← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه، والمعنى: لا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيءِ وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة تقول: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته. قاله الزمخشري. فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين، وفي «أوتُوا» للمهاجرين. والثاني: أن الحاجة هنا من الحسد. قال الحسنُ: حسداً وحزازة مما أوتوا المهاجرين دونهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية. والضميران على ما تقدم قبل. وقال أبو البقاء: «الحاجة مس حاجة» . أي: أنه حذف المضاف للعلم به، وعلى هذا، فالضميران ل ﴿الذين تبوّءو الدار والإيمان﴾ . وقال القرطبي: «يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفيءِ وغيره، كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين، والمعنى: مس حاجة من فقد ما أوتوا، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة» . فصل في سبب نزول الآية قال القرطبي: «كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم رسول الله ﷺ َ أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال رسول الله ﷺ َ:» إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ مَا أفَاءَ اللَّه عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضيرِ بَيْنكُمْ وبَيْنَهُمْ، وكَان المُهَاجرُونَ على مَا هُمْ عليْهِ مِنَ السُّكْنَى في مَسَاكنكُمْ وأمْوالكُمْ، وإنْ أحَبَبْتُمْ أعْطَيتُهم وخَرَجُوا من دِيَارِكُمْ «، فقال سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وسَعْدُ بْنُ معاذٍ ﵄ بَلْ نَقْسِمهُ بَيْنَ المهاجرينَ، ويُكونُونَ في دُورنا كَمَا كَانُوا، ونادت الأنصار: رَضيْنَا وسلَّمْنَا يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله ﷺ َ:» اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنصَارَ وأبْنَاءَ الأنْصَارِ «وأعطى رسول الله للمهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة الذين ذكرناهم» .

стр. 11622

ويحتمل أن يريد به ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ إذا كانوا قليلاً يقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي ﷺ َ دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه بحكم الدنيا، وقد أنذرهم النبي ﷺ َ وقال: «سَتَرَونَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبرُوا حَتَّى تلْقَونِي على الحَوْضِ» . قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ . قال ابن عباس ﵄: «قال النبي ﷺ َ يوم بني النضير:» إن شِئْتُم قَسمْتُمْ للمُهَاجرينَ من أمْوالكُمْ ودِيَاركُمْ وشَارَكتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ، وإن شِئْتُم كَانَتْ لكُم ديَارُكمْ وأموالكُمْ ولَمْ نَقْسِمْ لَكُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيْئاً «. فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة» ، فنزل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ الآية. قال ابن الخطيب: «وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن هذه الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات. فذكر القرطبي: أن الترمذي روى عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية» . وخرجه مسلم أيضاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ َ فقال: إني مجهودٌ، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما عندي إلا ماء، فقال رسول الله ﷺ َ:» مَنْ يُضيف هذا الليلة ﵀؟ «فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله أنا، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج» ، وذكر نحو الحديث الأول.

стр. 11623

وفي رواية: فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله. وذكر المهدوي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، ورجل من الأنصار يقال له: أبو المتوكل، ولم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته. وذكر القشيري قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ َ رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا، فبعثه إليه ولم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ الآية. وذكر الثعلبي عن أنس، قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهوداً فوجه به إلى جار له، فتداوله سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزلت الآية. فصل في معنى الإيثار الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية،

стр. 11624

وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته، ومفعول الإيثار محذوف، أي: يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عَنْ غِنًى بل مع احتياجهم إليها. فإن قيل: قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء؟ . فالجواب: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق به بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرّض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله - تعالى - عليهم بالإيثار على أنفسهم، فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس﴾ [البقرة: ١٧٧] . فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. «كما روي أن رجلاً جاء إلى النبي بمثل البيضة من الذَّهب، فقال هذه صدقة، فرماه بها، وقال:» يَأتِي أحدُكُمْ بِجميعِ مَا يَملِكُهُ فيتصدَّق بِهِ، ثُمَّ يقعدُ فيتكفَّفُ النَّاس «انتهى. فصل في الإيثار بالنفس الإيثار بالنَّفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال: [البسيط] ٤٧٤٨ - الجُودُ بالمَالِ جُودٌ ومكرمةٌ ... والجُودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غايةِ الجُودِ وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله ﷺ َ. ففي الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ َ يوم أحد، وكان النبي ﷺ َ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله، لا يصيبونك، نحري دون نحرك يا رسول الله ووقى بيده رسول الله ﷺ َ فشلتْ. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم» اليَرْموك «أطلب ابن عم لي [ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمقٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن

стр. 11625

نعم] ، فإذا أنا برجل يقول: آه آه فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمعت آخر يقول: آه آه فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وقال أبو اليزيد البسطامي ﵀: ما غلبني أحد سوى شاب من أهل» بلخ «قدم علينا حاجًّا، وقال: يا أبا اليزيد، ما حد الزهد عندكم؟ . فقلت له: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال: هكذا كلاب» بلخ «عندنا. فقلت: وما حدّ الزهد عندكم؟ . قال: إذا فقدنا شكرنا، وإذا وجدنا آثرنا. وسئل ذو النون المصري: ما حدُّ الزهد؟ قال: ثلاث، تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند الفوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى» الري «ومعهم أرغفة معدودة لا تشبح جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئاً إيثاراً لصاحبه على نفسه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . هذه واو الحال، والخصاصة: الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهي فروجه، وحال الفقير يتخللها النقص، فاستعير لها ذلك. وقال القرطبي: «أصلها من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة: انفراد بالحاجة، أي: ولو كانت بهم فاقة وحاجة» . ومنه قول الشاعر: [الكامل] ٤٧٤٩ - أمَّا الرَّبيعُ إذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ ... عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرَى المُقْتِرُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ . العامة على سكون الواو، وتخفيف القاف من الوقاية، وابن أبي عبلة وأبو حيوة: بفتح الواو وتشديد القاف.

стр. 11626

والعامة - بضم الشين - من «شح» ، [وابن أبي عبلة] وابن عمر ﵄ بكسرها. قال القرطبي: الشُّحُّ والبخل سواء، يقال: رجل شحيح بيِّن الشُّح والشَّح والشحاحة. قال عمرو بن كلثوم: [الوافر] ٤٧٥٠ - تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذَا أمِرَّتْ ... عَليْهِ لِمَاله فِيهَا مُهِينَا وجعل بعض أهل اللغة الشُّحَّ أشد من البخل. وفي «الصحاح» : الشح: البخل مع حرصٍ، شَحِحْتُ - بالكسر - تشحّ، وشَحَحْتُ أيضاً تَشُحُّ وتشِحُّ، ورجل شَحِيحٌ، وقومٌ شحاحٌ وأشحَّة. والمراد بالآية: الشُّح بالزكاة، وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضِّيافة، وما شاكل ذلك، فليس بشحيحٍ ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه، ومن وسّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرنا من الزكوات والطَّاعات فلم يُوقَ شح نفسه. روى الأسود عن ابن مسعود ﵁: أن رجُلاً أتاه فقال: إنِّي أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يديّ شيئاً، فقال ابن مسعود: ليس ذلك الذي ذكر الله - تعالى -، إنما الشُّحُّ أن تأكل مال أخيك ظُلْماً، ولكن ذلك هو البخل، وبئس الشيء البخل، ففرق ﵁ بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشُّحُّ أن يشح بما في أيدي

