← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

قال مرة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود ﵁: هو لونٌ من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار أذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم في النار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوماً واحد. قوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾ العامة على نصبها، وفيها أوجه: أحدها: أنها عطف على محل «لا يرون» . الثاني: أنها معطوفة على «مُتَّكِئينَ» فيكون فيها ما فيها. قال الزمخشري: «فإن قلت:» ودانية عليها ظلالها «علام عطفت؟ . قلت: على الجملة التي قبلها؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في» عليهم «، إلَاّ أنها اسم مفرد، وتلك جماعة في حكم مفرد، تقديره: غير رائين فيها شمساً، ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقمر ودنو الظلال عليهم» . الثالث: أنها صفة لمحذوف، أي: وجنة دانية. قال أبو البقاء: كأنه قيل: «وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً» أي: أخرى دانية عليهم ظلالها، لأنهم قد وعدوا جنتين، لأنهم خافوا مقام ربهم بقولهم: «إنَّا نخَافُ مِن ربِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» . الرابع: أنها صفة ل «جنة» الملفوظ بها. قاله الزجاج. وقال الفراء: نصب على المدحِ، أي: دانية عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وقرأ أبو حيوة: «ودانية» بالرفع، وفيها وجهان: أظهرهما: أن يكون «ظلالها» مبتدأ، و «دانية» خبر مقدم، والجملة في موضع الحال. قال الزمخشري: «والمعنى: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، والحال أن ظلالها دانية» . والثاني: أن ترتفع «دانية» بالابتداء، و «ظلالها» فاعل به، وبها استدل الأخفش على جواز إعمال اسم الفاعل، وإن لم يعتمد، نحو «قائم الزيدون» ، فإن «دانية» لم تعتمد على شيء مما ذكره النحويون، ومع ذلك فقد رفعت «ظلالها» .

стр. 12322

وهذا لا حجة فيه لجواز أن يكون مبتدأ وخبراً مقدماً كما تقدم. وقال أبو البقاء: وحكي بالجر، أي: في جنة دانية، وهو ضعيف، لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. يعني أنه قرئ شاذاً: «وَدانِيةٍ» بالجر على أنها صفة لمحذوف، ويكون حينئذٍ نسقاً على الضمير المجرور من قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي: ولا في جنة دانية، وهو رأي الكوفيين حيث يجوزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، ولذلك ضعفه، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وأما رفع «ظلالها» فيجوز أن يكون مبتدأ، و «عليهم» خبر مقدم، ولا يرتفع ب «دانية» ، لأن «دنا» يتعدى ب «إلى» لا ب «على» ، ويجوز أن ير فع ب «دانية» على أن يضمن معنى مشرفة؛ لأن «دنا» و «أشرف» متقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءة من نصب «دانية» . وقرأ الأعمش: «ودانياً» بالتذكير للفصل بين الوصف وبين مرفوعه ب «عليهم» أو لأن الجمع مذكر. وقرأ أبيّ: «ودَانٍ عَليْهِمْ» بالتذكير مرفوعاً، وهي شاذة. فمذهب الأخفش حيث يرفع باسم الفاعل وإن لم يعتمد، ولا جائز أن يعربا مبتدأ وخبراً لعدم المطابقة. وقال مكي: «وقرئ» ودانياً «بالتذكير» ثم قال: «ويجوز:» ودانية «بالرفع، ويجوز» دانٍ «بالرفع والتذكير» ، فلم يصرح بأنهما قرئا، وقد تقدم أنهما مقروء بهما، فكأنه لم يطلع على ذلك. فصل في معنى الآية قال المفسرون: معناه: أن ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار فهي مظلة عليهم زيادة على نعيمهم. قال ابن الخطيب: فإن قيل: الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، وهناك لا شمس في الجنة، فكيف يحصل الظل؟ . فالجواب: أن أشجار الجنَّة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت الأشجار مظلة منها وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث. ثم قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال عطفاً على دانية

стр. 12323

فيمن نصبها، أي: ومذللةا ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عليهم» سواء نصبت «دانية» أو رفعتها، أو جررتها، ويجوز أن تكون مستأنفة. وأما على قراءة رفع «ودانية» فتكون جملة فعلية عطفت على اسمية، ويجوز أن تكون حالاً كما تقدم. فصل في تذليل قطوف الجنة والمعنى: وسخرت لهم قطوفها، أي: ثمارها «تذليلاً» أي: تسخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. قال ابن قتيبة: «ذللت» أدنيت منهم، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير السمك. وقيل: «ذُلِّلَتْ» أي: جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا. قال البراءُ بن عازب ﵁: ذلّلت لهم، فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه. وقال ابن عباس ﵄: إذا همَّ يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد. وتذليل القطوف: تسهيل التناول، والقُطُوف: الثمار، الواحد: قِطْف - بكسر القاف - سمي به؛ لأنه يقطف، كما سمي الجَنَى لأنه يُجْنَى. قوله: ﴿تَذْلِيلاً﴾ تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] . قال الماوردي: ويحتمل أن تكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها وقال النحاس: ويقال: المذلل الذي قد ذلله الماء، أي: أرواه. ويقال: المذلل: الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال: المسوى؛ لأن أهل الحجاز يقولون: ذَلَّلْ نخلك، أي: سوِّه. قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم، وقد وصف الأواني التي يشرب بها، ومعنى «يطاف» أي: يدور على هؤلاء الأبرار والخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة.

стр. 12324

قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: الذي في الجنة أشرف وأعلا، ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى: يُسقوْنَ في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] ، أي والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الأخرى. قوله: «بآنية» هذا هو القائم مقام الفاعل؛ لأنه هو المفعول به في المعنى، ويجوز أن يكون «عليهم» . و «آنية» جمع إناء، والأصل: «أأنية» بهمزتين، الأولى مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفاً وجوباً، وهذا نظير: كساء وأكسية، وغطاه وأغطية ونظيره في صحيح اللام: حمار وأحمرة. وقوله: ﴿مِّن فِضَّةٍ﴾ نعت ل «آنية» . قوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾ . الأكواب هي الكيزان العظام التي لا آذان لها ولا عرى، الواحد منها كوب؛ وقال عدي: [السريع] ٥٠٤٥ - مُتَّكِئاً تُقْرَعُ أبْوابهُ ... يَسْعَى عليْه العَبْدُ بالكُوبِ قوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ﴾ . اختلف القراءُ في هذين الحرفين بالنسبة إلى التنوين وعدمه، وفي الوقوف بالألف وعدمها، كما تقدم خلافهم في «سلاسل» . واعلم أن القراء فيهما على خمس مراتب: إحداها: تنوينهما معاً والوقف عليهما بالألف لنافع والكسائي وأبي بكر. الثانية: مقابلة هذه، وهي عدم تنوينهما، وعدم الوقف عليهما بالأف، لحمزة وحده. الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف وعلى الثاني بدونها لهشام وحده. والرابعة: تنوين الأول دون الثاني، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها لابن كثير وحده. الخامسة: عدم تنوينهما معاً، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها، لأبي عمرو، وابن ذكوان، وحفص. فأما من نونهما فكما مرّ في تنوين «سلاسل» ؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ذاك على «مفاعل» وذا على «مفاعيل» ، والوقف بالألف التي هي بدل من التنوين، وفيه موافقة للمصاحف المرسومة، فإنهما مرسومان فيهما بالألف على ما نقل أبو عبيد.

стр. 12325

وأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف عليهما فظاهر جدًّا. وأما من نون الأول دون الثاني، فإنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي ولم يناسب بين الثاني والأول والوجه في وقفه على الأول بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر. وقد روى أبو عبيد أنه كذلك في مصاحف أهل «البصرة» . وأما من لم ينونهما، ووقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها فلأن الأول رأس آية فناسب بينه وبين رءوس الآي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني؛ لأنه ليس برأس آية. وأما من لم ينونهما، ووقف عليهما بالألف، فلأنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي، وناسب بين الثاني وبين الأول. وحصل مما تقدم في «سَلاسِلا» وفي هذين الحرفين، أن القراء منهم من وافق مصحفه، ومنهم من خالفه لاتباع الأثر. وتقدم الكلام على «قوارير» في سورة «النمل» ولله الحمد. وقال الزمخشري: «وهذا التنوين بدل من حرف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي الثاني لإتباعه الأول» . يعني أنهم يأتون بالتنوين بدلاً من حرف الإطلاق الذي للترنم؛ كقوله: [الرجز] ٥٠٤٦ - يَا صَاحِ، مَا هَاجَ الدُّمُوعَ الذُّرَّفَنْ ... وفي انتصاب «قوارير» وجهان: أظهرهما: أنه خبر «كان» . والثاني: أنها حال و «كان» تامة، أي كونت فكانت. قال أبو البقاء: «وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولو كان التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف» . وقرأ الأعمش: «قَوَارِيرُ» بالرفع، على إضمار مبتدأ، أي: هي قوارير، و «مَنْ فضَّةٍ» صفة ل «قوارير» ، والمعنى: في صفاء القوارير، وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة.

