Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.
стр. 11481
ذلك سبباً في أنه لم يبق لهم عُذْر في ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلَاّ بقول الرسول.
فقبل معرفة تصديق الرسول لا يكون ذلك سبباً في وجوب تصديق الرسول بل المراد بأخذ الميثاق نصب الدلائل والبينات، بأن ركب فيهم العقول، وأقام عليهم الحُجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرَّسُول، وهذا معلوم لكل أحد، فيكون سبباً لوجوب الإيمان بالرسول.
فصل في حصول الإيمان بالعبد.
قال القاضي: قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ يدل على قدرتهم على الإيمان، إذ لا يجوز أن يقال ذلك لمن لا يتمكن من الفعل كما لا يقال: ما لك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله.
قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: إذْ كنتم مؤمنين.
وقيل: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل.
وقيل: إن كنتم مؤمنين بحق يوماً من الأيام، فالآن فقد صحت براهينه.
وقيل: إن كنتم مؤمنين بأن الله خلقكم كانوا يعترفون بهذا.
وقيل: هذا خطاب لقوم آمنوا، وأخذ النبي ﷺ َ ميثاقهم فارتدوا.
وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: كنتم تقرُّون بشرائط الإيمان.
стр. 11482
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ﴾ .
تقدمت قراءتا «يُنْزِلُ» تخفيفاً وتشديداً في «البقرة» .
وزيد بن علي: «أنْزَلَ» ماضياً.
стр. 11483
وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني القرآن.
وقيل: المعجزات، أي: لزمكم الإيمان بمحمد ﷺ َ لما معه من المعجزات والقرآن أكبرها وأعظمها.
﴿لِّيُخْرِجَكُم﴾ أي: بالقرآن.
وقيل: بالرسول.
وقيل: بالدعوة، ﴿مِّنَ الظلمات﴾ ، وهو الشرك والكفر.
﴿إِلَى النور﴾ وهو الإيمان ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فصل في إرادة الله للإيمان
قال القاضي: هذه الآية تدل على إرادته للإيمان، أكد ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فإن قيل: أليس يدل ظاهرها على أنه يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟ .
قلنا: إذا كان الإيمان بخلقه لا يبقى لقوله: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم﴾ [الحديد: ٩] معنى؛ لأن ما يخلقه لا يتغير، بل المراد أنه يلطف بهم.
قال ابن الخطيب: وهذا على حسنه معارض بالعلم؛ لأنه علم أن إيمانهم لا يوجد فقد كلفهم بما لا يوجد، فكيف يعقل مع هذا أنه أراد منهم الخير والإحسان، وحمل بعضهم قوله: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ على بعثة محمد ﷺ َ ولا وجه لهذا التخصيص.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَاّ تُنفِقُواْ﴾ .
الكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَاّ نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ، فالأصل: «في ألا تنفقُوا» .
فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهور، وأبو الحسن يرى زيادتها كما تقدم تقريره في البقرة.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ﴾ جملة حالية من فاعل الاستقرار أو مفعوله، أي: وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أن ميراث السموات والأرض له، فهذه حال منافية.
стр. 11484
فصل في الكلام على الإنفاق
لما أمر أولاً بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكَّده في الآية المتقدمة بإيجاب الإيمان بالله أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاد الإنفاق، والمعنى: أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدّمتموه في الإنفاق على طاعة الله؟ .
وتحقيقه: أن المال لا بد وأن يخرج من اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن خرج بالموت كان أثره اللَّعنُ والمقتُ والطرد والعقاب، وإن خرج بالإنفاق في سبيل الله كان أثره المدح والثواب وإذا كان لا بد من خروجه من اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه مما يستعقب اللعن والعقاب، ثم لما بين تعالى أن الإنفاق في سبيل الله فضيلة بيَّن أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ .
قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ .
في فاعل «يستوي» وجهان:
أظهرهما: أنه «مَنْ أنفق» وعلى هذا فلا بد من حذف معطوف يتم به الكلام، فقدره الزمخشري: لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح «مكة» وقوة الإسلام، ومن أنفق من بعد الفتح، [فحذف لوضوح الدلالة] .
[وقدره أبو البقاء: «ومن لم ينفق» .
قال: ودلّ على المحذوف قوله: ﴿مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح﴾ ] .
والأول أحسن؛ لأن السِّياق إنما جيء بالآية ليفرق بين النَّفقتين في زمانين.
والثاني: أن فاعله ضمير يعود على الإنفاق، أي: لا يستوي جنس الإنفاق إذ منه ما وقع قبل الفتح، ومنه ما وقع بعده.
فهذان النَّوعان متفاوتان، وعلى هذا فيكون «من» مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثاني، و «أعظم» خبره، والجملة خبر «من» . وهذا ينبغي ألَاّ يجوز ألبتة.
وكأن هذا المعرب غفل عن قوله: «منكم» ، فلو أعرب هذا القائل «منكم» خبراً مقدماً، و «من» مبتدأ مؤخراً، والتقدير: منكم من أنفق من قبل الفتح، ومنكم من لم ينفق قبله ولم يقاتل، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه لكان سديداً، ولكنه سَهَا عن لفظة «منكم» .
стр. 11485
فصل في المراد بالفتح
أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح «مكة» .
وقال الشعبي والزهري: فتح «الحديبية» .
قال قتادة: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى؛ لأن القتال والنفقة قبل فتح «مكة» أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة النَّاس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النَّصب.
قال مالك ﵁: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ .
قال الكلبي: نزلت في أبي بكر وفيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر وتقديمه؛ لأنه أوَّل من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أوَّل من أظهر الإسلام بسيفه النبي ﷺ َ وأبو بكر.
وعن ابن عمر قال: «كنت عند النبي ﷺ َ وعنده أبو بكر، وعليه عباءة قد خلَّلها في صدره بخلالٍ، فنزل جبريل ﵊ ُ فقال: يا نبي الله، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ قال:» أنْفَقَ مالهُ عليَّ قَبْلَ الفَتحِ «، قال: فإن الله تعالى يقول لك: اقرأ على أبي بكر السلام، وقل له: أنت راضٍ في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر: إني عن ربي لَراضٍ، قال: فإن الله - تعالى - يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راضٍ، فبكى أبو بكر، فقال جبريل: والذي بعثك يا محمد بالحق لقد تخلَّلت حملةُ العرش بالعبى منذ تخلَّل صاحبك هذا بالعباءة» .
ولهذا قدمه الصحابة على أنفسهم وأقرُّوا له بالتقدم والسبق.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: سبق النبي ﷺ َ وثنى أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد [المفتري] ثمانين جلدة وطرح الشهادة.
стр. 11486
فصل في التقدم والتأخر في أحكام الدين
فإن قلت: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدين فقالت عائشة ﵂: أمرنا رسول الله ﷺ َ أن ننزل النَّاس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة.
وقد قال ﷺ َ في مرضه: «مُرُوا أبَا بَكْر فليُصَلِّ بالنَّاسِ» .
وقال: «يَؤم القَوْمَ أقرؤهُم لِكتابِ اللَّه» .
وقال: «وليؤمكما أكبركما» .
وفهم منه العلماء أنه أراد كبر المنزلة، كما قال ﵊ ُ: «الوَلَاء للْكِبَرِ» ولم يَعْنِ كبر السن.