стр. 11627

النَّاس، يجب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام فلا يقنع. قال ابن زيد: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشُّح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له. وقال ابن جريج: الشح: منع الزكاة وادخار الحرام. وقال ابن عيينة: الشح: الظلم. وقال الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. وقال ابن عباس: من اتبع هواه، ولم يقبل الإيمان، فذلك هو الشحيح. وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه، فقد وقاه الله شحَّ نفسه. وقال أنس ﵁ قال النبي ﷺ َ: «بَرِىء مِن الشُّحِّ مَنْ أدَّى الزَّكَاةَ وأقْرَى الضَّيْفَ، وأعْطَى في النَّائِبَة» . وعنه أن النبي ﷺ َ كان يدعو «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شُحِّ نَفْسِي، وإسْرافِهَا وَسوآتِهَا» . وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلاً في الطواف يدعو: اللهم قني شُحَّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزْنِ ولم أفعل، فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁. قال القرطبي: ويدل على هذا قوله ﷺ َ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فإنَّ الظُّلْمَ ظُلماتٌ يَوْمَ

стр. 11628

القِيَامةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فإنَّ الشُّحَّ أهْلكَ مَن كَانَ قَبْلَكُم حَملهُمْ على أن سفَكُوا دِمَاءهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحَارمَهُمْ» . وروى أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ َ يقول: «لا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللَّهِ ودُخَانُ جَهَنَّم في جَوْفِ عَبْدٍ أبَداً، ولا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ والإيمَانُ في قَلْبِ عَبْدٍ أبَداً» . وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضرُّ بابن آدم؟ قالوا: الفقرُ، فقال: الشح أضر من الفقر، لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبعْ أبداً.

стр. 11629

قوله تعالى: ﴿والذين جَآءُو﴾ . يحتمل الوجهين المتقدمين في «الذين» قبله، فإن كان معطوفاً على «المهاجرين» ، ف «يقولون» حال ل «يحبون» أي: قائلين أو مستأنف، وإن كان مبتدأ ف «يقولون» خبره. فصل هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار. ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ . قال بعض المفسرين: هذا عطف على «المُهَاجرينَ» وهم الذين هاجروا من بعد.

стр. 11630

وقيل: التابعون لهم بإحسان، ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الأولى منازل المهاجرين، والثانية هي: الذين تبوءوا الدار والإيمان، والثالثة: والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد ألَاّ تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن مهاجراً، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارياً، فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبَّهم، واستغفر لهم كما أمرك الله. وقال مصعب بن سعد: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه، أنه جاءه رجل فقال: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا ابن أخي أنت من قوم قال الله فيهم ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ؟ [الحشر: ٨] الآية، قال: لا، قال: فأنت من قوم قال الله فيهم: ﴿والذين تَبَوَّءُو الدار والإيمان﴾ ؟ [الحشر: ٩] الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام، وهي قوله تعالى: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ . وروي أن نفراً من أهل «العراق» جاءوا إلى محمد بن علي بن الحسين فسبُّوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا، قال: أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم؟ ، قالوا: لا، قال: فقد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، قوموا قد فعل الله بكم وفعل. ذكره النحاس. فصل في وجوب محبة الصحابة هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ﵃ لأنه جعل لمن بعدهم حظًّا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم، والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحداً منهم، أو اعتقد فيه شرًّا أنه لا حقَّ له في الفيء. قال مالك: من كان يبغضُ أحداً من أصحاب محمد ﷺ َ وكان في قلبه لهم غلّ فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ .

стр. 11631

فصل قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول وإبقاء العقار والأرض بين المسلمين أجمعين كما فعل عمر ﵁ إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمراً فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس فيه، وإن هذه الآية قاضية بذلك، لأن الله - تعالى - أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار - وهم معلومون - ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ فهي عامة في جميع التابعين والآتين من بعدهم إلى يوم [الدين] . «يروى أن النبي ﷺ َ خرج إلى المقبرة، فقال:» السَّلامُ [عليكم] دارَ قَوْم مُؤمِنينَ وإنَّا إن شَاءَ اللَّهُ بكم لاحِقُونَ ودِدْتُ لَوْ رأيتُ إخواننا «قالوا: يَا رسُولَ اللَّهِ، ألَسْنَا إخْوَانَكَ؟ فقَالَ رسُولُ الله ﷺ َ:» بَلْ أنتُمْ أصْحَابِي، وإخْواننا الذين لَمْ يأتُوا بَعْدُ، وأنَا فَرَطُهمْ على الحوْضِ «» . فبين النبي ﷺ َ أن إخوانهم كلُّ من يأتي بعدهم، لا كما قال السُّديُّ والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضاً: أن الذين جاءوا من بعدهم من قصد إلى النبي ﷺ َ إلى «المدينة» بعد انقطاع الهجرة. قوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ . قيل: أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب، قالت عائشة ﵂: أمرهم أن يستغفروا لهم فَسبُّوهم. وقيل: أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس ﵄: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ َ وهو يعلم أنهم سيُفْتنُونَ. وقالت عائشة ﵂: أمرهم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ َ فسبوهم، سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: «لا تَذْهَبُ هذهِ الأمة حتَّى يلعَنَ آخِرُهَا أوَّلهَا» .

стр. 11632

وقال ابن عمر ﵄: سمعت النبي ﷺ َ يقول: «إذا رأيتم الَّذين يسُبُّونَ أصْحَابِي فقُولُوا: لَعَنَ اللَّه شَرَّكُم» . وقال العوام بن حوشب: أدركت هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ َ حتى تتآلف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبي: تفاضلت اليهود والنَّصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت الرافضة، من شرُّ أهلِ ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ َ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلولٌ إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفكِ دمائهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلَّة. ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: حسداً وبغضاً، ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ﴾ . للتبليغ فقط بخلاف قوله : ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [العنكبوت: ١٢] فإنها تحتمل ذلك وتحتمل العلة. فصل قال القرطبي ﵀: هذه الآية سبب التعجب من اغترار اليهود لما وعدهم المنافقون من النصر معهم مع علمهم بأنهم لا يعتقدون ديناً ولا كتاباً. قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، وقيل: رفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، ومالوا ليهود قريظة والنضير. والإخوان: هم الإخوة، وهي هنا تحتمل وجوهاً: أحدها: الأخوّة في الكفر؛ لأن اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفرِ بمحمد ﷺ َ. وثانيها: الأخوّة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة.

