← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12496–12535 · переход к 12501.

стр. 12496

وقرأ الأعمش: «المودة» ، [بسكون الواو] ، وتوجيهه: أنه حذف الهمزة اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحذف ثانيهما، ووزنها «المُفْلَة» : لأن الهمزة عين الكلمة، وقد حذفت. وقال مكي: بل هو تخفيف قياسي، وذلك أنه نقل حركة «الهمزة» إلى «الواو» لم يهمزها، فاستثقل الضمة عليها فسكَّنها، فالتقى ساكنان، فحذف الثاني. وهذا كله خروج عن الظاهر. وإنما يظهر في ذلك ما نقله الفراء من أن حمزة وقف عليها كالموزة. قالوا: لأجل الخط لأنها رسمت كذلك، والرسم سُنة متبعة. والعامة على: «سُئِلَت» مبنياً للمفعول، مضموم السين. والحسن: يكسرها من سال يسال. وقرأ أبو جعفر: «قُتِّلتْ» - بتشديد التاء - على التكثير؛ لأن المراد اسم الجنس، فناسبه التكثير. وقرأ عليٌّ وابن مسعودٍ وابنُ عباسٍ ﵃ «سألَت» مبنياً للفاعل، «قُتِلتُ» بضم التاء الأخيرة والتي للمتكلم، حكاية لكلامها. وعن أبيّ وابن مسعودٍ - أيضاً - وابن يعمر: «سألتْ» مبنياً للفاعل، «قُتِلتْ» بتاء التأنيث الساكنة، كقراءة العامة. فصل في وأد أهل الجاهلية لبناتهم كانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما: كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فألحقٌوا البنات به؛ ﵎ عن ذلك. والثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وإمَّا خوفاً من السَّبْي والاسْترقَاقِ. قال ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخّضت على رأسها فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردَّت التراب عليها، وإن ولدتْ غلاماً حبسته، ومنه قول الراجز: [الرجز]

стр. 12497

٥١٢١ - سَمَّيْتُهَا إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ ... والقَبْرُ صِهْرٌ ضَامِنٌ زِمِّيتُ وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد إبقاء حياتها ألبسها جُبَّة من صوفٍ، أو شعرٍ، ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتُها ستة أشبار فيقول لأمّها: طيِّبيها، وزيَّنيها حتى أذهب بها إلى أقاربها [وقد حفر لها بئراً الصحراء] ، فيذهب بها إلى البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض. وكان صعصعة بن ناجية ممن يمنع الوأد؛ فافتخر الفرزدق به في قوله: [المتقارب] ٥١٢٢ - ومِنَّا الذي مَنَعَ الوَائِدَاتِ ... وأحْيَا الوَئِيدَ فَلمْ يُوأدِ فصل رُوَيَ «أنَّ قيس بن عاصم جاء إلى النبي ﷺ َ، فقال: يا رسول الله: إنِّي وأدتُ ثماني بنات كُنَّ لي في الجاهليَّة، قال رسول الله ﷺ َ:» فأعْتِقْ عن كُلِّ واحدةٍ منهُنَّ رقبةٌ «، قال: يا رسول الله إنِّي صاحبُ إبل، قال ﵊ ُ:» فأهْدِ عَن كُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ بدنَةً إنْ شِئْتَ «» . واعلم أنَّ سؤال الموءودة سؤالُ توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لِمَ ضُربتَ، وما ذنْبُكَ؟ . قال الحسنُ: أراد الله توبيخ قاتلها؛ لأنها قتلت بغير ذنبٍ. وقال أبنُ أسلمُ: بأي ذنب ضربتْ، وكانوا يضربونها. وقيل في قوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ معناه: طُلبتْ، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل، وهو كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ [الأحزاب: ١٥] أي: مطلوباً، فكأنها طلبت منهم، فقيل: أين أولادكم؟ . وروي عن النبي ﷺ َ قال: «إنَّ المَرْأةَ الَّتي تَقْتلُ ولدهَا تَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مُتعلِّقٌ ولدُهَا بِثَدْيَيِْهَا، مُلطَّخاً بدمَائِهِ، فيقُولُ: يا ربِّ، هذهِ أمِّي، [وهذه] قَتلتْنِي» .

стр. 12498

والأول قول الجمهور، كقوله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين﴾ [المائدة: ١١٦] ، على جهة التوبيخ، والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة: توبيخ لوائدها وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصحّ إلا بذنب، أي: فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها كان أعظم في البيّنة وظهور الحجة على قاتلها، وفي الآية دليل على أن الأطفال المشركين لا يعذَّبُون، وعلى أن التعذيب لا يستحقُّ إلَاّ بذنبٍ. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ﴾ . قرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمرو: بالتثقيل، على تكرار النشر للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرير ذلك من الإنسان. والباقون: بالتخفيف. ونافع وحفص وابن ذكوان «سُعِّرت» بالتثقيل، والباقون بالتخفيف. قوله: ﴿نُشِرَتْ﴾ ، أي: فتحت بعد أن كانت مطويَّة، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير أو شر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: ﴿مَالِ هذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾ ، أي قُشرت، من قولهم: كشط جلد الشَّاة، أي: سلخها. وقرأ الله «قشطت» - بالقاف - وقد تقدم أنهما متعاقبان كثيراً، وأنه قرئ: وقافوراً [وكافوراً] في ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: ١] . [يقال: لبكت الثريد ولبقته] . قال القرطبي: «يقال: كشَطْتُ البعير كشْطاً، نزعت جلده، ولا يقال: سلخته، لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته» ، والمعنى: أزيلت عما فوقها. قال الفراء: طويت. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ﴾ ، أي: أوقدت، فأضرمت للكفَّار، وزيد في إحمائها يقال: سعرتُ النَّار وأسْعرتُهَا. قال رسول الله ﷺ َ: «أوقِدَ على النَّارِ ألْفَ سنةٍ حَتَّى اسْودَّتْ فهيَ مُظْلمةٌ» .

стр. 12499

احتج بهذه الآية من قال: إن النار مخلوقة الآن؛ لأنه يدل على أنَّ سعيرها معلَّق بيوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ﴾ ، أي: أدنيت وقرِّبتْ من المتَّقِينَ. قال الحسنُ ﵁[إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن زيد] : زُيِّنت، والزُّلْفَى في كلام العرب: القُربَة. قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ ، هذا جواب «إذا» أوَّل السُّورة وما عطف عليها، والمعنى: ما عملتْ من خيرٍ وشرٍّ. وروي عن ابن عباس وعمر ﵄ أنهما قرآها، فلما بلغا «علمت نفس ما أحضرت» قالا: لهذا أجريتِ القصَّةُ. قال ابن الخطيب: ومعلوم أنَّ العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد: إذا ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، أو المراد: ما أحضرت من استحقاق الجنَّة والنَّار، فإنَّ كلَّ نفس تعلم ما أحضرت، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . والتنكير في قوله: «نَفْسٌ» من عكس كلامهم الذي يقصدون به المبالغة، وإن كان اللفظ موضوعاً للتقليل، لقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: ٢] ، أو يكون المراد: أنَّ الكفار كانوا يتعبُون أنفسهم بما يظنونه طاعة، ثم يظهر لهم في القيامة خلاف ذلك.

стр. 12500

قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بالخنس﴾ ، أي: «أقسم» ، و «لا» زائدة كما تقدم. «والخُنَّسُ» : جمع خانسٍ، والخُنوسُ: الانقباضُ، يقال: خنس بين القوم، وانْخنسَ. وفي الحديث: «فانْخَنَسْتُ» ، أي: استخفيت. يقال: خَنَسَ عنه يَخْنسُ - بالضم - خُنُوساً.