стр. 12326

فصل في وصف تربة الجنة رُوي أن أرض الجنة من فضة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي منها، ذكره ابن عباس ﵄، وقال: ليس في الجنة شيء إلا وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. قال ابن الخطيب: ومعنى «كانت» هو من يكون، من قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أي: فتكونت قوارير بتكوين الله - تعالى - تفخيماً لتلك الخلقةِ العظيمة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، ثم قال: فإن قيل: كيف تكون هذه الأكوابُ من فضة ومن قوارير؟ . فالجواب من وجوه: أحدها: أن أصل القوارير في الدنيا الرَّمل، وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة، فكما أن الله - تعالى - قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية، فكذلك قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة، فالغرض من ذكر هذه الآية التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة الفضة إلى الرمل فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين فكذا بين القارورتين. وثانيها: ما تقدم من قول ابن عباس ﵄ أنه ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: أنها جامعة بين صفاء الزجاج وشفافيته وبين نقاء الفضة وشرفها. وثالثها: أنه ليس المراد بالقوارير الزجاج، بل العرب تسمي ما استدار من الأواني التي تجعل فيها الأشربة مما رق وصفا قارورة، فالمعنى: وأكواب من فضة مستديرة صافية. قوله: ﴿تَقْدِيراً﴾ صفة ل «قوارير» ، والواو في «قَدَّرُوها» فيها وجهان: أحدهما: أنها عطف عليهم، ومعنى تقديرهم إياها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروا. والثاني: أن الواو للطائفين للدلالة عليهم في قوله تعالى: «ويُطَافُ» ، والمعنى: أنهم قدروا شرابها على قدر ريِّ الشارب، وهذا ألذ الشراب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها، ولا يعجز. قاله الزمخشري. وجوز أبو البقاء: أن تكون الجملة مستأنفة.

стр. 12327

قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر ريِّهم بغير زيادة ولا نقصان، قال الكلبي: وذلك ألذّ وأشهى، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم، وعن ابن عباس ﵄ قدروها على ملء الكف لا يزيد ولا ينقص حتى لا تؤذيهم بثقل، أو بإفراط صغر. وقرأ علي، وابن عباس، والسلمي، والشعبي، وزيد بن علي، وعبيد بن عمير، وأبو عمرو في رواية الأصمعي: «قُدِّروها» بضم القاف وكسر الدال مبنياً للمفعول أي: جعلت لهم على قدر إرادتهم. وجعله الفارسي من باب المقلوب، قال: كان اللفظُ قدروها عليها، وفي المعنى قلب؛ لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم، فهي مثل قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة﴾ [القصص: ٧٦] ، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألقى العود على الحرباء. قال الزمخشري: ووجهه أن يكون من قدر منقولاً، تقول: قدرت الشيء وقَدّرَنِيهِ فلان: إذات جعلك قادراً له، ومعناه: جعلوا قادرين لها كما شاءوا وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا. وقال أبو حاتم: قدرت الأواني على قدر ريهم ما لم يسمَّ فاعله فحذف الري فصارت الواو مكان الهاء والميم لما حذف المضاف مما قبلها، وصارت الواو مفعول ما لم يسم فاعله، واتصل ضمير المفعول الثاني في تقدير النصب بالفعل بعد الواو التي تحولت من الهاء والميم حتى أقيمت مقام الفاعل. وفي هذا التخريج تكلف مع عجرفة ألفاظه. وقال أبو حيان: والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يكون الأصل: قدر ريهم منها تقديراً، فحذف المضاف وهو الري، وأقيم الضمير بنفسه، فصار قدروها، فلم يكن فيه إلا حذف مضاف، واتساع في الفعل. قال شهاب الدين: وهذا منتزع من تفسير كلام أبي حاتم. وقال القرطبي: وقال المهدوي: من قرأها «قدروها» فهو راجع إلى معنى القراءة

стр. 12328

الأخرى، وكأن الأصل: قدروا عليها، فحذف حرف الجر، والمعنى: قدرت عليهم؛ وأنشد سيبويه البيت [البسيط] ٥٠٤٧ - آلَيْتُ حَبَّ العِرَاقِ الدَّهْرَ آكُلُهُ ... والحَبُّ يأكُلهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ وذهب إلى أن المعنى: على حبّ العراق، وقيل: هذا التقدير: هو أن الأقداح تطير فتغرف بمقدار شهوة الشَّارب، وذلك قوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ . أي: لا يفضل عن الري ولا ينقص منه، فقد ألهمت الأقداح معرفة مقدار ري المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» . قوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾ . وهي الخمر في الإناء ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾ ، «كان» صلة، أي: مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلاً، وكانت العرب يستلذُّون من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، ويحدث في المشروب ضرباً من اللّذع، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. والزنجبيل: نبث معروف؛ وسميت الكأس بذلك؛ لوجود طعم الزنجبيل فيها؛ وأنشد الزمخشري للأعشى: [المتقارب] ٥٠٤٨ - كَأنَّ القَرنْفُلَ والزَّنْجَبِي ... لَ بَاتَا بِفيهَا وأريْاً مَشُورا وأنشد للمسيب بن علس يصف ثغر امرأة: [الكامل] ٥٠٤٩ - أ - وكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجبيلَِ بِهِ ... إذْ ذُقْتُهُ وسُلافَة الخَمْرِ ويروى: وسلافَةُ الكَرْمِ. وقال مجاهد: «الزنجبيل» اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار، وكذا قال قتادة: وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. والمعنى: كأن فيها، وتكون قد عطفت «رأيت» الثاني على الأول، ويكون فعل الجواب محذوفاً، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله تعالى: ﴿نَعِيماً﴾ والتقدير: إذا صدر منك رؤية؛ ثم صدر منك رؤية أخرى رأيت نعيماً وملكاً فرأيت هذا هو الجواب.

стр. 12329

فصل في بيان الخطاب لمن؟! هذا الخطاب قيل: للنبي ﷺ َ. وقيل: عامّ، والنعيم: ما يتنعم به. والملك الكبير: قال سفيان الثوري: بلغنا أن الملك الكبير، تسليم الملائكة عليهم. وقيل: كون التيجان على رءوسهم كما يكون على رءوس الملوك. وقال السديُّ ومقاتل: هو استئذان الملائكة عليهم. وقال الحكيم والترمذي: هو ملك التكوين إذا أراد شيئاً قال له: كن. وفي الخبر: أن الملك الكبير هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وأن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربِّه - تعالى - كل يوم مرتين. و «عيناً» فيها من الوجوه ما تقدم، قوله «سلسبيلاً» السلسبيل: ما سهل انحداره في الحلق، قال الزجاج: هو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة، وقال الزمخشري: يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة. قال أبو حيان: فإن كان عنى أنه زيدت حقيقة فليس بجيد؛ لأن الباء ليست من حروف الزيادة المعهودة في علم النحو، وإن عنى أنها حرف جاء في سنخ الكلمة، وليس في سلسل ولا سلسال؛ فيصح، ويكون مما اتفق معناه وكان مختلفاً في المادة. وقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن. وقال مكي: هو اسم أعجمي نكرة فلذلك صرف. ووزن سلسبيل فعلليل مثل دردبيس. وقيل: فعفليل؛ لأن الفاء مكررة. وقرأ طلحة سلسبيل دون تنوين ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنها اسم لعين بعينها، وعلى هذا فكيف صرف في قراءة العامة؟ فيجاب أنها سميت بذلك لا على

стр. 12330

جهة العلمية بل على جهة الإطلاق المجرد، أو يكون من باب تنوين «سلاسل» و «قوارير» وقد تقدم. وأغرب ما قيل في هذا الحرف: أنه مركب من كلمتين من فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول، والتقدير سل أنت سبيلاً إليها. قال الزمخشري: وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب ﵁ أن معناه سل سبيلاً إليها، قال: وهذا غير مستقيم على ظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلاً جعلت علماً للعين؛ كما قيل: تأبط شراً، وذرى حبًّا، وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلَاّ من سأل سبيلاً إليها بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع وعزوه إلى مثل علي أبدع وفي شعر بعض المحدثين ٥٠٤٩ - ب - سَلْ سَبيلاً فِيهَا إلى رَاحةِ النَّفْ ... سِ كأنَّهَا سَلسبيلُ قال أبو حيان بعد تعجبه من هذا القول: وأعجب من ذلك توجيه الزمخشري له واشتغاله بحكايته. قال شهاب الدين: ولو تأمل ما قاله الزمخشري لم يلمه ولم يتعجب مه؛ لأن الزمخشري هو الذي شنع على هذا القول غاية التشنيع. وقال أبو البقاء: والسلسبيل كلمة واحدة. وفي قوله كلمة واحدة تلويح وإيماء إلى هذا الوجه المذكور. قوله: «ثمَّ» هذا ظرف مكان، وهو مختص بالبعد، وفي انتصابه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الظرف ومفعول الرؤية غير مذكور؛ لأنّ القَصْد: وإذا صدرت منك رؤية في ذلك المكان رأيت كيت وكيت، ف «رأيت» الثاني جواب ل «إذا» . وقال الفراء: «ثَمَّ» مفعولة به ل «رأيت» ، والمعنى: وإذا رأيت ما ثم، وصلح إضمار «ما» ، كما قال ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ، يريد: ما بينكم. قال الزجاج: لا يجوز إضمار «ما» . وقال الفراء: «وإذَا رَأيْتَ» تقديره: ما ثمَّ، ف «ما» مفعول، وحذفت «ما» ، وقامت «ثمَّ» مقام «ما» . وقال الزمخشري تابعاً لأبي إسحاق: ومن قال: معناه: ما ثمَّ، فقد أخطأ؛ لأن «ثمَّ» صلة ل «ما» ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصِّلة.