стр. 11633

وثالثها: الأخوّة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد ﷺ َ. فقالوا لليهود: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ . وقيل: هذا من قول بني النضير لقريظة، وقولهم: ﴿وَلَا نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ يعنون محمداً ﷺ َ قالوا: لا نطيعه في قتالكم. وفيه دليل على صحة نبوّة نبينا محمد ﷺ َ من جهة الغيب؛ لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم كما قال : ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم وفعلهم. فقولهم: ﴿وَلَا نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ أي: في قتالكم أو في خذلانكم. قوله تعالى: ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ . أجيب القسم المقدر، لأن قبل «إن» لام موطئة حذفت للعلم بمكانها، فإنَّ الأكثر الإتيان بها، ومثله قوله: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣] وقد تقدم. قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ . أجيب القسم لسبقه، ولذلك رفعت الأفعال ولم تجزم، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، ولذلك كان فعل الشرط ماضياً. وقال أبو البقاء ﵀: قوله تعالى: ﴿لَا يَنصُرُونَهُمْ﴾ لما كان الشرط ماضياً ترك جزم الجواب انتهى. وهو غلط؛ لأن ﴿لَا يَنصُرُونَهُمْ﴾ ليس جواباً للشرط بل جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم وكأنه توهم أنه من باب قوله: [البسيط] ٤٧٥١ - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقولُ: لا غَائِبٌ مَالِي ولا حَرِمُ وقد سبق أبا البقاء ابنُ عطية إلى ما يوهم شيئاً من ذلك، ولكنه صرح بأنه جواب القسم، فقال: «جاءت الأفعال غير مجزومة في» لا يخرجون ولا ينصرون «؛ لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر» . فقوله: «وفي هذا نظر» يوهم أنه جاء على خلاف ما يقتضيه القياس وليس كذلك، بل جاء على ما يقتضيه القياس.

стр. 11634

وفي هذه الضمائر قولان: أحدهما: أنها كلها للمنافقين. والثاني: أنها مختلفة بعضها لهؤلاء، وبعضها لهؤلاء. فصل اعلم أنه - تعالى - عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، وقد أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا، فهؤلاء المنافقون لا يخرجون معهم، وكان الأمر كذلك؛ لأن بني النضير لما خرجوا لم يخرج معهم المنافقون، وقاتلوا أيضاً فما نصروهم، وهذا كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير: لا نسلم أن الأمر كما تقول، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول إلا أنه لا يفيد ذلك فائدة فكذا هاهنا ذكر تعالى أنهم لا يخرجون معهم، وبتقدير أن ينصروهم إلا أنهم لا بد وأن يتركوا النُّصرة وينهزموا، ويتركوا أولئك المنصورين في أيدي أعدائهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] . [وقيل: معنى لا ينصرونهم: لا يدومون على نصرهم، هذا على أن الضميرين متفقان على اختلاف الضميرين، فالمعنى: لئن أخرج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقين ليولُّنَّ الأدبار] . قوله تعالى: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ . مصدر من «رُهِبَ» المبني للمفعول، فالرهبة واقعة من المنافقين لا من المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشد رهوبية في صدورهم من الله، فالمخاطبون مُرْهِبُونَ وهو قول كعب بن زهير ﵁ في مدح رسول الله ﷺ َ: [البسيط] ٤٧٥٢ - فَلَهْوَ أخْوَفُ عِنْدِي إذْ أكَلِّمُهُ ... وقِيلَ إنَّكَ مَحْبُوسٌ ومَقْتُولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِثَرَاءِ الأرْضِ مُخْدَرُهُ ... بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ و «رَهْبَةً» تمييز.

стр. 11635

فصل في معنى الآية المعنى: لأنتم يا معشر المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ أي خوفاً وخشية في صدورهم من الله، يعني صدور بني النضير. وقيل: صدور المنافقين، ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي: يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم، «ذَلِكَ» إشارة إلى الخوف أي ذلك الخوف ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ قدر عظمة الله وقدرته حتى يخشوه حقَّ خشيته. قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً﴾ يعني اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين «إلَاّ» إذا كانوا ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدُّروب والحيطان [يظنُّون] أنها تمنعهم منكم، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ أي: من خلف حيطانٍ يستترون بها لجبنهم ورهبتهم. قوله: «جَمِيعاً» حال، و ﴿إِلَاّ فِي قُرًى﴾ متعلق ب «يُقَاتِلُونَكُمْ» . وقوله: «جُدُرٍ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «جدار» بالإفراد. وفيه أوجه: أحدها: أنه السُّورُ، والسُّورُ الواحد يعم الجميع من المقاتلة ويسترهم. والثاني: أنه واحد في معنى الجمع لدلالة السياق عليه. والثالث: أن كل فرقة منهم وراء جدار لا أنهم كلهم وراء جدار. والباقون قرأوا: «جُدُر» - بضمتين - اعتباراً بأن كل فرقة وراء جدار، فجمع لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويروى عن ابن كثير وعاصم: بضمة وسكون؛ وهي تخفيف الأولى، وقرأ ابن كثير - أيضاً - في رواية هارون عنه، وهي قراءة كثير من المكيين: «جَدْر» بفتحة وسكون. فقيل: هي لغة في الجدار. وقال ابن عطية: معناه أصل بنيات كالسور ونحوه: قال: ويحتمل أن يكون من

стр. 11636

جَدْر النخيل أي من وراء نخيلهم. يقال: أجدر النخل إذا طلعت رءوسه أول الربيع. والجدر: نبت، واحده جدرة. وقرىء: «جَدَرٌ» - بفتحتين - حكاها الزمخشري. وهي لغة في الجدار أيضاً. وقرىء: «جُدْر» - بضم الجيم وإسكان الدَّال - جمع الجدار. قال القرطبي: ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف «كتاب» وفي الجمع كألف «ظِراف» ومثله «ناقة هجان، ونوق هجان» لأنك تقول في التثنية «هجانان» ، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى. قاله ابن جني. قوله: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ . «بَيْنَهُمْ» متعلق ب «شديد» و «جميعاً» مفعول ثانٍ، أي: مجتمعين. وقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ . جملة حالية، أو مستأنفة للإخبار بذلك. والعامة على «شتى» بلا تنوين، لأنها ألف تأنيث. ومن كلامهم: «شَتَّى تئوب الحلبة» أي متفرقين. وقال آخر: [الطويل] ٤٧٥٣ - إلَى اللَّهِ أشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ العَصَا ... هِيَ اليَوْمَ شَتَّى، وهيَ أمْسِ جَمِيعُ وقرأ مبشر بن عبيد: «شَتًّى» منونة، كأنه جعلها ألف الإلحاق. وفي قراءة ابن مسعود: «وقُلُوبُهُمْ أشتُّ» يعني أشد تشتيتاً أي أشد اختلافاً. فصل في معنى الآية معنى ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالكلام والوعيد لنفعلن كذا.

