← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

وقد أخرجه عمر ﵁ على القياس، فقرأ: «اسْتَحَاذَ» ك «استبان» . وتقدم هذه المادة في «النساء» في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] . قال الزجاج: «اسْتَحْوَذَ» في اللغة استولى، يقال: حذت الإبل، إذا استوليت عليها وجمعتها. وقال المبرد: «استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به» . قيل: المعنى غلب عليهم الشيطان بِوسْوستِهِ في الدنيا. وقيل: قوي عليهم فأنساهم ذكر الله، أي: أوامره في العمل بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن معصيته، والنِّسيان قد يكون بمعنى الغَفْلة، ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان هاهنا، ﴿أولئك حِزْبُ الشيطان﴾ : طائفته ورهطُه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ في بيعهم؛ لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة. فصل فيمن استدل بالآية على خلق الأعمال احتجّ القاضي بهذه الآية في خلق الأعمال من وجهين: الأول: أن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله - تعالى - لكان إضافتها إلى الشيطان كذباً. الثاني: لو حصل ذلك بخلق الله لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ تقدم أول السورة. ﴿أولئك فِي الأذلين﴾ . أي: من جملة الأذلاء لا أذلّ منهم؛ لأن ذل أحد الخصمين يدلّ على عز الخصم الثاني، فلما كانت عزة الله - تعالى - غير متناهية كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضاً. قوله تعالى: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ . يجوز أن يكون «كَتَبَ» جرى مجرى القسم، فأجيب بما يجاب به. وقال أبو البقاء: وقيل: هي جواب «كتب» ؛ لأنه بمعنى «قال» . وهذا ليس بشيء؛ لأن «قال» لا يقتضي جواباً، فصوابه ما تقدم.

стр. 11587

ويجوز أن يكون «لأغلبن» جواب قسم مقدر، وليس بظاهر. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: ﴿كتب الله لأغلبن﴾ أي: قضى الله ذلك. وقيل: كتب في اللوح المحفوظ قاله قتادة. وقال الفراء: «كتب» بمعنى «قال» . وقوله: «أنا» توكيد، «ورسلي» من بعث منهم بالحرب، فإن الرسول بالحرب غالب، ومن بعث منهم بالحُجّة غالب أيضاً، فإذا انضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى. قال مقاتل: قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا «مكة» و «الطائف» و «خيبر» وما حولهن رجَوْنَا أن يظهرنا الله - تعالى - على «فارس» و «الروم» ، فقال عبد الله بن أبيّ ابن سلول: أتظنون «الروم» و «فارس» كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت: ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ . ونظيره: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . قوله: ﴿ورسلي﴾ . قرأ نافع وابن عامر بفتح «الياء» . والباقون: لا يحركون. قال أبو علي: «التَّحريك والإسكان جميعاً حسنان» . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قوي على نُصْرة أنبيائه «عَزِيزٌ» غالب لا يدفعه أحد عن مُرَاده. قوله تعالى: ﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ . «يوادُّون» هو المفعول الثاني ل «تَجِدُ» ، ويجوز أن تكون المتعدية لواحد بمعنى «

стр. 11588

صادق ولقي» ، فيكون «يوادّون» حالاً، أو صفة ل «قوماً» . ومعنى «يوادُّون» أي: يحبون ويوالون ﴿مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ . وقد تقدم الكلام على المُحَادّة. والمعنى: أنه لا يجتمع الإيمان مع ودادةِ أعداء الله. فصل في المراد بهذه الموادّة فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم فما هذه الموادة المحرمة؟ . فالجواب أن الموادّة المحرمة هي إرادة منافعه ديناً ودُنْيا مع كونه كافراً، فأما سوى ذلك فلا حَظْر فيه. قوله تعالى: «ولو كانوا» هذه «واو» الحال. وقدّم أولاً الآباء؛ لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنَّى بالأبناء؛ لأنهم أعلقُ بالقلوب وهم حياتها، قال الحماسي في معنى ذلك، رحمة الله عليه رحمة واسعة: [السريع] ٤٧٣٣ - وإنَّمَا أوْلادُنَا بَيْنَنَا ... أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأرْضِ ثم ثلَّث بالإخوان؛ لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضُد من الذِّراع. قال ﵀: [الطويل] ٤٧٣٧ - أخَاكَ أخَاكَ إنَّ مَنْ لا أخَا لَهُ ... كَسَاعٍ إلى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاحِ وإنَّ ابْنَ عَمِّ المَرْءِ - فَاعْلمْ - جَنَاحُهُ ... وهَلْ يَنْهَضُ البَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِ ثم ربع بالعشيرة؛ لأن بها يستعان وعليها يعتمد. قال بعضهم، رحمة الله عليه: [البسيط]

стр. 11589

٤٧٣٤ - لا يَسْألُونَ أخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ ... في النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا وقرأ أبو رجاء: «عَشِيْراتهم» ، بالجمع، كما قرأها أبو بكر في «التوبة» كذلك. فصل في مناسبة الآية لما بالغ في المنع من هذه الموادة في الآية الأولى من حيث أن الموادة مع الإيمان لا يجتمعان، بالغ هاهنا أيضاً من وجوه، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ والمعنى: أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع المحبة، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطرحاً بسبب الدين. قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم «أحد» ، وعمر بن الخطاب ﵁ قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم «بدر» ، وأبي بكر ﵁ قال ابن جريح: «حدثت أن أبا قحافة سبَّ النبي ﷺ َ فصكّه أبو بكر ﵁ صكَّة سقط منها على وجهه ثم أتى النبي ﷺ َ فذكر ذلك له، فقال:» أو فَعَلْتَهُ لا تَعُدْ إليْهِ «، فقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لو كان السيف منِّي قريباً لقتلته» ، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة ﵃ قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم «بدر» أخبر أن هؤلاء لم يوادُّوا أقاربهم وعشائرهم غضباً لله تعالى ودينه. فصل في الاستدلال بالآية على معاداة القدرية قال القرطبي: استدل مالك ﵀ بهذه الآية على معاداة القدرية، وترك مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالسوا القدرية، وعادوهم في الله، لقول الله : ﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ . قال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظُّلم والعدوان. وعن الثوري ﵁ أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.

