← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

وقال الربيع: السائل هنا أبو جهلٍ وهو القائل ذلك. وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل: هو نوح ﵊ ُ - سأل العذاب على الكافرين. وقيل: هو رسول الله ﷺ َ دعا عليهم بالعقاب، وطلب أن يوقعه بالكفار، وهو واقع بهم لا محالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج: ٥] ، أي: لا تستعجل فإنه قريب، وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره الله بالصبر الجميلِ. وقال قتادة: الباءُ بمعنى «عَنْ» ، فكأن سائلاً سأل عن العذاب بمن وقع، أو متى يقع، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ، أي: فاسأل عنه، وقال علقمةُ: [الطويل] ٤٨٥٨ - فإن تَسْألُونِي بالنِّسَاءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... أي: عن النِّساء، فالمعنى: سلوني بمن وقع العذاب، ولمن يكون، فقال الله تعالى: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ وقال أبو عليّ وغيره: وإذا كان من السؤال، فأصله أن يتعدَّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما وإذا اقتصر على أحدهما، جاز أن يتعدى إليه بحرف الجر، فيكون التقدير: سأل سائل النبي ﷺ َ أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب. قوله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «سأل» مضمناً معنى «دعا» كما تقدم، أي: دعا لهم بعذاب واقع. الثاني: أن يتعلق ب «واقع» واللام للعلة، أي نازل لأجلهم. الثالث: أن يتعلق بمحذوف، صفة ثانية ل «عذاب» أي كائن للكافرين. الرابع: أن يكون جواباً للسائل، فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو للكافرين. الخامس: أن تكون «اللام» بمعنى «على» ، أي: واقع على الكافرين. ويؤيده قراءة أبيّ: «على الكافرين» ، وعلى هذا فهي متعلقة ب «واقع» لا على الوجه الذي تقدم قبله. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بِمَ يتصل قوله: «للكافرين» ؟ . قلت: هو على القول الأول متصل ب «عذاب» صفة له أي بعذاب واقع كائن

стр. 12042

للكافرين، أو بالفعل أي دعا للكافرين بعذاب واقع أو بواقع، أي: بعذاب نازل لأجلهم. وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين انتهى. قال أبو حيَّان: وقال الزمخشري: أو بالفعل، أي: دعا للكافرين، ثم قال: وعلى الثاني، وهو ثاني ما ذكر في توجيهه للكافرين، قال: هو كلام مبتدأ، وقع جواباً للسائل، أي: هو للكافرين، وكان قد قرر أن «سأل» في معنى «دعا» فعدي تعديته، كأنه قال: دعا داعٍ بعذاب، من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] انتهى، فعلى ما قرره، أنه متعلق ب «دَعَا» يعني «بسأل» ، فكيف يكون كلاماً مبتدأ جواباً للسائل، أي: هو للكافرين، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: وقد غلط أبو حيان في فهمه عن أبي القاسم قوله: وعلى الثاني إلى آخره، فمن ثم جاء التخليط الذي ذكره الزمخشريُّ، إنما عنى بالثاني قوله عن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع، فنزلت، و «سأل» على هذا الوجه مضمن معنى «عني واهتم» ، فهذا هو الوجه الثاني المقابل للوجه الأول، وهو أن «سأل» يتضمن معنى «دَعَا» ، ولا أدري كيف تخبط حتى وقع، ونسب الزمخشري إلى الغلط، وأنه أخذ قول قتادة والحسن وأفسده، والترتيب الذي رتّبه الزمخشري، في تعلق «اللام» من أحسن ما يكون صناعة ومعنى. قال القرطبي: وقال الحسن: أنزل اللَّهُ تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ، وقال: لمن هو؟ فقال: «للكافرين» ، فاللام في «لِلكَافِريْنَ» متعلقة ب «واقع» . وقال الفرَّاءُ: التقدير: بعذابٍ للكافرين واقع، فالواقع من نعت العذاب، فاللام دخلت للعذاب لا للواقع. أي: هذا العذاب للكافرين في الآخرة، لا يدفعه عنهم أحدٌ. وقيل: إن اللام بمعنى «على» أي: واقع على الكافرين كما في قراءة أبَيِّ المتقدمة. وقيل: بمعنى «عَنْ» أي: ليس له دافع عن الكافرين. قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ . يجوز أن يكون نعتاً آخر ل «عذاب» ، وأن يكون مستأنفاً، والأول أظهر. وأن يكون حالاً من «عَذاب» لتخصصه، إما بالعمل وإما بالصفة، وأن يكون حالاً من الضمير في «للكافرين» إن جعلناه نعتاً ل «عَذاب» .

стр. 12043

قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ يجوز أن يتعلق ب «دَافِعٌ» بمعنى ليس له دافع من جهته، إذا جاء وقته، وأن يتعلق ب «واقع» ، وبه بدأ الزمخشري، أي: واقع من عنده. وقال أبو البقاء: ولم يمنع النفي من ذلك؛ لأن «لَيْسَ» فعل. كأنه استشعر أن ما قبل النفي لا يعمل فيما بعده. وأجاب: بأنَّ النفي لما كان فعلاً ساغ ذلك. قال أبو حيَّان: والأجود أن يكون «مِنَ اللَّهِ» متعلقاً ب «وَاقع» ، و ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ جملة اعتراض بين العامل ومعموله. انتهى. وهذا إنما يأتي على البدل، بأنَّ الجملة مستأنفةٌ، لا صفة ل «عذاب» ، وهو غير الظاهر كما تقدم لأخذ الكلام بعضه بحجزة بعض. قوله: «ذي» صفة لله، ومعنى: «ذِي المَعارِج» ، أي: ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم؛ لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة، قاله ابن عباس وقتادة. «فالمعارج» ، مراتبُ إنعامه على الخلق. وقيل: ذي العظمة والعلو. وقال مجاهدٌ: هي معارج السماءِ. وقيل: هي السموات. قال ابن عباس: أي: ذي السموات، سمَّاها معارج الملائكةِ، لأن الملائكةَ تعرج إلى السماءِ، فوصف نفسه بذلك. وقيل: «المعارج» الغرف، أي: أنه ذو الغرف، أي: جعل لأوليائه في الجنة غرفاً. وقرأ عبد الله: «ذِي المعاريج» بالياء. يقال: معرج، ومعراج، ومعارج، ومعاريج مثل مفتاح ومفاتيح. والمعارج: الدرجات ومنه: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وتقدم الكلام على المعارج في «الزخرف» . قوله: ﴿تَعْرُجُ﴾ . العامة: بالتاء من فوق. وقرأ ابن مسعود، وأصحابه، والسلمي، والكسائي: بالياء من تحت.

стр. 12044

وهما كقراءتي: «فَنَادَاهُ المَلائِكَةُ ونَادَتْهُ» [آل عمران: ٣٩] ، «تَوَفَّاهُ وَتَوَفَّتْهُ» [الأنعام: ٦١] . وأدغم أبو عمرو: الجيم في التاء. واستضعفها بعضهم من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. وأجيب عن ذلك بأنها قريبة من الشين؛ لأن النقص الذي في الشين يقرِّبها من مخرج التاء، والجيم تدغم في الشين لما بينهما من التقارب، في المخرج والصفة، كما تقدم في ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] فحُمِلَ الإدغام في التاء، على الإدغام في الشين، لما بين الشين والتاء من التقارب. وأجيب أيضاً: بأنَّ الإدغام يكون لمجرد الصفات، وإنْ لم يتقاربا في المخرج، والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح والشّدة. والجملة من «تعرج» مستأنفة. قوله: «والرُّوحُ» من باب عطف الخاص على العام، إن أريد بالروح جبريل، أو ملك آخر من جنسهم، وأخر هنا وقدم في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: ٣٨] ؛ لأن المقامَ هنا يقتضي تقدم الجمع على الواحد، من حيثُ إنه مقامُ تخويفٍ، وتهويل. فصل في تحرير معنى الآية ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ﴾ ، أي: تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم. قال ابن عبَّاسِ: الروح: جبريلُ ﵇ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] . وقيل: هو ملكٌ آخر، عظيمُ الخلقةِ. وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله، كهيئة الناس وليس بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين تقبض. قوله: «إليه» ، أي: إلى المكان الذي هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنه محلُّ برِّه وكرامته وقيل: هو كقول إبراهيم ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] ، أي: إلى الموضع الذي أمرني به. وقيل: «إليه» إلى عرشه. قال شهاب الدين: الضمير في «إليْهِ» ، الظاهر عوده على الله تعالى. وقيل: يعود على المكان لدلالة الحال والسياق عليه.

