Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.
стр. 12286
وتمطى - هنا - فيه قولان:
أحدهما: أنه من «المَطَا» وهو الظهر، ومعناه: يَتبختَرُ أي يمد مطاه ويلويه تبختراً في مشيته.
الثاني: أن أصله «يتمطّط» أي يتمدّد، ومعناه: أنه يتمدد في مشيته تبختراً، ومن لازم التبختر ذلك فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في مادته، إذ مادة «المطا» : «م ط و» ، ومادة الثاني: «م ط ط» ، وإنما أبدلت الطاء الثانية ياء كراهية اجتماع الأمثال نحو: تطيبت، وقصيت أظفاري، وقوله: [الراجز]
٥٠١٢ - تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ ... والمطيطاء: التبختر ومد اليدين في المشي، قال رسول الله ﷺ َ: «المُطَيْطَاءِ وخدَمتهُمْ من فَارِس والرَّومِ كان بَأسهُمْ بَيْنَهُمْ» .
و «المطيط» : الماء الخاثر أسفل الحوض؛ لأنه يتمطّط، أي: يمتدّ فيه.
وقال القرطبي: التمطط: هو التمدد من التكسُّل، والتثاقل فهو متثاقل عن الداعي إلى الحق، والتمطي يدل على قلة الاكتراث.
قوله: ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ تقدم الكلام عليه في أول سورة القتال، وإنما كررها هنا مبالغة في التهديد والوعيد، فهو تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد؛ قالت الخنساء: [المتقارب]
٥٠١٣ - هَمَمْتُ بنَفْسِيَ كُلَّ الهُمومِ ... فأولَى لِنفْسِيَ أوْلَى لَهَا
وقال أبو البقاء هنا: «وزن» أولى فيه قولان:
أحدهما: «فَعْلَى» والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث.
والثاني: هو «أفعل» ، وهو على القولين هنا «علمٌ» ، ولذلك لم ينون، ويدل عليه ما حكى أبو زيد في «النوادر» : هو أولاة - بالتاء - غير مصروف، لأنه صار علماً للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد، فعلى هذا يكون أولى مبتدأ، و «لك» الخبر.
стр. 12287
والثاني: أن يكون اسماً للفعل مبنياً، ومعناه: وليك شر بعد شر، و «لك» تبيين.
فصل في نزول الآية
قال قتادة ومقاتل والكلبي: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ َ مِنَ المَسْجدِ ذَاتَ لَيْلةٍ فاسْتقَبلهُ أبُو جَهْل على بَابِ المَسْجدِ ممَّا يلي باب بني مَخْزُوم، فأخذ رسول الله ﷺ َ بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال له رسول الله ﷺ َ:» أوْلَى لَكَ فأوْلَى، ثُمَّ أوْلَى لَكَ فأوْلَى «فقال أبو جهلٍ: أتُهدِّدنِي؟ فواللَّهِ إنِّي لأعزُّ أهل هذا الوَادِي وأكْرمهُ، ولا تَسْتطِيعُ أنْتَ ولا ربُّكَ أن تَفْعَلا بِي شَيْئاً ثُمَّ انسَلَّ ذَاهِباً» ، فأنزل الله - تعالى - كما قال الرسول الله ﵊ ُ.
ومعنى أوْلَى لَكَ يعني ويل لك؛ قال الشاعر: [الوافر]
٥٠١٤ - فأوْلَى ثُمَّ أوْلَى ثُمَّ أوْلَى ... وهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ؟
وقيل: هو من المقلوب، كأنه قيل: «ويل» ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى: الويل لك يوم تدخل النار؛ وهذا التكرير كقوله: [الطويل]
٥٠١٥ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
أي لك الويل ثم الويل.
وقيل: معناه الذم لك أولى من تركه.
وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي «أولى» في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك كما تقول: قد وليت الهلاك، أي دانيت الهلاك، وأصله من «الولي» وهو القرب، قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٣] أي: يقربون منكم.
قال القرطبي: «وقيل: التكرير فيه على معنى من ألزم لك على عملك السيّىء الأول ثم الثاني والثالث والرابع» .
стр. 12288
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ ، أي: أيظن ابن آدم «أن يترك سُدى» أي: أن يخلى مهملاً، فلا يؤمر ولا ينهى. قاله ابن زيد ومجاهد.
стр. 12289
وقيل: أن يترك في قبره أبداً كذلك لا يبعث، و «سدى» حال من فاعل «يترك» ومعناه: مهملاً، يقال: إبل سدى، أي: مهملة.
وقال الشاعر: [المتقارب]
٥٠١٦ - وأقْسِمُ باللَّهِ جَهْدَ اليَمِي ... نِ ما خلقَ اللَّهُ شَيْئاً سُدَى
أي: مهملاً، وأسديت حاجتي، أو ضيعتها، ومعنى أسدى إليه معروفاً، أي: جعله بمنزلة الضائع عند المسدى إليه لا يذكره ولا يمن به عليه.
قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةٌ﴾ . العامة: على الياء من تحت في «يك» رجوعاً إلى الإنسان.
والحسن: بتاء الخطاب، على الالتفات إليه توبيخاً له.
وقوله: ﴿مِّن مَّنِيٍّ يمنى﴾ . قرأ حفص: «يُمْنَى» بالياء من تحت.
وفيه وجهان:
أحدهما: أن الضمير عائد على المني - أي يصب - فتكون الجملة في محل جر.
والثاني: أنه يعود للنطفة، لأن تأنيثها مجازيّ؛ ولأنها في معنى الماء. قاله أبو البقاء.
وهذا إنما يتمشى على قول ابن كيسان.
وأما النحاة فيجعلونه ضرورة؛ كقوله: [المتقارب]
٥٠١٧ - ... ... ... ... ... ..... ولا أرْضَ أبْقلَ إبْقَالهَا
وقرأ الباقون: «تُمْنَى» بالتاء من فوق على أن الضمير للنطفة، فعلى هذه القراءة وعلى الوجه المذكور قبلها تكون الجملة في محل نصب؛ لأنها صفة المنصوب.
فصل في معنى الآية
والمعنى من قطرة ما تمنى في الرحم، أي تراق فيه، ولذلك سميت «منى» لإراقة الدماء، والنُّطفة: الماء القليل، ويقال: نطف الماء، أي: قطر، أي ألم يك ماء قليلاً في صلب الرجل وترائب المرأة، فنبه تعالى بهذا على خسة قدره. ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾ أي: فسواه تسوية، وعدله تعديلاً بجعل الروح فيه.
وقيل: فخلق فقد فسوى فعدل.
стр. 12290
وقيل: «فخلق» أي: نفخ فيه «فسوى» فكمل أعضاءه. قاله ابن عباس ومقاتل.
﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ أي: من الإنسان.
وقيل: من المني «الزوجين، الذكر والأنثى» أي: الرجل والمرأة.
فقوله تعالى ﴿الذكر والأنثى﴾ يجوز أن يكونا بدلين من الزوجين على لغة من يرى إجراء المثنى إجراء المقصور، وقد تقدم تحقيقه في «طه» ومن ينسب إليه هذه اللغة والاستشهاد على ذلك [طه: ٦٣] .
فصل فيمن احتج بالآية على إسقاط الخنثى
قال القرطبي: وقد احتج بهذه الآية من رأى إسقاط الخنثى وقد مضى في سورة «الشورى» أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجت مخرج الغالب.
فإن قيل: ما فائدة قوله: «يمنى» في قوله تعالى ﴿من منيّ يمنى﴾ ؟ فالجواب فيه إشارة إلى حقارة حاله، كأنه قيل: إنه مخلوق من المني الذي يجري مجرى النَّجاسة، فلا يليق بمثل هذا أن يتمرد عن طاعة الله - تعالى - إلا أنه عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمز، كما في قوله تعالى في «عيسى ومريم» - عليهما الصلاة والسلام -
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطعام﴾ [المائدة: ٧٥] والمراد منه قضاء الحاجةِ.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بَقَادِرٍ﴾ أي: أليس الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة ماء.
وقوله: «بقَادرٍ» اسم فاعل مجرور ب «باء» زائدة في خبر «ليس» وهذه قراءة العامة.
وقرأ زيد بن علي: «يقدر» فعلاً مضارعاً.
والعامة: على نصب «يحيى» ب «أن» لأن الفتحة خفيفة على حرف العلة.
وقرأ طلحة بن سليمان والفياض بن غزوان: بسكونها، فإما أن يكون خفف حرف العلة بحذف حرف الإعراب. وإما أن يكون أجرى الوصل مجرى الوقف، وجمهور النَّاس على وجوب فك الإدغام.
قال أبو البقاء: لئلا يجمع بين ساكنين لفظاً وتقديراً.