стр. 11590

وعن عبد العزيز بن أبي رواد: أنه لقي المنصور في الطّواف فلما عرفه هرب منه، وتلا هذه الآية. وعن النبي ﷺ َ أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لفَاجِرِ عِنْدِي نِعْمَةً، فإنِّي وجَدْتُ فِيْمَا أوْحَيْتَ إليَّ: ﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ » الآية . قوله: ﴿أولئك كَتَبَ﴾ . قرأ العامّة: «كَتَبَ» مبنيًّا للفاعل، وهو الله «الإيمان» نصباً، وأبو حيوة في رواية المفضل: «كُتِبَ» مبنيًّا للمفعول «الإيمان» رفع به. والضمير في «منه» لله تعالى. وقيل: يعود على «الإيمان» ؛ لأنه روح يحيا به المؤمنون في الدارين. قاله السدي، أي: أيدهم بروح من الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . فصل في معنى كتب الإيمان معنى «كتب الإيمان» أي: خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يُوالِ من حاد الله. وقيل: «كَتَبَ» : أثبت. قاله الربيع بن أنس. وقيل: جعل كقوله تعالى: ﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ [آل عمران: ٥٣] أي: اجعلنا، وقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وقيل «كتب» أي: جمع، ومنه الكتيبة، أي: لم يكونوا ممن يقول: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض. وقيل: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ أي: على قلوبهم الإيمان، كقوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] . وخص القلوب بالذكر، لأنها موضع الإيمان. قوله: «وأيَّدهُمْ» ، أي: قوَّاهم ونصرهم بروح منه. قال الحسن: بنصر منه. قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، وسمى تلك النصرة روحاً؛ لأنه به يحيا أمرهم.

стр. 11591

وقال الربيع بن أنس ﵁: بالقرآن وحججه. وقال ابن جريح: بنُورٍ وبُرهان وهدى. وقيل: برحمة من الله. وقيل: أيَّدهم بجبريل صلوات الله وسلامه عليه. قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾ أي: قبل أعمالهم ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فرحوا بما أعطاهم ﴿أولئك حِزْبُ الله أَلَا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ . وهذه في مقابلة قوله تعالى: ﴿أولئك حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ، وهذه الآية زجر عن التودّد إلى الكُفَّار والفُسَّاق، والله أعلم بالصواب. روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَةَ المُجادلةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ الله - تعالى - يَوْمَ القِيَامَةِ» .

стр. 11592

سورة الحشر

стр. 11593

مدنية في قول الجميع، وهي أربع وعشرون آية وأربع مائة وخمس وأربعون كلمة وألف وتسعمائة وثلاثة عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ تقدم نظيره. قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ . قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النَّضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون - صلوات الله وسلامه عليه - نزلوا ب «المدينة» في فتن بني إسرائيل انتظاراً لمحمدٍ ﷺ َ فكان من أمرهم ما نصّ عليه. قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ . يجوز أن تكون «من» للبيان، فتتعلق بمحذوف، أي: أعني من أهل الكتاب. والثاني: أنها حال من «الَّذين كفروا» . وقوله تعالى: ﴿مِن دِيَارِهِمْ﴾ متعلق ب «أخرج» ، ومعناها: ابتداء الغاية، وصحت إضافة الديار إليهم؛ لأنهم أنشئوها.

стр. 11594

قوله: ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ . هذه اللَاّم متعلقة ب «أخرج» وهي لام التوقيت، كقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: عند أول الحشر. وقال الزمخشري: وهي كاللام في قوله تعالى: ﴿ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ، وقوله: «جئت لوقت كذا» وسيأتي الكلام على هذه «اللام» في سورة «الفجر» إن شاء الله تعالى. فصل في الكلام على الحشر قال القرطبي: «الحشر» : الجمع، وهو على أربعة أضرب: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة. أما اللذان في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ . قال الزهري: كانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذّبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى «الشام» . قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في «الشام» فليقرأ هذه الآية. وأن النبي ﷺ َ قال لهم: «اخْرُجُوا» قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرْضِ المَحْشَرِ» . قال قتادة ﵁: هذا أول المحشر. قال ابن عباس ﵄: هم أول من حشر من أهل الكتاب، وأخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى «خيبر» ، وإن معنى «لأول الحشر» : إخراجهم من حصونهم إلى «خيبر» ، وآخرهم بإخراج عمر إياهم من «خيبر» إلى «نجد» و «أذرعات» . وقيل: «تيماء» و «أريحاء» ، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم.

стр. 11595

وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيلُ معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح. وذكروا أن تلك النَّار ترى بالليل، ولا ترى بالنهار. قال ابن العربي: للحشر أول ووسط، وآخر. فالأول: إجلاء بن النَّضير. والأوسط: إجلاء خيبر. والآخر: حَشْر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة، وخالفه بقية المفسرين، وقالوا: بنو قريظة ما حشروا، ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي. فصل في نسخ مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم قال إلكيا الطَّبري: ومُصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في دار الإسلام ثم نُسِخَ، والآن فلا بد من قتالهم، أو سبيهم، أو ضرب الجزية عليهم. قوله تعالى: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ أي: لعظم أمر اليهود لعنهم الله ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين واجتماع كلمتهم. وقوله تعالى: ﴿وظنوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله﴾ . قال ابن عباس ﵄: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزّتهم وقوّتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم. قيل: المراد بالحصون: الوطيح والنَّطاة والسُّلالم والكتيبة. قوله: ﴿مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن تكون «حُصُونهم» مبتدأ، و «مَانِعتهم» خبر مقدم، والجملة خبر «أنهم» . لا يقال: لم لا يقال: «مَانعَتُهُم» مبتدأ، لأنه معرفة، و «حصونهم» خبره، ولا حاجة إلى تقديم ولا تأخير؟ لأن القصد الإخبار عن الحُصُون، ولأن الإضافة غير محضة فهي نكرة.

стр. 11596

الثاني: أن تكون «مانعتهم» خبر «أنهم» و «حصونهم» فاعل به، نحو: إن زيداً قائم أبوه، وإن عمراً قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى؛ لأن في نحو: «قائم زيد» على أن يكون خبراً مقدماً ومبتدأ مؤخراً، خلافاً، الكوفيون يمنعونه، فمحل الوفاق أولى. قال الزمخشري: «فإن قلت: فأي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم، أو» مانعتهم «، وبين النظم الذي جاء عليه؟ . قلت: بتقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وُثُوقهم، ومنعها إياهم، وفي تغيير ضميرهم اسماً ل» أن «، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض إليهم، وليس ذلك في قولك: حصونهم تمنعهم» . انتهى. وهذا الذي ذكره إنَّما يتأتى على الإعراب الأول، وقد تقدم أنه مرجوح. وتسلط الظن هنا على «أن» المشددة، والقاعدة أنه لا يعمل فيها ولا في المخففة منها إلا فعل «علم» وتعين إجراؤه مجرى اليقين لشدته وقوته، وأنه بمنزلة العلم. وقوله: ﴿مِّنَ الله﴾ أي: من أمره. قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ . قال الزمخشري: قرىء «فأتاهم الهلاك» أي: أتاهم أمره وعذابه ﴿من حيث لم يحتسبوا﴾ ، أي: لم يظنوا، وقيل: من حيث لم يعلموا. وقال ابن جريج والسدي وأبو صالح: «من حيث لم يحتسبوا: بقتل كعب بن الأشرف، وكانوا أهل خلعة وسلاح وقصور منيعة فلم يمنعهم شيء منها» . وقيل: الضمير في «فأتاهم الله» يعود إلى المؤمنين، أي: فأتاهم نصرُ الله وتقويته [لا] يمنعهم شيء منها. قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان الذي قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وخبره مشهور في السيرة. قال أهل اللغة: «الرُّعْبُ» : الخوف الذي يرعب الصُّدور، أي: يملؤه، وقذفه: إثباته فيه، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنه قذف اللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

