← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12216–12255 · переход к 12221.

стр. 12216

وقال: أنا أحتاجُ إلى كسرِ محمدٍ وصاحبه، وأنتم تعلمون قدر مالي، واللاتِ والعُزَّى ما بي حاجةٌ إلى ذلك وأنتم تزعمُون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ . قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه كاهنٌ، فهل رأيتموه تكهن قط؟ ولقد رأينا للكهنةِ أسجاعاً وتخالجاً، فهل رأيتموهُ كذلك؟ . قالوا: لا والله. وقال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: وتزعمون أنه كذَّاب، فهل جريتمْ عليه كذباً قط؟ . قالوا: لا والله. وكان النبي ﷺ َ يُسمَّى الصادق والأمين من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليدِ: فما هو؟ ففكّر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هذا إلا سحرٌّ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وولده فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي في أمر محمدٍ والقرآن «وقدر» في نفسه ماذا يمكنهُ أن يقول فيهما. قوله: ﴿فَقُتِلَ﴾ ، أي: لعنَ. وقيل: قُهِرَ وغلبَ. وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذا إنما يذكرُ عند التعجب والاستعظام. ومثله قولهم: قتلهُ اللَّهُ ما أشجعهُ، وأخزاه الله ما أفجره، ومعناهُ: أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسدهُ بذلك، وإذا عرف ذلك، فنقول: هنا يحتملُ وجهين: الأول: أنه تعجب من قوة خاطره، يعني أنه لا يمكن القدحُ في أمر محمدٍ ﷺ َ بشبهةٍ أعظم ولا أقوى مما ذكرهُ هذا القائلُ. الثاني: الثناءُ عليه على طريقةِ الاستهزاء، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط. قوله: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ، أي: كيف فعل هذا، كقوله تعالى: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: ٤٨] ثم قيل: بضرب آخر من العقوبة. «كيف قدَّر» على أيّ حال قدَّر. «ثم نظر» بأي شيء يردّ الحق ويدفعهُ. قال ابن الخطيب: والمعنى أنه أولاً فكّر. وثانياً: قدَّر. وثالثاً: نظر في ذلك المقدرِ، فالنظر السابق للاستخراج، والنظر اللاحق لتمام الاحتياطِ، فهذه المرات الثلاث متعلقة بأحوال ثلاث.

стр. 12217

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ ، يقال: عبس يعبس عبساً، وعبوساً: أي: قطب وجهه. وقال الليث: عبس يعبس فهو عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإذا أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح، فإن اهتم لذلك، وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل بسل. واعلم أنه ذكر صفات جسمه بعد صفات قلبه، وهذا يدل على عناده، لأن من فكر في أمر حسن يظهر عليه الفرح لا العبوس، والعبس أيضاً: ما يبس في أذناب الإبل من البعر، والبول؛ قال أبو النجم: [الرجز] ٤٩٦١ - كَأنَّ في أذْنابِهنَّ الشُّوَّلِ ... مِنْ عبسِ الصَّيفِ قُرونَ الأُيَّلِ فصل في معنى الآية معنى الآية: قطب وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش محمداً ساحر مرَّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي ﷺ َ حين دعاه، والعبس: مصدر «عبس» مخففاً «، كما تقدم. قوله:» وَبَسَرَ «، يقال: بَسَر يَبسُرُ بسراً وبُسُوراً» إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجه باسر، أي منقبض مسود كالح متغير اللون، قاله قتادة والسدي؛ ومنه قول بشير بن الحارث: [المتقارب] ٤٩٦٢ - صَبَحْنَا تَمِيماً غَداةَ الجِفارِ ... بِشهْبَاءَ ملمُومةٍ بَاسِرَهْ وأهل اليمن يقولون: بسر المركب بسراً، أي: وقف لا يتقدم، ولا يتأخر، وقد أبسرنا: أي صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه، ومنه قيل للذي لم يدرك من التمر: بسر، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ، أي: أظهر العبوس قبل أوانه، وقبل وقته. قال: فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ، ليس يفعلون ذلك قبل الموت، وقد قلت: إن ذلك يكون فيما يقع قبل وقته. قيل: أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخص لفظ البسر تنبيهاً على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد، يجري مجرى التكلف، ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] .

стр. 12218

وقد عطف في هذه الجمل بحروف مختلفة، ولكل منها مناسبة، أما ما عطف ب «ثُمَّ» فلأن بين الأفعال مهلة، وثانياً: لأن بين النظر، والعبوس، وبين العبوس، والإدبار تراخياً. قال الزمخشريُّ: و «ثمّ نظر» عطف على «فكَّر» و «قدَّر» ، والدعاء اعتراض بينهما، يعني بالدعاء قوله: «فَقُتِل» ، ثم قال: فإن قلت: ما معنى «ثُمَّ» الداخلة على تكرير الدعاء؟ . قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى؛ ونحوه قوله: [الطويل] ٤٩٦٣ - ألَا يَا اسْلمِي ثُمَّ اسْلمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي..... ... ... ... ... ... ... . فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ . قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمل، والتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخٍ، وتباعد، فإن قلت: فلم قال: «فَقالَ» - بالفاء - بعد عطف ما قبله ب «ثُمَّ» ؟ . قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث، فإن قلت: فلم لم يتوسط حرف العطف بين الجملتين؟ . قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التأكيد من المؤكد. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ ، أي: ولى وأعرض ذاهباً عن سائر الناس إلى أهله. ﴿واستكبر﴾ حين دعي إلى الإيمان، أي: تعظم. ﴿إن هذا﴾ أي: ما هذا الذي أتى به محمد ﷺ َ ﴿إِلَاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ، أي: تأثره عن غيره. والسحر: الخديعة. وقيل: السحر إظهار الباطل في صورة الحق. والأثر: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: حديث مأثور، أي: ينقله خلف عن سلف؛ قال الأعشى: [السريع] ٤٩٦٤ - إنَّ الَّذي فيه تَمَاريْتُمَا ... بُيِّنَ للسَّامِع والآثِرِ قال ابن الخطيب: فيه وجهان:

