Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.
стр. 12531
قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الفجار﴾ .
стр. 12532
«كَلَاّ» حرف ردع، أي: ليس الأمر على ما هم عليه فَليَرتَدِعُوا، وها هنا تم الكلام.
وقال الحسنُ: «كَلَاّ» : ابتداء يتصل بما بعده على معنى «حقًّا» إنَّ كتابَ الفجَّار الذي كتب فيه أعمالهم لفي سجين.
اختلفوا في نون «سِجِّين» .
فقيل: هي أصليَّة، واشتقاقه من السَّجن، وهو الحبسُ، وهو بناء مبالغة «فعيلاً» من السجن، ك «سِكِّير» و «فسِّيق» من السكر والفسق وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج.
قال الواحدي: وهذا ضعيف؛ لأن العرب ما كانت تعرف سجيناً.
وقيل: «النون» بدل من «اللام» ، والأصل: «سجيل» مشتقاً من السِّجل، وهو الكتاب.
واختلفوا فيه أيضاً: هل هو اسم موضع، أو اسم كتاب مخصوص؟ .
وقيل: هو صفة، أو علمٌ منقول من وصفٍ ك «خاتم» ، وهو مصروف إذ ليس فيه إلا سبب واحدٌ، وهو العلمية.
وإذا كان اسم مكان، فقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ إمَّا بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف، وهو ضمير يعود عليه.
وعلى التقديرين فهو مشكل؛ لأن الكتاب ليس هو المكان.
فقيل: التقدير، هو محل كتاب، ثم حذف المضاف.
وقيل: التقدير: وما أدراك ما كتاب سجين، والحذف إما من الأول وإمّا من الثاني.
وأما إذا قلنا: إنه اسم لكتاب فلا إشكال.
وقال ابن عطية: من قال: إن سجيناً موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر «إنَّ» ، والظرف الذي هو «لفي سجين» ملغى، ومن جعله عبارة عن الخسار، ف «كتاب» خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسراً لسجين ما هو انتهى.
وهذا لا يصح - ألبتة - إذ دخول اللام يعيّن كونه خبراً، فلا يكون ملغياً لا يقال: «اللام» تدخل على معمول الخبر، فهذا منه، فيكون ملغىً؛ لأنَّه لو فرض الخبر، وهو «كتاب» عاملاً أو صفته عاملة، وهو «مَرقُوم» لامتنع ذلك، أمّا منع عمل «كتاب» ، فلأنه موصوف، والمصدر الموصوف لا يعمل، وأمَّا امتناع عمل «مرقوم» ؛ فلأنه صفة، ومعمول الصفة لا يتقدم على موصوفها، وأيضاً: فاللام إنما تدخل على معمول الخبر بشرطه، وهذا ليس معمولاً للخبر، فتعيَّن أن يكون الجار هو الخبر، وليس بملغى.
стр. 12533
وأمَّا قوله ثانياً: ويكون هذا الكلام تفسيراً ل «سجين» ما هو فهو مشكل، لأن الكتاب ليس هو الخسار الذي جعل الضمير عائداً عليه مخبراً عنه ب «كتاب» .
وقال الزمخشري: فإن قلت: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجَّار بأنه في سجِّين، وفسَّر سجيناً ب «كتاب مرقوم» ، فكأنه قيل: إنَّ كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟ .
قلت: سجين: كتاب جامع هو: ديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين، وأعمال الكفرة والفسقة من الجنِّ والإنسِ، وهو كتاب مرقومٌ مسطورٌ بين الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي «سجِّيْناً» «فعيلاً» من السجن؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم انتهى.
فصل في تفسير معنى سجين
قال عبدُ اللهِ بن عُمرَ وقتادةُ ومجاهدٌ والضحاكُ: «سِجِّين» هي الأرض السابعة السفلى، فيها أرواح الكفَّار.
وروى البراء، قال: قال رسول الله ﷺ َ: «» سِجِّين «أسفلُ سبْعِ أرضين، و» عِلِّيُّون «في السماءِ السَّابعة تحت العرشِ» .
وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة.
وقال عكرمةُ: «لفي سجِّين» لفي خسارةٍ وضلالٍ.
قال القشيريُّ: «سجين» : موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر، بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ، أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك.
قال القرطبي: وليس في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ما يدل على أن لفظ «سجين» ليس عربياً، كما لا يدل قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ [القارعة: ٣] ، بل هو تعظيم لأمْرِ سجين.
стр. 12534
قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ قال المفسرون: ليس هذا تفسيراً ل «سجين» ، بل هو بيان للكتاب المذكور في قوله: «إنَّ كِتابَ الفُجَّار» أي: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم، كالرقم لا ينسى ولا يمحى حتى يجازى به، والرقم: الخط؛ قال: [الطويل]
٥١٢٨ - سَأرْقمُ فِي المَاءِ القَراحِ إليْكمُ ... عَلَى بُعدكُمْ، إنْ كَانَ في الماءِ رَاقمُ
وقيل: الرَّقْمُ: الختم بلغة حمير. [وتقدمت هذه المادة في سورة «الكهف» ] .
وقال قتادةُ ومقاتل: رقم: نشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنَّه كافر.
стр. 12535
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ .
قيل: إنَّه متصل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ لمن كذَّب بأخبار الله تعالى.
وقيل: إنَّ قوله: «مرقوم» معناه: مرقم أي: يدل على الشَّقاوة يوم القيامة، ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذلك اليوم من ذلك الكتاب.
ثم إنه - تعالى - أخبر عن صفة من يكذِّب بيوم الدين، فقال تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ، فقوله تعالى: ﴿الذين يُكَذِّبُونَ﴾ يجوز فيه الإتباع نعتاً وبدلاً وبياناً، والقطع رفعاً ونصباً.
واعلم أنه - تعالى - وصف المكذب بيوم الدين بثلاث صفاتٍ:
أولها: كونه معتدياً، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحقِّ.
وثانيها: الأثيم وهو المبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي.
وثالثها: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ والمراد: الذين ينكرون النبوة، والمراد بالأساطير: قيل: أكاذيب الأولين. وقيل: أخبار الأولين.
قوله: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ﴾ . العامة على الخبر.
стр. 12536
والحسن: «أئِذَا؟» على الاستفهام الإنكاري.
والعامَّة: «تتلى» بتاءين من فوق.
وأبو حيوة وابن مقسم: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي.
فصل في المراد بالمكذب في الآية
قال الكلبيُّ: المراد بالمكذِّب هنا: هو الوليدُ بن المغيرةِ - لعنه الله - لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى قوله: ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] وقوله: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: ١٥] .
فقيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: هو النَّضر بنُ الحارث.
وقيل: عام في كل موصوف بهذه الصفة.
قوله: ﴿كَلَاّ﴾ . ردعٌ وزجرٌ، أي: ليس هو أساطير الأولين.
وقال الحسن: معناها «حقًّا» ران على قلوبهم.
وقال مقاتلٌ: معناه: لا يؤمنون، ثم استأنف: ﴿بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ﴾ قد تقدم وقف حفص على لام «بل» في سورة «الكهف» .
والرَّان: الغشاوة على القلب كالصَّدأ على الشيء الصقيل من سيف، ومرآة، ونحوهما.
قال الشاعر: [الطويل]
٥١٢٩ - وكَمْ رَانَ من ذَنْبٍ على قَلْبِ فَاجِرٍ ... فَتَابَ منَ الذَّنْبِ الذي رَانَ وانْجَلَى
وأصل الرَّيْنِ: الغلبة، ومنه رانت الخمر على عقل شاربها.
وقال الزمخشري: «يقال ران عليه الذنب، وغان عليه، رَيْناً، وغَيْناً، والغَيْنُ: الغَيْمُ» .
والغين أيضاً: شجر متلف، الواحدة غَيْنَاء، أي: خضراء كثيرة الورق ملتفة الأغصان.
ويقال: رَانَ رَيْناً ورَيَناً، فجاء مصدره مفتوح العين وساكنها.