وقد قال مالك وغيره: إن للسن حقًّا، وراعاهُ الشَّافعي وأبو حنيفة، وهو أحق بالمراعاة.
وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم في الدين قدم في الدنيا.
وفي الحديث: «ليْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوقِّر كبِيْرنَا ويرْحَمْ صَغِيْرَنا ويَعرفْ لِعَالِمنَا حقَّهُ» .
وفي الحديث أيضاً: «مَا أكْرَمَ شابٌّ شَيْخاً لسنِّهِ إلَاّ قيَّضَ اللَّهُ لهُ عِندَ سنِّهِ مَنْ يُكرمهُ» .
قوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ .
قراءة العامة: بالنَّصب على أنَّه مفعول مقدم، وهي مرسومة في مصاحفهم «وكلاًّ» بألف.
وابن عامر: برفعه.
стр. 11487
وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه ارتفع على الابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده الله.
ومثله: [الرجز]
٤٧١٦ - قَدْ أصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
برفع «كلُّه» أي: لم أصنعه.
والبصريون [رحمة الله عليهم] لا يجيزون هذا إلَاّ في شعر، كقوله: [السريع]
٤٧١٧ - وخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتِنَا ... بالحَقِّ لا يَحْمَدُ بالبَاطِلِ
ونقل ابن مالك الإجماع من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إن كان المبتدأ «كُلاًّ» وما أشبهها في الافتقار والعموم.
قال شهاب الدين لم أره لغيره وقد تقدم نحو من ذلك في سورة «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ولم يرو قوله: «كله لم أصنع» إلا بالرفع مع إمكان أن تنصبه، فتقول: «كله لم أصنع» مفعولاً مقدماً.
قال أهل البيان: لأنه قصد عموم السَّلب لا سلب العموم، فإن الأول أبلغ، وجعلوا من ذلك قوله ﵊ ُ «كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ» .
ولو قال: لم يكن كل ذلك، لكان سلباً للعموم، والمقصود عموم السَّلب.
قال الشيخ عبد القاهر: المعنى يتفاوت بالرفع والنصب، فمع الرفع يفيد أنه لم يفعل شيئاً من الأشياء، ومع النَّصْب يفيد أنه يفعل المجموع، ولا يلزم أنه لم يفعل البعض، بل إن قلنا بدليل الخطاب دل على أنه فعل البعض.
والثاني: أن يكون «كلّ» خبر مبتدأ محذوف، و ﴿وعد الله الحسنى﴾ صفة لما قبله، والعائد محذوف، أي: «وأولئك كل وعد الله الحسنى» .
فإن قيل: الحذف موجود أيضاً فقد عدتم لما فررتم منه؟ .
فالجواب: أن حذف العائد من الصفة كثير بخلاف حذفه من الخبر.
ومن حذفه من الصفة قوله: [الوافر]
стр. 11488
٤٧١٨ - ومَا أدْرِي أغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ ... وطُولُ العَهْدِ أمْ مَالٌ أصَابُوا
أي: أصابوه، ومثله كثير، وهي في مصاحف «الشام» مرسومة: «وكلّ» دون ألف فقد وافق كل مصحفه، و «الحسنى» مفعول ثان، والأول محذوف على قراءة الرفع.
وأمَّا النصب فالأول مقدّم على عامله.
ومعنى الآية: أن المتقدمين السَّابقين والمتأخرين اللَاّحقين وعدهم الله جميعاً الجنة مع تفاوت الدرجات.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: أنه لما وعد السَّابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالماً بالخيرات، وبجميع المعلُومات حتى يمكنه إيصال الثَّواب إلى المستحقين، إذ لو لم يكن عالماً بهم، وبأفعالهم على سبيل التفصيل لما أمكن الخروج من عهدة الوعد بالتَّمام، فلهذا السَّبب أتبع هذا الوعد بقوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
стр. 11489
قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ . وقد تقدم في «البقرة» .
ندب إلى الإنفاق في سبيل الله.
وقال ابن عطية: هنا بالرَّفع على العطف، أو القطع والاستئناف.
وقرأ عاصم: «فيُضَاعفه» بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام، وفي ذلك قلقٌ.
قال أبو علي: لأن السؤال لم يقع على القرضِ، وإنما وقع عن فاعل القَرْض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى، كأن قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ﴾ بمنزلة قوله: «أيقرض الله أحدٌ» . انتهى.
стр. 11490
وهذا الذي قاله أبو علي ممنوع، ألا ترى أنه ينصب بعد «الفاء» في جواب الاستفهام بالأسماء، وإن لم يتقدم فعل نحو: أين بيتك فأزورك ومثل ذلك: من يدعوني فأستجيب له، ومتى تسير فأرافقك، وكيف تكون فأصحبك، فالاستفهام إنما وقع عن ذات الدَّاعي، وعن ظرف الزَّمان، وعن الحال لا عن الفعل.
وقد حكى ابن كيسان عن العرب: «أين ذهب زيدٌ فنتبعه، ومن أبوك فنكرمه» .
فصل في المقصود بالقرض
ندب الله تعالى إلى الإنفاق في سبيل الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً: «قد أقرض» .
كما قال بعضهم رحمة الله عليه: [الرمل]
٤٧١٩ - وإذَا جُوزيتَ قَرْضاً فاجزه ... إنَّما يَجزي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ
وسماه قرضاً؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل، أي: من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة.
قال الكلبي: «قرضاً» أي: صدقة.
«حسناً» أي: محتسباً من قلبه بلا منٍّ ولا أدى.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ : ما بين سبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف.
وقيل القَرْض الحسن هو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال زيد بن أسلم: هو النَّفقة على الأهل.
وقال الحسن: التطوُّع بالعبادات.
وقيل: عمل الخير.
وقال القشيري: لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة:
الأول: أن يكون من الحلال، لقوله ﷺ َ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةً بِغَيْرِ طهُورٍ، ولا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ» .
стр. 11491
الثاني: أن يكون من أكرم ما يمكنه؛ ولا يخرج الرديء كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
الثالث: أن يتصدق به وهو يحبّه، ويحتاج إليه لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله: ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وقال ﵊ ُ «أفْضَلُ الصَّدقةِ أنْ تُعْطيَهُ وأنْتَ صَحيحٌ شَحِيحٌ تأمْلُ العَيْشَ ولا تمهلُ حتَّى إذا بلغتِ التَّراقي قُلْتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كَذَا» .
الرابع: أن تصرف صدقته إلى الأحوج فالأحوج، ولذلك خص تعالى أقواماً بأخذها، وهم أهل المبهمات.
الخامس: أن تخفي الصَّدقة لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] .
السادس: ألَاّ يتبعها منًّا ولا أذى، لقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
السابع: أن يقصد بها وجه الله تعالى، ولا يُرائِي لقوله تعالى: ﴿إِلَاّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى﴾ [الليل: ٢٠] .
الثامن: أن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدُّنيا كلها قليلة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] في أحد التأويلات.
التاسع: أن يكون من أحبّ الأموال إليه، وأن يكون كثيراً لقوله ﵊ ُ «أفْضَلُ الرِّقابِ أغْلاهَا وأنفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا» .
