.
فصل
والظِّهار لازم في كلّ زوجة مدخول بها، أو غير مدخُول بها من كل زوج يجوز طلاقه.
وقال مالك: يجوز الظِّهار من كل من يجوز له وطؤها من إمائِهِ إذا ظاهر منهن لزمه الظِّهارُ فيهن، وقال غيره: لا يلزم.
قال ابن العربي: وهي مسألة عسيرةٌ جدًّا؛ لأن مالكاً يقول: إذا قال لأمته: أنت عليَّ حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصح كنايته.
قوله: ﴿مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً﴾ نعتان لمصدر محذوف أي قولاً منكراً وزوراً أي: كذباً وبهتاناً.
قاله مكي. وفيه نظر؛ إذ يصير التقدير: ليقولون قولاً منكراً من القولِ، فيصير قوله: «مِنَ القَوْلِ» لا فائدة فيه، والأولى أن يقال: نعتان لمفعول محذوف، لفهم المعنى، أي: ليقولن شيئاً منكراً من القول لتفيد الصفة غير ما أفاده الموصوف.
والمنكر من القول: ما لا يعرف في الشَّرْع، والزور: الكذب.
﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ إذ جعل الكفارة عليهم مُخلصةً لهُمْ من هذا القَوْل المنكر.
وقيل: «لعفو غفور» إما من قبل التوبة لمن يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦] .
أو بعد التوبة.
فإن قيل: المظاهر إنما قال: أنْتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، فشبه بأمه، ولم يقل: إنها أمه،
стр. 11548
فما معنى أنه جعله منكراً من القوْلِ وزوراً. والزُّور: الكذب، وهذا ليس بكذب؟ .
فالجواب: أنَّ قوله إنْ كان خبراً فهو كذب، وإنْ كَانَ إنشاء فكذلك؛ لأنه جعله سبباً للتَّحريم، والشَّرْع لم يجعله سبباً لذلك.
وأيضاً فإنما وصف بذلك، لأن الأم مؤبدة التحريم، والزَّوْجة لا يتأبّد تحريمها بالظِّهار، وهذا ضعيف؛ لأنَّ المشبه لا يلزم أن يساوي المشبه به من كُلِّ وجهٍ.
فإن قيل: قوله: ﴿إِلَاّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ يقتضي أن لا أم إلا الوالدة، وهذا مشكل لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
والحمل على حرمة النكاح لا يفيد؛ إذْ لا يلزمُ مِنْ عدم كوْنِ الزَّوجة أمًّا عدمُ الحُرمةِ، فظاهر الآية الاستدلال بعدم الأمومة على عدم الحرمة؟ .
فالجواب: أنا نقول: هذه الزَّوجة ليست بأم حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة، ولم يرد الشرع بجعل هذه اللفظة سبباً للحرمةِ، فإذن لا تحصل الحرمة هناك ألبتّة فكان وصفهم لها بالحرمة كذباً وزوراً.
стр. 11549
قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ﴾ مبتدأ.
وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مبتدأ ثان وخبره مقدم، أي: فعليهم، أو فاعل بفعل مقدر، أي: فيلزمهم تحرير، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب عليهم تحرير.
فصل
ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك، ولا يلزم عند غيره لقوله تعالى: ﴿مِن نِّسَآئِهِم﴾ .
стр. 11550
وإذا ظاهر صح ظهاره كما يصح طلاقه. وقال مالك: لا يلزم ظهاره؛ لأنه لا يصح تكفيره بالصِّيام، وهذا منقوض بظهار العبد، وهو لا يكفر بالعتقِ والإطعام.
فصل في عدم صحة ظهار المرأة من زوجها
لا يصح ظهار المرأة من زوجها، وعليها كفَّارة يمين، إنما الظهار على الرجال؛ لأن الحل والعقد في النكاح بيدِ الرجال ليس بيد المرأة منه شيء.
وقال الحسن بن زياد: هي مظاهرة.
وقال الزهري: أرى أن تكفر كفَّارة الظهار.
وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها.
فصل في المظاهرة حال الغضب والسكر
وإذا ظاهر حال غضبه لزمه حكم الظِّهار، للحديث، ويصح ظهار السكران وطلاقه، وإذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفَّارة واحدة، وإن ظاهر منهنّ بكلمات فعليه لكل واحدة كفَّارة ظهار، وإذا قال لأربع نسوة: إن تزوجتكنّ فأنتن عليَّ كظهرِ أمي، فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفِّر، ثم قد سقط اليمين فيه في سائرهن.