стр. 11637

وقال السُّدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحدٍ. وقيل: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ إذا لم يلقوا عدوًّا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لقوا العدو انهزموا. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ . يعني اليهود والمنافقين. قاله مجاهد. وعنه أيضاً: يعني المنافقين. وقال الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب. وقال قتادة: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ أي: مجتمعين على أمْر ورأي. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ : أي: متفرقة فأهل الباطل مختلفة آراؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضاً: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا يقوي أنفس المؤمنين عليهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك التشتيت والكفر بأنهم قوم لا يعقلون أمر الله. وقيل: لا يعقلون ما فيه الحظ لهم. وقيل: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم. قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . خبر مبتدأ مضمر، أي: مثلهم مثل هؤلاء. و «قريباً» فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بالتشبيه المتقدم، أي: يشبهونهم في زمن قريب سيقع لا يتأخر، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ . والثاني: أنه منصوب ب «ذاقوا» أي: ذاقوا في زمن قريب. أي: ذاقوه في زمن قريب سيقع ولم يتأخّر. وانتصابه في وجهيه على ظرف الزَّمان. فصل في معنى الآية يعني مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم.

стр. 11638

قال ابن عباس: يعني به بني قينقاع أمكن الله منهم قبل بني النضير. وقال قتادة: يعني بني النضير أمكن الله منهم قبل قريظة، وكان بينهما سنتان. وقال مجاهد ﵁: يعني كفَّار قريش يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير قاله مجاهد. وكانت غزوة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، فلذلك قال: «قَرِيباً» . وقيل: هو عامٌّ في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير من نوح إلى محمد ﷺ َ. «وَبَالَ أمرهم» أي: جزاء كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة جعل «وبَالَ أمْرِهِمْ» نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي [الذرية] . وهو قول الضحاك. ومن قال: المراد بنو النضير، قال: «وبَالَ أمْرِهِمْ» الجلاء والنفي، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر﴾ . هذا مثل ضربه الله للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الرجاء في نصرتهم، وحذف حرف العطف ولم يقل: وكمثل الشيطان، لأن حذف حرف العطف كثير، كقولك: أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ كالبيان لقوله ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . فصل روي عن النبي ﷺ َ: أن الإنسان الذي قال له الشيطان: اكفر؛ راهب، نزلت عنده امرأة أصابها لممٌ ليدعو لها فزيّن له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفاً أن يفتضح، فدلّ الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده إن سجد له أنجاه من هذه الورطة منهم فسجد فتبرّأ منه فأسلمه، ذكره القاضي إسماعيل، وعلي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي ﷺ َ وذكر خبره طويلاً. وذكر ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ أنه كان راهب في

стр. 11639

الفترة يقال له: برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين حتى أعيا إبليس، وذكر خبر برصيصا بتمامه. قال ابن عباس ﵄: فضرب الله ذلك مثلاً للمنافقين مع اليهود، وذلك أن الله - تعالى - أمر نبيه أن يُجلِيَ بني النضير من «المدينة» ، فدس إليهم المنافقون ألَاّ تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم قاتلنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي ﷺ َ فخذلهم المنافقون وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] الآية. وقال مجاهد: المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم. ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر﴾ . أي: أغواه حتى قال: إنِّي كافر، وليس قول الشيطان: ﴿إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ حقيقة، إنما هو على وجه التبرُّؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: ﴿إِنِّي برياء مِّنكَ﴾ . وفتح الياء من «إني» نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأسكن الباقون.

стр. 11640

قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النار﴾ . العامة على نصب «عَاقِبتَهُمَا» والاسم «أن» وما في حيزها، لأن الاسم أعرف من ﴿عاقبتهما أنهما في النار﴾ . وقد تقدم تحرير هذا في «آل عمران» و «الأنعام» . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن أرقم: برفعها، على جعلها اسماً، و «أن» وما في حيزها خبر كقراءة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] . قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ . العامة على نصبه، حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً. والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان، ومن جعلها في الجنس فالمعنى فكان عاقبة الفريقين أو الصنفين. قال مقاتل: يعني المنافقين واليهود. ونصب «عَاقِبتَهُمَا» على أنه خبر «كان» والاسم ﴿أَنَّهُمَا فِي النار﴾ . وقرأ عبد الله، وزيد بن علي، والأعمش، وابن أبي عبلة: برفعه خبراً، والظرف ملغى، فيتعلق بالخبر، وعلى هذا فيكون تأكيداً لفظيًّا للحرف، وأعيد معه ضمير ما دخل عليه كقوله: ﴿فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] . وهذا على مذهب سيبويه، فإنه يجيز إلغاء الظرف وإن أكد. والكوفيون يمنعونه، وهذا حجة عليهم، وقد يجيبون بأنا لا نسلم أن الظرف في هذه القراءة ملغى بل نجعله خبراً ل «أن» و «خالدان» خبر ثان، وهو محتمل لما قالوا إلا أن الظاهر خلافه. قال القرطبي: وهذه القراءة خلاف المرسوم. وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين﴾ أي: المشركين، كقوله: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

стр. 11641

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله﴾ في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد. وقيل: ذكر الغد تنبيهاً على أن الساعة قريبة؛ كقوله: [الطويل] ٤٧٥٤ - وإنَّ غَداً للنَّاظرينَ قريبُ ... وقال الحسن وقتادة: قرب الساعة حتى جعلت كغد؛ لأن كل آت قريب، والموت لا محالة آت. ومعنى «ما قدَّمتْ» أي: من خير أو شرّ. ونكر النفس لاستقلال النفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك، ونكر الغد، لتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: الغد لا يعرف كنهه لعظمه. وقرأ العامة بسكون لام الأمر في قوله: «ولتنظر» . وأبو حيوة ويحيى بن الحارث بكسرها على الأصل. والحسن: بكسرها ونصب الفعل، جعلها لام «كي» ، ويكون المعلل مقدّراً، أي: ولتنظر نفس حذركم وأعمالكم. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ تأكيد. وقيل: كرر لتغاير متعلق التقويين فمتعلق الأولى: أداء الفرائض لاقترانه بالعمل، والثانية: ترك المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد، قال معناه الزمخشري. ثم قال: ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . قال سعيد بن جبير: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما يكون منكم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ .

стр. 11642

العامة: على الخطاب، وأبو حيوة: على الغيبة، على الالتفات. ﴿نَسُواْ الله﴾ أي: تركوه ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أن يعملوا لها خيراً. قاله المقاتلان. وقيل: نسوا حق الله، فأنساهم حق أنفسهم. قاله سفيان. وقيل: «نسُوا اللَّه» بترك ذكره وتعظيمه «فأنساهم أنفسَهُمْ» بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضاً. حكاه ابن عيسى. وقيل: قال سهل بن عبد الله: «نَسُوا اللَّهَ» عند الذنوب «فَأنسَاهُم أنفُسهُمْ» عند التوبة. وقيل: «أنْسَاهُمْ أنفسَهُمْ» أي: أراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ، ﴿وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في «أنسَاهُمْ» إذ كان ذلك بسبب أمره ونهيه، كقولك: أحمدت الرجل إذا وجدته محموداً. وقيل: «نَسُوا اللَّهَ» في الرخاء «فأنَساهُمْ أنفُسُهمْ» في الشدائد. ﴿أولئك هُمُ الفاسقون﴾ . قال ابن جبير: العاصون. وقال ابن زيد: الكاذبون، وأصل الفِسْق الخروج، أي: الذين خرجوا عن طاعة الله. قوله تعالى: ﴿لَا يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة﴾ أي: في الفضل والرتبة، لما أرشد المؤمنين إلى ما هو مصلحتهم يوم القيامة، بقوله: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وهدّد الكافرين بقوله: ﴿كالذين نَسُواْ الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ بين بهذه الآية الفرق بين الفريقين. واعلم أن الفرق بينهما معلوم بالضرورة، وإنما ذكر الفرق في هذا الموضع للتنبيه على عظم ذلك الفرق، ثم [قال: ﴿أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون﴾ . وهذا كالتفسير لنفي تساويهما. و «هم» يجوز أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ، فعلى الأول: الإخبار بمفرد، وعلى الثاني: بجملة.

