← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.

стр. 12461

وتسمى سورة السفرة مكية، وهي اثنان وأربعون آية، ومائة وثلاثون كلمة، وخمسمائة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وتولى﴾ أي: كَلحَ بوجههِ، يقال: عبَسَ وبَسَر وتولى، أي: أعرضَ بوجهه. قوله: ﴿أَن جَآءَهُ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنَّه مفعولٌ من أجله، وناصبه: إمَّا «تولَّى» وهو قول البصريين، وإمَّا «عَبَسَ» وهو قول الكوفيين، والمختار مذهب البصريين لعدم الإضمار في الثاني، وتقدم تحقيق هذا في مسائل النزاع والتقدير: لأن جَاءهُ الأعْمَى فعل ذلكَ. قال القرطبيُّ: إن من قرأ بالمدِّ على الاستفهام، ف «أنْ» متعلقة بمحذوف دلَّ عليه ﴿عَبَسَ وتولى﴾ والتقدير: أأن جاءهُ اعرض عنهُ وتولى؟ فيوقف على هذه القراءة على «تولَّى» ، ولا يوقف عليه على قراءة العامة. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: أتى رسول الله ﷺ َ ابن أم مكتومٍ، واسمُ مكتُومٍ عاتكةُ بنتُ عامرٍ بن مخزومٍ، وكان عند النبي ﷺ َ صناديدُ قريش: عُتْبَةُ وشيبةُ ابنا رَبِيعةَ، وأبُو

стр. 12462

جَهْلٍ بْنُ هشام، والعبَّاسُ بنُ عبدِ المُطلبِ، وأميَّةُ بن خلفٍ، والوليدُ بنُ المُغيرةِ، يدعوهم إلى الإسلام رجاءَ أن يسلم بإسلامهم غيرُهم، فقال للنبي ﷺ َ: عَلِّمني مما علمك الله، وكرَّر ذلك عليه، فكره قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت هذه الآية. قال ابن العربي: أمَّا قول المفسرين: إنه الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف والعباس، فهذا كله باطلٌ وجهلٌ؛ لأن أمية والوليد كانا ب «مكة» وابن أم مكتوم كان ب «المدينة» ما حضر معهما، ولا حضرا معه، وماتا كافرين، أحدهما: قبل الهجرة، والآخر في «بدر» ، ولم يقصد أمية «المدينة» قط، ولا حضر معه مفرداً، ولا مع أحدٍ، وإنَّما أقبل ابن أم مكتوم والنبي ﷺ َ مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الإسلام، وقد طمع في إِسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ َ لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء إنَّما اتْباعُه العُمْيَان والسَّفلة والعبيد، فعبس وأعرضَ عنه، فنزلت الآية. قال الثوري: «فكان النبيُّ ﷺ َ بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم بسط له رداءهُ، ويقول:» مَرْحَباً بمَنْ عَاتَبنِي فِيهِ ربِّي «، ويقول:» هَلْ مِنْ حَاجَةٍ «؟ واستخلفهُ على» المدينة «مرتين في غزوتين غزاهما» . قال أنسٌ ﵁: فرأيته يوم «القادسيَّة» راكباً وعليه دِرْع، ومعه رايةٌ سوداءُ. فصل في معاتبة الله تعالى رسوله قال ابن الخطيب: ما فعله ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزَّجْر، فكيف عاتب الله - تعالى - رسوله على تأديبه ابن أم مكتوم؟ . وإنما قلنا: إنه كان يستحق التأديب؛ لأنه وإن كان أعمى لا يرى القوم، لكنه سمع

стр. 12463

مخاطبة الرسول ﷺ َ لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدة اهتمام النبي ﷺ َ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبي ﷺ َ لغرض نفسه قبل تمام غرض النبي ﷺ َ معصية عظيمة. وأيضاً: فإنَّ الأهم يقدِّم على المُهِمّ، وكان قد أسلم، وتعلَّم ما يحتاج إليه من أمر دينه، أما أولئك الكفَّار، فلم يكونوا أسلموا بعد، وكان إسلامهم سبباً لإسلام جمع عظيم، فكان كلام ابن مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك محرم. وأيضاً: فإنَّ الله - تعالى - ذمّ الذين يناجونه من وراء الحجرات بمجود ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصَّارف للكفار عن [قبول] الإيمانِ أوْلَى أن يكون ذنباً، فثبت أن الذي فعله ابن أمِّ مكتوم كان ذنباً ومعصية. وأيضاً: فمع هذا الاعتناء بابن أم مكتوم، فكيف لقب بالأعمى؟ . وأيضاً: فالنبيُّ ﷺ َ يؤدَّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتَّعبيسُ من ذلك القبيل، ومع الإذن فيه، كيف يعاتب عليه؟ . والجواب عن الأول: أنَّ ما فعله ابن أم مكتوم كان من سُوءِ الأدب لو كان عاملاً بأنَّ النبي ﷺ َ مشغولٌ بغيره، وأنَّه يرجو إسلامهم، ولكن الله عاتبه حتى لا تنكسر قلوبُ أهْلِ الصُّفَّةِ، أو ليعلم أنَّ المؤمن الفقير خيرٌ من الغنى، وكان النظر إلى المؤمن أولى، وإن كان فقيراً أصلحُ وأوْلَى من الإقبالِ على الأغنياء طمعاً في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضاً طمعاً في المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية. وقيل: إنَّما قصد النبي ﷺ َ تأليف الرجل ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال النبي ﷺ َ: «إنِّي لأعْطِي الرَّجُل وغَيرهُ أحَبُّ إليَّ مِنْهُ مخَافَة أن يكُبَّهُ اللهُ على وجْهِهِ» . وقال ابن زيدِ: إنَّما عبس النبي ﷺ َ لابن أم مكتوم، وأعرض عنه؛ لأنَّه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، وأبى إلا أن يكلم النبي ﷺ َ حتى يعلمه فكان في هذا نوع جفاءٍ منه، ومع هذا أنزل الله تعالى في حقه: ﴿عَبَسَ وتولى﴾ ، بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيماً له، ولم يقل: عَبْسَتَ وتولَّيت. ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيساً له، فقال: «ومَا يُدْرِيكَ» أي: يعلمك «لَعلَّهُ» ابنُ أم مكتوم «يَزَّكَّى» بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، وإنَّما ذكره بلفظ العمى ليس للتحقير، بل كأنه قيل: إنه بسبب عماه يستحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك يا محمد، أن

стр. 12464

تخصَّه بالغلظةِ، وأمَّا كونه مأذوناً لهُ في تأديب أصحابه، لكن هنا لمَّا أوهم تقديمَ الأغنياء على الفقراءِ، وكان ذلك مما يوهمُ ترجيح الدنيا على الدِّين، فلهذا السبب عوتب. فصل فيمن استدل بالآية على جواز صدور الذنوب من الأنبياء قال ابن الخطيب: تمسَّك القائلون بصدورِ الذنب عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذه الآية. وقالوا: لمَّا عُوتبَ النبيُّ ﷺ َ على ذلك الفعل دلَّ على أنَّه كان معصية. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لما ذكرنا في الجواب عن الأول، وأيضاً: فإن هذا من باب الاحتياط وترك الأفضل. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ ؛ الظاهر أنه أجرى التَّرجي مجرى الاستفهام، لما بينهما من معنى الطَّلب في التَّعليق، لأن المعنى منصب على تسليط الدراية على التَّرجي، إذ التقدير: لا يدري ما هو مترجّى منه التركيب، أو التذكر. وقيل: الوقف على «يَدْرِي» ، والابتداء بما بعده على معنى: وما يطلعك على أمره، وعاقبة حاله، ثم ابتدأ، فقال: «لعلَّه يزكَّى» . فصل في تحرير الضمير في قوله: «لعله» قيل: الضمير في «لعلَّهُ» للكافر، يعني: لعل إذا طمعت في أن يتزكَّى بالإسلام. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى﴾ أي: قبول الحق، «وما يدريك» أنَّ ما طمعت فيه كائن، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي﴾ [الأنعام: ٥٢] . وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٢٨] . قوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى﴾ . قرأ عاصم: «فتنفعه» بالنصب. والباقون: بالرفع. فمن رفع، فهو نسق على قوله: «أو يذَّكرُ» . ومن نصب، فعلى جواب التَّرجي كقوله في «المؤمن» : ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٧] ، وهو مذهب كوفي وقد تقدم الكلام عليه.