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والفضل: «رَانَ» بالإمالة؛ لأن فاء الفعل
стр. 12537
راء، وعينه ألف منقلبة عن ياء، فحسنت الإمالة، ومن فتح فعلى الأصل مثل: كَالَ وبَاعَ.
فصل في المراد بالرَّين والإقفال والطبع
قال أبُو معاذ النحويُّ: الرَّيْنُ، والإقفال: [أن يسود القلب من الذنوب وهو] أشدّ من الطبع، وهو أن يقفلُ على القلب، قال تعالى:
﴿أَمْ
على
قُلُوبٍ
أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤] .
قال الزجاجُ: «رَانَ على فُلوبِهمْ» بمعنى غَطَّى على قُلوبِهم.
وقال الحسن ومجاهد: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب، ويغشى، فيموت القلب.
قال رسول الله ﷺ َ: «إيَّاكُمْ والمُحقراتِ مِنَ الذنُوبِ، فإنَّ الذنْبَ على الذَّنْبِ يُوقِدُ على صَاحبهِ [جحيماً] ضخمة» .
وقال ﷺ َ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذَا أذْنَبَ كَانتْ نُكْتةٌ سَودَاء في قَلْبهِ، فإنْ تَابَ ونَزعَ واسْتَغفرَ صُقِلَ قَلْبهُ مِنْهَا، فإذَا زَادَ زَادتْ حتَّى تَعلُو قَلْبهُ، فَذلِكُمُ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللهُ - تعَالَى - في كِتَابِهِ: ﴿كَلَاّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ » .
قوله: ﴿مَّا كَانُواْ﴾ هو الفاعل، و «ما» : يحتمل أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى: «الذي» والعائد محذوف، وأميلت ألف «رَانَ» ، وفخمت، فأمالها الأخوان وأبو بكرٍ وفخَّمها الباقُون، وأدغمت لام «بل» في الراء، وأظهرتْ.
قوله تعالى « ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ﴾ .
قال الزمخشريُّ:» كلَاّ «ردع عن الكسب الرَّائن على قلوبهم.
وقال القفالُ: إنَّ الله - تعالى - حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم، أنه كان يقول: إن كانت الآخرة حقًّا، فإن الله - تعالى - يعطيه مالاً وولداً، ثم كذَّبه الله - تعالى - بقوله: ﴿أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ [مريم: ٧٨] .
стр. 12538
وقال أيضاً: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٥٠] ، فلمَّا تكرَّر ذكره في القرآن، ترك الله ذكره - هاهنا - وقال تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ أي: ليس الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة الحسنى، بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. وقال ابن عباس أيضاً:» كلَاّ «يريد لا يصدقون ثم أستأنف فقال: ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ وقيل: قوله تعالى:» كلَاّ «تكرير، وتكون» كلَاّ «هذه المذكورة في قوله:» كلا، بل ران على قلوبهم «.
قوله: ﴿عَن رَّبِّهِمْ﴾ . متعلق بالخبر، وكذلك» يومئذ «، والتنوين عوض عن جملة، تقديرها:» يوم إذْ يقوم الناس «؛ لأنه لم يناسب إلا تقديرها.
فصل في حجب الكفار عن رؤية ربهم
قال أكثر المفسرين: محجوبون عن رؤيته، وهذا يدل على أن المؤمنين يرون ربهم ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة.
وأيضاً فإنه - تعالى - ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد، والتهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفَّار لا يجوز حصوله للمؤمنين، وأجاب المعتزلة عن هذا بوجوه:
أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم محجوبون عن رحمة ربهم أي: ممنوعون كما تحجب الأم بالإخوة من الثُّلث إلى السُّدس، ومن ذلك يقال لمن منع من الدخول: حاجب.
وثانيها: قال أبو مسلم: «لمحجوبون» غير مقربِّين، والحجاب: الرَّدُ، وهو ضد القبول، فالمعنى: أنهم غير مقبولين عند الرؤية، فإنه يقال: حُجِبَ عن الأمير، وإن كان قد رآه عن بعدٍ، بل يجب أن يحمل على المنع من رحمته.
وثالثها: قال الزمخشريُّ: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم؛ لأنه لا يرد على الملوك إلا المكرَّمين لديهم، ولا يُحجب عنهم إلا المبانون عنهم.
والجواب: أن الحجب في استعمالاته مشترك في المنع، فيكون حقيقة فيه، ومنع العبد بالنسبة إلى الله تعالى، إمَّا عن العلم، وإمَّا عن الرؤية، والأول: باطل؛ لأن الكفَّار يعلمون الله تعالى، فوجب حمله على الرؤية.
وأمَّا الوجوه المذكورة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، ويؤيد ما قلنا: أقوال السَّلف من المفسرين:
стр. 12539
قال مقاتلٌ: بل لا يرون ربَّهم بعد الحساب، والمؤمنون يرون ربهم.
وقال الكلبيُّ: محجوبون عن رؤية ربهم والمؤمن لا يحجبُ، وسُئلَ مالكُ بنُ أنسٍ ﵁ عن هذه الآية، فقال: كما حجب الله تعالى أعداءه فلم يروهُ، ولا بد أن يتجلَّى لأوليائه حتى يروه.
وعن الشَّافعيُّ ﵀ كما حجب قومٌ بالسُّخطِ دلَّ على أنهم يرونهُ بالرضا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الجحيم﴾ . أي: إنّ الكفَّار مع كونهم محجوبين من الله يدخلون النار.
﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ أي: تقول لهم الخزنةُ: «هذا» أي: هذا العذاب ﴿هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ، وقوله: يقال يجوز أن يكون القائم مقام الفاعل ما دلَّت عليه جملة قوله: «هَذا الَّذي كُنتُمْ» ، ويجوز أن تكون الجملة نفسها، ويجوز أن تكون المصدرية. [وقد تقدم تحريره في أول «البقرة» ] .
стр. 12540
قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار﴾ : لمَّا ذكر تعالى حال الكفار والمطففين أتبعه بذكر الأبرار الذين لا يطففون، فقال: «كلَاّ» أي: ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجَّار من إنكار البعث، ومن أنَّ كتاب الله أساطير الأولين، بل كتابهم في سجِّين، وكتابُ الأبرارِ في علِّيِّين.
وقال مقاتلٌ: «كلَاّ» أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
قوله: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . هو خبر «إنَّ» .
стр. 12541
وقال ابن عطيَّة هنا كما قال هناك، ويرد عليه بما تقدم، و «علِّيُّون» : جمع «عِلِّيِّ» ، أو هو اسم مكان في أعْلَى الجنة، وجرى مجرى جمع العقلاء، فرفع الواو، ونصب وجر بالياء، مع فوات شرط العقل.
وقال أبو البقاء: واحدها «عليّ» وهو الملك.
وقيل: هو صيغة للجمع مثل عشرين، ثم ذكر نحواً مما ذكره في «سِجِّين» من الحذف المتقدم.
وقال الزمخشري: «عِلِّيُّون» علم لديوان الخير الذي دوِّن فيه كلُّ ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع «عليّ» «فعيل» من العلو ك «سجين» من السجن، سمي بذلك؛ إمَّا لأنَّه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات في الجنة، وإما لأنَّه مرفوع في السماء السابعة.
وتلك الأقوال الماضية في «سجِّين» كلُّها عائدة هنا.
وروي عن ابن عباس ﵄: أنَّها السماء السابعة.
وقال مقاتلٌ وقتادةُ: هي سدرةُ المنتهى.
وقال الفراء: يعني: ارتفاعها بعد ارتفاع لا غاية له.
وقال الزجاجُ: أعْلَى الأمْكِنَةِ.
وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة.
وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ وذلك تنبيه على أنَّه معلوم، وأنه سيعرفه، ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ المقربون﴾ فبين أن كتابهم في هذا الكتاب بالمرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكأنَّه - تعالى - كما وكلَّهم باللوح المحفوظ، فكذلك وكلَّهُم بحفظ كُتبِ الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له، ولا يمنع أن الحفظة إذا صعدت تكتب الأبرار بأنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين، فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم، أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وُكِّلوا بحفظه، ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار، فلذلك يحاسبون حساباً يسيراً.
