← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً ﷺ َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله ﷺ َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً. قال أبو هريرة ﵁: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه. وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة. قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد ﷺ َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ . قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان. وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ. قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي ﷺ َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه: أحدها: أنه ﷺ َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى. الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة. الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا

стр. 12777

يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ ﵁: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله ﷺ َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: ٩، ١٠] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة. وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله ﷺ َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا. قوله: ﴿كَلَاّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً ﷺ َ ويطأ عنقه. وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة. قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف. وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة. والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل] ٥٢٥٧ - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش. وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب. وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى. وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .

стр. 12778

وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد. قال: [الكامل] ٥٢٥٨ - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم. وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٦٢] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: ٤] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته. قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة. قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» . قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر] ٥٢٥٩ - فَلَا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم. وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته. وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه. فصل في معنى الآية والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها،

стр. 12779

والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً ﷺ َ، وكاذباً على رسوله ﷺ َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَاّ يَأْكُلُهُ إِلَاّ الخاطئون﴾ [الحاقة: ٣٧] . قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث. قال زهير: [الطويل] ٥٢٦٠ - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ [وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه] وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم. قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ . قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع. وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» . وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن. وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع. قال: [الطويل] ٥٢٦١ - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا

стр. 12780

وقال آخر: [الطويل] ٥٢٦٢ - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ [قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر. وقال أبو الليث السمرقندي ﵀: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] . وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: ٦] . وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل. فصل في المراد بالزبانية قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي ﷺ َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ . قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني. قال ابن عباس ﵁: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه. قوله: ﴿كَلَاّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. قال ﷺ َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .

стр. 12781

وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» . فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة. وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلَاّ لَا تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله ﷺ َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ. روى الثعلبي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.

стр. 12782

سورة القدر مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي. وحكى الماوردي عكسه.

стр. 12783

وذكره الواقدي: أنها أول سورة نزلت ب " المدينة "، وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] يريد: ليلة القدر. قال ابن عباس ﵄: نزل به جبريل ﵇ جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي ﷺ َ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. حكى الماورديُّ عن ابن عباس ﵄ قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح

стр. 12784

المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي ﷺ َ عشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل ﵇ وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد ﵉ واسطة. وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر ﵁: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة ﵂: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن. وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، ﵈. وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] . وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً. وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ، يعني جمع الدهر. [وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد ﷺ َ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها] .

стр. 12785

وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان ﵊ ُ - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما. وقال ابن مسعود ﵁: إن النبي ﷺ َ ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس ﵁. وقال مالك بن أنس ﵁: أري رسول الله ﷺ َ أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم. وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي ﷺ َ أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله ﷺ َ من ذلك، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ ، فسر بذلك رسول الله ﷺ َ. قوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: ﴿والروح فِيهَا﴾ . يجوز أن ترتفع «الرُّوحُ» بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و «فيها» متعلق ب «تنزل» وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و «فِيهَا» ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل ﵇. [وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة. ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى. وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي.

стр. 12786

وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً] . وقيل: «الرُّوحُ» : الرحمة ينزل بها جبريل ﵇ مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] ، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر. قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ . يجوز أن يتعلق ب «تَنَزَّلُ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب «تَنَزَّل» أي: ملتبساً بإذن ربهم. قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . يجوز في «مِنْ» وجهان: أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب «تَنزَّلُ» ، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل. الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم. وقرأ العامة: «أمْرٍ» واحد الأمور. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: «مِنْ كُلِّ امْرئٍ» ، أي: من أجل كل إنسانٍ. قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل ﵇ ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، ف «مِنْ» بمعنى «عَلَى» . وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد. وقيل: «مِنْ كُلِّ أمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن «سلام» مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر. فصل في معنى الآية قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن «هِيَ» ضمير الملائكة، و «سلامٌ» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها. الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و «سلامٌ» بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف.

стр. 12787

قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة. وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد. وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع «سلامٌ» على أنه خبر مقدم، و «هِيَ» مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و «هي» فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف. وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: «بِإذْنِ ربِّهِمْ» ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ» بما بعده، وتقدم تأويله. وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون» سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول» انتهى. [وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام» فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب] . وما يروى عن ابن عبَّاس ﵄ أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: «سلامٌ» ويبتدئ ب «هِيَ» على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام. [قوله: ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ متعلق ب «تنزل» أو ب «سلام» وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار] . وقرأ الكسائي وابن محيصن: «مطلِع» بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط. قال القرطبي: «حكي في ذلك كله الفتح والكسر» . وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: «يضرب» .