وقيل: لا يَطَأُ البواقي منهن حتى يكفر فإن قال لامرأته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، وأنت طالق ألبتة، لزمه الطلاق والظِّهار معاً، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج ولا يطؤها إذا نكحها حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق ألبتَّة، وأنت عليّ كظهر أمي لزمه الطَّلاق، ولم يلزمه الظِّهار؛ لأن المبتُوتةَ لا يلحقها طلاق ولا ظهار، ويصح الظهار المؤقّت كما لو قال: أنت اليوم عليَّ كظهرِ أمي فإنَّه يصحّ ويبطل بمضيّ اليوم.
وقال مالك: يتأبّد.
قوله: «منكم» توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظِّهار؛ لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم.
وقوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] أي: ما نساؤهم بأمهاتهم، ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَاّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] أي إلا الوالدات.
وعلى التقادير الثلاثة، فالجملة خبر المبتدأ، ودخلت «الفاء» لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط.
قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ . في هذه «اللام» أوجه:
أحدها: أنها متعلقة ب «يعودون» .
стр. 11551
وفيه معان:
أحدها: والذين من عادتهم أنهم كانوا يقولون هذا القول في الجاهلية، ثمَّ يعودون لمثله في الإسلام.
الثاني: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، ومنه: «عَادَ غَيْثٌ عَلَى ما أفْسَدَ» أي تداركه بالإصلاح، والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظِّهار.
الثالث: أن يراد بما قالوا ما حرَّموه على أنفسهم بلفظ الظِّهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] ، والمعنى: ثم يريد العود للتَّماسِّ. قاله الزمخشري.
وهذا الثالث هو معنى ما روي عن مالك، والحسن، والزهري: ثم يعودون للوطءِ، أي: يعودون لما قالوا: إنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهر ثُمَّ وطىء لزمتِ الكفَّارة عند هؤلاء.
الرابع: «لما قالوا» ، أي: يقولونه ثانياً، فلو قال: أنت عليَّ كظهرِ أمي مرّة واحدة لم يلزمه كفارة؛ لأنه لم يَعُدْ لما قال، وهذا منقول عن بكير بن عبد الله الأشجّ، وأبي حنيفة، وأبي العالية، والفراء في آخرين، وهو مذهب أهل الظَّاهر.
قال ابن العربي: وهذا القول باطل قطعاً؛ لأن قصص المتظاهرين قد رويت، وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، والمعنى أيضاً بنقضه؛ لأن الله - تعالى - وصفه بأنه مُنْكَر من القول وزور، فكيف يقال: إذا أعدت القول المحرّم، والسَّبب المحظور وجبت عليك الكفَّارة، وهذا لا يعقل ألا ترى أنَّ كل سبب يوجب الكفَّارة لا يشترط فيه الإعادة من قتلٍ ووطءٍ في صوم؟ .
الخامس: أن المعنى أن يعزم على إمساكها فلا يطلقها بعد الظِّهار حتى يمضي زمن يمكن أن يطلقها فيه، فهذا هو العودُ لما قال، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة أيضاً.
وقال: العود هنا ليس بتكرير القول، بل بمعنى العزم على الوطء.
قال القرطبي: وهذا ينتقض بثلاثة أمور:
أحدها: أنه قال: «ثُمَّ» وهي للتراخي.
الثاني: قوله: «ثم يعُودُون» يقتضي وجود فعل من جهته، ومرور الزمان ليس بفعل منه.
стр. 11552
الثالث: أن الطلاق الرَّجْعِي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظِّهار كالإيلاء.
وقال مكي: «واللام متعلقة ب» يَعُودُون «أي: يعودون لوطءِ المقول فيه الظهار، وهن الأزواج ف» ما «والفعل مصدر، أي: لقولهم، والمصدر في موضع المفعول به، نحو:» هذا دِرْهم ضرب الأمير «أي: مضروبه، فيصير المعنى، كقولهم للمقول فيه الظِّهار، أي: لوطئه» .