стр. 11643

ومعنى «الفَائِزُونَ» المقربون المكرمون. وقيل: الناجون من النار، ونظير هذه الآية قوله: ﴿لَاّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب﴾ [المائدة: ١٠٠] ، وقوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَاّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] ، وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار] ﴾ [ص: ٢٨] . فصل احتجّت المعتزلة بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة بهذه الآية، قالوا: لأن الآية دلت على أن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستويان، [فلو دخل صاحب الكبيرة الجنة لكان أصحاب الجنة وأصحاب النار يستويان] ، وهو غير جائز وجوابه معلوم. فصل في أن المسلم لا يقتل بالذمي دلت هذه الآية على أن المسلم لا يقتلُ بالذمي كما هو مذكور في كتب الفقه. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله﴾ . وهذا حثّ على تأمل مواعظ القرآن، وبيّن أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه، ورأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي: متشققة من خشية الله. والخاشع: الذَّليل. والمتصدّع: المتشقق. وقيل: «خاشعاً» لله بما كلفه من طاعته، «متصدعاً» من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه. وقيل: هو على وجه المثل للكفار. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ .

стр. 11644

أي: أنه لو أنزل القرآن على الجبل لخشع لوعده، وتصدع لوعيده، وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من وعيده. والغرض من هذا الكلام التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار وغلظ طباعهم، ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] . وقيل: الخطاب للنبي ﷺ َ أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له، فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبته لما لم يثبت عليه الجبال. وقيل: إنه خطاب للأمة، وأن الله - تعالى - لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدّعت من خشية الله، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتاً، فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على ردّه إن عصى؛ لأنه موعود بالثواب، ومزجُور بالعقاب. قوله: «خاشعاً» حال؛ لأن الرؤية بصرية. وقرأ طلحة: «مصّدعاً» بإدغام التاء في الصاد. قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الذي لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ . لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بشرح عظمة الله تعالى، فقال: ﴿هُوَ الله الذي لَا إله إِلَاّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة هُوَ الرحمن الرحيم﴾ . قال ابن عباس ﵄: معناه: عالم السر والعلانية. وقيل: ما كان وما يكون. وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا. وقيل: «الغيب» ما لم يعلمه العباد ولا عاينوه، و «الشَّهَادة» ما علموا وشهدوا. وقوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ . تقدم مثله. قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الذي لَا إله إِلَاّ هُوَ الملك القدوس﴾ . قرأ أبو دينار وأبو السمال: «القَدُّوس» بفتح القاف.

стр. 11645

[قال الحسن: هو الذي كثرت بركاته] . والعامة: بضمها، وهو المنزّه عن كل نقص، والطَّاهر عن كل عيبٍ. والقدَس - بالتحريك - السّطل بلغة أهل الحجاز، لأنه يتطهر منه. ومنه «القادوس» لواحد الأواني الذي يستخرج به الماء من البئر بالسانية. وكان سيبويه يقول: «قَدُّوس، وسبُّوح» بفتح أولهما. وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابياً فصيحاً يكنى أبا الدينار يقرأ: «القَدُّوس» بفتح القاف. قال ثعلب: كل اسم على «فَعُّول» فهو مفتوح الأول، مثل: سَفُّود، وكَلُّوب، وتَنُّور، وسَمُّور، وشَبُّوط، إلا السُّبُّوح والقُدُّوس، فإنَّ الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان، وكذلك: الذروح بالضم. قوله: «السَّلامُ» . أي: ذو السلامة من النقائص. قال ابن العربي: اتفق العلماء على أنّ قوله: «السَّلامُ» النسبة، تقديره: ذو السلامة، ثم اختلفوا في ترجمة النسبة. فقيل: معناه الذي سَلِمَ من كل عيب، وبَرِىءَ من كل نقص. وقيل: المسلم على عباده في الجنّة، كما قال: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . وقيل: معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. وهذا قول الخطابي. قال القرطبي: وعلى هذا والذي قبله يكون صفة فعل، وعلى الأول يكون صفة ذات. وقيل: معناه: المسلم لعباده. قوله: «المُؤمِنُ» . أي: الذي أمن أولياؤه عذابهُ، يقال: أمنه يؤمنه فهو مؤمن. وقيل: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقال مجاهد: المؤمن الذي وحَّد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] .

стр. 11646

وقرأ العامة: «المُؤمِن - بكسر الميم - اسم فاعل من آمن بمعنى أمن» . وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وقيل ابن القعقاع: بفتحها. فقال الزمخشري: بمعنى المؤمن به، على حذف حرف الجر، كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] المختارون. وقال أبو حاتم: لا يجوز ذلك، أي: هذه القراءة؛ لأنه لو كان كذلك لكان المؤمن به، وكان جائزاً، لكن المؤمن المطلق بلا حرف جر يكون من كان خائفاً فأمن، فقد ردّ ما قاله الزَّمخشري. فصل قال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار، وأول من يخرج من وافقه اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبقَ فيها من يوافق اسمه اسم نبي، قال الله تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين. قوله: ﴿المهيمن العزيز﴾ . قيل: معنى المهيمن «الشاهد» الذي لا يغيب عنه شيء. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومقاتل. قال الخليل وأبو عبيدة: هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فهو مُهَيْمِنٌ، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . وقال ابن الأنباري: «المُهَيْمِنُ» : القائم على خَلْقِه بقدرته. وأنشد: [الطويل] ٤٧٥٥ - ألَا إنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ ... مُهَيْمِنُهُ التَّاليهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ وقيل هو في الأصل: مُؤيمن فقلبت الهمزة هاء، كقوله: «أرَقْت وهرقت» ومعناه: المؤمن. نقله البغوي. وتقدم الكلام على «العَزِيز» .