стр. 12045

قوله: «في يوم» ، فيه وجهان: أظهرهما: تعلقه ب «تَعْرجُ» . والثاني: أنه يتعلق ب «دافع» . وعلى هذا فالجملة من قوله: «تعرجُ الملائكةُ» معترضة، و «كَانَ مقداره» صفةٌ ل «يوم» . قال ابن الخطيب: الأكثرون على أنَّ قوله: «فِي يَوْمٍ» صلة قوله: «تَعْرُجُ» ، أي: يحصل العروج في مثل هذا اليوم. وقال مقاتل: بل هذا من صلة قوله: «بعَذابٍ واقع» [وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع] ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وعلى التقدير الأول، فذلك اليوم، إما أن يكون في الآخرة، أو في الدنيا. وعلى تقدير أن يكون في الآخرة، فذلك الطول إما أن يكون واقعاً، وإما أن يكون مقدراً، فإن كان معنى الآية: إن ذلك العُروجَ يقع في يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنةٍ، وهو يوم القيامة، وهذا قول الحسن، قال: وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط؛ إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية، ولنفيت الجنة والنار عند انتهاء تلك الغاية، وهذا غير جائز، بل المراد: أن موقفهم للحساب حين يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدُّنيا بعد ذلك يستقر أهل النار في النار، نعوذ بالله منها. فصل في الاحتجاج لهذا القول قال القرطبي: واستدل النحاس على صحة هذا القول بما روي عن النبي ﷺ َ أنه قال: «مَا مِنْ رجُلٍ لَمْ يُؤدِّ زكَاةَ مالِه إلَاّ جعلَ لَهُ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ تُكْوَى بِهِ جبْهَتُهُ وظَهْرُهُ وجَنْبَاهُ يَوْمَ القِيامَةِ في يَوْمٍ كَانَ مقْدارهُ خَمْسينَ ألْفَ سَنةٍ حتَّى يقْضِيَ الله بَيْنَ النَّاسِ» وهذا يدل على أنه يوم القيامةِ. وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا ما قدر ما بين ظهر يومنا وعصره. وروي هذا المعنى مرفوعاً عن النبي ﷺ َ أنه قال: «يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين» ولذلك سمى نفسه ﴿سَرِيعُ الحساب﴾ [المائدة: ٤٠] ، و ﴿أَسْرَعُ الحاسبين﴾ [

стр. 12046

الأنعام: ٦٢] ، وإنما خاطبهم على قدر فهم الخلائقِ، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن، وكما يرزقهم في ساعة يحاسبهم في لحظة، قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . والمعنى: لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله، لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة. قال البغوي: هذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل. قال عطاء: ويفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. واعلم أنَّ هذا الطول، إنَّما يكون في حق الكافرِ، وأما في حق المؤمن فلا، لما روى أبو سعيد الخدري أنه قال: «قِيْلَ لرسول الله ﷺ َ: ما أطولَ هذا اليوم؟ فقال:» والذي نَفْسي بِيَدهِ إنَّهُ ليَخِفُّ على المؤمنِ حتَّى إنَّهُ يكُونُ أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلِّيهَا في الدُّنْيَا «» . وقال بعضهم: إنَّ ذلك، وإن طال، فيكون سبباً لمزيد السرورِ والراحة لأهل الجنة، ويكون سبباً لمزيد الحزنِ والغمِّ لأهل النار. وأجيب: بأنَّ الآخرة دارُ جزاءٍ، فلا بد وأن يحصل للمثابين ثوابهم، ودارُ الثوابِ هي الجنةُ لا الموقف، فإذاً لا بد من تخصيص طول الموقف بالكفار. وقيل: هذه المدة على سبيل التقدير لا على التحقيق، أي: تعرج الملائكةُ في ساعة قليلة، هذه المدة على سبيل التقدير على على التحقيق , أي: تعرج الملائكُة ساعة قليلة , لو أراد أهل الدنيا العروج إليها كان مقدار مدَّتهم خمسين ألف سنةٍ. وعن مجاهد والحسن وعكرمة: هي مدة إقامة عمر الدنيا من أول ما خلقت إلى آخر ما بقي خمسون ألف سنةٍ، وهو قول أبي مسلمٍ. فإن قيل: كيف الجمعُ بين هذه، وبين قوله في سورة «السَّجدة» : ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] وقد قال ابن عباس: هي أيام سمَّاها الله تعالى هو أعلم بها، وأنا أكره أن أقول فيها ما لا أعلم؟ .

стр. 12047

فالجوابُ: يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنةٍ، ومن أعلى سماءِ الدنيا إلى الأرض ألف سنةٍ؛ لأن عرض كل سماءٍ خمسمائة، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله: ﴿في يَوْمٍ﴾ يريد: في يوم من أيام الدنيا، وهو مقدار ألف سنةٍ لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار خمسين ألف سنةٍ لو صعدوا إلى أعلى العرش. قوله : ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ قال ابن الخطيب: هذا متعلق ب «سألَ سَائلٌ» ؛ لأن استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاءِ برسول الله ﷺ َ والتعنُّت فأمر بالصبر. ومن قَرَأ: «سَالَ سَائِل» ، وسيل فالمعنى جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر على أذى قومك، والصَّبرُ الجميلُ هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله. وقيل: أن يكون صاحب مصيبة في القوم لا يدرى من هو. قال ابنُ زيدٍ والكلبيُّ: هذه الآيةُ منسوخة بالأمر بالقتال. قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ . الضميرُ في «إنَّهُمْ» لأهل «مكة» ، وفي «يَرونَهُم، ونَرَاه» لليوم إن أريد به يوم القيامة. قال القرطبيُّ: أي: نعلمه؛ لأن الرؤية إنما تتعلقُ بالموجودِ، كقولك: الشافعي يرى في هذه المسألةِ كذا. وقال الأعمشُ: يرون البَعْثَ بعيداً؛ لأنهم لا يؤمنون به، كأنهم يستبعدونه على جهة الإحالة كمن يقول لمن يناظره: هذا بعيدٌ لا يكون. وقيل: الضمير يعودُ إلى العذاب بالنار، أي: غير كائن، «ونراه قريباً» لأن ما هو آت، فهو قريب. قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾ ، فيه أوجه:

стр. 12048

أحدها: أنه متعلق ب «قريباً» وهذا إذا كان الضمير في «نراه» للعذاب ظاهراً. الثاني: أنه يتعلق بمحذوف يدل عليه «واقع» ، أي: يقع يوم يكون. الثالث: أنه يتعلق بمحذوفٍ مقدر بعده، أي: يوم يكون كان وكيت وكيت. الرابع: أنه بدل من الضمير في «نَرَاهُ» إذا كان عائداً على يومِ القيامةِ. الخامس: أنَّه بدل عن «فِي يَوْمٍ» ، فيمن علقه ب «واقع» . قاله الزمخشري. وإنَّما قال: فيمن علقه «بِواقعٍ» لأنه إذا علق ب «تَعْرُجُ» في أحد الوجهين استحال أن يبدل عنه هذا لأن عروج الملائكة ليس هو في هذا اليوم الذي تكون السماء كالمُهْلِ، والجبال كالعِهْنِ، ويشغل كل حميمٍ عن حميمه. قال أبو حيان: «ولا يجوز هذا» يعني: إبداله من «في يوم» قال: لأن «فِي يَوْمٍ» وإن كان في موضع نصبٍ لا يبدل منه منصوب؛ لأن مثل هذا ليس بزائد، ولا محكوم له بحكم الزائد، ك «رُّبَّ» وإنما يجوز مراعاة الموضع في حرف الجر الزائد؛ كقوله: [الكامل] ٤٨٥٩ - أبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمَا بِيدٍ ... إلَاّ يَداً ليْسَتْ لَهَا عَضُدُ ولذلك لا يجوز «مررتُ بزيد الخياط» على موضع «بزيد» ولا «مررتُ بزيد وعمراً» ، ولا «غضب على زيد وجعفراً» ولا «مررت بزيد وأخاك» على مراعاة الموضع. قال شهاب الدين: قد تقدم أن قراءة ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] من هذا الباب فمن نصب الأرجل فليكن هذا مثله. ثم قال أبو حيَّان: فإن قلت: الحركة في «يوم» تكون حركة بناء لا حركة إعرابٍ، فهو مجرور مثل «فِي يَوْمٍ» . قلتُ: لا يجوز بناؤه على مذهب البصريين؛ لأنه أضيف إلى مُعرب، لكنه يجوز على مذهب الكوفيين فيتمشى كلامُ الزمخشريِّ على مذهبهم إن كان استحضره وقصده انتهى. قال شهاب الدين: إن كان استحضره فيه تحامل على الرجل، وأي كبير أمر في هذا حتى لا ييستحضر مثل هذا. وتقدم الكلام على المهل في «الدخان» .

стр. 12049

قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ . قيل: «العِهْنُ» هو الصُّوف مطلقاً، وقيل: يقدر كونه أحمر وهو أضعف الصوف، ومنه قول زهير: [الطويل] ٤٨٦٠ - كَأنَّ فُتَاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنْزِلٍ ... يَزَالُ بِه حَبُّ الفَنَا لمْ يُحَطَّمِ الفتات: القطع، والعِهْنُ: الصُّوف الأحمر، واحده عهنة. وقيل: يقيد كونه مصبوغاً ألواناً، وهذا أليق بالتشبيه؛ لأن الجبال متلونة، كما قال تعالى: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٢٧] . والمعنى: أنها تلين بعد شدة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أول ما تتفرق الجبال تصير رمالاً ثم عِهْناً منفوشاً، ثم هباءً مَنْثُوراً. قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ . قرأ العامة: «يَسْألُ» مبنياً للفاعل، والمفعول الثاني محذوف، فقيل: تقديره: لا يسأله نصره، ولا شفاعته لعلمه أنَّ ذلك مفقود. وقيل: لا يسأله شيئاً من حمل أو زادٍ. وقيل: «حَمِيْماً» منصوب على إسقاط الخافض، أي: عن حميم، لشغله عنه. قاله قتادة. لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . وقرأ أبو جعفر، وأبو حيوة، وشيبة، وابن كثير في رواية قال القرطبيُّ: والبزي عن عاصم: «يُسْألُ» مبنياً للمفعول. فقيل: «حميماً» مفعول ثان لا على إسقاط حرف، والمعنى: لا يسأل إحضاره. وقيل: بل هو على إسقاط «عَنْ» ، أي: عن حميم، ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يُسأل عن عمله، نظيره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ عدي بالتضعيف إلى ثان، وقام الأول مقام الفاعل، وفي محل هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها في موضع الصفة ل «حَمِيم» . والثاني: أنها مستأنفة.