يعني أن الحاء ساكنة، فلو أدغمنا لسكنا الياء الأولى أيضاً للإدغام، فيلتقي ساكنان لفظاً، وهو متعذر النطق، فهذان ساكنان لفظاً.
стр. 12291
وأما قوله: تقديراً؛ فإن بعض الناس جوز الإدغام في ذلك، وقراءته أن يُحْيِّ، وذلك أنه لما أراد الإدغام نقل حركة الياء الأولى إلى الحاء فأدغمها فالتقى ساكنان، الحاء لأنها ساكنة في الأصل قبل النقل إليها والياء؛ لأن حركتها نقلت من عليها إلى الحاء؛ واستشهد الفراء لهذه القراءة بقول الشاعر: [الكامل]
٥٠١٨ - تَمْشِي بِسُدَّة بَيْتهَا فَتُعيّ ... وأما أهل «البصرة» فلا يدغمونه ألبتة قالوا: لأن حركة الياء عارضة إذ هي للإعراب.
وقال مكي: وقد أجمعوا على عدم الإدغام في حال الرفع، وأما في حال النصب فقد أجازه الفرَّاء لأجل تحرك الياء الثانية، وهو لا يجوز عند البصريين، لأن الحركة عارضة.
قال شهاب الدين: ادعاؤه الإجماع مردود بالبيت الذي تقدم إنشاده عن الفراء، وهو قوله: «فتعيّ» فهذا مرفوع وقد أدغم، ولا يبعد ذلك لأنه لما أدغم ظهرت تلك الحركة لسكون ما قبل الياء بالإدغام «.
فصل في معنى الآية
المعنى الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة ماء قادر على أن يحيي الموتى أي: أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البِلَى.
روي عن رسول الله ﷺ َ» أنَّه كَانَ إذَا قَرأهَا، قال: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وبَلَى» «.
وقال ابن عباس: من قرأ ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ إماماً كان أو غيره فليقل:» سُبْحَانَ ربِّيّ الأعْلَى «ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ [القيامة: ١] إلى آخرها فليقل: سبحانك اللهم بلى، إماماً كان أو غير.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ:» مَنَ قَرَأ سُورةَ القِيامةِ شَهِدتُ أنَا وجِبْريلُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أنه كَانَ مُؤمِناً بِيوم القِيامَةِ وجَاءَ وَوجْههُ يُسْفِرُ عَن وُجُوهِ الخَلائقِ يَوْمَ القِيامَةِ «والله أعلم وأحكم.
стр. 12292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإنسان
مكية، وهي إحدى وثلاثون آية، ومائتان وأربعون كلمة وألف وأربعمائة وخمسون حرفا.
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: هي مكية.
وقال الجمهور: مدنية.
وقيل: فيها مكي من قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا﴾ [الإنسان: ٢٣] إلى آخر السورة وما تقدمه مدني.
وذكر ابن وهب قال: وحدثنا ابن زيدج قال: إن رسول الله ﷺ ليقرأ ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود كان يسأل النبي ﷺ فقال له عمر بن الخطاب: لا تثقل على النبي ﷺ فقال له دعه يا ابن الخطاب قال: فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده، فلما قرأها عليه، وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله ﷺ : " أخرج نفس صاحبكم - أو أخيكم - الشوف إلى الجنة ".
стр. 12293
وقال القشيري: إن هذه السورة نزلت في علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -، والمقصود من السورة عام، وهكذا القول في كل ما يقال إنه نزل بسبب كذا وكذا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ في «هل» هذه وجهان:
стр. 12294
أحدهما: أنها على بابها من الاستفهام المحض، أي: هو ممن يسال لغرابته أأتى عليه حين من الدهر لم يكن كذا فإنه يكون الجواب: أتى عليه ذلك وهو بالحال المذكورة. كذا قاله أبو حيان.
وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام: والأحسن أن تكون على بابها للاستفهام الذي معناه التقرير وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث فلا بد أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له: من أحدثه بعد أن لم يكن وكونه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته، وهو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي: فهلا تذكرون، فتعلمون أن من أنشأ شيئاً بعد أن لم يكن قادراً على إعادته بعد موته وعدمه انتهى.
فقد جعلها لاستفهام التقرير لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري - تعالى - على هذا النحو وما أشبهه.
والثاني: قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وحكي أيضاً عن سيبويه: أنها بمعنى «قد» قال الفرَّاء: «هل» تكون جحداً وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تقرره: بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ .
وقال الزمخشري: «هل» بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة، والأصل: «أهل» ؛ بدليل قوله: [البسيط]
٥٠١٩ - سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ لِشدَّتِنَا ... أهَلْ رَأوْنَا بوَادِي القِفِّ ذِي الأكَمِ؟
فالمعنى: أقد أتى، على التقرير والتقريب جميعاً، أي أتى على الإنسان قبل زمان قريب «حين من الدهر لم يكن» فيه ﴿شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ أي: شيئاً منسيّاً غير مذكور انتهى.
فقوله «على التقرير» يعني المفهوم من الاستفهام، وهو الذي فهمه مكي من نفس «هل» لا تكون بمعنى «قد» إلا ومعها استفهام لفظاً كالبيت المتقدم، أو تقريراً كالآية الكريمة.
فلو قلت: هل جاء زيد، يعني: قد قام، من غير استفهام لم يجز. وغيره قد جعلها بمعنى «قد» من غير هذا القَيْدِ.
وبعضهم لا يجيز ذلك ألبتة ويتأول البيت المتقدم على أنه مما جمع فيه بين حرفي معنى للتأكيد، وحسن ذلك اختلاف لفظهما؛ كقوله: [الطويل]
стр. 12295
٥٠٢٠ - فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي عَنْ بِمَا بِهِ ... فالباء بمعنى «عن» وهي مؤكدة لها، وإذا كانوا قد أكدوا مع اتفاق اللفظ؛ كقوله: [الوافر]
٥٠٢١ - فَلَا - واللَّهِ - لا يُلْفَى لِمَا بِي ... ولا لِلمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ
فلأن يؤكد مع اختلافه أحرى، ولم يذكر الزمخشري غير كونها بمعنى «قد» ، وبقي على الزمخشري قيد آخر، وهو أن يقول: في الجمل الفعلية، لأنه متى دخلت «هل» على جملة اسمية استحال كونها بمعنى «قد» لأن «قد» مختصة بالأفعال.
قال شهاب الدين: وعندي أن هذا لا يرد لأنه تقرر أن «قد» لا تباشر الأسماء.
فصل في المراد بالإنسان المذكور في الآية
قال قتادة والثوري وعكرمة والشعبي: إن المراد بالإنسان هنا آدم ﵊ ُ - وهو مروي عن ابن عباس.
وقيل: المراد بالإنسان: بنو آدم لقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾ .
فالإنسان في الموضعين واحد وعلى هذا فيكون نظم الآية أحسن.
وقوله: ﴿حِينٌ مِّنَ الدهر﴾
قال ابن عباس في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه في مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح.
وحكى الماوردي عن ابن عباس ﵁: أن الحين المذكور هاهنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره.
وقال الحسن: خلق الله ﵎ كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دوابّ البر
стр. 12296
والبحر في الأيام الست التي خلق الله - تعالى - فيها السماوات والأرض، وآخر ما خلق آدم ﵊ ُ - فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ .
فإن قيل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنساناً ﴿حينٌ من الدَّهْرِ﴾ مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً.
فالجواب: أن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان، ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح، ويصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، ومن قال: إن الإنسان هوالنَّفس الناطقة، وأنها موجودة قبل وجود الأبدان فالإشكال عنهم زائل، واعلم أنَّ الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، وإذا كان كذلك فلا بد من محدث قادر.
قوله: «لم يكن» في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع نصب على الحال من الإنسان أي هل أتى عليه حين في هذه الحال.
والثاني: أنها في موضع رفع نعتاً ل «حين» بعد نعت، وعلى هذا فالعائد محذوف، تقديره: حين لم يكن فيه شيئاً مذكوراً. والأول أظهر لفظاً ومعنى.
فصل في تفسير الآية
روى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ : لا في السماء ولا في الأرض.
وقيل: كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. قاله الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلام: ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق حيواناً بعده، ومن قال: إنَّ المراد من الإنسان الجنس من ذرية آدم ﵊ ُ - فالمراد بالحين تسعة أشهر مدة الحمل في بطن أمه ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ إذ كان مضغة وعلقة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر الصديق ﵁ لما قرأ هذه الآية: ليتها تمَّت فلا نبتلى، أي ليت المدة التي أتت على آدم لم يكن شيئاً مذكوراً تمت على ذلك فلا يلد ولا يبتلى، أي ليت المدة التي أتت على آدم لم يكن شيئاً مذكوراً تمت على ذلك فلا يلد ولا يبتلى أولاده , وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ فقال: ليتا تمّت.
