← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم ﵊ ُ. قال وهبٌ: وكلهم مؤمنون، أرسل إلى قومهِ وهو ابنُ خمسين سنة. وقال ابن عبَّاسٍ: أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: بعث وهو ابنُ ثلاثمائة وخمسين سنة. قوله: ﴿أَنْ أَنذِرْ﴾ . يجوز أن تكون المفسرة، فلا يكونُ لها موضع من الإعراب؛ لأن في الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار الباءِ، ويجوز أن تكون المصدرية، أي: أرسلناه بالإنذار. قال الزمخشريُّ: والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنذار. انتهى. وهذا الذي قدره حسنٌ جدّاً، وهو جواب عن سؤال تقدَّم في هذا الكتاب، وهو قولهم: فإنَّ «أنْ» المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل؛ لأنه ينسبكُ منها وما بعدها مصدر، وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر؛ ألا ترى أنَّك إذا قدَّرت «كتبت إليهم بأن قم كتبت إليه القيام» تفوت بالدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر، فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشريُّ، أي: كتبت إليه بأن قلتُ له: قُمْ، أي: كتبتُ إليه بالأمر بالقيامِ. وقال القرطبي: «أي: بأن أنذر قومكَ، فموضع» أن «نصب بإسقاط الخافض» . وقرأ عبد الله: «أنذر قومك» بغير «أن» بمعنى: «قلنا له: أنذر قومك» . وقد تقدم معنى الإنذار في سورة «البقرة» . وقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال ابن عبَّاسٍ: يعني عذاب النَّار في الآخرة. وقال الكلبيُّ: هو الطوفان. وقيل: أنذرهم بالعذاب على الجملة إن لم يؤمنوا، فكان يدعو قومه وينذرهم، فلا يجيبونه كما تقدَّم. ﴿قَالَ ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ، أي: مخوف مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه.

стр. 12077

قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ ، إما أن تكون تفسيرية ل «نَذِيْر» أو مصدرية، والكلامُ فيها كالكلام في أختها كما تقدم، والمعنى: وَحِّدوا اللَّه واتَّقُوه، أي: خافوه «وأطِيعُونِ» فيما آمركم به؛ فإنِّي رسول الله إليكم. ﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾ جزم «يَغْفِرْ» لجواب الأمر. قوله: ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ . في «مِنْ» هذه أوجه: أحدها: أنَّها تبعيضية. الثاني: أنَّها لابتداء الغايةِ. الثالث: أنَّها لبيان الجنسِ، وهو مردود لعدم تقدم ما تبينُه. الرابع: أنَّها مزيدةٌ. قال ابن عطية: وهو مذهب كوفيٌّ. قال شهاب الدين: ليس مذهبهم ذلك؛ لأنهم يشترطون تنكير مجرورها، ولا يشترطون غيره. والأخفش لا يشترط شيئاً، فزيادتُها هنا ماشٍ على قوله لا على قولهم. قال القرطبي: وقيل: لا يصح كونها زائدة؛ لأن «مِنْ» لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقال زيد بن أسلم: المعنى يُخرِجُكم من ذنوبكم. وقال ابن شجرة: المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. قوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ﴾ . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف قال: «يُؤخِّركُمْ» مع إخبارهِ بامتناع تأخيره؟ . قلتُ: قضى الله أنَّ قوم نوحٍ إن آمنوا عمَّرهُم ألف سنةٍ، وإن بقُوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة، قيل لهم: إن آمنتم أخِّرتُم إلى الأجلِ الأطولِ، ثم أخبرهُم أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخَّرُ انتهى. وقد تعلَّق بهذه الآية من يقول بالأجلين وتقدم جوابه. وقال ابن عباسٍ: أي: يُنْسِىءُ في أعماركم، ومعناه: أنَّ الله - تعالى - كان قضى قبل خلقهم، إنْ هم آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أعماركم في عافية فلا يعاقبكم بالقحطِ وغيره، فالمعنى على هذا: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم.

стр. 12078

وقال الزجاج: «أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب» . وعلى هذا قيل: أجل مسمى عندكم تعرفونه لا يميتكم غَرْقاً ولا حَرْقاً ولا قَتْلاً، ذكره الفراء. وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله. قوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ ، أي: إذا جاء الموتُ لا يؤخَّر بعذاب كان، أو بغير عذاب، وأضاف الأجلَ إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩] ؛ لأنه مضروبٌ لهم، و «لَوْ» بمعنى «إنْ» أي: إن كنتم تعلمون. وقال الحسن: معناه: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ. وعلى هذا يكون جوابُ «لَوْ» محذوفاً تقديره: لبادرتم إلى ما أمركم به أو لعلمتم كما قال الحسن. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ ، وهذان ظرفان ل «دَعوْتُ» ، والمراد: الإخبار باتصال الدعاء وأنَّه لا يفتر عن ذلك وقيل: معناه سراً وجهراً ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلَاّ فِرَاراً﴾ ، أي: تباعداً من الإيمان، وهذا استثناء مفرغ وهو مفعول ثان. وقراءة العامة: بفتح الياء من «دُعَائِي» . وأسكنها الكوفيُّون، ويعقوب والدوري عن أبي عمرو. قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ، أي: إلى سبب المغفرةِ، وهي الإيمانُ بك والطاعة لك ﴿جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾ لئلَاّ يسمعُوا دُعائِي ﴿واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: غطُّوا بها وجوههم لئلَاّ يرون. قال ابن عبَّاسٍ: جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلَاّ يسمعوا كلامي، فاستغشاءُ الثِّياب إذن زيادة في سدِّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كنايةٌ عن العداوةِ، يقال: لبس فلانٌ ثياب العداوةِ «وأصَرُّوا» على الكفر فلم يتوبوا، «واسْتَكْبَرُوا» عن قبول الحق، وهو قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] . قوله: «لِتَغْفِرَ» ، يجوز أن تكون للتعليل، والمدعو إليه محذوفٌ، أي: دعوتهم

стр. 12079

للإيمان بك لأجلِ مغفرتك لهم، وأن تكونَ لام التَّعديةِ، ويكون قد عبَّر عن السبب بالمسبب، الذي هو حظهم، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سببٌ في الغفران. و «جَعلُوا» ، هو العامل في «كُلَّمَا» وهو خبر «إنِّي» . قوله: «جِهَاراً» ، يجوز أن تكون مصدراً من المعنى؛ لأنَّ المعنى يكون جهاراً وغيره، فهو من باب «قعد القُرفُصَاء» ، وأن يكون المرادُ ب «دعوتهم» : جاهرتهم. وأن يكون نعت مصدر محذوف أي: دعاء جهاراً. وأن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: مجاهراً، أو ذا جهارٍ، أو جعل نفس المصدر مبالغة. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلاً ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثُمَّ دعاهم في السرِّ والعلن فيجب أن يكون ثلاث دعواتٍ مختلفاتٍ، حتى يصح العطفُ. قلتُ: قد فعل ﵇ كما يفعل الذي يأمُر بالمعروفِ، وينهى عن المنكرِ في الابتداء بالأهون، والترقي إلى الأشدِّ فالأشدِّ، فافتتح في المناصحة بالسرِّ فلما لم يقبلوا ثَنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يقبلوا ثلَّث بالجمع بين السرِّ والإعلان، ومعنى» ثُمَّ «للدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهاد إذا غلظ من الإسرار، والجمعُ بين الأمرين، أغلظُ من إفراد أحدهما» . وقال أبو حيان: «وتكرر كثيراً له أنَّ» ثُمَّ «للاستبعاد، ولا نعلمه لغيره» . وقوله: «اسْتِكبَاراً» . قال القرطبيُّ: تفخيم. فصل في معنى الآية معنى: «جِهَاراً» ، أي: مظهراً لهم الدعوة، وهو منصوب ب «دَعوْتهُمْ» بنصب المصدر. ﴿ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ . أي: لم أبقِ مجهوداً. وقال مجاهد ﵁: معنى «أعْلَنْتُ» صِحْتُ، ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ بالدعاءِ عن بعضهم من بعض. وقيل: «أسْرَرْتُ لهم» أتيتُهم في منازلهم وكلُّ هذا من نوح ﵊ ُ - مبالغةٌ في الدعاءِ، وتلطف في الاستدعاءِ.

стр. 12080

وفتح الياء من «إنِّي أعلنْتُ» ، الحرميون وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. قوله: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ﴾ ، أي سلوه المغفرة لذنوبكم بإخلاص الإيمان ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ وهذا منه - تعالى - ترغيبٌ في التوبة، لقوله ﵊ ُ: «الاسْتغفَارُ مَمحاةٌ للذنُوبِ» . قوله: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾ . أي: يرسل ماء السماءِ، ففيه إضمار. وقيل: السماء: المطر، أي يرسلُ المطر؛ قال الشاعر: [الوافر] . ٤٨٧٨ - إذَا نَزََل السَّماءُ بأرْضِ قَوْمٍ ... رَعيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا و «مِدْراراً» يجوز أن يكون حالاً من «السَّماء» . ولم يؤنث؛ لأن «مفعالاً» لا يؤنث، تقول: «امرأة مِئْنَاث، ومِذْكَار» ولا يؤنث بالتاء إلا نادراً، وحينئذ يستوي فيه المذكر والمؤنث، فتقول رجُلٌ مخدامةٌ، ومطرابةٌ، وامرأة مخدامة ومطرابة، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي: إرسالاً مدراراً. وتقدم الكلام عليه في الأنعام. وجزم «يرسل» جواباً للأمر، و «مِدْرَاراً» ذا غيث كثيرٍ. فصل في حكاية قوم نوح قال مقاتل: لما كذَّبوا نوحاً ﵊ ُ - زماناً طويلاً حبس اللَّهُ عنهم المطر، وأعقم أرحامَ نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم فصاروا إلى نوح ﵊ ُ - واستغاثوا به، فقال: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ، أي: لمن أناب إليه، ثم رغبهم في الإيمان فقال: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ . قال قتادة: علم نبيُّ الله ﷺ َ أنهم أهل حرصٍ على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإنَّ في طاعة الله درك الدنيا والآخرة. فصل في استنزال الرزق بالاستغفار. في هذه الآية والتي قبلها في «هود» دليلٌ على أنَّ الاستغفار يستنزلُ به الرزق والأمطار قال الشعبيُّ: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماءِ التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ .

стр. 12081

قال ابن الأثير: المجاديحُ واحدها «مجدح» والياء زائدة للإشباع، والقياس أن يكون واحدها مجداح، فأما مجدح فجمعه «مجادح» ، والمجدح: نجمٌ من النجوم. قيل: هو الدبران. وقيل: هو ثلاثةُ كواكب، كالأثافي تشبيهاً له بالمجدح، الذي له ثلاث شعبٍ، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهاً بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه لا قولاً بالأنواء، وجاء بلفظ الجمع؛ لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر. وشكى رجلٌ إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادعُ الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخرُ جفاف بساتينه فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك، فقال ما قلت من عندي شيئاً، إنَّ الله تعالى يقول في سورة «نوح» : ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ . فإن قيل: إنَّ نوحاً ﵊ ُ - أمر الكفار أولاً بالعبادة، والطَّاعة، فأيُّ فائدةٍ في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار. فالجوابُ: لمَّا أمرهم بالعبادة قالوا له: إن كان الدين الذي كُنَّا عليه حقاً، فلم تأمرنا بتركه، وإن كان باطلاً، فكيف يقبلنا بعد أن عصيناه، فقال نوح ﵊ ُ -: إنكم وإن كنتم قد عصيتموه ولكن استغفروا من تلك الذنوب فإنَّه سبحانه كان غفاراً. فإن قيل: فلم قيل: إنه كان غفاراً، ولم يقل: إنَّه غفار؟ . فالجوابُ: كأنه يقول: لا تظنوا أن غفرانه إنما حدث الآن بل هو أبداً هكذا عادته أنه غفارٌ في حق من استغفر. قوله: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ . قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة، وقدرة على أحدكم بالعقوبة، أي: أيُّ عذر لكم في ترك الخوف من الله؛ قال الهذليُّ: [الطويل] ٤٨٧٩ - إذَا لَسَعتْهُ النَّخْلُ لمْ يَرْجُ لَسْعهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 12082

وقال سعيد بن جبيرٍ وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثواباً، ولا تخافون له عقاباً. وقال سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ﴾ ، لا تخشون لله عقاباً وترجون منه ثواباً. وقال الوالبي والعوفي عنه: ما لكم لا تعلمون لله عظمة. وقيل: ما لكم لا تعتقدون لله عظمة. وقال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغةٌ حجازيةٌ، وهذيل وخزاعةُ ومضر يقولون: لم أرج، أي: لم أبال. قوله: «وقَاراً» ، يجوز أن يكون مفعولاً به على معان، منها: ما لكم لا تأملون له توقيراً، أي: تعظيماً. قال الزمخشريُّ: والمعنى ما لكم لا تكونون على حالٍ، تأملون فيها تعظيم الله إيَّاكم في دار الثواب «ولله» بيانٌ للموقر، ولو تأخر لكان صلته. انتهى. أي: لو تأخر «للَّهِ» عن «وقَاراً» لكان متعلقاً به، فيكون التوقير منهم لله تعالى وهو عكس المعنى الذي قصده، ومنها: لا تخافون لله حلماً وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا. ومنها: لا تخافون لله عظمة، وعلى الأول يكون الرجاء على بابه، وقد تقدم أن استعماله بمعنى الخوف مجاز ومشترك. وأن يكون حالاً من فاعل «تَرجُونَ» ، أي: موقرين الله تعالى، أي: تعظمونه ف «لِلَّهِ» على هذا متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من «وقَاراً» أو تكون اللام زائدة في المفعول به، وحسنه هنا أمران: كون العامل فرعاً، وكون المعمول مقدماً، و «لا تَرْجُونَ» حال. وقد تقدم نظيره في المائدة. والوقارُ: العظمة، والتوقيرُ التعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] . وقال قتادةُ: ما لكم لا ترجون لله عاقبة كأن المعنى: ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان.

стр. 12083

وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله، وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً. وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤتون لله تعالى طاعة. وقال الحسنُ: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة. وقيل: ما لكم لا توحدون الله لأن من عظمه فقد وحَّده. وقيل: إن الوقار هو: الثبات لله ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي: اثبتن، والمعنى: ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى، وأنه إلهكم، لا إله لكم غيره، قاله ابن بحر، ثم دلَّهم على ذلك فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ . يعني نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ولحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر. وقيل: «أطْوَاراً» صبياناً، ثم شباناً، ثم شيوخاً، وضعفاء، ثم أقوياء. وقيل: «أطواراً» ، أي: أنواعاً، صحيحاً، وسقيماً، وبصيراً، وضريراً، وغنياً، وفقيراً. وقيل: الأطوار: اختلافهم في الأخلاق، والأفعال. قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ، جملة حالية من فاعل «تَرْجُونَ» . والأطوار: الأحوال المختلفة. قال الشَّاعرُ: [البسيط] ٤٨٨٠ - فإنْ أفَاقَ فقَدْ طَارتْ عَمايَتُهُ ... والمَرْءُ يُخلقُ طَوْراً بَعْدَ أطْوارِ وانتصابهُ على الحال، أي: منتقلين من حال إلى حال، أو مختلفين من بين مُسِيءٍ، ومحسن، وصالح، وطالح. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . لما ذكر لهم دليل التوحيد من أنفسهم، أتبعه بدليل الآفاق فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ ، أي: ألم تعلموا أنَّ الذي قدر على هذا، فهو الذي يجب أن يعبد، ومعنى: «طباقاً» قال ابن عباس والسدي: أي: بعضها فوق بعض كل سماء منها وطبقة على الأخرى كالقبابِ. فإن قيل: هذا يقتضي ألا يكون بينهما فرج، وإذا كان كذلك فكيف تسلكها الملائكة؟ .

стр. 12084

فالجواب: أن الملائكة أرواح. وأيضاً قال المبرِّد: معنى طباقاً، أي: متوازية لا أنها متماسة. وقرا الحسنُ: «خلَق الله سبعَ سماواتٍ طِباقاً» على سبع أرضين بين كل أرض وأرض وسماء خلق وأمر. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ﴾ ، على جهة الإخبار، لا المعاينة كما تقول: ألمْ ترنِي كيف صنعتُ بفلان كذا، و «طِبَاقاً» نصب على أنه مصدر طابقه طباقاً، أو حال بمعنى: «ذات طباقٍ» ، فحذف «ذات» وأقام «طِباقاً» مقامه، وتقدم الكلامُ عليه في سورة «الملك» . وقال مكيّ: وأجاز الفرَّاء في غير القرآنِ جر «طِباق» على النعت ل «سماوات» . يعني أنه يجوز أن يكون صفة للعدد تارة وللمعدود أخرى. قوله: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ ، أي: في السماوات، والقمر إنَّما هو في سماءٍ واحدةٍ منهن قيل: هو في السماء الدنيا، وإنَّما جاز ذلك لأن بين السماواتِ ملابسة فصح ذلك، وتقول: زيد في المدينة، وإنَّما هو في زاوية من زواياها. وقال ابن كيسانِ: إذا كان في إحداهنَّ فهو فيهنَّ. وقال قطرب: «فِيهِنَّ» بمعنى: «مَعهُنَّ» . وقال الكلبيُّ: أي: خلق الشمس والقمر مع خلق السماوات والأرض. وقال جُلُّ أهل اللغةِ في قول امرىء القيس: [الطويل] ٤٨٨١ - وهَلْ يَنعَمَنْ مَنْ كَانَ آخِرُ عَهدِهِ ... ثَلاثِينَ شَهْراً في ثلاثةِ أحْوالِ «في» بمعنى: «مَعَ» . وقال النحاس: سألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية. فقال: جوابُ النحويين: أنه إذا جعله في إحداهن، فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني الثيابَ المعلمة، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وجواب آخر: أنه يروى أنه وجه القمر إلى داخل السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسماوات، ومعنى: «نُوْراً» ، أي: لأهل الأرض، قاله السدي.