стр. 12050

قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما موقع «يُبصَّرُونهُم» ؟ قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لمَّا قال: ﴿لَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ قيل: لعله لا يبصره، فقال: «يُبَصَّرُونهُم» ، ثم قال: ويجوز أن يكون «يبصرُونهُم» صفة، أي: حميماً مبصرين معرفين إياهم انتهى. وإنما اجتمع الضميران في «يبصرُونهُم» وهما للحميمين حملاً على معنى العمومِ؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي. وقرأ قتادةُ: «يُبصِرُونهُمْ» مبنياً للفاعل، من «أبصَرَ» ، أي: يبصر المؤمن الكافر في النار. فصل في قوله تعالى يبصرونهم «يُبصَّرُونهُم» ، أي: يرونهم، يقال: بصرت به أبصر، قال تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ [طه: ٩٦] ، ويقال: «بصَّرَني زيدٌ بكذا» فإذا حذفت الجار قلت: بصَّرني زيدٌ، فإذا بنيت الفعل للمفعول، وقد حذفت الجارَّ، قلت: بصرت زيداً، فهذا معنى: «يُبَصَّرونهُمْ» أي: يعرف الحميمُ الحميمَ حين يعرفه، وهو مع ذلك، لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه، فيبصر الرجلُ أباه، وأخاه، وقرابته، وعشيرته، فلا يسألهُ، ولا يكلمه؛ لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عبَّاس: يتعارفون ساعة، ثم لا يتعارفون بعد ذلك. وقال ابن عباس أيضاً: يُبْصِرُ بعضهم بعضاً، فيتعارفون ثم يفرُّ بعضهم من بعضٍ، فالضمير في «يُبَصَّرونهُم» على هذا للكافر، والهاءُ والميم للأقرباء. وقال مجاهدُ: المعنى: يُبَصِّرُ الله المؤمنين الكفَّار في يوم القيامةِ، فالضمير في «يُبَصَّرونهم» للمؤمنين، والهاءُ والميمُ للكفار. وقال ابنُ زيدٍ: المعنى: يُبصِّرُ الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدُّنيا، فالضميرُ في «يُبَصَّرونَهُم» للتابعين، والهاءُ والميم للمتبوعين. وقيل: إنه يُبصِرُ المظلومُ ظالمه، والمقتولُ قاتله. وقيل: إن الضمير في «يُبصَّرونَهم» يرجع إلى الملائكة، أي: يعرفون أحوال

стр. 12051

الناس، فيسوقون كلَّ فريقٍ إلى ما يليق بهم، وتمَّ الكلامُ عند قوله: «يُبصَّرُونَهُم» . قوله: «يَوَدُّ المُجرِمُ» ، أي: يتمنَّى الكافرُ ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ ، أي: من عذاب جهنم، وقيل: المرادُ بالمجرم كلُّ مذنب، وتقدم الكلام على قراءتي «يَومئذٍ» فتحاً وجرًّا في «هود» والعامة: على إضافة «عَذابِ» ل «يَومِئذٍ» . وأبو حيوة: بتنوين «عذابٍ» ، ونصب «يَومئذٍ» ، على الظرف. قال ابنُ الخطيب: وانتصابه بعذاب؛ لأن فيه معنى تعذيب. وقال أبو حيَّان هنا: «والجمهور يكسرها - أي: ميم يومئذ - والأعرج وأبو حيوة: يفتحها» انتهى. وقد تقدم أنَّ الفتح قراءةُ نافع، والكسائي. قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ . قال ثعلب: الفصيلةُ: الآباء الأدنون. وقال أبو عبيدة: الفخذ. وقال مجاهد وابن زيدٍ: عشيرته الأقربون. وقد تقدم ذكر ذلك عند قوله: «شعوباً وقبائل» . وقال المُبرِّدُ: الفصيلةُ: القطعةُ من أعضاء الجسدِ، وهي دون القبيلةِ، وسُمِّيت عترةُ الرجلِ فصيلته تشبيهاً بالبعض منه. قال ابنُ الخطيبِ: فصيلة الرجل: أقرباؤه الأقربون الذين فصل عنهم، وينتمي إليهم؛ لأن المراد من الفصيلة المفصولة؛ لأن الولد يكون مفصولاً من الأبوين، قال ﵊ ُ: «فَاطِمَةُ قِطعَةٌ منِّي» فلما كان مفصولاً منهما، كانا أيضاً مفصولين منه، فسُمِّيا فصيلة لهذا السببِ. وكان يقالُ للعباس ﵁: فصيلةُ النبي ﷺ َ لأن العمَّ قائم مقام الأب. وقوله: «التي تؤويه» ، أي: ينصرونه. وقال مالك: أمُّه التي تربيه، حكاه الماورديُّ، ورواه عنه أشهبُ. قال شهاب الدين: ولم يبدله السوسي عن أبي عمرو، قالوا: لأنه يؤدي إلى لفظ هو أثقل منه، والإبدال للتخفيف.

стр. 12052

وقرأ الزهريُّ: «تؤويهُ، وتُنجِيهُ» بضم هاء الكناية، على الأصل. و «ثُمَّ نُنجِيْهِ» عطف على «يَفْتَدِي» فهو داخلٌ في خبر «لَوْ» وتقدم الكلامُ فيها، هل هي مصدريةٌ أم شرطيةٌ في الماضي، ومفعول «يَوَدُّ» محذوف، أي: يودُّ النَّجاة. وقيل: إنها هنا بمعنى «أن» وليس بشيء، وفاعل «ينجيه» إما ضميرُ الافتداء الدالُّ عليه «يَفْتَدي» ، أو ضمير من تقدم ذكرهم، وهو قوله: ﴿وَمَن فِي الأرض﴾ . و ﴿مَن فِي الأرض﴾ مجرور عطفاً على «بَنِيْهِ» وما بعده، أي: يودُّ الافتداء بمن في الأرض أيضاً و «حميماً» إما حال، وإما تأكيد، ووحد باعتبار اللفظ. فصل فيما يترتب على معنى «فصيلته» من أحكام إذا وقف على فصيلته، أو أوصى لها فمن ادعى العموم حمله على عشيرته، ومن ادعى الخصوص حمله على الآباء الأدنى فالأدنى، والأول أكثر في النطقِ، قاله القرطبي و «تؤويه» تضمه وتؤمنهُ من خوف إن كان به، ﴿وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ ، أي: ويود لو فدي بهم لافتدى «ثُمَّ يُنجِيْهِ» أي: ويخلصه ذلك الفداءُ، فلا بُدَّ من هذا الإضمار، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: وإن أكلهُ لفسقٌ. وقيل: «يَودُّ المُجرمُ» يقتضي جواباً بالفاء كقوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] . والجوابُ في هذه الآية «ثُمَّ يُنجِيهِ» لأنَّها من حروف العطف، أي يودُّ المجرم لو يفتدي، وينجيهِ الافتداءُ.

стр. 12053

قوله: «كلا» . ردعٌ وزجرٌ. قال القرطبيُّ: «وإنما تكون بمعنى» حقًّا «، وبمعنى» لا «وهي هنا تحتمل الأمرين، فإذا كانت بمعنى» حقًّا «فإن تمام الكلام» ينجيه «وإذا كانت بمعنى» لا «كان تمامُ الكلام عليها. إذ ليس ينجيه من عذاب الله إلا الافتداءُ» . قوله: ﴿إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً﴾ في الضَّمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضميرُ النارِ، وإن لم يجر لها ذكرٌ لدلالة لفظ عذابٍ عليها. والثاني: أنه ضميرُ القصةِ. الثالث: أنه ضميرٌ مبهمٌ يترجم عنه الخبرُ، قاله الزمخشريُّ. وقد تقدم تحقيق ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الأنعام: ٢٩] .

