Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.
стр. 12566
قالت: الحكماء: من كان اليوم على حاله، فليعلم أن تدبيره إلى سواه.
وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أنَّ لهذا العالم صانعاً؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوَّة، وضعف الأركان وقهر النية ونسخ العزيمة.
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . يعني: أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضَّحت لهم الآيات والدِّلالات، وهذا استفهام إنكارٍ.
وقيل: تعجب أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حال.
قال ابنُ الخطيب: فما لهم لا يؤمنون بالبعث والقيامة، وهو استفهام إنكارٍ، وإنَّما يحسن عند ظهور الحُجَّة، وذلك أنه - تعالى - أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها، وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾ فإنه يدل على حدوث ظلمةٍ بعد نورٍ، وعلى تغييرات أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النَّومِ، وكذا قوله تعالى: ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾ فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد نقصانه ثم إنه أقسم - تعالى - بهذه الأحوال المتغيرة على تغيير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأحوال العلوية والسفلية من حال إلى حال بحسب المصالح، لا بد وان يكون قادراً، ومن كان كذلك لا محالة قادر على البعث والقيامة، فلما كانت هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة بصحة البعث، لا جرم قال تعالى على سبيل الاستبعاد: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ .
فصل في الكلام على الآية
قال القاضي: «لا يجوز أن يقول الحكيم لمن كان عاجزاً عن الإيمان: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ ، وهذا يدل على كونهم قادرين، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها ألبتة» . وجوابه تقدم.
قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ﴾ شرط، جوابه ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ ، وهذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال نسفاً على ما قبلها، أي: فما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، أي: لا يصلون قاله ابن عباس: وعطاء، والكلبي، ومقاتل [وقال أبو مسلم: المراد الخضوع والاستكانة.
وقيل: المراد نفس السجود لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ َ سجد فيها.
стр. 12567
وقال مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن المعنى لا يدعون ولا يطيعون] .
قوله تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ . العامّة: على ضمِّ الياء من «يكذبون» وفتح الكاف وتشديد الذَّال.
والضحاكُ وابنُ أبي عبلة: بالفتح والإسكان والتخفيف [وتقدمت هاتان القراءتان أول البقرة] .
والمعنى: يُكذِّبُون بمحمد ﷺ َ وما جاء به.
قال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم.
وقيل: هو في جميع الكفار.
قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ . هذه هي قراءة العامة، من أوعى يُوعِي، أي: بما يضمرون في أنفسهم من التكذيب، رواه الضحاك عن ابن عباسٍ.
وقال مجاهدٌ: يكتمون من أفعالهم.
وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع فيه، يقال: وعيت الزَّاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء؛ قال الشاعر: [البسيط]
٥١٥١ - ألخَيْرُ أبْقَى وإنْ طَال الزَّمانُ بِهِ ... والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوعَيْتَ مِنْ زَادِ
وقرأ أبو رجاءٍ: «يَعُونَ» من «وَعَى يَعِي» ، يقال: وعاهُ إذا حفظهُ، يقال: وعيتُ الحديثَ، أعيهُ، وعياً، وأذنٌ واعيةٌ، وقد تقدم.
قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، أي: مُؤلمٍ في جهنَّم على تكذيبهم وكفرهم، أي: جعل ذلك بمنزلة البشارة.
قوله: ﴿إِلَاّ الذين آمَنُواْ﴾ : يجوز أن يكون متصلاً، وأن يكون منقطعاً، هذا إذا كانت الجملة من قوله: «لَهُمْ أجْرٌ» : مستأنفة أو حالية، أمَّا إذا كان الموصول مبتدأ والجملة خبره، فالاستثناء ليس من قبيل استثناء المفردات، ويكون من قسم المنقطعِ، أي: لكن الذين آمنوا لهم كيت وكيت.
стр. 12568
وتقدم معنى الممنُون في: «حم» السجدة، وأنَّ معناه: غير منقوص لا مقطوع، يقال: مننت الحبل: إذا قطعته.
وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ﵄ عن قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فقال: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ قال: نعم، قد عرفه أخو يشكر؛ حيث يقول: [الخفيف]
٥١٥٢ - فَتَرَى خَلفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْ ... عِ مَنِيناً كأنَّهُ أهْبَاءُ
قال المبرد: المنين: الغبار؛ لأنه يقطعه وراءها، وكل ضعيف مَنِين ومَمْنُون.
وقال بعضهم: ليس هنا استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا.
وقد مضى القول فيه في سورة البقرة، والله تعالى أعلم.
روى الثعلبي عن أبيٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ أعاذهُ اللهُ - تَعَالَى - أن يُعْطيهُ كِتابهُ وَراءَ ظَهْرهِ» وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 12569
سورة البروج
стр. 12570
مكية، وهي اثنان وعشرون آية، ومائة وتسع كلمات، وأربعمائة وثمانية وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ . هذا قسم أقسم الله تعالى به، وفي البروج أقوال:
قيل: والسَّماء ذات النجوم. قاله الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاكُ. وقال ابنُ عباسٍ وعكرمةُ ومجاهدٌ: هي قصور في السماء.
وقال مجاهد أيضاً: هي البروج الاثنا عشر، وهو قول أبي عبيدة ويحيى بن سلام.
وقيل: هي منازل القمر.
قوله: ﴿واليوم الموعود﴾ : وهو يوم القيامة، وهذا قسم آخر، قال ابن عباس ﵁: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه.
стр. 12571
قال القفال: يحتمل أن يكون المراد: اليوم الموعود لانشقاق السماء وبنائها، وبطلان بروجها، وقوله تعالى: «الموعود» أي: الموعود به.
وقال مكيٌّ: «الموعود» : نعت لليوم، وثمَّ ضمير محذوف به تتم الصفة، تقديره: الموعود به، ولولا ذلك ما صحَّت الصفة؛ إذ لا ضمير يعود على الموصوف من صفته. انتهى.
وكأنه يعني أن اليوم موعود به غيره من الناس، فلا بُدَّ من ضمير يرجع إليه؛ لأنه موعود به، وهذا لا يحتاج إليه، إذ يجوز أن يكون قد تجوز بأن اليوم قد وعد بكذا، فيصح ذلك، ويكون فيه ضمير عائدٌ عليه.
قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ . قال علي، وابنُ عباسٍ، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، وهو قول الحسن، ورواه أبو هريرة مرفوعاً - عن النبي ﷺ َ: «المَوعُودُ: يومُ القيامة، واليَوْمُ المشهودُ: يَوْمَ عَرفةَ، والشَّاهِدُ: يَوْمَ الجُمعةِ» خرَّجه الترمذي في «جامعه» .
قال القشيري: فيوم الجمعة يشهد على عامله بما يعمل فيه.