стр. 12331

وفي هذا نظر؛ لأن الكوفيين يجوزون مثل هذا، واستدلوا عليه بأبيات وآيات تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل هذا الموضوع. وقال ابن عطية: و «ثم» ظرف والعامل فيه «رأيت» أو معناه، والتقدير: رأيت ما ثم فحذفت ما. قال أبو حيان: وهذا فاسد؛ لأنه من حيث جعله معمولاً ل «رأيت» لا يكون صلة ل «ما» ؛ لأن العامل فبه إذا ذاك محذوف: أي ما استقر ثم. قال شهاب الدِّين: ويمكن أن يجاب عنه، بأن قوله أو معناه هو القول بأنه صلة لموصول فيكونان وجهين لا وجهاً واحداً حتى يلزمه الفساد، ولولا ذلك لكان قوله أو معناه لا معنى له، ويعني بمعناه أي معنى الفعل من حيث الجملة، وهو الاستقرار المقدر. والعامة على فتح الثاء من «ثمَّ» كما تقدم. وقرأ حميد الأعرج بضمها، على أنها العاطفة، وتكون قد عطفت «رأيت» الثاني على الأول ويكون فعل الجواب محذوفاً، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله «نعيماً» والتقدير: وإذا صدرت منك رؤية ثم صدرت رؤية أخرى رأيت نعيماً وملكاً؛ فرأيت هذا هو الجواب. فصل واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً في تلك المجالس. فقال ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في سورة الوقعة والأقرب أن المراد به دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة، قال الفراء يقال مخلدون مسورون ويقال مقرطون وروى نفطويه عن ابن الأعرابي مخلدون محلون. والصفة الثالثة: قوله تعالى ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ وفي كيفية التشبيه وجوه: أحدها: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم؛ ألا ترى أنه تعالى قال ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين. وثانيها: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء.

стр. 12332

وثالثها: قال القاضي هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه. واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة، أتبعه بما يدل على أن هناك أموراً أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ . فصل اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة: قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايراً لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منتقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضاً أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين الله تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره، قال ابن عباس لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه. ويقال إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه وقيل لا زوال له وقيل إذ أرادوا شيئاً حصل، ومنهم من حمله على التعظيم، فقال الكلبي هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان. فصل قال بعضهم قوله ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ َ: أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون بل هو خطاب لكل أحد. قوله: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ . قرأ نافع وحمزة: بسكون الياء وكسر الهاء، والباقون: بفتح الياء وضم الهاء، لما سكنت الياء كسر الهاء، ولما تحركت ضمت على ما تقدم في أول الكتاب. فأما قراءة نافع وحمزة، ففيها أوجه:

стр. 12333

أظهرها: أن يكون خبراً مقدماً، و «ثياب» مبتدأ مؤخر. والثاني: أن «عاليهم» مبتدأ، و «ثياب» مرفوع على جهة الفاعلية، وإن لم يعتمد الوصف، وهذا قول الأخفش. والثالث: أن «عاليهم» منصوب، وإنما سكن تخفيفاً. قاله أبو البقاء. وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجه، وهي واردة هنا، إلا أن تقدير الفتحة من المنقوص لا يجوز إلا في ضرورة أو شذوذ، وهذه القراءة متواترة، فلا ينبغي أن يقال به فيها، وأما قراءة من نصب، ففيه أوجه: أحدها: أنه ظرف خبر مقدم، و «ثياب» مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: فوقهم ثياب. قال أبو البقاء: لأن عاليهم بمعنى فوقهم. قال ابن عطية: يجوز في النصب أن يكون على الظرف؛ لأنه بمعنى فوقهم. قال أبو حيان: وعالٍ وعالية اسم فاعل فيحتاج في إثبات كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب: «عاليك أو عاليتك ثوب» . قال شهاب الدين: قد وردت ألفاظه من صيغة أسماء الفاعلين ظروفاً، نحو خارج الدار، وداخلها وظاهرها، وباطنها، تقول: جلست خارج الدَّار، وكذلك البواقي، فكذلك هنا. الثاني: أنه حال من الضمير في «عَلَيْهِم» . الثالث: أنه حال من مفعول «حَسِبْتَهُمْ» . الرابع: أنه حال من مضاف مقدر، أي: رأيت أهل نعيم وملكٍ كبير عاليهم، ف «عَاليهم» حال من «أهل» المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة: الزمخشري، فإنه قال: «وعاليهم» بالنصب على أنه حال من الضمير في «يطوف عليهم» أو في «حسبتهم» أي: يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب، أو حسبتهم لؤلؤاً عالياً لهم ثياب، ويجوز أن يراد: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب. قال أبو حيان: أما أن يكون حالاً من الضمير في «حَسِبْتَهُمْ» ، فإنه لا يعني إلا ضمير المفعول، وهو لا يعود إلا على «ولدان» ، وهذا لا يصح؛ لأن الضمائر الآتية بعد ذلك تدل على أنها للمعطوف عليهم من قوله تعالى ﴿وحلوا﴾ ، ﴿وَسَقَاهُمْ﴾ و ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ وفك الضمائر يجعل كذا وذلك كذا مع عدم الاحتياج إلى ذلك، والاضطرار إلى ذلك لا يجوز، وأما جعله حالاً من محذوف، وتقديره: أهل نعيم، فلا

стр. 12334

حاجة إلى ادعاء الحذف مع صحة الكلام وبراعته دون تقدير ذلك المحذوف. قال شهاب الدين: جعل أحد الضمائر لشيء، والآخر لشيء آخر لا يمنع صحة ذلك مع ما يميز عود كل واحد إلى ما يليق به، وكذلك تقدير المحذوف غير ممنوع أيضاً وإن كان الأحسن أن تتفق الضمائر وألَاّ يقدر محذوف، والزمخشري إنما ذكر ذلك على سبيل التجويز لا على سبيل أنه مساوٍ أو أولى، فيرد عليه ما ذكره. الخامس: أنه حال من مفعول «لقَّاهم» . السادس: أنه حال من مفعول «جزاهم» . ذكرهما مكي. وعلى هذه الأوجه: التي انتصب فيها على الحال يرتفع به «ثياب» على الفاعلية، ولا يضر إضافته إلى معرفة في وقوعه حالاً؛ لأن الإضافة لفظية كقوله تعالى: ﴿عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فأنّث «عارضاً» ولم يؤنث عالياً لأن مرفوعه غير حقيقي التأنيث. السابع: أن ينتصب «عاليهم» على الظرف، ويرتفع «ثياب» به على جهة الفاعلية، وهذا ماشٍ على قول الأخفش والكوفيين حيث يعملون الظرف وعديله، وإن لم يعتمد كما تقدم ذلك في الصفّ. وإذا رفع «عاليهم» بالابتداء، و «ثياب» على أنه فاعل به، كان مفرداً على بابه لوقوعه موقع الفعل، وإذا جعل خبراً مقدماً كان مفرداً لا يراد به الجمع، فيكون كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم﴾ [الأنعام: ٤٥] أي أدبار. قاله مكي. وقرأ ابن مسعود وزيدُ بن علي: «عاليتهم» مؤنثاً بالتاء مرفوعاً. والأعمش وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنه منصوب. وقد عرف الرفع والنصب مما تقدم. وقرأت عائشة ﵂ «عَليَتْهُم» فعلاً ماضياً متصلاً بتاء التأنيث الساكنة، و «ثياب» فاعل به، وهي مقوية للأوجه المذكورة في رفع «ثياب» بالصفة في قراءة الباقين كما تقدم تفصيله. وقرأ ابن سيرين ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة وخلائق: جاراً ومجروراً. وإعرابه كإعراب «عاليهم» ظرفاً في جواز كونه خبراً مقدماً، أو حالاً مما تقدم وارتفاع «ثياب» به على التفصيل المذكور.