стр. 12054

فعلى الأول يجوز في «لَظَى، نزَّاعةً» أوجه: أحدها: أن يكون «لَظَى» خبر «إن» أي إن النار لظى، و «نزاعة للشوى» خبر ثان، أو خبر مبتدأ مضمر، أي هي نزاعة، أو تكون «لَظَى» بدلاً من الضمير المنصوب و «نزَّاعةً» خبر «إنَّ» . وعلى الثاني: تكون «لَظَى نزَّاعةً» جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع خبراً ل «إنَّ» ، مفسرة لضمير القصةِ، وكذا على الوجه الثالثِ. ويجوز أن تكون «نزَّاعةً» صفة ل «لَظَى» إذا لم نجعلها علماً، بل بمعنى اللهبِ، وإنما أنِّثَ النعتُ، فقيل: «نزَّاعةً» لأن اللهب بمعنى النارِ، قاله الزمخشريُّ. وفيه نظرٌ؛ لأن «لَظَى» ممنوعةٌ من الصرف اتفاقاً. قال أبو حيان بعد حكايته الثالث عن الزمخشري: «ولا أدري ما هذا المضمر الذي ترجم عنه الخبر، وليس هذا من المواضع التي يُفسِّر فيها المفرد الضمير، ولولا أنه ذكر بعد هذا أو ضمير القصةِ لحملت كلامه عليه» . قال شهاب الدين: متى جعله ضميراً مبهماً، لزم أن يكون مفسراً بمفردٍ، وهو إما «لَظَى» على أن تكون «نزَّاعةً» خبر مبتدأ مضمر، وإما «نزَّاعةٌ» على أن تكون «لَظَى» بدلاً من الضمير وهذا أقربُ، ولا يجوز أن تكون «لَظَى، نزَّاعةٌ» مبتدأ وخبر، والجملة خبر ل «إنَّ» على أن يكون الضميرُ مبهماً، لئلَاّ يتحد القولان، أعني هذا القول، وقول: إنَّها ضميرُ القصةِ ولم يُعهد ضميرٌ مفسرٌ بجملة إلا ضمير الشأنِ والقصةِ. وقرأ العامة: «نزَّاعةٌ» بالرفع. وقرأ حفص، وأبو حيوة والزَّعفرانِيُّ، واليَزيديُّ، وابنُ مقسم: «نزَّاعةً» بالنصب. وفيها وجهان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، واعترض عليه أبو علي الفارسي، وقال: حمله على الحال بعيدٌ، لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال. قال القرطبيُّ: «ويجوز أن يكون حالاً على أنه حالٌ للمكذبين بخبرها» . وفي صاحبها أوجه: أحدها: أنه الضمير المستكنُّ في «لَظَى» ؛ وإن كانت علماً فهي جاريةٌ مجرى المشتقات ك «الحارث والعباس» ، وذلك لأنها بمعنى التلظِّي، وإذا عمل العلم الصريح

стр. 12055

والكنية في الظرف، فلأن يعمل العلم الجاري مجرى المشتقات في الأحوال أولى، ومن مجيء ذلك قوله: [السريع أو الرجز] ٤٨٦١ - أنَا أبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأحْيَان ... ضمنه بمعنى أنا المشهور في بعض الأحيان. الثاني: أنَّه فاعل «تَدعُو» وقدمت حاله عليه، أي: تدعو حال كونها نزَّاعةً. ويجوز أن تكون هذه الحالُ مؤكدةً، لأنَّ «لَظَى» هذا شأنها، وهو معروف من أمرها، وأن تكون مبنيةً؛ لأنه أمرٌ توقيفيّ. الثالث: أنه محذوف هو والعامل تقديره: تتلظَّى نزاعة، ودل عليه «لَظَى» . الثاني من الوجهين الأولين: أنها منصوبة على الاختصاص، وعبَّر عنه الزمخشريُّ بالتهويل. كما عبَّر عن وجه رفعها على خبر ابتداء مضمر، والتقدير: أعني نزاعةٌ وأخصُّها. وقد منع المبردُ نصب «نزَّاعة» ، قال: لأن الحال إنما يكون فيما يجوز أن يكون وألاّ يكون و «لَظَى» لا تكون إلا نزَّاعةً، قاله عنه مكِّيٌّ. وردَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً﴾ [البقرة: ٩١] ، ﴿وهذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام: ١٢٦] قال: فالحق لا يكون إلا مصدقاً، وصراط ربِّك لا يكونُ إلَاّ مستقيماً. قال شهاب الدين: المُبرِّدُ بني الأمر على الحال المبنيةِ، وليس ذلك بلازم؛ إذ قد وردت الحال مؤكدة كما أورده مكيٌّ، وإن كان خلاف الأصلِ، واللظى في الأصل: اللهب، ونقل علماً لجهنم، ولذلك منع من الصرف. وقيل: هو اسم للدَّركة الثانية من النارِ، والشَّوى: الأطراف جمع شواة، ك «نوى، ونواة» ؛ قال الشاعر: [الوافر] ٤٨٦٢ - إذَا نَظرَتْ عَرفْتَ النَّحْرَ مِنْهَا ... وعَيْنَيْهَا ولمْ تَعْرفْ شَواهَا يعني: أطرافها. وقيل: الشَّوى: الأعضاء التي ليست بمقتل، ومنه: رماه فأشواه، أي لم يُصِبْ مقتله، وشوى الفرس: قوائمه، لأنه يقال: عَبْلُ الشَّوى. وقيل: الشَّوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس؛ وأنشد الأصمعي: [مجزوء الكامل] ٤٨٦٣ - قَالتْ قُتَيْلَةُ: مَا لَهُ ... قَدْ جُلِّلتْ شَيْباً شَواتُه

стр. 12056

وقيل: هو جلد الإنسان، والشَّوى أيضاً: رُذال المال، والشيء اليسير. فصل في معنى الآية قال ثابت البناني والحسن: «نزَّاعةً للشَّوى» : أي لمكارم وجهه. وعن الحسن أيضاً: إنه الهام. وقال أبو العالية: لمحاسن وجهه. وقال قتادة: لمكارم خلقته وأطرافه. وقال الضحاك: تفري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً. وقال الكسائي: هي المفاصل. وقيل: هي القوائم والجلود. قال امرؤ القيس: [الطويل] ٤٨٦٤ - سَلِيمُ الشَّظَى، عَبْلُ الشَّوى، شَنِجُ النَّسَا ... لَهُ حَجَباتٌ مُشرفاتٌ على الفَالِ قوله: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ﴾ . يجوز أن يكون خبراً ل «إنَّ» أو خبراً لمبتدأ محذوف، أو حال من «لَظَى» أو من «نزَّاعةً» على القراءتين فيها؛ لأنها تتحملُ ضميراً. فصل في المراد بالآية المعنى: تدعُو «لَظَى» من أدبر في الدنيا عن الطَّاعة لله «وتولَّى» عن الإيمان ودعاؤها أن تقول: يا مشرك إليَّ يا كافر إليَّ. وقال ابن عباس: تدعُو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إليَّ يا كافر، إليَّ يا منافق، ثم تلتقطهم كما تلتقط الطَّير الحبَّ. وقال ثعلبٌ: «تَدعُو» ، أي: تهلك، تقول العربُ: دعاك الله، أي: أهلكك اللَّهُ. وقال الخليلُ: إنَّه ليس كالدُّعاء «تعالوا» ولكن دعوتها إياهم تمكنها منهم، ومن تعذيبهم. وقيل: الدَّاعي: خزنة جهنَّم أضيف دعاؤهم إليها.

стр. 12057

وقيل: هو ضرب مثل، أي: أنها تدعوهم بلسان الحال، أي: إنَّ مصير من أدبر، وتولى إليها، فكأنَّها الدَّاعية لهم. ومثله قول الشاعر: [الكامل] ٤٨٦٥ - ولقَدْ هَبَطْنَا الوادِيِيْنِ فَوادِياً ... يَدْعُو الأنيسَ بِهِ الغضِيضُ الأبْكَمُ الغضيضُ الأبكمُ: الذباب، وهو لا يدعو، وإنَّما طنينه نبَّه عليه فدعا له. قال القرطبيُّ: «والقولُ الأولُ هو الحقيقةُ لظاهر القرآنِ، والأخبار الصحيحة» . قال القشيريُّ: ودعا لَظَى بخلقِ الحياةِ فيها حين تدعُو، وخوارقُ العادةِ غداً كثيرة. قوله: ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ . أي: جمع المال فجعله في وعاءٍ، ومنع منه حق الله تعالى، فكان جموعاً منوعاً. قال ابن الخطيب: «جَمَعَ» إشارة إلى حبّ الدنيا، والحِرْص عليها، «وأوْعَى» إشارة إلى الأمل، ولا شكَّ أنَّ مجامع آفات الدين ليست إلَاّ هذه. وقيل: «جَمَعَ» المعاصي «فأوْعَى» أي: أكثر منها حتى أثقلتهُ، وأصرَّ عليها، ولم يَتُبْ منها.

стр. 12058

قوله: ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ . قال الضحاك: المرادُ بالإنسان هنا الكافر. وقيل: عام لأنه استثنى منه المصلين، فدلَّ على أن المراد به الجنس، فهو كقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلَاّ الذين آمَنُواْ﴾ [العصر: ٢، ٣] . و «هَلُوعاً» حال مقدرة. والهلع مُفسَّر بما بعده، وهو قوله «إذَا، وإذَا» .