стр. 12219

الأول: أنه من قولهم: أثرت الحديث آثره، أَثراً، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عما كان. والثاني: يؤثر على جميع السحر، وهذا يكون من الإيثارِ. وقال أبو سعيد الضرير: يؤثر، أي: يُورَثُ. قوله تعالى: ﴿إِنْ هاذآ إِلَاّ قَوْلُ البشر﴾ ، أي: هذا إلا كلام المخلوقين تختدع به القلوب كما يخدع بالسحر. قال ابن الخطيب: ولو كان الأمر كذلك لتمكنوا من معارضته إذا طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة. قال السديُّ: يعني أنه من قول سيَّار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي ﷺ َ فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: إنه أراد أنه تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال ابن الخطيب وهذا الكلام يدل على أن الوليد كان يقولُ هذا الكلام عناداً، لما روي في الحديث المتقدم: «أنه لما سمع من رسول الله ﷺ َ» حم «ثم خرج من عند النبي ﷺ َ يقول: لقد سمعتُ من محمدٍ كلاماً، ليس من كلام الجنِّ، ولا من كلام الإنس» الحديث، فلمَّا أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن قوله - هاهنا -: ﴿إِنْ هاذآ إِلَاّ قَوْلُ البشر﴾ ، إنَّما ذكره عناداً، أو تمرداً لا اعتقاداً. قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ هذا بدل من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ . قاله الزمخشري. فإن كان المراد بالصعود: المشقة، فالبدل واضح، وإن كان المراد: صخرة في جهنم - كما جاء في التفسير - فيعسر البدل، ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال، لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة. فصل في معنى الآية المعنى: سأدخله سقر كي يصلى حرها، وإنما سميت «سَقَرَ» من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث قال ابن عباس: «سقر» اسم للطبقة السادسة من «جهنم» . ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ . هذا مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟ . وهي

стр. 12220

كلمة تعظيم، وتهويل، ثم فسر حالها، فقال - جل ذكره -: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ أي: لا تترك لهم لحماً، ولا عظماً، ولا دماً إلا أحرقته. قوله: ﴿لَا تُبْقِي﴾ ، فيها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله أبو البقاء. يعني أن الاستفهام في قوله: «مَا سَقَرُ» للتعظيم، والمعنى: استعظموا سقر في هذه الحال. ومفعول «تُبْقِي» ، وتَذرُ «محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره، بل تهلكه. وقيل: تقديره لا تُبْقِي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية العذاب إلا وصلته إليه. والثاني: أنها مستأنفة. قال ابن الخطيب: واختلفوا في قوله: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾ . فقيل: هما لفظان مترادفان بمعنى واحد، كرر للتأكيد والمبالغة، كقولك صدَّ عني وأعرض عني، بل بينهما فرق، وفيه وجوه: الأول: لا تبقي من اللحم، والعظم، والدم شيئاً، ثم يعادون خالقاً جديداً،» ولا تَذرُ «أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبداً، رواه عطاء عن ابن عباس ﵄. وقال مجاهد: لا تبقي فيها حياً ولا تذره ميتاً بل تحرقهم كلما جُدِّدوا. وقال السديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً. وقيل: لا تبقي من المعذبين، ولا تذر من فوقها شيئاً، إلا تستعمل تلك القوة في تعذيبهم. قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ ، قرأ العامة: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في» لا تُبقِي «. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر: بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها حال من» سَقرُ «، والعامل معنى التعظيم كما تقدم.

стр. 12221

والثاني: أنها حال من» لا تُبْقِي «. والثالث: من» لا تَذرُ «. وجعل الزمخشري: نصبها على الاختصاص للتهويل. وجعلها أبو حيان حالاً مؤكدة. قال:» لأن النار التي لا تبقي ولا تذر، لا تكون إلَاّ مُغيرة للأبشار «. و» لوَّاحةٌ «هنا مبالغة، وفيها معنيان: أحدهما: من لاح يلوح، أي: ظهر، أي: أنها تظهر للبشر، [وهم الناس، وإليه ذهب الحسن وابن كيسان، فقال:» لوَّاحةٌ «أي: تلوح للبشر] من مسيرة خمسمائة عام، وقال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً، ونظيره: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ [النازعات: ٣٦] . والثاني: وإليه ذهب جمهور الناس، أنها من لوّحه أي: غيَّرهُ، وسوَّدهُ. قال الشاعر: [الرجز] ٤٩٦٥ - تقُولُ: ما لاحَكَ يا مُسَافِرُ ... يَا بْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وقال رؤبة بن العجَّاج: [الرجز] ٤٩٦٦ - لُوِّحَ مِنْهُ بَعْدَ بُدْنٍ وسَنَقْ ... تَلْويحكَ الضَّامرَ يُطْوى للسَّبَقْ وقال آخر: [الطويل] ٤٩٦٧ - وتَعْجَبُ هِنْدٌ إنْ رأتْنِي شَاحِباً ... تقُولُ لشَيءٍ لوَّحتهُ السَّمائمُ ويقال: لاحَهُ يلُوحُه: إذا غير حليته. قال أبو رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل، قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] . وطعن القائلون بالأول في هذا القول، فقالوا: لا يجوز أن يصفهم بتسويد الوجوهِ، مع قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ .

стр. 12222

وقيل: اللوح شدة العطش، يقال: لاحه العطش ولوحه: أي غيره، قال الأخفش: والمعنى أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها؛ وأنشد: [الطويل] ٤٩٦٨ - سَقَتْنِي على لَوْحِ من المَاءِ شَرْبةً ... سَقَاهَا بِه اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيَا يعني باللوح: شدة العطش. والرهام جمع رهمة - بالكسر - وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة: أتت بالرهام. واللُّوح - بالضم - الهواء بين السماء والأرض، والبشر: إما جمع بشرة، أي: مغيرة للجلود. قاله مجاهد وقتادة، وجمع البشر: أبشار، وإما المراد به الإنس من أهل النار، وهو قول الجمهور. واللام في «البشر» : مقوية، كهي في ﴿لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] . وقراءة النصب في «لوَّاحَةً» مقوية، لكون «لا تُبْقِي» في محل الحال. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ، هذه الجملة فيها الوجهان: أعني: الحالية، والاستئناف وفي هذه الكلمة قراءات شاذة، وتوجيهات مشكلة. فقرأ أبو جعفر وطلحة: «تِسعَة عْشرَ» - بسكون العين من «عشر» ؛ تخفيفاً؛ لتوالي خمس حركات من جنس واحد، وهذه كقراءة ﴿أَحَدَ عَشْرَ كَوْكباً﴾ [يوسف: ٤] وقد تقدمت. وقرأ أنس وابن عباس ﵄ «تِسعَةُ عشَر» بضم التاء، «عَشَر» بالفتح. وهذه حركة بناء، لا يجوز أن يتوهم كونها إعراباً، إذ لو كانت للإعراب لجعلت في الاسم الأخير لتنزل الكلمتين منزلة الكلمة الواحدة، وإنما عدل إلى التسكين كراهة توالي خمس حركات. وعن المهدوي: «من قرأ:» تِسْعَةُ عَشَرْ «فكأنه من التداخل، كأنه أراد العطف، فترك التركيب، ورفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء، وأسكن» انتهى. فجعل الحركة للإعراب، ويعني بقوله: أسكن راء «عَشَرْ» فإنه في هذه القراءة كذلك. وعن أنس ﵁ أيضاً: «تِسْعَةُ أعْشُرٍ» بضم «تِسْعَة» و «أعْشُر» بهمزة مفتوحة، ثم عين ساكنة، ثم شين مضمومة، وفيها وجهان:

стр. 12223

قال أبو الفضل: يجوز أن يكون جمع «العشيرة» على «أعْشُر» ، ثم أجراه مجرى «تِسْعَة عشر» . وقال الزمخشريُّ: جمع «عَشِير» مثل: يَمِين وأيْمُن. وعن أنس - أيضاً -: «تِسْعَةُ وعْشُرْ» بضم التاء وسكون العين وضم الشين وواو مفتوحة بدل الهمزة. وتخريجها كتخريج ما قبلها، إلا أنه قلب الهمزة واواً مبالغة في التخفيف، والضمة - كما تقدم - للبناء لا للإعراب. ونقل المهدوي: أنه قرىء: «تِسْعَةٌ وعَشْرْ» ، قال: «فجاء به على الأصل قبل التركيب وعطف» عَشْر «على» تِسْعَة «، وحذف التنوين، لكثرة الاستعمال، وسكون الراء من» عشر «على نية الوقف» . وقرأ سليمان بن قتة: بضم التاء وهمزة مفتوحة، وسكون العين، وضم الشين وجر الراء من «أعْشُرٍ» . والضمة على هذا ضمة إعراب، لأنه أضاف الاسم لها بعده فأعربهما إعراب المتضايفين وهي لغة لبعض العرب يفكون تركيب الأعداد، ويعربونها كالمتضايفين؛ كقوله: [الرجز] ٤٩٦٩ - كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِقْوتِهْ ... بِنْتَ ثَمانِي عَشْرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ قال أبوالفضل: ويجيء على هذه القراءة، وهي قراءة من قرأ: «أعشر» مبنياً، أو معرباً من حيث هو جمع، أن الملائكة الذي هم على «سَقَر» تسعون ملكاً. فصل في معنى الآية معنى الآية: أنه يلي أمر تلك النار تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. قيل: هم خزنة النار، مالك وثمانية عشر ملكاً. وقيل: التسعة عشر نقيباً، وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكاً بأعيانهم. قال القرطبي: وذكر ابن المبارك عن رجل من بني تميم، قال كنا عند أبي العوام.

стр. 12224

فقرأ هذه الآية، فقال: ما تسعة عشر تسعة عشر ألف ملك أو تسعة عشر ملكاً؟ قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، قال: وأنى تعلم ذلك؟ فقلت: لقول الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المدثر: ٣١] قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكاً. قال ابنُ جريج: نعت النبي ﷺ َ خزنة جهنم، فقال رسول الله ﷺ َ: «أعْينُهُمْ كالبَرْقِ، وأنْيابُهمْ كالصَّيَاصي، وأشْعارُهمْ تَمَسُّ أقْدامَهُمْ يَخرجُ لهَبُ النَّارِ مِنَ أفْواهِهِمْ» ، الحديث. قال ابن الأثير: «الصَّياصِي: قرون البقر» . وروى الترمذي عن عبد الله قال: «قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ َ: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله فجاء رجل الى النبي ﷺ َ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: وبماذا غلبوا؟ . قال: سألهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ . قال: فماذا قالوا؟ قال: فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا ﷺ َ قال ﷺ َ: أيغلب قومٌ سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ َ؟ لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: أرنا الله جهرة، عليّ بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي الدرمك، فلما جاءوا، قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ . قال رسول الله ﷺ َ:» هَكذَا، وهَكذَا «، في مرة عشرة، وفي مرة تسعة، قالوا: نعم فقال لهم رسول الله ﷺ َ:» مَا تُربَةُ الجنَّةِ «؟ فسكتوا، ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال رسول الله ﷺ َ:» الخُبْزُ مِنَ الدَّرْمكِ «. قال ابن الأثير: الدرمك: هو الدقيق الحوارى. قال القرطبيُّ: الصحيح - إن شاء الله - أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء، والنقباء، وأما جملتهم فكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «يُؤتَى بجَهنَّم يَومئِذٍ، لها سبعُونَ ألفَ زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يَجُرُّونهَا» .