стр. 12335

فصل في الضمير في عاليهم قال ابن الخطيب: والضمير في «عاليهم» إما للولدان أو للأبرار. فكأنهم يلبسُون عدة من الثياب، فيكون الذي يعلوها أفضلها، ولهذا قال تعالى «عاليهم» أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثيابُ سندسٍ، والمعنى: أن حجالهم من الحرير والديباج. قوله تعالى: ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ . قرأ العامة: بإضافة الثياب لما بعدها. وأبو حيوة وابن أبي عبلة: «ثِيَابٌ» منونة، ﴿سُندُسٌ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ برفع الجميع ف «سُنْدُسٌ» نعت ل «ثِيَابٌ» ؛ لأن «السندس» نوع، و «خُضْرٌ» نعت ل «سُنْدُسٌ» يكون أخضر وغير أخضر، كما أن الثياب تكون سندساً وغيره، و «إسْتَبْرَقٌ» نسق على ما قبله، أي: وثياب إستبرق. واعلم أن القراءة السبعة في «خُضْرٌ» ، و «إسْتَبْرَقٌ» على أربع مراتب. الأولى: رفعهما، لنافع وحفص فقط. الثانية: خفضهما، الأخوين فقط. الثالثة: رفع الأول، وخفض الثاني، لأبي عمرو وابن عامر فقط. الرابعة: عكسه، لابن كثير وأبي بكر فقط. فأما القراءة الأولى: فإن رفع «خضرٌ» على النعت ل «ثياب» ورفع «إستبرق» نسق على «الثياب» ولكن على حذف مضاف أي: وثيابٌ إستبرق ومثله: على زيد ثوبُ خزٍّ وكتانٍ أي: وثوبُ كتَّانٍ. وأما القراءة الثانية: فيكون جر «خضر» على النعت ل «سندس» . ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي: هو اسم جمع. وقيل: هو جمع «سندسة» ك «تمر وتمرة» ووصف اسم الجنس بالجمع يصح، قال تعالى ﴿وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢] ، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ، و ﴿مِّنَ الشجر الأخضر﴾ [يس: ٨٠] وإذا كانوا قد وصفوا المحل لكونه مراداً به الجنس بالجمع في قولهم: «أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدِّرهمُ البيضُ» ، وفي التنزيل: ﴿أَوِ

стр. 12336

الطفل الذين﴾ [النور: ٣١] فلأن يوجد ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء التأنيث بطريق الأولى، وجر «إستبرق» نسقاً على «سندس» ، لأن المعنى ثياب من سندس، وثياب من إستبرق. وما القراءة الثالثة: فرفع «خضر» نعتاً ل «ثياب» وجر «إستبرق» نسقاً على سندس أي: ثياب خضر من سندس، ومن إستبرق، فعلى هذا يكون الإستبرق أيضاً أخضر. وأما القراءة الرابعة: فجر «خضر» على أنه نعت ل «سندس» ورفع «إستبرق» على النسق على «ثياب» بحذف مضاف، أي: وثياب استبرق. وتقدم الكلام على مادة السندس والإستبرق في سورة الكهف. وقرأ ابن محيصن: «وإستبرق» بفتح القاف، ثم اضطرب النقل عنه في الهمزة، فبعضهم ينقل عنه أنه قطعها، وبعضهم ينقل أنه وصلها. قال الزمخشري: «وقرئ:» وإستبرق «نصباً في موضع الجر على منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط؛ لأنه نكرة يدخله حرف التعريف، تقول الإستبرق، إلا أنه يزعم ابن محيصن أنه قد جعل علماً لهذا الضرب من الثياب، وقرأ:» واستبرقَ «بوصل الهمزة والفتح على أنه مسمى ب» استفعل «من البريق، وهو ليس بصحيح - أيضاً - لأنه معرب مشهور تعريبه وأصله استبره» . وقال أبو حيان: ودل قوله: إلا أن يزعم ابن محيصن، وقوله بعد: وقرئ «واستبرق» بوصل الألف والفتح، أنّ قراءة ابن محيصن هي بقطع الهمزة مع فتح القاف والمنقول عنه في كتب القراءات: أنه قرأ بوصل الألف وفتح القاف. قال شهاب الدين: قد سبق الزمخشري إلى هذا مكي، فإنه قال: وقد قرأ ابن محيصن بغير صرف وهو وهم إن جعله اسماً؛ لأنه نكرة منصرفة. وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً من «برق» فهو جائز في اللفظ بعيد في المعنى. وقيل: إنه في الأصل فعل ماض على «استفعل» من «برق» ، فهو عربي من البريق، فلما سمِّي به قطعت ألفه؛ لأنه ليس من أصل الأسماء أن يدخلها ألف الوصل، وإنما دخلت معتلة مغيرة عن أصلها، معدودة، لا يقاس عليها؛ انتهى، فدل قوله «قطعت ألفه» إلى آخره، أنه قرأ بقطع الهمزة وفتح القاف، ودل قوله أولاً: وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً من «برق» ، أنه قرأ بوصل الألف، لأنه لا يتصور أن يحكم عليه بالفعلية غير منقول إلى

стр. 12337

الأسماء، ويترك ألفه ألف قطعٍ ألبتة، وهذا جهل باللغة، فيكون قد رُوِيَ عنه قراءتا قطع الألف ووصلها، فظهر أن الزمخشري لم ينفرد بالنقل عن ابن محيصن بقطع الهمزة. وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن: لا يجوز، والصواب: أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً ويؤيد ذلك دخول لام المعرفة عليه، والصواب قطع الألف وإجراؤه على قراءة الجماعةِ. قال أبو حيان: نقول: إن ابن محيصن قارئٌ جليلٌ مشهورٌ بمعرفة العربية، وقد أخذ عن أكابر العلماء، فيتطلب لقراءته وجه، وذلك أنه يجعل «استفعل» من البريق تقول: برق واستبرق، ك «عجب واسْتعجَبَ» ، ولما كان قوله: «خضر» يدل على الخضرة، وهي لون ذلك السُّنْدس، وكانت الخضرة مما يكون فيها لشدتها دُهمة وغبش، أخبر أن في ذلك بريقاً وحسناً يزيل غبشيته، ف «استبرق» فعل ماض، والضمير فيه عائد على السُّندس، أو على الأخضر الدالّ عليه خضر، وهذا التخريج أولى من تلحين من يعرف بالعربية، وتوهيم ضابط ثقة. وهذا هو الذي ذكره مكي. وهذه القراءة قد تقدمت في سورة الكهف. قوله تعالى: ﴿وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عطف على «ويَطُوفُ» عطف ماضياً لفظاً مستقبلاً معنى، وأبرزه بلفظ الماضي لتحققه. وقال الزمخشري بعد سؤال وجواب من حيث المعنى: وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران: سِوَار من ذهب وسوار من فضة. وناقشه أبو حيان في قوله: «بالمِعْصَم» ، فقال: قوله: «بالمعصم» إما أن يكون مفعول «أحسن» وإما أن يكون بدلاً منه، وقد فصل بينهما بالجار والمجرورن فإن كان الأول فلا يجوز؛ لأنه لم يعهد زيادة الباء في مفعول «أفعل» التعجب، لا تقول: ما أحسن بزيد، تريد: ما أحسن زيداً، وإن كان الثاني ففي هذا الفصل خلافٌ، والمنقول عن بعضهم أنه لا يجوز، والمولد منا إذا تكلم ينبغي أن يتحرز في كلامه فيما فيه خلافٌ. قال شهاب الدين: وأي غرض له في تتبع كلام هذا الرجل حتى في الشيء اليسير على أن الصحيح جوازه، وهو المسموع من العرب نثراً، قال عمرو بن معديكرب: لله درُّ بني مجاشع ما أكثر في الهيجاء لقاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، وأحسن في اللَّزْباتِ عطاءها، والتشاغل بغير هذا أولى. فصل في المراد بالأساور قال هنا: «أساور من فضة» وفي سورة «فاطر» : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [

стр. 12338

فاطر: ٣٣] ، وفي سورة «الحج» : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [الحج: ٢٣] فقيل: حليُّ الرجل الفضة. وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من لؤلؤ، ليجتمع محاسن أهل الجنة. قاله سعيد بن المسيب ﵁. وقيل: يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل: أسورةُ الفضة إنما تكون للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل: هذا للنساء والصبيان. وقيل: هذا بحسب الأوقات. قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [قال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ] ، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مرُّوا بشجرة تخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداها، فيجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعّث أشعارهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنةُ الجنة، فيقولون لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] . وقال النخعي وأبو قلابة، هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسكٍ وضمرت بطونهم. وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة ينبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غشٍّ وغلٍّ وحسدٍ، وما كان في جوفه من أذى، وعلى هذا فيكون «فعولاً» للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى الطاهر. قاله القرطبي. قال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿طَهُوراً﴾ فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهراً ثم على التفسير احتمالان: أحدهما: ألَاّ يكون نجساً كخمر الدنيا.