стр. 12085

وقال عطاءُ: نورٌ لأهل السماوات والأرض. وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. قوله: ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ . يحتمل ان يكون التقدير: وجعل الشمس فيهن - كما تقدم - والشمس، قيل: في الرابعة، وقيل: في الخامسة، وقيل: في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة والله أعلم. وقوله: «سِراجَاً» . يعني مصباحاً لأهل الأرض، ليتوصلوا إلى التصرف لمعايشهم، وفي إضاءتها لأهل السماء، القولان الأولان، حكاه الماورديُّ. وحكى القشيريُّ عن ابن عباسٍ: أن الشمس وجهه في السماوات وقفاه في الأرض. وقيل: على العكس. وقيل لعبد الله بن عمر: ما بالُ الشمس تقلينا أحياناً وتبرد علينا أحياناً؟ . فقال: إنَّها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمنِ، ولو كانت في السَّماء الدنيا، لما قام لها شيء. ولما كانت الشمس سبباً لزوال الليلِ وهو ظل الأرض أشبهت السِّراجَ، وأيضاً فالسراجُ له ضوءٌ والقمرُ له نورٌ، والضوء أقوى من النور، فجعل للشمس كما قال ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ [يونس: ٥] . قوله: ﴿والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ . يعني آدمَ ﵊ ُ - خلقه من أديم الأرض كلِّها، قاله ابن جريج. وقد تقدم بيانه. و «نَبَاتاً» . إما مصدر ل «أنبت» على حذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، لأن مصدر «أنْبَتَ» «إنباتاً» فجعل الاسم الذي هو النباتُ في موضع المصدر وإمَّا ب «نَبَتُّمْ» مقدراً، أي: «فَنَبَتُّمْ نَبَاتاً» ، فيكون منصوباً بالمضارع المقدر. قال الزمشخريُّ: أو نصب ب «أَنْبَتَكُمْ» لتضمنه معنى: «نَبَتُّمْ» . قال أبو حيَّان: ولا أعقل معنى هذا الوجه بالثاني. قال شهابُ الدين: هذا الوجه المتقدم، وهو أنه منصوب ب «أَنْبَتَكُمْ» على حذف

стр. 12086

الزوائد ومعنى قوله: لتضمنه معنى «نَبَتُّمْ» ، أي: مشتمل عليه، غاية ما فيه أنه حذفت زوائدهُ. قال القرطبيُّ: «وقال الخليلُ والزجاجُ: إنه محمول على المعنى، لأن معنى» أنْبتَكُم «جعلكم تنبتون نباتاً. وقيل: معناه أنبت لكم من الأرض النبات، ف» نَبَاتاً «على هذا نصب على المفعول الصريح، والأول أظهر» . قال ابن بحر: أنبتكم في الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، ثم يعيدكم فيها، أي عند موتكم بالدفن ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ بالنشور والبعث يوم القيامة. والإنبات: استعارة بليغة، قيل: المراد أنبت أباكم. وقيل: المراد أنبت الكلَّ لأنهم من النطف، وهي من الأغذية التي أصلها الأرض، وهذا كالتفسير لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ، ثم قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ، وهذا إشارة إلى الطريقة المعهودة في القرآن، من أنه تعالى لما كان قادراً على الابتداء، فهو قادر على الإعادة، وقوله: ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ، أكده بالمصدر فإنه قال: يخرجكم حتماً لا محالة. قوله: ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً﴾ ، أي: مبسوطة. ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ أي: طرقاً واسعة، والسُّبُل: الطرقُ، والفجاجُ: جمع فجٍّ، وهو الطريق الواسعة، قاله الفراءُ. وقيل: الفَجُّ: المسلك بين الجبلين، وفي «الأنبياء» ، قدَّم الفجاج لتناسب الفواصل. وقد تقدم الكلام على ذلك.

стр. 12087

قوله: ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَاّ خَسَاراً﴾ .

стр. 12088

ذكر أولاً أنهم عصوا ثم ذكر أنهم ضموا إلى عصيانه طاعة رؤسائهم الذين يدعونهم إلى الكفر، إنما زادهم أموالهم، وأولادهم خساراً؛ لأنهم سبب لخسارة الآخرة، والدنيا في جنب الآخرة كالعدم، فإذا خسرت الآخرة بسببها كانت كاللُّقمةِ من الحلوى مسمومة؛ ولذلك قال جماعة: ليس لله على الكافر نعمة، وإنَّما هي استدراج للعذابِ. قال المفسِّرون: لبث فيهم نوحٌ ﵇ كما أخبر الله تعالى ألف سنةٍ إلاِّ خمسين عاماً داعياً لهم وهم على كفرهم وعصيانهم. قال ابنُ عباس: دعا نوحٌ الأبناءَ بعد الآباءِ، فكان الآباءُ يأتون بأولادهم إلى نوح ﵊ ُ - ويقولون لأبنائهم: إياكم وأن تطيعوا هذا الشيخ؛ فيما يأمركم به، حتى بلغوا سبع قرونٍ، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، ولبث بعد الطوفان ستين عاماً، حتى كثر الناس وفشوا. قال الحسن: كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين، حكاه الماورديُّ. قوله «وولده» قرأ أهل «المدينة» و «الشام» وعاصم: «وَوَلَدُه» بفتح اللام والواو. والباقون: «وَوُلْدُهُ» بضم الواو وسكون اللام، وقد تقدم أنهما لغتان ك «بَخَل وبُخْل» . قال أبو حاتم: ويمكن أن يكون المضموم جمع المفتوح ك «خَشَب وخُشْب» . وأنشد لحسَّانٍ: [الكامل] ٤٨٨٢ - يَا بِكْرَ آمنةَ المُباركِ وُلْدُهَا ... مِنْ وُلدِ مُحْضنةٍ بِسعْدِ الأسْعَدِ قوله: ﴿وَمَكَرُواْ﴾ ، عطف على صلة «من» لأن المتبوعين هم الذين مكروا. ﴿وَقَالُواْ﴾ للإتباع: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ، وإنَّما جمع الضمير حملاً على المعنى، بعد حملها على لفظها في ﴿لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ ، يجوز أن يكون مستأنفاً إخباراً عن الكفار. قوله «كُبَّاراً» ، العامة: على ضم الكاف وتشديد الباء، وهو بناء مبالغة أبلغ من «كُبَار» بالضم والتخفيف. قال عيسى: وهي لغةٌ يمانية؛ وأنشد: [الكامل] ٤٨٨٣ - والمَرْءُ يُلحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدى ... خُلقُ الكَريمِ وليْسَ بالوُضَّاءِ

стр. 12089

وقول الآخر: [الكامل] ٤٨٨٤ - بَيْضَاءُ تَصْطادُ الغَوِيَّ وتَسْتَبِي ... بالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرَّاءِ ويقال: رجل طُوَّال، وجميل، وحُسَّان، وعظيم، وعُظَّام. وقرأ ابن عيسى وابن محيصن وأبو السمال وحميد ومجاهد: بالضم والتخفيف، وهو بناء مبالغة أيضاً دون الأول. وقرأ زيد بن علي وابن محيصن أيضاً: بكسر الكاف وتخفيف الباء. قال أبو بكر: هو جمع كبير، كأنه جعل «مَكْراً» ، مكان «ذُنُوب» ، أو «أفاعيل» يعني فلذلك وصفه بالجمع. فصل في المقصود بالمكر في الآية قيل مكرهم: هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح. وقيل: هو تعزيزهم الناس بما أوتوا من الدنيا، والولد، حتى قالت الضعفة: لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النِّعمَ. وقال الكلبيُّ: هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد، وهذا بعيد، لأن هذا إنما قاله النصارى وهم بعد قوم نوح ﵇ بأزمان متطاولة. وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ، فمنعوا القوم عن التوحيد وأمروهم بالشرك، واعلم أنه لما كان التوحيد أعظم المراتب، لا جرم كان المنعُ منه أعظم الكبائر، فلهذا وصفه اللَّهُ تعالى بأنه كبار. قال ابن الخطيب: وإنَّما سماه مكراً لوجهين: الأول: لما في إضافة الآلهة إليهم من الحيل الموجبة، لاستمرارهم على عبادتها؛ لأنها معبود آبائهم، فلو قبلتم قول نوحٍ لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين، وعلى آبائكم بأنهم كانوا كذلك، ولما كان اعتراف الإنسانِ على نفسه وعلى أسلافه بالقصور والنقص والجهل بهذه الكلمة وهي لفظة «آلهتكم» وصدفكم عن الدين؛ فلهذه الحجة الخفية سمّى الله كلامهم مكراً.

стр. 12090

الثاني: أنه تعالى حكى عن المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد، فلعلهم قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح؛ لأن آلهتكم يعطونكم المال والولد، وإله نوح [لا يعطيه شيئاً لأنه فقير] فصرفوهم بهذا المكر عن طاعة نوح، وهو مثل مكر فرعون إذ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] ، وقوله ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٢، ٥٣] . قوله: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً﴾ [نوح: ٢٣] يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، إن قيل: إن هذه الأسماء لأصنام، وألا يكون إن قيل: إنها أسماء رجال صالحين على ما ذكر المفسِّرون. وقرأ نافع: «وُدّاً» بضم الواو، والباقون: بفتحها. وأنشد بالوجهين قول الشاعر: [البسيط] ٤٨٨٥ - حَيَّاكَ وُدٌّ فإنَّا لَا يَحِلُّ لَنَا ... لَهْوُ النِّساءِ، وإنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَمَا وقول الآخر: [الطويل] ٤٨٨٦ - فَحيَّاكَ وُدُّ مَنْ هداكَ لعِسِّهِ ... وخُوص بأعْلَى ذِي فَضالة هجِّه قال القرطبي: قال الليث: «وَدٌّ» - بفتح الواو - صنم كان لقوم نوح، و «وُدّ» - بالضم - صنم لقريش، وبه سمي عمرو بن عبد ود. وفي الصحاح: «والوَدُّ» بالفتح: الوتد في لغة أهل نجد، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال. والود في قول امرىء القيس: [الرمل] ٤٨٨٧ - تُظْهِرُ الوَدَّ إذَا مَا أشْجَذتْ ... وتُواريهِ إذَا ما تَشْتَكِرْ قال ابن دريدٍ: هو اسم جبلٍ. و «ود» : صنم كان لقوم نوح ﵊ ُ - ثم صار لكلب، وكان بدومةِ الجَندلِ، ومنه سموا بعبد ودّ. قوله: ﴿وَلَا يَغُوثُ وَيَعُوقَ﴾ . قرأهما العامة بغير تنوين، فإن كانا عربيين: فالمنع من الصرف للعلمية والوزن، وإن كانا أعجميين: فالعجمة والعلمية.