стр. 12788

فصل في تعيين ليلة القدر اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين. قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين» . وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله ﷺ َ يقول: «لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ» . وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين. وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً. وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا. فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي ﵁ لحديث الماء والطين. وقيل: ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر ﵁ «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي ﷺ َ:» أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ «» . وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ َ قال: «التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى» .

стр. 12789

[قال مالك ﵁: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين. وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم] . وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي ﷺ َ: «لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ» . وقال الحسن ﵁: «ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة» . [وروي عن أبي بكر ﵁ أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل] ٥٢٦٣ - ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ ... كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ ... وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ وقيل: هي تنتقل في جميع السنة] . قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان. فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ. وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها. وروى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ» .

стр. 12790

سورة البينة

стр. 12791

مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة، وثلاثمائة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ ، هذه قراءة العامة، وخط المصحف. وقرأ عبد الله بن مسعود ﵁: «لَمْ يكُن المُشْركُونَ وأهْلُ الكِتابِ منفكين» وهذه قراءة على التفسير. قال ابن العربي: «وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد قرأ النبي ﷺ َ في رواية الصحيح» فَطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدَّتهِنَّ «وهو تفسيرٌ، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف» . وقرئ: «والمُشرِكُون» بالواو نسقاً على «الَّذينَ كَفَرُوا» . قوله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ اسم فاعل من «انفكَ» ، وهي هنا التامة، فلذلك لم تحتج إلى خبر. وزعم بعضهم: أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره: منفكّين عارفين محمداً ﷺ َ. قال أبو حيان: وحذف خبر «كَانَ» لا يجوز اقتصاراً، ولا اختصاراً.

стр. 12792

وجعلوا قوله: [الكامل] ٥٢٦٣ - ب -..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَبْغِي جِوَاركَ حَيْثُ لَيْسَ مُجِيرُ أي: في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال: صار الخبر مطلوباً من جهتين: من جهة كونه مخبراً به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه منصوباً بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصاراً، وأما الاقتصار ففيه خلاف وتفصيل وتقدم ذكره. وقوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ﴾ متعلق ب «لَمْ يَكُنْ» أو ب «مُنفكِّينَ» . فصل قال الواحديُّ: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، ولم يبين كيفية الإشكال قال ابن الخطيب: ووجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء المنفكّ عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن «حتَّى» لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ﷺ َ، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول ﵊ ُ - فحينئذ يحصل التناقض، والجواب من وجوه: أحدها: وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشريُّ: أن الأول حكاية ما كانوا يقولونه من أنه ﷺ َ الموعود به لا ننفك عما نحن عليه من ديننا. والثاني: إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتِّفاق على الحق إذا جاءهم الرسول ﵊ ُ -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان خلافاً لما ادعوا. وثالثها: المعنى: لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله القاضي. إلا أن جعل «حتى» بمعنى «أن» بعيد في اللغة. ورابعها: المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد ﷺ َ بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] ، أي ما تلت أي: ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وخامسها: أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة.

стр. 12793

وسادسها: هي كقوله تعالى: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية، أي: كان كل منهم جازماً بمذهبه ودينه، فلما بعث محمد ﷺ َ شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى ﴿مُنفَكِّينَ﴾ مشعر بهذا؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه: أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة. فصل في المراد بأهل الكتاب هنا قال ابن عباس: أهل الكتاب الذين كانوا ب «يثرب» ، وهم: قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا ب «مكة» وما حولها، و «المدينة» ، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ أي: منتهين من كفرهم ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ يعني محمداً ﷺ َ. وقيل: لانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين إن لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول الله ﷺ َ، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا، أي ما زلت، وما انفك فلان قائماً، أي: ما زال قائماً. وأصل الفك للفتح، ومنه: فك الكتاب، وفك الخلخال. وقيل: «مُنفكِّينَ» ، بارحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: أي: لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد ﷺ َ ويسمونه الأمين في كتابهم حتى بعث فلما بعث ﷺ َ حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [البينة: ٤] ، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿والمشركين﴾ أي: ما كانوا يسيئون القول في محمد ﷺ َ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم ﷺ َ فحينئذ عادوه. وقال بعض اللغويين: «مُنفكِّينَ» ، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب. فصل في المراد بالمشركين قال قوم: المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ابن الله ومن النصارى من قال: عيسى هو الله.