قال القرطبيُّ: وكذلك سائر الأيام والليالي، لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية ابن قرة، عن معقل بن يسارٍ عن النبي ﷺ َ قال: «لَيْسَ مِنْ يوْمٍ يَأتِي عَلى العَبْدِ إلا يُنَادي فيه: يا ابْنَ آدمَ أنا خَلقٌ جدِيدٌ، وأنَا فيمَا تَعْمَلُ علَيْكَ شَهِيدٌ، فاعْمَلْ فيَّ خيراً أشْهَد لَكَ فيهِ غداً، فإنِّي لوْ قَدْ مَضيْتُ لَمْ تَرَنِي أبَداً، ويقُول اللَّيْلُ مِثْلَ ذلِكَ» حديث غريب.
стр. 12572
وحكى القشيريُّ عن ابن عمر وابن الزُّبيرِ: أن الشاهد يوم الأضحى.
وقال سعيد بن المسيب الشاهد يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة.
[وروي عن علي ﵁: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر] وعن ابن عباس والحسين بن علي ﵃: المشهود: يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وعلى هذا فقيل: الشاهد هو الله تعالى، وهو مروي عن ابن عباسٍ، والحسن، وسعيد بن جبير لقوله تعالى: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ [النساء: ٧٩] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾
[الأنعام: ١٩] .
وعن ابن عباس ﵁: الشاهد: محمد ﷺ َ لقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: ٤٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون على أممهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] .
وقيل: آدم ﵊ ُ.
وقيل: عيسى ابن مريم ﵊ ُ - لقوله تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] والمشهود أمته.
وعن ابن عباس ومحمد بن كعب: الشاهد: الإنسان، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] .
وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] ، والمشهود بنو آدم.
стр. 12573
قوله تعالى: ﴿قُتِلَ﴾ . هذا جواب القسم على المختار، وإنما حذفت اللام، والأصل: «لقتل» ؛ كقوله: [الطويل]
٥١٥٣ - حَلفْتُ لَهَا باللهِ حَلفَة فَاجرٍ ... لنَامُوا فمَا إنْ مِنْ حَديثٍ ولا صَالِي
وإنما حسُن حذفها للطول كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] .
وقيل: تقديره، لقد قتل، فحذف «اللام وقد» ، وعلى هذا فقوله «قُتِلَ» خبر، لا دعاء.
وقيل: هي دعاءٌ، فلا يكون جواباً.
وفي الجواب حينئذ أوجه:
أحدها: أنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ﴾ [البروج: ١٠] .
الثاني: قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] قاله المبرد.
الثالث: أنه مقدر، فقال الزمخشري ولم يذكر غيره: هو محذوف يدل عليه قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ كأنَّه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود ثم قال: «قُتِلَ» دعاءٌ عليهم كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] .
وقيل: التقدير: لتبعثن.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، قتل أصحاب الأخدود والسَّماء ذات البروج، قاله أبو حاتم.
قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد، على معنى: قام زيد والله.
وقرأ الحسن وابن مقسم: «قُتِّل» بتشديد التاء مبالغة أو تكثيراً.
قوله: ﴿أَصْحَابُ الأخدود﴾ ، أي: لعن أصحاب الأخدود.
قال ابن عباس: كل شيء في القرآن «قُتِلَ» فهو: لُعِنَ، والأخدود الشقُّ العظيم المستطيل الغائص في الأرض.
قال الزمخشريُّ: والأخدود: الخدُّ في الأرض وهو: الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق، ومنه: «فَسَاخَتْ قوائمه في أخاقيق جرذان» انتهى.
فالخَدُّ: في الأصل مصدر، وقد يقع على المفعول، وهو الشق نفسه، وأمَّا الأخدود فاسم له فقط.
стр. 12574
وقال الراغب: الخد والأخدود: شق في الأرض مستطيل غائص، وأصل ذلك من خَدَّي الإنسان، وهما ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال، فالخَدُّ: يستعار للأرض ونحوها كاستعارة الوجه، وتخدد اللحم بزواله عن وجه الجسم، ثم يعبر بالمخدود عن المهزول والخداد: وسم في الخد.
وقال غيره: سمي الخدُّ خدَّا؛ لأن الدموع تخُد فيه أخاديدَ، أي: مجاري، وجمع الأخدود: أخاديد، والمخدَّة؛ لأن الخد يوضع عليها، ويقال: تخدَّد وجه [الرجل] إذا صارت فيه أخاديد من جراحٍ.
فصل في نزول السورة
هذه السورة نزلت في تثبيت المؤمنين، وتصبيرهم على أذى المشركين، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم، فيعلموا أنَّ كفارهم عند الله - تعالى - بمنزلة الأمم السابقة.
وكان من حديث أصحاب الأخدود: أنه كان لبعض الملوك ساحرٌ، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهبٌ، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب، ثم رأى في طريقه ذات يوم حيَّة قد حبست الناس، فقال: اللَّهم إن كان هذا الراهب أحبَّ إليك من الساحر فقوّني على قتل هذه الحيَّة، وأخذ حجراً فرماها به فقتلها، فأعرض الغلام عن تعلم السحر، واشتغل بطريقة الراهب، ثم صار إلى حيث يبرئُ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأذى، فاتفق أن عميَ جليس الملك، وأتاه بهدايا كثيرة، وقال له: إن أنت شفيتني، فهي لك أجمع، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله - تعالى - دعوته شفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأبرأه فلما رآه الملك، قال: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربَّي، فغضب الملك وقال: هل لك ربٌّ غيري؟ قال: ربِّي وربُّك الله، فعذبه حتى دلَّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: يا بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحداً، إنَّما يشفي الله تعالى، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقَّه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبلِ كذا وكذا، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه من ذُروتهِ، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فزَحَفَ بهم الجبلُ، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، وقال: احملوه في سفينة وتوغّلوا به في البحر،
стр. 12575
فإن رجع عن دينه وإلَاّ فأغرقوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه , وقال: احملوه في سفينة وتوغّلوا به في البحر , فإن رجع عن دينه وإلَاّ فأغرقوه , فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت , فانكفأت بهم السفينة , فغرقوا , ونجا , وجاء يمشي إلى الملك , فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله , وقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وتصلبني على جذعِ نخلةٍ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبدِ القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم به واضرب، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانته، فوضعه في القوسِ، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ورماه به فوقع السهم على صدغه، فمات، فقال الناس: آمنَّا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السكك أوقدتْ فيها النيران، وقال: من لم يرجع منهم طرحته فيها، حتى جاءت امرأة ومعها صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الصبي: يا أمَّاه، اصبري، فإنَّك على الحق، فصبرت على ذلك.
وفي رواية: أنَّ الدابة التي حبست الناس كانت أسداً، وأن الغلام دفن، قيل: إنه خرج في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
وعن ابن عباس ﵄: أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعاً فأحرقتهم.
وقال الضحاكُ: هم قوم من النصارى باليمن قبل مبعث رسول الله ﷺ َ بأربعين سنة، أخذهم يوسفُ بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيِّفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً، وأحرقهم فيه. حكاه الماورديُّ. وروي غير ذلك.
قال مقاتلٌ: أصحاب الأخدود ثلاثة: واحدٌ بنجران، والآخر: بالشَّام، والآخر: بفارس، أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصّر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس، فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآناً، وأنزل قرآناً في الذي كان بنجران.