стр. 12091

وقرأ الأعمش: «ولا يغوثاً ويعوقاً» مصروفين. قال ابن عطية: «وذلك وهم، لأن التعريف لازم ووزن الفعل» . انتهى. قال شهاب الدين: وليس بوهم لأمرين: أحدهما: أنه صرفهما للتناسب إذ قبلهما اسمان مصروفان وبعده اسم مصروف كما صرف «سَلاسِل» . والثاني: أنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقاً، وهي لغة حكاها الكسائي، ونقل أبو الفضل: الصرف فيهما عن الأشهب العقيلي، ثم قال: جعلهما «فعولاً» ، فلذلك صرفهما، فأما في العامة: فإنهما صفتان من الغوثِ والعوقِ. قال شهاب الدين: «وهذا كلامٌ مشكلٌ، أما قوله:» فعولاً «فليس بصحيح، إذ مادة يغث ويعق مفقودة، وأما قوله: صفتان من الغوث والعوق، فليس في الصفات ولا في الأسماء» يفعل «والصحيح ما قدمته» . وقال الزمخشريُّ: وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو أعجميين، ففيهما المنع من الصرف، ولعله وجد الازدواج، فصرفهما لمصادفته أخواتهما منصرفات: ودّاً وسواعاً ونسراً، كما قرىء ﴿وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] بالإمالة لوقوعه مع الممالات للازدواجِ. قال أبو حيَّان: كأنه لم يطلع على أن صرف ما لا ينصرف لغة. فصل في بيان هذه الأسماء. قال ابن عبَّاس وغيره: وهي أصنامٌ، وصور كان قوم نوحٍ يعبدونها، ثم عبدتها العربُ، وهذا قول الجمهورِ. وقيل: إنَّها للعربِ لم يعبدها غيرهم، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، فلذلك خصُّوا بالذكر بعد قوله: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً﴾ . وقال عروة بن الزبير: اشتكى آدمُ ﵊ ُ - وعند بنوه: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وكان ود أكبرهم، وأبرّهم به.

стр. 12092

قال محمد بن كعب، كان لآدمَ خمس بنينَ: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا عُبَّاداً، فمات رجل منهم فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا أصور لكم مثله، إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: افعل، فصوّره في المسجدِ، من صفر ورصاصٍ، ثم مات آخرُ، فصوره حتى ماتوا كلُّهم، وصوروهم وتناقصت الأشياءِ كما ينقص اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين، فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئاً؟ . قالوا: وما نعبدُ؟ قال آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترونها في مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله، حتى بعث الله نوحاً، فقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً﴾ الآية. وقال محمد بن كعبٍ أيضاً ومحمد بن قيس: بل كانوا قوماً صالحين، بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا زيَّن لهم إبليس أن يصوروا صورهم؛ ليتذكروا بها اجتهادهم، وليتسلوا بالنظر إليها فصوّروهم، فلما ماتوا هم وجاء آخرون قالوا: ليت شعرنا، وما هذه الصورُ التي كان يعبدها آباؤنا؟ فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر، فعبدوها فابتدىء عبادة الأوثان من ذلك الوقت. وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين من حديث عائشةَ: «أنّ أم حبيبةَ وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة، تسمى مارية فيها تصاوير لرسول الله ﷺ َ فقال رسول الله ﷺ َ:» إنَّ أولئِكَ كَانَ إذَا مَاتَ فيهِم الرَّجلُ الصَّالحُ، بَنَوا على قَبْرهِ مَسْجداً، ثُمَّ صوَّرُوا فِيْهِ تِلكَ الصُّورَ أولئك شِرارُ الخَلقِ عند اللَّهِ يَوْمَ القِيَامةِ « وذكر الثعلبيُّ عن ابن عباس قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين، من قوم نوح فلمَّا هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم أن ينصبوا في مجالسهم أنصاباً، ويسمونها بأسمائهم وهذا بعيدٌ، لأن نوحاً ﵊ ُ - هو الآمرُ لهم بتركها وذلك يدل على أنَّهم كانوا قبل نوحٍ، حتى أرسلَ نوحٌ إليهم. وروي عن ابن عباس: أنَّ نوحاً ﵊ ُ - كان يحرس جسد آدمَ ﵊ ُ - على جبل الهند فيمنع الكافرينَ أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطانُ: إن هؤلاء، يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم، وإنما هو جسد،

стр. 12093

وأنا أصوّر لكم مثله تطوفون به، فصوَّر لهم هذه الأصنام الخمسة، وحملهم على عبادتها، فلمَّا كان أيام الطوفانِ دفنها الطين، والتراب، والماء، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطانُ لمشركي العرب وكانت للعربِ أصنام أخر، فاللات كانت لقديد، وأساف ونائلة وهبل، لأهل مكة. قال الماورديُّ: فما» ود «فهو أول صنم معبود سمي» ودّاً «لودهم له، وكان بعد قوم نوح لكلب بدومةِ الجندلِ، على قول ابن عباس وعطاء ومقاتل؛ وفيه يقول شاعرهم: [البسيط] ٤٨٨٨ - حَيَّاكَ وُدٌّ فإنَّا لا يحلُّ لَنَا ... لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَمَا وأما» سُواع «فكان لهذيل بساحل البحر في قولهم. وقال ابن الخطيب:» وسُواع لهمدَان «. وأما» يَغُوثُ «فكان لقطيف من مراد بالجوف من سبأ، في قول قتادة. وقال المهدويُّ: لمراد ثم لغطفان. وقال الثعلبيُّ: واتخذت - أعلى وأنعم - وهما من طيىء، وأهل جرش من مذحج يغوث، فذهبوا به إلى مراد، فعبدوه زماناً، ثُمَّ بَنِي ناجية، أرادوا نزعه من» أنعم «ففروا به إلى الحصين أخي بني الحارث بن كعب بن خزاعة.؟ وقال أبو عثمان المهدويُّ: رأيت» يغُوث «وكان من رصاص، وكانوا يحملونه على جمل أجرد، ويسيرون معه ولا يهيجونه، حتى يبرك بنفسه، فإذا برك نزلوا، وقالوا: قد رضي لكم المنزل فيه فيضربون عليه بناء، وينزلون حوله. وأما» يعوق «فكان لهمدان ببلخ، في قول عكرمة وقتادة وعطاء، ذكره الماورديُّ. وقال الثعلبيُّ: وأما» يعوق «فكان لكهلان من سبأ، ثم توارثه بنوه الأكبر فالأكبر، حتى صار في الهمداني. وفيه يقول غط الهمداني: [الوافر] ٤٨٨٩ - يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنيَا ويَبْرِي ... ولا يَبْرِي يعُوقُ ولا يَرِيشُ وقيل: كان «يَعُوق» لمراد؛ وأما «نَسْر» ، فكان لذي الكلاع من حمير، في قول قتادة ومقاتل. وقال الواقدي: كان «ودّ» على صورة رجلٍ، و «سُواع» على صورة امرأة،

стр. 12094

و «يَغُوث» على صورة أسد، و «يعوق» على سورة فرس، و «نَسْر» على سورة نسر من الطير، والله أعلم. قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ ، أي: الرؤساء فهو عطف على قوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ ، أو الأصنام، وجمعهم جمع العقلاءِ، معاملة لهم معاملة العقلاء لقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظالمين﴾ . عطف على قوله: ﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [على حكاية كلام نوح بعد «قال» وبعد الواو النائبة عنه، أي قال: إنهم عصوني] ، وقال: «لا تَزِد» ، أي: قال هذين القولين، فهما في محل نصب، قاله الزمخشريُّ. قال: «كقولك: قال زيد نودي للصلاة، وصلِّ في المسجد يحكي قوليه، معطوفاً أحدهما على صاحبه» . وقال أبو حيَّان: «ولا تَزِد» معطوف على «قَدْ أضلُّوا» لأنها محكية ب «قَالَ» مضمرة، ولا يشترط التناسب في الجمل المتعاطفة، بل تعطف خبراً على طلب، وبالعكس خلافاً لمن اشترط ذلك. فصل في معنى «إلا ضلالاً» معنى قوله: ﴿إِلَاّ ضَلَالاً﴾ . قال ابن بحر: أي إلا عذاباً، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] . وقيل: إلَاّ خسراناً. وقيل: إلَاّ فتنة بالمال. قوله: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم﴾ . «مَا» مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد، ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة، وجعل «خَطِيئَاتهِم» بدلاً وفيه تعسف. وتقدم الخلاف في قراءة «خَطِيئاتِهِم» في «الأعراف» . وقرأ أبو رجاء: «خطيّاتهم» جمع سلامة إلَاّ أنه أدغم الياء في الياء المنقلبة عن الهمزة. وقال أبو عمرو: قوم كفروا ألف سنةٍ فلم يكن لهم إلَاّ خطيَّات، يريد أنَّ الخطايا أكثر من الخطيَّات. وقال قوم: خطايا وخطيات، جمعان مستعملان في القلة، والكثرة، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ [لقمان: ٢٧] .

