← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12181–12220 · переход к 12186.

стр. 12181

قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ . العامة: على ضم «اللام» من «ثلثي» وهو الأصل، كالربع والسدس.

стр. 12182

وقرأ هشام: بإسكانها تخفيفاً. قوله: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ ، قرأ الكوفيون وابن كثير: بنصبهما، والباقون، بجرهما. وفي الجر إشكال يأتي إن شاء الله تعالى. فالنصبُ: نسق على «أدْنَى» ؛ لأنه بمعنى وقت أدنى، أي: أقرب، استعير الدنو لقرب المسافة في الزمان، وهذا مطابق لما في أول السورة من التقسيم، وذلك أنه إذا قام أدنى من ثلثي الليل، فقد صدق عليه أنه قام الليل إلا قليلاً، لأن الزمان لم يقم فيه، فيكون الثلث، وشيئاً من الثلثين، فيصدق عليه قوله: «إلَاّ قَلِيلاً» . وأما قوله: «ونصفهُ» فهو مطابق لقوله: «ولا نِصْفهُ» ، وأما قوله: «وثُلثهُ» فإنَّ قوله: ﴿أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ قد ينتهى النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلثي الليل، وأما قوله: ﴿أَو زِدْ عَلَيْهِ﴾ فإنَّه إذا زاد على النصف قليلاً كان الوقت أقل من الثلثين. فيكون قد طابق أدنى من ثلثي الليل، ويكون قوله تعالى: ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ شرطاً لمبهم ما دل عليه قوله: ﴿قُمِ الليل إِلَاّ قَلِيلاً﴾ ، وعلى قراءة النصب: فسر الحسن «تحصُوهُ» بمعنى تطيقوه، وأما قراءة الجر: فمعناها أنه قيام مختلف مرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من الثلث وذلك لتعذر معرفة البشر بمقدار الزمان مع عذر النوم، وقد أوضح هذا كله الزمخشري، فقال: وقرىء: «نصفه وثلثه» بالنصب، على أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث، وهو مطابق لما مر فيه أول السورة في التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. وقرىء بالجر أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف، وهو أدنى من الثلثين، والثلث، وهو أدنى من النصف، والربع وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير، انتهى. يعني بالوجه الأخير ما قدمه أول السورة من التأويلات. وقال أبو عبد الله الفارسي: وفي قراءة النصب إشكال إلا أن يقدر نصفه تارة، وثلثه تارة، وأقل من النصف، والثلث تارة، فيصح المعنى. فصل في بيان أن هذه الآية تفسير للقيام في أول السورة قال القرطبي: هذه الآية تفسير لقوله تعالى: ﴿إِلَاّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ أو زد عليه - كما تقدم - وهي الناسخة لفريضة قيام الليل كما تقدم، ومعنى قوله تعالى: «تَقُومُ» أي: تصلي، و «أدْنَى» ، أي: أقل.

стр. 12183

وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام: «ثلثي» بإسكان اللام، و «نصفه وثلثه» بالخفض: قراءة العامة - كما تقدم -، عطفاً على «ثلثي» والمعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ فكيف تقيمون نصفه أو ثلثيه، وهو لا تحصونه؟! وأما قراءة النصف عطفاً على «أدنى» ، والتقدير: تقوم أدنى من ثلثيه وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراءُ: وهو أشبه بالصوابِ؛ لأنه قال: أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة. قال القشيريُّ: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه، ويحتمل أنهم أمروا بالقيام نصف الليل، ورخص لهم في الزيادة والنقصان، وكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى قريب من الثلث، ويحتمل أنَّهُم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم، وقيل: إنَّما فرض عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. قال القرطبيُّ: «وهَذَا تَحكُّمٌ» . قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ﴾ . رفع بالعطف على الضمير في «تقُومُ» ، وجوز ذلك الفصل بالظرف، وما عطف عليه. قوله: ﴿والله يُقَدِّرُ الليل﴾ . قال الزمخشريُّ: «تقديم اسم الله مبتدأ مبنياً عليه» يقدر «هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير» . ونازعه أبو حيَّان في ذلك، وقال: «لو قيل: زيدٌ يحفظ القرآن، لم يدل ذلك على اختصاصه» . وقيل: الاختصاص في الآية مفهوم من السياق، والمعنى: ليعلم مقادير الليل، والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحري، والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. قوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ ، «أنْ لَنْ» و «أنْ سَيكُون» كلاهما مخففة من الثقيلة والفاصل للنفي، وحرف التنفيس. والمعنى: علم أن لن تطيقُوا معرفة حقائق ذلك، والقيام به، أي: أن الله هو الذي يعلم مقادير الليل والنهار على حقيقته.