قال الكلبي: هم نصارى نجران، أخذوا بها قوماً مؤمنين، فخذوا لهم سبعة
стр. 12576
أخاديد، كل أخدود أربعون ذراعاً، وعرضه اثنا عشر ذراعاً، ثم طرحوا فيه النفط، والحطب، ثم عرضوهم عليها فمن أبى قذفوه فيها.
فصل في المراد بأصحاب الأخدود
قال ابن الخطيب: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود: القاتلين، ويمكن أن يكون المراد بهم: المقتولين، والمشهور أنَّ المقتولين هم: المؤمنون.
وروي أن المقتولين هم الجبابرة، روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفَّار فأحرقتهم، ونجَّى الله - تعالى - المؤمنين منها سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنسٍ، والواحدي، وتأولوا قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] أي: في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق﴾ [البروج: ١٠] في الدنيا، فإن فسَّرنا أصحاب الأخدود بالقاتلين، فيكون قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ دعاءٌ عليهم أي: لعن أصحاب الأخدود كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ، ﴿قُتِلَ الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠] .
أو يكون المعنى: قتلوا بالنار كما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلتهم.
وإن فسَّرنا أصحاب الأخدود بالمقتولين كان المعنى أن المؤمنين قتلوا بالإحراق بالنار، فيكون ذلك خبراً لا دعاء.
فصل في المقصود من هذه الآية
المقصود من هذ الآية: تثبيت قلوب المؤمنين بإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد، وذكر لهم النبي ﷺ َ قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار، ليتأسَّوا بهذا الغلام في صده على الأذى والصلب وبذله نفسه في إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، وكذلك صبر الراهب على التمسُّك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى.
قوله: ﴿النار﴾ . العامة: على جرها، وفيها أوجه:
أحدها: أنه بدل من «الأخدود» بدل اشتمال؛ لأن «الأخدود» مشتمل عليها، وحينئذ فلا بد من الضمير.
فقال البصريون: مقدرٌ، تقديره: النار.
وقال الكوفيون: «أل» قائمةٌ مقام الضمير، تقديره: ناره، ثم حذف الضمير، وعوِّض عنه «أل» [وتقدم البحث معه في ذلك] .
стр. 12577
الثاني: أنَّه بدل من كل، ولا بد حينئذ من حذف مضاف، تقديره: أخدود النار.
الثالث: أن التقدير: ذي النَّار؛ لأنَّ الأخدود هو الشق في الأرض، حكاه أبو البقاء.
وهذا يفهم أنَّ النَّار خفض بالإضافة لتلك الصفة المحذوفة، فما حذف المضاف قام المضاف إليه مقامه في الإعراب، واتفق أن المحذوف كان مجروراً، وقوله: إن الأخدود هو الشق، تعليل بصحة كونه صاحب نار.
الرابع: أن النار خفض على الجوار، نقله مكيٌّ عن الكوفيين.
وهذا يقتضي أن النار كانت مستحقة لغير الجر، فعدل عنه إلى الجر للجوار، والذي يقتضي الحال أنه عدل عن الرفع، ويدل على ذلك أنه قد قرئ في الشاذ: «النَّارُ» رفعاً، والرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: هي النار وقيل: بل هي مرفوعة على الفاعلية تقديره قتلهم: أي: أحرقتهم، والمراد حينئذ بأصحاب الأخدود: المؤمنون.
وقرأ العامة: «الوَقُودِ» بفتح الواو، والحسنُ، وأبو رجاء، وأبو حيوة، وعيسى: بضمها، وتقدمت القراءتان في أول «البقرة» .
قوله تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ . العامل في «إذ» إما: «قُتِلَ أصحاب» ، أي: قتلوا في هذا الوقت.
وقيل: اذكر، مقدراً، فيكون مفعولاً به، ومعنى قعودهم عليها أي: على ما يقرب منها كحافتها؛ ومنه قول الأعشى: [الطويل]
٥١٥٤ - تُشَبُّ لِمقْرُورَيْنِ يَصْطلِيانِهَا ... وبَاتَ على النَّارِ النَّدَى والمُحلقُ
وقال القرطبيُّ: ومعنى «عليها» أي: «عندها» و «على» بمعنى: «عند» ، والضمير في «هم» يجوز أن يكون للمؤمنين، وأن يكون للكافرين.
قوله: ﴿وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ﴾ . أي: حضور، يعني: الكفَّار كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبي ألقوهُ في النار.
وقيل: «على» بمعنى: «مع» أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود.
стр. 12578
قال ابن الخطيب: و «على» بمعنى: «عند» كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أي: عندي.
[وقوله: «شهودٌ» إما حضور قاسية قلوبهم لا يرقون على المؤمنين، أو هم مجدون في ذلك لا يخطر لهم أنه حق.
أو يكون المراد وصف المؤمنين بالتصلُّب في دينهم، والثبات عليه، وإن لم يؤثر فيهم حضور هؤلاء، ولا استحيوا من مخالطتهم.
وإما أن يكون المراد بشهودهم شهادة الدعوة؛ أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بما فعلوا بالمؤمنين.
وإما أنهم متثبّتون في فعلهم متبصرون فيه كما يفعل الشهود، ثم لا يرحمونهم مع ذلك] .
قوله: ﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ ، العامة، على فتح القاف.
وزيدُ بن عليٍّ، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: بكسرها، والفصيح: الفتح. وقد تقدم ذلك في سورة «المائدة» و «براءة» .
والمعنى: ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرَّقوهم ﴿إِلَاّ أَن يُؤْمِنُواْ﴾ إلَاّ أن صدقوا بالله؛ كقوله: [الطويل]
٥١٥٥ - ولا عَيْبَ فِيهَا غَيْرَ شُكلةِ عَيْنهَا ... كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكلٌ عُيونُهَا
وكقول ابن الرقيَّات: [المنسرح]
٥١٥٦ - ما نَقَمُوا من بَنِي أميَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلمُونَ إنْ غَضِبُوا
يعني أنهم جعلوا أحسن الأشياء قبيحاً وتقدم الكلام على محل «أن» أيضاً في سورة «المائدة» .
وقوله تعالى: ﴿أَن يُؤْمِنُواْ﴾ أتى بالفعل المستقبل تنبيهاً على أنَّ التعذيب إنما كان لأجل إيمانهم في المستقبل، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى من الإيمان، فكأنه قيل: أن يدوموا على إيمانهم، و «العَزِيز» هو الغالب المنيع، «الحميد» : المحمود في كل حال.
стр. 12579
﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ : لا شريك له فيهما.
﴿والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالم بأعمال خلقه لا يخفى عليه خافية، وهذا وعد عظيم للمطيعين، ووعيد للمجرمين.
стр. 12580
قوله: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات﴾ : لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع من أحكام الثواب والعقاب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: حرقوهم بالنار، والعرب يقولون: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته، ودينار مفتون، ويسمى الصائغ: فتّان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي: فضة محرقة، ويقال للحرة: فتين وهي الأرض التي تركبها حجارة سوداء، كأنما أحرقت حجارتها بالنار لسوادها.