стр. 12297
قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان﴾ . يعني ابن آدم من غير خلاف «من نُطْفَة» أي: من ماء يقطر وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء، فهو نطفة؛ كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه: [الرجز]
٥٠٢٢ - مَا لِي أرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّهْ ... هَلْ أنْتِ إلَاّ نُطفةٌ فِي شَنِّه؟
وجمعها: نطف ونطاف.
قوله: «أمْشَاجٍ» : نعت ل «نُطْفَةٍ» ووقع الجمع نعتاً لمفرد؛ لأنه في معنى الجمع كقوله تعالى: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أو جعل جزء من النطفة نطفة، فاعتبر ذلك فوصفت بالجمع.
وقال الزمخشري: «نُطْفةٍ أمشاج» كبُرمةٍ أعشارٍ وبُرٍّ أكباش وثوب أخلاق وأرضٍ يباب وهي الفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد، ويقال: نطفة مشج؛ قال الشماخ: [الوافر]
٥٠٢٣ - طَوتْ أحْشَاءَ مُرْتِجَةٍ لوقتٍ ... عَلى مَشجٍ سُلالتُهُ مَهِينُ
ولا يصح في «أمْشَاجٍ» أن يكون تكسيراً له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما.
فقد منع أن يكون «أمشاج» جمع «مشج» بالكسر.
قال أبو حيان: وقوله مخالف لنص سيبويه والنحويين على أن «أفعالاً» لا يكون مفرداً.
قال سيبويه: وليس في الكلام «أفْعَال» إلا أن يكسر عيله اسماً للجميع، وما ورد من وصف المفرد ب «أفعال» تأولوه انتهى.
قال شهاب الدين: هو لم يجعل «أفعالاً» مفرداً، إنما قال: يوصف به المفرد، يعني التأويل ذكرته من أنهم جعلوا كل قطعة من البُرْمة بُرْمة، وكل قطعة من البرد برداً، فوصفوهما بالجمع.
وقال أبو حيان: «الأمشاج» : الأخلاط، وأحدها «مَشَج» بفتحتين أو مشج كعدل وأعدال، أو مشيج كشريف وأشراف. قاله ابن العربي؛ وقال رؤبة [الرجز]
стр. 12298
٥٠٢٤ - يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعجلٍ مشَّاجِ ... لم يُكْسَ جِلْداً مِنْ دمٍ أمْشَاجِ
وقال الهذليُّ يصف السهم لهم بأنه قد نفذ في الرمية فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير: [الوافر]
٥٠٢٥ - كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقيْنِ مِنْهُ ... خِلافُ النَّصْلِ سيطَ بِهِ مشيجُ
ويقال: مَشَج يمشُج مشجاً إذا خلط، فمشيج ك «خليط» ، وممشوج ك «مخلوط» انتهى.
فجوز أن يكون جمعاً ل «مشيج» كعدل، وقد تقدم أن الزمخشري منع من ذلك.
وقال الزمخشري: «ومشجه ومزجه بمعنى، من نطفة قد امتزج فيها الماءَانِ» .
وقال القرطبي: ويقال: مشجت هذا بهذا أي: خلطته، فهو ممشوج ومشيج، مثل مخلواط وخليط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم، وهو دم الحيض، وذلك أنَّ المرأة إذا بلغت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النُّطفة بالدم.
وقال الفراء: أمشاج: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة.
روي عن ابن عباس ﵄ قال: الأمشاج في الحمرة، والبياض في الحمرة، وعنه أيضاً قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق، فيخلق الولد فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم وشعر فهو من ماء المرأة.
قال القرطبي: «وقد روي هذا مرفوعاً؛ ذكره البزار» .
وعن ابن مسعود: أمشاجها عروق المضغة.
وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
وقال ابن عباس: خلق من ألوان، خلق من تراب ثم من ماء الفرج والرحم وهي نطفة ثم علقة، ثم مضغة ثم عظم ثم لحم، ونحوه.
стр. 12299
قال قتادة: هي أطوار الخلق: طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، وطوراً عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً.
قال ابن الخطيب: وقيل: إن الله - تعالى - جعل في النطفة أخلاطاً من الطَّبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف وتم الكلام.
قوله: «نبتليه» . يجوز في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها حال من فاعل خلقنا، أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له.
والثاني: أنها حال من الإنسان، وصح ذلك لأن في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال، ثم هذه الحال أن تكون مقارنة إن كان معنى «نبتليه» نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة كما قال ابن عباس وأن تكون مقدرة إن كان المعنى نبتليه نختبره بالتكليف؛ لأنه وقت خلقه غير مكلف.
وقال الزمخشري: «ويجوز أن يكون ناقلين له من حال إلى حال، فسمي بذلك ابتلاء على طريق الاستعارة» .
قال شهاب الدين: «وهذا معنى قول ابن عباس المتقدم» .
وقال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والأصل: إننا جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه، أي: جعلنا له ذلك للابتلاء، وهذا لا حاجة إليه.
فصل في تفسير قوله تعالى نبتليه
قوله: «نبتليه» : لنبتليه، كقولك: «جئتك أقضي حقك، أي لأقضي حقك وآتيك أستمنحك كذا» ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾
[المدثر: ٦] أي: لتستكثر.
ومعنى: «نبتليه» نختبره، وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار، وفيما يختبر به وجهان:
أحدهما: قال الكلبي: نختبره بالخير والشر.
والثاني: قال الحسن: نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء.
стр. 12300
وقيل: «نَبْتَلِيه» نكلّفه بالعمل بعد الخلق. قاله مقاتل ﵀. وقيل: نكلفه؛ ليكون مأموراً بالطاعة، ومنهياً عن المعاصي.
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ .
والمعنى: إنا خلقناه في هذه الأمشاج لا للعبث بل للابتلاء والامتحان، ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، والمعنى: جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى وبصراً يبصر به الهدى كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم ﵊ ُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يَبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وقد يراد بالسميع المطيع، كقوله: «سَمْعاً وطَاعَة» ، وبالبصير: العالم، يقال: لفلان بصر في هذا الأمر.
وقيل: المراد بالسمع والبصر: الحاسَّتان المعروفتان، والله - تعالى - خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفهما.
قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾ أي: بيَّنا له وعرفناه بطريق الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل فآمن أو كفر.
وقال مجاهد: السبيل هنا خروجه من الرحم.
وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله.
فصل في ان العقل متأخر عن الحواس
قال ابن الخطيب: أخبر الله - تعالى - أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال، قال: والآية تدل على أن العقل متأخر عن الحواس، وهو كذلك ثم ينشأ عنها عقائد صادقة أولية كعلمنا بان النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الكل أعظم من الجزء وهذه العلوم الأولية هي العقل.
قال الفراء: هذا يتعدى بنفسه وباللام.
قوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً﴾ . نصب على الحال، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه حال من مفعول «هَدَيْنَاهُ» أي: هديناه مبيناً له كلتا حالتيه.
قال أبو البقاء: وقيل: وهي حال مقدرة.
قال شهاب الدين: لأنه حمل الهداية على أول البيان له وفي ذلك الوقت غير متصف بإحدى الصفتين.
стр. 12301
والثاني: أنه حال من «السبيل» على المجاز.
قال الزمخشري: «ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] ، فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازاً» .
والعامة على كسر همزة «إما» وهي المرادفة ل «أو» وقد تقدم خلاف النحويين فيها.
ونقل مكي عن الكوفيين أن هاهنا: «إن» الشرطية زيدت بعدها «ما» ثم قال: «وهذا لا يجيزه البصريون؛ لأن» إن «الشرطية لا تدخل على الأسماء إلَاّ أن يضمر فعل نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين﴾ [التوبة: ٦] ، ولا يصح إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب» شاكر «، وأيضاً لا دليل على الفعل» انتهى.
قال شهاب الدين: لا نسلم أنه يلزم رفع «شاكراً» مع إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب «شاكراً» تقديره: إنا خلقناه شاكراً فشكوراً، وإنا حلقناه كافراً فكفوراً.
وقرأ أبو السمال، وأبو العجاج: بفتحها، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها العاطفة وأنها لغة، وبعضهم فتح الهمزة؛ وأنشدوا على ذلك: [الطويل]
٥٠٢٦ - تُنفِّخُهَا أمَّا شِمالٌ عَرِيَّةٌ ... وأمَّا صَبَا جُنحِ العَشِيِّ هَبُوبُ
بفتح الهمزة.