стр. 12184

وقيل: المعنى: لن تطيقوا قيام الليل، والأصح الأول، لأن قيام الليل ما فرض كله قط. قال مقاتل وغيره: لما نزل ﴿قُمِ الليل إِلَاّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤] شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل، من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، وانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فخفف الله عليهم، وقال: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ ، أي: علم أنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شق معرفة ذلك عليكم. قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به. وقيل: «فتَابَ علَيْكمْ» من فرض القيام أو عن عجزكم، وأصل التوبة الرجوع - كما تقدم - فالمعنى: رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى إيسار، وإنما أمروا بحفظ الأوقات بالتحري، فخفف عنهم ذلك التحري. وقيل: معنى قوله: ﴿والله يُقَدِّرُ الليل والنهار﴾ ، أي: يخلقهما مقدرين، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢] . قال ابنُ العربي: تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف. قوله: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ . قيل: المراد نفس القراءةِ، أي: فاقرأوا فيما تصلون به بالليل ما خف عليكم. قال السديُّ: مائة آية. وقال الحسنُ: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقال كعبٌ: من قرأ في ليلةٍ مائة آيةٍ كتب من القانتين. وقال سعيد بن جبير: خمسون آية. قال القرطبي: قول كعب أصح، «لقوله ﵊ ُ -:» مَنْ قَامَ بِعشْرِ

стр. 12185

آيَاتٍ لمْ يُكتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمائَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتيْنَ، ومَنْ قَامَ بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقنطرينَ «خرجه أبو داود الطيالسي. وروى أنس بن مالك قال:» سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: «مَنْ قَرَأ خَمْسينَ آيةً فِي يَومٍ أوْ فِي ليْلةٍ لَمْ يُكتَبْ مَنَ الغَافليْنَ، ومَنْ قَرَأ مِائةَ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتينَ، ومَنْ قَرَأ مائَتَي آيةٍ لَمْ يُحَاجِّهِ القرآنُ إلى يَوْمِ القيامة، ومن قرأ خَمْسمائةِ آيةٍ كُتِبَ لَهُ قِنطارٌ مِنَ الأجْرِ» . فقوله: «مَنَ المقُنَطرِيْنَ» ، أي: أعطي قنطاراً من الأجر. وجاء في الحديث: «أن القنطار: ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض» . وقال أبو عبيدة: القناطيرُ، واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب: المعمول عليه عند العربِ أنه أربعة آلافِ دينارٍ، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: إن القنطار: ملء جلد ثور ذهباً. وقيل: ثمانون ألفاً. وقيل: هي جملة كثيرة مجهولة من المال، نقله ابن الأثير. وقيل: المعنى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ ، أي: فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] ، أي: صلاة الفجر. قال ابن العربي: «والأول أصح، لأنه أخبر عن الصلاة وإليها يرجع القول» . قال القرطبيُّ: «الأول أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز لأنه من تسمية الشيءِ ببعض ما هو من أعماله» . فصل في بيان أن الآية ناسخة قال بعض العلماءِ: قوله تعالى ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ نسخ قيام الليل ونصفه،

стр. 12186

والنقصان من النصف، والزيادة عليه، ثم يحتمل قول الله ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ معنيين: أحدهما: أن يكون فرضاً ثانياً لأنه أزيل به فرض غيره. والآخر: أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره، وذلك بقول الله - تعالى -: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ، فاحتمل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: تتهجد بغير الذي فرض عليك مما تيسر منه. قال الشافعيُّ: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنّة رسول الله ﷺ َ تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس. فصل في أن النسخ هنا خاص بالأمة قال القشيريُّ: والمشهورُ أنَّ نسخ قيامِ الليل كان في حق الأمةِ، وبقيت الفريضةُ في حق النبي ﷺ َ. وقيل: إنما النسخ: التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب كقوله تعالى: ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فالهدي لا بد منه، كذلك لا بد من الصلاة في الليل ولكن فوض تقديره إلى اختيار المصلي، وعلىهذا فقال قوم: فرض قيام الليل بالقليل باق، وهو مذهب الحسنِ. قال الشافعيُّ: بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً، ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي ﷺ َ هي هذه، وهو قيامه، ومقداره مفوض إلى خيرته، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً، فقوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ، معناه: اقرأوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا إن شئتم. وقال قوم: إنَّ النسخ بالكلية تقرر في حق النبي ﷺ َ أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه، وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ محمول على حقيقة النفل، ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل لم ينسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] الآية، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ ، والخطاب للنبي ﷺ َ وللأمة كما أن فرضية الصلاة، وإن خوطب بها النبي ﷺ َ في قوله: ﴿يا أيها المزمل قُمِ الليل﴾ [المزمل: ١ - ٢] فهي عامة له ولغيره. وقد قيل: إن فريضة قيام الليل امتدت إلى ما بعد الهجرةِ، ونسخت بالمدينة لقوله

стр. 12187

تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ ، وإنما فرض القتال بالمدينة، فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] . وقال ابن عباس: لما قدم رسول الله ﷺ َ المدينة نسخ قول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ ، وجوب قيام الليل فصل في علة تخفيف قيام الليل قوله: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ بيَّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليه قيام الليل، ويشق عليه أن تفوته الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفَّف الله عن الكل لأجل هؤلاء. وقال ابن الخطيب: لمَّا علم الله تعالى أعذار هؤلاء، يعني المريض، والمسافر، والمجاهد، فلو لم يناموا بالليل لتوالت عليهم أسباب المشقة، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي ﷺ َ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ [المزمل: ٧] فلا جرم لم ينسخ وجوب التهجد في حقه ﵊ ُ. و «أن» في قوله: «أنْ سيَكونُ» مخففة من الثقيلة، أي: علم أنه سيكون. قوله: «وآخَرُونَ» عطف على «مَرْضَى» ، أي: علم أن سيوجد منكم قوم مرضى، وقوم آخرون مسافرون، ف «يَضْربُونَ» نعت ل «آخَرُونَ» وكذلك «يَبْتَغُونَ» ، ويجوز أن يكون «يبتغون» حالاً من فاعل «يَضْرِبُونَ» ، و «آخَرُونَ» عطف على «آخَرُونَ» و «يُقَاتلُونَ» صفته. فصل في بيان أن الكسب الحلال كالجهاد سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين، والملتمسين للمال الحلال للنفقة على نفسه، وعياله، والإحسان، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنّ جمعه من الجهاد في سبيل الله. قال ﵊ ُ -: «» مَا مِنْ جَالبٍ يَجلبُ طَعاماً مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ، فيَبيعُهُ بِسْعرٍ يَومِهِ إلَاّ كانتْ مَنزِلتُهُ عنْدَ اللَّهِ تعالى مَنْزلةَ الشُّهداءِ «ثُمَّ قَرَأ رسُولُ الله ﷺ َ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ » .

стр. 12188

وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ . وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من الموت بين شعبتي رحْلي، أبتغي من فضل الله، ضارباً في الأرض. وقال طاووس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. قوله: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ، أي: صلُّوا ما أمكن فأوجب الله تعالى من صلاة الليل، ما تيسَّر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. وقال عبد الله بن عمرو: «قال لي رسول الله ﷺ َ:» يَا عَبْدَ اللَّه، لا تكُنْ مِثْلَ فُلانِ كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ، فتركَ قِيامَ اللَّيْلِ « ، ولو كان فرضاً ما أقره النبي ﷺ َ ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذم. فصل في القدر الذي يقرأ به في صلاته إذا ثبت أنَّ قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ ، ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة. فقال مالك والشافعيُّ: فاتحة الكتاب لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار على بعضها، وقدره أبو حنيفة بآية واحدة من أي القرآن كانت، وعنه ثلاث آياتٍ لأنها أقل سورة، وقيل المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة. قال الماورديُّ: فعلى هذا القول يكون مطلق الأمر محمولاً على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه وما فيه من دلائل التوحيد، وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه، ودلائل التوحيد أن يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة والأكثرون على أنه للاستحباب، لأنه لو وجب علينا قراءته لوجب حفظه. وفي قدر الواجب أقوال: الأول: قال الضحاكُ: جميع القرآن، لأن الله تعالى يسره على عباده. الثاني: قال جويبر: ثلث القرآن.

стр. 12189

الثالث: قال السديُّ: مائتا آية. الرابع: قال ابن عباسٍ: مائة آية. الخامس: قال أبو خالد الكناني: ثلاث آياتٍ كأقصر سورة. قوله ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ ، يعني الخمس المفروضة، وهي الخمس لوقتها، ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾ الواجبة في أموالكم. قاله عكرمة وقتادة، وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر، لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك، وقيل: صدقة التطوع. وقيل: كل فعل خير. وقال ابن عباسٍ: طاعة الله الإخلاص. قوله: ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ . القرض الحسن ما أريد به وجه الله تعالى خالصاً من المال الطيب وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن، النفقة على الأهل، وقيل: صلةُ الرَّحمِ، وقرى الضيف، وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ تقدم بيانه في سورة «البقرة» . قوله: ﴿هُوَ خَيْراً﴾ ، العامة على نصب الخير مفعولاً ثانياً، و «هُوَ» إما تأكيد للمفعول الأول، أو فصل. وجوَّز أبو البقاء: أن يكون بدلاً، وهو غلط، لأنه كان يلزم أن يطابق ما قبله في الإعراب فيقال: إياه. وقرأ أبو السمال وابن السميقع: «خير» على أن يكون «هو» مبتدأ، و «خير» خبره، والجملة مفعول ثان ل «تَجِدُوه» . قال أبو زيد: هي لغة تميم، يرفعون ما بعد الفصل. وأنشد سيبويه: [الطويل] ٤٩٤٣ - تَحِنُّ إلى لَيْلَى وأنْتَ تَرَكْتَها ... وكُنْتَ عَليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ والقَوَافِي مرفوعةٌ، ويروى: «أقدرا» بالنصب.

стр. 12190

[وقال الزمخشريُّ: وهو فصل] ، وجاز، وإن لم يقع بين معرفتين، لأن «أفعل من» أشبه في امتناعه من حرف التعريف، المعرفة. قال شهاب الدين: «هذا هو المشهورُ، وبعضهم يجوزه في غير أفعل من النكرات» . وقال القرطبي: «ونصب» خيراً، وأعظم «على المفعول الثاني: ل» تَجِدُوهُ «و» هُوَ «فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، لا محلَّ له من الإعراب، و» أجْراً «تمييز» . فصل في معنى الآية المعنى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً﴾ من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت. قاله ابن عباس. وقال الزجاجُ: ﴿خير لكم من متاع الدنيا﴾ . قوله: ﴿وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ ، قال أبو هريرة: يعني الجنَّة، ويحتمل أن يكون «أعظم أجْراً» لإعطائه بالحسنة عشراً ﴿واستغفروا الله﴾ أي سلوه المغفرة لذنوبكم ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لما كان عل التوبة رحيم لكم بعدها، قاله سعيد بن جبير وقيل: غفور لمن لم يصرّ على الذنوب. وقال مقاتل: غفور لجميع الذنوب لأن قوله «غَفُورٌ» يتناول التائب والمصر، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده، والاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لدخل. وأيضاً: غفران التائب واجب عند الخصم فلا يحصل المدح بأداء الواجبِ، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقاً للمدح. روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُوْرَةَ يا أيُّهَا المُزَّمِّل رُفِعَ عنهُ العُسْرُ في الدُّنيَا والآخِرَةِ» ، والله أعلم.