стр. 12059

قال ثعلبٌ: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ . فقلت: قد فسَّره اللَّهُ، ولا يكون أبينَ من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خيرٌ بخل به ومنعه. انتهى. وأصله في اللغة على ما قال أبو عبيد: أشدّ الحرص وأسوأ الجزع، وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة وغيرهما. وقد هَلِع - بالكسر - يهلع هلعاً وهلاعاً فهو هلع وهالع وهلوع، على التكثير. وقيل: هو الجزع والاضطرابُ السريع عند مسِّ المكروه، والمنع السَّريعُ عند مسِّ الخير من قولهم: «ناقةٌ هلوَاع» ، أي: سريعة السير، قال المفسرون: معناه: أنه لا يصبر في خير ولا شر، حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي. روى السدِّي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: الهِلوَاع، الحريصُ على ما لا يحل له. وقال عكرمة: هو الضَّجور. وقال الضحاك: هو الذي لا يشبع. والمَنُوع: هو الذي إذا أصاب حق المال منع منه حق الله تعالى. وقال ابن كيسان: خلق اللَّهُ الإنسان يحبّ ما يسرُّه، ويرضيه، ويهربُ مما يكرهه، ثم تعبّده الله بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكرهُ. وقال أبو عبيدة: الهِلواعُ الذي إذا مسَّهُ الخيرُ لم يشكر، وإذا مسَّهُ الضُّرُّ لم يَصْبِرْ. وقال ﵊ ُ: «شَرُّ مَا أعْطِي العَبْدُ شُحُّ هَالِعٌ، وجُبْنٌ خَالِعٌ» . والعرب تقول: ناقةٌ هلواعة، وهلواع إذا كانت سريعة السَّير خفيفة؛ قال: [الكامل] ٤٨٦٦ - صَكَّاءُ ذِعلِبةٌ إذَا استَدْبَرْتَهَا ... حَرَجٌ إذَا اسْتقَبلْتَهَا هِلواعُ الذِّعِلب والذِّعلِبَة: النَّاقةُ السَّريعةُ.

стр. 12060

فصل في إعراب الآية «جزُوْعاً، ومَنُوعاً» فيهما ثلاثةٌ أوجهٍ: أحدها: أنهما منصوبان على الحال من الضمير في «هَلُوعاً» ، وهو العاملُ فيهما، والتقدير: هَلُوعاً حال كونه جَزُوعاً، وقت مسِّ الشَّرِّ، ومنوعاً وقت مس الخير، والظَّرفان معمولان لهاتين الحالتين. وعبَّر أبو البقاء عن هذا الوجه بعبارة أخرى فقال: «جَزُوعاً» حال أخرى، والعاملُ فيها «هَلُوعاً» . فقوله: «أخْرَى» يوهم أنها حالٌ ثانية وليست متداخلة لولا قوله: والعامل فيها هلوعاً. والثاني: أن يكونا خبرين ل «كان» ، أو «صار» مضمرة، أي: إذا مسَّه الشَّرُّ كان، أو صار جَزُوعاً، وإذا مسَّه الخيرُ كان أو صار منوعاً، قاله مكيٌّ. وعلى هذا ف «إذا» شرطية، وعلى الأول ظرف محض، العامل فيه ما بعده كما تقدم. الثالث: أنَّهما نعتٌ ل «هَلُوعاً» ، قاله مكيٌّ، إلَاّ أنَّه قال: وفيه بعد؛ لأنك تنوي به التقديم بعد «إذا» انتهى. وهذ الاستبعادُ ليس بشيء، فإنَّه غايةُ ما فيه تقديمُ الظرف على عامله. وإنَّما المحذورُ تقديمه معمول النعت على المنعوت. فصل في كلام القاضي قال القاضي: قوله تعالى ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ نظير قوله: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ، وليس المرادُ أنَّه مخلوقٌ على هذه الصفة؛ لأن الله - تعالى - ذمَّه عليها، والله - تعالى - لا يُذمُّ فعله، ولأنه استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك الخصلةِ المذمومةِ، ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى، لما قدروا على تركها. قال ابن الخطيب: واعلم أنَّ الهلع لفظ واقع على أمرين: أحدهما: الحالةُ النفسانيةُ التي لأجلها يقدم الإنسانُ على إظهار الجزع والفزع. والثاني: تلك الأفعالُ الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالةِ النفسانيةِ،

стр. 12061

فلا شك أنَّها تحدثُ بخلق الله - تعالى - لأنَّ من خُلقتْ نفسه على تلك الحالةِ لا يُمكِنهُ إزالةُ تلك الحالةِ من نفسه، بل الأفعال الظَّاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدامُ عليها فهي أمورٌ اختياريةٌ. وأما الحالةُ النفسانيةُ التي هي الهلع في الحقيقة، فهي مخلوقةٌ على سبيل الاضطرار. فصل في المراد بالشر والخير في الآية قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ . قيل: المرادُ بالخيرِ والشر: الغِنَى والفقرُ، أو الصحةُ والمرض، والمعنى: أنَّه إذا صار فقيراً أو مريضاً أخذ في الجزعِ والشكايةِ، وإذا صار غنياً، أو صحيحاً أخذ في منعِ المعروف، وشحَّ بمالِه. فإن قيل: حاصلُ هذا الكلام أنَّه نُفُورٌ عن المضار لطلب الراحة، وهذا هو اللائقُ بالعقل، فلم ذمَّهُ الله عليه. فالجوابُ: إنَّما ذمَّهُ اللَّهُ عليه لقصور نظرهِ على الأمورِ العاجلةِ، والواجبُ عليه أن يكون شاكراً راضياً في كل حالٍ. قوله: ﴿إِلَاّ المصلين﴾ . قال النخعيُّ: المرادُ ب «المصلين» : الذين يؤدونَ الصلاة المكتوبة. وقال ابن مسعودٍ: هم الذين يصلونها لوقتها، فأمَّا تركها فكفرٌ. وقيل: هم الصحابة وقيل: هم المؤمنون عامّةً. قوله: ﴿الذين هُمْ على صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ أي: على مواقيتها. وقال عقبة بن عامر: الذين إذا صلُّوا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً. و «الدائم» الساكن، ومنه: «نهى عن البول في الماء الدائم» ، أي: الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التَّطوع منها. فإن قيل: كيف قال: ﴿على صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] .

стр. 12062

قال ابن الخطيب: دوامُهم عليها ألا يتركوها في وقتٍ من الأوقاتِ، ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها، حتى يأتي بها على أكمل الوجوه من المحافظة على شرائطها، والإتيان بها في الجماعة وفي المساجدِ الشريفةِ والاجتهاد في تفريغ القلب عن الوسواس والرياء والسمعة، وألاّ يلتفت يميناً ولا شمالاً، وأن يكون حاضر القلب فاهماً للأذكار، مطلعاً على حكم الصَّلاة متعلق القلب بدخول أوقات الصلواتِ. قوله: ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ . قال قتادة وابن سيرين: يريد الزكاة المفروضة. وقال مجاهد: سوى الزكاة، وقال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة الرَّحمِ وحمل الكل. والأول أصح؛ لأنه وصف الحق بأنه معلوم، والمعلوم هو المقدر، وسوى الزكاة ليس بمعلوم إنما هو قدرُ الحاجةِ، وذلك يقل ويكثرُ. وقال ابنُ عباسٍ: من أدَّى زكاة مالهِ فلا جناح عليه أن لا يتصدق، وأيضاً فالله - تعالى - استثناهُ ممن ذمَّه، فدلَّ على أنَّ الذي لا يُعْطِي هذا الحقَّ يكونُ مذموماً، ولا حقَّ على هذه الصفةِ إلا الزكاة. وقوله: ﴿لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ . تقدَّم في الذَّاريات. قوله: ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ [المعارج: ٢٦] ، أي: بيوم الجزاء، وهو يوم القيامة، أي: يؤمنون بالبعث، والنشور. ﴿والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ ، أي: خائفون، والإشفاق: الخوف إما من تركِ واجبٍ، وإما من فعلِ محظورٍ، ثم أكَّد ذلك الخوف بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ . قال ابن عباسٍ: لمن أشرك أو كذَّب أنبياءه. وقيل: لا يأمنه أحدٌ، بل الواجبُ على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَأِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون﴾ تقدَّم تفسيرهُ في سورة «المؤمنون» [المؤمنين: ٥، ٦، ٧] .

стр. 12063

﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ تقدَّم أيضاً [المؤمنين: ٨] . وقرىء: «لأمَانتِهِم» على التوحيد، وهي قراءةُ ابن كثير وابن محيصن. ف «الأمانة» اسم جنسٍ تدخل فيها أماناتُ الدينِ، فإنَّ الشرائعَ أماناتٌ ائتمنَ اللَّهُ عليها عباده، ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع، وقد مضى ذلك. قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ . قرأ حفص: «بِشَهادَاتِهِمْ» جمعاً، اعتباراً بتعدد الأنواع، والباقون: بالإفراد، أو المرادُ الجنس. قال الواحديُّ: والإفرادُ أولى؛ لأنه مصدرٌ، فيفرد كما تفرد المصادرُ، وإن أضيف إلى الجمع ك ﴿لَصَوْتُ الحمير﴾ [لقمان: ١٩] ومن جمع ذهب إلى اختلافِ الشَّهاداتِ. قال أكثرُ المفسرينَ: يقومون بالشهادة على من كانت عليه من قريب وبعيد يقومون بها عند الحُكَّام، ولا يكتمونها. وقال ابن عبَّاس: بشهادتهم: أن الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ . قال قتادةُ: على وضوئها وركوعها وسجودها، فالدوام خلاف المحافظة فدوامهم عليها محافظتهم على أدائهِا لا يخلُّون بها، ولا يشتغلون عنها بشيءٍ من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يُراعُو إسباغَ الوضوءِ لها، ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها، وآدابها، ويحفظونها من الإحباط باقتراف المآثمِ، فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات، والمحافظة على أحوالها، ذكره القرطبيُّ. ثم قال: ﴿أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ ، أي: أكرمهم الله فيها، بأنواع الكرامات.