стр. 12095

وقال الشاعر: [الطويل] ٤٨٩٠ - لَنَا الجَفنَاتُ الغُرّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسْيَافُنَا يَقْطُرنَ مِنْ نَجْدةٍ دَمَا وقرأ الجحدريُّ وتروى عن أبيِّ «خطيئتهم» بالإفراد، والهمز. وقرأ عبد الله «مِنْ خَطيئاتِهم مَا أغْرِقُوا» ، فجعل «ما» المزيدة بين الفعلِ وما يتعلق به. و «من» للسببية تتعلق ب «أغْرقُوا» . وقال ابنُ عطية: لابتداء الغايةِ، وليس بواضح. وقرأ العامةُ: «أغرقوا» من «أغرق» . وزيد بن علي: «غُرِّقُوا» بالتشديد. وكلاهما للنقل، تقول: «أغرقت زيداً في الماء، وغرَّقته به» . فصل في صحة «عذاب القبر» قال ابن الخطيب: دل قوله: ﴿أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ ، على إثبات عذاب القبر لأنه يدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق، ولا يمكن حمل الآية على عذاب الآخرة وإلَاّ بطلت دلالة هذه الفاء، وأيضاً فقوله «فأدْخِلُوا» يدل على الإخبار عن الماضي، وهذا إنَّما يصدق لو وقع ذلك، وقال مقاتل، والكلبيُّ: معناه أنهم سيدخلون في الآخرة ناراً، ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي؛ لصدق وقوع وعده كقوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] . قال ابن الخطيب: وهذا ترك للظاهر، من غير دليل، فإن قيل: إنما تركنا الظاهر لدليل، وهو أن من مات في الماء، فإنا نشاهده هناك، فكيف يمكن أن يقال: إنهم في تلك الساعة أدخلوا ناراً؟ فالجواب: إن هذا الإشكال، إنَّما جاء لاعتقاد أنَّ الإنسان هو مجموعُ هذا الهيكل، وهذا خطأ لأن الإنسان هو الذي كان موجوداً من أول عمره، مع أنَّه كان صغير الجثَّة في أول عمره، ثم إن أجزاءه دائماً في التحلل والذوبان، ومعلوم أن الباقي غير المتبدل، فهذا الإنسانُ عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باقٍ، من أول عمره إلى الآن، فلمَ لا يجوز أن يقال: نقل الأجزاء الباقية الأصلية التي في الإنسان عبارة عنها إلى النار وإلى العذاب.

стр. 12096

ونقل القرطبيُّ عن القشيري أنه قال: هذه الآية تدل على عذاب القبرِ، ومنكروه يقولون: صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من النار، كقوله تعالى: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: ٤٦] . وقيل: أشار إلى ما في الخبر من قوله: «البحرُ نارٌ في نارِ» . وروى أبو روق عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿أَغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ ، قال: يعني عذبوا بالنار في الدنيا في حالة واحدة، كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب. ذكره الثعلبي. وأنشد ابن الأنباري: [البسيط] ٤٨٩١ - الخَلْقُ مُجتمِعٌ طَوْراً ومُفْتَرِقٌ ... والحَادثَاتُ فُنونٌ ذاتُ أطوَارِ لا تَعْجَبنَّ لأضْدادٍ قَد اجْتمَعَتْ ... فاللَّهُ يَجْمَعُ بينَ المَاءِ والنَّارِ قال المعربون: «فأدخلُوا» يجوز أن يكون من التعببير عن المستقبل بالماضي، لتحقق وقوعه كقوله: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] ، وأن يكون على بابه، والمراد عرضهم على النَّار في قبورهم كقوله في آل فرعون: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: ٤٦] . قوله: ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً﴾ ، أي: من يدفع عنهم العذاب، وهذا يدل على أنهم إنما عبدوا تلك الأصنام لتدفع عنهم الآفاتِ، وتجلب المنافع إليهم فلما جاءهم العذاب لم ينتفعوا بتلك الأصنام، ولم يدفعوا عنهم العذاب وهو كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] . ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ . قال الزمخشريُّ: «ديَّاراً» من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بالدار ديار وديور، كقيَّام وقيُّوم، وهو «فَيْعَال» من الدارة أصله: «ديْوَار» ففعل به ما فعل بأصل «سيِّد وميِّت» ولو كان «فَعَّالاً» لكان «دوَّاراً» انتهى. يعني أنه كان ينبغي أن تصح واوهُ ولا تقلب ياء، وهذا نظير ما تقدم له من البحث في «مُتَحيِّز» وأن أصله: «مُتَحَيْوز» لا «مُتَفعِّل» إذ كان يلزم أن يكون «متحوِّزاً» لأنه من «الحَوْز» ويقال فيه أيضاً: «دَوَّار» نحو «قيَّام وقوَّام» . وقال مكيٌّ: وأصله «ديْوَار» ثم أدغموا الواو في الياء مثل «ميِّت» أصله «ميْوِت» ثم أدغموا الثاني في الأول، ويجوز أن يكون أبدلوا من الواو ياء، ثم أدغموا الياء الأولى في الثانية.

стр. 12097

قال شهاب الدين: قوله أدغموا الثاني في الأول، هذا لا يجوز؛ إذ القاعدة المستقرة في المتقاربين قلب الأول لا الثاني، ولا يجوز العكسُ إلا شذوذاً أو لضرورة صناعية، أما الشذوذ فكقوله: ﴿واذَّكَرَ﴾ [يوسف: ٤٥] بالذال المعجمة، و ﴿فهل من مُذَّكر﴾ [القمر: ١٥] بالذال المعجمة أيضاً وأما الضرورة الصناعية فنحو: امدح هذا، لا تقلب الهاء حاء، لئلا يدغم الأقوى في الأضعف وهذا يعرفه من عانى التصريف، والديار: نازل الدار، يقال: ما بالدار ديار، وقيل: الديار صاحب الدار. وقال البغويُّ: «الدَّيارُ يعني أحداً يدور في الأرض، فيذهب ويجيء» فعَّال «من الدوران» . فصل في دعاء نوح على قومه لما أيس نوح ﵊ ُ - من أتباعهم إياه دعا عليهم. قالت قتادة: دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] ، فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا كقول النبي ﷺ َ: «اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكتابِ هَازِم الأحزابِ، اهْزمهُم وزلْزلهُمْ» . وقيل: سبب دعائه أنَّ رجلاً من قومه حمل ولداً صغيراً على كتفهِ فمرَّ بنوحٍ، فقال: احذر هذا فإنه يضلك، فقال: يا أبتِ، أنزلني فأنزله فرماه فشَجَّه، فحينئذ غضب ودعا عليهم. وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنَّما قال هذا، حين أخرج اللَّهُ كلَّ مؤمنٍ من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام أمهاتهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: بسبعين سنة، فأخبر اللَّهُ نوحاً أنهم لا يؤمنون، ولا يلدون مؤمناً كما قال تعالى: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] ، فحنيئذ دعا عليهم نوحٌ، فأجاب اللَّهُ دعاءَ فأهلكهم كلَّهم، ولم يكن فيهم صبي وقت العذابِ، لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] . ولم يوجد التكذيب من الأطفال. فصل في بيان أنه لا يدعى على كافر معين قال ابن العربي: دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي ﷺ َ على من تحزب على المؤمنين وألّبَ عليهم، وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة فأمَّا

стр. 12098

كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبي ﷺ َ بالدعاء على عُتبةَ وشَيبَةَ وأصحابه لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم. قوله: ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ . العامة: على فتح الدال على أنه تثنية والد؛ يريد: أبويه. واسم أبيه: لملك بن متوشلخ، واسمه أمه: شمخى بنت أنوش، وكانا مؤمنين. وحكى الماورديُّ: اسم أمه: منجل. وقرأ الحسن بن علي ﵄ ويحيى بن يعمر والنخعيُّ: ولولدي، تثنية ولد يعني: ابنيه ساماً وحاماً. وقرأ ابن جبير والجحدري: «ولوالدِي» - بكسر الدال - يعني أباه. فيجوز أن يكون أراد أباه الأقرب الذي ولده، وخصَّه بالذَّكر لأنه أشرف من الأم، وأن يريد جميع من ولده من لدن آدم إلى زمن من ولده. قال الكلبيُّ: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمن. وذكر القرطبي عن ابن عباس ﵁ قال: لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم عليهما الصلاة والسلام. قوله ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ . قال ابن عباس ﵁: أي: مسجدي ومصلاي، «مُؤمِناً» ، أي: مُصدِّقاً بالله، ف «مُؤمِناً» حال، وكان إنما يدخل بيوت الأنبياء من آمن بهم، فجعل المسجد سبباً للدعاء بالمغفرة. وقيل: المراد بقوله «بيتي» ، أي: سفينتي. وقال ابن عباس: أي: دخل في ديني. فإن قيل: فعلى هذا يصير قوله: «مُؤمِناً» مكرراً. فالجواب: إنَّ من دخل في دينه ظاهراً قد يكون مُؤمناً، وقد لا يكون مؤمناً، فالمعنى: ولمن دخل دخولاً مع تصديق القلبِ.

стр. 12099

قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ ، خصَّ نفسه أولاً بالذكر والدعاء، ثم المتصلين به لأنَّهم أولى، وأحق بدعائه، ثم عمَّ المؤمنين، والمؤمناتِ إلى يوم القيامة، قاله الضحاك. وقال الكلبيُّ: من أمة محمدٍ ﷺ َ. وقيل: من قومه، والأول أظهر، ثم ختم الكلام مرةً أخرى بالدعاءِ على الكافرين [فقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظالمين إِلَاّ تَبَاراً﴾ ، أي: هلاكاً، ودماراً، والمراد بالظالمين: الكافرين] فهي عامة في كل كافر ومشرك. وقيل: أراد مشركي قومه، و «تَبَاراً» مفعول ثاني، والاستثناءُ مفرغ، والتبار: كل شيء أهلك فقد تبر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] . وقيل: التَّبارُ الخُسران. قال المفسّرون: فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم. روى الثعلبيُّ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ نُوحٍ، كَانَ مَنَ المُؤمِنْينَ الَّذينَ تُدركُهمْ دَعْوَة نُوحٍ ﵇» .