стр. 12225

وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل قوله ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمعُ ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم: «تسعة عشر» وأنتم الدهماء - أي العدد العظيم - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم. قال السدي: فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزءاً. وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فلما قال أبو الأسود ذلك، قال المسلمون: ويحكم، لا يقاس الملائكة بالحدادين، فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا تساوي بينهما، ومعناه: لا يقاس الملائكة بالسجّانين، والحداد: السجان. فصل في تقدير عدد الملائكة ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً: منها ما قاله أرباب الحكمةِ: أنّ سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية، هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية: فهي الخمسة الظاهرة، والخمسة الباطنة، والشَّهوة، والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى الطبيعية: فهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة والعادية، والنافية، والمولدة، فالجموع تسعة عشر، فلما كانت هذه منشآت الآفات لا جرم كان عدد الزبانية هكذا. ومنها: أن أبو جهنم سبعة، فستة منها للكفار وواحد للفسَّاق، ثم إنَّ الكفَّار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد، وترك الإقرار، وترك العمل، فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة، فالمجموع: ثمانية عشر. وأما باب الفساق: فليس هناك إلا ترك العمل، فالمجموع: تسعة عشر مشغولة بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.

стр. 12226

قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلَاّ مَلَائِكَةً﴾ . روي أن أبا جهل لما نزل قول الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] قال: أيعجز كل مائة ان يبطشوا بواحدٍ منهم ثم يخرجون من النار؛ فنزل قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلَاّ مَلَائِكَةً﴾ أي: لم نجعلهم رجالاً فتغالبوهم. وقيل: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف المعذبين من الجن والإنس، فلا تأخذهم مآخذ المجانس من الرقة والرأفة، ولا يستريحون إليهم، ولأنهم أشد الخلق بأساً، وأقواهم بطشاً، ولذلك جعل - تعالى - الرسول إلى البشر من جنسهم ليكون رأفة ورحمة بنا. وقيل: لأنَّ قوتهم أعظم من قوة الإنس والجن. فإن قيل: ثبت في الأخبار أنَّ الملائكة مخلوقون من النور، والمخلوق من النور كيف يطيق المكث في النار؟ . فالجواب: أن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات، فكما أنه لا استبعاد في [إبقاء الحي في مثل ذلك العذاب أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد] في بقاء الملائكة هناك من غير ألم. قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَآ عِدَّتَهُمْ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ . أي: بليّة. روي عن ابن عباس ﵄ قال: المعنى: ضلالة للذين كفروا. وقوله تعالى ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول ثانٍ على حذف مضاف، أي إلا سبب فتنة، و «الذين» صفة ل «فتنة» ، وليست «فتنة» مفعولاً له. فصل في علة ذكر العدد. قال ابن الخطيب: هذا العدد إنَّما صار سبباً لفتنة الكفار من وجهين: الأول: أن الكفار يستهزئون ويقولون: لم لم يكونوا عشرين، وما المقتضي لتخصيص هذا العدد؟ . والثاني: أن الكفار يقولون: هذا العدد القليل، كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلقهم الله إلى قيام القيامة؟ .

стр. 12227

والجواب عن الأول: أن هذا السؤال لازمٌ على كل عددٍ يفرض. وعن الثاني: أنه لا يبعد أن الله يزرق ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - مدائن قوم لوطٍ على أحدِ جناحيه، ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها. وأيضاً: فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، ولا للعقل فيها مجال. فصل في أن الله تعالى يريد الفتنة. دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - يريد الفتنة. وأجاب الجبائي: بأن المراد من الفتنة تشديدُ التعبد ليستدلوا على أنه - تعالى - قادرٌ على تقوية هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مائةُ ألفِ ملكٍ أقوياء. وأجاب الكعبي: بأن المراد من الفتنة الامتحانُ حتَّى يفوضَ المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الله تعالى، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به، أو يكون المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة، وحاصله ترك الألطاف. والجواب: أن نقول: هل لا يزال لهذه المتشابهات أثرٌ في تقوية داعية الكفر أم لا؟ فإن لم يكن له أثرٌ في تقوية داعية الكفر لم يكن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا ألبتة وإن كان له أثرٌ في تقوية داعية الكفر، فقد حصل المقصود؛ لأنه إذا ترجَّحت داعية الفعل صارت داعيةُ الترك مرجوحة، والمرجوح يمتنع تأثيره، فيكون الترك ممتنع الوقوع، فيصير الفعل واجب الوقوع. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الذين﴾ . متعلق ب «جعلنا» لا ب «فتنة» . وقيل: بفعل مضمر، أي: فعلنا ذلك ليستيقن. فصل في المراد بالآية معنى الكلام: ليُوقنَ الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدَّة خزنة جهنَّم مُوافقةٌ لما عندهم. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم. ثم يحتمل أن يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام، ويحتمل أن يريد الكُلَّ، ﴿وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً﴾ لتصديقهم بعدد خزنة النار. قال ابن الخطيب: فإن قيل: حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان، فما قولكم في هذه الآية؟ .