стр. 11647

قوله: «الجبَّارُ» . استدل به من يقول: إن أمثلة المبالغة تأتي من المزيد على الثلاثة، فإنه من «أجبره على كذا» ، أي قهره. قال الفرَّاء: ولم أسمع «فعّالاً» من «أفعل» إلا في «جبَّار ودرَّاك» من أدرك انتهى واستدرك عليه: أسأر، فهو سَئّار. وقيل: هو من الجبر، وهو الإصلاح. وقيل: هو من قولهم: نخلة جبَّارة إذا لم ينلْها الجُناة. قال امرؤ القيس: [الطويل] ٤٧٥٦ - سَوَامِقَ جَبَّارٍ أثيثٍ فُرُوعُهُ ... وعَالَيْنَ قِنْوَاناً من البُسْرِ أحْمَرا يعني النَّخْل التي فاتت اليد. قال ابن الخطيب: فيه وجوه: أحدها: أنه «فعّال» من جبر، إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير. قال الأزهري: «هو لعمري جابرٌ لكل كسيرٍ وفقير، وهو جابر دينه الذي ارتضاه» . قال العجاج ﵀: [الرجز] ٤٧٥٧ - قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرْ ... الثاني: أن يكون من جبره إذا أكرهه على ما أراده. قال السديُّ: إنه هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراده. قال الأزهري: «هي لغة» تميم «، وكثير من الحجازيين يقولونها» . وكان الشافعي ﵀ يقول: جبره السلطان على كذا، بغير ألف. الثالث: قال ابن عباس ﵄: الجبَّار هو الملك العظيم. وقيل: الجبار الذي لا تُطاق سطوته. قال الواحدي: هذا الذي ذكرنا من معاني الجبار في صفة الله تعالى، وأما معاني الجبار في صفة الخلق فلها معان:

стр. 11648

أحدها: المُسَلَّط، كقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] . الثاني: العظيم الجسم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] . والثالث: المتمرّد عن عبادة الله كقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً﴾ [مريم: ٣٢] . الرابع: القتال كقوله: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وقوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَاّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض﴾ [القصص: ١٩] . قوله: ﴿المتكبر﴾ . قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله. وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدوث والذم. وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلّة الانقياد. قال حميد بن ثور: [الطويل] ٤٧٥٨ - عَفَتْ مِثْلَ مَا يَعْفُو الفَصِيلُ فأصْبَحَتْ ... بِهَا كِبْرِيَاءُ الصَّعْبِ وهي ذَلُولُ قال الزجَّاج: وهو الذي تعظَّم عن ظلم عباده. وقال ابن الأنباري: «المتكبر» ذو الكبرياء. والكبرياء عند العرب الملك، قال تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض﴾ [يونس: ٧٨] واعلم أن المتكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. قال ﵊ ُ - يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته ثم قذفته في النار» . وقيل: المتكبر معناه العالي. وقيل: الكبير، لأنه أجل من أن يتكلف كبراً. وقد يقال: تظلّم بمعنى ظلم، وتشتّم بمعنى شتم، واستقر بمعنى قرّ، كذلك المتكبر بمعنى الكبير، وليس كما يوصف به المخلوق إذا وصف ب «تفعل» إذا نسب إلى ما لم يكن منه، ثم نزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . كأنه قال: إن المخلوقين قد يتكبرون، ويدّعون مشاركة الله في هذا الوصف،

стр. 11649

لكنه سبحانه منزَّهٌ عن التكبر الذي هو حاصل للخلق؛ لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، وأما الله فله العلو والعزّ، فإذا أظهره كان ذلك ضمَّ كمال إلى كمال، فسبُحانَ اللَّهِ عمَّا يشركُون في إثبات صفة المتكبريَّة للخلق. قوله: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء﴾ . «الخَالقُ» هنا المقدر، و «البَارِىءُ» المنشىء المخترع، وقدم ذكر الخالق على البارىء؛ لأن الإرادة مقدمة على تأثير القدرة. قوله: «المُصَوِّرُ» . العامة: على كسر الواو ورفع الراء، إما صفة وإما خبر. وقرأ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ والحسن بن السميفع، وحاطب بن أبي بلتعة: بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجها على أن يكون منصوباً ب «البَارِىءُ» . و «المصوَّر» هو الإنسان إما آدم، وإما هو وبنوه. وعلى هذه القراءة يحرم الوقفُ على المصور، بل يجب الوصل ليظهر النَّصب في الراء، وإلا فقد يتوهم منه في الوقف ما لا يجوز. وروي عن أمير المؤمنين أيضاً: فتح الواو وجرّ الراء، وهي كالأولى في المعنى إلا أنه أضاف اسم الفاعل لمعموله مخففاً نحو: «الضارب الرجل» . والوقف على «المصوّر» في هذه القراءة أيضاً حرام، وقد نبَّه عليه بعضهم. وقال مكي: «ويجوز نصبه في الكلام، ولا بد من فتح الواو فتنصبه ب» البارىء «، أي: هو الله الخالق المصور، يعني: آدم ﵊ ُ - وبنيه» . انتهى. وكأنه لم يطلع على هذه القراءة. وقال أيضاً: «ولا يجوز نصبه مع كسر الواو، ويروى عن علي ﵁» . يعني أنه إذا كسرت الواو، وكان من صفات الله تعالى، وحينئذ لا يستقيم نصبه عنده؛ لأن نصبه باسم الفاعل قبله. وقوله: «ويروى» أي: كسر الواو ونصب الراء، وإذا صح هذا عن أمير المؤمنين،

стр. 11650

فيتخرج على أنه من القطع، كأنه قال: أمدح المصور، كقولهم: «الحَمْدُ للَّه أهل الحمد» بنصب أهل؛ وقراءة من قرأ: ﴿اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾ بنصب «رب» . قال مكي: و «المصور» مُفَعِّل «من» صَوّر يُصَوّر «، ولا يحسن أن يكون من» صار يصير «، لأنه يلزم منه أن يقال: المصير، بالياء» . وقيل: هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضاً. وقدم «البارىء» على «المصور» لأن إيجاد الذوات مقدّم على إيجاد الصفات، فالتصوير مرتب على الخلق والبراية وتابع لهما، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل، وخلق الله الإنسان في بطن أمه ثلاثَ خلق، جعله علقة ثم مضغة ثم جعله صورة، وهو التشكيل الذي يكون به ذا صورة يعرف بها ويتميز عن غيره، فتبارك الله أحسنُ الخالقين. قوله: ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ تقدم نظيره. روى أبو هريرة ﵁: قال: «سألت خليلي أبا القاسم رسول الله ﷺ َ عن اسم الله الأعظم، فقال:» عليْكَ بأواخر سُورةِ الحَشْرِ، فأكثر قراءتهَا «فأعَدْتُ عليْهِ فأعَادَ عليَّ» . وقال جابر بن زيدٍ: إنَّ اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية. وعن أنس أن رسول الله ﷺ َ قال: «مَنَ قَرَأ سُورَة الحَشْرِ غُفِرَ الله لَهُ ما تقدَّمَ من ذَنبه ومَا تأخَّر» . وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنَ قَرَأ خَواتِيمَ سُورة الحَشْرِ في لَيلٍ أو نهارٍ، فقبضهُ اللَّهُ في تلْكَ اللَّيلةِ أو ذلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الجنَّة» .