стр. 12501

والخنسُ: تأخر الأنف عن الشَّفة مع ارتفاع الأرنبة قليلاً. ويقال: رجلٌ أخنسُ، وامرأةٌ خنساءُ، ومنه: الخنساءُ الشاعرةُ. والخُنَّسُ في القرآن، قيل: الكواكب السبعة السَّيارة القمران، وزحل، والمشتري والمريخ، والزهرة، وعطارد؛ لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تختفي نهاراً. وعن علي ﵁: هي زُحَل، والمشتري، والمريخ، والزهرة وعطارد. وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان: أحدهما: لأنَّها تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني. الثاني: تقطع المجرة، قاله ابن عباس. وقيل: خُنُوسُهَا: رجوعها، وكُنُوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. قال ابن الخطيب: الأظهرُ أنَّ ذلك إشارة إلى رجوعها واستقامتها. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم كلها؛ لأنها تخنس بالنهار إذا غربت، وتظهر بالليل، وتكنس في وقت غروبها، أي: تتأخر عن البصر لخفائها، وتكنس أي: تستتر، تكنس في وقت غروبها , أي: تتأخر عن البصر لخفائها , وتكنس أي: تستتر , كما تكنس الظِّباء في المغارة , وهي الكناس، والكنس: الداخلة في الكناس، وهي بيت الوحش، والجواري: جمع جارية. وعن ابن مسعود: هي بقر الوحش؛ لأن هذه صفتها. وروي عن عكرمة قال: الخُنَّسُ: البقر، والكُنسُ: هي الظباء، فهي خنسٌ إذا رأين الإنسان خَنَسْنَ، وانقبضن وتأخرن ودخلن كناسهنّ.

стр. 12502

قال القرطبيُّ: «والخُنَّسُ» على هذا: من الخنس في الأنف، وهو تأخير الأرنبة، وقصر القصبة، وأنوف البقر والظِّباء خنس، والقول الأول أظهر لذكر الليل والصبح بعده. وحكي الماورديُّ: أنها الملائكة، والكُنَّسُ: الغيبُ، مأخوذة من الكناس، وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه، والكُنَّسُ: جمع كانس وكانسة. قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا عَسْعَسَ﴾ . يقال: عَسْعَسَ وسَعْسَع، أي: أقبل. قال العجاج: [الرجز] ٥١٢٣ - حَتَّى إذَا الصُّبْحُ لهَا تَنفَّسَا ... وانْجَابَ عَنْهَا ليْلُهَا وعِسْعَسَا أي: أدبر. قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى «عسعس» : أدبر حكاه الجوهري. وقيل: دَنَا من أوله وأظلم، وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. وقيل: «أدْبَر» من لغة قريش خاصَّة. وقيل: أقبل ظلامُه، ورجحه مقابلته بقوله تعالى ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ، وهذا قريبٌ من إدباره. وقيل: هو لهما على طريق الاشتراك. قال الخليل وغيره: عسعس الليل: إذا أقبل، أو أدبر. قال المبرد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحدٍ، وهو ابتداء الظلام في وله، وإدباره في آخره. قال الماورديُّ: وأصل العسِّ: الامتلاء. ومنه قيل للقدح الكبير: عُسٌّ، لامتلائه بما فيه، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه، وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه، فعلى هذا يكون القسم بإقبال الليل وبإدباره، وهو قوله تعالى: ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ لا يكون فيه تكرار. وعَسْعَس: اسم موضع البادية، وأيضاً: هو اسم رجل. ويقال للذئب: العَسْعَسُ والعَسْعَاس؛ لأنه يعسُّ في الليل ويطلب.

стр. 12503

ويقال للقنافذ: العَساعِس، لكثرة ترددها بالليل، والتَّعَسْعُس: الشم والتَّعَسْعُس - أيضاً -: طلب الصيد. قوله تعالى: ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ، أي امتد حتى يصير نهاراً واضحاً. يقال للنهار إذا زاد: تنفس، ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف. وفي كيفية المجاز قولان: الأول: أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفساً له على المجاز، فقيل: تنفس الصبح. الثاني: أنه شبَّه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي خنس بحيث لا يتحرك، فإذا تنفس وجد راحة، فهاهنا لما طلع الصبح، فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس. وقيل: ﴿إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي إذا انشق وانفلق، ومنه تنَفَّسَتِ القوسُ: أي: تصدعت. [وهذا آخر القسم] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . قال الحسنُ وقتادةُ والضحاكُ: الرسول الكريم: جبريل. والمعنى: إنَّه لقولُ رسولٍ كريمٍ من الله كريمٍ على الله، وأضاف الكلام إلى جبريل، ثم عزاه عنه فقال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ [الواقعة: ٨٠] ليعلم أهل التحقيق في التصديق أن الكلام لله تعالى. وقيل: هو محمد ﷺ َ، فمن جعله جبريل، فقوته ظاهرة؛ لما روى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادمِ جناحه. وقوله تعالى: ﴿عِندَ ذِي العرش﴾ أي: عند الله . «مكين» أي: ذي منزلةٍ ومكانةٍ. وروى أبو صالح قال: يدخل سبعين سرادقاً بغير إذن. وقيل: المراد: القوة في أداء طاعة الله تعالى، وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف. وقوله تعالى: ﴿عِندَ ذِي العرش﴾ هذه العندية ليست عندية الجهة، بل عندية الإشراف، والتكريم، والتعظيم.

стр. 12504

وقوله تعالى: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» ، وقوله سبحانه: ﴿مَكِينٍ﴾ : قال الكسائي: يقال: مكنَ فلانٌ عند فلانٍ - بضم الكاف - تمكُّناً ومكانة، فعلى هذا هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل. قوله تعالى: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ﴾ ؛ أي: في السموات. قال ابن عباس ﵄: من طاعة الملائكة جبريل ﵇ أنَّه لمَّا أسري برسول الله ﷺ َ قال جبريلُ لرضوان خازن الجنانِ: افتحْ له ففتحَ، فدخلها، فرأى ما فيها وقال لمالك خازن النار: افتح له ففتح، فدخلها، ورأى ما فيها. وقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ ، أي: مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال: إن المراد محمد ﷺ َ فقال: «ذِ قوةٍ» على تبليغ الوحي «مطاع» أي: يطيعه من أطاع الله . ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ حتى يتَّهم في قوله، وهو من جواب القسم والضمير في قوله: «إنَّهُ» يعود إلى القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على محمد ﷺ َ. وقيل: يعود إلى الذي أخبركم به محمد ﷺ َ من أنّ أمر الساعة في هذه السورة ليس بكهانة، ولا ظنَّ، ولا افتعال، إنما هو قول جبريل أتاه به وحياً من الله تعالى. فصل فيمن استدل بالآية على تفضيل جبريل على سيدنا محمد قال ابنُ الخطيب: احتج بهذه الآية من فضل جبريل ﵊ ُ - على محمد ﷺ َ فقال: إذا وازنت بين قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ، وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ ظهر التفاوت العظيم. قوله: «عند ذي» : يجوز أن يكون نعتاً ل «رسولٍ» ، وأن يكون حالاً من «مكينٍ» ، وأصله الوصف، فلما قدم نصب حالاً. قوله: ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ . العامة: على فتح الثَّاء؛ لأنه ظرف مكان للبعد، والعامل فيه «مطاعٍ» . وأبو البرهسم، وأبو جعفر وأبو حيوة: بضمها، جعلوها عاطفة، والتراخي هنا في الرتبة؛ لأن الثانية أعظم من الأولى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين﴾ ، أي: لقد رأى جبريل في صورته في ستمائة