وقال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بالذين فتنوا: كل من فعل ذلك؛ لأن اللفظ والحكم عام.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾ أي: من قبيح صنيعهم، وهذا يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدلّ على القطع بأن الله يقبل التوبة، فدلَّ على أن توبة القاتل عمداً مقبولة.
قوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ . هو خبر «إنَّ الذينَ» دخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط، ولا يضر نسخه ب «إن» خرفاً للأخفش.
وارتفاع «عذاب» يجوز على الفاعلية بالجار قبله لوقوعه خبراً، وهو الأحسن، وأن يرتفع بالابتداء، والمعنى: لهم عذاب جهنَّم لكفرهم.
وقيل: ولهم عذاب الحريق أي: ولهم في الآخرة عذابُ الحريق، والحريق: اسم من أسماء جهنم كالسعير، والنَّار دركات وأنواع، ولها أسماء، وكانوا يعذبون بالزَّمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق.
والأول: عذاب ببردها.
والثاني: عذاب بحرِّها.
стр. 12581
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ . أي: هؤلاء الذين آمنوا بالله، أي: صدقوا به وبرسوله ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ أي: بساتين.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ لما ذكر تعالى وعيد المجرمين، ذكر وعد المؤمنين، ﴿ذَلِكَ الفوز الكبير﴾ أي: العظيم الذي لا فوز يشبهه، وقال: «ذلِكَ الفوزُ» ولم يقل: تلك؛ لأن ذلك إشارة إلى إخبار الله تعالى بحضور الجنات، وتلك إشارة إلى الجنَّة الواحدة، وإخبار الله - تعالى - يدل على كونه راضياً. والفوز الكبير: هو رضا الله تعالى، لا دخول الجنة.
قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ؛ أي: أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله تعالى: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .
وقال المبرد: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ جواب القسم وقد تقدم ذلك.
والبطش: هو الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة، فقد تضاعف.
قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾ ، يعني: الخلق عند أكثر العلماء يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمةُ، قال: عجب الكفَّار من إحيائه تعالى الأموات.
وقال ابن عباس ﵁ يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري.
قوله: ﴿وَهُوَ الغفور الودود﴾ : «الغَفُور» : أي: الستور لعباده المؤمنين، والودود: مبالغة في الوداد.
قال ابن عباسٍ: هو المتودّد لعباده المؤمنين بالمغفرة.
وعن المبرد، هو الذي لا ولد له، وأنشد: [المتقارب]
٥١٥٧ - وأركَبُ في الرَّوعِ عُريانَةً ... ذَلُولَ الجَناحِ لَقَاحاً ودُودَا
أي: لا ولد لها تحنّ إليه.
وقيل: هو «فعول» بمعنى: «مفعول» ، كالرَّكُوب والحلُوب أي: يوده عباده الصالحون.
قوله: ﴿ذُو العرش المجيد﴾ قرأ الكوفيون إلَاّ عاصماً: «المجيد» بالجر.
فقيل: نعت للعرش.
стр. 12582
وقيل: ل «ربك» في قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ، قاله مكيٌّ. وقيل: لا يجوز أن يكون نعتاً للعرش؛ لأنه من صفات الله تعالى.
وقرأ الباقون: بالرفع، على أنه خبر بعد خبر.
وقيل: هو نعت ل «ذو» ، واستدلَّ بعضهم على تعدد الخبر بهذه الآية، ومن منع قال: لأنها في معنى واحد، أي: جامع بين هذه الأوصاف الشريفة، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر.
والمجيد: هو النهاية في الكرم والفضل، والله ﵎ هو المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر المؤمنين.
ومعنى «ذو العرش» أي: ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ملكه وإن لم يكن على سرير، ويقال: بلي عرشه، أي: ذهب سلطانه.
قوله: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده.
قال الزمخشريُّ: «فعالٌ» خبر مبتدأ محذوف، وإنما قيل: «فعال» ؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود.
وعن أبي السفر قال: دخل ناس من أصحاب النبي ﷺ َ على أبي بكر ﵁ يعودونه، فقالوا: ألا نأتيك بطبيبٍ؟ قال ﵁: قد رآنِي، قالوا: فَمَا قَال لَك؟ قال: قال: إنِّي فعَّالٌ لما أريدُ.
فصل في أن الآية دلت على خلق الأفعال
دلَّت هذه الآية على خلق الأفعال؛ لأنه تعالى يريد الإيمان، فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان، وإذا كان فاعلاً للإيمان وجب أن يكون فاعلاً للكفر ضرورة؛ لأنه لا قائل بالفرق.
فصل في تفسير الآية
قال القفال: «فعَّالٌ لما يُرِيدُ» أي: يفعل ما يريد على ما يراه، لا يعترض عليه ولا يغلبه غالب، فيدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم
стр. 12583
منه ناصر، ويمهمل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، فهو يفعل ما يريد.
стр. 12584
قوله: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود﴾ ، أي: قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم [تَسْلِيَةً له بذلك] .
قوله تعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من الجنود، وحينئذ فكان ينبغي أن يأتي البدل مطابقاً للمبدل منه في الجمعية.
فقيل: هو على حذف مضاف، أي: جنود فرعون.
وقيل: المراد فرعون وقومه، واستغني بذكره عن ذكرهم؛ لأنهم أتباعه.
ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار: أعني؛ لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه.
والمعنى: أنك قد عرفت ما فعل بهم حين كذبوا بأنبيائهم ورسلهم.
قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾ ، أي: هؤلاء الذين لا يؤمنون بك في تكذيب لك كدأب من قبلهم، وإنما خُصَّ فرعون وثمود؛ لأن ثموداً في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدِّمين، وأمر فرعون كان مشهوراً عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدلَّ بهما على أمثالهما، والله أعلم.
قوله: ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ ، أي: يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون، والمحاط به المحصور.
وقيل: والله أعلم بهم فيجازيهم.
قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ العامة: على تبعية مجيد ل «قرآن» ، وقرأ ابن السميفع بإضافة «قرآن» ل «مجيد» .
فقيل: هو على حذف مضاف، أي: قرآن رب مجيد.
كقوله: [الوافر]
٥١٥٨ - ولَكِنَّ الغِنَى ربّ غَفُور ...
стр. 12585
أي: غنى رب غفور.
وقيل: بل هو من إضافة الموصوف إلى صفته، فتتحد القراءتان، ولكن البصريين لا يجيزون هذا لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، ويتأولون ما ورد.
ومعنى «مَجِيدٌ» أي: متناهٍ في الشرف والكرم والبركة.
وقيل: «مَجِيدٌ» أي: غير مخلوق.
قوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ، قرأ نافع: برفع «محفوظ» : نعتاً ل «قرآن» .
والباقون: بالجر؛ نعتاً للوح.
والعامة: على فتح اللام، وقرأ ابن السميفع وابن يعمر: بضمها.
قال الزمخشري: يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح، «محفوظ» من وصول الشياطين إليه.