стр. 11651

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الممتحنة مدنية، وتسمى " الممتحنة " - بكسر الحاء - أي: المختبرة، وأضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة " براءة " المبعثرة والفاضحة والكاشفة لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال " بفتح الحاء " فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال تعالى: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ [الممتحنة: ١٠] .

стр. 11652

وهي ثلاث عشرة آية، وثلاث مائة وثمان وأربعون كلمة، وألف وخمسمائة وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية. وجه تعلق أول هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أن آخر تلك السورة تشتمل على الصفات الجميلة [اللائقة بحضرة الله - تعالى - من الوحدانية وغيرها] ، وأول هذه السورة يشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات. قوله: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ . هذان مفعولا الاتخاذ.

стр. 11653

و «العَدو» لما كان بزنةِ المصادر وقع على الواحد فما فوق. وأضاف العدو لنفسه تغليظاً في جرمهم. روى مسلم عن علي ﵁ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ َ أنا والزبير والمقداد، فقال:» ائْتُوا روضة «خَاخٍ» فإنَّ بِهَا ظعينةً معها كتابٌ فخذُوهُ مِنْهَا «فانطلقنا تُعادي بنا خيلنَا، فإذا نحن بالمرأة، وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ولدت إبراهيم بن عبد الرحمن، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتُخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ َ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل» مكة «يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ َ فقال رسول الله ﷺ َ: يا حاطب ما هذا؟ فقال: لا تَعْجَلْ عليَّ يا رسول الله، إني كنت أمرأً ملصقاً في قريش - قال سفيان: يقول: كنت حليفاً - ولم أكن من أنفسها، وكان ممن معك من المهاجرين من له قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسَب أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال رسول الله ﷺ َ:» أمَا إنَّهُ قَدْ صَدقَكُمْ «، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنَّهُ شهد بَدْراً، ومَا يُدْريك لعلَّ اللَّه اطلع على مَنْ شَهِدَ بَدْراً، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ . قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش، وكان في الكتاب: «أما بعد، فإن رسول الله ﷺ َ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له وعده فيكم، فإن الله وليه وناصره» . وقيل: «إن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت [المدينة من مكة ورسول الله] يتجهز لفتح مكة. قيل: كان هذا زمن الحديبية، فقال لها رسول

стр. 11654

الله ﷺ َ أمهاجرةً جئت يا سارة؟ قالت: لا، قال: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهبت الموالي - تعني قُتِلُوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال ﵊ ُ: فأيْنَ أنت عَن شَبابِ أهْلِ مكَّة؟ - وكانت مغنيةً نائحةً قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدرٍ، فحث رسول الله ﷺ َ بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، وقال: أعطيك عشرة دنانير، وبُرداً على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل» مكَّة «، وكتب في الكتاب: إن رسول الله ﷺ َ يريدكم، فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل جبريل ﵇ فأخبر النبي ﷺ َ بذلك، فبعث عليّاً والزبير والمقداد وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية: عليّاً وعمار بن ياسر، وفي رواية: عليّاً وعماراً وعمراً والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرساناً، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة» خاخ «، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها، فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا: أين الكتاب؟ فحلفت باللَّه ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذَّبنا وسلَّ سيفه، وقال أخرجي الكتاب وإلا والله لأجرّدنّكِ ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها قد خبأته في شعرها - وفي رواية في حُجزتِهَا - فخلُّوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ َ فأرسل إلى حاطب، فقال: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، وذكر الحديث» فصل في النهي عن موالاة الكفار هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكُفَّار، وقد تقدم نظيره، كقوله: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ [المائدة: ٥١] . روي أن حاطباً لما سمع ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ غشي من الفرح بخطاب الإيمان. قوله: «تُلقُون» . فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه تفسير لموالاتهم إياها. الثاني: أنه استئناف إخبار بذلك، فلا يكون للجملة على هذين الوجهين محلّ من الإعراب.

стр. 11655

الثالث: أنها حال من فاعل «تتَّخذُوا» أي: لا تتخذوا ملقين المودّة. الرابع: أنها صفة لأولياء. قال الزمخشري: «فإن قلت: إذا جعلته صفة وقد جرى على غير من هو له، فأين الضمير البارز، وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟ . قلت: ذاك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال ولو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف لما كان بُدّ من الضمير البارز» . وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة، وفيها كلام مكي وغيره. إلا أن أبا حيّان اعترض على كونها صفة أو حالاً، بأنهم نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ [المائدة: ٥١] ، والتقييد بالحال والوصف يوهم جواز اتخاذهم أولياء إذا انتفى الحال أو الوصف. قال شهاب الدين: «ولا يلزم ما قال، لأنه معلوم من القواعد الشرعية، فلا مفهوم لها ألبتة» . وقال الفرَّاء: «تلقون» من صلة «أولياء» . وهذا على أصولهم من أن النكرة توصل لغيرها من الموصولات. قوله: «بِالمَودَّةِ» . في الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أن الباء مزيدة في المفعول به، كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] . والثاني: أنها غير مزيدة، والمفعول محذوف، ويكون معنى الباء: السببية، كأنه قيل: تلقون إليهم أسرار رسول الله ﷺ َ وأخباره بسبب المودة التي بينكم وبينهم. قاله الزجاج. الثالث: أنها متعلقةٌ بالمصدر الدال عليه «تلقون» أي: إلقاؤهم بالمودة. نقله الحوفي عن البصريين [وجعل القول بزيادة الباء قول الكوفيين. إلا أنَّ هذا الذي نقله عن البصريين] لا يوافق أصولهم، إذ يلزم منه حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز عندهم، وأيضاً فإن فيه حذف الجملة برأسها، فإن «إلقاءهم» مبتدأ، و «بالمَودَّةِ» متعلق به، والخبر أيضاً محذوف، وهذا إجحاف.

стр. 11656

فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: في الآية مباحث. الأول: اتخاذ العدو أولياء، كيف يمكن، والعداوة منافية للمحبة؟ . والجواب: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] . وقال ﵊ ُ: «أوْلادُنَا أكْبَادُنَا» الثاني: لم قال: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولم يقل بالعكس؟ . والجواب: أنَّ العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبّة الله ومحبَّة رسوله ﵊ ُ - فتكون محبة العبد من أصل الإيمان بحضرة الله تعالى لعلةٍ، ومحبة حضرة الله - تعالى - للعبد لا لعلة، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة؛ ولأن الشيء إذا كانت له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الأدنى. الثالث: قال: «أولياء» ، ولم يقل: ولي العدو أو العدو معرفاً؟ . فالجواب: أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة. فصل قال القرطبي: قوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ يعني بالظَّاهر، لأن قلب حاطب كان سليماً بدليل أن النبي ﷺ َ قال لهم: «أمَّا صَاحبُكمْ فقدْ صَدَقَ» ، وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده، وخلوص اعتقاده. فصل فيمن تطلع على عورات المسلمين قال القرطبي: من كثر تطلّعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله ذلك لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الردة عن الدين. وإذا قيل: بأنه لا يكون كافراً بذلك فهل يقتل حدًّا أم لا؟ فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد الحاكم الإمام في ذلك.