стр. 12100

سورة الجن

стр. 12101

مكية، وهي ثمان وعشرون آية ومائتان وخمس وثمانون كلمة وثمانمائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ ، هذه قراءةُ العامة، أعني كونها من «أوْحَى» رباعياً. وقرأ العتكي عن أبي عمرو وابن أبي عبلة وأبو إياس: «وَحَى» ثلاثياً. وهما لغتان، يقال: وَحَى إليه كذا وأوحى إليه بمعنى واحد، فقلبت الواو همزة،

стр. 12102

ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ؛ وأنشد العجاج: [الرجز] ٤٨٩٢ - وحَى لَهَا القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ ... وقرأ زيد بن علي والكسائي في رواية وابن أبي عبلة أيضاً: «أُحي» بهمزة مضمومة لا واو بعدها، وخرجت على أن الهمزة بدلٌ من الواو المضمومة، نحو «أعد» في «وَعَد» فهذا فرع قراءة «وَحَى» ثلاثياً. قال الزمخشريُّ: وهو من القلب المطلق جواباً في كل واو مضومة، وقد أطلقه المازنيُّ في المكسورة أيضاً: ك «إشاح، وإسادة» ، و «إعاء أخيه» [يوسف: ٧٦] . قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر بل في ذلك تفصيل، وذلك أن الواو المضمومة قد تكون أولاً، وحشواً، وآخراً، ولكل منها أحكام، وفي بعض ذلك خلاف، وتفصيل مذكور في كتب النحو. وتقدم الكلام في ذلك مشبعاً في أول الكتاب. ثم قال أبو حيَّان بعدما تقدم عن المازنيِّ: وهذا تكثير وتبجح. قوله: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ ، هذا هو القائمُ مقام الفاعل لأنَّه هو المفعول الصريحُ، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون القائمُ مقامه الجار، والمجرور، فيكون هذا باقياً على نصبه، والتقدير: أوحي إليَّ استماع نفرٍ «من الجن» صفة ل «نَفَر» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس وغيره: قل يا محمد لأمَّتك أوحِيَ إليَّ على لسانِ جبريل، أنَّه استمع نفرٌ من الجنِّ، والنَّفرُ: الجماعةُ ما بين الثلاثة إلى العشرة، واختلفوا، هل رآهم النبي ﷺ َ أم لا؟ . فظاهرُ القرآن يدل على أنَّه لم يرهم لقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ [الأحقاف: ٢٩] . وفي صحيح مسلم، والترمذي عن ابن عباسٍ قال: انطلق رسول الله ﷺ َ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشيطان، وبين خبر السماء، وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطينُ إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ . فقالوا: حِيْلَ بيننا وبين خبر السماءِ، وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما ذلك إلا من شيء حدث، فاضربوا في مشارق الأرض ومغاربها، فمرَّ النفرُ الذين أخذوا نحو «تهامة» وهو وأصحابه بنخلة قاصدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه الفجر فلمَّا سمعوا

стр. 12103

القرآن قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يهدي إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ فأنزل الله على نبيه المصطفى ﷺ َ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ الآية. قال القرطبيُّ: وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه ﷺ َ لم يرَ الجنَّ ولكن حضروه وسمعوا قرآنه. فإن قيل: الذين رموا بالشُّهب هم الشياطينُ والذين سمعوا القرآن هم الجنُّ، فما وجه الجمع؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ الجن كانوا مع الشياطين، فلما رمي الشياطين أخذوا الجنَّ الذين كانوا منهم في تجسس الخبرِ. الثاني: أن الذين رموا بالشهبِ كانوا من الجن، إلا أنهم قيل لهم: شياطين كما قيل: شياطين الإنس والجنِّ، فإنَّ الشيطان كل متمرد، وبعيد من طاعة الله تعالى. قال ابن الخطيب ﵀: واختلف في أولئك الجنِّ الذين سمعوا القرآن من هم؟ . فروى عاصم عن ذر قال: قدم رهطُ زوبعة وأصحابه على النبي ﷺ َ ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ . وقيل: كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم. وقيل: كانوا سبعة، ثلاثة من أرض «حرَّان» وأربعة من أرض «نَصِيبينَ» ،: قريِةٌ من قرى اليمن غير التي بالعراق رواه أيضاً عنهم عاصم عن ذر. وقيل: إنَّ الجنَّ الذين أتوه بمكةَ جنُّ نصيبين، والذين أتوه بنخلة جنُّ نينَوى. وقال عكرمةُ: كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل. ومذهب ابن مسعود أنَّ النبي ﷺ َ أمر بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام، روى ابن مسعود أن النبي ﷺ َ قال: «أمِرْتُ أن أتْلُوَ القُرآنَ على الجِنِّ فمَنْ

стр. 12104

يَذْهَبُ مَعِي؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ ﷺ َ الثانية: ثُمَّ قال النبي ﷺ َ الثالثة، فقلتُ: أنَا أذْهَبُ مَعَكَ يا رسُولَ اللَّهِ، فانطلقَ، حتى أتى الحَجُونَ عند شعب ابن أبي دب خط عليَّ خطّاً فقال: لا تجاوزه، ثُمَّ مضَى إلى الحَجُونِ فاتَّخَذُوا عليه أمْثَالَ الحجل كأنَّهُم رِجالُ الزُّطِّ، قال ابنُ الأثير في» النهاية «:» الزّطّ: قومٌ من السودان والهنود «يقرعون في دُفُوفهِمْ، كما تَقرَعُ النِّسوةُ في دُفُوفِها، حتَّى غشاهُ، فغَابَ عنْ بَصرِي، فقُمْتُ، فأوْمَأ بيدِه إليَّ أن اجْلِسْ ثُمَّ تلا القرآن ﷺ َ فلم يزلْ صوتهُ يَرتفِعُ، ولصقوا في الأرضِ، حتَّى صِرْتُ لا أرَاهُمْ» . وفي رواية أخرى، «قالوا لرسول الله ﷺ َ: مَنْ أنْتَ؟ . قال ﷺ َ: أنَا نَبِيٌّ، قالوا: فَمنْ يَشهَدُ لَكَ على ذَلِكَ؟ . فقال الحبيب المجتبى ﷺ َ: هذه الشَّجرةُ، تعالي يا شجرةُ فجَاءتْ تجرُّ عُروقهَا لها قعاقعُ، حتى انتصبتْ بين يديه ﷺ َ فقال لها ﷺ َ: على ماذا تشهدين فيَّ؟ . فقالت أشْهَدُ أنَّك رسُولُ الله قال ﷺ َ لها: اذْهَبِي، فَرجعَتْ فذهبت مكانها كَمَا جاءتْ، حتى صارتْ كما كانتْ. وقال ابن مسعود ﵁: فلمَّا عاد إليَّ قال: أردت أن تأتيني، قلت: نعم يا رسول الله قال: مَا كَانَ ذلكَ لَكَ، قال: هؤلاءِ الجِنُّ أتَوا يَسْتمعُونَ القُرآنَ ثُمَّ ولَّوا إلى قَومِهِم مُنْذرينَ، فَسألُونِي الزَّادَ، فزوَّدتهُم العَظْمَ والبَعْرَ، فلا يَسْتطِيبنَّ أحدكُمْ بعَظْمٍ، ولا بَعْر» . وفي رواية: «أنَّه ﷺ َ لما فرغ وضع رأسهُ ﷺ َ على حِجْرِ ابن مسعودٍ ﵁ فرقد، ثُمَّ استيقظ ﷺ َ فقال: هَلْ مِنْ وُضُوءٍ؟ قال: لا، إلَاّ أنَّ معي إداوة نبيذٍ، فقال ﷺ َ: هَلْ هُو إلَاّ تمرٌ وماء» فَتوضَّأ مِنْهُ «.

стр. 12105

قال ابن الخطيب: وطريقُ الجمع بين المذهبين مذهب ابن عباس ومذهب ابن مسعود من وجوه: أحدها: لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولاً فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورةِ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود ﵄. وثانيها: أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة إلا أنه ﷺ َ ما رآهم، وما عرف أنَّهم ماذا قالوا، وأي شيءٍ فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا، وقالوا كذا. وثالثها: أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو ﷺ َ رآهم، وسمع كلامهم، وهم آمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم، قالوا لقومهم على سبيل الحكايةِ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ وكان كذا وكذا فأوحى اللَّهُ تعالى إلى محمد ﷺ َ ما قالوه لأقوامهم. قال ابن العربي:» ابن مسعود أعرفُ من ابن عباس، لأنه شاهده، وابن عباس سمعهُ، وليس الخبرُ كالمعاينة «. قال القرطبي: وقيل: إن الجنَّ أتوا النبي ﷺ َ دفعتين. أحدهما: بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود. والثانية: بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس. قال البيهقيُّ: الذي حكاه عبد الله إنما هو في أول ما سمعت الجنُّ قراءة رسول الله ﷺ َ وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه عبد الله بن عباس ثم أتاه داعي الجنِّ مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. فصل في لفظ» قل « قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ قوله تعالى: قُلْ» أمر لرسول الله ﷺ َ أن يظهر لأصحابه ﵃ ما أوحى إليه تعالى في واقعة الجنِّ، وفيه فوائد. أحدها: أن يعرفوا بذلك أنه ﷺ َ بُعث إلى الجن، كما بعث إلى الإنس. وثانيها: أن تعلم قريش أنَّ الجنَّ مع تمردهم لما سمعُوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا بالرسول ﷺ َ.

стр. 12106

وثالثها: أن يعلم القومُ أنَّ الجنَّ مكلفون كالإنس. ورابعها: أن تعلم أنَّ الجنَّ يستمعون كلاماً تفهمه من لغتنا. وخامسها: أن يظهر المؤمنُ منهم بدعوى غيره من الجنِّ إلى الإيمان، وفي هذه الوجوه مصالحُ كثيرة إذا عرفها الناس. فصل في بيان أصل الجن اختلف العلماءُ في أصل الجنِّ، فروى الحسنُ البصريُّ أنَّ الجنَّ ولد إبليس، والإنس ولد آدمَ - صلوات الله وسلامه عليه - ومن هؤلاء وهؤلاءِ مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثَّواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرٌ فهو شيطانٌ، روى الضحاك عن ابن عباس أن: الجن هم ولد الجان، وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين ولد إبليس، لا يموتون إلَاّ مع إبليس، وروي أن ذلك النفر كانوا يهوداً. وذكر الحسن أنَّ منهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين. فصل في دخول الجِنة الجَنة اختلفوا في دخول الجنِّ الجنةِ على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجانِّ لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنَّة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فله فيهم قولان: أحدهما: وهو قول الحسن: يدخلونها. الثاني: وهو قولُ مجاهد: لا يدخلونها فصل فيمن أنكر الجن قال القرطبيُّ: وقد أنكر جماعةٌ من كفرة الأطباءِ والفلاسفة: الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله والقرآن والسنة ترد عليهم، وليس في المخلوقات بسائط مركب من زوج، إنما الواحد ، وغيره مركب، ليس بواحد كيفما تصرف حاله، وليس يمتنع أن يراهم النبي ﷺ َ في صورهم كما يرى الملائكة وأكثر ما يتصورون هنا في صور الحياتِ. ففي الحديثِ: «أن رجلاً حديث عهدٍ بعرسٍ استأذن رسول الله ﷺ َ بأنصاف النَّهارِ أن يرجع إلى أهله» الحديث. وفيه: «فإذا حية عظيمة مطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها» وذكر الحديث.