وقيل: المعنى: ارتفاع بعد ارتفاع.
стр. 12542
وقال أبو مسلم: هذا كناية عن العلو والرفعة، والأول كناية عن الذُّلِّ والإهانةِ.
وقال ابن عباسٍ ﵄: «عِلِّيُّون» : لوحٌ من زبرجدة خضراء معلَّق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه.
قال كعب وقتادة: هي قائمة العرش اليمنى.
وقال ابن عباس: هو الجنة.
وقال الضحاكُ: سدرةُ المنتهى.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ : ليس فيه تفسير عليِّين، أي: مكتوب أعمالهم كما تقدم في كتاب الفجار.
وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة.
قوله: ﴿يَشْهَدُهُ﴾ : جملة يجوز أن تكون صفة ثانية، وأن تكون مستأنفة، والمعنى: أنَّ الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك المكتوب وذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ . لمَّا عظم كتابهم عظم منزلتهم بأنَّهم في النعيم ثم بين ذلك النعيم بأمورٍ، ثلاثة: أولها: بقوله تعالى: ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ .
قال القفَّال: «الأرائك» : الأسِرَّة في الحجال، ولا تُسَمَّى أريكة فيما زعموا إلا إذا كان كذلك.
وعن الحسن ﵁ كُنَّا لا ندري ما الأريكةُ، حتى لقينا رجلٌ من أهل «اليمن» ، أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك. وقوله: «يَنْظُرون» قيل: إلى أنواع نعيمهم من الحُور والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها.
وقال مقاتلٌ: ينظرون إلى عدوِّهم حين يعذبون.
وقيل: إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه، فيحضرهم ذلك الشيء في الحال قيل: يحمل على الكل.
стр. 12543
قال ابن الخطيب: إنهم ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ .
قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ﴾ . العامة: على إسناد الفعل إلى المخاطب، أي: تعرف أنت يا محمد، أو كل من صح منه المعرفة.
وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وشيبة وطلحة ويعقوب والزعفراني: «تُعْرَفُ» مبنياً للمفعول، و «نضرةُ» : بالرفع على قيامها مقام الفاعل.
وعلي بن زيد: كذلك إلا أنه بالياء أسفل؛ لأن التأنيث مجازي.
والمعنى: إذا رأيتهم عرفت أنَّهم من أهل النَّعيم مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض.
وقال الحسن: النضرةُ في الوجه والسُّرور في القلب.
قوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ﴾ .
قال الليث: الرَّحيقُ: الخمر.
وقيل: الخمر الصافية الطيبة.
وقال مقاتل: الخمر البيضاء.
وقال ابنُ الخطيب: لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
قوله: «مختوم» ، أي: ختم ومنع أن تمسَّهُ يد إلى أن يفكّ ختم الأبرار.
قال القفال: يحتملُ أن يكون ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري أنهاراً، لقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] ، إلَاّ أنَّ هذا المختوم أشرف من الجاري.
وقال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: «المختوم» : الذي له ختام أي: عاقبة.
وروى عبد الله بن مسعود ﵁: المختوم أشرف من الجاري الممزوج ختامه، أي: طعمه وعاقبته مسكٌ، وختم كلِّ شيء: الفراغ منه، ومنه يقال: ختمتُ
стр. 12544
القرآن، والأعمال بخواتيمها، ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - واختاره الكسائي، فإنه قرأ: «خاتمةُ مِسْك» أي: آخره، كما يقال: خاتمُ النبيين، ومعناه واحد.
قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم: الاسم، والخِتَام: المصدر، كقولهم: هو كريم الطِّباع والطَّابع، والخِتَام والخَاتم.
وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك.
وقال مجاهد: مختوم، أي: مطين.
قوله: ﴿خِتَامُهُ﴾ أي: طينة مسك.
قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام الدنيا طين.
وقرأ الكسائي: «خَاتَمهُ» بفتح التاء بعد الألف.
والباقون: بتقديمها على الألف.
فوجه قراءة الكسائي: أنه جعله اسماً لما يختم به الكأس، بدليل قوله: «مَخْتُوم» . ثم بين الخاتم ما هو، فروي عن الكسائي أيضاً: كسر التاء، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، والمعنى: خاتم رائحته مسك ووجه قراءة الجماعة: أن الختام هو الطين الذي يختم به الشيء، فجعل بدله المسك.
قال الشاعر: [الوافر]
... كَأَنَّ مُشعْشَعاً مِنْ خَمْرِ بُصْرَى
نَمَتْهُ البَحْتُ مَشْدُودَ الخِتَامِ ... وقيل: خلطه ومزاجه.
وقيل: خاتمته أي: مقطع شربه يجد الإنسان فيه ريح المسك.
قيل: سُمِّي المسك مسْكاً؛ لأن الغزال يُمسكه في سُرَّته، والمساكةُ: البُخْلُ وحبس
стр. 12545
المال، يقال: رجل مَسِيكٌ لبخله، والمَسْكُ: الجلد لإمساكه ما فيه، والمَاسِكَة: التي أخطأت خافضتُها فأصابت من مسكها غير موضع الختان، والمَسَكة: سوار من قرن أو عاجٍ لتماسكه والمسكة - بضم الميم -: الشَّيء القليل، يقال: ما له مُسْكَة، أي: عقل.
قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ . التَّنافسُ: المُغالبة في الشيء النفيس، يقال: نفستُه به نفاسة، أي: بخلت به، وأصله من النَّفْسِ لعزتها.
قال الواحديّ: نفستُ الشيء أنفسُه نفاسةً: بَخِلْتُ به.
وقال البغوي: وأصله من الشيء النَّفِيس أي: تحرص عليه نفوس النَّاس، ويريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره أي: يضنّ، والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى.
وقال مجاهد: فليعمل العاملون، كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون﴾ [الصافات: ٦١] .
وقال عطاء: فليستبق المستبقون.
وقال مقاتلُ بن سليمان: فليتنازع المتنازعون.
قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ، التسنيم: علمٌ لعينٍ في الجنَّة.
فصل في المراد بالتسنيم
قال الزمخشريُّ: «التسنيم» علمٌ لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنَّمه، إذا رفعه.
قال شهاب الدِّين: وفيه نظر؛ لأنه كان من حقه أن يمنع الصَّرف للعلمية والتأنيث، وإن كان مجازياً، ولا يقدح في ذلك كونه مذكر الأصل؛ لأن العبرة بحال العلمية، ألا ترى أنهم نصّوا على أنَّه لو سمي ب «زيد» امرأة وجب المنع، وإن كان في «هِنْد» وجهان، اللهم إلا أن يقول: ذهب بها مذهب النهر، ونحوه، فيكون ك «واسط، ودانق» .
فصل في معنى التسنيم
التسنيم: شرابٌ ينصبُّ عليهم من علوٍّ في غرفهم ومنازلهم.
وقيل: يجري في الهواء منسماً فينصبُّ في أوانيهم فيملأها.
стр. 12546
قال قتادة: وأصل الكلمة من العلو، ويقال للشيء المرتفع سنامٌ، ومنه سنامُ البعيرِ، وتسمنتُ الحائط: إذا علوته.
وقال الضحاك: هو شراب اسمه: تسنيمٌ، وهو من أشرف الشراب.
قال ابنُ مسعودٍ وابن عباسٍ: هو خالص للمقربين يشربونها، ويمزج لسائر أهل الجنَّة، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾ .
وعن ابن عباس: أنَّه سُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ قال: هذا ما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
قوله: ﴿عَيْناً﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنَّه حالٌ.
قال الزجاج: يعني من تسنيم، لأنه علم لشيء بعينه، إلا أنه يشكل بكونه جامداً.
الثاني: أنه منصوب على المدح. قاله الزمخشري.