стр. 12228

فالجواب: نحملُه على ثمرات الإيمان، وعلى آثاره ولوازمه. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ﴾ ، أي: ولا يشك ﴿الذين أُوتُواْ﴾ أي: أعطُوا ﴿الكتاب والمؤمنون﴾ أي: المُصدِّقُون من أصحاب رسول الله ﷺ َ في أنَّ خزنة جهنَّم تسعة عشر. فإن قيل: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب، وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين، فما الفائدة في قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الذين أُوتُوا الكتاب والمؤمنون﴾ ؟ . فالجواب: أن الإنسان إذا اجتهد في أمرٍ غامضٍ دقيقِ الحُجَّة كثير الشُّبه، فحصل له اليقين، فربَّما غفل عن مقدمةٍ من مقدِّمات ذلك الدليل الدقيق، فيعود الشرك، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الإعادة نفي ذلك الشكِّ، وأنه حصل له يقينٌ جازمٌ، لا يحصل عقيبه شكٌّ ألبتة. قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ ، أي: في صدورهم شكٌّ ونفاقٌ من منافقي أهل «المدينة» الذين يجيئون في مستقبل الزمان بعد الهجرة، وهذا إخبار عما سيكون، ففيه معجزة ﴿والكافرون﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ يعني: بعدد خزنةِ جهنَّم، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن بن الفضل: السورة مكيّة، ولم يكن ب «مكة» نفاقٌ، فالمرض في هذه الآية الخلاف، والمراد بالكافرين: مشركو العرب، ويجوز أن يُراد بالمرض الشكُّ والارتياب لأن أهل «مكة» كان أكثرهم مشركين، وبعضهم قاطعين بالكذب، وقوله تعالى إخباراً عنهم: ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ ؟ أي: هذا العدد الذي ذكره حديثاً، أي ما هذا من الحديث. قال الليث ﵀: المثل الحديث، ومنه: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ [محمد: ١٥] ، أي حديثها والخبر عنها. وقال ابن الخطيب: إنما سمَّوه مثلاً؛ لأنه لمَّا كان هذا العدد عدداً عجيباً ظن القوم أنه رُبَّما لم يكن مراداً لله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلاً لشيء آخر تنبيهاً على مقصود آخر - لا جَرمَ سمَّوه مثلاً - لأنهم لمَّا اسغربوه ظنُّوا أنه ضرب مثلاً لغيره، و «مَثَلاً» تمييزٌ أو حالٌ، وتسمية هذا مثلاً على سبيل الاستعارة لغرابته. فصل في لام: «وليقول» «اللام» في قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ جار على أصول أهل السُّنة؛ لأن ذلك مراد، وعند المعتزلة: هي لام العاقبة، ونسبوه إلى الله مع أنهم ينكرون ذلك، إما على سبيل التَّهكُّم، وإما على ما يقولونه.

стр. 12229

قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : نعتٌ لمصدر، أو حالٌ منه على ما عرف، وذلك إشارة إلى ما تقدم من الإضلال والهدي أي: مثل ذلك الإضلالِ والهدى ﴿يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ﴾ كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم «يُضِلُّ» أي: يُعمي ويُخزي من يشاء، ويهدي من يشاء أي ويرشد من يشاء كإرشاد أصحاب رسول الله ﷺ َ، وهذه الآية تدل على مذهب أهل السنة؛ لأنه - تعالى - قال في أول هذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وقال - جل ذكره - في آخر الآية: ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ ، ثم قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ﴾ . وأما المعتزلة فذكروا تأويلاتهم المشهورة، وتقدم أجوبتها. قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ﴾ ، «جُنُود ربِّك» : مفعولٌ واجبُ التقديم لحصر فاعله ولعود الضمير على ما اتصل بالمفعول. فصل في تفسير الآية أي: وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار «إلَاّ هُوَ» أي: الله ، وهذا جواب لأبي جهل حين قال: ما لإله محمد ﷺ َ من الجنود إلَاّ تسْعةَ عشرَ إلَاّ أنَّ لكلِّ واحد منهم من الأعوان والجنود ما لا يعلم عددهم إلا هو، ويحتمل أن يكون المعنى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ لفرط كثرتها ﴿إِلَاّ هُوَ﴾ فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق، وهو ﷻ يعلمها. ويكون المعنى: أنه لا حاجة بالله - سبحانه - في تعذيب الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة، بل هو الذي يعذِّبهم في الحقيقة، وهو الذي يخلق الألم فيهم، ولو أنه - تعالى - قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلَّةُ العذاب فجنود الله تعالى غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية قال ﷺ َ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَهَا أن تَئِطَّ، مَا فيهَا مَوضع أرْبعِ أصَابعَ إلَاّ وفِيهَا مَلكٌ سَاجِدٌ» . قوله جل ذكره: ﴿وَمَا هِيَ﴾ ، يجوز أن يعود الضمير على «سَقَر» أي: وما سقر إلَاّ تذكرةٌ أي عظةٌ للبشر، وأن يعود على الآيات المذكورة فيها، أو النار لتقدمها، أو الجنود لأنه أقربُ مذكور، أو نار الدنيا، وإن لم يجرِ لها ذكر تذكرة لنا بالآخرة، قاله الزجاج أو ما هذه العدة ﴿إِلَاّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾ أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه سبحانه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار.