стр. 12505

جناح ﴿بالأفق المبين﴾ أي: حيث تطلع الشمس من قبل المشرق. وقيل: «بالأفق المبين» ؛ أقطار السماء ونواحيها. قال الماورديُّ: فعلى هذا ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه رآه في الأفق الشرقيِّ. قاله سفيان. الثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه رآه نحو «أجياد» ، وهو مشرق «مكة» ، قاله مجاهد. وقيل: إنَّ محمداً ﷺ َ رأى ربه بالأفق المبينِ، وهو قول ابن مسعود وقد تقدم ذلك في سورة «والنجم» . وفي «المُبينِ» قولان: أحدهما: أنه صفة للأفق، قاله الربيع. الثاني: أنَّه صفة لمن رآه، قاله مجاهد. قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ﴾ . قرأ ابن كثير، وأبو عمر، والكسائي: بالظاء، بمعنى متهم من ظن بمعنى: اتهم، فيتعدى لواحدٍ. وقيل: معناه بضعيف القوة عن التبليغ من قولهم: «بئر ظنُون» أي: قليلة الماء، والظِّنَّة التهمة، واختاره أبو عبيدة وفي مصحف عبد الله كذلك. والباقون: بالضاد، بمعنى: بخيل بما يأتيه من قبل ربِّه، من ضننت بالشيء أضنُّ ضنًّا، يعني: لا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك، ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلواناً، إلا أنَّ الطبري قال: بالضاد خطوط المصاحف كلها. وليس كذلك لما كان رسول الله ﷺ َ يقرأ بها، وهذا دليل على التمييز بين الحرفين خلافاً لمن يقول: إنه لو وقع أحدهما موقع الآخر بحال لجاز لعسر معرفته، وقد شنَّع الزمخشريُّ على من يقول ذلك، وذكر بعض المخارج، وبعض الصفات بما يطول ذكره.

стр. 12506

و ﴿عَلَى الغيب﴾ متعلق ب «ظنين» ، أو «ضَنِيْنٍ» . و «الغيب» : القرآن، وخبر السماء هذا صفة محمد ﷺ َ. وقيل: صفة جبريل ﵇. قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ ، أي: مَرْجُومٍ، والضمير في «هو» للقرآن، قالت قريش: إنَّ هذا القرآن يجيء به شيطان، فيلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك، يريدون بالشيطان: الأبيض الذي كان يأتي النبي ﷺ َ في صورة جبريل يريد أن يفتنه. فصل في الكلام على الآية قال ابنُ الخطيب: إن قيل: إنَّه حلف على أن القرآن قول جبريل ﵇ فوجب علينا أن نصدقه، فإن لم نقطع بوجوب حمل اللفظ على الظاهر، فلا أقلَّ من الاحتمال، وإن كان كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتملُ أن يكون كلام جبريل لا كلام الله تعالى، وبتقدير أن يكون كلام جبريل لا يكون معجزاً، ولا يمكن أن يقال بأن جبريل معصوم؛ لأنَّ عصمته متفرعة على صدق النبي ﷺ َ وصدق النبي ﷺ َ على كون القرآن معجزاً، وكون القرآن معجزاً متفرع على عصمة جبريل، فيلزم دور. فالجواب: أنَّ الإعجاز ليس في الفصاحة، بل في سلب تلك الدواعي عن القلوب، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلَاّ الله تعالى، لأن سلب القدرة عما هو مقدور لا يقدر عليه إلا الله تعالى. ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ : فإن قيل: القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال فكيف يمكن نفيه بالدليل السمعي؟ . قلنا: قد بينَّا أنَّه على القول بالصرف لا يتوقف صحة النبوة على نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي.

стр. 12507

قوله تعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ «أيْنَ» : منصوب ب «تذهبون» ؛ لأنه ظرف مبهم. وقال أبو البقاء: أي: إلى أين؟ فحذف حرف الجرِّ، كقولك: ذهبت «الشام» ، ويجوز أن يحمل على المعنى، كأنه قال: أين تؤمنون، يعني: أنه على الحذف، أو على التضمين، وإليه نحا مكيٌّ أيضاً.

стр. 12508

ولا حاجة إلى ذلك ألبتَّة لأنه ظرف مبهم لا مختص. فصل في تفسير الآية قال قتادةُ: فإلى أين تعدلون عن هذا القول، وعن طاعته. وقال الزجاج: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بيَّنت لكم. ويقال: أين تذهب وإلى أين تذهب. وحكى الفراء عن العرب: ذهبت «الشام» ، وخرجت «العراق» ، وانطلقت السوق، أي: إليها؛ وأنشد لبعض بني عقيل: [الوافر] ٥١٢٤ - تَصِيحُ بِنَا حنيفةُ إذْ رَأتْنَا ... وأيُّ الأرضِ تَذْهَبُ لِلصِّياحِ يريد: إلى أيِّ أرض تذهب، فحذف «إلى» . قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ﴾ ، يعني: القرآن ذكر للعالمين، أي: موعظة، وزجر. و «إن» بمعنى: «ما» . وقيل: ما محمد إلا ذكر. قوله: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ﴾ بدل من «للعالمين» بإعادة العامل، وعلى هذا فقوله: ﴿أَن يَسْتَقِيمَ﴾ : مفعول «شاء» أي: لمن شاء الاستقامة، ويجوز أن يكون «لمن شاء» خبراً مقدماً، ومفعول شاء محذوف، وأن يستقيم مبتدأ، وتقدم نظيره والمعنى: لمن شاء منكم أن يستقيم. قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم وهذا هو القدر، وهو رأس القدرية، فنزلت: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين﴾ ، فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيراً إلا بتوفيق الله تعالى، ولا شرًّا إلا بخذلانه. قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، أي: إلا وقت مشيئة الله تعالى. وقال مكيٌّ: «أن» في موضع خفض بإضمار «الباء» ، أو في موضع نصب بحذف الخافض. يعني: أن الأصل «إلا بأن» ، وحينئذ تكون للمصاحبة. فصل في تفسير الآية قال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاء الله تعالى لها.

стр. 12509

وقال وهب بن منبه ﵁: قرأت في تسعة وثمانين كتاباً مما أنزل الله - تعالى - على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئاً فقد كفر، وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الأنعام: ١١١] . وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ [يونس: ١٠٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] ، والآيُ في هذا كثيرة وكذلك الأخبار وأن الله - تعالى - هدى بالإسلام، وأضلَّ بالكفر. قال ابنُ الخطيب: وهذا عين مذهبنا؛ لأن الأفعال موقوفة على مشيئتنا، ومشيئتنا موقوفة على مشيئة الله، والموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فأفعال العباد ثبوتاً ونفياً موقوفة على مشيئة الله تعالى، وحمل المعتزلة ذلك على أنها مخصوصة بمشيئة الإلجاء والقهر، وذلك ضعيف؛ لأن المشيئة الاختيارية حادثة، فلا بد من محذوف، فيعود الكلام. والله تعالى أعلم. روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ ، أعاذهُ الله أنْ يَفضحَهُ حِينَ تُنشرُ صَحِيفَتُهُ» والله أعلم بالصواب.

стр. 12510

سورة الانفطار

стр. 12511

مكية، وهي تسع عشرة آية، وكلماتها ثمانون كلمة، وثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ ، معناه: إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة يحصل الحشر والنشر، ومعنى «انْفطَرتْ» : انشقت لنزول الملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] ، ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ [النبأ: ١ ٩] ، ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل بل هو كقولهم: مُرضِع، وحَائض، ولو كان على الفعل لكان «منفطر» . وقال القرطبيُّ: «تفطرت لهيبة الله تعالى: والفطرُ: الشق، يقال: فطرته فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير إذا طلع، فهو بعير فاطر، وتفطَّر الشيء. تشقَّق، وسيف فطار، أي فيه شقوق» . وقد تقدم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ تساقطت؛ لأن عند انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض، يقال: نثرتُ الشيء أنثرهُ نثراً فانتثر. والنُّثار - بالضم - ما تناثر من الشيء. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ . العامة على بنائه للمفعول مثقلاً. وقرأ مجاهد: مبنياً للفاعل مخففاً من الفجور، نظراً إلى قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَاّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ، فلما زال البرزخ بغياً.