стр. 12339

وثانيهما: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة، يعني ما مسته الأيدي الوضيعة والأرجل الدنسة. وثانيهما: أنه لا يؤول إلى النجاسة، لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسكِ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهراً؛ لأنه يطهِّرُ باطنهم عن الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ هو نوع ما ذكره قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور والزنجبيل والسلسبيل، أو هذا نوع آخر؟ . قلنا: بل هذا نوع آخر، لوجوه: أحدها: التِّكرار. والثاني «أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه ﵎، بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ، وذلك يدل على فضل هذا على غيره. والثالث: ما روي من أنه يقدِّم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتُوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسكِ، وهذا يدل على أن الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب وهو أنه يجعل سار الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه كريح المسك وكل ذلك يدل على المغايرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ ، أي: يقال لهم: إن هذا كان حزاؤكم، أي: ثواب أعمالكم، فيزداد بذلك القول فرحهم وسرورهم، كما أن المعاقب يزداد غمّه، إذا قيل له: هذا جزاء عملك الرديء «وكَانَ سَعيُكُمْ» أي: عملكم «مَشْكوراً» أي: من قبل الله وشكره للعبد قبُول طاعته وثناؤه عليه وإثابته. وقال قتادةُ: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحسنى. وقيل: هذا إخبار من الله - تعالى - لعباده في الدنيا كأنه - تعالى - شرح لهم ثواب أهل الجنة، أي أنَّ هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبيدي لكم خلقتها ولأجلكم أعددتها. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالان:

стр. 12340

الأول: إذا كان فعل العبد خلقاً لله - تعالى - فكيف يعقل أن يكون فعل الله - تعالى - جزاء على فعل الله؟ . والجواب: أن الجزاء هو الكافي وذلك لا ينافي كونه فعلاً لله. السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكوراً يقتضي كون الله شاكراً له؟ . والجواب: كون الله - تعالى - شاكراً للعبد محال إلى على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه: الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعملهم كما أن الشكر مقابل للنعم. والثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس أن يقولوا للراضي بالقليل والمثنى به أنه مشكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده، وهو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات وإعطائه إياهم عليهم ثواباً كبيراً. الثالث: أن منتهى درجة العبد راضياً من ربه مرضيًّا لربه، كما قال تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] ، وكونها راضية من ربه أقلُّ درجة من كونها مرضية لربه، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ إشارة إلى الأمر الذي تصير به النفس راضية مرضية، وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ إشارة إلى كونها مرضية لربها لما كانت الحالة أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين.

стр. 12341

قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ . يجوز أن يكون توكيداً لاسم «إن» وأن يكون فصلاً و «نَزَّلْنَا» على هذين الوجهين هو خبر «إن» ، ويجوز أن يكون «نحن» مبتدأ، و «نَزَّلْنَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» . وقال مكي: «نَحْنُ» في موضع نصب على الصِّفة لاسم «إن» لأن الضمير يوصف بالمضمر؛ إذ هو بمعنى التأكيد لا بمعنى الغلبةِ، ولا يوصف بالمظهر؛ لأنه بمعنى التَّحلية والمضمر مستغن عن التحلية، لأنه لم يضمرْ إلا بعد أن عرف تحليته وعينه، وهو محتاج إلى التأكيد لتأكيد الخبر عنه. قال شهاب الدين: وهذه عبارة غريبة جدًّا، كيف يجعل المضمر موصوفاً بمثله،

стр. 12342

ولا نعلم خلافاً في عدم جواز وصف المضمر إلا ما نقل عن الكسائي أنه جوّز وصف ضمير الغائب بضمير آخر، فلا خرف في عدم جوازه، ثم كلامه يؤول إلى التأكيد فلا حاجة إلى العدول عنه. فصل في مناسبة اتصال الآية بما قبلها وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجةً إليه، فليس بسحرٍ ولا كهانةٍ ولا شعرٍ وأنه حقٌّ. قال ابن عباس ﵄ أنزل القرآن متفرقاً آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة فلذلك قال: «نَزَّلْنَا» . قال ابن الخطيب: المقصود من هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر تعالى أن ذلك وحي من الله تعالى ولا جرم بالغ في تكرار الضمير بعد إيقاعه تأكيداً على تأكيد فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الكفار يقولون: إن ذلك كهانة فأنا الله الملك الحق، أقول على سبيل التأكيد: إن ذلك وحيٌ حقٌّ وتنزيلُ صدقٍ من عندي، وفي ذلك فائدتان: إحداهما: إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن الكفار؛ لأن الله - تعالى - عظّمهُ وصدقه. والثانية: تقويته على تحمُّل مشاق التكليف، فكأنه - تعالى - يقول: إني ما نزلت عليك القرآن متفرقاً إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال. ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربك. وقال ابن عباس ﵄: اصبر على أذى المشركين، ثم نسخ بآية القتال. وقيل: اصبرْ لما حكم به عليك من الطَّاعات، أو انتظر حكم الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً﴾ أي: ذا إثمٍ ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: لا تطع الكفار. روى معمر عن قتادة، قال: قال أبو جهل: إن رأيتُ محمداً لأطأنَّ على عنقه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ . وقيل: نزلت في عتبة بن أبي ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا أتيا رسول الله ﷺ َ يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن يترك ذكر النبوة ففيهما نزلت، وعرض عليه عتبة

стр. 12343

ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض عليه الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى، ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ َ عشر آيات من أول «حم» السجدة، إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣] ، فانصرنا عنه وقال أحدهما: ظننت أنَّ الكعبة ستقع عليَّ. قوله: ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ . في «أوْ» هذه أوجه: أحدها: أنها على بابها، وهو قول سيبويه. قال أبو البقاء: وتفيد في النهي عن الجميع، لأنك إذا قلت في الإباحة: جالس الحسن أو ابن سيرين كان التقدير: جالس أحدهما، فأيهما كلمه كان أحدهما فيكون ممنوعاً منه، فكذلك في الآية، ويؤول المعنى إلى تقدير: ولا تطع منهما آثماً ولا كفوراً. قال الزمخشري ﵀: فإن قلت: معنى «أو» ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو لتكون نهياً عن طاعتهما جميعاً؟ . قلت: لو قال: لا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل: لا تطع أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما هو عن طاعتهما جميعاً أنهى، كما إذا نهي أن يقول لأبويه: «أفٍّ» علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى. الثاني: أنها بمعنى «لا» أي: لا تطع من أثم ولا من كفر. قال مكي: «وهو قول الفراء، وهو بمعنى الإباحة التي ذكرنا» . الثالث: أنها بمعنى الواو، وقد تقدم أن ذلك قول الكوفيين. والكفور وإن كان يستلزم الإثم إلا أنه عطف لأحد أمرين: إما أن يكونا شخصين بعينهما كما تقدم فالآثم عتبة، والكفور الوليد. وإما لما قاله الزمخشري: «فإن قلت: كانوا كلهم كفرةً، فما معنى القسمة في قوله» آثماً او كفوراً «؟ . قلت: معنا لا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه، لأنهم إمَّا أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث» . فصل قال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يدخل فيه ألَاّ تطع فيه آثماً أو كفوراً، فكأن ذكره بعد ذلك تكرار؟ .

стр. 12344

والجواب أن الأول أمر بالمأمورات، والثاني: نهي عن المنهيات، ودلالة أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح، فيكون التصريح، فيكون التصريح منه مفيداً. فإن قيل: إنه ﷺ َ ما كان يطيع أحداً منهم، فما فائدة هذا النهي؟ . فالجواب: أن المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد لأجل ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى الفساد، وأن أحداً لو استغنى عن توفيق الله - تعالى - وإرشاده لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم ﵊ ُ - ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم أنه لا بدَّ من الرغبة إلى الله - تعالى - والتضرع إليه أن يصونه عن الشُّبهات والشَّهوات. فإن قيل: ما الفرقُ بين الآثم والكفور؟ . فالجواب: أن الآثم هو الآتي بالمعاصي أيِّ معصيةٍ كانت، والكفُور: هو الجاحد للنعمة، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفوراً، لأن الإثم عام في المعاصي كلها، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٨] . فسمى الشرك آثماً، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] . قد نزلت هذه الآيات على أن الإثم جميع المعاصي. قوله تعالى: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . أي: صلِّ لربِّك أول النَّهار وآخره ففي أوله صلاة الصُّبح والظهر والعصر، وهو الأصيل، ﴿وَمِنَ الليل فاسجد لَهُ﴾ يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ يعني التَّطوع فيه. قاله ابن حبيب. وقال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وقيل: هو الذِّكْر المطلق، سواءٌ كان في الصَّلاة أو في غيرها. وقال ابن زيد وغيره: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل: هو ندب. وقيل: هو مخصوص بالنبي ﵊ ُ. وجمع الأصيل: الأصائل، والأصل، كقولك: سفائن وسفن، والأصائل: جمع الجمع، ودخلت «من» على الظرف للتبغيض، كما دخلت على المفعول في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] .