العاشر: ألا يرى عزَّ نفسه، وذُلّ الفقير، بل يكون الأمر بالعكس.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني الجنَّة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى المؤمنين﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنه معمول للاستقرار العامل في «له أجر» أي: استقر له أجر في ذلك اليوم.
стр. 11492
الثاني: أنه مضمر، أي: اذكر، فيكون مفعولاً به.
الثالث: أنهم يُؤجَرُون «يوم ترى» فهو ظرف على أصله.
الرابع: أن العامل فيه «يسعى» أي: يسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم تراهم هذا أصله.
الخامس: أن العامل فيه «فيُضَاعفه» . قالهما أبو البقاء.
قوله: «يَسْعَى» حال؛ لأن الرُّؤية بصرية، وهذا إذا لم تجعله عاملاً في «يوم» ، و «بين أيديهم» ظرف للسعي، ويجوز أن يكون حالاً من «نورهم» .
قوله: «وبأيمانهم» ، أي: وفي جهة أيمانهم.
وهذه قراءة العامة، أعني بفتح الهمزة جمع يمين.
وقيل: الباء بمعنى «عن» أي: عن جميع جهاتهم، وإنما خص الأيمان لأنها أشرف الجهات.
وقرأ أبو حيوة وسهل بن شعيب: بكسرها.
وهذا المصدر معطوف على الظرف قبله، والباء سببية، أي: يسعى كائناً وثابتاً بسبب أيمانهم.
وقال أبو البقاء: تقديره: وبأيمانهم استحقُّوه، أو بأيمانهم يقال لهم: بُشْرَاكُم.
فصل في المراد بهذا اليوم
المراد من هذا يوم المُحاسبة.
واختلفوا في هذا النور.
فقال الحسن: هو الضياء الذي يمرون فيه «بين أيديهم» أي: قدَّامهم.
«وبأيمانهم» ، قال الفرَّاء: «الباء» بمعنى «في» أي: في أيمانهم، أو بمعنى: «عن أيمانهم» .
وقال الضحاك: النور هُداهم، وبأيمانهم كتبهم، واختاره الطبري.
أي: يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم، ف «الباء» على هذا بمعنى «في» ، ويجوز على هذا أن يوقف على «بين أيديهم» ولا يوقف إذا كانت بمعنى «عن» .
стр. 11493
وعلى قراءة سهل بن شعيب وأبي حيوة: «وبإيمانهم» بكسر الألف، أراد الإيمان الذي هو ضد الكُفر، وعطف ما ليس بظرف على الظَّرف لأن معنى الظرف الحال، وهو متعلق بمحذوف.
والمعنى: يسعى كائناً بين أيديهم، وكائناً بأيمانهم.
وقيل: أراد بالنور: القرآن.
وعن ابن مسعود: «يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنَّخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره على إبهام رجله، فيطفأ مرة ويوقد أخرى» .
قال الحسن: ليَسْتَضيئُوا به على الصِّراط.
وقال مقاتل: ليكون لهم دليلاً إلى الجنَّة.
قوله: ﴿بُشْرَاكُمُ اليوم جَنَّاتٌ﴾ .
«بُشْرَاكم» مبتدأ، و «اليوم» ظرف، و «جنَّات» خبره على حذف مضاف أي: دخول جنَّات وهذه الجملة في محل نصب بقول مُقدَّر، وهو العامل في الظرف، يقال لهم: بُشراكم اليوم دخول جنَّات.
قال القرطبي: «ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف؛ لأن البُشْرَى حدث، والجنة عين، فلا تكون هي هي» .
وقال مكي: وأجاز الفراء نصب «جنَّات» على الحال، ويكون «اليوم» خبر «بشراكم» قال: «وكون» جنَّات «حالاً لا معنى له؛ إذ ليس فيها معنى فعل، وأجاز أن يكون» بُشْرَاكم «في موضع نصب على» يبشرونهم بالبُشْرَى «، وينصب» جنات «بالبشرى وكله بعيد، لأنه يفصل بين الصلة والموصول باليوم» . انتهى.
وعجيب من الفرَّاء كيف يصدر عنه ما لا يتعقّل، ولا يجوز صناعة، كيف تكون جنات حالاً، وماذا صاحب الحال؟ .
стр. 11494
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الدخول المحذوف، التقدير: بشراكم اليوم دخول الجنة جنات تجري من تحتها الأنهار مقدرين الخلود فيها.
قال القرطبي: «ولا تكون الحال من» بشراكم «لأن فيه فصلاً بين الصلة والموصول، ويجوز أن تكون مما دلّ عليه البشرى كأنه قال: يبشرون خالدين فيها، ويجوز أن يكون الظَّرف الذي هو» اليوم «خبراً عن» بشراكم «، و» جنات «بدلاً من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم، و» خالدين «حال حسب ما تقدم» .
فصل في العامل في قوله: «خالدين»
قال شهاب الدِّين: «خالدين» نصب على الحال، والعامل فيها المضاف محذوف، إذ التقدير: بُشْرَاكم دخولكم جنات خالدين فيها، فحذف الفاعل وهو ضمير المخاطب، [وأضيف المصدر لمفعوله، فصار دخول جنات] ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف فيه مقامه في الإعراب، ولا يجوز أن يكون «بشراكم» هو العامل فيها؛ لأنه مصدر، وقد أخبر عنه قبل ذكر متعلقاته، فيلزم الفصل بأجنبي، وظاهر كلام مكي أنه عامل في الحال، فإنه قال: «خالدين» نصب على الحال من الكاف والميم، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها فيلزم أن يكون «بشراكم» هو العامل، وفيه ما تقدم من الفصل بين المصدر ومعموله.
فصل في كون الفاسق مؤمناً أم لا
قال ابن الخطيب: تقدم في الكلام البشارة عند قوله: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥] . وهذه الآية تدل على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة؛ لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص.
قال الكعبي: هذه الآية تدلّ على أن الفاسق ليس بمؤمن؛ لأنه لو كان مؤمناً لدخل تحت هذه البشارة، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنَّة؛ [ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن] .
أجاب ابن الخطيب: [بأنا نقطع بأن الفاسق من أهل الجنة] ، لأنه إما أن يدخل النار، أو أنه ممن دخلها، لكنه سيخرج منها، وسيدخل الجنة، ويبقى فيها أبد الآباد، فإذن يقطع بأنه من أهل الجنة، فسقط الاستدلال.
стр. 11495
قوله: «ذلك الفوز» هذه الإشارة عائدة إلى جميع ما تقدم من النور والبشرى بالجنَّات المخلدة.
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات﴾ .
العامل في «يوم» «ذلك الفوز العظيم» .
وقيل: «هو بدل من اليوم الأول» .
وقال ابن الخطيب منصوب ب «اذْكر» مقدًّرا.
واعلم أنه لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين، فقال: يوم يقول.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ . «اللام» للتبليغ.
و ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ قراءة العامة: «انْظُرونَا أمر من النَّظر» .
وحمزة: «أنْظِرُونا» بقطع الهمزة، وكسر الظَّاء من الإنظار بمعنى الانتظار.
وبها قرأ الأعمش، ويحيى بن وثَّاب، أي: انتظرونا لنلحق بكم، فنستضيء بنوركم.