стр. 12512

وقرأ مجاهد - أيضاً - والربيع بن خيثم، والزعفراني، والثوري: مبنياً مخففاً. ومعنى «فُجِّرت» أي: دخل بعضها في بعض، واختلط العذبُ بالملحِ، فصار واحداً بارتفاع الحاجز الذي جعله الله تعالى برزخاً بينهما. وقيل: إنَّ مياه البحار الآن راكدة مجتمعة، فإذا انفجرت تفرقت، وذهب ماؤها. وقال الحسن: فجرت: يبست. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ﴾ . أي: قلبت: يقال: بَعْثَره وبَحْثَره - بالعين والحاء - قال الزمخشري: وهما مركبان من العبث والبحث، مضموم إليهما راء، يعني أنهما مما اتفق معناهما؛ لأن الراء مزيدة فيهما، إذ ليست من حروف الزيادة وهذا ك «دَمَثَ» و «دَمْثَرَ» و «بَسَطَ» و «بَسْطَرَ» . فصل في المراد ببعثرة القبور والمعنى: قلب أعلاها وأسفلها، وقلب ظاهرها وباطنها وخرج ما فيها من الموتى أحياء. وقيل: التبعثر: إخراج ما في باطنها من الذهب والفضة ثم يخرج الموتى بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ : جواب «إذا» ، والمعنى: ما قدمت من عمل صالح، أو شيء، أو أخرت من سيئة أو حسنة. وقيل: ما قدمت من الصدقات وأخرت من التركات على ما تقدم في قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] . والمقصود منه الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة. فإن قيل: أيُّ وقت من القيامة يحصل هذا العلم؟ . قال ابنُ الخطيب: أمَّا العلم الإجمالي، فيحصل في أول زمان الحشر؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة في أول الأمر والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر، وأمَّا العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند قراءة الكتب، والمحاسبة. قوله تعالى : ﴿يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ أي: المتجاوز. والعامة: على «غرَّك» ثلاثياً، و «ما» الاستفهامية: في محل رفع على الابتداء.

стр. 12513

وقرأ ابن جبير، والأعمش: «ما أغَرَّكَ» ، فاحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون تعجبية، ومعنى «أغرّه» : أدخله في الغرَّة، أو جعله غارًّا. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما أخبر في تلك الآية أولى عن وقوع الحشر والنشر، ذكر هاهنا ما يدل عقلاً ونقلاً على إمكانه، أو على وقوعه، وذلك من وجهين الأول: أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع مواد نعمه عن المذنبين، كيف يجوز في كرمه ألا ينتقم من الظالم؟ . الثاني: أن القادر على خلق هذه البنية الإنسانية، ثم سوَّاها، وعدلها، إمَّا أن يقال: إنه - تعالى - خلقها لا لحكمةٍ، وذلك عبث، وهو على الله تعالى محال؛ لأنه - تعالى - منزَّهٌ عن العبث، أو خلقها لحكمةٍ، فتلك الحكمة أن تكون عائدة على الله تعالى، وذلك باطل؛ لأنه منزَّهٌ عن الاستكمال والانتفاع، فتعين أن تكون الحكمة عائدة إلى العبد، وتلك الحكمة أن تظهر في الدنيا، فذلك باطل؛ لأن الدنيا دار بلاء وامتحان لا دار انتفاع وجزاء، فثبت أن تلك الحكمة إنما تظهر في دار الجزاء، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق، والتسوية، والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه تعالى يبعث الأموات ويحشرهم. فصل في نزول الآية هذا [خطاب] لمنكري البعث. روى عطاء عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأشرم بن شريقٍ، وذلك أنَّه ضرب النبي ﷺ َ ولم يعاقبه الله تعالى، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وقيل: يتناول جميع العصاة؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى «ما غرَّك» : ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى تركت الوجبات، وأثنيت بالمحرمات. والمعنى: ما الذي أمَّنك من عقابه، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة، فإن حملناه على الكافر، فالمعنى: ما الذي دعاك إلى الكفر، وإنكار الحشر والنشر.

стр. 12514

فإن قيل: كونه كريماً يقتضي ألا يغتر الإنسان بكرمه؛ لأنه جواد مطلق، والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع، وعصيان المذنب، وهذا لا يوجب الاغترار وروي عن عليّ ﵁ أنَّه دعا غلامه مرات، فلم يجبه، فنظر فإذ هو بالباب، فقال له: لم لا تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. وقالوا - أيضاً - من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، وإذا ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به فكيف جعله - هاهنا - مانعاً من الاغترار؟ . فالجواب من وجوه: الأول: أن المعنى لما كنت ترى حلم الله - تعالى - عن خلقه ظننت أن ذلك لا حساب، ولا دار إلا هذه الدار، فما الذي دعاك إلى الاغترار وجرَّأك على إنكار الحشر، والنشر، فإنَّ ربك كريم، فهو من كرمه - تعالى - لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدة التوبة، وتأخيراً للجزاء، وذلك لا يقتضي الاغترار. الثاني: أنَّ كرمه تعالى لمَّا بلغ إلى حيث لا يمنع العاصي من أن يطيعه، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم كان أولى، فإذاً كان كونه كريماً يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار، وترك الجزاء والاغترار. الثالث: أنَّ كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة، والاستحياء من الاغترار. الرابع: قال بعضهم: إنما قال: «بربِّكَ الكَريمِ» ليكون ذلك جواباً عن ذلك السؤال حتى يقول: غوني كرمُك، فلولا كرمك لما فعلت؛ لأنك لو رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت. وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد بقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان﴾ ليس هو «الكافر» . فصل في غرور ابن آدم قال قتادةُ ﵁: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان وقال مقاتل: غرَّه عفو الله حين لم يعاقبه أوَّل مرة. وقال السديُّ: غرَّه عفو الله. وقال ابن مسعودٍ: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول تعالى: ما

стр. 12515

غرَّك يا ابن آدم، ماذا غرَّك يا ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ . قوله: ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ ، يحتمل الإتباع على البدل والبيان، والنعت، والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه - تعالى - لما وصف نفسه بالكرم، ذكر هذه الأمور الثلاثة، كالدلالة على تحقق ذلك الكرم، فقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَكَ﴾ لا شكَّ أنَّه كرمٌ؛ لأنه وجود، والوجود، خير من العدم، والحياة خير من الموت، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ، وقوله تعالى: «فسوّاك» أي: جعلك سوياً سالم الأعضاءِ، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف: ٣٧] ، أي: معتدل الخلق والأعضاء. قال ذو النون: أي: سخَّر لك المكونات أجمع، وما جعلك مسخَّراً لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر، وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، ومدك بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلاً. قوله: «فعدَلَكَ» . قرأ الكوفيون: «عَدلَكَ» مخففاً، والباقون: مثقَّلاً. فالتثقيل بمعنى: جعلك مناسب الأطراف، فلم يجعل إحدى يديك ورجليك أطول، ولا إحدى عينيك أوسع، فهو من التعديل، وهو كقوله تعالى: ﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] . قال علماء التشريح: إنَّه - تعالى - ركَّب جانبي الجثة على التساوي حتى أنه لا تفاوت بين نصفيه، لا في العظام، ولا في أشكالها، ولا في الأوردة والشرايين، والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها. وقال عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: جعلك قائماً معتدلاً، حسن الصُّورةِ، ولا كالبهيمة المنحنية. وقال أبو عليٍّ الفارسي: «عَدلَكَ» خلقك، فأخرجك في أحسن تقويم، مستوياً على جميع الحيوان والنبات، وواصلاً في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم. وأمَّا قراءة التخفيف فيحتمل هذا، أي: عدل بعض أعضائك ببعض، ويحتمل أن يكون من المعدول، أي: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال والأشباه، وهذا قول الفراء.