وقال أبو الفضل: «اللّوح» : الهواء، وتفسير الزمخشري بالمعنى، وهو الذي أراده ابن خالويه.
قال القرطبي: «فِي لوحٍ محفُوظٍ» أي: مكتوب في لوح، وهو محفوظ عند الله - تعالى - من وصول الشياطين إليه.
وقيل: هو أم الكتاب، ومنه انتسخ القرآن والكتب.
وقال بعض المفسرين: «اللوح» شيء يلوح للملائكة فيقرءونه.
وفي «الصِّحاح» : لاح الشيء يلوح لوحاً ولواحاً: عطش، وكل عظم عريض، واللوح: الذي يكتب فيه، واللُّوح: بالضم، الهواء بين السماء والأرض. وأنشد دريد: [الرجز]
٥١٥٩ - عقابُ لُوحِ الجَوِّ أعْلَى مَتْنَا ... قال ابن الخطيب: قال - هاهنا -: «فِي لَوْحٍ مَحفُوظٍ» ، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون، هو اللوح المحفوظ، ثم كونه محفوظاً يحتمل أن يكون محفوظاً عن اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة
стр. 12586
المقربين، ويحتمل أن يكون المراد: ألَاّ يتغيَّر ولا يتبدل. والله أعلم.
روى الثعلبي عن أبيٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ أعْطَاهُ اللهُ تعَالَى بعددِ كُلِّ يوم جُمعةٍ، وكُلُّ يَوْم عَرفة، يكُونُ في دَارِ الدُّنْيَا عَشْرَ حسَناتٍ» .
стр. 12587
سورة الطارق
стр. 12588
مكية، وهي سبع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وإحدى وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والسمآء و الطارق﴾ ، «السَّماءِ» : قسم، و «الطَّارقِ» : قسم، والطَّارقُ: هو النَّجم الثاقب، كما بينهُ الله تعالى بقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق النجم الثاقب﴾ .
والطارق في الأصل: اسم فاعل من: طرق يطرق طروقاً: أي: جاء ليلاً؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]
٥ ١ ٦٠ - فَمِثْلكِ حُبْلَى قَدْ طَرقتُ ومُرضعٍ ... فألْهَيْتُهَا عَنِ ذِي تَمائِمَ مُحْولِ
وأصله من الضرب، والطَّارقُ بالحصى: الضارب به؛ قال: [الطويل]
٥١٦١ - لعَمْرُكَ، ما تَدْرِي الطَّوارِقُ بالحَصَى ... ولا زَاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صَانِعُ
ثم اتُّسعَ فقيل لكل من أتى ليلاً: طارق، سواء كان كوكباً، أو غيره، ولا يكون الطارقُ نهاراً.
وروي أنه ﷺ َ: «نهى أن يأتي الرجل أهله طروقاً» .
стр. 12589
وقوله: ﴿النجم الثاقب﴾ ، قال محمد بن الحسين: هو زُحَل.
وقال ابن زيد: هو الثُّريَّا - أيضاً -: أنه زُحَل.
وعن ابن عباس: هو الجديُ، وعن عليٍّ بن أبي طالب والفرَّاء، «النَّجْمُ الثَّاقبُ» : نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط، فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وحين يهبط.
وفي «الصحاح» : «الطَّارقُ: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح» .
ومنه قول هند: [الرجز]
٥١٦٢ - نَحْنُ بَناتُ طَارق ... نَمْشِي عَلى النَمارِق
وقيل: هو اسم جنس، فيدخل فيه سائر الكواكب، وسمي ثاقباً؛ لأنه يثقب الظَّلام بضوئه، أي: ينفذ فيه. أي يرمي الشيطان فيحرقه.
قال الماورديُّ: وأصل الطرقِ، الدَّق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل: طارقاً، لاحتياجه في الوصول إلى الدق.
ورُوِيَ «أنَّ أبا طالبٍ أتى النبي ﷺ َ بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحطَّ نجم فامتلأت الأرض نوراً، ففزع أبو طالب، وقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال رسول الله ﷺ َ:» هَذَا نجمٌ رُمِي بِهِ، وإنَّهُ مِنْ آياتِ اللهِ «فعجب أبو طالب، ونزلت السورة» .
وقال مجاهد: «الثاقب» : المتوهِّج.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ﴾ تفخيم لشأن هذا المقسم به.
قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ . قد تقدم في سورة «هود» : التخفيف والتشديد في «لما» ، فمن خففها - هنا - كانت «إنْ» : مخففة من الثقيلة، و «كل» : مبتدأ، و «عليها» :
стр. 12590
خبر مقدم، و «حافظ» : مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «كل» ، و «ما» : مزيدة بعد اللام الفارقة، ويجوز أن يكون «عليها» : هو الخبر وحده، و «حافظ» : فاعل به، وهو أحسن، ويجوز أن يكون «كل» : مبتدأ، و «حافظ» : خبره، و «عليها» متعلق به، و «ما» : مزيدة أيضاً، هذا كله تفريع على قول البصريين.
وقال الكوفيون: «إنْ» هنا: نافية، واللام بمعنى «إلاّ» إيجاباً بعد النفي، و «ما» : مزيدة وتقدم الكلام في هذا مستوفى.
قال الفارسي: ويستعمل «لما» بمعنى: «إلَاّ» في موضعين:
أحدهما: هذا، والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت.
ورُوِيَ عن الكسائيِّ والخفش وأبو عبيدة أنهم قالوا: لم نجد «لما» بمعنى: «إلا» في كلام العرب.
وأما قراءة التشديد: ف «إن» نافية، و «لمَّا» بمعنى: «إلا» وتقدمت شواهد ذلك في سورة «هود» .
وحكى هارون: أنه قرئ «إنَّ» بالتشديد، «كُلَّ» بالنصب على أنه اسمها، واللام: هي الدالخة في الخبر، و «ما» : مزيدة، و «حافظ» : خبرها.
وعلى كل تقدير ف «إن» وما في خبرها: جواب القسم سواء جعلها مخففة أو نافية.
وقيل: الجواب: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ﴾ [الطارق: ٨] وما بينهما اعتراض؛ وفيه بعد.
فصل في المراد بالحافظ
قال قتادةُ: «حافظ» أي: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك، قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] .
وقيل: الحافظ: هو الله تعالى.
وقيل: الحافظ: هو العقل يرشد الإنسان إلى مصالحه، ويكفّه عن مضارِّه.
قال القرطبي: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو الله تعالى، قال الله
стр. 12591
تعالى: ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظاً﴾ [يوسف: ٦٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار مِنَ الرحمن﴾ [الأنبياء: ٤٢] وما كان مثله.
قال ابن الخطيب: المعنى: لما كانت كل نفس عليها حافظ، وجب أن يجتهد كل واحد، ويشتغل بالمهم، وأهم الأشياء معرفة المبدأ والمعاد والمبدأ يقدم.