стр. 12230

والبشر: مفعول ب «ذكرى» و «اللام» فيه مزيدة.

стр. 12231

قوله: ﴿كَلَاّ والقمر﴾ . قال الفراء: «كَلَاّ» أصله للقسم، التقدير: أي: والقمر. وقيل: المعنى حقّاً والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على «كلا» . وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردّاً على الذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم على ذلك بالقمر، وبما بعده. وقيل: هذا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون. وقيل: هو ردعٌ لمن ينكر أن يكون الكبر نذيراً. وقيل: ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة. قوله تعالى: ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ . قرأ نافع وحمزة وحفص: «إذ» ظرفاً لما مضى من الزمان «أدبر» بزنة «أكْرَمَ» . والباقون: «إذا» ظرفاً لما يستقبل «دَبَرَ» بزنة «ضَرَبَ» . والرَّسْمُ محتمل لكلتيهما، فالصورة الخطية لا تختلف. واختار أبو عبيد قراءة «إذا» ، قال: لأن بعده «إذَا أسْفرَ» ، قال: «وكذلك هي في حرف عبد الله» ، يعني: أنه مكتوب بألفين بعد الذال؛ أحدهما: ألف «إذا» والأخرى همزة «أدبر» . قال: وليس في القرآن قسم يعقبه «إذ» ، وإنما يعقبه «إذا» . واختار ابن عباس ﵁: «إذا» . ويحكى عنه: أنه لما سمع «دَبَرَ» قال: «إنَّما يدبرُ ظهر البعير» . واختلفوا: هل «دبر، وأدبر» بمعنى أم لا؟ . فقيل: هما بمعنى واحد، يقال: دبر الليل والنهار وأدبر، وقبل وأقبل؛ ومنه قولهم: «أمس الدابر» فهذا من «دَبَر» ، و «أمس المُدبِر» ؛ قال صَخرُ بن عمرو بن الشَّريدِ السُّلمِيُّ: [الكامل] ٤٩٧٠ - ولقَدْ قَتلْتُكمْ ثُنَاءَ ومَوْحَداً ... وتَركْتُ مُرَّةَ مِثلَ أمْسِ الدّابرِ

стр. 12232

ويروى: «المُدْبِر» ، وهذا قول الفرَّاء والأخفش والزجاج. وأما: «أدبر الراكب» وأقبل فرباعي لا غير. وقال يونس: «دبر» انقضى، و «أدبر» تولى، ففرق بينهما. وقال الزمخشري: «ودبر: بمعنى أدبر» ك «قبل بمعنى أقبل» . وقيل منه: صاروا كأمسِ الدابر. وقيل: هو من دبر الليل بالنهار، إذا خلفه. وذكر القرطبي عن بعض أهل اللغة: «دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار» . وقرأ محمد بن السميفع: «والليل إذا أدبر» بألفين، وكذلك هي في مصحف عبد الله وأبيّ. وقال قطرب: من قرأ «دبر» فيعني أقبل، من قول العرب: دبر فلان، إذا جاء من خلفي. قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. قوله تعالى: ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ . أي أضاء، وفي الحديث: «أسِفرُوا بالفَجْرِ» . ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] . وقرأ العامة: «أسْفَرَ» بالألف وعيسى بن الفضل وابن السميفع: «سَفَر» ثلاثياً. والمعنى: طرح الظُّلمة عن وجهه على وجه الاستعارة، وهما لغتان. ويقال: سَفَرَ وجه فلان إذا أضاء، وأسفر وجهه حسناً: أي أشرق، وسفرت المرأة، أي كشفت عن وجهها، فهي سافرة. قال القرطبي: ويجوز أن يكون سَفَرَ الظلام، أي كنسه، كما يسفر البيت أي: يُكنس، ومنه السفير، لما يسقط من ورق الشجر ويتحاتّ، يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تُسْفره، أي: تكنسه، والمُسفرة: المكنسة «. قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ . أي: إن النار. وقيل: إن قيام الساعة كذا حكاه أبو حيان. وفيه شيئان: عوده على غير مذكور، وكونُ المضاف اكتسب تأنيثاً.

стр. 12233

وقيل: إنه النذارة، وقيل: هي ضمير القصّة، وهذا جواب القسم وتعليل ل» كَلَاّ «والقسم معترض للتوكيد. قاله الزمخشري. قال شهاب الدين:» وحينئذ يحتاج إلى تقدير جوازه، وفيه تكلف وخروج عن الظاهر «. قوله: ﴿لإِحْدَى الكبر﴾ . قرأ العامَّةُ:» لإحْدَى الكُبَر «بهمزة، وأصلها واو من الوحدة. وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ويروى عن ابن كثير:» لَحدى «بحذف الهمزة. وهذا من الشُّذوذ بحيث لا يقاس عليه. وتوجيهه: أن يكون أبدالها ألفاً ثُمَّ حذف الألف لالتقاء الساكنين، وقياس تخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ. قال الواحدي: ألف إحدى مقطوع لا تذهب في الوصل و» الكُبَر «: جمع» كُبْرَى «ك» الفُضَل «جمع» فُضْلَى «. قال الزمخشري:» الكُبَر: جمع الكُبْرى «. جعلت ألف التأنيث كتاء التأنيث، فكما جمعت» فُعْلة «على» فُعَل «جمعت» فُعْلى «عليها، ونظير ذلك:» السَّوافِي «في جمع» السَّافِيَاء «وهو التراب التي تسفّه الريح، و» القَواصع «في جمع» القَاصِعَاء «كأنها جمع» فاعلة «قاله ابن الخطيب فصل في معنى الآية معنى» إحْدَى الكُبَرِ «أي إحدى الدواهي، قال: [الرجز] ٤٩٧١ - يَا ابْنَ المُعلَّى نزَلتْ إحْدَى الكْبَرْ ... دَاهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمَّاءُ الغِيَرْ ومثله: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، لمن يستعظمونه. والمراد من» الكبر «دركات جهنم، وهي سبعة: جَهَنَّم، ولَظَى، والحطمة، والسَّعير، والجَحِيم، والهَاوية، وسَقَر. أعاذنا الله منها. وفي تفسير مقاتل:» الكُبَر «اسم من أسماء النار.