стр. 11657

وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قُتِلَ لأنه جاسوس، وقد قال مالك: يقتل الجاسوس لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، ولعل ابن الماجشون إنما أخذ التكرار في هذا؛ لأن حاطباً أخذ في أول فعله، فإن كان الجاسوس كافراً، فقال الأوزاعي: يكون نقضاً لعهده، وقال: الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقد روي عن عليٍّ بن أبي طالبٍ ﵁ «أن النبي ﷺ َ أتي بعين للمشركين اسمه: فُرات بن حيَّان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ فأمر به النبي ﷺ َ فخلي سبيله، ثم قال:» إنَّ مِنكُمْ من أكِلُهُ إلى إيمانِهِ، مِنْهُمْ فُراتُ بنُ حيَّانَ « قوله:» وقَدْ كَفرُوا «. فيه أوجه: أحدها: الاستئناف. الثاني: حال من فاعل» تتخذوا «. الثالث: حال من فاعل» تلقون «، أي: لا تتولَّوهم أو لا توادوهم وهذه حالهم. وقرأ العامة:» بما «- بالباء -، والجحدري وعاصم في رواية:» لما «- باللام - أي: لأجل ما جاءكم من الحق، فعلى هذا الشيء المكفور به غير مذكور، وتقديره: كفروا بالله ورسوله. قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ . يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون تفسيراً لكفرهم، فلا محلَّ لها على هذين، وأن يكون حالاً من فاعل» كَفَرُوا «. قوله:» وإيَّاكُمْ «. عطف على» الرَّسُول «وقدّم عليهم تشريفاً له. وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز أن يقال: يخرجونكم والرسول، فيجوز: يخرجون إياكم والرسول في غير القرآن. وهو ضعيف، لأن حالة تقديم الرسول دلالة على شرفه، لا نسلم أنه يقدر على اتصاله. وقد تقدم الكلام على هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتقوا الله﴾ في سورة النساء [١٣١] .

стр. 11658

قوله: ﴿أَن تُؤْمِنُواْ﴾ مفعول له، وناصبة» يخرجون «أي: يخرجونكم لإيمانكم أو كراهة إيمانكم. فصل قال القرطبي: ﴿أن تؤمنوا بالله﴾ تعليل ل» يخرجون «والمعنى: يخرجون الرسول، ويخرجونكم من» مكة «لأن تؤمنوا بالله، أي: لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي ﷺ َ. وقيل: إن الكلام فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي، وابتغاء مرضاتي [فلا تلقوا إليهم بالمودة. وقيل: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ ] شرط وجوابه مقدم، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي فلا تتَّخذوا عدوي وعدوكم أولياء. قال أبو حيان: ﴿إِن كُنتُم خَرَجْتُمْ﴾ جوابه محذوف عند الجمهور لتقدم «لا تتخذوا» وتقدم، وهو «لا تتخذوا» عند الكوفيين ومن تابعهم. قال الزمخشري: و ﴿إن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ متعلق ب «لا تتخذوا» يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، وقول النحويين في مثله: هو جواب شرط، جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه انتهى. يريد: أنه متعلق به من حيث المعنى، وأما من حيث الإعراب، فكما قال جمهور النحويين. قوله: ﴿جِهَاداً فِي سَبِيلِي﴾ ﴿وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ يجوز أن ينتصبا على المفعول له، أي: خرجتم لأجل هذين، أو على المصدر بفعل مقدر أي: تجاهدون وتبتغون، أو على أنهما في موضع الحال. قوله: «تُسِرُّونَ» . يجوز أن يكون مستأنفاً، ولم يذكر الزمخشري غيره.

стр. 11659

ويجوز أن يكون حالاً ثانية مما انتصب عنه «تلقون» حالاً. ويجوز أن يكون بدلاً من «تلقون» . قاله ابن عطية. والأشبه أن يكون بدل اشتمال، لأن إلقاء المودة يكون سرًّا وجهراً، فأبدل منه هذا للبيان بأيّ نوع وقع الإلقاء. قال القرطبي: «تُسِرُّونَ» بدل من «تُلْقُونَ» ومبين عنه، والأفعال تبدل من الأفعال كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] . وأنشد سيبويه: [الطويل] ٤٧٥٩ - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَضرَّمَا ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: أنتم تسرون. قاله ابن عطية. ولا يخرج عن معنى الاستئناف. وقال أبو البقاء: «هو توكيد ل» تلقون «بتكرير معناه» . قال شهاب الدين: «وفيه نظر، لأن الإلقاء أعم من أن يكون سرًّا وجهراً» . وتقدم الكلام على الباء في قوله: «بالمودَّة» . قوله: ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ﴾ . هذه الجملة حال من فاعل «تُسِرُّونَ» ، أي: وأيُّ طائلٍ لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإسرار والإعلان سيان في علمي. و «أعْلَمُ» ، يجوز أن يكون أفعل تفضيل، وهو الظاهر، أي: أنا أعلم من كل أحد بما يخفون، وما يعلنون. وأن يكون فعلاً مضارعاً. قاله ابن عطية، وعُدِّي بالباء، لأنك تقول: علمت بكذا، وعلمت كذا فتكون زائدة. وقيل: وأنا أعلم من كل أحد كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره.

стр. 11660

[فإن قيل: لم قدم العلم بالإخفاء على العلم بالإعلان مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس؟ . فالجواب هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه - تعالى - إذ هما سيّان في علمه تعالى؛ لأن المقصود بيان ما هو الإخفاء، وهو الكفر، فيكون مقدماً. فإن قيل: لم لم يقل: بما أسررتم، ثم وما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق في قوله: «تُسِرُّونَ؟» فالجواب: أن فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإنَّ الإخفاء أبلغ من الإسرار بدليل قوله: ﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] ، أي: أخفى من السِّر] . فصل في معاتبة حاطب قال القرطبي: وهذا كله معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته، ونصيحته للرسول ﷺ َ وصدق إيمانه؛ فإن المعاتبة لا تكون إلا من محبٍّ لحبيب؛ كما قال: [الوافر] ٤٧٦٠ - إذَا ذَهَبَ العِتَابُ فليْسَ وُدٌّ ... ويَبْقَى الودُّ مَا بَقِيَ العِتَابُ فصل في المراد بالمودة والمراد بالمودّة في الآية النصيحة. قال ابن عباس ﵄: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد. ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي: من يسر إليهم ويكاتبهم ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ أي: أخطأ طريق الهدى. قوله: «ومَن يفعلهُ» . في الضمير وجهان: أظهرهما: أنه يعود على الإسرار؛ لأنه أقرب مذكور. والثاني: يعود على الاتِّخاذ. قاله ابن عطية. قوله: ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ . يجوز أن يكون منصوباً على الظرف، إن قلنا: ضلَّ قاصر. وأن يكون مفعولاً به، إن قلنا: هو متعد.
следующие страницы →