стр. 12465

وقال ابن عطية: في جواب التمني؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ في حكم قوله: ﴿لَعَلَّهُ يزكى﴾ . قال أبو حيان: «وهذا ليس تمنياً إنما هو ترجٍّ» . قال شهاب الدين: إنما يريد التًّمني المفهوم من الكلام، ويدلُّ له ما قاله أبو البقاء: «وبالنصب على جواب التمني في المعنى» ، وإلَاّ فالفرق بين التمنِّي والترجِّي لا يجهله ابن عطية. وقال مكي: «من نصبه جعله جواب» لَعلَّ «بالفاء؛ لأنَّه غير موجب، فأشبه التَّمني والاستفهام، وهو غير معروف عند البصريين» وقرأ عاصمٌ في رواية الأعرج: «أو يذْكُر» - بسكون الذال، وتخفيف الكاف مضمومة - مضارع «ذكر» ، والمعنى: أو يتَّعظ بما يقوله: «فتنفعه الذكرى» أي: العِظَةُ. قوله: ﴿أَمَّا مَنِ استغنى﴾ قال عطاء: يريد عن الإيمان، وقال الكلبي: استغنى عن الله، وقال بعضهم: استغنى أثرى؛ وهو فاسد ههنا؛ لأن إقبال النبي ﵊ ُ - لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى، فأنت تقبل عليه، ولأنه قال: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى وَهُوَ يخشى﴾ ولم يقل وهو فقير معدم، ومن قال: أما من استغنى بماله فهو صحيح، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن بما لَهُ من المال. وقوله تعالى: ﴿فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ تقدمت فيه قراءتا التثقيل والتخفيف. قال الزجاج: أي: أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه، يقال تصدى فلان لفلان، يتصدّد إذا تعرض له، والأصل فيه تصدد يتصدّد من الصدد، وهو ما استقبلك وصار قبالتك فأبدل أحد الأمثال حرف علة مثل: تظنيت وقصيت، وتقضى البازي قال الشاعر: ٥١٠٧ - ب - تَصدَّى لِوضَّاح كأنَّ جَبينَه ... سِرَاجُ الدُّجَى يُجْبَى إليه الأساور وقيل: هو من الصدى، وهو الصوت المسموع في الأماكن الخالية والأجرام الصلبة. وقيل: من الصدى وهو العطش، والمعنى على التعرض، ويتمحّل لذلك إذا قلنا أصله من الصوت أو العطش. وقرأ أبو جعفر «تُصْدي» بضم التاء وتخفيف الصاد. أي يصديك حرصك على إسلامه.

стр. 12466

يقال: صدى الرجل وصديته، وقال الزمخشري: وقرئ «تُصدي» بضم التاء أي تعرض، ومعناه يدعوك إلى داع إلى التصدي له؛ من الحرص والتهالك على إسلامه. قوله: ﴿أَلَاّ يزكى﴾ مبتدأ خبره «عليك» أي ليس عليك عدم تزكيته. والمعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم. قوله: ﴿يسعى﴾ حال من فاعل «جاءك» والمعنى أن يسرع في طلب الخير، كقوله: ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩] . وقوله: ﴿وَهُوَ يخشى﴾ جملة حالية من فاعل «يسعى» فهو حال من حال وجعلها حالاً ثانية معطوفة على الأولى ليس بالقوي وفيها ثلاثة أوجه يخشى الله ويخافه في ألَاّ يهتم بأداء تكاليفه، أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى، وما كان له قائد. قوله ﴿تلهى﴾ أصله تتلهى من لهي يلهى بكذا أي اشتغل وليس هو من اللهو في شيء. وقال أبو حيان: ويمكن أن يكون منه لأن ما يبنى على فعل من ذوات الواو تنقلب واوه لانكسار ما قبلها. نحو شقي يشقى. فإن كان مصدره جاء بالياء فيكون من مادة غير مادة اللهو. قال شهاب الدين: الناس إنما لم يجعلوه من اللهو لأجل أنه مسند إلى ضمير النبي ﷺ َ ولا يليق بمنصبه الكريم أن ينسب إليه التفعل من اللهو. بخلاف الاشتغال فإنه يجوز أن يصدر منه في بعض الأحيان، ولا ينبغي أن يعتقد غير هذا وإنما سقط الشيخ وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه «عنهو تلهى» بواو وهي صلة لهاء الكناية، وتشديد التاء والأصل تتلهى فأدغم، وجاز الجمع بين ساكنين لوجود حرف علة وإدغام، وليس لهذه الآية نظير. وهو أنه إذا لقي صلة هاء الكناية ساكن آخر ثبتت الصلة بل يجب الحذف، وقرأ أبو جعفر «تُلَهَّى» بضم التاء مبنياً للمفعول. أي يلهيك شأن الصناديد، وقرأ طلحة «تتلهى» بتاءين وهي الأصل، وعنه بتاء واحدة وسكون اللام. فصل فإن قيل قوله: ﴿فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ فأنت عنه تلهى كان فيه اختصاصاً.

стр. 12467

قلنا نعم، ومعناه إنكار التصدي والتلهي عنه، أي مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدى للغني، ويتلهى عن الفقير.

стр. 12468

قوله: ﴿كَلَاّ﴾ وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله. قال الحسن: لما تلا جبريل على النبي ﷺ َ هذه الآيات عاد وجهه كأنما أسف الرماد فيه ينتظر ماذا يحكم الله جبريل على النبي صلى الله هذه الآيات عاد وجهه كأنما أسف الرماد فيه يتنظر ماذا يحكم الله عليه , فلما قال: ﴿كَلَاّ﴾ سري عنه , أي لا تفعل مثل ذلك قال ابن الخطيب: وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ترك الأولى. وقوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ فيه سؤالان: الأول: قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ ضمير المؤنث، وقوله: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ ضمير المذكر، والضميران عائدان إلى شيء واحد، فكيف القول فيه؟ . الجواب: وفيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ ضمير المؤنث، قال مقاتل: يعني آيات القرآن، وقال الكلبي: يعني هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير في قوله: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ عائد إلى التذكرة أيضاً، لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. الثاني: قال صاحب النظم: إنها تذكرة يعني بها القرآن والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكره لجاز كما قال في موضع آخر ﴿كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ والدليل على أن قوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ المراد به القرآن قوله ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ . فصل كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ الجواب: من وجهين: الأول: كأنه قيل: هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفته لك في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة. الثاني: كأنه قيل: هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم، وإياك أن تعرض عمن آمن به تطييباً لقلوب أرباب الدنيا.

стр. 12469

قوله: ﴿ذَكَرَهُ﴾ يجوز أن يكون الضمير لله تعالى، لأن منزل التذكرة، وأن يكون للتذكرة، وذكر ضميرها؛ لأنها بمعنى الذكر والوعظ. وقوله: ﴿فَي صُحُفٍ﴾ صفة لتذكرة. فقوله: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ جملة معترضة بين الصفة وموصوفها، ونحوها ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٩] ويجوز أن يكون «في صحف» خبراً ثانياً ل «إنها» والجملة معترضة بين الخبرين. فصل اعلم أنه تعالى وصف تلك التذكرة بأمرين: الأول: قوله: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ أي هذه تذكرة بينة ظاهرة بحيث لو أرادوا فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها لقدروا عليه. والثاني: قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ أي تلك التذكرة معدة في هذه الصحف المكرمة، والمراد من ذلك تعظيم حال القرآن والتنويه بذكره والمعنى أن هذه التذكرة مثبتة في صحف. والمراد من «الصحف» قولان: الأول: أنها صحف منتسخة من اللوح مكرمة عند الله تعالى مرفوعة في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أيدي الشياطين، أو المراد مطهرة بسبب أنها لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة. قوله: ﴿سَفَرَة﴾ جمع سافر وهو الكاتب ومثله كاتب وكتبة، وسفرت بين القوم أسفر سفارة أصلحت بينهم قال: ٥١٠٧ - ج - فَمَا أدَعُ السِّفارةَ بَيْنَ قَومي ... ولا أمْشِي بغِشٍّ إن مَشَيْتُ وسفرت المرأة: كشفت نقابها. وقوله: ﴿كِرَامٍ﴾ هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، وروى الضحاك عن ابن عباس في «كِرامٍ» قال: يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته أو تَبَرَّزَ لغائطهِ. وقيل: يُؤثِرُون منافعَ غيرهم على منافع أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿بَرَرَةٍ﴾ جمع بارّ، مثل: كافرٍ وكفرةٍ، وساحرٍ وسحرةٍ وفاجرٍ وفجرةٍ، يقال: برٌّ وبارٌّ، إذا كان أهلاً للصِّدقِ، برَّ فلان في يمينه أي: صدق،

стр. 12470

وفلان يَبِرُّ خالقهُ ويتبرَّرهُ: أي: يُطِيعهُ، فمعنى «بررة» أي: مطيعين لله صادقين الله في أعمالهم. فصل في المراد بالسفرة قال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقتضي أن طهارة تلك الصحف إنما حصلت بأيدي هؤلاء السَّفرة، فقال القفالُ في تقريره: لمَّا كان لا يمسُّها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من يمسُّها. وقال القرطبي: إن المراد بقوله - تعالى - في سورة «الواقعة» : ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] أنهم الكرام البررة في هذه السورة.