والقراءة الأولى يجوز أن تكون بمعنى هذه، إذ يقال: نظره بمعنى انتظره، وذلك أنَّه يسرع بالخواص على نُجُب إلى الجنة، فيقول المنافقون: انتظرونا لأنَّا مُشَاة لا نستطيع لحوقكم، ويجوز أن يكون من النظر وهو الإبصار؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيضيء لهم المكان، وهذا أليق بقوله: ﴿نقتبس من نوركم﴾ . قال معناه الزمخشري.
إلَاّ أن أبا حيان قال: إن النَّظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في الشِّعر، إنما يتعدى ب «إلى» .
قوله: ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستضيء من نوركم.
و «القَبَس» : الشعلة من النار أو السِّراج.
قال ابن عبَّاس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة.
стр. 11496
قال الماوردي: أظنّها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نوراً يمشون فيه.
قال المفسّرون: يعطي الله كل أحد يوم القيامة نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين [نوراً خديعة لهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة] دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه. قاله ابن عباس.
وقال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور، ويترك الكافر والمنافق بلا نور.
وقال الكلبي: بل يستضيء المنافق بنور المؤمنين، [فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قول المؤمنين] : ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة، فإنهم لا يبصرون مواضع أقدامهم، قالوا للمؤمنين: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ . قيل: ارجعُوا «وراءكم» ، أي: إلى المواضع التي أخذنا منها النور، فاطلبوا هناك نوراً لأنفسكم، فإنكم لا تقتبسون من نورنا، فلما رجعوا وانعزلوا في طلبِ النور «ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ» .
وقيل: معناه هلَاّ طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا؟ .
قوله: «وراءكم» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه منصوب ب «ارجعوا» على معنى ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، فالتمسوا هناك ممن يقتبس، أو ارجعوا إلى الدُّنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه، وهو الإيمان، أو يكون معناه: فارجعوا خائبين وتنحّوا عنَّا فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور.
والثاني: أن «وَرَاءكُم» اسم للفعل فيه ضمير فاعل، أي: ارجعوا «رجوعاً» قاله أبو البقاء.
ومنع أن يكون ظرفاً ل «ارجعوا» .
قال: لقلّة فائدته؛ لأن الرُّجوع لا يكون إلَاّ إلى وراء.
قال شهاب الدين: «وهذا فاسد؛ لأن الفائدة جليلة كما تقدم شرحها» .
стр. 11497
قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ .
العامة على بنائه للمفعول، والقائم مقام الفاعل يجوز أن يكون «بِسُورٍ» وهو الظاهر، وأن يكون الظرف.
وقال مكي: «الباء» مزيدة، أي: ضرب سور. ثم قال: «والباء متعلقة بالمصدر أي: ضرباً بسور» .
وهذا متناقض، إلَاّ أن يكون قد غلط عليه من النساخ، والأصل: والباء متعلقة بالمصدر، والقائم مقام الفاعل الظرف، وعلى الجملة هو ضعيف، والسور: البناء المحيط وتقدم اشتقاقه في أول البقرة.
قوله: «لَهُ بابٌ» . مبتدأ وخبر في موضع جرّ صفة ل «سُور» .
وقوله: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون في موضع جر صفة ثانية ل «سور» ، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة ل «باب» ، وهو أولى لقربه، والضمير إنما يعود إلى الأقرب إلا بقرينة.
وقرأ زيد بن علي، وعمرو بن عبيد: «فضرب» مبنيًّا للفاعل، وهو الله أو الملك.
فصل في المراد بالسور
«السور» : حاجز بين الجنة والنار.
قال القرطبي: «روي أن ذلك السُّور ب» بيت المقدس «عند موضع يعرف ب» وادي جهنم «فيه الرَّحْمَة يعني: ما يَلِي منه المؤمنين، وظاهره من قبله العذاب يعني: ما يلي المنافقين» .
قال كعب الأحبار ﵁: هو الباب الذي ب «بيت المقدس» المعروف ب «باب الرحمة» .
وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور ب «بيت المقدس» الشرقي، باطنه فيه المسجد، وظاهره من قبله العذاب، يعني: جهنم ونحوه عن ابن عباس.
стр. 11498
وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة بن الصَّامت على سُور ب «بيت المقدس» الشرقي فبكى، وقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله ﷺ َ أنه رأى جهنم.
وقال قتادة: هو حائط بين الجنَّة والنار، ﴿باطنه فيه الرحمة﴾ يعني: الجنة، ﴿وظاهره من قبله العذاب﴾ يعني: جهنم.
وقال مجاهد: إنَّه حجاب. كما في «الأعراف» وقد مضى القول فيه.
وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي هو في ظاهره ظلمة المنافقين.
وقيل: السُّور عبارة عن منع المنافقين عن طلبِ المؤمنين.
стр. 11499
قوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «بينهم» . قاله أبو البقاء.
وهو ضعيف لمجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة.
стр. 11500
وأن تكون مستأنفة، وهو الظاهر.
وقوله: ﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون تفسيراً للنداء، وأن يكون منصوباً بقول مقدّر.
فصل في معنى الآية
والمعنى: ينادي المنافقون المؤمنين ﴿ألم نَكُنْ معكم﴾ يعني: في الدنيا نصلّي مثل ما تصلّون، ونغزو مثل ما تَغْزُون، ونفعل مثل ما تفعلون؟ .
«قالوا: بَلَى» ، أي: يقول المؤمنون: بلى، قد كُنتم معنا في الظَّاهر، ﴿ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: استعملتموها في الفتنة.
وقال مجاهد: أهلَكْتمُوهَا بالنِّفاق.
وقيل: بالمعاصي. قاله أبو سنان. وقال أبو نمير الهمداني: بالشهوات واللَّذَّات.
وقوله: «وتربّصتم» أي: بالنبي ﷺ َ الموت، وبالمؤمنين الدَّوائر.
وقيل: تربَّصتم بالتوبة.
«وارْتَبْتُمْ» أي: شككتم في التوحيد، أو النبوة، أو البعث.
«وغرَّتكم الأماني» أي: الأباطيل.
وقيل: طول الأمل، وهو ما كانوا يتمنّونه من ضعف المؤمنين، ونزول الدَّوائر بهم.
وقال قتادة: الأماني هنا خدعُ الشيطان.
وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس.
وقال أبو سنان: هو قولهم: «سيغفر لنا» .
وقال بلال بن سَعْدٍ: ذكرك حسناتك، [ونسيانك] سيئاتك غِرَّةً ﴿حتَّى جاء أمر الله﴾ يعني: الموت.
وقيل: نُصْرة نبيه ﷺ َ.
وقال قتادة: إلقاؤهم في النَّار.
قوله: ﴿وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾ .
стр. 11501
قرأ العامة: «الغَرُور» بفتح الغين، وهو صفة على «فعول» ، والمراد به: الشَّيْطان، أي: خدعكم بالله الشيطان.
وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، وسماك بن حَرْب: «الغُرُور» بالضم، وهو مصدر، والمراد به الأباطيل.