стр. 12191

سورة المدثر

стр. 12192

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] ٤٩٤٤ - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... .

стр. 12193

وقوله: [الوافر] ٤٩٤٥ - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ ﷺ َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد ﷺ َ

стр. 12194

قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله ﷺ َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه ﷺ َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل ﵇ وأيقظه ﵊ ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه ﷺ َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.

стр. 12195

وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته ﵇ لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب «، قالوا: تقديره:» تنبَّهْ فاضرب زيداً «فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل «، فقال: ﷺ َ» قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ «، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي ﷺ َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ «، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده

стр. 12196

أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي ﷺ َ في التكبير في الصلاة هو لفظ» اللَّهُ أكبَرُ «. وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي ﷺ َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة ﵂ وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له ﵊ ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي ﷺ َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ﵄؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] ٤٩٤٦ - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك.

стр. 12197

قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] ٤٩٤٧ - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس ﵁؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] ٤٩٤٨ - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] ٤٩٤٩ - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلَاّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر.

стр. 12198

قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] ٤٩٥٠ - فَلَا أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه ﷺ َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] ٤٩٥١ - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ

стр. 12199

يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس ﵄ لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال ﷺ َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي ﷺ َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال ﷺ َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ «قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ

стр. 12200

عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ﷺ َ:» لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء «» . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه ﷺ َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي ﵁: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله ﷺ َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ١٠] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي

стр. 12201

فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: ١٦٣] . قوله: ﴿وَلَا تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] ٤٩٥٢ - ألَا أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» .

стр. 12202

والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] ٤٩٥٣ - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] ٤٩٥٤ - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» .

стр. 12203

فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن ﵀: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله ﵎، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول ﷺ َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه ﷺ َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة.

стр. 12204

وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي ﷺ َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي ﷺ َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي ﵀: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه ﷺ َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن «، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] .

стр. 12205

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ .

стр. 12206

قال الزمخشري: «الفاء» في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ لتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في «فإذا» متعلقة ب «أنذر» ، أي: فأنذرهم إذا نقر في الناقور. قاله الحوفيُّ. وفيه نظر من حيث أن الفاء تمنع من ذلك، ولو أراد تفسير المعنى لكان سهلاً، لكنه في معرض تفسير الإعراب لا تفسير المعنى. الثاني: أن ينتصب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ . قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ، وكيف صح أن يقع «يومئذ» ظرفاً ل «يوم عسير» ؟ . قلت: انتصب «إذا بما دل عليه الجزاء؛ لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين والذي أجاز وقوع» يومئذ «ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، إذ المعنى فذلك يوم النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يقع، ويأتي حين يُنقر في النَّاقُور، انتهى. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس» عسير «؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل موصوفها عند البصريين، ولذلك رد على الزمخشري قوله: أن» في أنفسهم «متعلق ب» بَلِيغاً «في سورة» النساء «في قوله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء: ٦٣] والكوفيون يجوزون ذلك وتقدم تحريره. الثالث: أن ينتصب بما دل عليه» فذلك «؛ لأنه إشارة إلى النقر، قاله أبو البقاء، ثم قال:» و «يومئذ» بدل من «إذا» ، و «ذلك» مبتدأ، والخبر ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، أي: نقر يوم «. الرابع: أن يكون» إذا «مبتدأ، و» فذلك «خبره، والفاء مزيدة فيه، وهو رأي الأخفش. وأما» يَومَئذٍ «ففيه أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من» إذا «، وقد تقدم ذلك في الوجه الثالث. الثاني: أن يكون ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ كما تقدم في الوجه الثاني. الثالث: أن يكون ظرفاً ل» ذلك «، لأنه أشار به إلى النقر. الرابع: أنه بدل من» فذلك «ولكنه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن. الخامس: أن يكون» فذلك «مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره، والجملة خبر» فَذلِكَ «. قوله:» نُقِرَ «، أي: صوت، يقال: نقرت الرجل إذا صوت له بلسانك، وذلك بأن تلصق لسانك بنقرة حنكك، ونقرتُ الرجل: إذا خصصته بالدعوة كأنك نقرت له بلسانك مشيراً إليه، وتلك الدعوة يقال لها: النقرى، وهي ضد الدعوة الجفلى؛ قال الشاعر: [الرمل]

стр. 12207

٤٩٥٥ - نَحْنُ فِي المشْتَاةِ نَدْعُو الجَفلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ وقال امرؤ القيس: [الرجز] ٤٩٥٦ - أنَا ابْنُ مَاويَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ ... يريد: النقر، أي الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] ٤٩٥٧ - أخَفِّضُهُ بالنَّقْر لمَّا عَلوْتهُ ... ويَرْفعُ طَرْفاً غَيْرَ جَافٍ غَضِيضِ والناقور: «فاعول» منه كالجاسوس من التجسس، وهو الشيء المصوّت فيه. قال مجاهد وغيره: وهو كهيئة البوق، وهو الصور الذي ينفخ فيه الملك. والنقير: فرع الشيء الصلب، والمنقار: الحديدة التي ينقر بها، ونقرت عينه: بحثت على أخباره استعارة من ذلك، ونقرته: أعبته. ومنه قول امرأة لزوجها: مر بي على بني نظر، ولا تمر بي على بنات نقر، أرادت: ببني نظر الرجال لأنهم ينظرون إليها، وبينات نقر: النساء، لأنهن يعبنها وينقرن عن أحوالها. قوله: ﴿عَلَى الكافرين﴾ . فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «عسير» . الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل «عَسِيرٌ» . الثالث: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير المستكنّ في «عَسِيرٌ» . الرابع: أن يتعلق ب «يسير» ، أي: غير يسير على الكافرين قاله أبو البقاء. إلا أن فيه تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وهو ممنوع، وقد جوزه بعضهم إذ كان المضاف «غير» بمعنى النفي، كقوله: [البسيط] ٤٩٥٨ - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي يَوْماً مودَّتهُ ... عَلى التَّنَائِي لعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ

стр. 12208

وتقدم تحرير هذا آخر الفاتحة. الخامس: أن يتعلق بما دل عليه «غَيرُ يَسيرٍ» ، أي: لا يسهل على الكافرين. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: فما فائدة قوله: «غير يسير» ، و «عسير» مغن عنه؟ . قلت: لما قال : «على الكافرين» فقصر العسر عليهم، قال: «غَيرُ يَسِيرٍ» ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غيظهم، وتيسيراً للمؤمنين، وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. فصل في تعلق الآية بما بعدها لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي ﷺ َ ذكر بعده وعيد الأشقياء قيل: المراد بهذه الآية هو النفخة الثانية. وقيل: الأولى، قال الحليمي في كتاب «المنهاج» : إنه تعالى سمى الصور اسمين، وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معاً، فإن نفخة الإصعاق غير نفخة الإحياء، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلِّها، وأنها تجمع في ذلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عن النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى. قال ابن الخطيب: وهذا مردود، لأن الناقور اسم لما ينقر فيه لا لما ينقر فيه، ويحتمل أن يكون الصور محتوياً على ثقبين: ينقر في إحداهما، وينفخ في الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر، والنفخ، لتكون الصيحة أشد، وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء، لم ينقر فيه بل يقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها بنقرها من أجسادها بالنفخة الأولى للنقير، وهو نظير صوت الرعد؛ فإنه إذا اشتد فربما مات بسماعه، والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت. قال ابن الخطيب: وفيه إشكال، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق وذلك اليوم غير شديد على الكافرين؛ لأنهم يموتون في تلك الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين صيحة الإحياء، ولذلك يقول: ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ [الحاقة: ٢٧] ، أي: يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. وقوله: «فَذلِكَ» ، أي: فذلك اليوم يوم شديد على الكافرين «غير يَسيرٍ» أي: غير سهل، ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل، إلا إلى عقد أشد منها، فإنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم، وتسودُّ وجوههم، ويحشرون زرقاً، وتتكلم

стр. 12209

جوارحهم، ويفضحون على رؤوس الأشهاد بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى فإنهم لا يناقشون الحساب، ويحشرون بيض الوجوه، ثِقال الموازين. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون عسيراً على المؤمنين، والكافرين، على ما روي أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يفزعون يومئذ، وأن الولدان يشيبون، إلا أنه يكون على الكفار أشد فعلى الأول: لا يحسن الوقف على قوله ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، فإن المعنى: إنه على الكافرين عسير وغير يسير. وعلى الثاني: يحسن الوقف، لأنه في المعنى: أنه في نفسه عسير على الكل ثم الكافر فيه مخصوص بزيادة تخصه، وهي أنه عليه عسير. فصل في دليل الخطاب قال ابن الخطيب: استدل بهذه الآية القائلون بدليل الخطاب، قالوا: لولا أن دليل الخطاب حجة وإلا فما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافرين كونه يسيراً على المؤمنين.

стр. 12210

قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، الواو في قوله: ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، كقوله: «والمُكَذبين» في الوجهين المتقدمين في السورة قبلها. وقوله تعالى: ﴿وَحِيداً﴾ فيه أوجه:

стр. 12211

أحدها: أنه حال من الياء في «ذَرْنِي» ، أي: ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه. الثاني: أنه حال من التاء في «خَلقْتُ» ، أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه. الثالث: أنه حال من «مَن» . الرابع: أنه حال من عائده المحذوف، أي خلقته وحيداً، ف «وَحِيْداً» على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي: خلقته وحده لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته؛ قاله مجاهد. الخامس: أن ينتصب على الذَّمِّ، لأنه يقال: إن وحيداً كان لقباً للوليد بن المغيرة، ومعنى «وَحِيْداً» ذليلاً. قيل: كان يزعم أنه وحيد في فضله، وماله، وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا لقب له شهر به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به، وإذا كان لقباً تعين نصبه على الذم. فصل في معنى «ذرني» معنى «ذرني» أي: دعني، وهي كلمة وعيد وتهديد، «ومَنْ خَلقْتُ» هذه واو المعية، أي: دعني والذي خلقته وحيداً. قال المفسرون: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه فإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة، وأذى الرسول ﷺ َ وكان يسمى الوحيد في قومه. قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، فقال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ بزعمه «وَحِيْداً» لأن الله تعالى صدقه، بأنه وحيد. قال ابن الخطيب: ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه بأنه وحيد لا نظير له، ذكره الواحدي، والزمخشري، وهو ضعيف من وجوه: الأول: لأنه قد يكون الوحيد علماً فيزول السؤال، لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة، بل هو قائم مقام الإرشاد.