الثالث: أنَّها منصوبة ب «يُسْقونَ» مقدراً. قاله الأخفش.
وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: منها، والباء زائدة، أو ضمير «يشرب» بمعنى يروى، وتقدم هذا مشبعاً في «هل أتى» .
قال البغوي: التقدير: يشربها المقربون صرفاً.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ﴾ ، أي: أشركوا، يعني: كفَّار قريش أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل من مترفي «مكة» .
﴿كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ عمَّار، وخبَّاب، وصهيب، وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين «يَضْحَكُون» استهزاء بهم.
وقوله: ﴿مِنَ الذين﴾ متعلِّق ب «يضحكون» أي: من أجلهم، وقدم لأجل الفواصل.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ﴾ يعني: المؤمنين بالكفار «يَتَغَامَزُونَ» ، والغَمْز: الإشارة بالجفنِ والحاجبِ، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
стр. 12547
وقيل: الغمزُ بمعنى: العيب يقال: غمزهُ، أي: عابه، وما في فلان غميزٌ، أي: ما يعابُ به.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا انقلبوا﴾ يعني: الكفار ﴿إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فَكِهِينَ﴾ معجبين بما هم فيه، يتفكَّهُونَ تذكرهم بالسُّوءِ.
وقرأ حفص: «فكهين» دون ألف.
والباقون: بها.
فقيل: هما بمعنى، وقيل: «فكهين» أشرين، و «فاكهين» من التفكه.
وقيل: «فكهين» فرحين و «فاكهين» ناعمين.
وقيل: «فاكهين» أصحاب فاكهة ومزاح.
قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ . يجوز أن يكون المرفوع للكفَّار، والمنصوب للمؤمنين، أي: أن الكفار إذا رأوا أصحاب النبي ﷺ َ قالوا: ﴿إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ﴾ أي: يأتون محمداً المختار، يرون أنهم على شيء، أي: هم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شراب لا يدري هل له وجود أم لا؟ ويجوز العكس، وكذلك الضميران في ﴿أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: المشركين عليهم، والمعنى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ﴾ يعني المشركين «عليهم» يعني المؤمنين «حافظين» أعمالهم، لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ﴾ . «فاليوم» : منصوب ب «يَضْحَكُون» ، ولا يضرّ تقديمه على المبتدأ، لأنه لو تقدم هان العامل لجاز، إذ لا لبس بخلاف «زيد قائم في الدار» لا يجوز «في الدار زيد قائم» .
ومعنى، «فاليوم» أي: في الآخرة يضحك المؤمنون من الكافرين، وفي سبب هذا الضحك وجوه:
منها: أنَّ الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، بسبب ما هم فيه من التضرر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين، بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء.
ومنها: أنَّهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني.
ومنها: أنَّهم دخلوا الجنة، أجلسُوا على الأرائكِ ينظرون إلى الكفَّار كيف يعذبون
стр. 12548
في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور، ويلعن بعضهم بعضاً.
ومنها: قال أبو صالح: يقال لأهل النار - وهم فيها - اخرجوا، ويفتحُ، لهم أبوابها، فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك سبب الضحاك.
قوله: ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ : الجار متعلقٌ ب «ينظرون» ، و «ينظرون» : حال من «يضحكون» ، أي: يضحكون ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الهوان.
قوله: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ . يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية معلقة للنظر قبلها، فتكون في محل نصب بعد إسقاط الخافض ب «ينظرون» .
وقيل: استئناف لا موضع له، ويجوز أن يكون على إضمار القول: أي: يقولون: هل ثوب، ومعنى «ثُوِّب» أي: جُوزيَ، يقال: ثوَّبهُ وأثابهُ.
قال: [الطويل]
٥١٣١ - سَأجزِيكَ أو يَجْزيكَ عنِّي مُثوِّبٌ ... وحَسْبُكَ أنْ يُثْنَى عَليْكَ وتُحْمَدَا
ويدغم أبو عمرو والكسائي وحمزة: لام «هل» في الثناء.
قوله: «ما كانوا» فيه حذف، أي: ثواب ما كانوا، أو موصول اسمي أو حرفي.
قال المبرد: «ثوب» فعل من الثواب، وهو ما ثوب، يرجع على فاعله جزاء ما علمه من خير، أو شر، والثَّوابُ: يستعمل في المكافأة بالشَّر.
وأنشد أبو عبيدة: [الوافر]
٥١٣٢ - ألَا أَبْلِغْ أبَا حَسنٍ رَسُولاً ... فمَا لَكَ لا يَجِيءُ إلَى الثَّوابِ
وثوَّب وأثاب بمعنى واحد، والأولى أن يحمل على سبيل التَّهكُّم، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] ، كأنه - تعالى - يقول للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار على استهزائهم بطريقتكم كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة، فيكون هذا القول زائداً في سرورهم والله أعلم.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَة» المُطَفِّفِين «سقاهُ اللهُ من الرَّحيقِ المختُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
стр. 12549
سورة الانشقاق
стр. 12550
مكية، وهي ثلاث وعشرون آية، ومائة وسبع كلمات، وأربعمائة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] في إضمار الفعل وعدمه، وفي «إذا» هذه احتمالات:
أحدها: أن تكون شرطية.
والثاني: أن تكون غير شرطية.
فعلى الأول في جوابها خمسة أوجه:
أحدها: أنها ﴿َأَذِنَتْ﴾ [الانشقاق: ٢، ٥] والواو مزيدة.
قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن العرب لا تقتحم الواو إلا مع «حتى إذا» كقوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ، أو مع «لمَّا» كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤] ، أي: ناديناه، والواو لا تقحم مع غير هذين.
الثاني: أنه «فمُلاقيهِ» أي فأنت ملاقيه وإليه ذهب الأخفش.
والثالث: أنّه «يا أيُّها الإنسانُ» أيضاً، ولكن على إضمار القول: أي: يقال: «يا أيُّهَا الإنسَانُ» .
والخامس: أنَّه مقدَّرٌ، تقديره: بعثتم.
وقيل: تقديره: لاقى كل إنسان كدحه وهو قوله: «فمُلاقِيهِ» ويكون قوله: «يا أيُّهَا الإنسَانُ» معترض، كقولك: إذا كان كذا وكذا - يا أيها الإنسان - ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر.
стр. 12551
ونقل القرطبي عن المبردِ، إنَّه قال: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: يا أيُّها الإنسان إنَّك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت.
وقيل: هو ما صرَّح به في سورتي «التَّكوير» و «الانفطار» ، وهو قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] ، قاله الزمخشري، وهو حسنٌ.
ونقل ابن الخطيب عن الكسائيِّ، أنه قال: إنَّ الجواب هو قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ [الانشقاق: ٧] ، واعترض في الكلام على قوله: ﴿يا أيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ [الانشقاق: ٦] .
والمعنى: إذا انشقت السماء وكان كذا وكذا فمن أوتي كتابه بيمنه فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] .
قال النحاسُ: وهذا أصحُّ ما قيل فيه وأحسنه.
وعلى الاحتمال الثاني: فيه وجهان:
أحدهما: أنَّها منصوبة مفعولاً بها بإضمار «واذْكُرْ» .
والثاني: أنها مبتدأ، وخبرها «إذَا» الثانية، و «الواو» مزيدة، تقديره: وقت انشقاق السماء وقت مدّ الأرض، أي: يقع الأمران في وقت. قاله الأخفش أيضاً.
والعامل فيها إذا كانت ظرفاً - عند الجمهور - جوابها، إمَّا الملفوظ به، وإمَّا المقدَّر.
وقال مكيٌّ: وقيل: العامل «انشقت» .
وقال ابن عطية: قال بعض النحاة: العامل «انشقت» وأبي ذلك كثير من أئمتهم؛ لأن «إذا» مضافة إلى «انشقت» ، ومن يجيز ذلك تضعف عنده الإضافة، ويقوى معنى الجزاء.
وقرأ العامة: «انشقتْ» بتاء التأنيث ساكنة، وكذلك ما بعده.
وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد بن عقيل: بإشمام الكسر في الوقف خاصة، وفي الوصل خاصة بالسكون المحض.
قال أبو الفضلِ: وهذا من التغييرات التي تلحق الروي في القوافي، وفي هذا
стр. 12552
الإشمام بيان أن هذه «التاء» من علامة تأنيث الفعل للإناث، وليست مما ينقلب في الأسماء، فصار ذلك فارقاً بين الاسم والفعل، فيمن وقف على باقي الأسماء بالتاء، وذلك لغة طيّئ، وقد حمل في المصاحف بعض التاءات على ذلك.
وقال ابن عطية: قال بعض النحاة: وقرأ أبو عمرو «انشقت» يقف على القاف، كأنه يشمها شيئاً من الجر، وكذلك في أخواتها.
قال أبو حاتم: سمعت أعرابياً فصيحاً في بلاد قيس يكسر هذه التاءات.
وقال ابن خالويه: «انشقَّت» - بكسر التاء - عبيد عن أبي عمرو.
قال شهاب الدين: كأنه يريد إشمام الكسر، وأنَّه في الوقف دون الوصل؛ لأنه مطلق، وغيره مقيد، والمقيد يقضي على المطلق.
وقال أبو حيَّان: وذلك أن الفواصل تَجْرِي مَجْرَى القوافي، فكما أن هذه التاء تكسر في القوافي تكسر في الفواصل؛ ومثال كسرها في القوافي؛ قول كثير عزّة: [الطويل]
٥١٣٣ - ومَا أنَا بالدَّاعِي لعَزَّةَ بالرَّدَى ... وَلا شَامتٍ إنْ نَعْلُ عَزَّةَ زَلَّتِ
وكذلك في باقي القصيدة؛ وإجراء الفواصل في الوقف مَجْرَى القوافي مهيع معروف كقوله تعالى: ﴿الظنونا﴾ والرسولا، في سورة «الأحزاب» [١٠و ٦٦] ، وحمل الوصل على حالة الوقف موجود في الفواصل أيضاً.
فصل في المراد بانشقاق السماء
انشقاق السماء من علامات القيامة، وقد تقدَّم شرحه.
وعن علي ﵁ أنَّها تنشق من المجرَّة، وقال: المجرَّة: باب السماء.
قوله: ﴿وَأَذِنَتْ﴾ . عطف على «انشقت» ، وقد تقدَّم أنَّه جواب على زيادة الواو.
ومعنى «وأذنت» : أي: استمعت أمره، يقال: أذنت لك: استمعت لك، وفي الحديث: «مَا أذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كأذنِهِ لِنَبيِّ يَتغنَّى بالقُرْآنِ» .
стр. 12553
وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزَّجاج قول قعنب: [البسيط]
٥١٣٤ - صُمٌّ إذَا سَمِعُوا خَيْرَاً ذُكِرْتُ بِهِ ... وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عندهُمْ أذِنُوا
وقال آخر: [البسيط]
٥١٣٥ - إن يأذنُوا ريبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحَاً ... ومَا هُمُ إذِنُوا من صالحٍ دَفنُوا
وقال الجحاف بن حكيم: [الطويل]
٥١٣٦ - إذِنْتُ لَكُمْ لمَّا سَمِعْتُ هَرِيركُمْ ... ... ... ..... ... ... ... ....... ... ... .
ومعنى الاستعارة - هاهنا - أنَّه لم يوجد في جِرْمِ السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها، وتفريق أجزائها، فكأنَّها في قبول ذلك التأثير كالعبدِ الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت، وأذعن، ولم يمتنع كقوله تعالى: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ، وذلك يدل على نفوذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً. قاله ابن الخطيب.
قوله: «وحُقَّتْ» . الفاعل في الأصل هو الله تعالى، أي: حقَّ الله عليها ذلك، أي: بسمعهِ وطاعته، يقال: هو حقيقٌ بكذا ومحقوق، والمعنى: وحقَّ لها أن تفعل.
قال الضحاكُ: «حَقَّتْ» أطاعت وحقَّ لها أن تُطِيعَ.
وقال ابن الخطيب: وهو من قولك: محقوقٌ بكذا وحقيقٌ به، وهي حقيقة بأن تنقاد، ولا تمتنع.
قوله: ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ﴾ مد الأديم.
وقيل: «مُدَّتْ» بمعنى: أمدت وزيد في سعتها وقال مقاتلٌ ﵁: سُويت كمدّ الأديمِ، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: ١٠٥] الآية.
стр. 12554
قوله: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ . أي: أخرجت ما فيها من الموتى والكنوز، لقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] ، «وتَخَلَّت» أي: خليتْ منها، ولم يبق في بطنها شيء، وذلك يؤذنُ بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة، ووصفت الأرض بذلك توسعاً وإلا فالتحقيق أنَّ الله ﵎ هو المخرج لتلك الأشياءِ من بطن الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ . تقدَّم تفسيره، وهذا ليس بتكرار؛ لأن الأوَّل في السماء وهذا في الأرض.
قوله
: ﴿يا
أيها
الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ .
قيل: المراد جنس الإنسان، كقولك: يا أيها الرجل، فكان خطاباً خص به كل واحد من الناس.
قال القفال: وهو أبلغ من العموم؛ لأنه قائم مقام التنصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين، بخلاف اللفظ العام.
وقيل: المراد منه رجل بعينه، فقيل: هو محمد ﵊ ُ -، والمعنى: أنك تكدح في إبلاغ رسالات الله - تعالى - وإرشاد عباده، وتحمل الضرر من الكفَّار، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: هو أبيّ بن خلفٍ، وكدحه: هو جده واجتهاده في طلب الدنيا، وإيذاء الرسول ﵊ ُ - والإصرار على الكفر.
فصل في المراد بالكدح
الكَدْحُ: قال الزمخشريُّ: جَهْدُ النفس، والكدْم فيه حتى يؤثر فيها، ومنه كدح جلدهُ إذا خدشه، ومعنى «كادح» أي: جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت. انتهى. وقال ابن نفيلِ: [الطويل]
٥١٣٧ - ومَا الدَّهْرُ إلَاّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ... أمُوتُ، وأخرَى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
стр. 12555
وقال آخر: [الكامل]
٥١٣٨ - ومَضَتْ بَشَاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالحٍ ... وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحياةِ وأنْصَبُ
وقال الراغب: وقد يستعمل الكدح دون الكلام بالأسنان.
وقال الخليل: الكدحُ دون الكدم.
فصل في معنى الآية
معنى «كادحُ إلى ربِّك» أي: ساع إليه في عملك.
والكدحُ: عمل الإنسان وجهده في الخير والشر.
قال قُتَادةُ والكلبيُّ والضحاكُ: عامل لربك عملاً، وقوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى لقاء ربك، وهو الموت، أي: هذا الكدح استمر إلى هذا الزمن.
وقال القفال: تقديره: أنك كادح في دنياك مدحاً تصير به إلى ربك.
قوله: «فمُلاقِيهِ» : يجوز أن يكون عطفاً على [ «إنك] كادح» ، والسبب فيه ظاهر، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: فأنت ملاقيه، وقد تقدم أنه يجوز أن يكون جواباً للشرط.
وقال ابن عطية: فالفاء على هذا عاطفة جملة الكلام على التي قبلها، والتقدير: فأنت ملاقيه. يعني بقوله: «على هذا» أي: على عود الضَّمير على كدحكَ.
قال أبو حيَّان: «ولا يتعين ما قاله، بل يجوز أن يكون من عطف المفردات» .
والضميرُ في «فملاقيه» : إمَّا للربِّ، أي: ملاقي حكمه لا مفر لك منه. قاله الزجاج.
وإمَّا ل «الكدح» إلا أن الكدحَ عمل، وهو عرض لا يبقى، فملاقاته ممتنعة، فالمراد: جزاءُ كدحكَ.
وقال ابنُ الخطيب: المراد: ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال، ويتأكد هذا بقوله بعده: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ .
стр. 12556
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ، أي: ديوان أعماله بيمينه.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ، «سوف» من الله واجب، كقول القائل: اتبعني فسوف تجد خيراً، فإنه لا يريد الشك، وإنما يريد تحقيق الكلام، والحساب اليسير: هو عرض أعماله، فيثاب على الطاعة، ويتجاوزُ عن المعصيَّةِ، ولا يقال: لم فعلت هذا، ولا يطالبُ بالحُجَّةِ عليه.
قال ﷺ َ: «» مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ «، قالت عائشة ﵂: أوَ لَيْسَ يقُولُ تعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ فقال:» إنَّما ذَلِكَ العرضُ، ولَكِنْ من نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب «» .
قوله تعالى: ﴿وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ﴾ في الجنة من الحُورِ العينِ، والآدميَّات والذريَّات إذا كانوا مؤمنين [ «مَسْرُوراً» أي: مُغْتَبِطَاً قرير العين] .
قال ابنُ الخطيب: فإن قيل: إنَّ المحاسبة تكون بين اثنين، وليس في القيامة لأحد مطالبة قبل ربِّه فيحاسبه؟ .
فالجواب: إن العبد يقول: إلهي، فعلتُ الطاعة الفلانيَّة، والربُّ يقول: فعلتَ المعصيَّة الفُلانيَّة، فكان ذلك من الرب ومن العبد محاسبة، والدليل أنه - تعالى - خصَّ الكفَّار بأنه لا يكلمهم، فدل ذلك على أنه يكلم المطيعين، فتلك المكالمة محاسبة.
قوله: «مَسْرُوراً» : حال من فاعل «يَنْقَلِبُ» .
وقرأ زيد بن علي: «يُقْلَبُ» مبنياً للمفعول من «قلبه» ثلاثياً.
قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ .
قيل: نزلت في الأسودِ بن عبدِ الأسودِ. قاله ابنُ عباسٍ. وقيل: عامة.
وقال الكلبيُّ: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، ويجعل اليسرى ممدودة وراء ظهره.
وقيل: يحوَّلُ وجهه إلى قفاه، فيقرأ كتابه كذلك.
وقيل: يُؤتَى كتابه بشماله من ورائه؛ لأنه إذا حاول أخذه بيمينه كالمؤمنين مُنِعَ من ذلك، وأوتي كتابه بشماله.
стр. 12557
فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] ، فكيف قال هنا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ ؟ .
فالجواب: أنَّه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ ، أي: ينادي بالويل، الهلاك إذا قرأ كتابه يقول: يا ويلاه يا ثُبُورَاهُ، كقوله تعالى: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣] .
قوله: ﴿ويصلى سَعِيراً﴾ ، قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم: بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام.
والباقون: بضم الياء وفتح اللام والتثقيل، وقد تقدم تخريج القراءتين في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] .
وقرأ أبو الأشهب ونافع وعاصمٌ وأبو عمرو في رواية عنهم: «يُصْلَى» بضم الياء وسكون الصاد من أصلاه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ .
قال القفال: مُنعَّماً مستريحاً من التعب بأداء العبادات، واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة والجهاد، مقدماً على المعاصي، آمناً من الحساب والعذاب والعقاب، لا يخاف الله - تعالى - ولا يرجوه، فأبدله الله بذلك السرور غماً باقياً لا ينقطع.
وقيل: إن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ، كقوله تعالى:
﴿وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] ، أي: متنعمين في الدنيا، معجبين بما هم عليه من الكفر بالله، والتكذيب بالبعث، يضحك ممن آمن بالله وصدَّق بالحساب، كما قال ﷺ َ: «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمن وجنَّةُ الكَافِرِ» .
قوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ . معنى «يَحُور» أي: يرجع، يقال: حَارَ يَحُورُ حَوْرَاً؛ قال لبيدٌ: [الطويل] .
٥١٣٩ - ومَا المَرْءُ إلَاّ كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ... يَحُورُ رَمَادَاً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويستعمل بمعنى: «صار» ، فيرفع الاسم وينصب الخبر عند بعضهم مستدلاً بهذا البيت، وموضع نصب «رماداً» على الحال.
стр. 12558
وقال الراغب: «الحَوْرُ: التردد في الأمر، ومنه:» نعوذ بالله من الحور بعد الكور «، أي: من التردد في الأمر بعد المضي فيه، ومحاورة الكلام: مراجعته، والمحور: العود الذي تجري فيه البكرة لترددها عليه، والمحار: المرجع والمصير» .
وعن ابن عباس ﵄: ما كنت أدري ما معنى: «حَوْر» حتى سمعت أعرابياً يقول لابنته: «حُورِي» أي: ارجعي.
وقال عكرمة وداود بن أبي هند: «يَحُور» : كلمة بالحبشية، ومعناها: يرجع.
قال القرطبي: «ويجوز أن تتفق الكلمتان، فإنَّهما كلمة اشتقاق، ومنه: الخبز الحُوارى، لأنه يرجع إلى البياض» .
والحُور أيضاً: الهلاك.
قال الراجز: [الرجز] .
٥١٤٠ - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى ولا شَعَرْ ... وقوله تعالى: ﴿أَن لَّن يَحُورَ﴾ : «أن لن» هذه «أن» المخففة كالتي في أوَّل سورة القيامة، وهي سادَّة مسد المفعولين، أو أحدهما على الخلاف.
وقوله: «بَلَى» جواب للنفي في «لن» ، و «أن» : جواب قسم مقدر، والمعنى: إنه ظن أن لن يرجع إلينا ولن يبعث، ثم قال: «بَلَى» أي: ليس كما ظن بلى يحور إلينا، أي: يبعث.
﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ [قال الكلبي: بصيراً به من يوم خلقة إلى أن يبعثه.
وقال عطاء: بصيراً] بما سبق عليه في أمَّ الكتاب من الشقاوة.
стр. 12559
قوله: ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ «لا» : صلة: «بالشَّفَقِ» أي: بالحمرة التي تكون عند غروب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة.
стр. 12560
قال الراغب: الشَّفَقُ: هو اختلاط ضوء النَّهار بسواد الليل عند غروب الشمس، والإشفاقُ: عناية مختلطة بخوف؛ لأن المُشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه، فإذا عُدّي ب «من» فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي ب «على» فمعنى العناية فيه أظهر.
وقال الزمخشري: «الشفق» الحُمْرة التي ترى في الغروب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب، ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما روي عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين: أنه البياض. وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه، سمي شفقاً لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان، رقة القلب عليه انتهى.
والشَّفَقُ: شفقان، الشَّفَقُ الأحمر، والآخر: الأبيض، والشفقُ والشفقةُ: اسمان للإشفاق؛ وقال الشاعر: [البسيط]
٥١٤١ - تَهْوَى حَياتِي وأهْوَى مَوْتَهَا شَفقاً ... والمَوْتُ أكْرَمُ نَزَّالٍ على الحُرمِ
تقدم اختلاف العلماء في القسم بهذه الأشياء، هل هو قسم بها أو بخالقها؟ وأن المتقدمين ذهبوا إلى أن القسم واقع برب الشفق، وإن كان محذوفاً؛ لأن ذلك معلوم من ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى.
واعلم أن الصحيح في الشفق: أنَّه الحمرة؛ لأن أكثر الصحابة، والتابعين، والفقهاء عليه، وشواهد [كلام العرب] ، والاشتقاق، والسنة تشهد له.
وقال الفراء: «وسمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ أحمر كأنه الشفق» .
وقال الشاعر: [الرجز]
٥١٤٢ - وأحْمَرُ اللَّوْنِ كحُمَرِّ الشَّفقْ ... وقال آخر: [البسيط]
٥١٤٣ - قُمْ يا غُلامُ أعنِّي غَيْرَ مُرتَبِكٍ ... على الزَّمانِ بكأسٍ حَشوُهَا شَفَقُ
ويقال للمغرة: الشَّفقة.