стр. 12516

ثم قال: والتشديد أحسن الوجهين؛ لأنك تقول: عدلتك إلى كذا، أي: صرفتك إلى كذا وكذا، ولا يحسن: عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه. وفي القراءة الأولى: جعل «في» من قوله: «فِي أيِّ صُورةٍ» للتركيب، وهو حسنٌ. وفي قراءة الثانية جعل «في» صلة لقوله: «فعدلك» ، وهو ضعيف. ونقل القفَّال عن بعضهم: أنَّهما لغتان بمعنى واحد. قوله: «في أيِّ صُورةٍ» ، يجوز فيه أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «ركبك» ، و «ما» : مزيدة على هذا، و «شاء» صفة ل «صورة» ، ولم يعطف «ركَّبَك» على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها، لأنه بيان لقوله: «فَعَدَلَكَ» ، والتقدير: فعدلك ركبك في أيِّ صورةٍ من الصور العجيبة الحسنة التي شاءها والمعنى: وضعك في صورة اقتضتها مشيئته من حسن وقبح وطول، وقصر، وذكورة، وأنوثة. الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: ركبك حاصلاً في بعض الصور. الثالث: أنه يتعلق بعد ذلك ب «عَدلَكَ» نقله أبو حيان عن بعض المتأولين، ولم يعترض عليه، وهو معترض بأن في «أيِّ» معنى الاستفهام، فلها صدر الكلام، فكيف يعمل فيها ما تقدمها؟ . وكأن الزمخشري استشعر هذا فقال: ويكون في «أيِّ» معنى التعجب، أي: فعَدلَكَ في أي صورة عجيبة، وهذا لا يحسن أن يكون مجوِّزاً لتقدُّم العامل على اسم الاستفهام، وإن دخله معنى التعجب، ألا ترى أن «كيف، وأي» ، وإن دخلهما معنى التعجب، لا يتقدم عاملهما عليهما. وقد اختلف النحويون في اسم الاستفهام إذا قصد به الاستئناف، هل يجوز تقديم عامله أم لا؟ . والصحيح أنَّه لا يجوز، ولذلك لا يجوز أن يتقدَّم عامل «كم» الخبرية عليها لشبهها في اللفظ بالاستفهامية، فهذا أولى، وعلى تعلقها ب «عدلك» ، تكون «ما» منصوبة على المصدر. قال أبو البقاء: يجوز أن تكون «ما» زائدة، وأن تكون شرطية، وعلى الأمرين الجملة نعت ل «صورة» ، والعائد محذوف، أي: ركبك عليها، و «في» : تتعلق ب «ركَّبك» .

стр. 12517

وقيل: لا موضع للجملة؛ لأن «في» تتعلقُ بأحد الفعلين والجميع كلام واحد، وإنما يتقدم الاستفهام على ما هو حقه. قوله: بأحد الفعلين، يعني: «شاء وركبك» ، فيحصل في «ما» ثلاثة أوجه، الزيادة، وكونها شرطية، وحينئذ جوابها محذوف، والنصب على المصدرية، أي: واقعة موقع مصدر.

стр. 12518

قوله تعالى: ﴿كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين﴾ . العامة: على «تكذبون» خطاباً، والحسنُ وأبو جعفر وشيبة: بياء الغيبة. قال ابن الخطيب: لما بين بالدلائل العقلية صحة القول بالبعث، والنشور على الجملة فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك، وهي أنواع: الأول: أنه - تعالى - زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله «كلا» ، و «بل» : حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدَّم تحقيق غيره، فلا جرم ذكروا في تفسير «كلاًّ» وجوهاً: الأول: قال القاضي: معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم، وإرشادي لكم، بل تكذبون بيوم الدين. الثاني: «كَلَاّ» ردعٌ، أي: ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله تعالى، كأنه قال: وإنهم لا يرتعدون عن ذلك، بل يكذِّبون بالدين. الثالث: قال القفال: أي: ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث، ولا نشور؛ لأن ذلك يوجب أن الله - تعالى - خلق الخلق عبثاً وحاشاه من ذلك، ثم كأنه قال: إنهم لا ينتفعون بهذا البيان، بل يكذبون بالدين. وقل الفراء: ليس كما غررت به، والمراد بالدين: الجزاء على الدين والإسلام. وقيل: المراد من الدين: الحساب، أي: تكذِّبون بيوم الحساب. النوع الثاني: قوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ : يجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل «تكذِّبون» ، والحالة هذه، ويجوز أن تكون مستأنفة أخبرهم بذلك لينزجروا والمراد بالحافظين: الرُّقباءُ من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. «كراماً» على الله «كاتبين» يكتبون أقوالكم وأعمالكم. قال ابنُ الخطيب: والمعنى: التعجب من حالهم، كأنَّه - تعالى - قال: إنكم

стр. 12519

تكذِّبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء، وملائكة الله - تعالى - موكَّلون بكم، يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ونظيره: قوله تعالى: ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] . فصل في الرد على من طعن في حضور الكرام الكاتبين قال ابن الخطيب: من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه: الأول: لو كان الحفظة، وصحفهم وأقلامهم معنا، ونحن لا نراهم لجاز أن يكون بحضرتنا جبال، وأشخاص لا نراهم، وذلك دخول في الجهالات. والثاني: هذه الكتابة، والضبط إن كان لا لفائدةٍ فهو عبثٌ، وهو غير جائزٍ على الله تعالى، وإن كان لفائدةٍ، فلا بد وأن تكون للعبد؛ لأن الله متعالٍ عن النفع والضر، وعن تطرق النسيان إليه، وغاية ذلك أنَّه حُجَّة على الناس وتشديد عليهم لإقامة الحُجَّة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنَّ من علم أنَّ الله تعالى لا يجور، ولا يظلم، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة، والذي لا يعلم لا ينتفع بهذه الحجة، لاحتمال أنَّه تعالى أمرهم بذلك ظلماً. الثالث: أنَّ أفعال القلوب غير مرئية، فهي من باب المغيبات، والله - تعالى - مختص بعلم الغيب، فلا تكتبوها، والآية تقتضي ذلك. والجواب عن الأول: أنَّ البنية عندنا ليست شرطاً في قبول الحياة؛ ولأن عند سلامة الأعضاء، وحصول جميع الشرائط لا يجب الإدراك، فيجوز على الأوَّل: أن يكونوا أجراماً لطيفة، تتمزق، وتبقى حياتها ذلك، وعلى الثاني: يجوز أن يكونوا أجراماً كثيفة، ونحن لا نراهم. وعن الثاني: أن الله - تعالى - أجرى أموره على عباده على ما يتعارفونه في الدنيا فيما بينهم؛ لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم في إخراج كتاب، وشهود في إلزام الحجة، كما يشهد العدول عند الحاكم على القضاة. وعن الثالث: أن ذلك مخصوص بأفعال الجوارح، فهو عام مخصوص، وفي مدح الحفظة، ووصفهم بهذه الصفات تعظيم لأمر الجزاء، وأنَّه من جلائل الأمور. فصل في عموم الخطاب هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلَاّ أنَّ الأمَّة أجمعت على عموم هذا الحكم في حقِّ المكلَّفين. وقوله تعالى: ﴿لَحَافِظِينَ﴾ : جمع يحتملُ أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم، من غير أن