ويجوز مع فتح الهمزة إبدال ميمها الأولى ياء؛ قال [البسيط]
٥٠٢٧ - أيْمَا إلَى جَنَّةٍ أيْمَا إلى نَارِ ... وحذف الواو بينهما.
والثاني: أنها «إما» التفصيلية وجوابها مقدر.
قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة، والمعنى: إما شاكراً فبتوفيقنا، وإما كفوراً فبسوء اختياره انتهى، ولم يذكر غيره.
стр. 12302
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب بعد حكايته أن «شاكراً وكفوراً» حالان: إنّ المعنى: كلما يتعلق بهداية الله تعالى وإرشاده فقد تم حالتي الكفر والإيمان.
وقيل: وانتصب «شاكراً وكفوراً» بإضمار «كان» والتقدير: سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
وقيل: معناه إن هديناه السبيل ليكون إما شاكراً وإما كفوراً، أي يتميز شكره من كفره، وطاعته من معصيته كقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل كقولك: «قد نصحت لك إن شئت فاقبل، وإن شئت قاترك» فتحذف الفاء، وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد، أي: إنا هديناه السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا قوله ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وقيل: حالان من السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر.
وقيل: حالان من السبيل، أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز.
قال ابن الخطيب: وهذه الأقوال لائقةٌ بمذهب المعتزلة.
وقيل قول الخامس مطابق لمذهب أهل السنة واختاره الفراء وهو أن تكون «إما» في هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] والتقدير: إنا هديناه السبيل، ثم جعلناه تارة شاكراً، وتارة كفوراً ويؤيده قراءة أبي السمال المتقدمة، قالت المعتزلة: هذا التأويل باطل لتهديده الكفار بعد هذه الآية بقوله تعالى ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً﴾ [الإنسان: ٤] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل الأول، وهو أنه - تعالى - هدى جميع المكلفين، سواء آمن أو كفر، وبهذا بطل قول المجبرة.
وأجيب: بأنه - تعالى - لما علم من الكافر أنه لا يؤمن، ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بالجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان، وهذا تكليف بالجمع بين متنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز ايضاً أن يخلق الكفر فيه، ولا يصير ذلك عذراً في سقوط التهديد والوعيد، فإذا ثبت هذا ظهر أن هنا التأويل هوالحق، وبطل تأويل المعتزلة.
стр. 12303
فصل في جمعه تعالى بين الشاكر والكفور
قال القرطبي: «جمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة نفياً للمبالغة في الشكر، وإثباتاً لها في الكفر؛ لأن شكر الله - تعالى - لا يؤدّى فانتفت عنه المبالغة، ولم ينتف عن الكفر المبالغة فقلَّ شكره لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قلّ مع الإحسان إليه، حكاه الماوردي» .
стр. 12304
قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا﴾ .
قرأ نافع والكسائي، وهاشم وأبو بكر، «سَلاسِلاً» والباقون: بغير تنوين.
ووقف هؤلاء، وحمزة، وقنبل عليه بالألف بلا خلاف.
وابن ذكوان والبزي وحفص: بالألف وبدونها - يعني بلا ألف - والباقون: وقفوا بالألف بلا خلاف.
فقد تحصّل من هذا أن القراء على أربع مراتب، منهم من ينون وصلاً ويقف بالألف وقفاً بلا خلاف وهما حمزة وقنبل، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف بلا خلاف، وهو أبو عمرو وحده، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف تارة وبدونها أخرى، وهم ابن ذكوان وحفص والبزي، فهذا ضبط ذلك.
стр. 12305
فأما التنوين في «سَلاسِل» فذكروا له أوجهاً:
منها: أنه قصد بذلك التناسب؛ لأن ما قبله وما بعده منون منصوب.
ومنها: أن الكسائي وغيره من أهل «الكوفة» حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا «أفعل منك» .
قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف؛ لأن الأصل في الأسماء الصرف، وترك الصرف لعارض فيها، وأن هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلاً قالوا: «صواحب وصواحبات» ، وفي الحديث: «إنَّكُنَّ لصَواحِباتُ يُوسُف» ؛ وقال: [الرجز]
٥٠٢٨ - قَدْ جَرتِ الطَّيْرُ أيَامِنينَا ... فجمع «أيامن» جمع تصحيح المذكر.
وأنشدوا: [الكامل]
٥٠٢٩ - وإذَا الرِّجالُ رَأوا يَزيدَ رَأيْتهُمْ ... خُضعَ الرِّقابِ نَواكِس الأبْصَارِ
بكسر السين من «نواكس» وبعدها ياء تظهر خطًّا لا لفظاً لالتقاء الساكنين، وهذا على رواية كسر السين، والأشهر فيها نصب السين، فلما جمع شابه المفردات فانصرف.
ومنها: أنه مرسوم في إمام «الحِجَاز» و «الكوفة» بالألف، رواه أبو عبيد، ورواه قالون عن نافع، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف «البصرة» أيضاً.
وقال الزمخشري: فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون هذه النون بدلاً من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف.
والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف ما لا ينصرف.
قال شهاب الدين: «وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة، لا سيما على مشيخة
стр. 12306
الإسلام، وأئمة العلماء الأعلام، ووقف هؤلاء بالألف ظاهر» .
وأما لمن لم ينونه فظاهر، لأنه على صيغة منتهى الجموع.
وقولهم: قد جمع نحو «صواحبات، وأيامنين» لا يقدح؛ لأن المحذور جمع التكسير، وهذا جمع تصحيح، وعدم وقوفهم بالألف واضح أيضاً. وأما من لم ينون ووقف بالألف فاتباعاً للرسم الكريم كما تقدم.
وأيضاً: فإن الروم في المفتوح لا يجوزه القراء، والقارئ قد يبين الحركة في وقفه فأتوا بالألف ليبين منها الفتحة.
وروي عن بعضهم أنه يقول: «رَأيْتُ عُمَراً» بالألف، يعني عمر بن الخطاب ﵁ والسلاسل: جمع سلسلة وهي القيود في جهنم، وقد تقدم الكلام عنها في سورة «الحاقة» .
فصل
اعلم أنه بيّن - هاهنا - حال الفريقين، وأنه تعبد العقلاء، وكلّفهم ومكّنهم مما أمرهم فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر فله الثَّواب، والاعتداد هو اعتداد الشَّيء حتى يكون عتيداً حاضراً متى احتيج إليه، كقوله تعالى: ﴿هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] ، والأغلال: جمع غل، تغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم. وقد تقدم الكلام في السعير أيضاً.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ الآية. لما ذكر ما أعد للكافرين ذكر ما أعد للشاكرين، والأبرار أهل الصدق، واحدهم: برّ، وهو من امتثل أمر الله تعالى.
وقيل: البر: الموحد، والأبرار: جمع «بار» مثل: «شاهد وأشهاد» .
وقيل: هو جمع «بر» مثل: «نهر وأنهار» .
وفي «الصحاح» : وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة، وفلان يبرُّ خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها.
وروى ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ َ قال: «إنَّما سمَّاهُم اللهُ - تَعالَى - الأبْرَارَ؛ لأنَّهُمْ بَرُّوا الآبَاءَ والأبناءَ، كما أنَّ لِوالديكَ عَلَيْكَ حقًّا، كذَلكَ لَوَلدكَ عَليْكَ حقًّاً» .
وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذَّرَّ.
стр. 12307
وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدّون حق الله، ويوفون بالنذر، وفي الحديث: «الأبْرَارُ الَّذينَ لا يُؤذُوَن أحَداً» .
﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . أي: من إناء فيه الشراب.
قال ابن عباس: يريد الخمر.
والكأس في اللغة: الإناء فيه الشراب، وإذا لم يسمَّ كأساً.
قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ المزاج: ما يمزج به أي: يخلط، يقال: مزجه يمزجه مزجاً أي: خلطه يخلطه خلطاً.
قال حسان: [الوافر]
٥٠٣٠ - كَأنَّ سَبيَئةً من بَيْتِ رَأسٍ ... يَكونُ مَزَاجهَا عَسلٌ ومَاءُ
فالمزاج كالقِوام اسم لما يقاوم به الشيء، ومنه مزاج البدن: وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة.
و «الكافور» : طيب معروف، وكأن اشتقاقه من الكفر، وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته، والكافور أيضاً: كمائم الشجر الذي يغطّي ثمرتها.