стр. 12345

قوله: ﴿وَسَبِّحْهُ﴾ فيه دليل على عدم صحة قول بعض أهل المعاني والبيان، أن الجمع بين الحاء والهاء - مثلاً - يخرج الكلمَ عن فصاحتها، وجعلوا من ذلك قوله: [الطويل] . ٥٠٥٠ - كريمٌ مَتَى أَمْدحْهُ والوَرَى ... مَعِي وإذَا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِي البيت لأبي تمام، ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه وبين الآية بأن التكرار في البيت هو المخرج عن الفصاحة بخلاف الآية فإنه لا تكرار فيها.

стр. 12346

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة﴾ . توبيخ وتقريع والمراد أهل «مكة» ، والعاجلة، الدنيا. واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله ﷺ َ بالتعظيم والأمر والنهي، عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة﴾ ، ومعناه: إن الذي حمل هؤلاء على الكفر والإعراض عما ينفعهم في الآخرة، هو محبتهم اللذات العاجلة والراحات الدنيوية البدنية. قوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ﴾ ، أي: بين أيديهم، وقال: «وَرَاءَهُم» ولم يقل: قُدَّامهم لأمور: أحدها: أنهم لما أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم. وثانيها: المراد: يذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل، أي عسير، فأسقط المضاف. وثالثها: أن «وراء» يستعمل بمعنى «قُدّام» ، كقوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦] ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] . وقال مكي: سمّي «وراء» لتواريه عنك، فظاهر هذا أنه حقيقة، والصحيح أنه استعير ل «قُدّام» . قوله: «يَوْماً» . مفعول ب «يَذَرُونَ» لا ظرف، وصفه بالثقل على المجاز؛ لأنه من صفات الأعيان لا المعاني.

стр. 12347

وقيل: معناه يتركون الإيمان بيوم القيامة. وقيل: نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول ﷺ َ وصحة نبوته، وحبُّهم العاجلة: أخذهم الرّشا ما كتموه، وقيل: أراد المنافقين لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا، والآية تعُمّ، واليوم الثقيل: يوم القيامة، وسمي ثقيلاً لشدائده وأهواله وقيل: للقضاء فيه بين العباد. قوله تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾ أي من طين، ﴿وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾ أي: خلقهم. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم، والأسر: الخلق. قال أبو عبيد: يقال: فرس شديد الأسر، أي: الخلق، ويقال: أسره الله، إذا شدد خلقه؛ قال لبيدٌ [الرمل] ٥٠٥١ - سَاهِمُ الوجْهِ شَدِيدٌ أسْرهُ ... مُشْرِفُ الحَارِكِ مَحْبُوكُ الكَتِدْ وقال الأخطل: [الكامل] ٥٠٥٢ - مِنْ كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَديدٍ أسْرهُ ... سَلِسُ القِيَادِ تخَالهُ مُخْتَالاً وقال أبو هريرة والحسن والربيع ﵃: شَددْنَا مفَاصِلهُمْ. قال أهل اللغة: الأسر: الرَّبْط، ومنه: أسِرَ الرجُل، إذا أوثق بالقيد، وفرس مأسورة الخلق وفرس مأسورة بالعقب، والإسار: هو القيد الذي يشد به الأقتاب، تقول: أسرت القتب أسراً، أي: شددته وربطته. فصل في معنى الأسر قال ابن زيد: الأسر القوة، والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية، أي: سويت خلقك وأحكمته بالقوى ثم أنت تكفر بي. قال ابن لخطيب: وهذا الكلام يوجب عليهم طاعة الله تعالى من حيث الترغيب والترهيب؛ أما الترغيب فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة، وخلق لهم جميع ما يمكن الانتفاع به، فإذا أحبوا اللذات العاجلة، وتلك اللذات لا تحصل إلا بالمنتفع والمنتفع به، وهما لا يحصلان إلا بتكوين

стр. 12348

الله وإيجاده، وهذا مما يوجب عليهم الانقياد لله - تعالى - وترك التمرُّد. وأما الترهيب فإنه قادرٌ على أن يميتهم وأن يسلُب النعم عنهم، وأن يلقي بهم في كل محنة وبلية، فلأجل الخوف من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم الانقياد لله - تعالى - وترك التمرّد، فكأنه قيل: هبْ أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة حسنة إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان بالله - تعالى - والانقياد له، فلم توسلتم به إلى الكفر بالله - تعالى - والإعراض عن حكمه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ . قال ابن عباس ﵄: لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطْوَعَ لله منهم. وقال ابن الخطيب: معناه: إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلاً منهم كقوله تعالى: ﴿على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] ، والغرض منه: بيان الاستغناء التام عنهم، كأنه قيل: لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين ألبتة، وبتقدير إن ثبتت الحاجة، فلا حاجة بنا إلى هؤلاء الأقوام؛ فإنا قادرون على إبدالهم وإيجاد أمثالهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ، ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] . وروى الضحاك عن ابن عباس ﵃ معناه: لغيرنا محاسنهم إلى أقبح الصور. وقيل: أمثالهم في الكفر. فصل في نظم الآية قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا﴾ : وحقه أن يجيء ب «إن» لا ب «إذا» ، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ، ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يعني: أنَّ «إذا» للمحقَّق، و «إن» للمحتمل، وهو تعالى لم يشأ ذلك، وجوابه أن «إذا» قد تقع موقع «إن» كالعكس. قال ابن الخطيب: فكأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف، لأن كل واحد من «إن» و «إذا» حرف شرط، إلا أن حرف «إن» لا يستعمل فيما هو معلوم الوقوع، فلا يقال: إن طلعت الشمس أكرمتك. أما حرف «إذا» فإنه يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع تقول ابتداء: إذا طلعت الشمس - فهاهنا - لما كان الله تعالى عالماً أنه سيجيء وقت يبدل الله تعالى فيه أولئك الكفرة بأمقالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة لا جرم حسن استعمال حرف «إذا» .

стр. 12349

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: هذه السورة موعظة، ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً موصِّلاً إلى طاعته. وقيل: «سبيلاً» أي وسيلة. وقيل: وجهة وطريقة إلى الخير والمعنى: أنّ هذه السورة لما فيها من الترتيب العجيب، والوعد الوعيد، والترغيب والترهيب تذكرة للمتأملين وتبصرة للمتبصرين. فصل في قول الجبرية قال ابن الخطيب: متى ضمت هذه الآية إلى الآية بعدها خرج منهما صريح مذهب الجبر، لأن قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ الآية يقتضي أن مشيئة العبد متى كانت خالصة، فإنها تكون مستلزمة للفعل، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ يقتضي كون مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد، ومستلزم المستلزم مستلزم، فإن مشيئة الله - تعالى - مستلزمة لفعل العبد، وذلك هو الجبر، وكذا الاستدلال على الجبر بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، لأن هذه الآية أيضاً تقتضي كون المشيئة مستلزمة للفعل، ثم التقدير ما تقدم. قال القاضي: المذكور هاهنا اتخاذ السبيل إلى الله - تعالى - وهو أمر قد شاءه؛ لأنه أمر به فلا بد وأن يكون قد شاءه، وهذا لا يقضي أن يقال: العبد لا يشاء إلَاّ ما قد شاء الله على الإطلاق إذ المراد بذلك الأمر المخصوص الذي قد ثبت أن الله تعالى أراده وشاءه. وهذا الكلام لا تعلق له بالاستدلال الذي ذكرناه، فحاصل ما ذكره القاضي تخصيص العام بالصُّور المتقدمة، وذلك ضعيف لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضي تخصيص هذا العام لاحتمال أن يكون الحكم في هذه الآية وارداً بحيث تعمّ تلك الصورة وغيرها. قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه حال، أي إلَاّ في حال مشيئة الله تعالى. قاله أبو البقاء. وفيه نظر: لأن هذا مقدر بالمعرفة إى أن يريد تفسير المعنى. والثاني: أنه ظرف. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما محل أن يشاء الله؟ . قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله تعالى، وكذلك قرأ ابن مسعود: إلا ما يشاء الله، لأن» ما «مع الفعل ك» إن «معه» . وردّ أبو حيان: بأنه لا يقوم مقام الظرف إلَاّ المصدر الصريح، لو قلت: أجيئك أن