стр. 12471

قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ . أي: لُعِنَ. وقيل: عُذِّبَ، والإنسان: الكافرُ. روى الأعمشُ عن مجاهدٍ قال: ما كان في القرآن من قتل الإنسان، فإن ما عني به الكافر. قال النحويون: وهذا إما تعجبٌ، أو استفهام تعجبٍ. قال ابن الخطيب: اعلم أنَّه - تعالى - لما ذكر ترفُّع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب [عباده] المؤمنين من ذلك، فكأنَّه قيل: وأيُّ سببٍ في هذا الترفُّع مع أنَّه أوله نطفة مَذِرَة، وآخره جِيفةٌ قذرةٌ، وهو فيما بين الوقتين حمال عذرة، فلا جرم أن يذكر - تعالى - ما يصلُح أن يكون علاجاً لعجبهم، وعلاجاً لكفرهم فإنَّ خلقة الإنسان تصلُح لأن يستدلّ بها على وجود الصانع، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر. قيل: نزلت في عتبةَ بنِ أبي لهبٍ، والظاهر العموم. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان﴾ دعاء عليه بأشدِّ الأشياءِ؛ لأنَّ القتل غاية شدائدِ الدُّنيا، و ﴿مَآ أَكْفَرَهُ﴾ ، تعجُّبٌ من إفراطهِ في كفرانِ نعمةِ اللهِ. فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز، والقادر على الكُلِّ كيف يليق به

стр. 12472

ذلك؟ والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشَّيء، فالعالمُ به كيف يليق ذلك بِهِ؟ . فالجواب: أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب، لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب، حيث أتوا بأعظم القبائحِ كقولهم إذا تعجَّبُوا من شيءٍ قاتلهُ اللهُ ما أخَسّه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا. وقيل: ما أكفرهُ بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه، والاستفهام بقوله: ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾ قيل: استفهامُ توبيخٍ، أي: أيُّ شيءٍ دعاهُ إلى الكفر. وقيل: استفهام تحقير، له، فذكر أوَّل مراتبه، وهو قوله تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ، ولا شك أن النطفة شيءٌ حقيرٌ مهينٌ، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر، وقوله: «فقدَّره» اي: أطواراً. وقيل: سوَّاه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف: ٣٧] ، وقدَّر كُلَّ عُضوٍ في الكيفيَّة والكميَّة بالقدر اللائق لمصلحته، لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢] ، ثُمَّ لما ذكر المرتبة الوسطى قال تعالى: ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾ . قيل: المراد: تيسير خروجه من بطنِ أمِّه، ولا شكَّ أن خروجه حيًّا من أضيقِ المسالك من أعجب العجائبِ، يقالُ: إنه كان رأسه في بطن أمه من فوقٍ، ورجلاهُ من تحتٍ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام، المراد منه قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] ، أي: التمييز بين الخير والشرِّ. وقيل: مخصوصٌ بالدين. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾ . يجوز أن يكون الضمير للإنسان، والسبيل ظرف، أي: يسر للإنسان الطريق، أي: طريق الخير، والشر، كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] . وقال أبو البقاء: ويجوز أن ينتصب بأنَّه مفعولٌ ثانٍ ل «يسره» ، والهاء للإنسان، أي: يسره السبيل، أي: هداه له. قال شهاب الدين: فلا بد من تضمينه معنى «أعْطَى» حتى ينصب اثنين، أو حُذف حرف الجر أي: يسَّره للسَّبيل، ولذلك قدره بقوله: «هَداه له» ، ويجوز أن يكون «السَّبيل» منصوباً على الاشتغالِ بفعلٍِ مقدرٍ، والضمير له، تقديره: ثم يسِّر السبيل يسَّره، أي: سهلهُ للناس، كقوله تعالى: ﴿أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] ، وتقدَّم مثله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾ [الإنسان: ٣] .

стр. 12473

فصل في تفسير الآية روي عن ابن عباس ﵄ ومجاهدٍ قالا: سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد: سبيل الإسلام، وقال أبو بكر بن طاهر: يسّر على كلّ أحد ما خلقهُ لهُ وقدره عليه، لقوله ﵊ ُ: «اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ» . قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ هذه المرتبة الثالثة، أي: جعل له قبراً يوارى فيه يقال: قبرهُ إذا دفنه، وأقبرهُ، أي: جعلهُ بحيث يقبر، وجعل له قبراً إكراماً له، ولم يجعله ممَّن يُلْقَى على وجه الأرض تأكله الطير. قاله الفراء. قال أبو عبيدة: «أقْبَرَهُ» جعل له قبراً، وأمرَ أن يقبر، والقَابِرُ: هو الدَّافن بيده؛ قال: الأعشى: [السريع] ٥١٠٨ - لَوْ أسْندَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِهَا ... عَاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قَابرِ يقال: قبرت الميت «أي» دفنته، وأقبره الله أي: صيَّرهُ بحيثُ جعل لهُ قبراً. وتقول العرب: بترت ذنب البعير وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله وطردت فلاناً، والله أطرده، أي: صَيَّره طريداً. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ . أي: أحياه بعد موته، ومفعول شاء محذوف، أي: شاء إنشارهُ، و «أنشره» جواب «إذا» . وقرأ العامة: «أنْشَرَ» ، بالألف. وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب عن ابن أبي حمزة: «نَشَرهُ» ثلاثياً بغير ألف. ونقلها أبو الفضل أيضاً، وقال: هما لغتان بمعنى الإحياء. قال ابن الخطيب: وإنَّما قال: «إذا شَاءَ أنشرهُ» إشعاراً بأنَّ وقته غير معلوم، فتقديمه وتأخيره موكولٌ إلى مشيئة الله تعالى.

стр. 12474

قوله تعالى: ﴿كَلَاّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ «كلَاّ» : ردعٌ للإنسان عن تكبُّره، وترفعه، وعن كفره، وإصراره عن إنكار التوحيد، وعلى إنكار البعث، والحشر والنشر وقوله تعالى: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: لا يقضي أحدٌ جميع ما أمر به، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفكُّ عن تقصير ألبتَّة. قال ابن الخطيب: وعندي في هذا التفسير نظر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى المذكور السَّابق وهو الإنسان في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ وليس المراد من الإنسان هنا: جميع الإنسان، بل الإنسان الكافر، فقوله تعالى: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ ، كيف يمكن حمله على جميع الناس؟ . وقال ابن فورك: كلَاّ لما يقض الله ما أمره، [كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر، بل أمره بما لم يقض له به وكان ابن عباس ﵄ يقول لما يقض ما أمره] : لم يبال بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم ﵊ ُ -. وقيل: المعنى: إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التَّأمُّلِ في دلائل الله تعالى، والتَّدبُّر في عجائب خلقه. قوله: «ما أمره» ، «ما» : موصولة. قال أبو البقاء: بمعنى «الذي» ، والعائد محذوف، أي: ما أمره به. قال شهابُ الدين: وفيه نظر، من حيثُ إنَّه قدر العائد مجروراً بحرف لم يجر الموصول، ولا أمره به، فإن قلت: «أمر» يتعدى إليه بحذف الحرف، فاقدره غير مجرور. قلت: إذا قدرته غير مجرور فإمَّا أن تُقدِّره متصلاً أو منفصلاً، وكلاهما مشكل، لما تقدم في أول «البقرة» عند قوله تعالى: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] . وقال الحسن: «كلَاّ» معناه: «حقًّا» ، «لما يقض» : أي: لم يعمل بما أمره به. قال القرطبي: و «ما» في قوله: «لما» عماد للكلام، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] .