قال بعضهم: الكافُور: «فاعول» من الكفر كالنّاقور من النَّقر، والغامُوس من الغمس، تقول: غامسته في الماء أي: غمسته، والكفر: القرية والجبل العظيم؛ قال: [الطويل]
٥٠٣١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... تُطَلَّعُ ريَّاهُ من الكفَرَاتِ
والكافور: البحر، والكَافِر: الليل، والكَافِر: الساتر لنعم الله تعالى، والكَافِر: الزارع لتوريته الحب في الأرض؛ قال الشاعر: [السريع]
٥٠٣٢ - وكَافرٍ مَاتَ على كُُفْرِهِ ... وجَنَّةُ الفِرْدَوسِ للكَافِرِ
والكفَّارة: تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، والكافور: ماء جوف شجر مكنون، فيغرزونه بالحديد، فيخرج إلى ظاهر الشجر، فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار.
стр. 12308
ويقال: كفر الرجل يكفر إذا وضع يده على صدره.
فصل في الآية
قال ابن الخطيب: مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً، فما السبب في ذكره؟ .
والجواب من وجوه:
أحدها: قال ابن عباس: اسم عين ماء في الجنة يقال له: عين الكافور أي: يمازجه ماء هذا العين التي تسمى كافوراً في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته.
وثانيها: أن رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم، فخلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك التراب فسمي ذلك الجسم كافوراً وإن كان طعمه طيباً فيكون ريحها لا طعمها.
وثالثها: أن الله ﵎ يخلق الكافور في الجنة مع طعم لذيذ ويسلب عنه ما فيه من المضرّة، ثم إنه - تعالى - يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها من المضرات في الدنيا.
قال سعيد عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك.
وقيل: أراد بالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، كقوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ [الكهف: ٩٦] ، أي: كَنَارٍ.
وقيل: كان في علم الله تعالى، و «كان» زائدة، أي: من كأس مزاجها.
قال القرطبي: ويقال: «كافور وقافور» وهي قراءة عبد الله بالقاف بدل الكاف، وهذا من التعاقب بين الحرفين كقولهم: «عربي فجّ وكجّ» .
ومفعول «يشربون» إما محذوف، أي: يشربون ماء أو خمراً من كأس، وإما مذكور وهو «عيناً» ، وإما «من كأس» و «من» مزيدة فيه، وهذا يتمشّى عند الكوفيين والأخفش.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولاً، وبحرف
стр. 12309
الإلصاق آخراً؟ قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم، وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول: شربت الماء بالعسل» .
قوله: ﴿عَيْناً﴾ . في نصبها أوجه:
أحدها: بدل من «كافوراً» ؛ لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وفي برده.
الثاني: أنها بدل من محل «من كأس» . قاله مكي. ولم يقدر حذف مضاف.
وقدر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال: كأنه قيل: يشربون خمراً، خمر عين. وأما أبو البقاء فجعل المضاف مقدراً على وجه البدل من «كافور» .
قال: «والثاني: بدل من كافور، أي: من ماء عين، أو خمر عين» . وهو معنى حسن.
والثالث: أنها مفعول ب «يشربون» يفسره ما بعده، أي يشربون عيناً من كأس.
الرابع: أن ينتصب على الاختصاص.
الخامس: بإضمار «يشربون» يفسره ما بعده، قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن الظاهر أنه صفة ل «عين» فلا يصح أن يفسر.
السادس: بإضمار «يعطون» .
السابع: على الحال من الضمير في «مزاجها» . قاله مكي.
وقال القرطبي: «نصب بإضمار أعني» .
قوله: «يشرب بها» . في الباء أوجه:
أحدها: أنها مزيدة، أي: يشربها، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة: يشربها معدى إلى الضمير بنفسه.
الثاني: أنها بمعنى «من» .
الثالث: أنها حالية، أي: يشرب ممزوجة بها.
الرابع: أنها متعلقة ب «يشرب» والضمير يعود على الكأس، أي: يشربون العين بذلك الكأس، والباء للإلصاق كما تقدم في قول الزمخشري.
الخامس: أنه على تضمين «يشربون» معنى يلتذّون بها شاربين.
السادس: على تضمينه معنى يروى، أي: يروى بها عباد الله، وكهذه الآية الكريمة في بعض الأوجه قول الهذلي: [الطويل]
٥٠٣٣ - شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
стр. 12310
فهذه يحتمل الزيادة ويحتمل أن تكون بمعنى «من» .
وقال الفراء: «يشربها ويشرب بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها: يروى بها وينفع بها، وأما يشربونها فبيِّن، وأنشد قول الهذلي، قال: ومثله: يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً» .
والجملة من قوله «يشرب بها» في محل نصب صفة ل «عيناً» إن جعلنا الضمير في «بها» عائداً على «عيناً» ولم نجعله مفسراً لناصب كما قاله أبو البقاء، و «يفجرونها» في موضع الحال.
فصل في المراد بعباد الله هاهنا
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ يفيد أن كل عباد الله يشربون منها، والكفار بالاتفاق لا يشربون على أن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان، وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾ [الزمر: ٧] لا يتناول الكفار، بل يختص بالمؤمنين، فيصير تقدير الآية: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولا تدل الآية على أنه - تعالى - لا يريد الكفر للكفار.
قوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ . أي: يشققونها شقًّا كما يفجر الرجل النَّهر هاهنا وهاهنا إلى حيث شاءوا، ويتبعهم حيث مالوا مالت معهم.
روى القرطبي عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «أرْبع عُيونٍ في الجَنَّةِ اثْنان يَجْرِيَانِ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ؛ إحداهما الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تعالى يُفجِّرونها تفجيراً وعينان يجريان من فَوْقِ العرشِ نضَّاختان: إحداهُما الَّتي ذكر اللهُ تعالى سبيلاً، والأُخرى: التَّسْنِيمُ» ذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» .
وقال: فالتَّسْنيم للمقربين خاصة، شراباً لهم، والكافور للأبرار شراباً لهم، يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزَّنجبيل والسَّلسبيل فللأبرار [منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب فما كان للأبرار مزاج] للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل الجنة مزاج، والأبرار هم الصادقون والمقربون: هم الصديقون.
قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً لا محلَّ له ألبتة، ويجوز أن يكون خبراً ل «كان» مضمرة.
стр. 12311
قال الفراء: التقدير «كانوا يوفون بالنَّذر في الدنيا، وكانوا يخافُون» انتهى. وهذا لا حاجة إليه.
الثالث: جواب لمن قال: ما لهم يرزقون ذلك؟ .
قال الزمخشري: «يوفون» جواب من عيسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ .
قال أبو حيان: «واستعمل» عسى «صلة ل» من «وهو لا يجوز، وأتى بالمضارع بعد» عسى «غير مقرون ب» أن «وهو قليل أو في الشعر» .
فصل في معنى الآية
معناه: لا يخلفون إذا نذروا، وقال معمر عن قتادة: يأتون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيره من الواجبات.
وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله تعالى.
وقال الفراء والجرجاني: وفي الكلام إضمار، أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا والعرب قد تزيد مرة «كان» وتحذف أخرى.
وقال الكلبي: «يُوفُونَ بالنَّذرِ» أي: يتممون العهود لقوله تعالى ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله﴾ [النحل: ٩١] و ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المادة: ١] أمرٌ بالوفاء بها؛ لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان.
قال القرطبي: «والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه [من شيء يفعله، وإن شئت قلت في حد النذر هو إيجاب المكلف على نفسه] من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه» .
وقال ابن الخطيب: الإيفاءُ بالشيء هو الإتيان به وافياً.
وقال أبو مسلم: النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن كان من الله فهو وعد، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن تقول: لله عليَّ كذا وكذا من الصدقة، أو يسلم بأمر يلتمسه من الله - تعالى - مثل أن تقول: إن شفى الله مريضي، أو ردَّ غائبي
стр. 12312
فعليَّ كذا وكذا، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر كقوله: إن أتى فلان الدَّار فعلى هذا، فمنهم من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذور.
فصل في المراد بالإيفاء بالنذر
قال القشيري: روى أشهب عن مالك ﵁ أنه قال «يُوفُونَ بالنَّذْرِ» هو نذر العتق، والصيام والصلاة.
وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال: قال مالك: «يُوفُونَ بالنَّذرِ» قال: النذر هو اليمين.
قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى قال عقيبه: «ويخَافُونَ يَوْماً» وهذا يقتضي أنهم إنما وفَّوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً ويؤكده قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا محتمل ليوفوا أعمال نسكهمُ التي ألزموها أنفسهم.
فصل في زيادة كان
قال الفراء وجماعة من أهل المعاني: «كان» في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ زائدة وأما هاهنا فكان محذوفة، والتقدير: كانوا يوفون بالنذر.
قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إنا بينا أن «كان» في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ ليست بزائدة، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها؛ لأنه - تعالى - ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي: سيشربون، فإن لفظ المضارع مشترك ين الحال والاستقبال، ثم قال السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنه الآن يوفون بالنذر.
قوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ، أي: يخافون يوم القيامة، و «كَانَ شَرُّهُ» في موضع نصب صفة ل «يَوْم» .
و «المُسْتطِيرُ» : المنتشر، يقال: اسْتَطَار يَسْتطِيرُ اسْتيطَاراً، فهو مستطير، وهو «استفعل» من الطيران.
قال الأعشى: [المتقارب]
٥٠٣٤ - فَبَانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا ... دِ صَدعاً على نَأيِهَا مُسْتَطيرَا
والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة، أو استطال إذا امتدّ، ويقال: استطار الحريق إذا انتشر.
стр. 12313
وقال الفرَّاء: المستطير: المستطيل، كأنه يريد أن مثله في المعنى، لأنه أبدل من اللام راء، والفجر: فجران، مستطيل كذنبِ السَّرحان وهو الكاذب، ومستطير، وهو الصادق لانتشاره في الأفق.
قال قتادة: استطار والله شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض.
وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات، فانشقت وتناثرت بالكواكبِ وفزعت الملائكة في الأرض، ونسفت الجبال وغارت المياه.
فإن قيل: أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله تعالى، وكل ما كان فعلاً لله، فهو حكمه وصواب، وما كان كذلك لا يكون شرًّا، فكيف وصفها الله بأنها شرّ؟ .
والجواب: إنما سميت شرًّا لكونها مضرة بمن تنزل عليه، وصعبة عليه كما سميت الأمراض، وسائر الأمور المكروهة شروراً.
قال ابن الخطيب: وقيل: المستطير هو الذي يكون سريع الوصول إلى أهله، وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع.
فإن قيل: لم قال: كان شره، ولم يفل: سيكون شره مستطيراً؟ .
فالجواب: أن اللفظ وإن كان للماضي إلا أن معناه كان شره في علم الله وحكمته.
قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ وهذا الجار والمجرور حال إما من «الطعام» أي: كائنين على حبهم الطعام كقوله تعالى: ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
قال ابن عباس ومجاهد: على قلة حبهم إياه وشهوتهم له، وإما من الفاعل.
والضمير في «حبه» لله تعالى، أي: على حب الله، وعلى التقدير: فهو مصدر مضاف للمفعول.
قال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطَّعام.
قوله «مسكيناً» . أي: ذا مسكنة، «ويَتيماً» أي: من يتامى المسلمين «وأسِيراً» أي: الذي يؤسر فيحبس، وذلك أن المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه، واليتيم: هو الذي مات من يكتسب له، وبقي عاجزاً عن الكسبِ لصغره، والأسير: هو المأخوذ من قومه المملوك رقبة، الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلةً.
стр. 12314
قال ابن عباس والحسن وقتادة: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم.
فإن قيل: لمَّا وجب قتله، فكيف يجب إطعامه؟ .
فالجواب: أن القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجهٍ أن يعاقب بوجه آخر، وكذلك لا يحسن فيمن عليه قصاص أن يفعل به ما هو دون القتل، ويجب على الإمام أن يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأسير: المحبوس.
وقال السديُّ: الأسير: المملوك، وقيل: الأسير: الغريم، قال رسول الله ﷺ َ: «أسِيرُكَ غَريمُكَ» وقال عطاء: الأسير من أهل القبلةِ وغيرهم.
قال القرطبي: «هذا يعم جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا» .
وقيل: الأسير: الزوجة، قال ﷺ َ: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عوانٍ عِنْدكُمْ» .
قال القفال: واللفظ يحتمل كل ذلك؛ لأن أصل الأسر هو الشك بالقدر، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له.
فصل في الكلام على الآية
قال القرطبي: قيل نسخ آية المسكين آية الصدقات، وإطعام الأسير بالسيف قاله سعيد بن جبير.
وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام.
وقال الماورديُّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خبله وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا برٌّ وإحسان.
стр. 12315
قوله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ على إضمار القول، أي: يقولون بألسنتهم لليتيم والمسكين والأسير إنما نطعمكم في الله - جل ثناؤه - فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً﴾ أي: ولا تثنوا علينا بذلك.
قال ابن عباس: كذلك كانت نيَّاتهم في الدنيا حين أطعموا.
وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم، فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب.
قيل: هذه الآيات نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفى به.
وقيل: نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد، وأبو عبيدة ﵃ ذكره الماوردي.
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً، ويتيماً، وأسيراً.
وقيل: نزلت في علي وفاطمة ﵄ وجارية لهما اسمها فضة.
قال القرطبي: نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلاً حسناً، فهي عامة، وما ذكر عن عليٍّ، وفاطمة لا يصح.
وروى جابر الجعفي في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾ ، عن قنبر مولى علي ﵁ قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله ﷺ َ فقال أبو بكر ﵁: يا أبا الحسن لو نذرت عن ولديك نذراً، فقال عليٌّ ﵁ إن برأ ولدي صمت ثلاثة أيام شكراً.
وقالت فاطمة ﵂ مثل ذلك، وقال الحسن والحسين مثل ذلك وذكر الحديث. قال أهل الحديث: جابر الجعفي كذاب.
فصل في الإحسان إلى الغير
قال ابن الخطيب: اعلم أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله، وتارة يكون لغير الله، إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمدٍ وثناء، وتارة يكون لهما، وهذا هو الشرك، والأول هو المقبول عند الله، وأما القسمان الباقيان فمردودان، قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
стр. 12316
وقال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلَا يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون﴾ [الروم: ٣٩] ، ولا شك أن التماس الشكر من جنس المنّ والأذى، إذا عرفت ذلك فنقول: القوم لما قالوا: «إنَّما نُطعِمكُمْ لوجْهِ اللهِ» بقي فيه احتمال، أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً﴾ .
فصل في الشكر والكفور
الشُّكور والكُفور: مصدران ك «الشكر والكفر» وهو على وزن «الدُّخول والخُروج» هذا قول جمهور أهل اللغة.
وقال الأخفش: إن شئت جعلت الشكور، جماعة الشكر، وجعلت الكفور في قوله تعالى: ﴿فأبى الظالمون إَلَاّ كُفُوراً﴾ مثل «برد وبرود» وإن شئت جعلته مصدراً واحداً في معنى جمع مثل: قعد قعوداً، وخرج خروجاً.
قوله: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لإرادة مكافأتهم.
والثاني: لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى علَّل المكافأة بخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة.
فإن قيل: إنه - تعالى - لما حكى عنهم الإيفاء بالنذر، علَّل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين: بطلب رضا الله تعالى، وبالخوف، فما الحكمة في ذلك؟ .
فالجواب: أن النذر هو الذي أوجبه على نفسه لأجل الله، فلما كان كذلك، لا جرم علله بخوف القيامة فقط، وإما الإطعام فالله - تعالى - هو الذي شرعه، فلا جرم ضم إليه خوف القيامة.
قوله: ﴿يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ . القَمْطَرِيرُ: الشديد، وأصله كما قال الزجاج: «مشتق من اقمطرّت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها وزمت بأنفها» .
قال الزمخشري: اشتقاقه من القطر، وجعلت الميم زائدة؛ قال أسد بن ناعصة: [الخفيف]
٥٠٣٥ - واصْطَليْتَ الحُروبَ فِي كُلِّ يومٍ ... بَاسلَ الشَّرِّ قَمْطَريرَ الصَّباحِ
стр. 12317
قال أبو حيان: واختلف النحاة في هذا الوزن، والأكثر على أنه لا يثبت «افْمَعَلَّ» في أوزان الأفعال ويقال: اقمطرَّ يقمطرُّ فهو مقمطرّ؛ قال الشاعر: [الرجز]
٥٠٣٦ - قَدْ جَعلَتْ شَبْوَةُ تَزبَئِرُّ ... تَكْسُو استهَا لَحْماً وتقْمَطِرُّ
ويوم قَمْطَرير وقُمَاطر: بمعنى شديد؛ قال الشَّاعرُ: [الطويل]
٥٠٣٧ - فَفِرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَار غُبَارُهَا ... ولَجَّ بِها اليَوْمَ العَبُوسُ القُمَاطِرُ
وقال الزجاج: القَمْطَرير: الذي يعبسُ حتى يجتمع ما بين عينيه. انتهى.
فعلى هذا استعماله في اليوم مجاز، وفي بعض كلام الزمخشري، أنه جعله من «القمط» فعلى هذا تكون الرَّاءان فيه مزيدتين.