стр. 11597

وهذه الآية تدلّ على أن الأمور كلها من الله تعالى، لأن الآية دلّت على أن وقوع ذلك بالرُّعب صار سبباً في إقدامهم على بعض الأفعال، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله تعالى، فكانت الأفعال بأسرها مستندة إلى الله - تعالى - بهذا الطريق. قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً للإخبار به، وأن يكون حالاً من ضمير «قلوبهم» ، وليس بذاك. وقرأ أبو عمرو: «يُخَرِّبُونَ» بالتشديد، وباقيهم: بالتَّخفيف. وهما بمعنى؛ لأن «خرَّب» عدَّاه أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمرو: أنه فرق بمعنى آخر، فقال: «خرّب» - بالتشديد - هدم وأفسد، و «أخرب» - بالهمزة - ترك الموضع خراباً، وذهب عنه، وهو قول الفرَّاء. قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهاً. و «يُخْرِبُونَ» من خرب المنزل وأخربه صاحبه، كقوله: «عَلِمَ وأعْلَمَ، وقَامَ وأقَامَ» . وإذا قلت: «يخربون بيوتهم» من التخريب فإنما هو تكثير؛ لأن ذكر «بيوتاً» تصلح للتقليل والتكثير. وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو: «فرحته وأفرحته» . قال الأعشى: [المتقارب] ٤٧٣٦ - ... ... ... ... ... ... ... ... وأخْرَبْتَ مِنْ أرْضِ قَوْمٍ دِيَارا واختار الهذلي قراءة أبي عمرو لأجل التَّكثير. ويجوز أن يكون «يخربون» تفسيراً للرُّعب فلا محلَّ له أيضاً. قال أبو عمرو: وإنما اخترت التشديد؛ لأن الإخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن،

стр. 11598

وبنو النضير لم يتركوها خراباً، وإنما خرَّبوها بالهدم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين﴾ . فصل في تفسير الآية قال قتادة والضحاك رحمهما الله تعالى: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. وقال مقاتل: إن المنافقين أرسلوا إليهم ألا يخرجوا وتدرّبوا على الأزِقَّة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب. وقيل: إن المسلمين كانوا إذا ظهروا على دربٍ من دروبهم خربوه، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم وينقِّبُونها من وراء أدبارهم. وقيل: إن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، واليهود لما أيقنُوا بالجلاء، فكانوا ينظرون إلى الخشبةِ في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب فيهدمون بيوتهم، وينزعونها، ويحملونها على الإبل. فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟ . قلت: لما عرضوهم لذلك، وكانوا السبب فيه، فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم. وقال الزهري: «يخربون بيوتهم» بنقض المواعدة، «وأيدي المؤمنين» بالمقاتلة. وقال أبو عمرو بن العلاء: «بأيديهم» في تركهم لها، «وأيدي المؤمنين» في إجلائهم عنها. قوله تعالى: ﴿فاعتبروا ياأولي الأبصار﴾ . والاعتبار: مأخوذ هنا من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، وبهذا سميت العبرةُ عبرةً؛ لأنها تنتقل من العين إلى الخدِّ، وسمي علم التعبير؛ لأن صاحبه ينتقل من المتخيّل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل المعاني عن لسان القائل إلى عقلِ المستمع. ويقال: السعيد من اعتبر بغيره؛ لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه.

стр. 11599

ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها. وقوله : ﴿يا أولي الأبصار﴾ . قال ابن عباس ﵄ يريد أهل اللُّب والعقل والبصائر. قال الفراء: أي من عاين تلك الوقائع والأبصار جمع البصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحُصُون من الله، فأنزلهم الله - تعالى - منها، وسلط عليهم من كان ينصرهم، وأنهم هدموا أموالهم بأيديهم، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. واستدل الأصوليون بهذه الآية على وجوب العمل بالقياس. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء﴾ . العامة: على مده وهو الإخراج. يقال: أجليت القوم، وجلا هو جلاء. وقال الماوردي: الجلاء أخصّ من الخروج؛ لأنه لا يقال إلا لجماعة، والإخراج يكون للجماعة والواحد. وقال غيره: الفَرْق بينهما أن الجلاء كان مع الأهل والولد، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك. وقرأ الحسن وعلي ابنا صالح: «الجَلَا» بألف فقط. وطلحة: مهموزاً من غير ألف ك «النبأ» . والمعنى: أنه لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن ديارهم، وأنه يبقون مدة، فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا﴾ أي: بالقتل كما فعل بإخوانهم «بني قريظة» ، والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء. وأما قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابُ النار﴾ ، فهو كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفاً على ما قبله لزم ألا يوجد؛ لأن «لولا» تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط.

стр. 11600

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ . أي: عادوه وخالفوا أمره. ﴿وَمَن يُشَآقِّ الله﴾ . قرأ طلحة بن مصرف، ومحمد بن السميفع: بالفك، كالمتفق عليه في الأفعال، وأدغم الباقون. والمقصود من الآية الزَّجْر.

стр. 11601

قوله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ . «ما» شرطية في موضع نصب ب «قطعتم» ، و «من لينة» بيان له، و «فبإذن الله» جزاء الشرط، فلا بد من حذف، أي: فقطعها بإذن الله، فيكون «بإذن الله» الخبر لذلك المبتدأ. واللِّيْنة: فيها خلاف كبير. قيل: هي النَّخْلة مطلقاً. وأنشد الشاعر في ذلك: [الطويل] ٤٧٣٧ - كَأنَّ قُتُودِي فوقهَا عُشُّ طَائرٍ ... عَلَى لِينَةٍ سَوْقاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا وقال ذو الرمة: [الطويل] ٤٧٣٨ - طِرَاقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ... نَدَى لَيْلهِ فِي رِيشِهِ يَتَرقْرَقُ وقيل: هي النَّخْلة ما لم تكن عجوة. قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير وعكرمة، والخليل.