стр. 12107

وفي الحديث: «أنَّه ﷺ َ قال:» إنَّ لهذه البيوتِ عوامر فإذا رأيتمْ منها شَيْئاً فحَرِّجُوا عليْها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر « وقال:» اذهبوا فادفنوا صاحبكم «» . وذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة كقوله في الصحيح: «إنِّ بالمدينة جنّاً قد أسْلمُوا» ، وهذه لفظ مختص بها فتختص بحكمها. قال القرطبي: قلنا: هذا يدل على أنَّ غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يعلل بحرمة «المدينة» ؛ فيكونُ ذلك الحكمُ مخصوصاً بها وإنَّما علل بالإسلام وذلك عام في غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبراً عن الجنِّ الذين لقي وكانوا من جنِّ الجزيرة وعضد هذا قوله: «ونَهَى عَن عوامِر البيوتِ» وهذا عام وقد مضى في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ، أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ [القصص: ٢٩] ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ، ووصف القرآن ب «عَجَباً» إما على المبالغة، أي: خارجاً عن حد أشكاله إما في فصاحة كلامه، وإما في بلاغة مواعظه، أو عجباً من عظم بركته، أو عزيزاً لا يوجد مثله وإما على حذف مضاف أي ذا عجب، وإمَّا بمعنى اسم الفاعل، أي: معجب. قوله «يَهْدِي» صفة أخرى، أي: هادياً. ﴿إِلَى الرشد﴾ . قرأ العامةُ: «الرشد» بضمة وسكون، وابن عمر: بضمها وعنه أيضاً: فتحهما. وتقدم هذا في الأعراف. والمعنى: يهدي إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد. قوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ ، أي: بالقرآن، أي: فاهتدينا به، وصدقنا أنه من عند الله، ﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ ، أي: لا نرجع إلى إبليس، ولا نطيعه، ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أنَّ أولئك الجنِّ كانوا مشركين. قوله: ﴿وَأَنَّهُ تعالى﴾ . قرأ الأخوان وابن عامر وحفص: بفتح «أنَّ» ، وما عطف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمة، والباقون: بالكسر. وقرأ أبو بكر وابن عامرٍ: «وإنَّهُ لمَّا قَامَ عبد الله يدعوه» بالكسر، والباقون: بالفتح.

стр. 12108

واتفقوا على الفتح في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ . وتلخيص هذه أن «أنَّ» المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام: قسم: ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ ، لا خلاف في فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ، لا خلاف في كسره لأنه محكي بالقول. القسم الثاني: أن يقترن بالواو، وهوأربع عشرة كلمة، إحداها: لا خلاف في فتحها وهو قوله: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ وهذا هو القسمُ الثاني. والثالث: «وأنه لما قام» يكسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. كما تقدم تحرير ذلك كله. والاثنتا عشرة: وهي قوله ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ﴾ [الجن: ٣] ، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾ [الجن: ٤] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] ، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨] ، ﴿وَأَنَّأ كُنَّا﴾ [الجن: ٩] ، ﴿وَأَنَّا لَا ندريا﴾ [الجن: ١٠] ، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون﴾ [الجن: ١١] ، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ١٢] ، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣] ، ﴿وَأَنَّا مِنَّا المسلمون﴾ [الجن: ١٤] . فهذا ضبطها من حيثُ القراءات، وأما توجيه ذلك فاختلف الناسُ فيه. فقال أبو حاتم في الفتح: هو معطوف على مرفوع «أوحِيَ» ، فتكون كلها في موضع رفع لما لم يسم فاعله. ورد ذلك من حيث أنَّ أكثرها لا يصح دخولها تحت معمول «أوحِيَ» ، ألا ترى أنه لو قيل «أوحي إلينا أنا لمسنا السماء، وأنا كنا، وأنا لا ندري وأنا منا الصالحون، وأنا لما سمعنا الهدى، وأنا منا المسلمون» لم يستقم معناه. وقال مكيٌّ: وعطف «أن» على «آمنَّا بِهِ» أتم في المعنى من العطف على «أنَّهُ اسْتمَعَ» لأنَّك لو عطفت «وأنا ظننا، وأنا لما سمعنا، وأنه كان رجال من الإنس، وأنا لمسنا» وشبه ذلك على «أنَّهُ اسْتمَعَ» لم يجز؛ لأنه ليس مما أوحي إليه إنَّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم، والكسر في هذا أبينُ وعليه جماعة من القُرَّاءِ. الثاني: أن الفتح في ذلك عطف على محل «بِهِ» من «آمنَّا بِهِ» . قال الزمخشريُّ: «كأنه قال: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه يقول سفيهنا، وكذلك البواقي» . إلا أن مكياً ضعف هذا الوجه فقال: «والفتح في ذلك على الجمل على معنى:»

стр. 12109

آمنَّا بِهِ «، فيه بعدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا، بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا أنَّهم آمنوا أنه كان رجال، إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين به عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر أولى بذلك» وهذا الذي قاله غير لازم، فإن المعنى على ذلك صحيح، وقد سبق الزمخشري إلى هذا التخريج الفرَّاء والزجاج، إلا أن الفراء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: فتحت «أن» لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنع من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح «أن» نحو: صدقنا، وشهدنا، كما قالت العرب: [الوافر] ٤٨٩٣ - وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا ... فنصب «العيونَ» لإتباعها «الحواجب» ، وهي لا تزجج إنما تكحل، فأضمر لها الكحل. انتهى فأشار إلى شيء مما ذكره وأجاب عنه. وقال الزجاج: «لكن وجهه أن يكون محمولاً على» آمنَّا بِهِ «وصدقناه وعلمناه، فيكون المعنى: صدقنا أنه تعالى جد ربِّنا ما اتخذ صاحبة» . الثالث: أنه معطوف على الهاء في «بِهِ» ، أي: آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا، وبأنه كان يقول - إلى آخره - وهو مذهب الكوفيين. وهو، وإن كان قوياً من حيثُ المعنى، إلا أنه ممنوع من حيث الصناعة لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار. وتقدم تحرير هذين القولين في سورة «البقرة» عند قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] على أن مكياً قد قوى هذا المدرك، وهو حسن جداً، فقال: هو يعني العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار في «أن» أجود منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر «إلى» مع «أن» . ووجه الكسر: العطف على «إن» في قوله: «إنَّا سَمعْنَا» فيكون الجميع معمولاً للقول فقالوا: «إنَّا سَمِعْنَا» ، وقالوا: «إنَّه تعَالى جَدُّ ربِّنَا» إلى آخرها. وقال بعضهم: الجملتان من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس﴾ ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ معترضتان بين قول الجن، وهما من كلام الباري تعالى. والظاهر أنه من كلامهم قاله بعضهم لبعض.

стр. 12110

ووجه الكسرِ والفتح في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله﴾ ما تقدم. ووجه إجماعهم على فتح ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه معطوف على «أنَّه اسْتَمَعَ» فيكون موحى أيضاً. والثاني: أنه على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بفعل النهي، أي: فلا تدعوا مع الله احداً، لأن المساجد لله. ذكرهما أبو البقاء. وقال الزمخشريُّ: «أنَّهُ اسْتَمَع» - بالفتح - لأنه فاعل «أوْحِيَ» ، و «إنَّا سَمِعْنَا» بالكسر لأنه مبتدأ، محكي بعد القول، ثُمَّ يحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجنِّ كسر، وكلهم من قولهم الثنتين الأخريين وهما: «وأن المساجد، وأنه لما قام عبد الله يدعوه» ، ومن فتح كلهن، فعطفاً على محلّ الجار والمجرور في «آمنَّا بِهِ» ، أي: صدقناه وصدقنا به. والهاء في ﴿أَنَّهُ استمع نَفَرٌ﴾ ، وأنه تعالى وما بعد ذلك ضمير الأمر والشأن، وما بعده خبر «أن» . قوله: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ . قرأ العامة: ﴿جَدّ رَبَّنَا﴾ بالفتح ل «رَبَّنَا» . والمراد به هنا العظمة. وقيل: قدرته وأمره. وقيل: ذكره. والجدُّ أيضاً: الحظُّ، ومنه قوله ﷺ َ: «وَلَا ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» والجدُّ أيضاً: أبو الأب، والجدُّ أيضاً - بالكسر - ضد التواني في الأمر. وقرأ عكرمة: بضم ياء «ربُّنا» وتنوين «جدٌّ» على أن يكون «ربنا» بدلاً من «جد» . والجد: العظيمُ. كأنه قيل: وأنه تعالى عظم ربنا، فأبدل المعرفة من النكرة. وعنه أيضاً: «جداً» على التمييز و «ربنا» فاعل ب «تعَالى» ، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير: «جد ربنا» ثم صار تعالى ربنا جداً أي عظمة نحو تصبب زيداً عرقاً أي عرق زيد، وعنه أيضاً وعن قتادة كذلك إلا انه بكسر الجيم، وفيه وجهان: أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف، وربنا فاعل ب «تعالى» ، والتقدير: تعالى ربُّنا تعالياً جداً، أي: حقاً لا باطلاً. والجِدُّ - بكسر الجيم - ضد الهزل.