стр. 12520

يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكَّل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة، كما قيل: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، أو كما قيل: إنهم خمسة. فصل في أن الكفَّار، هل عليهم حفظة؟ . اختلفوا في الكفَّار هل عليهم حفظة؟ . فقيل: لا؛ لأن أمرهم ظاهر وعلمهم واحد، قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقيل: بل عليهم حفظة لقوله تعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ ، وأمَّا من أوتي كتابه بشماله، ومن أوتي كتابه وراء ظهره، فأخبر أنَّ لهم كتاباً وعليهم حفظة. فإن قيل: أي شيء يكتب الذي عن يمينه، ولا حسنة له؟ . فالجواب: أنَّ الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه، ويكون صاحبه شاهداً على ذلك، وإن لم يكتب. فصل في معرفة الملائكة هَمَّ الإنسان سُئِلَ سفيان: كيف تعرف الملائكة أنَّ العبد همَّ بمعصية، أو بحسنة؟ قال: إذا همَّ العبد بحسنة وجد منه ريح المسك، وإن همَّ بسيئة وجد منه ريح منتن. فصل في أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم دلت هذه الآية على أنَّ الشاهد لا يشهد إلَاّ بعد العلم، لوصف الملائكة بكونهم حافظين كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون، فدلَّ على أنهم يكونون عالمين بها حتى أنَّهم يكتبونها، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة. قال الحسن: لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل: يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم.

стр. 12521

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ . الأبرار: الذين بروا، وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله تعالى، واجتناب معاصيه.

стр. 12522

فصل في ذكر أحوال العالمين لما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد، ذكر أحوال العالمين، وقسمهم قسمين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ وهو نعيم الجنَّة، ﴿وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ وهو النَّار، وهذا تهديد عظيم للعُصاةِ، وهذا التقسيم كقوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير﴾ [الشورى: ٧] . قوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ : يجوز فيه أن يكون حالاً من الضمير في الجار، لوقوعه خبراً، وأن يكون مستأنفاً. وقرأ العامة: «يَصْلونهَا» مخففاً مبنياً للفاعل وتقدم مثله. ومعنى ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين﴾ يدخلونها يوم القيامة. ﴿وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ أي: ليسُوا غائبين عن استحقاق الكون في الجحيم، ثم عظَّم ذلك اليوم فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾ ثم كرره تعجيباً لشأنه، فقال: ﴿ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾ . وقال ابن عباس: كلُّ ما في القرآن من قوله: «وما أدراك» فقد أدراه، وكل شيء من قوله: «وما يدريك» فقد طوي عنه. قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: برفع «يومُ» على أنَّه خبر مبتدأ مضمر أي: هو يوم. وجوز الزمخشريُّ: أن يكون بدلاً مما قبله يعني قوله: «يوم الدَِّين» . وقرأ أبو عمرو في رواية: «يومٌ» : مرفوعاً منوناً على قطعه عن الإضافة، وجعل الجملة نعتاً له، والعائد محذوف، أي: لا تملك فيه. وقرأ الباقون: «يوم» بالفتح. فقيل: هي فتحة إعراب، ونصبه بإضمار أعني، أو يتجاوزون، أو بإضمار اذكر، فيكون مفعولاً به، وعلى رأي الكوفيين يكون خبراً لمبتدأ مضمر، وإنَّما بني لإضافته للفعل وإن كان معرباً، كقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . قال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح؛ لإضافته إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَمْلِكُ﴾ ، وما أضيف إلى غير المتمكن، فقد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع، أو جرٍّ كما قال: [المنسرح]

стр. 12523

٥١٢٥ - لَمْ يَمْنَعِ الشُّربَ غير أن نَطقتْ ... حَمامَةٌ ... ..... ... . ... ... ..... قال الواحدي: والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح، إنَّما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي؛ نحو قوله: [الطويل] ٥١٢٦ - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ ... ....... ... ... ... ... ... ... ... ... . البيت: أمَّا مع الفعل المستقبل، فلا يجوز البناء عندهم، ويجوز البناء في قول الكوفيين. قال ابن الخطيب: وذكر أبو عليٍّ أنَّه منصوبٌ على الظرفية؛ لأن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفاً، فنزل على حالة الأكثرية، والدليلُ عليه إجماع القراء في قوله تعالى: ﴿مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ [الأعراف: ١٦٨] ، ولا يدفع ذلك أحد، ومما يقوِّي النصب قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة يَوْمَ يَكُونُ الناس﴾ [القارعة: ٣، ٤] ، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٢، ١٣] ، فالنصب في «يَوْمَ لا تَمْلِكُ» مثل هذا. فصل فيمن استدل بالآية على نفي الشفاعة عن العصاة. تمسَّكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة للعصاة، وهو قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨] وقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة. قال مقاتلٌ: يعني النفس الكافرة شيئاً من المنفعة. ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أي: لم يملِّك الله - تعالى - في ذلك اليوم أحداً شيئاً كما ملَّكهم في الدنيا. ورى الثعلبي عن أبيٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ أعْطَاهُ الله مِنَ الأجْرِ بعدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنةً، وبِعددِ كُلِّ قَطْرة مَاءٍ حَسنةً، وأصْلحَ اللهُ تعالى لَهُ شَأنهُ» ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

стр. 12524

سورة المطففين مدنية في قول الحسن وعكرمة ومقاتل. قال مقاتل: وهي أول سورة نزلت ب " المدينة ". وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا ثمان آيات، وهي من قوله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا﴾ [المطففين: ٢٩] إلى آخرها مكي. وقال الكلبي: وجابر بن زيد: نزلت بين " مكة " و" المدينة "

стр. 12525

وقال ابن مسعود والضحاك: مكية. وهي ست وثلاثون آية، ومائة وتسعة وستون كلمة، وسبعمائة وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ . «ويلٌ» : ابتداء، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب لجاز. وقال مكيٌّ: والمختار في «وَيْل» وشبهه إذا كان غير مضاف الرَّفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافاً، أو معرفاً كان الاختيار فيه النَّصب نحو: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ﴾ [طه: ٦ ١] ، و «للمُطففِينَ» خبره. والمُطفِّف: المُنْقِص، وحقيقته: الأخذُ في كيل أو وزنٍ شيئاً طفيفاً، أي: نزراً حقيراً، ومنه قولهم: دُون التَّطفيف، أي: الشيء التافه لقلته.

стр. 12526

قال الزجاجُ: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفِّف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلَاّ الشيء اليسير الطفيف. فصل في تعلق هذه السورة بما قبلها قال ابن الخطيب: اتصال أوَّل هذه السورة بالمتقدمة أنَّه تعالى بيَّن في آخر تلك السورة أنَّ من صفة يوم القيامة أنه لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً، والأمر يومئذٍ لله، وذلك يقتضي تهديداً عظيماً للعصاة، فلهذا أتبعه بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ والمراد منه الزجر على التطفيف، وهو البَخْس في المكيال والميزان على سبيل الخفية. واعلم أن الويل كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال: ويل لك، وويل عليك، وفي اشتقاق لفظ التطفيف قولان: الأول: قول الزجاج المتقدم. والثاني: أنَّ طف الشيء، هو جانبه وحرفه يقال: طفَّ الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه، ولم يمتلئ، فهو طفافه وطففه، يقال: هذا طف المكيال وطفافه إذا قارب ملأه، لكنه بعدُ لم يمتلئ، ولهذا قيل للذي «ينقص» الكيل ولا يوفيه مطفف. لأنه إنما يبلغ الطفاف. فصل في نزول الآية روى ابن عباس ﵄ قال: «لما قدم رسول الله ﷺ َ» المدينة «، كانوا من أبْخَس النَّاس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ ، فاجتنبوا الكيل، فخرج رسول الله ﷺ َ فقرأها عليهم، وقال:» خَمْسٌ بِخمْسٍ، ما نقص قومٌ العَهْدَ إلَاّ سلَّط اللهُ عليهم عدُوَّهُم، ولا حكمُوا بغيرِ مَا أنْزَلَ اللهُ إلَاّ فَشَا فِيِهمُ الفقرُ، ولا ظَهَرَ فِيهمُ الفَاحِشَةُ إلَاّ ظَهَرَ فِيهمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا المِكْيَالَ إلَاّ مُنِعُوا النَّباتَ وأخذُوا بالسِّنينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلَاّ حُبِسَ عَنْهُم المَطرُ «» . وقال السديُّ: قَدِمَ رسول الله ﷺ َ «المدينة» ، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكيل بالآخر فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 12527