стр. 12475

وقال ابن الأنباريِّ: الوقف على «كلَاّ» قبيح، والوقف على «أمره» و «نشره» جيد، ف «كلا» على هذا بمعنى حقًّا.

стр. 12476

قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ . قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ عادة الله - تعالى - جارية في القرآن الكريم، كلما ذكر دلائل الأنفس يذكر عقبها دلائل الآفاق، فبدأ - هاهنا - بما يحتاج الإنسان إليه. واعلم أنَّ النَّبْتَ إنَّما يحصل من القَطْرِ النازل من السماء الواقع في الأرض، فالسماء كالذَّكر، والأرض كالأنثى، فبيَّن نزول السماء إلى الأرض بقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء﴾ . وقال القرطبي: لمَّا ذكر تعالى ابتداء خلقِ الإنسان، ذكر ما يسَّر من رزقه، أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاشِ ليستعد بها للمعاد، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، والتدبر. قال الحسنُ ومجاهدٌ: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ أي: إلى مدخله ومخرجه. روى الضحاكُ بنُ سفيان الكلابي، قال: قال رسول الله ﷺ َ: «» يَا ضحَّاكُ، ما طَعامُكَ «؟ قلت: يا رسول الله، اللَحْمُ واللَّبنُ، قال:» ثُمَّ يصيرُ إلى مَاذَا «؟ قلت: إلى ما قد علمتهُ، قال:» فإنَّ الله - تعالى - ضَرَبَ مَا يَخْرجُ مِنْ ابْنِ آدمَ مثلاً للدُّنْيَا «» . وقال أبو الوليد: سألت ابن عمر ﵁ عن الرجل يدخل الخلاء، فينظر ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك فيقول: انظر ما بخلت به إلى ما صار. واعلم أنَّ الطعام الذي يتناوله الإنسان له حالتان: إحداهما متقدمة، وهي التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود.

стр. 12477

والحالة الثانية متأخرة وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان، حتى يحصل الانتفاع بذلك الطعام، فلما كانت الحالة الأولى أظهر للحسِّ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكرها. قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً﴾ . قرأ الكوفيون: «أنَّا» بفتح الهمزة غير ممالة. والباقون: بالكسر. والحسين بن علي: بالفتح والإمالة. فأمَّا الفراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من «طَعامه» ، فيكون في محل جر، واستشكل بعضهم هذا الوجه، ورد بأنه ليس بواضح. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ، بمعنى أنَّ صبَّ الماء سبب في إخراج الطَّعام، فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، وقد نحا مكيٌّ إلى هذا فقال: لأن هذه الأشياء مشتملة على الطعام ومنها يتكون، لأنَّ معنى «إلى طعامهِ» إلى حدوث طعامه كيف يتأتى، فالاشتمال في هذا إنما هو من الثاني على الأول؛ لأن الاعتبار إنَّما هو في الأشياء التي يتكون منها الطعام لا في الطعام نفسه. والوجه الثاني: أنها على تقدير لام العلَّة، أي فلينظر لأنا، ثم حذف الخافض فجرى الخلاف المشهور في محلها. قال القرطبيُّ: ف «أنّا» في موضع خفضٍ على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنًّه قال: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ إلى «أنَّا صببنا» ، فلا يحسن الوقف على «طعامه» في هذه القراءة. والوجه الثالث: أنَّها في محل رفعٍ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أنَّا صَببنَا، وفيه ذلك النظر المتقدم؛ لأنَّ الضمير إن عاد على الطعام، فالطعام ليس هو نفس الصب، وإن عاد على غيره، فهو غير معلوم، وجوابه ما تقدم. وأما القراءة الثانية: فعلى الاستئناف تقديراً لنعمه عليه. وأما القراءة الثالثة: «أنَّى» التي بمعنى: «كَيْفَ» ، وفيها معنى التَّعجُّب، فهي على هذه القراءة كلمة واحدة، وعلى غيرها كلمتان.

стр. 12478

قال القرطبي: فمن أخذ بهذه القراءة، قال: الوقف على «طعامه» تام، ويقال: معنى «أنَّى» : أين، إلَاّ أنَّ فيها كناية عن الوجوه، وتأويلها: من أي وجهٍ صببنا؛ قال: الكميت: [المنسرح] ٥١٠٩ - أنَّى، ومِنْ أيْنَ آبَكَ الطَّربُ ... مِنْ حَيْثُ لا صبْوةُ ولا رَيبُ فصل في المراد بصبّ الماء قوله: ﴿صَبَبْنَا المآء صَبّاً﴾ ، يعني: الغيث والأمطار، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ أي: بالنبات ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً﴾ أي: قَمْحاً وشعيراً وسلقاً، وسائر ما يحصد ويدخر، وإنما قدم ذلك لأنها كالأصل في الأغذية، «وعِنَباً» وإنما ذكره بعد الحب؛ لأنه غذاء من وجه، وفاكهة من وجه. قوله: ﴿وَقَضْباً﴾ : القَضْبُ هنا، قال ابن عباس: هو الرطبُ، لأنه يقضب النخل، أي: يقطع، ورجَّحه بعضهم بذكره بعد العنب، وكثيراً ما يقترنان. وقيل: القت. قال القتيبي: كذا يسميه أهلُ «مكة» . وقيل: كُل ما يُقْضَبُ من البُقولِ لبني آدمَ. وقيل: هو الرَّطبةُ، والمقاضب: الأرض التي تنبتها. قال الراغب: والقَضْبُ: كالقضيب، لكن القضيب يستعمل في فروع الشجر، والقضبُ يستعمل في البقل، والقَضَبُ: أي بالفتح قطع القَضْب والقضيب، وعنه ﷺ َ أنه كان إذا رأى في ثوبٍ تصليباً قضبه، وسيفٌ قاضبٌ وقضيبٌ، أي: قاطعٌ، فالقضيب - هاهنا - بمعنى: الفاعل، وفي الأول: بمعنى المفعول، وكذا قولهم: ناقة قضيب، لما تركب من بين الإبل ولما ترض , وفي الأول: بمعنى المفعول , وكذا قولهم: ناقة قضيب , لما تركب من بين الإبل ولما ترض , ويقال لكل ما لم يهذب: مقتضب، ومنه اقتضاب الحديث، لما لم يترو فيه. وقال الخليل: القَضْبُ: أغصان الشجرة التي يتّخذ منها سهامٌ أو قسيٌّ. وقال ابن عباس: إنه الفصفصة، وهوالقتّ الرطب.

стр. 12479

وقال الخليل: القَضْبُ: الفصفصة الرطبة. وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قتّ. قوله: ﴿وَزَيْتُوناً﴾ . وهي: شجرة الزيتون، ﴿وَنَخْلاً﴾ يعني: النخيل. قوله: ﴿وَحَدَآئِقَ غُلْباً﴾ . جمع «أغلبَ وغلبَاء» ك «حُمْر» في «أحْمرَ، وحَمْراءَ» ، يقال: حديقة غلباء، أي: غليظة الشجر ملتفة، واغلولب العشب أي: غلظ، وأصله في وصف الرقاب يقال: رجل أغلب، وامرأة غلباء، أي: غليظة الرقبة. قال عمرو بن معديكرب: [الكامل] ٥١١٠ - يَسْعَى بِهَا غلْبُ الرِّقابِ كأنَّهُمْ ... بُزلٌ كُسينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعاً؛ قال العجاج: [الرجز] ٥١١١ - مَا زِلْتُ يَوْمَ البَيْنِ ألْوِي صُلْبِي ... والرَّأسَ حتَّى صِرْتُ مِثْلَ الأغلبِ والغلبة: القهر؛ أن يُنال وتصيب عليه رقبته، هذا أصله، وحديقة غلباء: ملتفة، وحدائق غلب، وقال ابن عباس: الغلب جمع أغلب، وغلباء، وهي الغِلاظ، وعنه أيضاً: الطوال. وقال قتادةُ: وابنُ زيدٍ: الغلبُ: النَّخْلُ الكرامُ. وعن ابن زيدٍ أيضاً وعكرمةَ: عظام الأوساط، والجذوع. وقال مجاهد: ملتفة. وتقدم الكلام على الحدائق في سورة «النمل» . قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ . الفاكهةُ: ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، كالتين، والخوخ، وغيرهما. قال ابن الخطيب: وقد استدلَّ بعضهم بأنَّ الله - تعالى - لمَّا ذكره الفاكهة بعد ذكر العنبِ، والزيتونِ، والنخل، وجب ألا يدخل هذه الأشياء في الفاكهة، وهذا أقربُ من جهة الظاهر؛ لان المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