«عن ابن عباس أن النبي ﷺ َ خطَّ لنا خُطُوطاً، وخط منها خطًّا ناحية، فقال:» أتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مِثْلُ ابْنِ آدَمَ ومِثْلُ التمنِّي، وتِلْكَ الخُطُوطُ الآمَالُ، بَيْنَمَا يتمنَّى إذْ جَاءَهُ المَوْتُ «» .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «خطَّ لنا رسول الله ﷺ َ خطًّا مربَّعاً وخط في وسطه خطًّا، وجعله خارجاً منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً، فقال:» هَذَا ابْنُ آدَمَ وهَذَا أجَلُهُ يُحيطُ بِهِ، وهذا أمَلُهُ قَدْ جَاوَزَ أجَلَهُ، وهذه الخُطُوطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ فإنْ أخْطَأهُ هذا نَهَشَهُ هذا «» .
قوله: «فَاليَوْمَ» منصوب ب «يؤخذ» ، ولا يبالي ب «لا» النافية، وهو قول الجمهور وقد تقدم آخر «الفاتحة» ثلاثة أقوال. وقرأ ابن عامر: «تؤخذ» بالتأنيث للفظ الفدية.
والباقُون: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي.
فصل في المراد بالفدية
قوله: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية﴾ أيها المنافقون، ﴿ولا من الذين كفروا﴾ أي: أيأسهم من النَّجاة. والمراد بالفدية قيل: لا يقبل منكم إيمان، ولا توبة؛ لأن التكليف قد زال وحصل الإلحاد.
وقيل: لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] ، والفدية: ما يفتدى به، فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال.
стр. 11502
قال ابن الخطيب: وهذا يدلُّ على أن قبُول التَّوبة غير واجب عقلاً على ما يقوله المعتزلة؛ لأنه - تعالى - بين أنه لا يقبل الفدية أصلاً، والتوبة فدية، فتكون الآية دالة على أنَّ التوبة غير مقبولة أصلاً، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلاً.
قوله: ﴿وَلَا مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ .
عطف الكافر على المنافق، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيقتضي أن يكون المنافق كافراً؟ .
وأجيب بأن المراد منه الذين أظهروا الكفر، وإلَاّ فالمنافق كافر.
قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النار﴾ أي: هي مصيركم.
وقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ يجوز أن يكون مصدراً أي: ولايتكم، أي: ذات ولايتكم.
قال القرطبي: «تملك أمرهم، بمعنى أن الله - تعالى - يركب فيها الحياة والعقل، فهي تتميز غيظاً على الكُفَّار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] .
ويجوز أن يكون مكاناً، أي: مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى بكم، كقوله تعالى: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ قاله الكلبي، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة» .
قال ابن الخطيب: وهذا الذي قالوه معنى، وليس تفسيراً للفظ، لأنه لو كان «مولى وأولى» بمعنى واحد في اللغة لصحّ استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، وكان يجب أن يصحّ أن يقال: هذا أولى فلان، كما يقال: مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنًى، وليس بتفسير، وإنما نبَّهنا على هذه الدقيقة؛ لأن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي ﵁ بقوله ﷺ َ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فعليٌّ مَولاهُ» قال: أحد معاني «مولى» أنه أولى. واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن «مولى» معناه «أولى» إذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه؛ لأن ما
стр. 11503
عداه إمَّا بَيِّنُ الثبوت ككونه ابن العم والنَّاصر، أو بَيِّنُ الانتفاء كالمعتِق، والمعتَق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى الثاني كذباً.
قال ابن الخطيب ﵀: وأما نحن فقد بيَّنا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به.
وفي الآية وجه آخر، وهو أن معنى قوله: «هي مولاكم» أي: لا مولى لكم؛ لأن من كانت النار مولاه، فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي: لا ناصر له ولا معين، وهذا متأكد بقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الكافرين لَا مولى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ، ومنه قوله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل﴾ [الكهف: ٢٩] .
وقوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: هي، ومعناه: ساءت مرجعاً ومصيراً.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ .
قرأ العامة: «ألم» . وقرأ الحسن وأبو السمال: «ألمَّا» .
وأصلها «ألم» زيدت عليها «ما» ، فهي نفي كقول القائل: قد كان كذا، و «لم» نفي، كقوله: قد كان كذا.
وقوله: ﴿أَن تَخْشَعَ﴾ . فاعل «يأن» ، أي: ألم يقرب خشوع قلوبهم ويحينُ؛ قال الشاعر: [الطويل]
٤٧٢٠ - ألَمْ يَأنِ لِي يا قَلْبُ أنْ أتْرُكَ الجَهْلَا ... وأنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ المُبِيْنُ لنَا عَقْلا
وماضيه «أنى» بالقصر «يأني» .
ويقال: «آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يَئِينُ أيْناً» أي: مثل «أنى لَكَ» وهو مقلوب منه.
وأنشد ابن السِّكِّيت: [الطويل]
٤٧٢١ - ألَمَّا يَئِنْ لِي أنْ تُجَلَّى عَمايَتِي ... وأقْصُرُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أنَى لِيَا
فجمع بين اللغتين.
وقرأ العامة: «يأن» مضارع «أنى» أي: حان وقرب، مثل رمى يرمي.
стр. 11504
والحسن: «يئن» مضارع «آن» بمعنى «حان» أيضاً، مثل: «باع يبيع» .
و «اللام» للتبيين. قاله أبو البقاء، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، أي: أعني للذين.
فصل في نزول هذه الآية
في «صحيح مسلم» ، عن ابن مسعُود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ إلا أربع سنين.
قال الخليل: العِتَاب مخاطبة الإذلال، ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبت معاتبة.
«أن تخْشعَ» ، أي: تذل وتلين ﴿قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ .
«وروي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب رسول الله ﷺ َ لما ترفهوا ب» المدينة «فنزلت الآية، ولما نزلت هذه الآية قال ﵊ ُ:» إنَّ الله يَسْتَبْطِئكُمُ بالخُشُوعِ «فقالوا عند ذلك: خشعنا» .
وقال ابن عباس ﵄: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن.
وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة، وذلك لما سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة، فنزلت: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ [يوسف: ١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص﴾ [يوسف: ٣] فأخبرهم أن القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ [الآية، فعلى هذا التأويل يكون ﴿فالذينءَامَنُواْ﴾ في العلانية باللسان] .
وقال السُّدي وغيره: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ بالظَّاهر وأسرُّوا الكفر ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ .
وقيل: نزلت في المؤمنين.
قال سعد: قيل: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص﴾ [يوسف: ٣] فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل قوله: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ [الزمر: ٢٣]
стр. 11505
فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ الآية.
وقيل: هذا خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد - عليهم الصلاة والسلام - لأنه قال عقيبه: ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ١٩] أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألَاّ يكونوا كمتقدمي قوم موسى وقوم عيسى؛ إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم، فقَسَتْ قلوبهم.
قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ .
قرأ نافع وحفص: «نَزَل» مخففاً مبنيًّا للفاعل.
وباقي السبعة كذلك إلَاّ أنها مشددة.
والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية: «ما نزّل» مشدداً مبنيًّا للمفعول.
وعبد الله: «أنْزَل» مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى.
و «ما» في قراءة «ما نزل» مخففاً، يتعين أن تكون اسمية، ولا يجوز أن تكون مصدرية لئلا يخلو الفعل من الفاعل، وما عداها يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى «الذي» .
فإن قلت: فقراءة الجحدري ومن معه ينبغي أن تكون فيها اسمية لئلَاّ يخلو الفعل من مرفوع؟ فالجواب: أن الجار وهو قوله: «من الحقّ» يقوم مقام الفاعل.