стр. 12064

قوله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ . روي أنَّ المشركين كانوا يجتمعون حول النبي ﷺ َ يستمعون كلامه، ويستهزئون به

стр. 12065

ويكذبونه، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنَّة كما يقول محمد ﷺ َ فلندخلنَّها قبلهم، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَاّ﴾ . وقال أبو مسلمٍ: ظاهر الآية يدل على أنهم هم المنافقون، فهم الذين كانوا عنده، وإسراعهم المذكور هو الإسراعُ في الكفر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ [آل عمران: ١٧٦] . و «الإهْطَاعُ» : الإسراعُ. قال الأخفش: «مُهْطعيْنَ» ، أي: مُسرِعيْنَ، قال: [الوافر] ٤٨٦٧ - بِمكَّةَ أهْلُهَا ولقَدْ أرَاهُمْ ... إليْهِ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ والمعنى: ما بالهُمْ يسرِعُونَ إليْكَ، ويجلسُونَ حولك، ويعملون بما تأمُرهُمْ. وقيل: ما بالهم يسرعون في التكذيب لك. وقيل: ما بالُ الذين كفروا يسرعون إلى السَّماع منك ليعيبوكَ ويستهزئوا بك. وقال عطيةُ: «مُهْطِعيْنَ» : مُعْرضِيْنَ. وقال الكلبيُّ: ناظرين إليك تعجُّباً. وقال قتادةُ: مادّين أعناقهم مديمي النظر إليك، وذلك من نظر العدو، وهو منصوبٌ على الحال. قال القرطبيُّ: نزلت في جميع المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه ﵊ ُ - ولا يؤمنون به، و «قبلك» ، أي: نحوك. قوله: ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ﴾ . أي: عن يمين النبي ﷺ َ وشماله حلقاً حلقاً وجماعات. قوله: «عِزيْنَ» ، حالٌ من «الَّذين كَفرُوا» . وقيل: حال من الضمير في «مُهْطعِينَ» فيكونُ حالاً متداخلة، و «عَن اليَميْنِ» ، يجوز أن يتعلق ب «عزين» ؛ لأنَّه بمعنى متفرقين. قاله أبو البقاء. وأن يتعلق ب «مُهْطِعيْنَ» أي: مسرعين عن هاتين الجهتين، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: كائنين عن اليمين. قاله أبو البقاء. و «عَزِيْنَ» جمع عزة، والعِزَة: الجماعة. قال مكيٌّ. قال مكيٌّ: «وإنما جمع بالواو والنون؛ لأنه مؤنث لا يعقل؛ ليكون ذلك عوضاً مما حذفَ منه» .

стр. 12066

قيل: إن أصله: عزهة، كما أنَّ أصل سنة: سنهة، ثم حذفت الهاء، انتهى. قال شهاب الدين: قوله: لا يعقل سَهْو، لأن الاعتبار بالمدلولِ، ومدلوله - بلا شك - عقلاء. واختلفوا في لام «عِزَة» على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها «واو» من: «عزوته أعزوه» ، أي: نسبته، وذلك أنَّ المنسوبَ مضمومٌ إلى المنسوب إليه، كما أنَّ كلَّ جماعةٍ مضموم بعضها إلى بعض. الثاني: أنَّها «ياء» ، إذ يقال «عَزيتُه» - بالياء - أعزيه بمعنى عزوته، فعلى هذا في لامها لغتانِ. الثالث: أنَّها هاءٌ، وتجمع تكسيراً على «عِزَهٍ» نحو كسرة وكِسَر، واستغني بهذا التكسير عن جمعها بالألف والتاء، فلم يقولوا: «عزات» كما لم يقولوا في «شفة وأمة: شفَات ولا أمات» استغناء ب «شِفَاه وإماء» . وقد كثر ورودُه مجموعاً ب «الواو» والنون؛ قال الراعي: [الكامل] ٤٨٦٨ - أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ... أمْسَى سَرَاتُهُم عِزينَ فُلُولَا وقال الكميت: [الوافر] ٤٨٦٩ - ونَحْنُ وجنْدَلٌ بَاغٍ تَركْنَا ... كَتَائِبَ جَنْدلٍ شتَّى عِزينَا وقال عنترةُ: [الوافر] ٤٨٧٠ - وقِرْنٍ قَدْ تَركْتُ لِذِي وليٍّ ... عليْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزينِ وقال آخر: [الوافر] ٤٨٧١ - تَرانَا عِنْدَهُ واللِّيلُ دَاجٍ ... عَلى أبْوَابِهِ حِلقاً عِزينَا وقال الشاعرُ: [الوافر] ٤٨٧٢ - فَلَمَّا أن أتَيْنَ على أضَاخٍ ... تَركْنَ حَصاهُ أشْتَاتاً عِزينَا والعزة لغةً: الجماعة في تفرقة، قاله أبو عبيدة.

стр. 12067

ومنه حديثُ النبي ﷺ َ «أنه خرج إلى أصحابه فرآهم حلقاً، فقال:» مَا لِي أراكُمْ عِزيْنَ، ألا تصفُّونَ كما تُصَفُّ المَلائِكةُ عِندَ ربِّهَا «، قالوا: وكيف تصف الملائكةُ؟ قال:» يتمون الصف الأول فيتراصون في الصف «» . وقال الأصمعيُّ: العِزُونَ: الأصنافُ، يقال: في الدَّار عزون، أي: أصناف. وفي «الصِّحاح» : «العِزَةُ» الفرقة من الناس. وقيل: العِزَة: الجماعةُ اليسيرةُ كالثلاثة والأربعة. وقال الراغبُ: «وقيل: هو من قولهم: عَزَا عزاء فهو عز إذا صبر، وتعزَّى: تصبَّر، فكأنَّها اسم للجماعة التي يتأسَّى بعضها ببعض» . قال القرطبيُّ: ويقال: عِزُونَ، وعُزُون - بالضم - ولم يقولوا: عزات، كما قالوا: ثبات، قيل: كان المستهزئون خمسة أرهُطٍ. وقال الأزهريُّ: وأصلها من قولهم: عَزَا فلانٌ نفسه إلى بني فلانٍ يعزوها عزواً إذا انتمى إليهم، والاسم: «العَزْوَة» ، كلُّ جماعةٍ اعتزوها إلى آخر واحد. قوله: ﴿أَن يُدْخَلَ﴾ . العامة: على بنائه للمفعول. وزيد بن علي، والحسن، وابن يعمر، وأبو رجاء، وعاصم في رواية، قال القرطبي: وطلحة بن مصرف، والأعرج على بنائه للفاعل. فصل في تعلق الآية بما بعدها لما قال المستهزئون: إن دخل هؤلاء الجنَّة كما يقولُ محمدٌ فلندخلنَّها قبلهم، أجابهم الله - تعالى - بقوله: ﴿كَلَاّ﴾ لا يدخلونها، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نُطفةٍ، ثم من علقة، ثم كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضلٌ يستوجبون به الجنة، وإنما يستوجب بالإيمان، والعمل الصالح، ورحمة الله تعالى.

стр. 12068

وقيل: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمينَ ويتكبرون عليهم، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: من القذر، فلا يليقُ بهم هذا التكبرُ. وقال قتادة في هذه الآيةِ: إنَّما خلقت يا ابن آدم من قذرٍ فاتَّقِ اللَّهَ. وروي أنَّ مطرف بن عبد الله بن الشِّخيرِ، رأى المهلَّب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خَزّ وجُبة خَزّ، فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ . فقال له: أتعرفني، قال: نعم، أوّلك نطفةٌ مذرةٌ، وآخرك جيفةٌ قذرةٌ، وأنت تحمل العذرةَ، فمضى المهلَّب وترك مشيته. قال ابن الخطيب: ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً: أحدها: لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث، فكأنه قيل لهم: كلا إنكم منكرون للبعث فمن أين تطمعون بدخولِ الجنَّة. وثانيها: أنَّ المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين - كما تقدّم - فقال تعالى: إنَّ هؤلاء المستهزئين مخلوقون مما خلقوا، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار؟ . وثالثها: أنَّهم مخلوقون من هذه الأشياء المستقذرة، ولم يتصفوا بالإيمانِ، والمعرفةِ، فكيف يليق بالحكمة إدخالهم الجنة؟ . وقيل: معنى قوله: ﴿خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: مراحل ما يعلمون وهو الأمر والنَّهي والثوابُ والعقابُ. كقول الأعشى: [المتقارب] ٤٨٧٣ - أأزْمَعْتَ من آلِ لَيْلَى ابْتِكَارا ... وشَطَّتْ على ذِي هَوَى أنْ تُزَارَا أي: من أجل ليلى.