стр. 12350

يصيح الديك، أو ما يصيح، لم يجز. قال شهاب الدين: قد تقدم الكلام في ذلك مراراً. وقرأ نافع والكوفيون: «تشاءون» خطاباً لسائر الخلق، أو على الالفتات من الغيبة في قوله تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾ ، والباقون: بالغيبة جرياً على قوله: «خلقناهم» وما بعده. قوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ أي الطاعة والاستقامة، واتخاذ السبيل إلى الله ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ فأخبر أن الأمر إليه سبحانه، وليس لهم، وأنه لا ينفذ مشيئة أحد، ولا تقدّم إلا تقدّم مشيئة الله تعالى، قيل: إن الآية الأولى منسوخة بالثانية. قال القرطبي: والأشبه أنه ليس بنسخ، بل هو تبيين أن ذلك لا يكون إلا بمشيئته. قال الفراء: «ومَا تَشَاءُونَ إلَاّ أن يَشاءَ اللهُ» جواب لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ثم أخبرهم أن الأمر ليس إليهم، فقال: «ومَا تَشَاءُونَ» ذلك السبيل «إلَاّ أن يشَاءَ اللهُ» لكم، ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ بأعمالكم «حَكِيماً» في أمره ونهيه لكم. قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ . أي: يدخله الجنة راحماً له. قال ابن الخطيب: إن فسرنا الرحمة بالإيمان فالآية صريحة في أن الإيمان من الله تعالى وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئته بسبب مشيئة الله تعالى وفضله، وإحسانه لا بسبب الاستحقاق؛ لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجَهْل أو الحاجة، وهما محالان على الله تعالى، والمفضي إلى المحال محال، فتركه محال، فوجوده واجبٌ عقلاً، وعدمه ممتنعٌ عقلاً، وما كان كذلك لا يكون معلقاً على المشيئة ألبتة. قوله: ﴿والظالمين﴾ ، أي: ويعذّب الظالمين، وهو منصوب على الاشتغال بفعل يفسره «أعَدَّ لَهُمْ» من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، تقديره: وعذب الظالمين، ونحوه: «زيداً مررت به» أي: جاوزت ولابست. وكان النصب هنا مختاراً لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، وهو قوله «يُدْخِلُ» . قال الزجاج: نصب «الظَّالمينَ» لأن قبله منصوباً، أي: يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين، أي: المشركين، ويكون «أعَدَّ لَهُمْ» تفسيراً لهذا المضمر؛ قال الشاعر: [المنسرح] ٥٠٥٣ - أصْبَحتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ... أمْلِكُ رَأسَ البَعيرِ إنْ نَفَرَا

стр. 12351

والذِّئْب أخْشَاهُ إنْ مَررْتُ بِهِ ... وحْدِي وأخْشَى الرِّيَاحَ والمَطَرَا أي: أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج: والاختيار النصب. وإن جاز الرفع. وقوله تعالى في «حَم عَسق» : ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ والظالمون﴾ [الشورى: ٨] ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فنصب في المعنى، فلم يجز العطف على المنصوب قبله فارتفع بالابتداء، وهاهنا قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً﴾ يدل على «ويُعَذِّبُ» فجاز النصب. وقرأ الزبير، وأبان بن عثمان، وابن أبي عبلة: «والظَّالمُونَ» رفعاً على الابتداء، وما بعده الخبر، وهو أمر مرجوح لعدم المناسبة. وقرأ ابن مسعود: «ولِلظَّالِمينَ» بلام الجر، وفيه وجهان: أظهرهما: أن يكون «للظَّالمين» متعلقاً ب «أعَدَّ» بعده، ويكون «لَهُمْ» تأكيداً. والثاني: وهو ضعيف، أن يكون من باب الاشتغال، على أن يقدر فعلاً مثل الظاهر، ويجر الاسم بحرف الجر، فتقول: «بزيد مررت به» أي: مررت بزيد مررت به، والمعروف في لغة العرب مذهب الجمهور، وهو إضمار فعل ناصب موافق لفعل الظاهر في المعنى، فإن ورد نحو «بزيد مررت به» عُدَّ من التوكيد لا من الاشتغال. والأليم: المؤلم. روى الثَّعلبيّ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ كَانَ جَزَاؤهُ عَلى اللهِ تَعَالى جَنَّةً وحَرِيراً» .

стр. 12352

سورة المرسلات مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة ﵃: إلا آية منها، وهي قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨] ، مدنية. وقال ابن مسعود ﵁: نزلت ﴿والمرسلات عرفا﴾ على النبي ﷺ ليلة الجن ونحن نسير معه، حتى أوينا إلى غار بمنى فنزلت، فبينا نحن نتلقاها منه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت حية، فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت، فقال النبي ﷺ : " وقيتم شرها كما وقيت شركم ". وعن كريب مولى ابن عباس، قال: قرأت سورة ﴿والمرسلات عرفا﴾ فسمعتني أم الفضل امرأة العباس، فبكت، وقالت: والله يا بني، لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في صلاة المغرب.

стр. 12353

وهي خمسون آية، ومائة وإحدى وثمانون كلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿و المرسلات عُرْفاً﴾ في «عرفاً» ثلاثة أوجه:

стр. 12354

أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل العرف، وهو ضد النُّكْر، فإن الملائكة إن كانوا بعثُوا للرحمة، فالمعنى فيه ظاهر، وإن كانوا بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين، والمراد بالمرسلات، إما الملائكة، وإما الأنبياء، وإما الرياح، أي: والملائكة المرسلات، أو والأنبياء المرسلات، أو والرياح المرسلات. و «العرف» المعروف، والإحسان، قال: [البسيط] ٥٠٥٤ - مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدمْ جَوازِيَهُ ... لا يَذهبُ العُرْفُ بيْنَ اللهِ والنَّاسِ وقد يقال: كيف جمع صفة المذكر العاقل بالألف والتاء، وحقه أن يجمع بالواو والنون نقول: الأنبياء المرسلون ولا نقول: المرسلات؟ . والجواب: أن المرسلات جمع مرسلة ومرسلة: صفة لجماعة من الأنبياء، والمرسلات: جمع مرسلة الواقعة صفة لجماعة، لا جمع مرسل مفرد. والثاني: أن ينتصب على الحال بمعنى متتابعة، من قولهم: جاءوا كعرف الفرس، وهم على فلان كعرف الضبع، إذا تألبُّوا عليه. قال ابن الخطيب: يكون مصدراً، كأنه قيل: والمرسلات إرسالاً، أي متتابعة. الثالث: أن ينتصب على إسقاط الخافض، أي: المرسلات بالعرف، وفيه ضعف، وقد تقدم الكلام على العرف في الأعراف. والعامة: على تسكين رائه، وعيسى: بضمها، وهو على تثقيل المخفف، نحو: «بكّر» في «بكَر» ، ويحتمل أن يكون هو الأصل، والمشهور مخففة منه، ويحتمل أن يكونا وزنين مستقلين. فصل في المراد بالمرسلات جمهور المفسرين على أن «المرسلات» هي الرياح. وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله ونهيه والخبر والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبي.

стр. 12355

وقال ابن عباس ﵄: هم الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله. وقال أبو صالحٍ: الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات. وعن ابن عباس وابن مسعود: أنها الرياح، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح﴾ [الحجر: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح﴾ [الأعراف: ٥٧] ، ومعنى «عُرْفاً» أي: يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات: السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه. وقيل: إنها الزَّواجر والمواعظ، و «عُرْفاً» على هذا التأويل: متتابعات كعرف الفرس، قاله ابن عبَّاس. وقيل: جاريات، قاله الحسن، يعني في القلوب. وقيل: معروفات في العقول. قوله تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ . هذا المصدر مؤكد لاسم الفاعل. والمراد بالعَاصفاتِ: الرياح. قاله المهدوي. وقال ابن عباسٍ: هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحطامه. وقال: العاصفات الملائكة شبهت بسرعة جريها في أمر الله - تعالى - بالرياح، وكذلك «نَشْراً، وفَرْقاً» انتصابهما على المصدر. وقيل: الملائكة تعصف برُوح الكَافرِ، يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريحٌ في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم، أي: ذهبت بهم. وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخوف. قوله تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾ . هي الملائكة المُوكَّلُون بالسحاب ينشرونها. وقال ابن مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى نشراً بين يدي رحمته ينشر السحاب للغيث، وهو مروي عن أبي صالح. وعنه أيضاً: هي الأمطار لأنها تنشر النبات، فالنَّشر بمعنى الإحياء، يقال: نشر الله الميت وأنشره، بمعنى أحياهُ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] . وروي عن السديِّ: أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى، وروى الضحاك عن ابن