стр. 12234

وعن ابن عباس ﵄» إنها «أي إن تكذيبهم بمحمد ﷺ َ» لإحْدَى الكُبَر «أي: الكبيرة من الكبائر. قوله: ﴿نَذِيراً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه تمييز من» إحدى «لما ضمنت معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر إنذاراً، ف» نذير «بمعنى» الإنذار «كالنكير بمعنى الإنكار، كأنه قيل: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، ومثله: هي إحدى النساء عفافاً. الثاني : أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضاً ولكنه نصب بفعل مقدَّر، قاله الفراء. الثالث: أنه «فعيل» بمعنى «مُفْعِل» وهو حال من الضمير في «إنها» . قاله الزجاج، وذُكِّرَ لأن معناه معنى العذاب أو أراد أنَّها «ذات إنذارٍ» على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر. قال الحسن ﵁: والله ما أنذرَ الخلائق بشيءٍ أدهى منها. الرابع: أنه حال من الضمير في «إحدى» لتأويلها بمعنى العظم. الخامس: أنه حال من فاعل «قُمْ» أول السورة، والمراد بالنذير: محمدٌ ﷺ َ أي: قُمْ نذيراً للبشر، أي: مخوفاً لهم. قاله أبو علي الفارسي. وروي عن ابن عباس، وأنكره الفراء. قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: معناه يا أيُّها المدثِّر، قُم نذيراً للبشر، وهذا قبيح لطول ما بينهما. السادس: أنه مصدر منصوب ب «أنذِر» أول السورة، كأنه قال: إنذاراً للبشر. قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذاراً، فهو كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] . أي: إنذاري، فعلى هذا يكون راجعاً إلى أول السورة. السابع: هو حالٌ من «الكُبَر» . الثامن: حالٌ من ضمير «الكُبَرِ» . التاسع: أنه منصوب بإضمار «أعني» . العاشر: أنه حال من «لإحدى» . قاله ابن عطية. الحادي عشر: أنَّه منصوب ب «ادع» مقدَّراً، إذ المراد به الله ﵎. روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين: «نذيراً للبشر» ، قال: يقول الله : أنا لكم منها نذير فاتقوها.

стр. 12235

و «نذيراً» على هذا نصب على الحال، أي ب ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلَاّ مَلَائِكَةً﴾ منذراً بذلك البشر. الثاني عشر: أنَّه منصوب ب «نادى، أو ببلِّغ» إذ المراد به الرسول ﷺ َ. الثالث عشر: أنَّه منصوب بما دلَّت عليه الجملة، تقديره: عظُمتْ نذيراً. الرابع عشر: هو حال من الضمير في «الكُبَرِ» . الخامس عشر: أنَّها حال من «هو» في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ﴾ . السادس عشر: أنَّها مفعول من أجله، النَّاصب لها ما في «الكُبَرِ» من معنى الفعل. قال أبو البقاء: «إنَّها لإحْدى الكبر لإنذار البشر» . فظاهرُ هذا أنه مفعول من أجله. واعلم أنَّ النصب: قراءةُ العامَّة. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: بالرفع. فإن كان المراد النار جاز فيه وجهان: أن يكون خبراً بعد خبرٍ، وأن يكون خبر مبتدإ مضمرٍ، أي: هي نذير، والتذكِر - لما تقدم - من معنى النَّسبِ. وإن كان الباري تعالى أو رسوله ﷺ َ كان على خبر مبتدإ مضمر، أي: هو نذير. و «للبشر» : إما صفة، وإما مفعول ل «نذير» واللام مزيدة لتقوية العامل. قوله: ﴿لِمَن شَآءَ﴾ ، فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من البشر بإعادة العامل كقوله: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] ، و ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ، وأن يتقدم مفعول «شاء» أي: نذيراً لمن شاء التقدم أو التأخر، وفيه ذكر مفعول «شاء» وقد تقدم أنه لا يذكر إلا إذا كان فيه غرابة. الثاني: وبه بدأ الزمخشري: أن يكون «لمن شاء» خبراً مقدماً، و «أن يتقدم» مبتدأ مؤخر. قال: كقولك: لمن توضّأ أن يصلي، ومعناه: مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم، أو يتأخر انتهى. فقوله: «التقدم أو التأخر» وهو مفعول «شاء» المقدر. قال أبو حيَّان ﵀: قوله: «أن يتقدم» هو المبتدأ معنى لا يتبادر إلى الذهن، وفيه حذف. قال القرطبي: اللام في «لمن شاء» متعلقة ب «النذير» ، أي: نذيراً لمن شاء منكم

стр. 12236

أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، نظيره: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ ، أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ علمنالمستأخرين﴾ [الحجر: ٢٤] عنه، قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٧] . وقيل: المعنى لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، فالمشيئة متصلة بالله والتقديم بالإيمان والتأخير بالكفر. وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أنَّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد ﷺ َ تسليماً كثيراً جوزي بثوابٍ لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة، وكذب محمداً ﷺ َ عوقب عقاباً لا ينقطع. وقال السديُّ: «لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة» . فصل فيمن استدل بالآية على كون العبد متمكناً من الفعل احتج المعتزلة بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور عليه. وجوابه: أنَّ هذه الآية دلَّت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله - تعالى جل ذكره - كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الإنسان: ٣٠] . وحينئذ تصير الآية حجة عليهم. قال ابن الخطيب: وذكر الأصحاب جوابين آخرين: الأول: معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين، التهديد، كقوله : ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . الثاني: أنَّ هذه المشيئة لله ﵎ على معنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر.