وهذا معنى قول الزمخشري في الوجه الثالث الذي تقدم تقريره عن الحسن، والزهري، ومالك إلَاّ أن مكيًّا قيد ذلك بكون «ما» مصدرية حتى يقع المصدر المؤول موضع اسم المفعول، وفيه نظر؛ إذ يجوز ذلك وإن كانت «ما» غير مصدرية لكونها بمعنى «الذي» ونكرة موصوفة، بل جعلها غير مصدرية أولى؛ لأن المصدر المؤول فرع المصدر الصريح، إذ الصريح أصل للمؤول به، ووضع المصدر موضع اسم المفعول خلاف الأصل، فيلزم الخروج عن الأصل بشيئين: بالمصدر المؤول، ثم وقوعه موقع اسم المفعول، والمحفوظ من لسانهم إنما هو وضع المصدر الصَّريح موضع المفعول لا المصدر المؤول فاعرفه.
لا يقال: إن جعلها غير مصدرية يحوجُ إلى تقدير حذف مضاف ليصحّ المعنى، أي: يعودون لوطء الذي ظاهر منها، أو امرأة ظاهر منها، أو يعودون لإمساكها.
والأصل: عدم الحذف؛ لأن هذا مشترك الإلزام لنا ولكم، فإنكم تقولون أيضاً: لا بد من تقدير مضاف، أي: يعودون لوطء أو لإمساك المقول فيه الظهار، ويدل على جواز كون «ما» في هذا الوجه غير مصدرية ما أشار إليه أبو البقاء، فإنه قال: يتعلق ب «يعودون» بمعنى يعودون للقول فيه، هذا إن جعلت «ما» مصدرية، ويجوز أن تجعلها بمعنى «الذي» ونكرة موصوفة.
الثاني: أن «اللام» تتعلق ب «تحرير» ، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: والذين يُظَاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من الظِّهار، ثم يعودون للوطء بعد ذلك. وهذ ما نقله مكي وغيره عن الأخفش.
قال أبو حيَّان: «وليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية» .
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم فساد النظم مع دلالة المعنى على التقديم والتأخير، ولكن
стр. 11553
نسلم أن ادِّعاء التقديم والتأخير لا حاجة إليه؛ لأنه خلاف الأصل.
الثالث: أن «اللام» بمعنى «إلى» ، و «اللام» و «إلى» يتعاقبان، قال تعالى: ﴿هَدَانَا لهذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ، وقال: ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣] وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] وقال: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ [هود: ٣٦] قاله الأخفش.
الرابع: أنها بمعنى «في» ، نقلها أبو البقاء، ومع ذلك فهي متعلقة ب «يعودون» .
الخامس: أنها متعلقة ب «يقولون» .
[قال مكي: وقال قتادة: ثم يعودون لما قالوا من التحريم فيحلونه، فاللام على هذا تتعلق ب «يقولون» ] .
قال شهاب الدين: «ولا أدري ما هذا الذي قاله مكي، وكيف فهم تعلقها ب» يقولون «على تفسير قتادة، بل تفسير قتادة نص في تعلقها ب» يعودون «، وليس لتعلقها ب» يقولون «وجه» .
ونقل القرطبي عن الفرَّاء قال: اللام بمعنى «عن» والمعنى: ثم يرجعون عما قالوا، ويريدون الوطء.
وقال أبو مسلم: العود هو أن يحلف أولاً على ما قال من لفظ الظهار، فلو لم يَحْلف لم تلزمه كفارة كما لو قال في المأكول: هو عليَّ حرام كَلَحْمِ الآدمي فلا كفَّارة عليه، فإذا حلف عليه لزمته كفارة يمين.
وهذا ضعيف؛ لأن الكفَّارة قد تجب بالجماعِ في الحجّ، وفي رمضان، وفي قتل الخطأ، ولا يمين هناك.
قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فعلية إعتاق رقبةٍ، يقال: حرَّرته، أي: جعلته حرًّا، ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سالمة من كل عيب، ومن كمالها إسلامها كالرَّقبة في كفَّارة القتل، فإذا أعتق نصفي عبدين لم يجزه.
وقال الشافعي: يجزيه لأنَّ النِّصفين في معنى العبد الواحد؛ ولأن الكفَّارة في العتقِ طريقها المال، فجاز أن يدخلها التَّبعيض كالإطعام، ودليل الأول قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس رقبة؛ ولأنه لو أوصى رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحجّ واحد منهما نصفها، ولو أوصى أن يشتري رقبة فيعتق
стр. 11554
عنه لم يجز أن يعتق نصف عبدين، كذا ها هنا.