стр. 12212

الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه، واعتقاده، كقوله : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] . الثالث: أنه وحيد في كفره، وعناده وخبثه؛ لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف. الرابع: أنه إشارة إلى وحدته عن نفسه. قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في «زَنِيْمٌ» . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾ ، أي: خولته، وأعطيته مالاً ممدوداً. قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والنعم والخيول والعبيد والجواري. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس - أيضاً -: ألف دينار. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: أربعة آلاف دينار. وقال الثوري - أيضاً -: ألف ألف دينار. وقال ابن الخطيب: المال الممدود: هو الذي يكون له مدد يأتي منه الجزء بعد الجزء دائماً، ولذلك فسره عمر ﵁ غلة شهر بشهر وقال النعمان: الممدود بالزيادة كالزرع والضرع، وأنواع التجارات. قال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، كما في قوله : ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] ، أي: لا ينقطع والذي يظهر أنه المال الكثير، والتقديرات تحكم. قوله: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ ، أي: حضوراً لا يغيبون، ولا يفارقونه - ألبتة - طَيِّبَ القلب بحضورهم. وقيل: معنى كونهم شهوداً، أي: يشهدون معه المجامعَ والمحافلَ.

стр. 12213

وقيل: «شهوداً» أي: صاروا مثلهُ في شهود ما كان يشهدُ، والقيام بما كان يباشره. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقال السديُّ والضحاكُ: كانوا اثني عشر رجلاً، وعن الضحاك: سبعة ولدُوا بمكة، وخمسة بالطائف. وقال مقاتل: كانوا سبعة أسلم منهم ثلاثةٌ: خالد، وهشام، والوليد بن الوليد، قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك قال ابن الخطيب كانوا سبعة الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص، وعبد القيس، وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة: خالد، وعمارة، وهشام. قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ ، أي: بسطتُ له في العيش بسطاً في الجاه العريض والرياسة في قومه. والتميهدُ عند العرب: التوطئة والتهيئة. ومنه: مهدُ الصبيّ. وقال ابن عباس: ﴿ومَهَّدتُ لهُ تَمْهِيداً﴾ أي: وسعَّتُ له ما بين «اليمن» إلى «الشام» ، وهو قول مجاهدٍ وعن مجاهد أيضاً: أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَاّ﴾ . لفظة «ثُمَّ» - هاهنا - معناها: التعجب كقولك لصاحبك: أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمني، ونظيره: قوله تعالى: ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] ، فمعنى «ثُمَّ - هاهنا - الإنكارُ والتعجبُ، أي: ثم الوليد يطمعُ بعد هذا كله أن أزيدهُ في المالِ والولدِ، وقد كفر بِي! قاله الكلبي ومقاتل، ثم قال:» كَلَاّ «ليس يكون ذلك مع كفرهِ بالنعمِ. قال الحسنُ وغيره: أي: ثُمَّ يطمعُ أن أدخلهُ الجنة، وكان الوليد يقولُ: إنْ كَانَ محمدٌ صادقاً فما خلقتِ الجنة إلا لي، فقال الله رداً عليه وتكذيباً له:» كلَاّ «لستُ أزيدهُ، فلمْ يزلْ في نقصانٍ بعد قوله:» كلَاّ «حتى افتقر ومات فقيراً. وقيل: أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره،» كَلا «قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة، فيكون متصلاً بالكلام الأول.

стр. 12214

وقيل: «كَلَاّ» بمعنى «حقاً» ، ويبتدىء بقوله «إنَّهُ» يعني الوليد ﴿كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، أي: معانداً للنبي ﷺ َ وما جاء به. قال الزمخشريُّ: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا﴾ استئناف جواب لسائل سأل: لم لا يزداد مالاً، وما باله ردع عن طبعه؟ . فأجيب بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، انتهى. فيكون كقوله ﷺ َ في الهرة: «إنَّها ليْسَتْ بنجسٍ، إنَّها مِنَ الطوَّافِيْنَ عَليْكُمْ» . والعنيد: المعاند. يقال: عاند فهو عنيد وعانِد، والمعاند: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، والجمع: عند مثل: «راكع وركع» ، قاله أبو عبيدة؛ وأنشد قول الحازميِّ: [الرجز] ٤٩٥٩ - إذَا رَكبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنَّي كَبِيرٌ لا أطيقُ العُنَّدا وقال أبو صالح: «عنيداً» معناه: مباعداً؛ قال الشاعر: [الطويل] ٤٩٦٠ - أرَانَا على حَالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا ... نَوّى غُرْبَةٌ إنَّ الفِراقَ عَنُودُ وقال قتادة: جاحداً. وقال مقاتل: معرضاً. وقيل: إنه المجاهر بعداوته. وعن مجاهد: أنه المجانب للحق. قال الجوهري: ورجل عنود: إذا كان لا يخالط الناس، والعنيد من التجبر، وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد عُنُد مثل رغيف ورغف، والعنود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل إنما هو في ناحية، والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير. فصل في بيان فيما كانت المعاندة في الآية إشارة إلى أنه كان يعاند في أمور كثيرة:

стр. 12215

منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة وصحة البعث. ومنها: أن كفره كان عناداً لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر. ومنها: أن قوله «كان» يدل على أن هذه حرفته من قديم الزمان. ومنها: أن هذه المعاندة، كانت مختصة منه بآيات الله تعالى. قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، أي: سأكلفه، وكان ابن عباس ﵄ يقول: سألجئه، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء. والصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداً. رواه الترمذي. وفي رواية: صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت. وقيل: هذا مثل لشدة العذاب الشاق الذي لا يطاق، كقوله: عقبة صعود وكؤود، أي: شاقة المصعدِ. ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ : يجوز أن يكون استئناف تعليل لقوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ . يقال: فكر في الأمر، وتفكر إذا نظر فيه وتدبر، ثم لما تفكر رتب في قلبه كلاماً وهيأه، وهو المراد من قوله «وقَدَّرَ» . والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته. فصل في معنى الآية معنى الآية: أن الوليد فكر في شأن النبي ﷺ َ والقرآن لما نزل: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول لَا إله إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ المصير﴾ [غافر: ١ - ٣] ، سمعه الوليد يقرأها، فقال: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنِّ، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق وإنه ليعلو، وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأ الوليد لتصبونَّ قريش كلها، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق إليه حزيناً، فقال له: ما لي أراك حزيناً، فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينوك بها، ويزعمون أنك زينت كلام محمدٍ، وتدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليدُ - لعنهُ الله - وتكبَّر،

стр. 12216

وقال: أنا أحتاجُ إلى كسرِ محمدٍ وصاحبه، وأنتم تعلمون قدر مالي، واللاتِ والعُزَّى ما بي حاجةٌ إلى ذلك وأنتم تزعمُون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ . قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه كاهنٌ، فهل رأيتموه تكهن قط؟ ولقد رأينا للكهنةِ أسجاعاً وتخالجاً، فهل رأيتموهُ كذلك؟ . قالوا: لا والله. وقال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: وتزعمون أنه كذَّاب، فهل جريتمْ عليه كذباً قط؟ . قالوا: لا والله. وكان النبي ﷺ َ يُسمَّى الصادق والأمين من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليدِ: فما هو؟ ففكّر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هذا إلا سحرٌّ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وولده فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي في أمر محمدٍ والقرآن «وقدر» في نفسه ماذا يمكنهُ أن يقول فيهما. قوله: ﴿فَقُتِلَ﴾ ، أي: لعنَ. وقيل: قُهِرَ وغلبَ. وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذا إنما يذكرُ عند التعجب والاستعظام. ومثله قولهم: قتلهُ اللَّهُ ما أشجعهُ، وأخزاه الله ما أفجره، ومعناهُ: أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسدهُ بذلك، وإذا عرف ذلك، فنقول: هنا يحتملُ وجهين: الأول: أنه تعجب من قوة خاطره، يعني أنه لا يمكن القدحُ في أمر محمدٍ ﷺ َ بشبهةٍ أعظم ولا أقوى مما ذكرهُ هذا القائلُ. الثاني: الثناءُ عليه على طريقةِ الاستهزاء، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط. قوله: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ، أي: كيف فعل هذا، كقوله تعالى: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: ٤٨] ثم قيل: بضرب آخر من العقوبة. «كيف قدَّر» على أيّ حال قدَّر. «ثم نظر» بأي شيء يردّ الحق ويدفعهُ. قال ابن الخطيب: والمعنى أنه أولاً فكّر. وثانياً: قدَّر. وثالثاً: نظر في ذلك المقدرِ، فالنظر السابق للاستخراج، والنظر اللاحق لتمام الاحتياطِ، فهذه المرات الثلاث متعلقة بأحوال ثلاث.

стр. 12217

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ ، يقال: عبس يعبس عبساً، وعبوساً: أي: قطب وجهه. وقال الليث: عبس يعبس فهو عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإذا أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح، فإن اهتم لذلك، وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل بسل. واعلم أنه ذكر صفات جسمه بعد صفات قلبه، وهذا يدل على عناده، لأن من فكر في أمر حسن يظهر عليه الفرح لا العبوس، والعبس أيضاً: ما يبس في أذناب الإبل من البعر، والبول؛ قال أبو النجم: [الرجز] ٤٩٦١ - كَأنَّ في أذْنابِهنَّ الشُّوَّلِ ... مِنْ عبسِ الصَّيفِ قُرونَ الأُيَّلِ فصل في معنى الآية معنى الآية: قطب وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش محمداً ساحر مرَّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي ﷺ َ حين دعاه، والعبس: مصدر «عبس» مخففاً «، كما تقدم. قوله:» وَبَسَرَ «، يقال: بَسَر يَبسُرُ بسراً وبُسُوراً» إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجه باسر، أي منقبض مسود كالح متغير اللون، قاله قتادة والسدي؛ ومنه قول بشير بن الحارث: [المتقارب] ٤٩٦٢ - صَبَحْنَا تَمِيماً غَداةَ الجِفارِ ... بِشهْبَاءَ ملمُومةٍ بَاسِرَهْ وأهل اليمن يقولون: بسر المركب بسراً، أي: وقف لا يتقدم، ولا يتأخر، وقد أبسرنا: أي صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه، ومنه قيل للذي لم يدرك من التمر: بسر، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ، أي: أظهر العبوس قبل أوانه، وقبل وقته. قال: فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ، ليس يفعلون ذلك قبل الموت، وقد قلت: إن ذلك يكون فيما يقع قبل وقته. قيل: أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخص لفظ البسر تنبيهاً على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد، يجري مجرى التكلف، ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] .