стр. 12237

قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه:

стр. 12238

أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» . قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: ٢١] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل] ٤٩٧٢ - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» . الثاني: أن الهاء للمبالغة. الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ. واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ. فصل في معنى رهينة ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها. قوله: ﴿إِلَاّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق. والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة. قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة. وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر ﵄ هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.

стр. 12239

وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون. وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم ﵊ ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» . قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم. وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون. وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان. وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم. وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون. قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» . ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله. و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» . قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان: الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا. الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين. فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ . فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .

стр. 12240

وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن. قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ . قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ . قال الكلبيُّ ﵀: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ. وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري. وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ . قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب. قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا. قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ] فصل في تفسير الآية قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.

стр. 12241

قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» . ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل. وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد ﷺ َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك ﷺ َ. وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه. وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم. ﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] . وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ . فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: ١٧] . قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل] ٤٩٧٣ - عَلَى لَاحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... . في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] الآية. وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين. قال عبد الله بن مسعود ﵁: يشفع نبيكم ﷺ َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم ﷺ َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ . قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.

стр. 12242

قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا. قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين: أحدهما: الجحود والإنكار. والثاني: ترك العمل بما فيه. وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ. و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن. و «عن التذكرة» متعلق به. قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» . قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» . قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة. وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها. وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص. والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة. يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] . ٤٩ ٧٤ - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ

стр. 12243

وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» . فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ. قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة «أولى لقوله:» فرَّت «للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى. يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة. والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد. وقيل: الرُّماة يرمُونها. وقيل: هو اسم جمع لا واحد له. وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة. ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل] ٤٩٧٥ - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً ﵁. قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز] ٤٨٧٦ - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز]

стр. 12244

٤٩٧٧ - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة. وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم. وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا. وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة. فصل في المراد بالحمر المستنفرة قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد ﷺ َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية. قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء. قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار. وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.

стр. 12245

وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك. قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل. وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟! قوله: «مُنشَّرة» . العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف. وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» . وابن جبير: على تسكينها. قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» . وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» . قوله: ﴿كَلَاّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك. وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لَاّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً. قوله: ﴿كَلَاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة. وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه. والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.

стр. 12246

وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد. قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ . قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات. وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم. وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلَاّ بَل لَاّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها. قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلَاّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف. قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه. وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر. قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا. روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» . وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر. روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ ﷺ َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.

стр. 12247

سورة القيامة

стр. 12248

مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ . العامَّة: على «لَا» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه: أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً. قال القرطبي ﵀: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» . والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] ، وفي قوله : ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١ ٢] ؛ وقوله: [الرجز] ٤٩٧٨ - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه:

стр. 12249

أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً. وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب] ٤٩٧٩ - فَلَا - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام. والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب. وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز. وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز. الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب] ٤٩٨٠ - فَلَا - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم. وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر] ٤٩٨١ - ألَا نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي

стр. 12250

وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلَاّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى. قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا «ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام. قال شهاب الدين ﵀:» فقول الزمخشري «: والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» . ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ . قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لَا أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: ١] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: ٤] وكذلك قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى. وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه: أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين. وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها

стр. 12251

وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم. الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل] ٤٩٨٢ - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل] ٤٩٨٣ - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم. قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: ١٦٤] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلَاّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: ١٦٤] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم. ولم يختلف في قوله: «ولَا أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلَاّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لَا أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: ١] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: ٣] . وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» . وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: ٤] ، ويروى عن الحسن البصري. وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان. وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها. فصل في معنى الآية قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل]

стр. 12252

٤٩٨٤ - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله أن يقسم بما شاء، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية. وقيل: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة. قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه. وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. وقيل : المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة. وعن ابن عباس ﵁ أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى. قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.

стр. 12253

والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به. وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل. فصل في جواب هذا القسم قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم. وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن. والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث. قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني ﷺ َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ ﷺ َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ ﷺ َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ «. وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق. وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً. قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء» قَادِرين «، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير. وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين. قال الفراء:» قادرين «نصب على الخروج من» نَجْمعَ «أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك. وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين. وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون. وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي»

стр. 12254

بلى «نحن» قادرون « ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر] ٤٩٨٥ - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله بالذكر لذلك. قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ. وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء. وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠، ٦١] . والقول الأول أشبه بمساق الآية. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب ﵀: وفي الآية إشكالات: أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ . وثانيها: على وقوع القيامة وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: ١] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١] . والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال ﷺ َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى

стр. 12255

السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان﴾ [الأحزاب: ٧٢] . وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى. وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة. والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة. والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال. قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر. الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب. قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» . وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» . والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان. وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة. فصل في تفسير الآية قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير ﵃: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
следующие страницы →