стр. 11602

وقيل: ما لم تكن عجوة ولا برنيَّة، وهو قول أبي عبيدة. قال جعفر بن محمد: هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة والعتيق: الفَحْل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شقّ على اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقيل: هي النَّخْلة الكريمة، أي: القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش رحمة الله عليه: [الخفيف] ٤٧٣٩ - قَدْ شَجَانِي الحمَامُ حِينَ تَغَنَّى ... بِفِراقِ الأحْبَابِ مِنْ فَوْقِ لِينَهْ وقال سفيان بن عيينة: هي ضرب من النخل، يقال لثمره: اللَّون. تمره أجود التَّمر، وهو شديد الصُّفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضِّرْس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف. وقيل: هي الفَسِيْلة؛ لأنها ألينُ من النخلة. وأنشد: [الخفيف] ٤٧٤٠ - غَرَسُوا لِينَةً بِمَجْرَى مَعِينٍ ... ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بالآجَامِ وقيل: اللينة هي الأشجار كلها للينها بالحياة، وأنشد بيت ذي الرمة المتقدم. وقال الأصمعي: إنها الدَّقَل. قال: وأهل «المدينة» يقولون: لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان يعنون الدَّقل. قال ابن العربي: «والصَّحيح ما قاله الزهري ومالك» . وفي عين «لينة» قولان: أحدهما: أنها «واو» ؛ لأنها من اللون، وإنما قلبت ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها ك «ديمة» و «قيمة» . الثاني: أنها «ياء» ؛ لأنها من اللين. وجمع اللينة «لين» ؛ لأنه من باب اسم الجنس ك «تمرة، وتمر» . وقد كسر على «ليان» وهو شاذّ؛ لأن تكسير ما يفرق بتاء التأنيث شاذ ك «رطبة ورطب وأرطاب» . وأنشد: [المتقارب]

стр. 11603

٤٧٤١ - وسَالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِّيَا ... نِ أضْرَمَ فيهَا الغَويُّ الشُّعُرْ والضمير في قوله «تَرَكْتُمُوهَا» عائد على معنى «ما» . قوله: «قَائِمَةً» . قرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي: «قُوَّماً» على وزن «ضُرَّباً» جمع «قائم» مراعاة لمعنى «ما» فإنه جمع. وقرأ عبد الله، ﴿ما قطعتم من لينةٍ ولا تركتموها على أصولها﴾ أي: لم تقطعوها. وقرىء: «قَائِماً» مفرداً مذكراً. وقوله: ﴿أُصُولِهَا﴾ . قرىء: «أصْلها» بغير «واو» ، وفيه وجهان: أحدهما: أنه جمع «أصل» نحو: «رَهْن ورُهُن» . والثاني: أن يكون حذف الواو استثقالاً لها، واكتفى بالضمة عن «الواو» . فصل في نزول الآية روي أن رسول الله ﷺ َ لما نزل بنو النضير، وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصَّلاح، أفمن الصلاح قطع الشجر وعَقْر النخل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم وخشوا أن ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنها مما أفَاءَ اللَّه علينا. وقال بعضهم: بل نُغيظهم بقطعها، وأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم. وروي عن عمر ﵁ قال: حرَّق رسول الله ﷺ َ نخل بني النضير وقطع

стр. 11604

وهي «البُويرة» ، فنزل: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾ أخبر في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه «فبإذْنِ الله» أي: بأمره ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ . و «اللام» في «ليخزي» متعلقة بمحذوف أي: أذن في قطعها ليسرَّ المؤمنين ويعزهم ويخزي الفاسقين. فصل في هدم حصون الكفار احتجُّوا بهذه الآية على أنَّ حصون الكفرة وديارهُم يجوز هدمُهَا وتحريقُهَا وتغريقها وأن ترمى بالمجانيق وكذلك أشجارهم. وعن ابن مسعود ﵁ أنهم قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال. وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون، فسألهما رسول الله ﷺ َ فقال هذا: تركتها لرسول الله ﷺ َ، وقال الآخر: قطعتها غيظاً على الكُفَّار. واستدلوا به على جواز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ َ. قال الماوردي ﵀: في هذه الآية دليل على أن كل مجتهد مصيب. وقال إلكيا الطبري: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي ﷺ َ بين أظهرهم، ولا شكَّ أن رسول الله ﷺ َ رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل لأن رسول الله ﷺ َ كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور النبي ﷺ َ وإنما يدل على اجتهاد النبي ﷺ َ فيما لم ينزل عليه أخذاً بعموم الأذية للكفار، ودخولاً في الإذْنِ للكل فيما يقضي عليهم بالبوارِ، وذلك قوله : ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ الآية. قال المبرد: «يقال: أفاء يفيء، إذا رجع، وأفاء الله، إذا رده» . وقال الأزهري: «الفَيْء: ما رده الله على أهل دينه من أموالٍ بلا قتالٍ إما بأن

стр. 11605

يجلوا عن أوطانهم ويخْلُوهَا للمسلمين، أو يصالحون على جزيةٍ يؤدّونها عن رءوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفكِ دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله ﷺ َ على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيءُ، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي: رده من الكفار على المسلمين» . وقوله: «مِنْهُمْ» أي: من يهود بني النضير. قوله: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ﴾ . الفاء جواب الشرط، أو زائدة، على أنها موصولة متضمنة معنى الشَّرط، و «ما» نافية. والإيْجَاف: حمل البعير على السَّير السريع، يقال: وجف البعير والفرس إذا أسرع، يَجِفُ وجْفاً ووَجِيفاً ووجفَاناً، وأوجفته أنا إيجافاً، أي: أتعبته وحركته. قال العجاج: [الرجز] ٤٧٤٢ - نَاجٍ طَوَاهُ الأيْنُ مِمَّا وجَفَا ... وقال نصيب: [الطويل] ٤٧٤٣ - ألَا رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قطَعْتُ وجيفَهُمْ ... إلَيْكَ ولوْلَا أنْتَ لَمْ يُوجفِ الرَّكْبُ قوله تعالى: ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾ . «من» زائدة، أي: خيلاً، والرِّكاب: الإبل، واحدها: راحلة، ولا واحد لها من لفظها. قال ابن الخطيب: والعرب لا يطلقون لفظ الرَّاكب إلَاّ على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً. والمعنى: لم تقطعوا إليها شُقَّة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من «المدينة» على ميلين قاله الفراء. فمشوا إليها مشياً ولم يركبوا خيلاً، ولا إبلاً إلا النبي ﷺ َ فقيل: إنه ركب جملاً.

стр. 11606

وقيل: حماراً مخطُوماً بليفٍ، فافتتحها صُلْحاً. قال ابن الخطيب: إن الصحابة طلبوا من الرسول ﵊ ُ - أن يقسم الفَيْءَ بينهم كما يقسم الغنيمة بينهم، فذكر الله - تعالى - الفرق بين الأمرين، وأن الغنيمة هي التي أتعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيءُ فلم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى النبي ﷺ َ يضعه حيث يشاء. وها هنا سؤال، وهو أن أموال بني النَّضير أخذت بعد القتال؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنائم لا من جملة الفيء؟ فلهذا السؤال ذكر المفسرون ها هنا وجهين: الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير؛ لأنهم أوجفوا عليه بالخيل والرِّكاب، وحاصرهم رسول الله ﷺ َ والمسلمون، بل هي فيء «فَدَك» ؛ لأن أهله انجلوا عنه، فصارت تلك القرى والأموال التي في يد رسول الله ﷺ َ من غير حربٍ، فكان رسول الله ﷺ َ يأخذ من غلَّة «فدك» نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي للسِّلاح والكراع، فلما مات رسول الله ﷺ َ ادعت فاطمة ﵂ أنه كان نحلها «فدكاً» ، فقال أبو بكر ﵁: أنت أعز الناس علي فقراً، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز لي أن أحكم بذلك، فشهدت لها أم أيمن ومولى للرسول ﷺ َ فطلب منها أبو بكر الشَّاهد الذي يجوز شهادته في الشرع فلم يكن فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول ﷺ َ ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح والكُراع. وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ جعله في يد علي ﵁ يجريه على هذا المجرى، ورد هذا في آخر عهد عمر ﵁ وقال: إن بنا غنًى وبالمسلمين إليه حاجة. وكان عثمان ﵁ يجريه كذلك، ثم عاد إلى علي ﵁ فكان يجريه هذا المجرى، والأئمة الأربعة ﵃ اتَّفقوا على ذلك. والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كبيرة، وإنما كانوا على ميلين من «المدينة» ، فمشوا إليها مشاة، ولم يركب إلا رسول الله ﷺ َ فلما كانت المقاتلة قليلة، والخيل والركاب غير حاصل أجراه الله - تعالى - مجراه ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلاً، فخص رسول الله ﷺ َ بتلك الأموال فروي أنه ﷺ َ قسمها بين المهاجرين، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً

стр. 11607

منها إلا ثلاثة نفرٍ كانت بهم حاجة: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة. قال بعض العلماء: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم منها حظ كالغنائم، فبين الله - تعالى - أنها فيءٌ، وكان قد جرى بعض القتال؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتالٌ على التحقيق، بل جرى مبادىء القتال، وجرى الحصار، فخص الله - تعالى - تلك الأموال برسول الله ﷺ َ. وقال مجاهد ﵁: علمهم الله - تعالى - وذكرهم أنه إنما نصر رسوله ﷺ َ ونصرهم بغير كراع ولا عدة. ﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من عباده﴾ من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله ﷺ َ دون أصحابه ﵃. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله﴾ . قال الزمخشري: «لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها» . قال ابن عباس ﵄: هي «قريظة» و «النضير» ، وهما ب «المدينة» و «فدك» وهي على ثلاثة أميال من «المدينة» و «خيبر» ، وقرى «عرينة» و «ينبع» جعلها الله - تعالى - لرسوله ﷺ َ وبين أن في ذلك المال الذي خصه الله - تعالى - لرسوله ﷺ َ سُهماناً لغير الرسول ﷺ َ تطييباً منه لعباده. فصل في المراد بذي القربى قال ابن الخطيب: أجمعوا على أن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب. وقال القرطبي: وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها على معناهما هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؟ . فقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ منسوخ بآية «الأنفال» من كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل، وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء، وهذا قول

стр. 11608

يزيد بن رومان، وقتادة وغيرهما، ونحوه عن مالك ﵁. وقال بعضهم: ما غنمتم بصُلْح من غير إيجاف خيل، ولا ركاب، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئاً، الأول للنبي ﷺ َ خاصة إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر ﵁: الأولى: للنبي ﷺ َ. والثانية: هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة: الغنيمة في سورة «الأنفال» للغانمين. وقال الشافعي ﵁ وبعض العلماء: إنَّ معنى الآيتين واحد، أي: ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهمٍ، أربعة منها لرسول الله ﷺ َ ويقسم الخمس الباقي على خمسة أسهمٍ؛ سهم لرسول الله ﷺ َ أيضاً، وسهم لذوي القُرْبى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب؛ لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء. وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأما بعد وفاة الرسول ﷺ َ فالذي كان من الفيء لرسول الله ﷺ َ يصرف عند الشافعي ﵁ في قول إلى المجاهدين المترصّدين للقتال في الثُّغُور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول ﷺ َ. وفي قول آخر: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثُّغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهي لمصالح المسلمين بعد موته ﷺ َ بلا خوف، كما قال ﷺ َ: «لَيْسَ لي مِنْ غَنائِمكُمْ إلَاّ الخمسُ، والخمسُ مردودٌ فِيْكُم» . وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة عنه يصرف في مصالح المسلمين، لقوله ﷺ َ: «إنَّا لا نُورثُ ما تركناهُ صدقة» . وقيل: كان مال الفيء لنبيه ﷺ َ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ فأضافه إليه، غير أنه كان لا يتأثّل مالاً، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال ابن العربي ﵀: لا إشكال أنها ثلاثة معانٍ في ثلاث آيات: فالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ [الحشر: ٢] ، ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ يعني: من أهل الكتاب معطوفاً عليهم ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يريد - كما بينا - فلا حق لكم فيه، ولذلك قال

стр. 11609

عمر: كانت خالصة لرسول الله ﷺ َ يعني بني النضير، وما كان مثلها فهذه آية واحدة، ومعنى متحد. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ، وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وسمى الآية الثانية آية الغنيمة، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق آخر لمستحق آخر، بيد أن الآية الأولى والثانية مشتركتان في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاء الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية «الأنفال» أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ ، عن ذكر حصوله بقتال، أو بغير قتال، فمن ها هنا نشأ الخلاف. فقالت طائفة: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصُّلح كله ونحوه. وقالت طائفة: هي ملحقة بآية «الأنفال» ، واختلفوا هل هي منسوخة كما تقدم أو محكمة؟ . قال القرطبي: «وإلحاقها بالتي قبلها؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى» . وقد قيل: إن سورة «الحشر» نزلت بعد «الأنفال» ، ومن المُحَال أن ينسخ المتقدم المتأخر. فصل في أموال الأئمة والولاة الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: الأول: ما أخذ من المسلمين على طريق التَّطهير لهم كالصَّدقات والزكوات. والثاني: الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكفار بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفواً من غير قتال، ولا إيجاف كالصلح والجزية والخراج والعُشُور والمأخوذ من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون، ويتركون أموالهم، أو يموت منهم أحد في دار الإسلام ولا وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملون عليها حسب ما ذكره تعالى في سورة التوبة. وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبي ﷺ َ يصنع فيها ما شاء كما قال في «الأنفال» : ﴿قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: ١] ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]

стр. 11610

الآية وقد مضى وأما الفيء وقسمته وقسمة الخمس سواء. قال القرطبي: «والأمر فيهما عند مالك إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازِلَ تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما، أو قسمة أحدهما، قسمها كلها، أو قسم أحدهما بين الناس، ويستوي فيه غريبهم ومولاهم، ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطي ذوي القربى من رسول الله ﷺ َ من الفيءِ سهمهم على ما يراه الإمام، وليس لهم حد معلوم» . وهل يعطي الغني منهم؟ . فأكثر الناس على إعطائه؛ لأنه حق لهم. وقال مالك ﵁: لا يعطي منهم غير فقرائهم؛ لأنه جعل لهم عوضاً من الصدقة. وقال الشافعي ﵁: إن ما حصل من أموال الكفار بغير قتال كان يقسم في عهد النبي ﷺ َ على خمسة وعشرين سهماً للنبي ﷺ َ عشرون سهماً يفعل فيها ما يشاء، والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: وهذا القول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصاً له كما ثبت في الصحيح عن عمر مبيناً للآية، ولو كان هذا لكان قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. فصل في تقسيم هذه الأموال وتقسم هذه الأموال المتقدم ذكرها في البلد الذي جُبِيَ فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلَاّ أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل إلى أهل الفاقة حيث كانوا كما فعل عمر ﵁ في أعوام «الرَّمادة» وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقيل: عامين. وقيل: عام اشتدّ فيه الطَّاعون مع الجوع، وإن لم يكن ما وصفناه. ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويبدأ بمن أبوه فقير، والفيء حلال للأغنياء، ويساوي فيه بين الناس، إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة، والتفضيل فيه إنما يكون فيه على قدر الحاجة، ويعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم، ويعطي منه الجائزة والصِّلة إن كان ذلك أهلاً، ويرزق القضاة والحكام، ومن فيه مصلحة للمسلمين، وأولاهم بتوفير الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعاً، ومن أخذ من الفيء شيئاً في الديوان كان عليه أن يغزو إذا وقع الغزو.