وفي «الصِّحاح» : الشَّفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قرب من العتمة.
وقال الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة إذا ذهب قيل: غاب الشفق.
стр. 12561
وأصل الكلمة من رقّة الشيء، يقال: شيء شفق، أي: لا تماسك له لرقته، وأشفق عليه أي: رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك الشفق، فكأن تلك الرقة من ضوء الشمس.
وزعم بعض الحكماء: أن البياض لا يغيب أصلاً.
وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية، فرمقت البياض، فرأيته يتردد من أفق إلى أفق، ولم أره يغيب.
وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر، وكل ما يتجدّد وقته سقط اعتباره.
وروى النعمانُ بن بشيرٍ، قال: أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة، كان النبي ﷺ َ يصليها لسقوط القمر لثالثة. وهذا تحديد.
وقال مجاهد: الشفق النهار كله؛ لأنه عطف عليه ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾ ، فوجب أن يكون الأول هو النهار، فعلى هذا يكون القسم واقع بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش، والثاني: سكن، والشفقُ أيضاً: الرديء من الأشياء، يقال: عطاء مشفق، أي: مقلل؛ قال الكميتُ: [الكامل]
٥١٤٤ - مَلِكٌ أغَرُّ مِن المُلُوكِ تَحلَّبَتْ ... للسَّائلينَ يَداهُ غَيْرُ مُشفِّقِ
قوله: ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾ ، أي: جمع وضم ولف، ومنه: الوسْقُ، وهو الطعام المجتمع الذي يكال أو يوزن، وهو ستُّون صاعاً، ثم صار اسماً، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي وسقها، أي: جمعها؛ قال الشاعر: [الرجز]
٥١٤٥ - إنَّ لَنَا قَلائصاً حقَائِقَا ... مُستوسِقَاتٍ لوْ يَجِدْنَ سَائِقَا
والوِسْقُ - بالكسر -: الاسم: وبالفتح: المصدر، وطعام موسق: أي: مجموع،
стр. 12562
ويقال: وسقهُ فاتَّسقَ، واسْتوسَقَ، ونظير وقوع «افتعل، واستفعل» مطاوعين: اتسع واستوسع، ومنه قولهم: وقيل: وسق، أي: عمل فيه؛ قال: [الطويل]
٥١٤٦ - ويَوْماً تَرَانَا صَالحينَ وتَارَةً ... تَقُومُ بِنَا كالواسِقِ المُتلبِّبِ
فصل في معنى الآية
قال عكرمة ﵁: «ومَا وسقَ» ، أي: وما ساق من شيء إلى حيث يأوي فالوسقُ، بمعنى الطرد، ومنه قيل للطَّريد من الإبل والغنم: وسيقه.
وعن ابن عباس ﵁: «وما وسق» أي: وما جنَّ وستر.
وعنه أيضاً: وما حمل، ووسَقَتِ الناقة تَسِقُ وسْقاً: أي: حملت وأغلقت رحمها على الماء فهي ناقة واسق، ونوق وساق، مثل: نائم ونيام، وصاحب وصحاب، ومواسيق أيضاً، وأوسقتُ البعير: حملته حمله، وأوسقت النخلة: كثر حملها.
وقال يمانٌ والضحاك ومقاتلُ بن سليمان: حمل من الظلمة.
وقال مقاتلٌ: حمل من الكواكب.
وقال ابنُ جبيرٍ: «وما وسق» أي: وما حمل فيه من التهجد والاستغفار بالأسحار.
قوله: ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾ . أي: امتلأ. قال الفراء: وهو امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر. وهو «افتعل» من «الوسق» وهو الضم والجمع كما تقدم، وأمر فلان متسقٌّ: أي: مجتمع على الصلاح منتظم، ويقال: اتسق الشيء إذا تتابع.
وعن ابن عباس ﵁ «إذا اتَّسَقَ» أي: استوى واجتمع وتكامل وتمَّ واستدار.
قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ هذا جواب القسم.
وقرأ الأخوان، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومسروق، وأبو وائل، ومجاهدٌ والنخعيُّ، والشعبيُّ، وابن جبيرٍ: بفتح الباء على الخطاب للواحد.
стр. 12563
والباقون: بضمها على خطاب الجمع.
فالقراءة الأولى: رُوعي فيها إمَّا خطاب الإنسان المتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان﴾ [الانشقاق: ٦] ، وإما خطاب غيره.
فقيل: خطابٌ للرسول ﵊ ُ - أي: لتركبن يا محمد مع الكفار وجهادهم، أو لتبدلن أنصاراً مسلمين، من قولهم: النَّاس طبقات ولتركبن سماء [بعد سماء] ، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى.
وقيل: التاء للتأنيث، والفعل مسندٌ لضمير السماء.
قال ابن مسعود: لتركبن السماء حالاً بعد حالٍ تكون كالمهل وكالدخان، وتنفطر وتنشق.
والقراءة الثانية: رُوي فيها معنى الإنسان؛ إذ المراد به: الجنس، أي: لتركبنَّ أيُّها الإنسان حالاً بعد حال من كونه نطفة، ثم مضغة، ثم حياً، ثم ميتاً وغنياً وفقيراً.
واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي ﷺ َ لما ذكره قبل هذه الآية فيمن يؤتى كتابه بيمينه، ومن يؤتى كتابه وراء ظهره، وقوله بعد ذلك «فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» أي: لتركبن حالاً بعد حال من شدائد يوم القيامة، أو لتركبن سُنَّة من كان قبلكم في التكذيب، والاختلاف على الأنبياء.
وقال مقاتلٌ: يعني الموت ثم الحياة.
وعن ابن عباسٍ: يعني: الشدائد والأهوال والموت، ثم البعث، ثم العرض.
وقال عكرمة: رضيع، ثم فطيم [ثم غلام،] ثم شابٌّ، ثم شيخ.
قال ابن الخطيب: ويصلح أن يكون هذا خطاباً للمسلمين بتعريف نقل أحوالهم
стр. 12564
بنصرهم، ومصيرهم إلى الظفر بعدوهم بعد الشدة التي تلقونها منهم كما قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] .
وقرأ عمرُ ﵁: «ليركبُنَّ» بياء الغيبة وضم الباء على الإخبار عن الكفار.
وقرأ عمر - أيضاً - وابن عباس ﵄ بالغيبة، وفتح الباء، أي: ليركبنَّ الإنسان.
وقيل: ليركبنَّ القمر أحوالاً من إسرارٍ والاستهلالِ.
وقرأ عبد الله وابنُ عباسٍ: «لتركبُنَّ» بكسر حرف المضارعة، وقد تقدم في «الفاتحة» .
وقرأ بعضهم: بفتح المضارعة وكسر الباء، على إسناد الفعل للنفس، أي: لتركبن يا نفس.
قوله: «طبقاً» : مفعول به أو حال.
والطبق قال الزمخشريُّ: الطَّبق: ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق كذا: أي: لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء: الطَّبقُ، وأطباقُ الثَّرى ما تطابق منه، ثم قيل للحال المُطابقَة لغيرها طبق، ومنه قوله : ﴿طَبَقاً عَن طَبَقٍ﴾ أي: حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة، وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقاتٍ، ومنه طبقات الظهر لفقاره، الواحدة: طبقة على معنى: لتركبن أحوالاً بعد أحوال، هي طبقات في الشدة، بعضها أرفع من بعض وهي الموت، وما بعده من مواطن القيامة انتهى.
وقيل: المعنى: لتركبن هذه الأحوال أمَّة بعد أمَّة؛ ومنه قول العباس فيه ﷺ َ: [المنسرح]
٥١٤٧ - تُنقَلُ مِنْ صالبٍ إلى رحِمٍ ... وإذَا مَضَى عالمٌ بَدَا طَبَقُ
فعلى هذا التفسير، يكون «طبقاً» حالاً، كأنه قيل: أمة بعد أمة.