стр. 12111

والثاني: أنه منصوب على الحال، أي: تعالى ربنا حقيقة وتمكناً، قاله ابن عطية. وقرأ حميد بن قيس: «جُدُّ ربِّنا» - بضم الجيم - مضافاً ل «ربِّنا» ، وهو بمعنى العظيم حكاه سيبويه. وهو في الأصل من إضافة الصفة لموصوفها؛ إذ الأصل: ربنا العظيم، نحو: «جرد قطيفة» الأصل: قطيفةُ جرد، وهو مؤولٌ عن البصريين. وقرأ ابنُ السميقع: «جدا ربنا» بألف بعد الدال مضافاً ل «ربِّنا» . والجَدَا والجدوى: النفع والعطاء، أي: تعالى عطاء ربِّنا ونفعه. فصل في معنى «الجد» قال القرطبيُّ: الجد في اللغة: العظمةُ والجلالُ، ومنه قول أنس - رضي الله عليه -: «كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا» أي: عظم وجل فمعنى «جَدُّ ربِّنَا» أي: عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة، وعن مجاهد أيضاً: ذكره. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمةُ أيضاً: غناه. ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود: أي: محظوظ، وفي الحديث: «وَلا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ منْكَ الجَدُّ» ، قال أبو عبيد والخليل، أي ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس ﵁: قدرته وقال الضحاك: فعله. وقال القرظي والضحاك: آلاؤهُ ونعماؤه على خلقه. وقال أبو عبيد والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السدي: أمره. وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ، أي: تعالى ربنا.

стр. 12112

وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من الجنِّ. وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جد وإنما قالته العرب للجهالة فلا يوحدونه. قال القشيريُّ: ويجوز إطلاق لفظ الجدِّ في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنُّبُه أولى. قال القرطبيُّ: «ومعنى الآية: وأنه تعالى جدُّ ربِّنا أن يتخذ ولداً أو صاحبة للاستئناس بهما، أو الحاجة إليهما، والربُّ يتعالى عن ذلك كما يتعالى عن الأنداد والنظراء» . وقوله : ﴿مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً﴾ ، مستأنف، فيه تقرير لتعالي جده. قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً﴾ . الهاء في «أنه» للأمر أو الحديث، و «سَفِيهُنَا» يجوز أن يكون اسم «كَانَ» و «يقُولُ» الخبر، ولو كان مثل هذه الجملة غير واقعة خبراً ل «كَانَ» لامتنع تقديمُ الخبرِ حينئذ، نحو «سَفِيهُنَا يقُولُ» ، لو قلت: «يَقُولُ سَفيْهُنَا» على التقديم والتأخير، لم يجز فيه والفرق أنه في غير باب «كَانَ» يلتبس بالفعل والفاعل، وفي باب «كَانَ» يؤمن ذلك. ويجوز أن يكون «سَفِيهُنَا» فاعل «يقُولُ» والجملة خبر «كَانَ» واسمها ضمير الأمر مستتر فيها، وقد تقدم هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقوله تعالى: ﴿شَطَطاً﴾ تقدم في سورة الكهف مثله. قال القرطبيُّ: «ويجوز أن يكون» كان «زائدة، والسفيه: هو إبليس، في قول مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ َ وقيل: المشركون من الجنِّ. قال قتادةُ: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس والشططُ والإشطاط: الغلو في الكفر.

стр. 12113

قال أبو مالك: هو الجور وقال الكلبي: هو الكذب وأصله البعد ويعبر به عن الجور لبعده عن العدل وعن الكذب لبعده عن الصدق؛ قال الشاعر: [الطويل] ٤٨٩٤ - بأيَّةِ حالٍ حَكَّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا ... وما ذَاكَ إلَاّ حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ أي: حسبنا ﴿أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً﴾ . » أنْ «مخففة، واسمها مضمر والجملة المنفية خبرها، والفاعل بينهما هنا حرف النفي، و» كذباً «مفعول به، أو نعت مصدر محذوف، أي: قولاً كذباً. وقرأ الحسن والجحدري وأبو عبد الرحمن ويعقوب:» تقَوَّل «- بفتح القاف والواو المشددة - وهو مضارع» تقوَّل «أي: كذب، والأصل: تتقوَّل، فحذف إحدى التاءين، نحو» تذكرون «. وانتصب» كَذِباً «في هذه القراءة على المصدر؛ لأن التقول كذب، فهو نحو قولهم:» قَعدْتُ جُلُوساً «. ومعنى الآية: وأنَّا حسبنا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً، فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولداً حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق. وقيل: انقطع الإخبار عن الجنِّ - هاهنا - فقال الله تعالى جل ذكره لا إله إلا هو -: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس﴾ فمن فتح، وجعله من قول الجنِّ ردَّها إلى قوله: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ ، ومن كسرها جعلها من قول الله تعالى. والمراد به ما كانوا يفعلونه، من قول الرجل إذا نزل بواد: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، قاله الحسن وابن زيد وغيرهما. وقيل: كانوا في الجاهلية إذ أقحطوا، بعثُوا رائدهم، فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماءٌ رجع إلى أهله فسار بهم حتى إذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذُ بك بربِّ هذا الوادي أن تصيبنا فيه آفةٌ، يعنون من الجن، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا، وإن أفزعهم الجن رجعوا. قال مقاتل: أول من تعوذ بالجنِّ قومٌ من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلَّما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم.

стр. 12114

وقال كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي ﷺ َ فآواني المبيت إلى راعي غنمٍ، فلما انتصف الليل جاء الذئب، فحمل حملاً من الغنم، فقال الراعي: يا عامر الوادي جارك الله، فنادى منادٍ: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمةٌ، فأنزل الله تعالى على رسوله السيد الكامل المكمل سيدنا محمد ﷺ َ بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادوهُمْ رَهَقاً﴾ ، أي: زاد الجنُّ الإنس رهقاً، أي: خطيئة، وإنما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ﵃. والرَّهقُ: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وقال الأعشى: [البسيط] ٤٨٩٥ - لا شَيْءَ يَنْفعُنِي من دوُنِ رُؤْيتها ... هَلْ يَشتفِي عَاشقٌ ما لم يُصِبْ رَهقَا يعني إثماً، ورجل مرهق، أي: يغشاه السائلون. قال الواحديُّ: الرَّهَقُ: غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ . وأضيفت الزيادةُ إلى الجن إذ كانوا سبباً لها. وقال مجاهد أيضاً: «فزَادُوهُم» أي: أن الإنس زادوا الجنَّ طغياناً بهذا التعوذ، حتى قالت الجنُّ: «سدنا الإنس والجن» . وقال قتادة أيضاً، وأبو العالية والربيع وابن زيد: ازداد الإنس بهذا فرقاً وخوفاً من الجن. وقال سعيد بن جبير: كفراً. ولا يخفى أنَّ الاستعاذة بالجنِّ دون الاستعاذة بالله شركٌ وكفرٌ. وقيل: لا يطلق لفظ الرجال على الجنِّ، فالمعنى: وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون من شرِّ الجن برجال من الإنس وكان الرجل من الإنس يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بن بدر من جنِّ هذا الوادي. قال القشيريُّ: وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق الرِّجالِ على الجن. وقوله: «مِنَ الإنس» صفة ل «رِجَالٌ» وكذلك قوله «مِنَ الجِنِّ» .

стр. 12115

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً﴾ . الكلام في «أنْ لنْ» كالكلام في الأول، و «أن» وما في خبرها، سادةٌ مسدَّ مفعولي الظن والمسألة من باب الإعمال، لأن «ظنُّوا» يطلب مفعولين، و «ظَننْتُم» كذلك، وهو من إعمال الثاني للحذف من الأول. والضمير في «أنَّهُم ظنُّوا» للإنس، وفي «ظَنَنْتُمْ» ، للجن، ويجوز العكس فصل في الخطاب في الآية هذا من قول الله تعالى للإنس، أي: وإن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. قال الكلبيُّ: ظنت الجنُّ كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً من خلقه يقيم به الحجة عليهم وكل هذا توكيد للحجة على قريش، أي: إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد ﷺ َ فأنتم أحق بذلك. قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء﴾ . هذا من قول الجنِّ، أي: طلبنا خبرها كما جرت عادتنا ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ ، أي ملئت حفظاً يعني: الملائكة. فاللَّمْسُ: المس، فاستعير للطلب، لأن الماس متقرب، يقال: لمسه والتمسه ونحوه الجس يقال: جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى: طلبنا بلوغ السَّماء واستماع كلام أهلها. قوله: ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾ ، فيها وجهان: أظهرهما: أنها متعدية لواحد؛ لأن معناها: أصبنا وصادفنا، وعلى هذا فالجملة من قوله «مُلِئَتْ» في موضع نصب على الحال على إضمار «قَدْ» . والثاني: أنها متعدية لاثنين، فتكونُ الجملة في موضع المفعول الثاني. و «حَرَساً» نصب على التمييز نحو «امتلأ الإناء ماء» . والحَرَس: اسم جمع ل «حَارِس» نحو «خَدَم» ل «خَادِم» و «غيب» لغائب، ويجمع تكسيراً على «أحْراس» ؛ كقول امرىء القيس: [الطويل] ٤٨٩٦ - تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً وأهْوَال مَعْشَرٍ ... حِرَاصٍ عليَّ لو يُسِرُّونَ مَقْتَلِي
следующие страницы →