стр. 12356

عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب، وأعمال بني آدم، وروى الضحاك: أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح. وقال تعالى: ﴿والناشرات﴾ - بالواو - لأنه استئنافُ قسم آخر. قوله: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ : هي الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو صالح. وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: ما تفرق الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال، وروى أنس عن مجاهد قال: «الفارقات» الرياح تفرق بين السحاب وتبدده. وروى سعيد عن قتادة قال: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ ، الفرقان فرق الله بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهو قول الحسن وابن كيسان. وقيل: هم الرسل فرقوا بين ما أمر الله - تعالى - به، ونهى عنه؛ أي بينوا ذلك. وقيل: السحابات الماطرة تشبيهاً بالنَّاقة الفارقة، وهي الحامل التي تخرج وتندّ في الأرض حين تضع، ونوق فوارق وفُرَّق. قوله تعالى: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ . هي الملائكة، أي: تلقي كتب الله إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قاله المهدوي. وقيل: هو جبريل ﵊ ُ - وسمي باسم الجمع تعظيماً لأنه كان ينزل بها وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم. قاله قطرب. وقوله تعالى: ﴿ذِكْراً﴾ مفعول به ناصبه «المُلْقِيَاتِ» . وقرأ العامة: «فالملقيات» - بسكون اللام وتخفيف القاف - اسم فاعل. وقرأ ابن عباس: بفتح اللام وتشديد القاف، اسم مفعول من التلقية، وهي إيصال

стр. 12357

الكلام إلى المخاطب. وروى عنه المهدوي أيضاً: فتح القاف، أي: يلقيه من قِبَل الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن﴾ [النمل: ٦] . قوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ . فيهما أوجه: أحدها: أنهما بدلان من «ذِكْراً» . الثاني: أنهما منصوبان به على المفعولية، وإعمال المصدر المنون جائز، ومنه ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤، ١٥] . الثالث: أنهما مفعولان من أجلهما، والعامل فيهما، إما «المُلقيَات» ، وإما «ذِكراً» ؛ لأن كُلاًّ منهما يصلح أن يكون معلولاً بأحدهما. وحينئذ يجوز في «عُذْراً» ، ونذراً «وجهان: أحدهما: أن يكونا مصدرين - بسكون العين - كالشُّكْر والكُفْر. والثاني: أن يكونا جمع عذير، ونذير، المراد بهما المصدر، بمعنى الإعذار والإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار. الثالث: أنهما منصوبان على الحال من «الملقيات» أو من الضمير فيها، وحينئذ يجوز أن يكونا مصدرين واقعين موقع الحال، بالتأويل المعروف في أمثاله، وأن يكونا جمع «عذير ونذير» مراداً بهما المصدر، أو مراداً بهما اسم الفاعل بمعنى المعذر والمنذر، أي: معذرين، أو منذرين. وقرأ العامة: بسكون الذَّال من ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ . وقرأ زيد بن ثابت، وابن خارجة، وطلح: بضمها. والحرميَّان، وابن عامر، وأبو بكر، بسكونها في «عُذْراًَ» وضمها في «نُذْراً» ، والسكون والضم - كما تقدم - في أنه يجوز أن يكون كل منهما أصلاً للآخر، وأن يكونا أصلين، ويجوز في كل من المثقّل والمخفّف أن يكون مصدراً، وأن يكون جمعاً سكنت عينه تخفيفاً. وقرأ إبراهيم التيمي: «عُذْراً ونُذْراً» بواو العطف موضع «أو» ، وهي تدل على أن «أو» بمعنى الواو.

стр. 12358

فصل في معنى الآية والمعنى: يلقي الوحي إعذاراً من الله تعالى وإنذاراً إلى خلقه من عذابه. قاله الفراء. وروي عن أبي صالحٍ قال: يعني الرسل يعذرون وينذرون. وروى سعيد عن قتادة: «عُذْراً» قال: عذراً لله - تعالى - إلى خلقه، ونذراً للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به، وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄: «عُذْراً» أي: ما يقبله الله - تعالى - من معاذير أوليائه، وهي التوبة «أو نُذْراً» ينذر أعداءه. فصل في المراد بهذه الكلمات الخمس قال ابن الخطيب: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً، أو أجناساً مختلفة، فالأول فيه وجوه: أحدها: أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - إما لإيصال النِّعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله تعالى: «عُرْفاً» إما أن يكون العُرْف هو الذي ضد النُّكر، فإن كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفَّار فإنه معروف للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو يكون العرف التَّتابع، وقوله تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف الرياح، أو يعصفون بروح الكافرِ، يقال: عصف بالشيء إذا أباده، وقوله تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾ أي: أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الرحمة والعذاب، أو المراد الملائكة الذي ينشرون الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، وقوله تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ أي: أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أي أنهم يلقون الذِّكرَ إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن، لقوله تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] ، وهذا المُلْقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمِّي باسم الجمع تعظيماً له. واعلم أن الملائكة أقسام: قسمٌ يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، وقسمٌ يرسل لكتابة اعمل بني آدم، وقسم يرسل لقبض الأرواح، وقسم يرسل بالوحي من سماءٍ إلى سماءٍ. الوجه الثاني: أن المراد بهذه الكلمات الخمس: الرياح، أقسم الله - تعالى - بالرياح

стр. 12359

عند إرسالها عُرْفاً، أي: متتابعة، كشعر العرف، ثم إنها تشتدّ حتى تصير عواصف ورياح رحمة تنشر السحاب في الجو، قال الله تعالى: ﴿يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] ، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾ أي: أنها تنشر السحاب، أو أنها تلقح الأشجار والنبات، فتكون ناشرة، وقوله تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ أي: أنها تفرق بين أجزاء السحاب، أو أنها تخرب بعض القرى، وذلك يصير سبباً لظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه، أو أنها عند هبوبها تفرّق الخلق فمن مقرّ خاضع، ومن منكر جاحد. وقوله تعالى: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أي: أن العاقل إذا شاهد هبوب تلك الرياح التي تقلع القِلَاع وتهدم الصخور والجبال، وترفع أمواج البحار تمسَّك بذكر الله - تعالى - والتجأ إلى إعانة الله - تعالى - فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذِّكر والإيمان والعبودية في القلب. الوجه الثالث: قال ابن الخطيب: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ المراد منه الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل على محمد ﷺ َ، وقوله تعالى: ﴿عُرْفاً﴾ أي هذه الآيات نزلت بكل عرف وخير، كيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة الموصلة إلى مجامع الخيرات، والمراد ب «العاصفات عصفاً» أن دولة الإسلام والقرآن إن كانت ضعيفةً في أولها، ثم عظُمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت سائر الدُّول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة. والمراد ب «النَّاشِرات نَشْراً» ، أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً. والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً. والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن فرَّقت بين الحقِّ والباطل، ولذلك سمِّي القرآن فرقاناً، والمراد ب «الملقيات ذكراً» أن القرآن ذكر، قال تعالى: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: ١] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] . الوجه الرابع: قاله ابن الخطيب: ويمكن حملها أيضاً على بعثة الرُّسل، فالمراد ب «المرسلات عرفاً» هم المُرسَلُون بالوَحْي المشتمل على كُلِّ خير ومعروف، ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ أن كل أمر لكل رسول يكون في أول أمره حقيراً ضعيفاً، ثم يشتدّ ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح ﴿والناشرات نَشْراً﴾ انتشار دينهم، ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ أنهم يفرقون بين الحق والباطل، ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أنهم يأمرونهم بالذكر ويحثُّونهم عليه.

стр. 12360

الاحتمال الثاني: وهو ألَاّ يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئاً واحداً، وفيه وجوه: أحدها: قال الزجاج، واختاره القاضي: أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد، والعاصفات: ما اشتدّ عنها، والنَّاشرات: ما ينشر السحاب، وقوله تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ هم الملائكة الذي يُفرِّقُون بين الحقِّ والباطل والحلال والحرام بما يتحمَّلونه من القرآن والوحي، وكذا قوله: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أنها الملائكة المتحمِّلون للذِّكر الذي يلقونه إلى الرسل. فإن قيل: ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في القسمِ؟ . قلت: الملائكة روحانيّون فهم سبب طاقاتهم وسرعة حركاتهم كالرياح. وثانيها: أن الآيتين الأوليين هما الرياح، والثلاثة الباقية منهم الملائكة؛ لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران: الأول: حصول الفرق بين المحق والمبطل. والثاني: ظهر الله في القلوب والألسنة، ويؤكد هذا أنه قال: ﴿والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً﴾ ، ثم عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فقال: «والنَّاشِرَاتِ» وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائمكة، فقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ ملائكة الرَّحمة، وقوله تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن؛ لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرّق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة. فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم قال القفالُ: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبنيّ على أصل، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل والتعلُّق، فإذا قيل: قام زيد فذهب، فالمعنى: أنه قام ليذهب، فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، فإذا قيل: قام وذهب، فهما خبران، وكل واحد منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال ﵀ لما مهد هذا الأصل، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه. قال ابن الخطيب: وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها، وأنا أنوع على هذا الأصل
следующие страницы →