стр. 12592
قوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان﴾ ، أي: ابن آدم، «مَمَّ خُلِقَ» ، وجه الاتصال بما قبله وصية الإنسان بالنظر في أول أمره حتى يعلم أنَّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فليعمل ليوم الإعادة والحشر والجزاء، ولا يملي على الحافظ إلا ما يسرُّه في عاقبه أمره.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ ، استفهام، أي: من أيِّ شيء خلق، وهو جواب الاستفهام.
قوله: ﴿مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ . فاعل بمعنى مفعول [كعكسه في قولهم: سيل مفعم] ، كقوله تعالى: ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤ ٥] على وجه.
وقيل: «دافِق» على النسب، أي: ذو دفق أو اندفاقٍ.
وقال ابنُ عطية: يصح أن يكون الماء دافقاً؛ لأن بعضه يدفق بعضاً، أي: يدفقه، فمنه دافق، ومنه مدفوق انتهى.
والدَّفقُ: الصَّبُّ، ففعله متعدٍّ.
وقرأ زيد بن علي: «مَدْفُوقٍ» وكأنَّه فسر المعنى.
قال القرطبيُّ: الصبُّ: دفقُ الماء، دفقت الماء، أدفقُه دفقاً، أي: صببته فهو ماء دافق، أي: مدفوق، كما قالوا: سرٌّ كاتم، أي: مكتوم؛ لأنه من قولك: دُفق الماء على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دَفق الماء، ويقال: دفق الله روحه: إذا دعى عليه بالموت.
قال الفرَّاء والأخفش: «ماءٍ دافقٍ» : أي مصبوب في الرَّحمِ.
وقال الزجاج: «مِن ماءٍ ذي انْدفاقٍ» ، يقال: دَارع، وفَارِس، ونَابِل، أي ذو فَرسٍ ودِرعٍ ونَبلٍ، وهذا مذهب سيبويه.
والدَّافق: هو المندفق بشدة قوته، وأراد ماءين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماءً واحداً لامتزاجهما.
стр. 12593
وقال ابن عباس: «دافق» لزج.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ ، أي: هذا الماء من بين الصلب، أي: الظَّهر وقرأ العامة: «يَخْرجُ» مبنياً للفاعل، وابنُ أبي عبلة وابن مقسم: مبنياً للمفعول. وقرأ - أيضاً -: وأهل «مكة» : «الصُّلُبِ» بضم الصاد واللام.
وقرأ اليماني: بفتحها؛ ومنه قول العجَّاج: [الرجز]
٥١٦٣ - فِي صَلبٍ مِثلِ العِنانِ المُؤدَمِ ... [وفيه أربع لغات: «صُلْب، وصُلُبٌ، وصَلَبٌ، وصَالب، ومنه قوله] : [المنسرح]
٥١٦٤ - تُنْقَلُ من صَالَبٍ إلى رحِمٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
والترائب: جميع تريبة، وهي موضع القلادة من عظام الصَّدر؛ لأن الولدَ مخلوق من مائهما؛ فماء الرجل في صلبه، وماء المرأة في ترائبها، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] ؛ وقال امرؤ القيس: [الطويل]
٥١٦٥ - مُهْفَهَفةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ... تَرَائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ
وقال آخر: [الكامل]
٥١٦٦ - والزَّعْفرَانُ على تَرائِبهَا ... شَرِقٌ بِهِ اللّبَّاتُ والنَّحرُ
стр. 12594
وقال المثقب العبديُّ: [الوافر]
٥١٦٧ - ومنْ ذَهَبٍ يَلوحُ عَلى تَريبٍ ... كَلوْنِ العَاجِ لَيْسَ لَهُ غُضُونُ
وقال الشاعر: [الرجز]
٥١٦٨ - أشْرَفَ ثَدْيَاهَا على التَّريبِ ... وعن ابن عباسٍ وعكرمة: الترائب: ما بين ثدييها.
وقيل: التَّرائب: التراقي.
وقيل: أضلاع الرجل التي أسفل الصلب.
وحكى الزجاجُ: أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصدر.
وعن ابن عبَّاسٍ: أطراف المرء، يداه ورجلاه وعيناه، وهو قول الضحاك.
وقيل: عصارة القلب، وهو قول معمر بن أبي حبيبة.
قال ابنُ عطية: وفي هذه الأقوال تحكم على اللغة.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الجيد.
وقال مجاهد: ما بين المنكبين والصدر.
وقال القرطبيُّ: والمشهور من كلام العرب أنها عظام الصَّدْر والنَّحْر.
جاء في الحديث: أن الولد يخلقُ من ماء الرجل، يخرج من صلبه العظم والعصب، وماء المرأة التي يخرج من ترائبها اللحم والدم.
حكى القرطبيُّ: أنَّ ماء الرجل يخرج من الدِّماغ، ثم يجتمع في الأنثيين، وهذا لا يعارض: «مِنْ بَيْنِ الصُّلبِ والتَّرائبِ» ؛ لأنه إن نزل من الدِّماغ، فإنما يمرُّ بين الصلب والترائب.
قال قتادةُ: المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة.
стр. 12595
وحكى الفراء: أنَّ مثل هذا يأتي عن العرب، فيكون معنى ما بين الصلب: من الصلب.
والمعنى من صلب الرجل وترائب المرأة، ثم إنَّا نعلم أن النطفة من جميع أجزاء البدن، ولذلك يشبه الرجل والديه كثيراً، وهذه الحكمة في غسل جميع الجسد من خروج المني، وأيضاً فالمكثر من الجماع يجد وجعاً في صلبه وظهره، وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبساً من الماء.
قال المهدويُّ: من جعل المنيَّ يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير في «يخرج» للماء، ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير للإنسان.
قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ . الضمير للخالق المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿خُلِقَ﴾ ؛ لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه.
قوله: ﴿على رَجْعِهِ﴾ ، في الهاء وجهان:
أحدهما: أنه ضمير الإنسان أي على بعثه بعد موته، وهو قول ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة، وهو اختيار الطبري، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ .
والثاني: أنه ضمير الماء، أي: يرجع المنيّ في الإحْليل أو الصلب.
قاله الضحاكُ ومجاهدٌ، والأول قول الضحاك أيضاً وعكرمة.
[وعن الضحاك أيضاً أن المعنى أنه رد الإنسان من الكِبَرِ إلى الشباب، ومن الشباب إإلى الكبر. حكاه المهدوي.
وفي الماوردي والثعلبي: إلى الصِّبا ومن الصِّبا إلى النُّطفة.
وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى يخرج لقادر.
وقال الماوردي: يحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعثه إلى الآخرة؛ لأن الكفار يسألون فيها الرجعة، والرجع مصدر رجعت الشيء أي: رددته] .
стр. 12596
قوله: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ . فيه أوجه، وقد رتبها أبو البقاءِ على الخلاف في الضمير، فقال: على القول بكون الضمير للإنسان، فيه أوجه:
أحدها: أنه معمول ل «قادر» .
إلَاّ أنَّ ابن عطية قال - بعد أن حكى أوجهاً عن النحاة -: «وكل هذه الفرق فرَّت من أن يكون العامل» لقادر «، لئلَاّ يظهر من ذلك تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحدهُ» .