стр. 11611

قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ . قرأ هشام: «تكون» بالتاء والياء، «دولة» بالرفع فقط، والباقون: بالياء - من تحت - ونصب «دولة» فأما الرفع فعلى أن «كان» تامَّة، وأما التذكير والتأنيث فواضحتان؛ لأنه تأنيث مجازي. وأما النصب فعلى أنها الناقصة، واسمها ضمير عائد على الفيء، والتذكير واجب لتذكير المرفوع، و «دولة» خبرها. وقيل «دولة» عائد على «ما» اعتباراً بلفظها. وقرأ العامة: «دولة» بضم الدال. وعلي بن أبي طالب ﵁ والسلمي: بفتحها. فقيل: هما بمعنى، وهو قول عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي، وهو ما يدولُ للإنسان، أي: ما يدور من الجد والغنى والغلبة. وقال الحُذَّاق من البصريين والكسائي: «الدَّوْلة» - بالفتح - من المُلك - بضم الميم -، وبالضم من «المِلْك» - بكسرها - أو بالضم في المال، وبالفتح في النُّصْرة. وهذا يرده القراءة المروية عن علي والسلمي، فإن النصرة غير مرادة قطعاً، و «كي لا» علة لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ أي: استقراره لكذا لهذه العلة. قال المبرد: الدولة اسم للشَّيء الذي يتداوله القوم بينهم. والدولة - بالفتح - انتقال حال سارة من قوم إلى قوم، فالدُّولة - بالضم - اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، ويستعمل في الحالة السارّة التي تحدث للإنسان، فيقال: هذه دولة فلان، أي قد أقبل، والمعنى: كي لا يكون الفيءُ الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بُلغةً يعيشون بها واقعاً في يد الأغنياء ودولة لهم. والمعنى: فعلنا ذلك في هذا الفيءِ، كي لا يقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء منها أيضاً بعد المرباع ما شاء.

стр. 11612

وفيها يقول شاعرهم: [الوافر] ٤٧٤٤ - لَكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . يقول: لئلا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. قال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول الله ﷺ َ من أموال المشركين: يا رسول الله، خُذْ صفيَّك والربح، ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية؛ وأنشد: [الوافر] ٤٧٤٥ - لَكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفَايَا ... وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [من الأخذ والغلول «فانتهوا» ] . قاله الحسن وغيره. وقال السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم عنه فلا تطلبوه، قال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. فصل في أن أوامر النبي ﷺ َ من أوامر الله تعالى هذه الآية تدل على أن كل ما أمر به النبي ﷺ َ أمر من الله - تعالى - لأن الآية وإن كانت في الغنائم، فجميع أوامره ﷺ َ ونواهيه داخل فيها. قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلاً محرماً وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك هذا. فقال الرجل: اتقرأ عليَّ بهذه آية من كتاب الله تعالى؟ قال نعم: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ .

стр. 11613

وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي ﵁ يقول: سَلُوني عمَّا شئتم أخبركم من كتاب الله - تعالى - وسنة نبيكم ﷺ َ قال: فقلت له: أصلحك الله، ما تقول في المحرم يقتل الزُّنْبُور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «اقْتَدُوا باللَّذيْنِ من بَعْدِي أبي بَكرٍ وعُمر ﵄» . حدثنا سفيان بن عيينة بن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل الزُّنْبُور. وهذا الجواب في غاية الحسن أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبيَّن أنه يقتدي فيه ب «عمر» ، وأن النبي ﷺ َ أمر بالاقتداء به، وأنَّ الله - تعالى - أمر بقُبول ما يقوله الرسول ﷺ َ فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسُّنَّة. وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هل هُنَّ أحرار؟ فقال: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وفي «صحيح مسلم» وغيره عن علقمة عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «لَعَنَ اللَّهُ الواشِمَاتِ والمُسْتوشِمَاتِ والمُتنمِّصَات والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ لخَلْقِ الله» فبلغ ذلك امرأة من «بَنِي أسد» يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعَنُ من لعنه رسول الله ﷺ َ وهو في كتاب الله تعالى، فقالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه ما تقول، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: [ ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى الله عنه. الحديث. فصل في الكلام على الآية قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ﴾ .

стр. 11614

وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة، فإن معناه الأمر بدليل قوله تعالى] : ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر، بدليل ما تقدم، مع قوله ﷺ َ «إذَا أمَرتكُمْ بشَيءٍ فأتُوا مِنْهُ ما اسْتطعْتُمْ، وإذَا نَهيْتُكُمْ عن شَيْءٍ فانتهُوا» . قوله: ﴿واتقوا الله﴾ أي: عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه، فلا تضيعوها، ﴿فإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ .

стр. 11615

قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «لِذي القُربى» . قاله أبو البقاء والزمخشري. قال أبو البقاء: «قيل: هو بدل من» لذي القُرْبى «وما بعده» . [وقال الزمخشري: بدل من «لذي القُرْبى» وما عطف عليه] ، والذي منع الإبدال من «لله وللرسول» والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ َ أن الله أخرج رسوله ﷺ َ من الفقراءِ في قوله: ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وأن الله - تعالى - يترفع برسوله ﷺ َ عن تسميته بالفقيرِ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله . يعني أنه لو قيل: بأنه بدل من «الله ورسوله» ﷺ َ وهو قبيح لفظاً، وإن كان المعنى على خلاف هذا الظاهر كما قيل: إن معناه لرسول الله ﷺ َ وإنما ذكر الله تفخيماً، وإلا فالله - تعالى - غني عن الفيء وغيره، وإنما جعله بدلاً من «لذي القُربى» ؛ لأنه حنفي، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيءِ. الثاني: أنه بيان لقوله تعالى: ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ [الحشر: ٧] ، وكررت لام الجر لما كانت