وقال القرطبي: «القمطرير: الطَّويل» ؛ قال الشاعر:
٥٠٣٨ - شَدِيداً عَبُوساً قَمْطَريراً ... تقول العرب: يوم قمطرير، وقُماطر، وعصيب بمعنى؛ وأنشد الفراء: [الطويل]
٥٠٣٩ - بَنِي عَمَِّنَا هل تَذْكُرونَ بَلاءنَا ... عَليْكُمْ إذا مَا كَانَ يومٌ قُماطِرُ
بضم القاف، واقمطرّ: إذا اشتد، وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء؛ وأنشد: [الطويل]
٥٠٤٠ - فَفِرُّوا إذَا ما الحَرْبُ ... البيت المتقدم.
وقال الكسائي: يقال: اقمطرَّ اليوم وازمهرَّ اقمطراراً وازمهراراً، وهو القمطريرُ والزمهريرُ، ويوم مقمطرٌّ، إذا كان صعباً شديداً؛ قال الهذليُّ: [الطويل]
٥٠٤١ - بَنُو الحَرْبِ ارضْعنَا لَهُم مُقمطرَّةً ... ومَنْ يُلقَ مِنَّا ذلِكَ اليَوْمَ يهْربِ
стр. 12318
و «العبوس» أيضاً صفة ل «اليوم» ، «يوماً» تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، والمعنى: نخاف يوماً ذا عبوس.
وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرقٌ كالقطران.
وقال مجاهد: إن العبوس بالشَّفتين، والقَمْطرير بالجبهةِ والحاجبينِ فجعلهما من صفات الوجه المتغيّر من شدائد ذلك اليوم.
قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم﴾ . أي: دفع عنهم بأس ذلك اليوم وشدته وعذابه.
وقرأ أبو جعفر: «فوقَّاهم الله» بتشديد القاف على المبالغة.
واعلم أنه - تعالى - لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين: لأجل رضا الله تعالى والخوف من القيامة، بيّن هنا أنه أعطاهم هذين الغرضين وهو أنه حفظهم من أهوال القيامة، وهو قوله جل ثنائه ﴿فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم﴾ وأما طلبهم رضا الله فاعطاهم الله بسببه «نُضْرةً» في الوجه، أي: حسناً، حين رأوه، «وسروراً» في القلب قال الضحاك: النضرة: البياض والنقاء.
وقال ابن جبير: الحسن والبهاء.
وقال ابن زيد: أثر النعمة.
قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ﴾ . «ما» مصدرية، و «جنَّة» مفعول ثانٍ، أي: جزاهم جنة بصبرهم وقدر مكي مضافاً، فقال: تقديره دخول الجنة، ولبس حرير، والمعنى: وجزاهم بصبرهم على الفقر.
وقال القرظي: على الصوم.
وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام، وهي أيام نذر.
وقيل: بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم عن معصية الله ومحارمه، وهذا يدل على أن الآيات نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلاً حسناً.
وروى ابن عمر ﵁ أن رسول الله صلى الله عن الصبر، فقال: «الصَّبْرُ عند الصَّدمةِ الأولَى، والصَّبرُ على أداءِ الفَرائضِ، والصَّبرُ على اجتنابِ محارم اللهِ تعالى، والصَّبرُ على المَصائبِ» .
стр. 12319
قوله تعالى: ﴿جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ . أي: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير.
قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ . حال من مفعول «جزاهم» والعامل فيها «جزى» ولا يعمل فيها «صبروا» ؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتِّكاء في الآخرة.
وقرأ علي ﵁ «وجازاهم» .
وجوَّز أبو البقاء: أن يكون صفة ل «جَنَّةً» .
وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنه كان يلزم بروز الضمير، فيقال: «مُتَّكِئِينَ هُمْ فِيهَا» لجريان الصفة على غير من هي له.
وقد منع مكي أن يكون «متكئين» صفة ل «جنة» لما ذكرنا من عدم بروز الضمير.
وممن ذهب إلى كون «متكئين» صفة ل «جنة» ، الزمخشري، فإنه قال: «ويجوز أن يكون مُتَّكينَ، ولا يَروْنَ، ودَانيةً، كلها صفات الجنة» . وهو مردود بما تقدم.
ولا يجوز أن يكون «متكئين» حالاً من فاعل «صبروا» ؛ لأن الصبر كان في الدنيا، واتكاؤهم إنما هو في الآخرة. قال معناه مكي.
ولقائل أن يقول: إن لم يكن المانع إلا هذا فاجعلها حالاً مقدرة، لا ما لهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة، وله نظائر.
قال ابن الخطيب: وقال الأخفش: وقد ينصب على المدح والضمير في «فيها» أي في الجنة وقال الفراء: وإن شئت جعلت «متكئين» تابعاً، كأنه قال: جزاؤهم جنة متكئين فيها.
والأرائك: السُّرُر في الحجال، وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: إحداها الأريكة لا تكون إلَاّ حجلة على سرير. وثانيها: السَّجل، وهو الدلو الممتلئ ماء، فإذا صفرت لم تسم سجلاً، وكذلك الذنُوب لا تسمى ذَنوباً حتى تملأ، قاله القرطبي.
وهذا فيه نظر، لأنه قد ورد في شعر العرب يصف البازي؛ قال: [الكامل]
٥٠٤٢ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... يَغْشَى المُهَجْهِجْ كالذَّنُوبِ المُرسَلِ
يعني الدَّلو إذا ألقي في البئر، وهو لا يلقى في البئر إلا إذا كان فارغاً.
стр. 12320
قال: والكأس لا تسمى كأساً حتى تُترعَ من الخمر، قال: وكذلك الطبق الذي تهدى فيه الهدية إذا كانت فيه يسمى مِهْدًى، فإذا كان فارغاً يُسمَّى طبقاً أو خواناً.
قال ابن الأعرابي: مِهْدى - بكسر الميم -، ولا يسمى الطبق مهدى إلا وفيه ما يهدى، والمهداء - بالمد - الذي من عادته أن يهدى.
وقيل: الأرائك: الفرش على السرر؛ قال ذو الرمة: [الطويل]
٥٠٤٣ - خُدودٌ جَفتْ في السَّيْرِ حتَّى كأنَّمَا ... يُبَاشِرْنَ بالمَعْزَاءِ مسَّ الأرَائِكِ
أي: الفرش على السرر.
قوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً﴾ . فيها أوجه:
أحدها: أنها حال ثانية من مفعول «جزاءهم» .
الثاني: أنها حال من الضمير المرفوع المستكن في «متَّكئينَ» فتكون حالاً متداخلة.
الثالث: أن تكون صفة ل «جنة» ك «متكئين» عند من يرى ذلك - كما تقدم - عن الزمخشري.
والزمهرير: أشد البرد، وهذا هو المعروف؛ وقيل: هو القمرُ بلغة طيّيء، وأنشد: [الرجز]
٥٠٤٤ - فِي لَيْلةٍ ظلامُهَا قد اعْتكَرْ ... قطَّعتُهَا والزَّمهرِيرُ مَا نَهَرْ
ويروى: ما ظهر، أي: لم يطلع القمر، والمعنى: لا يرون فيها شمساً كشمس الدنيا، ولا قمراً كقمر الدنيا، أي: أنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر، والمعنى: أن الجنة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا إلى قمر، ووزنه «فعلليل» ، وقيل: المعنى: لا يرون في الجنَّة شدة حر كحرِّ الشمس، ولا زمهريراً، أي: ولا برداً مفرطاً.
قال رسول الله ﷺ َ «اشْتَكَتِ النَّارُ إلى ربِّهَا سُبحانَهُ، قالتْ: يَا ربِّ، أكَلَ بَعْضِي بعْضاً، فجعلَ لَهَا نفسينِ: نفساً في الشِّتاء، ونفساً في الصَّيْف فشِدَّةُ ما تَجِدُونَ من البَرْدِ من زَمْهَرِيرِهَا، وشدَّةِ ما تَجِدُونَ من الحرَِّ في الصَّيْفِ من سَمُومِهَا» .
стр. 12321
قال مرة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع.
وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد.
وقال ابن مسعود ﵁: هو لونٌ من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار أذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم في النار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوماً واحد.
قوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾ العامة على نصبها، وفيها أوجه:
أحدها: أنها عطف على محل «لا يرون» .
الثاني: أنها معطوفة على «مُتَّكِئينَ» فيكون فيها ما فيها.
قال الزمخشري: «فإن قلت:» ودانية عليها ظلالها «علام عطفت؟ .
قلت: على الجملة التي قبلها؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في» عليهم «، إلَاّ أنها اسم مفرد، وتلك جماعة في حكم مفرد، تقديره: غير رائين فيها شمساً، ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقمر ودنو الظلال عليهم» .