стр. 12218

وقد عطف في هذه الجمل بحروف مختلفة، ولكل منها مناسبة، أما ما عطف ب «ثُمَّ» فلأن بين الأفعال مهلة، وثانياً: لأن بين النظر، والعبوس، وبين العبوس، والإدبار تراخياً. قال الزمخشريُّ: و «ثمّ نظر» عطف على «فكَّر» و «قدَّر» ، والدعاء اعتراض بينهما، يعني بالدعاء قوله: «فَقُتِل» ، ثم قال: فإن قلت: ما معنى «ثُمَّ» الداخلة على تكرير الدعاء؟ . قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى؛ ونحوه قوله: [الطويل] ٤٩٦٣ - ألَا يَا اسْلمِي ثُمَّ اسْلمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي..... ... ... ... ... ... ... . فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ . قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمل، والتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخٍ، وتباعد، فإن قلت: فلم قال: «فَقالَ» - بالفاء - بعد عطف ما قبله ب «ثُمَّ» ؟ . قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث، فإن قلت: فلم لم يتوسط حرف العطف بين الجملتين؟ . قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التأكيد من المؤكد. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ ، أي: ولى وأعرض ذاهباً عن سائر الناس إلى أهله. ﴿واستكبر﴾ حين دعي إلى الإيمان، أي: تعظم. ﴿إن هذا﴾ أي: ما هذا الذي أتى به محمد ﷺ َ ﴿إِلَاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ، أي: تأثره عن غيره. والسحر: الخديعة. وقيل: السحر إظهار الباطل في صورة الحق. والأثر: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: حديث مأثور، أي: ينقله خلف عن سلف؛ قال الأعشى: [السريع] ٤٩٦٤ - إنَّ الَّذي فيه تَمَاريْتُمَا ... بُيِّنَ للسَّامِع والآثِرِ قال ابن الخطيب: فيه وجهان:

стр. 12219

الأول: أنه من قولهم: أثرت الحديث آثره، أَثراً، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عما كان. والثاني: يؤثر على جميع السحر، وهذا يكون من الإيثارِ. وقال أبو سعيد الضرير: يؤثر، أي: يُورَثُ. قوله تعالى: ﴿إِنْ هاذآ إِلَاّ قَوْلُ البشر﴾ ، أي: هذا إلا كلام المخلوقين تختدع به القلوب كما يخدع بالسحر. قال ابن الخطيب: ولو كان الأمر كذلك لتمكنوا من معارضته إذا طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة. قال السديُّ: يعني أنه من قول سيَّار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي ﷺ َ فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: إنه أراد أنه تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال ابن الخطيب وهذا الكلام يدل على أن الوليد كان يقولُ هذا الكلام عناداً، لما روي في الحديث المتقدم: «أنه لما سمع من رسول الله ﷺ َ» حم «ثم خرج من عند النبي ﷺ َ يقول: لقد سمعتُ من محمدٍ كلاماً، ليس من كلام الجنِّ، ولا من كلام الإنس» الحديث، فلمَّا أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن قوله - هاهنا -: ﴿إِنْ هاذآ إِلَاّ قَوْلُ البشر﴾ ، إنَّما ذكره عناداً، أو تمرداً لا اعتقاداً. قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ هذا بدل من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ . قاله الزمخشري. فإن كان المراد بالصعود: المشقة، فالبدل واضح، وإن كان المراد: صخرة في جهنم - كما جاء في التفسير - فيعسر البدل، ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال، لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة. فصل في معنى الآية المعنى: سأدخله سقر كي يصلى حرها، وإنما سميت «سَقَرَ» من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث قال ابن عباس: «سقر» اسم للطبقة السادسة من «جهنم» . ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ . هذا مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟ . وهي

стр. 12220

كلمة تعظيم، وتهويل، ثم فسر حالها، فقال - جل ذكره -: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ أي: لا تترك لهم لحماً، ولا عظماً، ولا دماً إلا أحرقته. قوله: ﴿لَا تُبْقِي﴾ ، فيها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله أبو البقاء. يعني أن الاستفهام في قوله: «مَا سَقَرُ» للتعظيم، والمعنى: استعظموا سقر في هذه الحال. ومفعول «تُبْقِي» ، وتَذرُ «محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره، بل تهلكه. وقيل: تقديره لا تُبْقِي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية العذاب إلا وصلته إليه. والثاني: أنها مستأنفة. قال ابن الخطيب: واختلفوا في قوله: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾ . فقيل: هما لفظان مترادفان بمعنى واحد، كرر للتأكيد والمبالغة، كقولك صدَّ عني وأعرض عني، بل بينهما فرق، وفيه وجوه: الأول: لا تبقي من اللحم، والعظم، والدم شيئاً، ثم يعادون خالقاً جديداً،» ولا تَذرُ «أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبداً، رواه عطاء عن ابن عباس ﵄. وقال مجاهد: لا تبقي فيها حياً ولا تذره ميتاً بل تحرقهم كلما جُدِّدوا. وقال السديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً. وقيل: لا تبقي من المعذبين، ولا تذر من فوقها شيئاً، إلا تستعمل تلك القوة في تعذيبهم. قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ ، قرأ العامة: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في» لا تُبقِي «. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر: بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها حال من» سَقرُ «، والعامل معنى التعظيم كما تقدم.
следующие страницы →