стр. 11616

الأولى مجرورة ب «اللام» ليبين أنَّ البدل إنما هو منها. قاله ابن عطية. وهي عبارة قلقةٌ جداً. الثالث: أن «للفقراء» خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولكن الفيء للفقراء. وقيل: تقديره: ولكن يكون للفقراء، وقيل: اعجبوا للفقراء. قوله «يبتغون» يجوز أن يكون حالاً، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: للفقراء. والثاني: «واو» أخرجوا. قالهما مكي. فصل في معنى الآية ومعنى الآية أن الفيء والغنائم للفقراء والمهاجرين. وقيل: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء﴾ ولكن يكون «للفقراء» وهو مبني على الإعراب المتقدم، وعلى القول بأنه بيان لذوي القربى، «واليتامى والمساكين» أي: المال لهؤلاء؛ لأنهم فقراء ومهاجرون، وقد أخرجوا من ديارهم فهم أحق الناس به. وقيل: ﴿ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ﴾ [الحشر: ٦] للفقراء المهاجرين كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء مهاجرين من بني الدنيا. وقيل: والله شديدُ العقاب للفقراء المهاجرين، أي: شديد العقاب للكافر بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم، ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَلِذِي القربى واليتامى﴾ [الحشر: ٧] . قال القرطبي: «وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لبكر لفلان. و» المهاجرون «: من هاجر إلى النبي ﷺ َ حبًّا فيه ونُصرةً له» . وقال قتادة: هؤلاء المهاجرين الذين تركوا الدِّيار والأموال والأهلين والأوطان حبًّا لله ولرسوله ﷺ َ حتَّى إن الرجل منهم كان يَعْصِبُ على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها. قوله تعالى: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ أي: أخرجهم كفار «مكة» ، أي: أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل «يَبْتَغُونَ» أي: يطلبون ﴿فَضْلاً مِّنَ الله﴾ : أي غنيمة في

стр. 11617

الدنيا «ورضْوَاناً» في الآخرة أي: مرضاة ربهم ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ في الجهاد ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ في فعلهم ذلك. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب ب «الجابية» ، فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيَّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومَنْ أراد أن يسأل عن الفقهِ، فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله - تعالى - جعلني له خازناً وقاسماً، ألا وإنِّي بادٍ بأزواج النبي ﷺ َ فمعطيهنّ، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي، أخرجنا من «مكة» من ديارنا وأموالنا. قوله: ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ . يعني: أنهم لما هجروا لذَّات الدنيا، وتحملوا شدائدها لأجل الدِّين ظهر صدقهم في دينهم. قوله تعالى: ﴿والذين تَبَوَّءُو الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يجوز في قوله: ﴿والذين تبوّءوا الدار﴾ وجهان: أحدهما: أنه عطف على «الفقراء» فيكون مجروراً، ويكون من عطف المفردات، ويكون «يحبون» حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، خبره «يُحبُّون» ويكون حينئذ من عطف الجمل. وفي قوله: «والإيمان» . ستة أوجه: أحدها: أنه ضمن «تَبَوَّءوا» معنى لزموا، فيصح عطف الإيمان عليه، إذ الإيمان لا يتبوأ. الثاني: أنه منصوب بمقدر، أي: واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو وأخلصوا، كقوله: [الرجز] ٤٧٤٦ - عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً..... ... ... ... ... ... ... ... وقوله: [مجزوء الكامل] ٤٧٤٧ - ... ... ... ... ... ... ... ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثالث: أنه يتجوّز في الإيمان، فيجعل اختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط

стр. 11618

بهم، فكأنهم نزلوه، وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة. وفيه خلاف مشهور. الرابع: أن يكون الأصل: دار الهجرة، ودار الإيمان، فأقام «لام» التعريف في «الدار» مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه. الخامس: أن يكون سمى «المدينة» ؛ لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإيمان. قال بهذين الوجهين الزمخشري. وليس فيه إلَاّ قيام «ال» مقام المضاف إليه، وهو محل نظر، وإنما يعرف الخلاف، هل يقوم «ال» مقام الضمير المضاف إليه؟ . فالكوفيون يُجِيزُونه، كقوله: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النازعات: ٤١] أي: مأواه. [والبصريون: يمنعونه، ويقولون: الضمير محذوف، أي: المأوى له] . وقد تقدم تحرير هذا وأما كونها عوضاً من المضاف إليه فلا نعرف فيه خلافاً. السادس: أنه منصوب على المفعول معه أي: مع الإيمان معاً. قاله ابن عطية. وقال: وبهذا الاقتران يصح معنى قوله «من قبلهم» فتأمله. قال شهاب الدين: «وقد شرطوا في المفعول معه أن يجوز عطفه على ما قبله حتى جعلوا قوله تعالى: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] من باب إضمار الفعل؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت» . فصل في المراد بهذا التبوء «التَّبَوُّء» : التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي ﷺ َ إليهم، ولا خلاف أن الذين تبوَّءُوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا «المدينة» قبل المهاجرين إليها، والمراد بالدَّار: «المدينة» . والتقدير: والذين تبوَّءُوا الدار من قبلهم. فصل قيل هذه الآية معطوفة على قوله: «للفقراء المهاجرين» وأن الآيات في «الحَشْر» كلها معطوفة بعضها على بعض. قال القرطبي: ولو تأملوا ذلك، وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن

стр. 11619

الله - تعالى - يقول: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٢]- إلى قوله - «الفاسقين» فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع، ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ﴾ [الحشر: ٦] فأخبر أن ذلك للرسول ﷺ َ لأنه لم يوجف عليه حين خلَّوه، وما تقدم فيهم من القتالِ، وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر، ثم قال تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الحشر: ٧] ، وهذا كلام غير معطوف على الأول، وكذا ﴿والذين تبوّءوا الدار والإيمان﴾ ابتداء كلام في مدحِ الأنصار والثناء عليهم، فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين، وكأنه قال: الفَيْء للفقراء المهاجرين، والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء، وكذا ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ابتداء كلام، والخبر ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] . وقال إسماعيل بن إسحاق: إن قوله تعالى: ﴿والذين تَبَوَّءُو الدار﴾ ، ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] معطوف على ما قبله، وأنهم شركاء في هذا الفيء، أي: هذا المال للمهاجرين، والذين تبوَّءوا الدار والإيمان. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] . ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فقال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ، ﴿والذين تَبَوَّءُو الدار والإيمان﴾ ، ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي ب «سَرْو حمير» نصيبه منها لم يعرق جبينه. وقيل: إنه دعا للمهاجرين والأنصار واستبشارهم بما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تبينوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ ففكر في ليلته، فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت فلما غدوا عليه، قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة «الحشر» وتلا: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ [الحشر: ٧] إلى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ فلما بلغ قوله: ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ قال: ما هي لهؤلاء فقط، وتلا قوله: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] إلى قوله ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. فصل روى مالك بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ﵁ قال: لولا من يأتي من آخر النَّاس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ َ خيبر.