ثم قال: «وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب جاز أن يكون العامل» لقادر «، وذلك أنه قال:» إنَّه على رجعهِ لقادرٌ «؛ لأنه إذا قدر على ذلك في هذا الوقت كان في غيره أقدر بطريق الأولى.
الثاني: أن يكون العامل مضمر على التبيين، أي: يرجعه يوم تبلى.
الثالث: تقديره: اذكر، فيكون مفعولاً به، وعلى عوده على الماء يكون العامل فيه: اذكر» انتهى ملخصاً.
وجوَّز بعضهم أن يكون العامل فيه «نَاصِرٍ» ، وهو فاسد؛ لأن ما بعد «ما» النافية وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلهما.
وقيل: العامل «رَجْعِهِ» وهو فاسدٌ؛ لأنه قد فصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو خبر «إنَّ» . وبعضهم يقتصره في الظرف.
قوله: «تُبلَى» تختبر وتعرف؛ قال الراجز: [الرجز]
٥١٦٩ - قَدْ كُنْتَ قَبْلَ اليَوْم تَزْدَرينِي ... فاليَومَ أبْلُوكَ وتَبْتَلِينِي
أي: أعرفك وتعرفني.
وقيل: ﴿تبلى السرآئر﴾ تخرج من مخبآتها وتظهر، وهو كل ما استسرّه الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان، أو كفر.
قال ابن الخطيب: والسرائرُ: ما أسر في القلوب، والمراد هنا: عرض الأعمال، ونشر الصحف، أو المعنى: اختبارها، وتمييز الحسن منها من القبيح لترتيب الثواب والعقاب.
وقال رسول الله ﷺ َ: «ائْتَمَنَ اللهُ - تعَالَى - خَلقهُ على أرْبَع: الصَّلاةِ، والزَّكاةِ والصِّيام، والغُسْلِ، وهُنَّ السَّرائِرُ الَّتي يَختبِرُهَا اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» ذكره المهدوي.
وروى الماورديُّ عن زيدٍ بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ َ: «الأمَانَةُ ثلاثٌ:
стр. 12597
الصَّلاةُ، والصَّومُ، والجنَابةُ، اسْتأمَنَ اللهُ - تعالى - ابْنَ آدمَ على الصَّلاةِ، فإن شاء قال: صلَّيْتُ، ولمْ يُصَلِّ، واسْتأمنَ اللهُ تعالى ابْنَ آدَم على الصَّوم، فإنْ شَاءَ قَالَ: [صُمْتُ ولَمْ يَصُمْ واسْتَأمنَ اللهُ تعالى ابْن آدمَ على الجَنابةِ فإنْ شَاءَ قَال:] اغْتسَلت ولمْ يَغْتسِلْ، اقْرَأوا إن شِئْتُم: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ » .
[وقال مالك ﵁: الوضوء من السرائر، والسرائر ما في القلوب يجزي الله به العباد] .
وقال ابن العربيِّ: قال ابن مسعود ﵁: يغفر للشهيد إلَاّ الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من الأمانة، وأشد ذلك الوديعة، تمثل له على هيئتها يوم أخذها، فيرمى بها في قعر جهنم، فيقال له: أخرجها، فيتبعها، فيجعلها في عنقه، وإذا أراد ان يخرج بها زلت، فيتبعها، فيجعلها في عنقه، فهو كذلك دهر الداهرين.
وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرآة على فرجها.
وقال سفيان: الحيضة والحمل من الأمانة، إن قالت: لم أحضْ وأنا حامل صدقت ما لم يأت ما يعرف فيه أنها كاذبة.
قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ، أي: فما الإنسان من قوَّة، أي: منعةٍ تمنعه، ولا ناصرٍ ينصره عن ما نزل به.
قال ابن الخطيب: ويمكن أن يتمسك بهذه الآية على نفي الشفاعة، لقوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨] الآية.
والجواب ما تقدم.
стр. 12598
قوله: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ .
قيل: الرَّجْعُ: مصدر، بمعنى رجوع الشمس والقمر إليها، والنجوم تطلع من ناحيته، وتغيب في أخرى.
стр. 12599
وقيل: الرَّجْعُ: المطر؛ قال: المتنخِّل، يصف سيفاً يشبههُ بالماء: [السريع]
٥١٧٠ - أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذَا ... ما ثَاخَ في مُحْتفلٍ يَخْتَلِي
وقال: [البسيط]
٥١٧١ - رَبَّاءُ شَمَّاءُ لا يَأوِي لقُلَّتِهَا ... إلَاّ السَّحَابُ وإلَاّ الأوبُ والسَّبلُ
وقال الخليل: المطر نفسه، وهذا قول الزجاج.
قال ابن الخطيب: واعلم أن كلام الزجاج، وسائر علماء اللغة «صريح» في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر، بل سمي رجعاً مجازاً، وحسن هذا المجاز وجوه:
أحدها: قال القفال: كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته، ووصل الحروف به، وكذا المطر، لكونه يعود مرة بعد أخرى سمِّي رجعاً.
وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أنَّ السَّحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض.
والرجع - أيضاً - نبات الربيع.
وقيل: «ذَاتِ الرَّجْعِ» أي: ذات النفع.
وقيل: ذات الملائكة، لرجوعهم فيها بأعمال العباد، وهذا قسم.
﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ قسمٌ آخر، أي: تتصدع عن النبات، والشجر، والثمار، والأنهار، نظيره: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ [عبس: ٢٦] .
والصَّدعُ: بمعنى الشق؛ لأنه يصدع الأرض، فتصدع به، وكأنَّه قال: والأرض ذات النبات الصادع للأرض.
وقال مجاهد: الأرض ذات الطريق التي تصدعها المشاة.
وقيل: ذات الحرث لأنه يصدعها.
وقيل: ذات الأموات لانصداعها للنشور.
وقيل: هما الجبلان بينهما شق وطريق نافذ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾ [الأنبياء: ٣١] .
стр. 12600
قال ابن الخطيب: واعلم أنَّه تعالى، كما جعل كيفية خلقه الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقه النبات.
فقال تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ أي: كالأب، «والأرض ذات الصدع» كالأم، وكلاهما من النعم العظام؛ لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء متكرراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك، ثم أردف هذا القسم بالمقسم عليه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ . وهذا جواب القسم، والضمير في «إنَّه» للقرآن، أي: إن القرآن يفصل بين الحق والباطل.
وقال القفالُ: يعود إلى الكلام المتقدم والمعنى: ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم يوم تبلى سرائركم قول فصل، وحق، والفصل: الحكم الذي ينفصل به الحق عن الباطل، ومنه فصل الخصومات، وهو قطعها بالحكم الجزم، [ويقال: هذا قول فصل قاطع للشر والنزاع.
وقيل: معناه جد] لقوله: ﴿وَمَا هوَ بالهزل﴾ . أي: باللعب، والهزل: ضد الجد والتشمير في الأمر، يقال: هزل يهزل.