فصل في معنى الآية
قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بذكر الله، وما نزل من الحق هو القرآن؛ لأنه جامع للوصفين الذِّكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، ويحتمل أن يكون المراد هو ذكر الله مطلقاً، و ﴿ما نزل من الحقّ﴾ هو القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن؛ لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله تعالى، فأما حصولها عند سماع القرآن، فذلك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله.
стр. 11506
قوله: ﴿وَلَا يَكُونُواْ﴾ .
قرأ العامة: بالغيبة جرياً على ما تقدم.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: ب «التاء» من فوق على سبيل الالتفات.
قال القرطبي: وهي رواية رويس عن يعقوب، وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق.
ثم هذا يحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على «يخشع» كما في قراءة الغيبة، وأن يكون نهياً، فتكون «لا» ناهية والفعل مجزوم بها.
ويجوز أن يكون نهياً في قراءة الغيبة أيضاً، ويكون ذلك انتقالاً إلى نهي أولئك المؤمنين عن كونهم مشبهين لمن تقدمهم نحو «لا يَقُمْ زيد» .
قوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد﴾ .
قرأ العامة: بتخفيف الدال بمعنى الغاية، كقولك: أمد فلان، أي: غايته.
وقرأ ابن كثير في رواية بتشديدها؛ وهو الزمن الطَّويل.
فصل في معنى الآية
معنى الآية لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى أعطوا التوراة والإنجيل، فطالت الأزمان لهم.
قال ابن مسعود ﵁: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمدُ قست قلوبهم، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتَّى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، فإن أبى قتلناه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقةٍ، وجعلها في عنقه، ثم لبس عليه ثياباً وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره وقال: آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين [ملة] ، وخير مللهم أصحاب ذي القرن؛ قال عبد الله: ومن يَعِشْ منكم
стр. 11507
فسيرى منكراً، ويجب على أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كارهٌ.
وقال مقاتل: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمدُ، واستبطئوا بعث النبي ﷺ َ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني: الذين ابتدعوا الرَّهبانية أصحاب الصوامع.
وقيل: من لا يعلم ما يتديّن به من الفقه، ويخالف من يعلم.
[وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى، وقال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعط الله.
وقيل:] طالت أعمارهم في الغفلة، فحصلت القَسْوة في قلوبهم بذلك السبب.
[وقيل غير ذلك.
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين،] وكأنه أشار إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفِسْقِ في آخر الأمر.
قوله تعالى: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ .
أي: يحييها بالمطر.
وقال صالح المري: يلين القلوب بعد قسوتها.
وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدلِ بعد الجورِ.
وقيل: المعنى: وكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد الكفر والضلالة.
وقيل: كذلك يحيي الموتى من الأمم، ويميز بين الخاشع قلبه، وبين الفاسق قلبه.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه يحيي الموتى.
стр. 11508
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات﴾ .
خفف الصاد منهما ابن كثير، وثقلها باقي السَّبعة.
فقراءة ابن كثير من التصديق، أي: صدقوا رسول الله ﷺ َ فيما جاء به، كقوله: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] ، وقراءة الباقين من الصدقة وهو مناسب لقوله: «وأقرضوا» والأصل: المتصدّقين والمتصدّقات، فأدغم، وبها قرأ أبي.
وقد يرجح الأول بأن الإقْرَاض مُغنٍ عن ذكر الصدقة.
قوله: «وأقْرَضُوا» فيه ثلاثة أوجه:
[أحدها] : أنه معطوف على اسم الفاعل في «المصدّقين» ؛ لأنه لما وقع صلة ل «ال» حل محل الفعل، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وعليه جمهور المعربين، وإليه ذهب الفارسي، والزمخشري، وأبو البقاء.
وهو فاسد؛ لأنه يلزم الفصل بين أبعاض الصِّلة بأجنبي، ألا ترى أنَّ «المصدقات» عطف على «المصدقين» قبل تمام الصِّلة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على «المصدقات» لتغايُر الضمائر تذكيراً وتأنيثاً.
الثاني: أنه معترض بين اسم «إن» وخبرها، وهو «يضاعف» .
قال أبو البقاء: «وإنما قيل ذلك لئلَاّ يعطف الماضي على اسم الفاعل» .
قال شهاب الدين: «ولا أدري ما هذا المانع؛ لأن اسم الفاعل متى وقع صلة ل» ال «صلح للأزمنة الثلاثة، ولو منع بما ذكرته من الفصل بأجنبي لأصاب، ولكن خفي عليه كما خفي على الفارسي والزمخشري» .
стр. 11509
الثالث: أنه صلةٌ لموصول محذوف لدلالة الأول عليه، كأنه قيل: «الذين أقرضوا» ؛ كقوله: [الوافر]
٤٧٢٢ - أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ ... ويَنْصُرهُ ويمْدَحهُ سَوَاءُ؟
أي: ومن ينصره، واختاره أبو حيان.
قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكال، وهو أن عطفه الفعل على الاسم قبيحٌ، فما فائدة التزامه هنا؟ .
وأجاب بأن الزمخشري قال: «وأقرضوا» معطوف على معنى الفعل في التصديق؛ لأن «اللام» بمعنى «الذين» ، واسم الفاعل بمعنى «صدقوا وأقرضوا» .
قال: وهذا لا يزيل الإشكال، فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ [إلى هذا اللفظ] .
والذي عندي فيه أن الألف واللام في «المصدّقين والمصدّقات» للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذ الموصف، ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة، وهو القرضُ، ثم ذكر الخبر بعد ذلك فقال: «يُضَاعَفُ لَهُمْ» .
فقوله: «وأقرضوا» ؛ كقوله: [السريع]
٤٧٢٣ - إنَّ الثَّمَانينَ وبُلِّغْتَهَا..... ... ... ... ... ... . .
قوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ في القائم مقام الفاعل وجهان:
أظهرهما: أنه الجار بعده.
والثاني: أنه ضمير التصديق، ولا بد من حذف مضاف، أي: ثواب التصديق.
وقرأ الأعمش؛ «يُضَاعِفُهُ» بكسر العين، وزيادة هاء.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: «يُضَعَّفُ» بتشديد العين وفتحها.
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: الجنة.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثانٍ، و «هم» يجوز أن يكون مبتدأ ثالثاً، و «الصديقون» خبره، وهو مع خبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون «هم» فصلاً، و «أولئك» وخبره خبر الأول.
стр. 11510
«والصِّديق» : هو الكثير الصِّدق.
وقال مجاهد: من آمن بالله ورسوله فهو صديق، وتلا هذه الآية.
وقال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب، ألحقه بهم لما عرف من صدق نيته.
قوله: ﴿والشهدآء﴾ . يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه معطوف على ما قبله، ويكون الوقف على «الشهداء» تامًّا، أخبر عن «الذين آمنوا» أنهم صديقون شهداء.
فإن قيل: الشهداء مخصوصون بأوصاف أخر زائدة على ذلك كالتسعة المذكورين.
أجيب: بأن تخصيصهم بالذكر لشرفهم على غيرهم لا للحصر.
والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره وجهان:
أحدهما: أنه الظرف بعده.