стр. 12480

وأمَّا الأبُّ: فقيل: الأبُّ للبهائم بمنزلة الفاكهة للنَّاس. وقيل: هو مطلق المرعى. قال الشاعر يمدحُ النبي ﷺ َ: [الطويل] ٥١١٢ - لَهُ دَعْوةٌ مَيْمُونةٌ رِيحُهَا الصَّبا ... بِهَا يُنْبِتُ اللهُ الحَصِيدةَ والأبَّا وقيل: سمي المرعى أبًّا؛ لأنه يؤبُّ، أي: يؤم وينتجع، والأبُّ والأمُّ بمعنى؛ قال الشاعر: [الرمل] ٥١١٣ - جِذمُنَا قَيْسٌ ونَجْدٌ دَارُنَا ... ولنَا الأبُّ بِهِ والمُكْرَعُ وأبُّ لكذَا يَؤبُّ ابًّا، وأبَّ إلى وطنه، إذا نَزعَ الشيء نزوعاً: تهيَّأ لقصدهِ، وهكذا أب بسيفه: أي: تهيَّأ لسله، وقولهم: «إبان ذلك» هو فعلان منه، وهو الشيء المتهيِّئ لفعله ومجيئه، وقيل: الأبّ: يابس الفاكهة لأنها تؤب للشتاء، أي تعد. وقيل: الأبُّ ما تأكله البهائمُ من العُشْبِ. قال ابنُ عباسٍ والحسن: الأبُّ، كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وما يأكله الآدميون، هو: «الحصيد» . وعن ابن عباس وابن أبي طلحة: الأبُّ، الثِّمارُ الرَّطبةُ. وقال الضحاك: هو التِّينُ خاصَّةً. وهو محكي عن ابن عباس أيضاً. وقيل: الأب الفاكهة رطب الثمار ويابسها. وقال إبراهيم التيمي: سُئل أبُو بكر الصديقُ ﵁ عن تفسير الفاكهة والأبِّ، فقال: أيُّ سماءٍ تظلني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ هذه الآية، ثم قال: كل هذا عرفناه فما الأبُّ؟ ثم رفع عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله التكليف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدري ما الأبُّ؟ . ثم قال: اتَّبعوا ما بين لكم في هذا الكتاب، وما لا فدعوه.

стр. 12481

وروي عن النبي ﷺ َ قال: «خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، ورُزقتُمْ مِنْ سَبعٍ فاسجُدُوا للهِ على سَبْعٍ» . وإنما أراد بقوله ﵊ ُ: «خُلِقْتُمْ مِنَ سَبْعٍ» يعني: ﴿مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾ [الحج: ٥] الآية. والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً﴾ إلى قوله «وفاكهة» ثم قال: «وأبًّا» وهو يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنَّه مما تختص به البهائم، والله أعلم. قوله: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ﴾ : نصب على المصدر المؤكد؛ لأن إنبات هذه الأشياء متاعٌ لجميع الحيوانات، واعلم أنه - تعالى - لما ذكر ما يغتذي به الناس والحيوان، قال جل من قائل: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ . قال الفراء: جعلناه منفعة لكم ومتعة لكم ولأنعامكم، وهذا مثلٌ ضربه الله لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دُثُوره كما تقدم بيانه في غير موضع.

стр. 12482

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ : وهي الصَّيحةُ التي تصخُّ الآذان، أي: تصمها لشدة وقعتها. وقيل: هي مأخوذة من صَخّهُ بالحجر أي: صَكَّهُ به. وقال الزمخشري: «صخَّ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخَّة مجازاً؛ لأن النَّاس يصخُّون لها» . وقال ابن العربي: الصاخَّة: التي تورث الصَّممَ، وإنَّها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة؛ كقول الشاعر: [البسيط] ٥١١٤ - أصمَّنِي سِرُّهُمْ أيَّام فُرقتِهِمْ ... فَهل سَمِعتُمْ بِسرِّ يُورِثُ الصَّمَمَا وقال آخر: [الطويل]

стр. 12483

٥١١٥ - أصَمَّ بِكَ النَّاعِي وإنْ كَانَ أسْمَعَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وجواب «إذا» محذوف، يدل عليه قوله: «لكُلِّ امرئٍ مِنهُمْ يومئذٍ شأنٌ يُغنِيهِ» . والتقدير: فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه. فصل في تعلق الآية لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، والإنفاق مما امتن به عليهم. وقال ابنُ الخطيب: لمَّا ذكر تعالى هذه الأشياء، وكان المقصود منها أمور ثلاثة: أولها: الدلائل الدالة على التوحيد. وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرَّد عن طاعته، وأن يتكبَّر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكِّد لهذه الأغراض، وهو شرح [أهوالِ الآخرةِ] ، فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل، والإيمان بها، والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبُّر على الناس، وإلى إظهار التواضع فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ يعني: صيحة القيامةِ، وهي النفخة الأخيرةُ، تصخُّ الأسماع أي: تصمُّها، فلا تسمع إلا ما يدعى به الأحياء. قال رسول الله ﷺ َ: «مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا وهِيَ مُصِيخَةٌ يوْمَ الجُمعَةِ شفقاً مِنَ السَّاعَةِ إلَاّ الجنِّ والإنسَ» . قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء﴾ بدل من «إذا» ، ولا يجوز أن يكون «يغنيه» عاملاً، في «إذا» ، ولا في «يوم» ؛ لأنه صفة ل «شأن» ولا يتقدم معمول الصِّفة على موصوفها. والعامة على «يغنيه» من الإغناءِ.

стр. 12484

وابن محيصن والزهري، وابنُ أبي عبلة وحميدٌ، وابن السميفع: «يعنيه» بفتح الياء والعين المهملة من قولهم: عناني في الأمر، أي: قصدني. فصل في معنى الآية قوله: «يَفِرُّ» ، أي: يهرب في يوم مجيء الصاخَّةِ، «مَنْ أخِيْهِ» أي: من مُوالاةِ أخيهِ، ومُكالمتهِ لأنه مشتغل بنفسه، لقوله بعده: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ، أي: يشغلهُ عن غيره. وقيل: إنَّما يفرّ حذراً من مطالبتهم إياه بالتبعات، يقول الأخُ: ما واسيتنِي بمالك، والأبوان يقولان: قصرت في برنَا، والصاحبة تقول: أطمعتني الحرامَ، والبنون يقولون: ما علمتنا. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئاً، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ [الدخان: ٤١] . وقال عبد الله بن طاهر: يفرُّ منهم لمَّا تبين له عجزهم، وقلّة حيلتهم. وذكر الضحاك عن ابن عباس، قال: يفر قابيلُ من أخيه هابيل، ويفرُّ النبي من أمِّه، ويفرُّ إبراهيمُ من أبيه، ونوحٌ من ابنه، ولوطٌ من امرأتهِ، وآدمُ من سوءةِ بنيهِ. قال ابنُ الخطيب: المراد: أن الذين كان المرء يفرُّ إليهم في دار الدنيا، ويستجيرُ بهم، فإنه يفرُّ منهم في دار الآخرة، وذكروا في فائدة الترتيب كأنَّه قيل: ﴿يَوْمَ يفرُّ المَرْءُ من أخِيهِ﴾ ، بل من أبويه، فإنهما أقرب من الأخوين، بل من الصَّاحبة والولد؛ لأنَّ تعلُّق القلب بهما أشد من تعلُّقه بالأبوين. ثم لمَّا ذكر الفِرارَ أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . قال ابن قتيبة: «يغنيه» أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغْنِ عنِّي وَجْهَكَ، أي: اصرفه. وقال أهل المعاني: إنَّ ذلك الهم الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهمّ آخر، فصار شبيهاً بالغني في أنه ملك شيئاً كثيراً. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ . لما ذكر تعالى حال يوم القيامة في الهول بيَّن أن المكلفين فيه على قسمين: سعداء، وأشقياء، فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ أي: مضيئة مشرقة، وقد علمت ما لها من الفوز، والنعيم، من أسفر الصبح: إذا أضاء، وهي وجوه المؤمنين «ضاحكةٌ» أي: مسرورة فرحة.