قال الكميتُ: [الطويل]
٥١٧٢ - تَجُدُّ بِنَا فِي كُلِّ يَومٍ وتهْزِلُ ... قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ ، أي: أنَّ أعداء الله يكيدون كيداً، أي: يمكرون بمحمد ﷺ َ وأصحابه مكراً.
قيل: الكَيْدُ: إلقاء الشبهات، كقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾
[المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] .
وقيل: الطعن فيه بكونه ساحراً، أو شاعراً، او مجنوناً، حاشاه من ذلك ﷺ َ.
وقيل: قصدهم قتله، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية.
وأما قوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ . أي: أجازيهم جزاء كيدهم.
стр. 12601
وقيل: هو ما أوقع الله - تعالى - بهم يوم «بدر» من القتل، والأسر.
وقيل: استدراجهم من حيث لا يعلمون.
وقيل: كيد الله تعالى، بنصره وإعلاء درجته ﷺ َ تسمية لأحد المقتابلين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ؛ وقول الشاعر: [الوافر]
٥١٧٣ - ألَا لَا يجْهلَنْ أحَدٌ عليْنَا ... فَنجهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلينَا
وقوله تعالى: ﴿نَسُواْ الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . قوله: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين﴾ . أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تستعجل، وارض بما تريده في أمورهم، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
قوله: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ . هذه قراءة العامة، لما كرر الأمر توكيداً خالف بين اللفظين.
وعن ابن عبَّاس ﵄: «مَهِّلهُمْ» كالأول، ومهَّل وأمْهَل بمعنى مثل: نزل وأنزل، والإمهال والتَّمهيل: الانتظار، يقال: أمهلتك كذا، أي: انتظرتك لتفعله، والاسم: المهلة والاستمهال: الانتظار، والمَهْل: الرِّفقُ والتُّؤدةُ، وتمهل في أمره: أي: أتاه، وتمهَّلَ تمهيلاً: اعتدل وانتصب، والامتهال: سكون وفتور، ويقال: مهلاً يا فلان، اي رفقاً وسكوناً.
قوله: ﴿رُوَيْداً﴾ . مصدر مؤكد لمعنى العامل، وهو تصغير إرواد على الترخيم، وقيل: بل هو تصغير «رود» كذا قال أبو عبيد.
وأنشد: [البسيط]
٥١٧٤ - كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي على رَوَدِ ... أي: على مهل. واعلم أن «رويداً» : يستعمل مصدراً بدلاً من اللفظ بفعله، فيضاف تارة، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ [محمد: ٤] ، ولا يضاف أخرى، نحو: رويداً زيداً ويقع حالاً، نجو: ساروا رويداً، أي: متمهلين، ونعت المصدر، نحو: «ساروا رويداً» ، أي: سيراً رويداً، وتفسير «رويداً» مهلاً، وتفسير «رويدك» أمهل؛ لأن الكاف إنمت تدخله إذا كان بمعنى: «افعل» دون غيره، وإنَّما حُرِّكت الدال لالتقاء الساكنين، ونصب نصب
стр. 12602
المصادر، وهو مصغَّر مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من «إرواد» : وهو مصدر: «أرود، يرود» وله أربعة أوجه: اسماً للفعل، وصفة، وحالاً، ومصدراً، وقد تقدم ذكرها.
قال ابن عباس: ﵄: «رويداً» أي: قريباً.
وقال قتادةُ: قليلاً.
وقيل: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ إلى يوم القيامة، وإنما صغِّر ذلك من حيث إن كل آت قريب.
وقيل: «أمهلهم رويداً» إلى يوم يرد.
روى الثعلبي عن أبي بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿والسمآء والطارق﴾ اعطاهُ اللهُ تعَالى مِنَ الأجْرِ بعَددِ كُلِّ نجمٍ في السَّماءِ عَشْرَ حَسَناتٍ» والله تعالى أعلم.
стр. 12603
سورة الأعلى
مكية في قول الجمهور.
стр. 12604
وقال الضحاك: مدنية، وهي تسع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وأربعة وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ . يستحب للقارئ إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ أن يقول عقيبه: «سبحان ربي الأعلى» كذا جاء في الحديث، وقال جماعة من الصحابة والتابعين وقال ابنُ عباسٍ والسديُّ: معنى «سبح اسم ربك الأعلى» أي: عظِّم ربك الأعلى، والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى.
كقول لبيد: [الطويل]
٥ ١ ٧٥ - إلَى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَليْكُمَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقوله الملحدون، وذكره الطبري أن المعنى: نزه اسم ربك الأعلى على أن تسمي به أحداً سواه.
وقيل: المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظّم لذكره، وجعلوا الاسم بمعنى التسمية] .
стр. 12605
قال ابن الخطيب: معنى ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ أي: نزهه عن كل ما لا يليق به في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي أحكامه.
أمَّا في ذاته، فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض.
وأما في صفاته، فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة.
وأمَّا في أفعاله، فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور.
وقالت المعتزلة: هو أن تعتقد أن كل ما فعله صواب حسن، وأنه سبحانه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، وأما في أسمائه: فأن لا تذكره إلَاّ بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن فيها أو لم يرد.
وأمَّا في أحكامه: فهو أن تعلم أن ما كلفنا به ليس لنفعٍ يعود إليه، بل لمحض المالكية على قولنا، او لرعاية مصالح العباد على قول المعتزلة.
فصل فيمن استدل بالآية على أن الاسم نفس المسمى
قال ابن الخطيب: تُمسِّك بهذه الآية في أن الاسم نفس المسمى.
وأقول: الخوض في هذه المسألة لا يمكن إلا بعد الكشف عن محل النزاع، فنقول: إن كان الاسم عبارة عن اللفظ؛ والمسمى عبارة عن الذات، فليس الاسم المسمى بالضرورة، فكيف يمكن الاستدلال على ما علم بالضرورة؟ نعم هنا نكتة، وهي أن الاسم هو اللفظ الدَّال على معنى في نفسه من غير زمن، والاسم كذلك، فيكون اسماً لنفسه، فالاسم هنا نفس المسمى، فعلى هذا يَرِدُ من أطلق ذلك؛ لأن الحكم بالتعميم خطأ، والمراد: الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى هو أن أحداً لا يقول: سبحان الله وسبحان اسم ربنا، فمعنى «سبح اسم ربك» سبح ربك، والربُّ أيضاً اسم، فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
وهذا الاستدلال ضعيف، لما بيَّنا أنه يمكن أن يكون وارداً بتسبيح الاسم، ويمكن أن يكون المراد: سبح المسمى، وذكر الاسم صلة فيه، ويكون المراد: سبح باسم ربك، كما قال تعالى:
﴿فَسَبِّحْ
باسم
رَبِّكَ العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤] ، ويكون المعنى: سبح بذكر أسمائه.
فصل في تفسير الآية
روى أبو صالحٍ عن ابن عباس ﵁: صلِّ بأمر ربك الأعلى قال: وهو أن يقول: «سُبحانَ ربيّ الأعْلَى» وروي عن عليّ ﵁ وابن عباسٍ، وابن
следующие страницы →