والثاني: أنه قوله «ولهم أجرهم» ، إما الجملة، وإما الجار وحده، والمرفوع فاعل به، والوقف لا يخفى على ما ذكرناه من الإعراب.
والصِّدِّيق: مثال مبالغة، ولا يجيء إلا من ثلاثي غالباً.
قال بعضهم: وقد جاء «مِسِّيك» من «أمسك» ، وهو غلط؛ لأنه يقال: «مسك» ثلاثياً، ف «مسّيك» منه.
فصل في المراد بالصديقين والشهداء
قال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون، وأنه متصل، وروي معناه عن النبي ﷺ َ وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية.
قال القشيري: قال الله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ .
ف «الصديقون» هم الذين يلون الأنبياء.
стр. 11511
و «الشهداء» هم الذين يلون الصديقين و «الصالحون» يلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل.
والمعنى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء، ويكون المعني بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، أنهم شهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، والمراد أنهم عدول في الآخرة الذين تقبل شهاداتهم.
وقال الحسن: كل مؤمن فإنه شهيد كرامة.
وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] .
وقال ابن جرير: «الشهداء» هم الذين استشهدوا في سبيل الله.
«وروي عن النبي ﷺ َ قال:» ما تَعُدُّون الشُّهداء فيْكُمْ «؟ قالوا: المقتول، فقال:» إنَّ شُهَداء أمَّتِي إذاً لقَلِيلٌ «» .
وعلى هذا يكون منقطعاً عما قبله، وتكون «الواو» في «والشهداء» واو الاستئناف، وهذا مروي عن ابن عباس ومسروق.
وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ مما عملوا من العمل الصالح. و «نورهم» على الصراط.
ثم لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين، فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم﴾ . ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدلّ على حقارة الدنيا، وكمال حال الآخرة، فقال:
﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ .
«ما» صلة، أي: حياة هذه الدار لعبٌ باطل لا حاصل له، وهو فرح ثم ينقضي، وزينة ومنظر تتزيَّنُون به.
قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ .
العامة على تنوين «تَفَاخُر» موصوف بالظرف، أو عامل فيه.
والسلمي أضافه إليه، أي: يفخر به بعضكم على بعض.
стр. 11512
قال المفسرون: «اللّعب» : الباطل، «واللَّهْو» : الفرح.
وقال قتادة: «لعب ولهو» : أكل وشرب.
وقال مجاهد: كل لعب لهو.
وقيل: «اللعب» : ما رغب في الدنيا، «واللهو» : ما ألْهى على الآخرة.
قوله: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد﴾ .
قال ابن عبَّاس: يجمع المال في سخطِ الله، ويباهي به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وكان من عادة الجاهلية أن يتكاثروا بالأموال والأولاد.
قال بعض المتأخرين: «لعب» كلعب الصبيان، «ولهو» كلهو الفتيان «وزينة» كزينة النِّسْوان «وتفاخُر» كتفاخُر الأقران «وتَكاثُر» كتكاثُر الدُّهقان.
وقال علي ﵁ ل «عمار» : لا تحزن على الدُّنيا، فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكُوح، فأحسن طعامها العسل، وهو بزقةُ ذبابة، وأكثر شرابها الماء، ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الدِّيباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المِسْك وهو دم فأرة، وأفضل مركوبها الفرس، وعليها يقتل الرِّجال، وأما المنكوح فهو النساء وهو مبال في مَبال، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها.
ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلاً، فقال: «كمثل غيثٍ» أي: مطر ﴿أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ﴾ .
قال ابن مسعود: المراد ب «الكُفَّار» هنا: الزُّرَّاع.
وقال الأزهري: والعرب تقول للزَّارع: كافر؛ لأنه يكفرُ البَذْر [المبذور في الأرض] بتراب الأرض، أي: يغطّيه.
والمعنى: أن الحياة الدُّنيا كالزَّرع يعجب النَّاظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيماً كأن لم يكن.
وقيل: المراد بالكُفَّار هنا هم الكُفَّار بالله، وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين.
стр. 11513
وقوله: «نَبَاتُهُ» أي: ما ينبت من ذلك الغَيْث.
قوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ .
يجوز أن يكون في موضع نصب حالاً من الضمير في «لعب» ؛ لأنه بمعنى الوصف، وأن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ذلك كمثل.
وجوز ابن عطية: أن يكون في موضع رفع صفة لما تقدم، ولم يبينه، وقد بينه مكي، فقال: نعت ل «تفاخر» . وفيه نظر لتخصيصه له من بين ما تقدم، وجوز أن يكون خبراً بعد خبر للحياة الدنيا.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يجفّ بعد خضرته ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ أي: متغيراً عما كان عليه من النَّضارة.
وقرىء: «مُصْفَارًّا» من «اصْفَارّ» وهو أبلغ من «اصْفَرّ» .
قوله: «وفي الآخِرةِ» خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، أخبر بأن في الآخرة عذاباً شديداً، ومغفرة منه ورضواناً، وهذا معنى حسن، وهو أنه قابل العذاب بشيئين: بالمغفرة والرضوان، فهو من باب لن يغلب عُسْرٌ يُسرينِ.
قال القرطبي: ﴿وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ، أي: للكافر، والوقف عليه حسن، ويبتدأ ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ﴾ أي: للمؤمنين.
وقال الفراء: ﴿وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة﴾ تقديره: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة، فلا يوقف على «شديد» .
قوله: ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلَاّ مَتَاعُ الغرور﴾ .
وهذا تأكيد لما سبق، أي: تغرّ الكافر، فأما المؤمن فإن الدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة.
وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيداً في العمل للدنيا، وترغيباً للعمل في الآخرة.
وقال سعيد بن جبير: الدُّنيا متاع الغرور إذا ألْهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة، فنعم المتاع ونعم الوسيلة.
стр. 11514
قوله تعالى: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.
أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم.
وقيل: سارعوا بالتَّوبةِ؛ لأنها تؤدِّي إلى المغفرة. قاله الكلبي.
وقال مكحول: هي التكبيرة الأولى مع الإمام.
وقيل: الصف الأول.
فصل فيمن استدل بالآية على أن الأمر على الفور
احتج القائلون بأن الأمر على الفور بهذه الآية؛ لأنها دلت على وجوب المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظوراً.
قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ .
﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ﴾ : مبتدأ وخبر، والجملة صفة، وكذلك «أعِدَّتْ» ، ويجوز أن تكون «أعدت» مستأنفة.
فصل في عرض الجنة
قال مقاتل: إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنَّات، والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله؛ قال: [الطويل]
٤٧٢٤ - كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عرِيضةٌ ... على الخَائفِ المطلُوبِ كفَّةُ حَابِلِ
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أنَّ لكل واحد من المطيعين جنَّة بهذه الصِّفة.
стр. 11515
وقال السُّدي: إنه - تعالى - شبّه عرض الجنة بعرض السَّموات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طوله أزيد من عرضه.
وقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، وأكبر ما في أنفسهم مقدار السموات والأرض.
قاله الزجاج، وهو اختيار ابن عبَّاس.
وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل «الحيرة» لعمر ﵁: أرأيت قول الله : ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ فأيْنَ النَّارُ؟ قال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا ولَّى وجاء النهار، فأين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله.
قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ شرط الإيمان لا غير، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطَّاعات، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بالباء، فإنه باقٍ على مفهومه الأصلي وهو التصديق، فالآية حجة عليهم، ومما يؤكّد ذلك قوله تعالى بعده: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ فبين أن الجنة فضل الله يؤتيها من يشاء، سواء أطاع أم عصى.
فإن قيل: فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العُصاة، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟ فالجواب: قلنا: نقطع بحصول الجنَّة، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم؛ لأنهم إذا عذّبوا مدة، ثم نقلوا إلى الجنة، وبقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنَّة معدة لهم.
فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله، فوجب إلاّ يدخل تحت هذه الآية.
قلنا: فالجواب خص من العموم، فبقي العموم حجة فيما عداه.
فصل في أن الجنة مخلوقة أم لا؟
احتجوا بهذه الآية على أن الجنة مخلوقة.
قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين:
الأول: أن قوله تعالى ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] يدل على أن من صفتها بعد وجودها ألا تفتى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .
стр. 11516
الثاني: أن المخلوقة الآن في السماء السَّابعة، ولا يجوز إذا كانت في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات والأرض، فثبت بهذين الوجهين أنه لا بُدَّ من التأويل، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه - تعالى - لما كان قادراً لا يصحّ المنع عليه، وإذا كان حكيماً لا يصحّ الخلف في وعده، ثم إنه - تعالى - وعد على الطَّاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدّة المهيّأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، كما يقول المرء لصاحبه: أعددت لك المكافأة إذا عزم عليها وإن لم يوجدها.
والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدّها الله لهم، كقوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: إذا كان يوم القيامة نادى.
والجواب: أن قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] عام.
وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] مع قوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] خاص، والخاصّ مقدّم على العام.
وأما قولهم: إنَّ الجنَّة مخلوقة في السماء السابعة كما قال ﵊ ُ - في صفة الجنة: «سَقْفُهَا عرْشُ الرَّحْمنِ» فأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة.
قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: أن الجنة لا تنال إلَاّ بفضل الله ورحمته، ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ .
стр. 11517
قوله: ﴿مِن مُّصِيبَةٍ﴾ فاعل «أصاب» ، و «من» مزيدة لوجود الشرطين، وذكر فعلها؛ لأن التأنيث مجازي
стр. 11518
قوله: ﴿فِي الأرض﴾ يجوز أن يتعلق ب «أصاب» ، وأن يتعلق بنفس «مصيبة» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مصيبة» ، وعلى هذا فيصلح أن يحكم على موضعه بالجر نظراً إلى لفظ موصوفه، وبالرفع نظراً إلى محله، إذ هو فاعل.
والمصيبة غلبت في الشَّر.
وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر، وعلى الأول يقال: لم ذكرت دون الخير؟
وأجيب: بأنه إنما خصها بالذكر؛ لأنها أهمّ على البشر.
قوله: ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ﴾ حال من «مصيبة» ، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أي: إلا مكتوبة.
قوله: «مِنْ قَبْلِ» نعت ل «كتابٍ» ، ويجوز أن يتعلق به. قاله أبو البقاء. لأنه هنا اسم للمكتوب، وليس بمصدر.
والضمير في «نَبْرأها» الظاهر عوده على المصيبة.
وقيل: على الأنفس.
وقيل: على الأرض، أي على جميع ذلك. قاله المهدوي، وهو حسن.
فصل في مناسبة الآية لما قبلها
قال الزجاج: إنه - تعالى - لما قال: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] وبين أن المؤدي إلى الجنة لا يكون إلا بقضاء الله تعالى وقدره، فقال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ .
والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله، والمصيبة في الأرض قَحْط المطر، وقلّة النبات، ونقص الثِّمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوائح.
وأما المصيبة في الأنفس فقيل: هي الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود عليها.
وقيل: ضيق المعاش وقيل: الخير والشَّر أجمع، لقوله بعد ذلك: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ .
وقوله: ﴿إلا في كتابٍ﴾ يعني: مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ.
وقوله: ﴿من قبل أن نَبْرَأها﴾ .
стр. 11519
قال ابن عباس: من قبل أن نخلق المصيبة.
وقال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق الأرض والنفس.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي: خلق ذلك، وحفظه على الله يسير أي: هيّن.
قال الربيع بن صالح: لما أُخذ سعيد بن جبيرٍ ﵁ بَكَيْتُ، قال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه، قال: فلا تَبْكِ، فإنه كان في علم الله - تعالى - أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا في أَنفُسِكُمْ﴾ الآية.
قال ابن عباس: لما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقد ترك جماعة من السلف الدواء في أمراضهم، فلم يستعملوه ثقةً بربهم وتوكلاً عليه، وقالوا: قد علم الله أيام المرض وأيام الصِّحة، فلم حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا في أَنفُسِكُمْ﴾ الآية، ويؤيد هذا قوله ﵊ ُ:
«مَنْ عَرَفَ يُسْرَ اللَّهِ في القَدَر هَانَتْ عليْهِ المَصَائِبُ» .
فصل في اتصال الآية بسياق الآيات قبلها
قيل: إن هذه الآية نزلت متّصلة بما قبلها، وهو أن الله - تعالى - هوَّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال، وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له، وإنما على المرء امتثال الأمر، ثم أدبهم فقال: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم ييأسوا على ما فاتهم منه.
وعن ابن مسعود ﵁ أن نبي الله ﷺ َ قال: «لَا يَجِدُ أحَدكُمْ طَعْمَ الإيمانِ حتَّى يعْلمَ أنَّ ما أصابهُ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَهُ، ومَا أخطَأهُ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَهُ» ، ثمَّ قرأ: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ أي من الدنيا. قاله ابن عباس ﵄.
стр. 11520
فصل في أن ما كان وما يكون مكتوب في اللوح المحفوظ
قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللَّوح المحفوظ.
قال المتكلمون: وإنما كتب ذلك لوجوه:
أحدها: ليستدلّ الملائكة بذلك المكتوب على كونه - تعالى - على علم بجميع الأشياء قبل وقوعها.
وثانيها: ليعرفوا حكمة الله، فإنه - تعالى - مع علمه بأنهم يقدمون على المعاصي خلقهم ورزقهم.
وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي.
ورابعها: ليشكروا الله - تعالى - على توفيقه إياهم للطَّاعات، وعصمته إياهم عن المعاصي.
فصل في كيفية حدوث الأحداث
قال ابن الخطيب: إن الحكماء قالوا: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبِّرات أمراً، والمقسمات أمراً، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية، وتغيراتها هي الأسباب لتلك المسببات، وهذا هو المراد من قوله: ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٣] .
فصل في مصائب الأنفس
قوله تعالى: ﴿وَلَا في أَنفُسِكُمْ﴾ يتناول جميع مصائب الأنفس، فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبةٌ في اللوح المحفوظ مثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محال؛ لأن علم الله بوجودها مُنَافٍ لعدمها والجمع بين المتنافيين محال، وخصص مصائب الأرض والأنفس لتعلّقها بنا، ولم يقل: جميع الحوادث لشمولها حركات أهل الجنة والنار؛ لأنها غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال.
قال ابن الخطيب: وفي الآية دليلٌ على أن الله - تعالى - يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً ل «هشام بن الحكم» .
следующие страницы →