стр. 12069

قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ . قد تقدَّم. وقرأ جماعة: «فلأقسم» دون ألفٍ.

стр. 12070

﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ ، قرأ العامةَ: بجمع «المشارق، والمغارب» . والجحدري وابن محيصن وأبو حيوة، وحميد: بإفرادهما، وهي مشارقُ الشمس ومغاربها. وقوله: «إنَّا لقَادِرُونَ» ، جواب القسم: ﴿على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ أي: نقدر على إهلاكهم، وإذهابهم، والإتيان بخير منهم، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ، أي: لا يفوتنا شيء، ولا يعجزنا أمرٌ نريده. قوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾ ، أي: اتركهم يخوضُوا في أباطيلهم، ويلعبوا في دنياهم على جهة الوعيد، واشتغل أنت بما أمرت به. وقد تقدم تفسيره في سورة «الطور» . واختلفوا فيما وصف الله به نفسه بالقدرة عليه، هل خرج إلى الفعل أم لا؟ . فقيل: بدل بهم الأنصار والمهاجرين. وقيل: بدل الله كفر بعضهم بالإيمان. وقيل: لم يقع هذا التبديلُ، وإنما ذكر الله ذلك تهديداً لهم لكي يؤمنوا. قوله: ﴿حتى يُلَاقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ . قرأ ابن محيصن ومجاهد وأبو جعفر: «يَلْقُوا» مضارع «لَقى» ، والمعنى: أنَّ لهم يوماً يلقون فيه ما وعدوا، وهذه الآية منسوخةٌ بآية السَّيف، ثُمَّ ذكر ذلك اليوم فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث﴾ ، يجوز أن يكون بدلاً من «يومهم» أو منصوب بإضمار «أعني» . ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون خبر ابتداءٍ مضمر، وبني على الفتح، وإن أضيف إلى معرب، أي: هو يوم يخرجون، كقوله: ﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وتقدم الكلام عنه مشبعاً. والعامة: على بناء «يَخْرجُونَ» للفاعل. وقرأ السلميُّ والمغيرة، وروي عن عاصمٍ: بناؤه للمفعول. قوله: «سِراعاً» ، حال من فاعل «يَخْرجُونَ» ، جمعُ سِرَاع ك «ظِرَاف» في «ظَريف» ، و «كأنَّهُمْ» حال ثانية منه، أو حال من ضمير الحال، فتكونُ متداخلة.

стр. 12071

والأجداثُ: القبور، ونظيره: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ، أي: سِرَاعاً إلى إجابة الدَّاعي. قوله: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ . متعلق بالخبر. والعامَّة: على «نَصْبٍ» بالفتح، وإسكان الصاد. وابن عامر وحفص: بضمتين. وأبو عمران [الجوني] ومجاهد: بفتحتين. والحسن وقتادة وعمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهم: بضم النون، وإسكان الصاد. ؟؟؟ فالأولى: هو اسم مفرد بمعنى العلمِ المنصوب الذي يُسْرعُ الشخصُ نحوه. وقال أبو عمرو: هو شَبكةُ الصَّائدِ، يُسْرِع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته. وأمَّا الثانية، فتحتملُ ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة. وأنشد للأعشى: [الطويل] ٤٨٧٤ - وذَا النُّصُبِ المَنْصُوبِ لا تَعْبُدَنَّهُ ... لِعاقِبَةٍ واللَّهَ ربَّك فاعْبُدَا يعني: إيَّاك وذا النُّصُبِ. الثاني: إنَّه جمعُ «نِصَاب» ك «كُتُب» و «كِتَاب» . الثالث : أنَّه جمع «نَصْب» نحو: «رَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف» وهذا قول أبي الحسن. وجمع الجمع: أنصاب. وقال النحاسُ: وقيل: نُصُبٌ ونَصْبٌ، بمعنى واحد، كما قيل: عُمْر وعُمُر وأسُد وأسْد جمع أسَد. وأما الثالثة: ففعلٌ بمعنى مفعول، أي: منصوب كالقَبضِ والنَّقضِ. والرابعة: تخفيفٌ من الثانية، والنصب أيضاً: الشر والبلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] . ؟؟؟؟؟؟؟

стр. 12072

فصل في معنى قوله: نصب قال ابن عباس: «إلى نصب» ، أي إلى غاية، وهي التي ينتهي إليها بصرُك. وقال الكلبيُّ: هو شيءٌ منصوب علمٌ أو رايةٌ. وقال الحسنُ: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمسُ إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوي أوَّلهم على آخرهم. و «يُوفضُونَ» : يُسْرعُونَ. وقيل: يستبقون. وقيل: يسعون. وقيل: ينطلقون، وهي متقاربة، والإيفاض: الإسراع؛ قال الشاعر: [المتقارب] ٤٨٧٥ - فَوَارسُ ذبْيانَ تَحْتَ الحَدِي ... دِ كالجِنِّ يُوفِضْنَ منْ عَبْقَرِ وعبقر: موضع تزعم العرب أنه من أرض الجنِّ؛ قال لبيد: [الطويل] ٤٨٧٦ - ... ... ... ... ... ... ... كُهُولٌ وشُبَّانٌ كجِنَّةِ عَبقَرِ وقال الآخر: [الرجز] ٤٨٧٧ - لأنْعَتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضَا ... وقال الليثُ: وفضَتِ الإبل تَفضِي وفُضاً، وأوفضها صاحبُها، فالإيفاض متعد، والذي في الآية لازم يقال: وفض وأوفض، واستوفض بمعنى: أسْرَع. قوله: ﴿خَاشِعَةً﴾ . حال إما من فاعل «يُوفِضُونَ» وهو أقرب، أو من فاعل «يَخرُجونَ» وفيه بعدٌ منه، وفيه تعدد الحال لذي حالٍ واحدةٍ، وفيه الخلافُ المشهورُ. و «أبْصارُهُمْ» فاعل، والمعنى: ذليلةٌ خاضعةٌ لا يعرفونها لما يتوقعونه من عذاب الله. قوله: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ، قرأ العامةُ، بتنوين «ذلَّة» ، والابتداء ب «ذلِكَ اليَوْمَ» ، وخبره «الَّذي كَانُوا» .

стр. 12073

وقرأ يعقوب والتمَّارُ: بإضافةِ «ذلَّة» إلى «ذلك» وجر «اليَوْم» ؛ لأنه صفةٌ، و «الَّذِي» نعتٌ لليومِ. و «تَرهَقُهمْ» يجوز أن يكون استئنافاً وأن يكون حالاً من فاعل «يُوفضُونَ» أو «يَخرُجُونَ» ، ولم يذكر مكي غيره. ومعنى: «ترهَقهُمْ» ، أي: يغشاهم الهوانُ والذلة. قال قتادة: هو سوادُ الوُجوهِ. والرَّهقُ: الغشيان: ومنه غلام مراهق إذا غشي الاحتلام، يقال: رهقه - بالكسر - يرهقه رهقاً، أي: غشيه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ﴿ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ ، أي: يوعدونه في الدنيا أنَّ لهم فيه العذاب، وأخرج الخبر بلفظ الماضي؛ لأن ما وعد الله به، فهو حقٌّ كائنٌ لا محالةَ. روى الثَّعلبيُّ عن أبيِّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَةَ سأل سَائلٍ، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ الَّذينَ لأمَانَاتِهِمْ وعهْدِهِمْ راعثونَ، والَّذينَ هُمْ على صَلأتِهِمْ يُحَافِظُونَ» .

стр. 12074

سورة نوح عليه السلام

стр. 12075

مكية وهي ثمان وعشرون آية، ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وتسعمائة وتسعة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوح اً إلى قَوْمِهِ﴾ . روى قتادة عن ابن عبَّاسٍ عن النبيِّ ﷺ َ قال: «أوَّل نبيٍّ أرسِلَ نوحٌ ﵊ ُ، وأرسِلَ إلى جَميعِ أهْلِ الأرضِ» . ولذلك لمَّا كفروا، أغرق الله أهل الأرض جميعاً، وهو نوح بنُ لامك بن

стр. 12076

متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم ﵊ ُ. قال وهبٌ: وكلهم مؤمنون، أرسل إلى قومهِ وهو ابنُ خمسين سنة. وقال ابن عبَّاسٍ: أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: بعث وهو ابنُ ثلاثمائة وخمسين سنة. قوله: ﴿أَنْ أَنذِرْ﴾ . يجوز أن تكون المفسرة، فلا يكونُ لها موضع من الإعراب؛ لأن في الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار الباءِ، ويجوز أن تكون المصدرية، أي: أرسلناه بالإنذار. قال الزمخشريُّ: والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنذار. انتهى. وهذا الذي قدره حسنٌ جدّاً، وهو جواب عن سؤال تقدَّم في هذا الكتاب، وهو قولهم: فإنَّ «أنْ» المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل؛ لأنه ينسبكُ منها وما بعدها مصدر، وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر؛ ألا ترى أنَّك إذا قدَّرت «كتبت إليهم بأن قم كتبت إليه القيام» تفوت بالدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر، فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشريُّ، أي: كتبت إليه بأن قلتُ له: قُمْ، أي: كتبتُ إليه بالأمر بالقيامِ. وقال القرطبي: «أي: بأن أنذر قومكَ، فموضع» أن «نصب بإسقاط الخافض» . وقرأ عبد الله: «أنذر قومك» بغير «أن» بمعنى: «قلنا له: أنذر قومك» . وقد تقدم معنى الإنذار في سورة «البقرة» . وقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال ابن عبَّاسٍ: يعني عذاب النَّار في الآخرة. وقال الكلبيُّ: هو الطوفان. وقيل: أنذرهم بالعذاب على الجملة إن لم يؤمنوا، فكان يدعو قومه وينذرهم، فلا يجيبونه كما تقدَّم. ﴿قَالَ ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ، أي: مخوف مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه.