стр. 12485

قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب ﴿مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: بما آتاها الله تعالى من الكرامة. وقال عطاءُ الخراسانيُّ: «مسْفِرةٌ» من طول ما اغبرت في سبيل الله. وقال الضحاكُ: من آثار الوضوء. وقال ابن عباس ﵁: من قيامِ اللَّيل، لقوله ﵊ ُ: «مَنْ كَثُرتْ صلاتُه باللَّيلِ حسُنَ وجههُ بالنَّهارِ» . قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ . قال المبرد: «الغَبَرةُ» الغبارُ، والقترةُ: سوادٌ كالدُّخان. وقال أبو عبيدة: القترُ في كلام العرب: الغبارُ، جمع القترة؛ قال الفرزدقُ: [البسيط] ٥١١٦ - مُتَوجٌ بِرداءِ المُلكِ يَتْبعهُ ... مَوْجٌ تَرى فَوقَهُ الرَّاياتِ والقَتَرَا وفي عطفه على الغبرة ما يرد هذا إلا أن يقال: اختلف اللفظ فحسن العطف، كقوله: [الوافر] ٥١١٧ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... كَذِبًا ومَيْنَا وقوله: [الطويل] ٥١١٨ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... . . النَّأيُ والبُعْدُ وهو خلاف الأصل، وفي الحديث: «إنَّ البَهَائِمَ إذَا صَارتْ تُراباً يَوْمَ القِيَامَةِ حُولَ ذلِكَ التُّرابُ في وُجوهِ الكُفَّارِ» . وقال زيدُ بن أسلمَ: القترةُ: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرةُ: ما انحطت إلى الأرض، والغُبَار والعبرةُ واحدٌ.

стр. 12486

قال ابن عباس: «تَرْهَقُهَا» أي: تغشاها، «قَتَرةٌ» أي: كسوفٌ وسواد. وعنه - أيضاً -: ذلَّةٌ وشدَّةٌ. وقيل: تَرهقُهَا، أي: تدركها عن قُرب، كقولك: رَهقَتْهُ الخيل إذا أدركته مسرعة، والرَّهْقُ: عجلة الهلاك، القترةُ: سواد كالدُّخان، ولا يرى أوحشُ من اجتماع الغبار والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا غبرت، فجمع الله - تعالى - في وجوههم بين السواد، والغبرة، كما جمعوا بين الكفر، والفجور، والله أعلم. والعامة: على فتح التاء في «قَتَرة» ، وأسكنها ابن أبي عبلة. قوله: ﴿أولئك هُمُ الكفرة﴾ : جمع كافِر، «الفَجرَةُ» : جمع فَاجِر، وهو الكاذبُ المُفتَرِي على الله تعالى. وقيل: الفَاسقُ: يقال: فَجَرَ فُجُوراً، أي: فسَقَ، وفَجرَ: أي: كذبَ. وأصله الميل، والفاجر المائل. روى الثعلبي عن أبيٍّ ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿عَبَسَ وتولى﴾ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ ووجْههُ ضَاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ» .

стр. 12487

سورة التكوير

стр. 12488

مكية، وهي تسع وعشرون آية، ومائة وأربع كلمات، وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ : في ارتفاع الشمس وجهان: أصحهما: أنها مرفوعة بفعل مقدر مبني للمفعول، حذف وفسَّره ما بعده على الاشتغال، والرفع على هذا الوجه، أعني: إضمار الفعل واجبٌ عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون أن يليها غيره، ويتَأوَّلُون ما أوهمَ خلافَ ذلكَ. والثاني: أنَّها مرفوعة بالابتداء، وهو قول الكوفيين، والأخفش، لظواهر جاءت في الشعر، وانتصر له ابن مالك. قال الزمخشري: ارتفاع «الشمس» على الابتداء، أو الفاعليَّة؟ . قلت: بل على الفاعلية ثم ذكر نحو ما تقدم، ويعني بالفاعلية: ارتفاعها بفعل الجملة، وقد مرَّ أنَّهُ يسمي مفعول ما لم يسم فاعله فاعلاً، وارتفاع «النجوم» وما بعدها، كما تقدَّم في «الشمس» . فصل في تفسير معنى التكوير قد تقدَّم تفسير التَّكوير في أول «تنزيل» .

стр. 12489

قيل: التَّلفيف على جهةِ الاستدارة، كتكوير العمامة. وفي الحديث: «نعُوذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعدَ الكَوْرِ» ، أي: من التشتت بعد الألفة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها. والحَوْرُ: بالحاء المهملة والراء؛ الطيُّ واللَّف، والكورُ والتَّكويرُ واحدٌ. وسميت كارَّة القصار: كارة؛ لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد. ثم إن الشيء الذي يلفّ يصير مختفياً عن الأعين، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس، وغيبوبتها عن الأعين ب «التكوير» . فلهذا قال ابن عباسٍ ﵄: تكويرها: إدخالها في العرش. وقال الحسنُ: ذهاب ضوئها، وهو قول مجاهدٍ وقتادة. وروي عن ابن عباس أيضاً وسعيد بن جبير: غورت. وقال الرًّبيعُ بنُ خيثمٍ: «كُوِّرتْ» : رمي بها. ومنه كورته فتكور: أي: سقط. قال الأصمعي: يقال: طعنه فكوَّره وحوره أي: صرعه. فمعنى «كورت» : أي: ألقيت ورميت عن الفلك. وعن أبي صالح: «كورت» نكست. وقال ابن الخطيب: وروي عن عمر ﵁ أن لفظة «كُوِّرتْ» مأخوذةٌ من الفارسية، فإنه يقال للأعمى: كور. قوله: ﴿وَإِذَا النجوم انكدرت﴾ أي: تناثرت وتساقطت. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ [الانفطار: ٢] والأصل في الانكدار: الانصباب. قال الخليل: انكدر عليهم القول إذا جاءوا أرسالاً، وانصبوا عليهم. وقال أبو عبيدة: انصبّ كما ينصب العقاب إذا كسرت؛ قال العجاجُ يصفُ صقراً: [الرجز]

стр. 12490

٥١١٩ - أبْصَرَ خِرْبَانَ فضَاءٍ فانْكَدرْ ... تَقضِّيَ البَازِيَ إذَا البَازِي كَسَرْ روى ابن عباس ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ َ: «لا يَبْقَى في السَّمَاءِ يَوْمَئذٍ نَجمٌ إلَاّ سَقطَ في الأرْضِ» . وروي ابن عباس ﵄: أن النجوم قناديلُ معلقةٌ بين السماء والأرض بسلاسلَ من نور بأيدي الملائكة، فإذا مات من في السموات، ومن في الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. قال القرطبي: «ويحتمل أن يكون» انكدارها «: طمسَ آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. وعن ابن عباس - أيضاً -:» انْكَدرَتْ «: تغيَّرت، فلم يبق لها ضوءٌ لزوالها عن أماكنها، والمعنى متقارب. قوله: ﴿وَإِذَا الجبال سُيِّرَتْ﴾ ، يعني: قطعت عن وجه الأرض وسيرت في الهواء، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] ، وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ: ٢٠] في الهواء، لقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ [النمل: ٨٨] . وقيل: سيرها أن تحوَّل عن صفة الجبال للحجارة، فتكون كثيباً مهيلاً، أي: رملاً سائلاً، وتكون كالعِهْن، وتكون هباءً منبثاً، وتكون مثل السَّراب الذي ليس بشيءٍ، وعادت الأرض قاعاً صفصفاً، ﴿لَاّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٧] . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا العشار عُطِّلَتْ﴾ . العشار: جمع عشراء، وهي: الناقة التي مر لحملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع في تمام السَّنة وكذلك يقال في جمع نفساء. قال القرطبي: وهو اسمها بعد ما تضع أيضاً، ومن عادة العرب أن يسمُّوا الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه وقد قرح: قربوا مهري يسميه بمتقدم اسمه، وإنَّما خصَّ العشار بالذكر؛ لأنَّها أعزُّ ما يكون عند العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، أو المعنى: أنَّ يوم القيامة بحالٍ لو كان للرجل ناقة عشراء لعطَّلها، واشتغل بنفسه، يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوتانِ، ونوقٌ عشارٌ وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واواً.