стр. 11620

وصح عن عمر أنه أبقى سواد «العراق» و «مصر» وما ظهر عليه من الغنائم ليكون في أعطيات المقاتلة، وأرزاق الجيش والذَّراري، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم. واختلف فيما فعل من ذلك: فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين فله، ومن أبى أعطاه ثمن حظه فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي ﷺ َ لأنه قسم «خيبر» ، لأنّ اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه تأول في ذلك قول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] على ما تقدم أيضاً. فصل في اختلاف الفقهاء في قسمة العقار اختلفوا في قسمة العقار، فقال مالك ﵁ للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة ﵁: الإمام مخير بين قسمتها، أو وقفها لمصالح المسلمين. وقال الشافعي ﵁ ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال، فمن طاب نفساً عن حقه للإمام أن يجعلها وقفاً عليهم فله، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بماله. وعمر ﵁ استطاب نفوس القائمين واشتراها منهم، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] مقطوعاً مما قبله، وأنهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم. فصل في فضل المدينة قال القرطبي: «روى ابن وهب قال: سمعت مالكاً يذكر فضل» المدينة «على غيرها من الآفاق، فقال: إن» المدينة «تُبُوئتْ بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ: ﴿والذين تَبَوَّءُو الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية» .

стр. 11621

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه، والمعنى: لا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيءِ وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة تقول: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته. قاله الزمخشري. فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين، وفي «أوتُوا» للمهاجرين. والثاني: أن الحاجة هنا من الحسد. قال الحسنُ: حسداً وحزازة مما أوتوا المهاجرين دونهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية. والضميران على ما تقدم قبل. وقال أبو البقاء: «الحاجة مس حاجة» . أي: أنه حذف المضاف للعلم به، وعلى هذا، فالضميران ل ﴿الذين تبوّءو الدار والإيمان﴾ . وقال القرطبي: «يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفيءِ وغيره، كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين، والمعنى: مس حاجة من فقد ما أوتوا، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة» . فصل في سبب نزول الآية قال القرطبي: «كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم رسول الله ﷺ َ أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال رسول الله ﷺ َ:» إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ مَا أفَاءَ اللَّه عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضيرِ بَيْنكُمْ وبَيْنَهُمْ، وكَان المُهَاجرُونَ على مَا هُمْ عليْهِ مِنَ السُّكْنَى في مَسَاكنكُمْ وأمْوالكُمْ، وإنْ أحَبَبْتُمْ أعْطَيتُهم وخَرَجُوا من دِيَارِكُمْ «، فقال سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وسَعْدُ بْنُ معاذٍ ﵄ بَلْ نَقْسِمهُ بَيْنَ المهاجرينَ، ويُكونُونَ في دُورنا كَمَا كَانُوا، ونادت الأنصار: رَضيْنَا وسلَّمْنَا يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله ﷺ َ:» اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنصَارَ وأبْنَاءَ الأنْصَارِ «وأعطى رسول الله للمهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة الذين ذكرناهم» .

стр. 11622

ويحتمل أن يريد به ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ إذا كانوا قليلاً يقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي ﷺ َ دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه بحكم الدنيا، وقد أنذرهم النبي ﷺ َ وقال: «سَتَرَونَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبرُوا حَتَّى تلْقَونِي على الحَوْضِ» . قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ . قال ابن عباس ﵄: «قال النبي ﷺ َ يوم بني النضير:» إن شِئْتُم قَسمْتُمْ للمُهَاجرينَ من أمْوالكُمْ ودِيَاركُمْ وشَارَكتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ، وإن شِئْتُم كَانَتْ لكُم ديَارُكمْ وأموالكُمْ ولَمْ نَقْسِمْ لَكُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيْئاً «. فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة» ، فنزل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ الآية. قال ابن الخطيب: «وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن هذه الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات. فذكر القرطبي: أن الترمذي روى عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية» . وخرجه مسلم أيضاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ َ فقال: إني مجهودٌ، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما عندي إلا ماء، فقال رسول الله ﷺ َ:» مَنْ يُضيف هذا الليلة ﵀؟ «فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله أنا، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج» ، وذكر نحو الحديث الأول.

стр. 11623

وفي رواية: فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله. وذكر المهدوي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، ورجل من الأنصار يقال له: أبو المتوكل، ولم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته. وذكر القشيري قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ َ رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا، فبعثه إليه ولم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ الآية. وذكر الثعلبي عن أنس، قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهوداً فوجه به إلى جار له، فتداوله سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزلت الآية. فصل في معنى الإيثار الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية،

стр. 11624

وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته، ومفعول الإيثار محذوف، أي: يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عَنْ غِنًى بل مع احتياجهم إليها. فإن قيل: قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء؟ . فالجواب: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق به بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرّض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله - تعالى - عليهم بالإيثار على أنفسهم، فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس﴾ [البقرة: ١٧٧] . فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. «كما روي أن رجلاً جاء إلى النبي بمثل البيضة من الذَّهب، فقال هذه صدقة، فرماه بها، وقال:» يَأتِي أحدُكُمْ بِجميعِ مَا يَملِكُهُ فيتصدَّق بِهِ، ثُمَّ يقعدُ فيتكفَّفُ النَّاس «انتهى. فصل في الإيثار بالنفس الإيثار بالنَّفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال: [البسيط] ٤٧٤٨ - الجُودُ بالمَالِ جُودٌ ومكرمةٌ ... والجُودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غايةِ الجُودِ وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله ﷺ َ. ففي الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ َ يوم أحد، وكان النبي ﷺ َ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله، لا يصيبونك، نحري دون نحرك يا رسول الله ووقى بيده رسول الله ﷺ َ فشلتْ. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم» اليَرْموك «أطلب ابن عم لي [ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمقٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن

стр. 11625

نعم] ، فإذا أنا برجل يقول: آه آه فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمعت آخر يقول: آه آه فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وقال أبو اليزيد البسطامي ﵀: ما غلبني أحد سوى شاب من أهل» بلخ «قدم علينا حاجًّا، وقال: يا أبا اليزيد، ما حد الزهد عندكم؟ . فقلت له: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال: هكذا كلاب» بلخ «عندنا. فقلت: وما حدّ الزهد عندكم؟ . قال: إذا فقدنا شكرنا، وإذا وجدنا آثرنا. وسئل ذو النون المصري: ما حدُّ الزهد؟ قال: ثلاث، تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند الفوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى» الري «ومعهم أرغفة معدودة لا تشبح جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئاً إيثاراً لصاحبه على نفسه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . هذه واو الحال، والخصاصة: الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهي فروجه، وحال الفقير يتخللها النقص، فاستعير لها ذلك. وقال القرطبي: «أصلها من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة: انفراد بالحاجة، أي: ولو كانت بهم فاقة وحاجة» . ومنه قول الشاعر: [الكامل] ٤٧٤٩ - أمَّا الرَّبيعُ إذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ ... عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرَى المُقْتِرُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ . العامة على سكون الواو، وتخفيف القاف من الوقاية، وابن أبي عبلة وأبو حيوة: بفتح الواو وتشديد القاف.
следующие страницы →