وروى ابن عمر ﵄ قال: المطفف الرجل الذي يستأجر المكيال، وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزن عليه. قوله: ﴿عَلَى الناس﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّه متعلق ب «اكتالوا» ، و «على» و «من» «يتعاقبان» هنا. قال الفراء: يقال: اكتلتُ على النَّاسِ: اسْتوفَيْتُ مِنهُمْ، واكْتلتُ مِنهُمْ: أخذتُ مَا عَليْهِمْ. وقيل: «على» بمعنى اكتل على ومنه بمعنى، والأول أوضح. وقيل: «على» يتعلق ب «يستوفون» . قال الزمخشري «لما كان اكتيالهم لا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل» على «مكان» من «للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق ب» يستوفون «وقدَّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصَّة، فأمَّا أنفسهم فيستوفون لها. وهو حسن. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ . رُسمتَا في المصحف بغير ألف بعد الواو في الفعلين، فمن ثم اختلف الناس في» هم «على وجهين. أحدهما: هو ضمير نصب فيكون مفعولاً به، ويعود على الناس، أي: وإذا كالوا الناس أو وزنوا الناس، وعلى هذا فالأصل في هذين الفعلين التعدي لاثنين: لأحدهما بنفسه بلا خلاف وللآخر بحرف الجر، ويجوز حذفه. وهل كل منهما أصل بنفسه، أو أحدهما أصل للآخر؟ فيه خلاف، والتقدير: وإذا كالوا لهم طعاماً، أو وزنوه لهم، فحذف الحرف والمفعول؛ وأنشد: [الطويل] ٥١٢٧ - ولقَدْ جَنيتُكَ أكَمُؤاً وعَساقِلاً ... ولقَدْ نَهيتُكَ عَن بَناتِ الأوبَرِ أي: جنيت لك. والثاني: أنَّه ضمير رفع مؤكد للواو، والضمير عائد على» المطففين «، ويكون على هذا قد حذف المكيل والمكيل له، والموزون والموزون له. إلا أن الزمخشري رد هذا فقال:» ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً «

стр. 12528

للمطففين» ، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى: إذا أخذوا من الناس،، استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير «للمطففين» انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإن تولوا الكيل، أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر «. قال أبو حيان: ولا تنافر فيه بوجه، ولا رق بين أن يؤكد الضمير، وألَاّ يؤكد، والحديث واقع في الفعل، غاية ما في هذا أن متعلِّق الاستيفاء، وهو» على الناس «مذكور، وهو في» كالوهم أو وزنوهم «محذوف للعلم به؛ لأنَّه من المعلوم أنهم لا يخسرُون ذلك لأنفسهم. قال شهابُ الدين: الزمخشري يريد أن يحافظ على أنَّ المعنى مرتبط بشيئين: إذا أخذوا من غيرهم، وإذا أعطوا غيرهم، وهذا إنَّما فهم على تقدير أن يكون الضمير منصوباً عائداً على الناس، لا على كونه ضمير رفع عائداً على الناس، لا على كونه رفع عائداً على» المطففين «، ولا شك أن هذا المعنى الذي ذكره الزمخشري وأراده أتم وأحسن من المعنى الثاني، ورجَّح الأول سقوط الألف بعد الواو؛ لأنه دال على اتصال الضمير. إلَاّ أن الزمخشري استدرك فقال: «والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك؛ لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة، لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك:» هم لم يدعوا، وهو يدعو «، فمن لم يثبتها قال: المعنى كافٍ في التفرقة بينهما، وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي: يجعلان الضميرين» للمطففين «، ويقفان عند الواوين وقيفة، يبينان بها ما أرادوا» . ولم يذكر فعل الوزن أوَّلاً، بل اقتصر على الكيل، فقال: «إذا اكتالوا» ، ولم يقل: إذا اتزنوا، كما قال ثانياً: «أوْ وزَنُوهُمْ» . قال ابن الخطيب: لأن الكيل والوزن بهما البيع والشراء، فأحدهما يدل على الآخر. وقال الزمخشري: «كأنَّ المطففين كانوا لا يؤخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين، لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً» . قوله: «يُخْسِرُونَ» جوابُ «إذا» ، وهو يتعدَّى بالهمزة، يقال: خسر الرجل وأخسرته

стр. 12529

أنا، فمفعوله محذوف، أي: يخسرون الناس متاعهم. قال المؤرج: يخسرون أي ينقصون بلغة «قريش» . فصل في تفسير الآية قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل والوزن. أي: إذا استوفوا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، «وإذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ» أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أي: للناس، ولمَّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً فيه إضرارٌ بهم، وتحاملٌ عليهم أقيمَ «على» مقام «من» للدلالة على ذلك. وقال الكسائيُّ والفراءُ: حذف الجار وأوصل الفعل، وهذا من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم، يقال: وزنتك حقك، وكلتك طعامك أي: وزنت لك، وكلتُ لك، كما يقال: نصحتك، ونصحت لك، وكسيتك، وكسيت لك. وقال الفراء: المراد اكتالوا من الناس، و «على» و «من» يتعاقبان؛ لأنه حق عليه فإذا فلت: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قلت: اكتلت منك فهو كقولك: استوفيت منك. وقيل: على حذف مضاف، أي: إذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا لهم موزونهم. قوله: ﴿أَلا يَظُنُّ﴾ : الظَّاهر أنَّها «ألا» التحضيضية، حضهم على ذلك، ويكون الظنُّ بمعنى: اليقين. وقيل: هي «لا» النافية دخلت عليها همزة الاستفهام. ومعنى الآية: ألا يستيقن أولئك الذي يفعلون ذلك بأنهم مبعوثون ليوم عظيم، وهو يوم القيامة، وفي الظن هنا قولان: أحدهما: أنَّ المراد به: العلمُ، وعلى هذا التقدير يحتملُ أن يكون المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدِّقين بالبعث، ويحتمل ألَاّ يكونوا كذلك لتمكُّنهم من الاستدلال عليه بالفعل. الثاني: أنَّ المراد بالظن هنا: هو الظن نفسه، لا العلم، ويكون المعنى: هؤلاء المطففون هَبْ أنهم لا يجزمون بالبعث، ولكن لا أقل من الظن لوضوح أدلَّته، فإنَّ الأليق بحكمة الله - تعالى - ورحمته، ورعايته مصالح خلقه ألَاّ يهمل أمرهم بعد الموت، وأن يكون لهم نشر وحشر، وأن هذا الظَّن كافٍ في حصول الخوف. قوله: ﴿يَوْمَ﴾ : يجوز نصبه ب «مبعوثون» . قال الزمخشريُّ: أو ب «يبعثون» مقدراً، أو على البدل من محل اليوم، أو