стр. 12491

وقد عشرت الناقة تعشيراً: أي: صارت عشراء. وقيل:» العِشَارُ «: السَّحاب، و» عطلت «: أي: لا تمطر. والعرب تشبه السحاب بالحامل، قال تعالى: ﴿فالحاملات وِقْراً﴾ [الذاريات: ٢] . وقيل: الأرض تعطل زرعها. والتعطيل: الإهمال، ومنه قيل للمرأة: عاطل إذا لم يكن عليها حُليّ. وتقدم في» بئر معطلة «. قال امرؤ القيس: [الطويل] ٥١٢٠ - وجيدِ كَجيدِ الرِّئمِ لَيْسَ بفَاحِشٍ ... إذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطِّلِ وقرأ ابنُ كثير في رواية:» عُطِلت «بتخفيف الطاء. قال الرازي: هو غلطٌ، إنما هو بفتحتين، بمعنى:» تعطَّلتْ «؛ لأن التشديد فيه للتعدي، يقال: عطلت الشيء، وأعطله فعطل. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ ، الوحوش: ما لم يتأنس به من حيوان البرّ، والوحشُ أيضاً: المكان الذي لا أنس فيه، ومنه: لقيته بوحش أي: ببلد قفر، والوحشُ: الذي يبيت وجوفه خالياً من طعامٍ، وجمعه: أوحاشٌ، وسمِّي به المنسوب إلى المكان الوحشيّ: وحشي، وعبر بالوحشيّ عن الجانب الذي يضاد الإنسي، والإنسي: ما يقبل من الإنسان وعلى هذا وحشي الفرس وإنسيه. وقوله تعالى: ﴿حُشِرَتْ﴾ . أي: جمعت، والحشرُ: الجمع قاله الحسنُ وقتادةُ وغيرهما. وقال ابن عباس ﵄: حشرها موتها، رواه عكرمة، وحشر كلِّ شيءٍ: الموت لغير الجن والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس ﵄ قال: يحشَرُ كلُّ شيءٍ حتى الذباب. وعن ابن عباس - أيضاً -: يحشر الوحوش غداً، أي: تُجمع، حتى يقتصّ لبعضها من بعض، فيقتص للجمَّاء من القرناء ثم يقال لها: كوني تراباً فتموت.

стр. 12492

وقرأ الحسن وابن ميمون: «حُشِّرت» بتشديد الشين. ومعنى الآية: أي: أنَّ الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم؟ . وقيل: أي: أنَّها مع نفرتها اليوم من النَّاس، وتبددها في الصحاري، تنضمّ غداً إلى الناس من أهوال ذلك اليوم؛ قاله أبي بن كعب. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ . قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ: «سُجِرتْ» بتخفيف الجيم. والباقون: بتثقيلها على المبالغة والتنكير. والمعنى: مُلئتْ من الماء، والعرب تقول: سجرتُ الحوضَ أسجره سجراً إذا ملأتهُ، وهو مسجورٌ، والمسجورُ والسَّاجرُ في اللغة: المَلآن. وروى الربيع بن خيثمٍ: «سُجِّرَت» : فاضت وملئت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣] . وقال الحسن: اختلطت وصارت شيئاً واحداً. وقيل: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. وقال القشيريُّ: يرفع الله الحاجز الذي ذكره - تعالى - في قوله: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَاّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ، فإذا رفع ذلك البرزج تفجَّرت مياه البحار، فعمَّت الأرض كلَّها، وصارت بحراً واحداً. وعن الحسن وقتادة وابن حيان: تيبس، فلا يبقى من مائها قطرةٌ. قال القشيريُّ: وهو من سجرتُ التنور أسجره سجراً: إذا أحميته، وإذا سلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرُّطوبة، وتقدم اشتقاق هذه المادة. قال القفالُ: وهذا التأويل يحتمل وجوهاً: الأول: أن تكون جهنم في قعر البحار، فهي الآن غير مسجرة بقوام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تعالى تأثير ذلك النِّيران إلى البِحَار، فصارت مسجورة

стр. 12493

بالكلية، وهذا قولُ ابن زيد، وعطية، وسفيان، ووهب، وأبيّ، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس في رواية، والضحاك ﵃ أوقدت فصارت ناراً. الثاني: قال ابن عباس: يُكوِّر الله تعالى الشمس، والقمر، والنجوم في البحار، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك يبعث الله - تعالى -[لها] ريحاً دبوراً، فتنفخه حتى تصير ناراً، كذا جاء في الحديث. الثالث: أن يخلق الله - تعالى - تحت البحار نيراناً عظيمة حتى تسجر تلك المياه. قال ابن الخطيب: وهذه وجوه متكلِّفة، ولا حاجة إلى شيء منها؛ لأن القادر على تخريب الدنيا يقدر على أن يفعل في البحار ما شاء من تسجير مياهها، ومن قلب مياهها ناراً من غير حاجةٍ إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر، أو يكون تحتها نار جهنم. قال القرطبيُّ: وروي عن ابنِ عمرو ﵁: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال أبي بن كعب ﵁: ستّ آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذا ذهب ضوءُ الشمس، فتحيَّروا ودهشُوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذا تناثرت النجوم، وتساقطت، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت، واحترقت فصارت هباءً منبثاً، ففزعتِ الجنُّ إلى الإنسِ، وفزعتِ الإنسُ إلى الجنِّ، واختلط الدواب، والوحش، والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ ، ثم قالت الجنُّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجَّجُ، فبينما هم كذلك إذا تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذا جاءتهم ريح، فأماتتهم. وقال ابن الخطيب: وهذه العلامات يمكن أن تكون عند خراب الدنيا، وأن تكون بعد القيامة. وقيل: معنى «سُجِّرتْ» يحمر ماؤها حتى يصير كالدَّم، من قولهم: «عَيْنٌ سَجراءُ» . أي: حمراء.

стр. 12494

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ . العامة: على تشديد «الواو» من «زوَّجت» من التزويج. وروي عن عاصم: «زُوْوجَتْ» على وزن «فُوعِلتْ» . قال أبو حيان: «والمُفاعَلةُ» تكون من اثنين. قال شهابُ الدِّين: وهي قراءةٌ مشكلةٌ؛ لأنَّه لا ينبغي أن يلفظ بواو ساكنة، ثم أخرى مكسورة، وقد تقدم أنه متى اجتمع مثلان، وسكن أولهما وجب الإدغام حتى في كلمتين، ففي كلمة واحدة أولى. فصل في المراد بالآية قال النُّعمانُ بنُ بشيرٍ: قال النبي ﷺ َ: « ﴿وإذَا النُّفوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال:» يُقْرَنُ كُل رجُلٍ مَعَ كُلِّ قومٍ كَانُوا يَعْملُونَ كعَملهِ «» . قال عمر بن الخطاب ﵁: يقرن الفاجرُ مع الفاجر، ويقرن الصالحُ مع الصالحِ. وقال ابن عباس ﵁: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة: السَّابقون زوج صِنْفاُ، وأصحاب اليمين زوجٌ، وأصحاب الشِّمال زوجٌ. وعنه أيضاً قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحُورِ العينِ، وقُرِنَ الكفَّار والمنافقون بالشَّياطينِ. وقال الزجاجُ: قُرنَت النفوسُ بأعمالها. وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد أي: وقت ردت إليها قاله عكرمة.

стр. 12495

وقيل غير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ . الموءودة: هي البِنْتُ تدفنُ حيَّة من الوأد، وهو الثقل لأنها تثقل بالتراب والجندل. يقال: وأد يَئِدُ، ك «وعد» «يعِد» . وقال الزمخشري: «وأدَ يئد» ، مقلوب من «آد يئود» إذا أثقل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] ؛ لأنه إثقال بالتراب. قال أبو حيان: ولا يدعى ذلك؛ لأن كلاًّ منهما كامل التصرف في الماضي، والأمر، والمضارع والمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، وليس فيه شيء من مسوغات إدغام القلب، والذي يعلم به الأصالة من القلب أن يكون أحد النظمين فيه حكم يشهدُ له بالأصالةِ، والآخر ليس كذلك، أو أكثر استعمالاً من الآخر، وهذا على ما قرروهُ في أحكام علم التصريف. فالأول: ك «يَئِسَ وأيِسَ» . والثاني: ك «طَأمَن واطمَأنَّ» . والثالث: ك «شوائع وشواعي» . والرابع: ك «لعمري، ورعملي» . قرأ العامة: «الموءودة» بهمزة بين واوين ساكنتين كالموعودة. وقرأ البزي في رواية بهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة. وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون كقراءة الجماعة، ثم نقل حركة الهمزة إلى «الواو» قبلها، وحذفت الهمزة فصار اللفظ: «الموودة» بواو مضمومة، ثم أخرى ساكنة، فقلبت «الواو» المضمومة همزة، نحو «أجُوهٍ» في «وُجُوه» فصار اللفظ كما ترى، ووزنها الآن «مَفْعُولة» ؛ لأن المحذوف «عين» . والثاني: أن تكون الجملة اسم مفعول من «آدَهُ يئوده» مثل «قَادَه يَقُودُه» ، والأصل: «مأوودة» ، مثل: «مقوودة» ، ثم حذف إحدى الواوين على الخلاف المشهور في الحذف من نحو: «مَقُول، ومَصُون» ، فوزنها الآن إما «مَفعلة» ، إن قلنا: إنَّ المحذوف الواو الزائدة، وإمَّا «مَفولة» إن قلنا: إن المحذوف عين الكلمة، وهذا يظهرُ فضل علم التصريف. وقرأ الموودة - بضم الواو الأولى - على أنه نقل حركة الهمزة بعد حذفها، ولم يقلب الواو همزة.