وروي عن أحمد ﵁ إن كان باقيهما حراً صح وأجزأ، وإلَاّ فلا؛ لأن المقصود تكميل الحرية وقد كملت، ولقوله ﵊ ُ: «لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيْكٌ فإنْ أعْتِقَ مُكَاتبٌ عَنِ الكفَّارةِ لَمْ يَجْزِهِ» .
وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً أجزأه، وإن أعتق بعد أن أدى شيئاً لم يجزه، فإن أعتق ذا رحمه المحرم عن كفارته عتق، ولم يُجْزه عن الكفارة.
قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ ، أي: من قبل أن يجامعها، فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير فإن جامعها قبل التَّكفير عصى، ولا يسقط عنه التكفير.
وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمه كفَّارة أخرى، وعن غيره أن الكفَّارة الواجبة بالظِّهار تسقط عنه، ولا يلزمه شيء أصلاً؛ لأن الله - تعالى - أوجب الكفَّارة، وأمر بها قبل المسيسِ، فإذا أخَّرها حتى مسَّ فقد فات وقتُها، والصحيح ثبوت الكفَّارة؛ لأنه بوطئه ارتكب إثماً، وذلك ليس بمسقط للكفَّارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخَّر الصلاة عن وقتها، وسواء كانت الكفَّارة بالعِتْقِ، أو الصوم، أو الإطعام.
وقال أبو حنيفة ﵁: إن كانت بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم، فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذُّذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء.
فصل فيمن ظاهر من امرأته مراراً
إذا ظاهر مراراً من امرأته ولم يُكفر، فكفَّارة واحدة إلا أن يكون قد كفَّر عن الأول، فعليه للثاني كفَّارة.
قال: وينبغي للمرأة ألا تدعه يقربها حتى يكفِّر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينها وبينه، ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.
قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارة يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظِّهار وحدها؛ لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة، وامتناع من إيفاء حقّها.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: تؤمرون به.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ من التَّكفير وغيره.
стр. 11555
قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ﴾ كقوله في الأوجه الثلاثة المتقدمة من قبلُ، متعلق بالفعل أو الاستقرار المتقدم، أي: فيلزم تحرير، أو صيام، أو فعليه كذا من قبل تماسهما. والضمير في «يتماسَّا» للمظاهر والمظاهر منها لدلالة ما تقدم عليها.
فصل إذا لم يجد الرقبة
من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، وكان مالكاً لها إلَاّ أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكاً لثمنها إلَاّ أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكين ليس له غيره، ولا يجد شيئاً سواه فله أن يصوم.
وقال أبو حنيفة ﵁: لا يصوم وعليه العتق، ولو كان محتاجاً إلى ذلك.
والصيام الواجب في هذه الكفَّارة أن يصوم شهرين متتابعين، فإن أفطر في أثنائها بغير عُذْرٍ استأنفهما وإن أفطر بعذر من سفر أو مرض، فقال ابن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي: يبني على ما مضى، وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
فإن ابتدأ الصيام، ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه؛ لأنه أمر به حين دخل فيه.
وقال أبو حنيفة ﵁ يعتق قياساً على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا رأت الدَّم قبل انقضاء عدّتها، فإنها تستأنف الحَيْض إجماعاً، فإن وطىء المظاهر في خلال الشهرين نهاراً بطل التتابع، وإن وطىء ليلاً لم يبطل؛ لأنه ليس محلاًّ للصَّوم.
وقال أبو حنيفة ﵁ ومالك: يبطل بكل حال، ويجب عليه ابتداء الكفَّارة لقوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ وهذا شرط عائد إلى جملة الشهرين.
ومن طال مرضه طولاً لا يرجى بُرْؤه، وكان بمنزلة العاجز من كبرٍ، فيجوز له العدول عن الصيام إلى الإطعام.
فإن كان يرجى بُرْؤه، واشتدت حاجته إلى وَطْءِ امرأته فالاختيار له أن ينتظر البُرْءَ حتى يقدر على الصيام، فإذا كفَّر بالإطعام، ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه.
فإن ظاهر وهو موسرٌ، ثم أعسر قبل أن يكفر صام، وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر، ولو جامعها في عدمه وعسره، فلم يكفر حتى أيسر لزمه العِتْق.
ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر، قال القرطبي ﵀: فإن كان مضى من صومه صدر صالح كالجمعة وشبهها تمادى، وإن كان يوماً أو يومين ترك الصوم، وعاد إلى
следующие страницы →