وأما قول الأقرع: [البسيط]
٥١٤٨ - إنِّي امرؤٌ قَدْ حَلبْتُ الدَّهْرَ أشْطرَهُ ... وسَاقَنِي طَبَقٌ منهُ إلى طَبقٍ
стр. 12565
فيحتمل الأمرين، أي: ساقني من حالة إلى أخرى، أو ساقني من أمَّة ناس إلى أمَّة ناسٍ آخرين، ويكون نصب «طبقاً» على المعنيين على التشبيه بالظرف أو الحال، أي: متنقلاً، والطبقُ أيضاً: ما طابق الشيء أي: ساواه: [ومنه دلالة المطابقة.
قال امرؤ القيس:
٥١٤٩ - ديمة هطلاً ... والطبق من الجراد أي الجماعة] .
قوله: «عَنْ طَبقٍ» : في «عن» هذه وجهان:
أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل «تركبن» .
والثاني: أنَّها صفة ل «طبقاً» .
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما محل «عن طبق» ؟ قلت: النصب على أنه صفة ل «طبقاً» ، أي: طبقاً مجاوزاً لطبقٍ، [أو حال من الضمير في «لتركبن» ، أي: لتركبن طبقاً مجاوزين لطبقٍ، أو مجاوراً] ، أو مجاورة على حسب القراءة.
وقال أبو البقاء: و «عن» بمعنى: «بعد» ؛ قال: [الكامل]
٥١٥٠ - مَا زِلْتُ أقْطَعُ مُنْهَلاً عَنْ مَنْهَلٍ ... حَتَّى أنَخْتُ بِبَابِ عَبْدِ الوَاحدِ
لأن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء، يكون الثاني بعد الأول فصلحت «بعد» و «عن» للمجاوزة، والصحيح أنها على بابها، وهي صفة، أي: طبقاً حاصلاً عن طبق، أي: حالاً عن حالٍ. وقيل: جيلاً عن جيل. انتهى.
يعني الخلاف المتقدم في الطبق ما المراد به، هل هو الحال، أو الجيل، أو الأمة كما تقدم نقله؟ وحينئذ فلا نعرب طبقاً مفعولاً به، بل حالاً، كما تقدم، لكنه لم يذكر في طبق غير المفعول به، وفيه نظر، لما تقدم من استحالته، يعني إذ يصير التقدير: لتركبن طبقة أمَّةٍ عن أمَّةٍ، فتكون الأمة مركوبة لهم، وإن كان يصح على تأويل بعيدٍ جداً وهو حذف مضاف، أي: لتركبن سنن، أو طريقة طبق بعد طبق.
فصل في حدوث العالم
هذا أدلُّ على «حدوث العالم» وإثبات الصانع.
стр. 12566
قالت: الحكماء: من كان اليوم على حاله، فليعلم أن تدبيره إلى سواه.
وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أنَّ لهذا العالم صانعاً؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوَّة، وضعف الأركان وقهر النية ونسخ العزيمة.
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . يعني: أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضَّحت لهم الآيات والدِّلالات، وهذا استفهام إنكارٍ.
وقيل: تعجب أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حال.
قال ابنُ الخطيب: فما لهم لا يؤمنون بالبعث والقيامة، وهو استفهام إنكارٍ، وإنَّما يحسن عند ظهور الحُجَّة، وذلك أنه - تعالى - أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها، وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾ فإنه يدل على حدوث ظلمةٍ بعد نورٍ، وعلى تغييرات أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النَّومِ، وكذا قوله تعالى: ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾ فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد نقصانه ثم إنه أقسم - تعالى - بهذه الأحوال المتغيرة على تغيير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأحوال العلوية والسفلية من حال إلى حال بحسب المصالح، لا بد وان يكون قادراً، ومن كان كذلك لا محالة قادر على البعث والقيامة، فلما كانت هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة بصحة البعث، لا جرم قال تعالى على سبيل الاستبعاد: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ .
فصل في الكلام على الآية
قال القاضي: «لا يجوز أن يقول الحكيم لمن كان عاجزاً عن الإيمان: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ ، وهذا يدل على كونهم قادرين، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها ألبتة» . وجوابه تقدم.
قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ﴾ شرط، جوابه ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ ، وهذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال نسفاً على ما قبلها، أي: فما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، أي: لا يصلون قاله ابن عباس: وعطاء، والكلبي، ومقاتل [وقال أبو مسلم: المراد الخضوع والاستكانة.
وقيل: المراد نفس السجود لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ َ سجد فيها.
стр. 12567
وقال مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن المعنى لا يدعون ولا يطيعون] .
قوله تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ . العامّة: على ضمِّ الياء من «يكذبون» وفتح الكاف وتشديد الذَّال.
والضحاكُ وابنُ أبي عبلة: بالفتح والإسكان والتخفيف [وتقدمت هاتان القراءتان أول البقرة] .
والمعنى: يُكذِّبُون بمحمد ﷺ َ وما جاء به.
قال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم.
وقيل: هو في جميع الكفار.
قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ . هذه هي قراءة العامة، من أوعى يُوعِي، أي: بما يضمرون في أنفسهم من التكذيب، رواه الضحاك عن ابن عباسٍ.
وقال مجاهدٌ: يكتمون من أفعالهم.
وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع فيه، يقال: وعيت الزَّاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء؛ قال الشاعر: [البسيط]
٥١٥١ - ألخَيْرُ أبْقَى وإنْ طَال الزَّمانُ بِهِ ... والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوعَيْتَ مِنْ زَادِ
وقرأ أبو رجاءٍ: «يَعُونَ» من «وَعَى يَعِي» ، يقال: وعاهُ إذا حفظهُ، يقال: وعيتُ الحديثَ، أعيهُ، وعياً، وأذنٌ واعيةٌ، وقد تقدم.
قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، أي: مُؤلمٍ في جهنَّم على تكذيبهم وكفرهم، أي: جعل ذلك بمنزلة البشارة.
قوله: ﴿إِلَاّ الذين آمَنُواْ﴾ : يجوز أن يكون متصلاً، وأن يكون منقطعاً، هذا إذا كانت الجملة من قوله: «لَهُمْ أجْرٌ» : مستأنفة أو حالية، أمَّا إذا كان الموصول مبتدأ والجملة خبره، فالاستثناء ليس من قبيل استثناء المفردات، ويكون من قسم المنقطعِ، أي: لكن الذين آمنوا لهم كيت وكيت.
стр. 12568
وتقدم معنى الممنُون في: «حم» السجدة، وأنَّ معناه: غير منقوص لا مقطوع، يقال: مننت الحبل: إذا قطعته.
وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ﵄ عن قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فقال: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ قال: نعم، قد عرفه أخو يشكر؛ حيث يقول: [الخفيف]
٥١٥٢ - فَتَرَى خَلفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْ ... عِ مَنِيناً كأنَّهُ أهْبَاءُ
قال المبرد: المنين: الغبار؛ لأنه يقطعه وراءها، وكل ضعيف مَنِين ومَمْنُون.
وقال بعضهم: ليس هنا استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا.
وقد مضى القول فيه في سورة البقرة، والله تعالى أعلم.
روى الثعلبي عن أبيٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ أعاذهُ اللهُ - تَعَالَى - أن يُعْطيهُ كِتابهُ وَراءَ ظَهْرهِ» وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 12569
سورة البروج
стр. 12570
مكية، وهي اثنان وعشرون آية، ومائة وتسع كلمات، وأربعمائة وثمانية وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ . هذا قسم أقسم الله تعالى به، وفي البروج أقوال:
قيل: والسَّماء ذات النجوم. قاله الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاكُ. وقال ابنُ عباسٍ وعكرمةُ ومجاهدٌ: هي قصور في السماء.
وقال مجاهد أيضاً: هي البروج الاثنا عشر، وهو قول أبي عبيدة ويحيى بن سلام.
وقيل: هي منازل القمر.
قوله: ﴿واليوم الموعود﴾ : وهو يوم القيامة، وهذا قسم آخر، قال ابن عباس ﵁: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه.
следующие страницы →