стр. 12496

وقرأ الأعمش: «المودة» ، [بسكون الواو] ، وتوجيهه: أنه حذف الهمزة اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحذف ثانيهما، ووزنها «المُفْلَة» : لأن الهمزة عين الكلمة، وقد حذفت. وقال مكي: بل هو تخفيف قياسي، وذلك أنه نقل حركة «الهمزة» إلى «الواو» لم يهمزها، فاستثقل الضمة عليها فسكَّنها، فالتقى ساكنان، فحذف الثاني. وهذا كله خروج عن الظاهر. وإنما يظهر في ذلك ما نقله الفراء من أن حمزة وقف عليها كالموزة. قالوا: لأجل الخط لأنها رسمت كذلك، والرسم سُنة متبعة. والعامة على: «سُئِلَت» مبنياً للمفعول، مضموم السين. والحسن: يكسرها من سال يسال. وقرأ أبو جعفر: «قُتِّلتْ» - بتشديد التاء - على التكثير؛ لأن المراد اسم الجنس، فناسبه التكثير. وقرأ عليٌّ وابن مسعودٍ وابنُ عباسٍ ﵃ «سألَت» مبنياً للفاعل، «قُتِلتُ» بضم التاء الأخيرة والتي للمتكلم، حكاية لكلامها. وعن أبيّ وابن مسعودٍ - أيضاً - وابن يعمر: «سألتْ» مبنياً للفاعل، «قُتِلتْ» بتاء التأنيث الساكنة، كقراءة العامة. فصل في وأد أهل الجاهلية لبناتهم كانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما: كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فألحقٌوا البنات به؛ ﵎ عن ذلك. والثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وإمَّا خوفاً من السَّبْي والاسْترقَاقِ. قال ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخّضت على رأسها فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردَّت التراب عليها، وإن ولدتْ غلاماً حبسته، ومنه قول الراجز: [الرجز]

стр. 12497

٥١٢١ - سَمَّيْتُهَا إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ ... والقَبْرُ صِهْرٌ ضَامِنٌ زِمِّيتُ وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد إبقاء حياتها ألبسها جُبَّة من صوفٍ، أو شعرٍ، ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتُها ستة أشبار فيقول لأمّها: طيِّبيها، وزيَّنيها حتى أذهب بها إلى أقاربها [وقد حفر لها بئراً الصحراء] ، فيذهب بها إلى البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض. وكان صعصعة بن ناجية ممن يمنع الوأد؛ فافتخر الفرزدق به في قوله: [المتقارب] ٥١٢٢ - ومِنَّا الذي مَنَعَ الوَائِدَاتِ ... وأحْيَا الوَئِيدَ فَلمْ يُوأدِ فصل رُوَيَ «أنَّ قيس بن عاصم جاء إلى النبي ﷺ َ، فقال: يا رسول الله: إنِّي وأدتُ ثماني بنات كُنَّ لي في الجاهليَّة، قال رسول الله ﷺ َ:» فأعْتِقْ عن كُلِّ واحدةٍ منهُنَّ رقبةٌ «، قال: يا رسول الله إنِّي صاحبُ إبل، قال ﵊ ُ:» فأهْدِ عَن كُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ بدنَةً إنْ شِئْتَ «» . واعلم أنَّ سؤال الموءودة سؤالُ توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لِمَ ضُربتَ، وما ذنْبُكَ؟ . قال الحسنُ: أراد الله توبيخ قاتلها؛ لأنها قتلت بغير ذنبٍ. وقال أبنُ أسلمُ: بأي ذنب ضربتْ، وكانوا يضربونها. وقيل في قوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ معناه: طُلبتْ، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل، وهو كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ [الأحزاب: ١٥] أي: مطلوباً، فكأنها طلبت منهم، فقيل: أين أولادكم؟ . وروي عن النبي ﷺ َ قال: «إنَّ المَرْأةَ الَّتي تَقْتلُ ولدهَا تَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مُتعلِّقٌ ولدُهَا بِثَدْيَيِْهَا، مُلطَّخاً بدمَائِهِ، فيقُولُ: يا ربِّ، هذهِ أمِّي، [وهذه] قَتلتْنِي» .

стр. 12498

والأول قول الجمهور، كقوله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين﴾ [المائدة: ١١٦] ، على جهة التوبيخ، والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة: توبيخ لوائدها وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصحّ إلا بذنب، أي: فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها كان أعظم في البيّنة وظهور الحجة على قاتلها، وفي الآية دليل على أن الأطفال المشركين لا يعذَّبُون، وعلى أن التعذيب لا يستحقُّ إلَاّ بذنبٍ. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ﴾ . قرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمرو: بالتثقيل، على تكرار النشر للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرير ذلك من الإنسان. والباقون: بالتخفيف. ونافع وحفص وابن ذكوان «سُعِّرت» بالتثقيل، والباقون بالتخفيف. قوله: ﴿نُشِرَتْ﴾ ، أي: فتحت بعد أن كانت مطويَّة، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير أو شر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: ﴿مَالِ هذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾ ، أي قُشرت، من قولهم: كشط جلد الشَّاة، أي: سلخها. وقرأ الله «قشطت» - بالقاف - وقد تقدم أنهما متعاقبان كثيراً، وأنه قرئ: وقافوراً [وكافوراً] في ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: ١] . [يقال: لبكت الثريد ولبقته] . قال القرطبي: «يقال: كشَطْتُ البعير كشْطاً، نزعت جلده، ولا يقال: سلخته، لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته» ، والمعنى: أزيلت عما فوقها. قال الفراء: طويت. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ﴾ ، أي: أوقدت، فأضرمت للكفَّار، وزيد في إحمائها يقال: سعرتُ النَّار وأسْعرتُهَا. قال رسول الله ﷺ َ: «أوقِدَ على النَّارِ ألْفَ سنةٍ حَتَّى اسْودَّتْ فهيَ مُظْلمةٌ» .

стр. 12499

احتج بهذه الآية من قال: إن النار مخلوقة الآن؛ لأنه يدل على أنَّ سعيرها معلَّق بيوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ﴾ ، أي: أدنيت وقرِّبتْ من المتَّقِينَ. قال الحسنُ ﵁[إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن زيد] : زُيِّنت، والزُّلْفَى في كلام العرب: القُربَة. قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ ، هذا جواب «إذا» أوَّل السُّورة وما عطف عليها، والمعنى: ما عملتْ من خيرٍ وشرٍّ. وروي عن ابن عباس وعمر ﵄ أنهما قرآها، فلما بلغا «علمت نفس ما أحضرت» قالا: لهذا أجريتِ القصَّةُ. قال ابن الخطيب: ومعلوم أنَّ العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد: إذا ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، أو المراد: ما أحضرت من استحقاق الجنَّة والنَّار، فإنَّ كلَّ نفس تعلم ما أحضرت، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . والتنكير في قوله: «نَفْسٌ» من عكس كلامهم الذي يقصدون به المبالغة، وإن كان اللفظ موضوعاً للتقليل، لقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: ٢] ، أو يكون المراد: أنَّ الكفار كانوا يتعبُون أنفسهم بما يظنونه طاعة، ثم يظهر لهم في القيامة خلاف ذلك.

стр. 12500

قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بالخنس﴾ ، أي: «أقسم» ، و «لا» زائدة كما تقدم. «والخُنَّسُ» : جمع خانسٍ، والخُنوسُ: الانقباضُ، يقال: خنس بين القوم، وانْخنسَ. وفي الحديث: «فانْخَنَسْتُ» ، أي: استخفيت. يقال: خَنَسَ عنه يَخْنسُ - بالضم - خُنُوساً.
следующие страницы →