стр. 12077

قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ ، إما أن تكون تفسيرية ل «نَذِيْر» أو مصدرية، والكلامُ فيها كالكلام في أختها كما تقدم، والمعنى: وَحِّدوا اللَّه واتَّقُوه، أي: خافوه «وأطِيعُونِ» فيما آمركم به؛ فإنِّي رسول الله إليكم. ﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾ جزم «يَغْفِرْ» لجواب الأمر. قوله: ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ . في «مِنْ» هذه أوجه: أحدها: أنَّها تبعيضية. الثاني: أنَّها لابتداء الغايةِ. الثالث: أنَّها لبيان الجنسِ، وهو مردود لعدم تقدم ما تبينُه. الرابع: أنَّها مزيدةٌ. قال ابن عطية: وهو مذهب كوفيٌّ. قال شهاب الدين: ليس مذهبهم ذلك؛ لأنهم يشترطون تنكير مجرورها، ولا يشترطون غيره. والأخفش لا يشترط شيئاً، فزيادتُها هنا ماشٍ على قوله لا على قولهم. قال القرطبي: وقيل: لا يصح كونها زائدة؛ لأن «مِنْ» لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقال زيد بن أسلم: المعنى يُخرِجُكم من ذنوبكم. وقال ابن شجرة: المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. قوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ﴾ . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف قال: «يُؤخِّركُمْ» مع إخبارهِ بامتناع تأخيره؟ . قلتُ: قضى الله أنَّ قوم نوحٍ إن آمنوا عمَّرهُم ألف سنةٍ، وإن بقُوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة، قيل لهم: إن آمنتم أخِّرتُم إلى الأجلِ الأطولِ، ثم أخبرهُم أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخَّرُ انتهى. وقد تعلَّق بهذه الآية من يقول بالأجلين وتقدم جوابه. وقال ابن عباسٍ: أي: يُنْسِىءُ في أعماركم، ومعناه: أنَّ الله - تعالى - كان قضى قبل خلقهم، إنْ هم آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أعماركم في عافية فلا يعاقبكم بالقحطِ وغيره، فالمعنى على هذا: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم.

стр. 12078

وقال الزجاج: «أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب» . وعلى هذا قيل: أجل مسمى عندكم تعرفونه لا يميتكم غَرْقاً ولا حَرْقاً ولا قَتْلاً، ذكره الفراء. وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله. قوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ ، أي: إذا جاء الموتُ لا يؤخَّر بعذاب كان، أو بغير عذاب، وأضاف الأجلَ إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩] ؛ لأنه مضروبٌ لهم، و «لَوْ» بمعنى «إنْ» أي: إن كنتم تعلمون. وقال الحسن: معناه: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ. وعلى هذا يكون جوابُ «لَوْ» محذوفاً تقديره: لبادرتم إلى ما أمركم به أو لعلمتم كما قال الحسن. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ ، وهذان ظرفان ل «دَعوْتُ» ، والمراد: الإخبار باتصال الدعاء وأنَّه لا يفتر عن ذلك وقيل: معناه سراً وجهراً ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلَاّ فِرَاراً﴾ ، أي: تباعداً من الإيمان، وهذا استثناء مفرغ وهو مفعول ثان. وقراءة العامة: بفتح الياء من «دُعَائِي» . وأسكنها الكوفيُّون، ويعقوب والدوري عن أبي عمرو. قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ، أي: إلى سبب المغفرةِ، وهي الإيمانُ بك والطاعة لك ﴿جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾ لئلَاّ يسمعُوا دُعائِي ﴿واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: غطُّوا بها وجوههم لئلَاّ يرون. قال ابن عبَّاسٍ: جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلَاّ يسمعوا كلامي، فاستغشاءُ الثِّياب إذن زيادة في سدِّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كنايةٌ عن العداوةِ، يقال: لبس فلانٌ ثياب العداوةِ «وأصَرُّوا» على الكفر فلم يتوبوا، «واسْتَكْبَرُوا» عن قبول الحق، وهو قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] . قوله: «لِتَغْفِرَ» ، يجوز أن تكون للتعليل، والمدعو إليه محذوفٌ، أي: دعوتهم

стр. 12079

للإيمان بك لأجلِ مغفرتك لهم، وأن تكونَ لام التَّعديةِ، ويكون قد عبَّر عن السبب بالمسبب، الذي هو حظهم، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سببٌ في الغفران. و «جَعلُوا» ، هو العامل في «كُلَّمَا» وهو خبر «إنِّي» . قوله: «جِهَاراً» ، يجوز أن تكون مصدراً من المعنى؛ لأنَّ المعنى يكون جهاراً وغيره، فهو من باب «قعد القُرفُصَاء» ، وأن يكون المرادُ ب «دعوتهم» : جاهرتهم. وأن يكون نعت مصدر محذوف أي: دعاء جهاراً. وأن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: مجاهراً، أو ذا جهارٍ، أو جعل نفس المصدر مبالغة. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلاً ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثُمَّ دعاهم في السرِّ والعلن فيجب أن يكون ثلاث دعواتٍ مختلفاتٍ، حتى يصح العطفُ. قلتُ: قد فعل ﵇ كما يفعل الذي يأمُر بالمعروفِ، وينهى عن المنكرِ في الابتداء بالأهون، والترقي إلى الأشدِّ فالأشدِّ، فافتتح في المناصحة بالسرِّ فلما لم يقبلوا ثَنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يقبلوا ثلَّث بالجمع بين السرِّ والإعلان، ومعنى» ثُمَّ «للدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهاد إذا غلظ من الإسرار، والجمعُ بين الأمرين، أغلظُ من إفراد أحدهما» . وقال أبو حيان: «وتكرر كثيراً له أنَّ» ثُمَّ «للاستبعاد، ولا نعلمه لغيره» . وقوله: «اسْتِكبَاراً» . قال القرطبيُّ: تفخيم. فصل في معنى الآية معنى: «جِهَاراً» ، أي: مظهراً لهم الدعوة، وهو منصوب ب «دَعوْتهُمْ» بنصب المصدر. ﴿ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ . أي: لم أبقِ مجهوداً. وقال مجاهد ﵁: معنى «أعْلَنْتُ» صِحْتُ، ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ بالدعاءِ عن بعضهم من بعض. وقيل: «أسْرَرْتُ لهم» أتيتُهم في منازلهم وكلُّ هذا من نوح ﵊ ُ - مبالغةٌ في الدعاءِ، وتلطف في الاستدعاءِ.

стр. 12080

وفتح الياء من «إنِّي أعلنْتُ» ، الحرميون وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. قوله: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ﴾ ، أي سلوه المغفرة لذنوبكم بإخلاص الإيمان ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ وهذا منه - تعالى - ترغيبٌ في التوبة، لقوله ﵊ ُ: «الاسْتغفَارُ مَمحاةٌ للذنُوبِ» . قوله: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾ . أي: يرسل ماء السماءِ، ففيه إضمار. وقيل: السماء: المطر، أي يرسلُ المطر؛ قال الشاعر: [الوافر] . ٤٨٧٨ - إذَا نَزََل السَّماءُ بأرْضِ قَوْمٍ ... رَعيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا و «مِدْراراً» يجوز أن يكون حالاً من «السَّماء» . ولم يؤنث؛ لأن «مفعالاً» لا يؤنث، تقول: «امرأة مِئْنَاث، ومِذْكَار» ولا يؤنث بالتاء إلا نادراً، وحينئذ يستوي فيه المذكر والمؤنث، فتقول رجُلٌ مخدامةٌ، ومطرابةٌ، وامرأة مخدامة ومطرابة، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي: إرسالاً مدراراً. وتقدم الكلام عليه في الأنعام. وجزم «يرسل» جواباً للأمر، و «مِدْرَاراً» ذا غيث كثيرٍ. فصل في حكاية قوم نوح قال مقاتل: لما كذَّبوا نوحاً ﵊ ُ - زماناً طويلاً حبس اللَّهُ عنهم المطر، وأعقم أرحامَ نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم فصاروا إلى نوح ﵊ ُ - واستغاثوا به، فقال: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ، أي: لمن أناب إليه، ثم رغبهم في الإيمان فقال: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ . قال قتادة: علم نبيُّ الله ﷺ َ أنهم أهل حرصٍ على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإنَّ في طاعة الله درك الدنيا والآخرة. فصل في استنزال الرزق بالاستغفار. في هذه الآية والتي قبلها في «هود» دليلٌ على أنَّ الاستغفار يستنزلُ به الرزق والأمطار قال الشعبيُّ: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماءِ التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ .
следующие страницы →