стр. 12530

بإضمار «أعني» ، أو هو مرفوع المحل لإضافته لفعل وإن كان مضارعاً، كما هو رأيُ الكوفيين، ويدل على صحة هذين الوجهين، قراءة زيد بن عليٍّ: «يَوْمَ يقُومُ» بالرفع، وما حكاه أبو معاذ القارئ: «يومِ» بالجر على ما تقدَّم. فصل في المراد بقيام الناس لرب العالمين قيام الناس لرب العالمين إمَّا للحساب، وإمَّا قيامهم من القبور. وقال أبُو مسلم: قيامهم له عبارة عن طاعتهم له وانقيادهم، كقوله تعالى: ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] ، وفي الحديث: «إنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِقدارَ ثَلاثِمائةِ سَنَة لا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بأمْرٍ» . وعن ابن عباس: وهو في حقِّ المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة. وفي هذه الآيات مبالغات، منها أنَّ الويل إنما يذكر عند شدة البلاء، ومنها الإنكار بقوله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ﴾ ، ومنها استعظامه - تعالى - لليومِ، ومنها تأكيده بما بعده، وما يوهم ذلك، وما يقتضيه من خضوعهم وذلتهم، وفي هذا نكتة، وهي كأن قائلاً يقول: هذا التشديد العظيم، والوعيد البليغ، كيف يكون على التطفيف مع نزارته، وزهادته، وكرم المولى وإحسانه؟ . فأشار بقوله: ﴿لِرَبِّ العالمين﴾ إلى أنَّه مُربيهم ومسئول عن أمورهم، فلا يليق أن يهمل من أمورهم شيئاً. فصل في الكلام على لفظ «المطفف» قال القشيري: لفظ المطفِّف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب، وإخفائه؛ وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ويقال: من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف، والمباشرة والصحبة من هذه المادة، والذي يرى عيب الناس، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حقَّ نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يتطلبه.

стр. 12531

قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الفجار﴾ .

стр. 12532

«كَلَاّ» حرف ردع، أي: ليس الأمر على ما هم عليه فَليَرتَدِعُوا، وها هنا تم الكلام. وقال الحسنُ: «كَلَاّ» : ابتداء يتصل بما بعده على معنى «حقًّا» إنَّ كتابَ الفجَّار الذي كتب فيه أعمالهم لفي سجين. اختلفوا في نون «سِجِّين» . فقيل: هي أصليَّة، واشتقاقه من السَّجن، وهو الحبسُ، وهو بناء مبالغة «فعيلاً» من السجن، ك «سِكِّير» و «فسِّيق» من السكر والفسق وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج. قال الواحدي: وهذا ضعيف؛ لأن العرب ما كانت تعرف سجيناً. وقيل: «النون» بدل من «اللام» ، والأصل: «سجيل» مشتقاً من السِّجل، وهو الكتاب. واختلفوا فيه أيضاً: هل هو اسم موضع، أو اسم كتاب مخصوص؟ . وقيل: هو صفة، أو علمٌ منقول من وصفٍ ك «خاتم» ، وهو مصروف إذ ليس فيه إلا سبب واحدٌ، وهو العلمية. وإذا كان اسم مكان، فقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ إمَّا بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف، وهو ضمير يعود عليه. وعلى التقديرين فهو مشكل؛ لأن الكتاب ليس هو المكان. فقيل: التقدير، هو محل كتاب، ثم حذف المضاف. وقيل: التقدير: وما أدراك ما كتاب سجين، والحذف إما من الأول وإمّا من الثاني. وأما إذا قلنا: إنه اسم لكتاب فلا إشكال. وقال ابن عطية: من قال: إن سجيناً موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر «إنَّ» ، والظرف الذي هو «لفي سجين» ملغى، ومن جعله عبارة عن الخسار، ف «كتاب» خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسراً لسجين ما هو انتهى. وهذا لا يصح - ألبتة - إذ دخول اللام يعيّن كونه خبراً، فلا يكون ملغياً لا يقال: «اللام» تدخل على معمول الخبر، فهذا منه، فيكون ملغىً؛ لأنَّه لو فرض الخبر، وهو «كتاب» عاملاً أو صفته عاملة، وهو «مَرقُوم» لامتنع ذلك، أمّا منع عمل «كتاب» ، فلأنه موصوف، والمصدر الموصوف لا يعمل، وأمَّا امتناع عمل «مرقوم» ؛ فلأنه صفة، ومعمول الصفة لا يتقدم على موصوفها، وأيضاً: فاللام إنما تدخل على معمول الخبر بشرطه، وهذا ليس معمولاً للخبر، فتعيَّن أن يكون الجار هو الخبر، وليس بملغى.

стр. 12533

وأمَّا قوله ثانياً: ويكون هذا الكلام تفسيراً ل «سجين» ما هو فهو مشكل، لأن الكتاب ليس هو الخسار الذي جعل الضمير عائداً عليه مخبراً عنه ب «كتاب» . وقال الزمخشري: فإن قلت: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجَّار بأنه في سجِّين، وفسَّر سجيناً ب «كتاب مرقوم» ، فكأنه قيل: إنَّ كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟ . قلت: سجين: كتاب جامع هو: ديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين، وأعمال الكفرة والفسقة من الجنِّ والإنسِ، وهو كتاب مرقومٌ مسطورٌ بين الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي «سجِّيْناً» «فعيلاً» من السجن؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم انتهى. فصل في تفسير معنى سجين قال عبدُ اللهِ بن عُمرَ وقتادةُ ومجاهدٌ والضحاكُ: «سِجِّين» هي الأرض السابعة السفلى، فيها أرواح الكفَّار. وروى البراء، قال: قال رسول الله ﷺ َ: «» سِجِّين «أسفلُ سبْعِ أرضين، و» عِلِّيُّون «في السماءِ السَّابعة تحت العرشِ» . وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة. وقال عكرمةُ: «لفي سجِّين» لفي خسارةٍ وضلالٍ. قال القشيريُّ: «سجين» : موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر، بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ، أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك. قال القرطبي: وليس في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ما يدل على أن لفظ «سجين» ليس عربياً، كما لا يدل قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ [القارعة: ٣] ، بل هو تعظيم لأمْرِ سجين.

стр. 12534

قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ قال المفسرون: ليس هذا تفسيراً ل «سجين» ، بل هو بيان للكتاب المذكور في قوله: «إنَّ كِتابَ الفُجَّار» أي: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم، كالرقم لا ينسى ولا يمحى حتى يجازى به، والرقم: الخط؛ قال: [الطويل] ٥١٢٨ - سَأرْقمُ فِي المَاءِ القَراحِ إليْكمُ ... عَلَى بُعدكُمْ، إنْ كَانَ في الماءِ رَاقمُ وقيل: الرَّقْمُ: الختم بلغة حمير. [وتقدمت هذه المادة في سورة «الكهف» ] . وقال قتادةُ ومقاتل: رقم: نشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنَّه كافر.

стр. 12535

قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . قيل: إنَّه متصل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ لمن كذَّب بأخبار الله تعالى. وقيل: إنَّ قوله: «مرقوم» معناه: مرقم أي: يدل على الشَّقاوة يوم القيامة، ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذلك اليوم من ذلك الكتاب. ثم إنه - تعالى - أخبر عن صفة من يكذِّب بيوم الدين، فقال تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ، فقوله تعالى: ﴿الذين يُكَذِّبُونَ﴾ يجوز فيه الإتباع نعتاً وبدلاً وبياناً، والقطع رفعاً ونصباً. واعلم أنه - تعالى - وصف المكذب بيوم الدين بثلاث صفاتٍ: أولها: كونه معتدياً، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحقِّ. وثانيها: الأثيم وهو المبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي. وثالثها: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ والمراد: الذين ينكرون النبوة، والمراد بالأساطير: قيل: أكاذيب الأولين. وقيل: أخبار الأولين. قوله: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ﴾ . العامة على الخبر.
следующие страницы →