الثالث: أنها صفة لمحذوف، أي: وجنة دانية.
قال أبو البقاء: كأنه قيل: «وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً» أي: أخرى دانية عليهم ظلالها، لأنهم قد وعدوا جنتين، لأنهم خافوا مقام ربهم بقولهم: «إنَّا نخَافُ مِن ربِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» .
الرابع: أنها صفة ل «جنة» الملفوظ بها. قاله الزجاج.
وقال الفراء: نصب على المدحِ، أي: دانية عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وقرأ أبو حيوة: «ودانية» بالرفع، وفيها وجهان:
أظهرهما: أن يكون «ظلالها» مبتدأ، و «دانية» خبر مقدم، والجملة في موضع الحال.
قال الزمخشري: «والمعنى: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، والحال أن ظلالها دانية» .
والثاني: أن ترتفع «دانية» بالابتداء، و «ظلالها» فاعل به، وبها استدل الأخفش على جواز إعمال اسم الفاعل، وإن لم يعتمد، نحو «قائم الزيدون» ، فإن «دانية» لم تعتمد على شيء مما ذكره النحويون، ومع ذلك فقد رفعت «ظلالها» .
стр. 12322
وهذا لا حجة فيه لجواز أن يكون مبتدأ وخبراً مقدماً كما تقدم.
وقال أبو البقاء: وحكي بالجر، أي: في جنة دانية، وهو ضعيف، لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. يعني أنه قرئ شاذاً: «وَدانِيةٍ» بالجر على أنها صفة لمحذوف، ويكون حينئذٍ نسقاً على الضمير المجرور من قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي: ولا في جنة دانية، وهو رأي الكوفيين حيث يجوزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، ولذلك ضعفه، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة.
وأما رفع «ظلالها» فيجوز أن يكون مبتدأ، و «عليهم» خبر مقدم، ولا يرتفع ب «دانية» ، لأن «دنا» يتعدى ب «إلى» لا ب «على» ، ويجوز أن ير فع ب «دانية» على أن يضمن معنى مشرفة؛ لأن «دنا» و «أشرف» متقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءة من نصب «دانية» .
وقرأ الأعمش: «ودانياً» بالتذكير للفصل بين الوصف وبين مرفوعه ب «عليهم» أو لأن الجمع مذكر.
وقرأ أبيّ: «ودَانٍ عَليْهِمْ» بالتذكير مرفوعاً، وهي شاذة. فمذهب الأخفش حيث يرفع باسم الفاعل وإن لم يعتمد، ولا جائز أن يعربا مبتدأ وخبراً لعدم المطابقة.
وقال مكي: «وقرئ» ودانياً «بالتذكير» ثم قال: «ويجوز:» ودانية «بالرفع، ويجوز» دانٍ «بالرفع والتذكير» ، فلم يصرح بأنهما قرئا، وقد تقدم أنهما مقروء بهما، فكأنه لم يطلع على ذلك.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: معناه: أن ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار فهي مظلة عليهم زيادة على نعيمهم.
قال ابن الخطيب: فإن قيل: الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، وهناك لا شمس في الجنة، فكيف يحصل الظل؟ .
فالجواب: أن أشجار الجنَّة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت الأشجار مظلة منها وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث. ثم قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال عطفاً على دانية
стр. 12323
فيمن نصبها، أي: ومذللةا ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عليهم» سواء نصبت «دانية» أو رفعتها، أو جررتها، ويجوز أن تكون مستأنفة.
وأما على قراءة رفع «ودانية» فتكون جملة فعلية عطفت على اسمية، ويجوز أن تكون حالاً كما تقدم.
فصل في تذليل قطوف الجنة
والمعنى: وسخرت لهم قطوفها، أي: ثمارها «تذليلاً» أي: تسخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
قال ابن قتيبة: «ذللت» أدنيت منهم، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير السمك.
وقيل: «ذُلِّلَتْ» أي: جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا.
قال البراءُ بن عازب ﵁: ذلّلت لهم، فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه.
وقال ابن عباس ﵄: إذا همَّ يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد.
وتذليل القطوف: تسهيل التناول، والقُطُوف: الثمار، الواحد: قِطْف - بكسر القاف - سمي به؛ لأنه يقطف، كما سمي الجَنَى لأنه يُجْنَى.
قوله: ﴿تَذْلِيلاً﴾ تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] .
قال الماوردي: ويحتمل أن تكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها وقال النحاس: ويقال: المذلل الذي قد ذلله الماء، أي: أرواه.
ويقال: المذلل: الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال: المسوى؛ لأن أهل الحجاز يقولون: ذَلَّلْ نخلك، أي: سوِّه.
قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم، وقد وصف الأواني التي يشرب بها، ومعنى «يطاف» أي: يدور على هؤلاء الأبرار والخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة.
стр. 12324
قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: الذي في الجنة أشرف وأعلا، ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى: يُسقوْنَ في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] ، أي والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الأخرى. قوله: «بآنية» هذا هو القائم مقام الفاعل؛ لأنه هو المفعول به في المعنى، ويجوز أن يكون «عليهم» .
و «آنية» جمع إناء، والأصل: «أأنية» بهمزتين، الأولى مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفاً وجوباً، وهذا نظير: كساء وأكسية، وغطاه وأغطية ونظيره في صحيح اللام: حمار وأحمرة.
وقوله: ﴿مِّن فِضَّةٍ﴾ نعت ل «آنية» .
قوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾ . الأكواب هي الكيزان العظام التي لا آذان لها ولا عرى، الواحد منها كوب؛ وقال عدي: [السريع]
٥٠٤٥ - مُتَّكِئاً تُقْرَعُ أبْوابهُ ... يَسْعَى عليْه العَبْدُ بالكُوبِ
قوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ﴾ . اختلف القراءُ في هذين الحرفين بالنسبة إلى التنوين وعدمه، وفي الوقوف بالألف وعدمها، كما تقدم خلافهم في «سلاسل» .
واعلم أن القراء فيهما على خمس مراتب:
إحداها: تنوينهما معاً والوقف عليهما بالألف لنافع والكسائي وأبي بكر.
الثانية: مقابلة هذه، وهي عدم تنوينهما، وعدم الوقف عليهما بالأف، لحمزة وحده.
الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف وعلى الثاني بدونها لهشام وحده.
والرابعة: تنوين الأول دون الثاني، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها لابن كثير وحده.
الخامسة: عدم تنوينهما معاً، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها، لأبي عمرو، وابن ذكوان، وحفص.
فأما من نونهما فكما مرّ في تنوين «سلاسل» ؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ذاك على «مفاعل» وذا على «مفاعيل» ، والوقف بالألف التي هي بدل من التنوين، وفيه موافقة للمصاحف المرسومة، فإنهما مرسومان فيهما بالألف على ما نقل أبو عبيد.
стр. 12325
وأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف عليهما فظاهر جدًّا.
وأما من نون الأول دون الثاني، فإنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي ولم يناسب بين الثاني والأول والوجه في وقفه على الأول بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر.
وقد روى أبو عبيد أنه كذلك في مصاحف أهل «البصرة» .
وأما من لم ينونهما، ووقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها فلأن الأول رأس آية فناسب بينه وبين رءوس الآي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني؛ لأنه ليس برأس آية.
وأما من لم ينونهما، ووقف عليهما بالألف، فلأنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي، وناسب بين الثاني وبين الأول.
وحصل مما تقدم في «سَلاسِلا» وفي هذين الحرفين، أن القراء منهم من وافق مصحفه، ومنهم من خالفه لاتباع الأثر. وتقدم الكلام على «قوارير» في سورة «النمل» ولله الحمد.
وقال الزمخشري: «وهذا التنوين بدل من حرف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي الثاني لإتباعه الأول» . يعني أنهم يأتون بالتنوين بدلاً من حرف الإطلاق الذي للترنم؛ كقوله: [الرجز]
٥٠٤٦ - يَا صَاحِ، مَا هَاجَ الدُّمُوعَ الذُّرَّفَنْ ... وفي انتصاب «قوارير» وجهان:
أظهرهما: أنه خبر «كان» .
والثاني: أنها حال و «كان» تامة، أي كونت فكانت.
قال أبو البقاء: «وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولو كان التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف» .
وقرأ الأعمش: «قَوَارِيرُ» بالرفع، على إضمار مبتدأ، أي: هي قوارير، و «مَنْ فضَّةٍ» صفة ل «قوارير» ، والمعنى: في صفاء القوارير، وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة.
следующие страницы →