стр. 12794

ومنهم من قال: هو ابنه. ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ولا بواب له، وهو كما قال في كتابه المنزل على نبيه ﷺ َ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الاخلاص ١ - ٤] . وقيل: المشركون وصف لأهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواماً بعينهم تصفهم بالأمرين، قال تعالى: ﴿الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: ١١٢] ، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل الكتاب المشركين. ٌ [وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا. وقيل: الكفر هنا هو الكفر بمحمد ﷺ َ، أي: لم يكن الذين كفروا بمحمد ﷺ َ من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم، وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين. قال القشيريُّ: وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أنّ هذا الرسول هو محمد ﷺ َ. فيبعد أن يقال لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد ﷺ َ منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله ﷺ َ إلا أن يقال: أراد لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد ﷺ َ وقد كانوا من قبل معظمين له منتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمداً ﷺ َ ويبين لهم الآيات، فحينئذٍ يؤمن قوم] . وقرأ الأعمش وإبراهيم: «والمُشْرِكُونَ» رفعاً عطفاً على «الَّذِينَ كَفرُوا» . قال القرطبيُّ: «والقراءة الأولى أبين، لأن الرفع يصير فيه الصنفان، كأنهم من غير أهل الكتاب» . وفي حرف أبيّ: «فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين» . قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر المشركين

стр. 12795

باسم الفاعل؟ فالجوابُ: أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد ﷺ َ بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادةِ الأوثان، وذلك يدل على الثبات على الكفر. قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ . قيل: البينة، محمد ﷺ َ لأنه في نفسه بينة وحُجَّة ولذلك سمَّاه الله - تعالى - سراجاً منيراً. قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ ، وهو رفع على البدل من «البَيِّنةُ» ، ولأن اللام في «البَيِّنةُ» للتعريف أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير، وقد جمعهما الله - تعالى - ها هنا - في حق الرسول، أي: هو رسول، وأي رسول الله ﷺ َ ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه، فقال : ﴿ذُو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٥] ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسل، فقوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ أي: تأتيهم رسل من ملائكة الله تعالى، تتلو عليهم صحفاً مطهرة، نظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] . وقال قتادة وابن زيد: «البَيِّنةُ» هي القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: ١٣٣] . قوله: «رسُولٌ» ، العامة: على رفعه بدلاً من «البينة» ، إما بدل اشتمال، وإما بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول ﷺ َ نفس البينة، أو على حذف مضاف، أي: بينة رسول. وقال الفرَّاء: رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكَّر، فيقال: بَيَّنتي فلان. وقرأ عبد الله وأبيّ: «رسولاً» على الحال من «البينة» . وقال القرطبي: «بالنصب على القطع» .

стр. 12796

قوله: «من اللهِ» يجوز تعلُّقه بنفس «رسول» أو بمحذوف على أنه صفة ل «رسول» ، وجوز أبو البقاء ثالثاً، وهو أن يكون حالاً من «صحفاً» ، والتقدير: يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله تعالى. يعني كانت صفة في الأصل للنَّكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالاً. قوله: «يتلو» يجوز أن يكون صفة ل «رسول» وأن يكون حالاً من الضمير في الجار قبله، إذا جعله صفة ل «رسول» . و «يتلو» : أي: يقرأ، يقال: تلا يتلو تلاوة. و «صُحُفاً» جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب. «مُطهَّرة» ، قال ابن عبَّاسٍ: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة، وقال قتادة: من الباطل. وقيل: من الكذب والشبهات، والمعنى واحد [أي: يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب بدليل أنه كان يتلو على ظهر قلب لا عن كتاب، ولأنه كان أميًّا لا يقرأ، ولا يكتب، ومطهرة من نعت الصحف كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣، ١٤] فالمطهرة: نعت للصحف في الظاهر، وهو نعت لما في الصحف من القرآن. وقيل: مطهرة أي: لا يسمُّها إلا المطهرون كما تقدم في سورة «الواقعة» . وقيل: الصحف المطهرة هي التي عند الله - تعالى - في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم من الكتب لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] . قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ﴾ . يجوز أن تكون جملة صفة ل «صُحُفاً» ، أو حالاً من ضمير «مُطهَّرة» وأن يكون الوصف أو الحال الجار والمجرور فقط، و «كتب» فاعل به، وهو الأحسن، والمراد بالكتب: الآيات المكتوبة في الصحف، والقيمةُ: المستقيمة المحكمةُ، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى وصح. وقال صاحب «النَّظم» : الكتب بمعنى الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] ، ومنه حديث العسيف: «لأقضينَّ بَينكُمَا بِكتابِ اللهِ» ، ثم قضى بالرَّجْم، وليس ذكر الرجم مسطُوراً في الكتاب.

стр. 12797

وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، سمي كتباً، لأنه يشتمل على أنواع من البيان.

стр. 12798

قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ . أي: من اليهود والنصارى، خصَّ أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب لهم أدخل في هذا الوصف. قوله: ﴿إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ . أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعني به محمد ﷺ َ، أي القرآن موافقاً لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر، بغياً وحسداً، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تفرقوا إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١ ٤] وقيل: البينة البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل. قال العلماء: من أول السورة، إلى قوله: «قَيِّمة» حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ﴾ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحُججِ. قوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ . يعني هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ﴿إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ أي: يوحدوه، واللام في ﴿لِيَعْبُدُواْ﴾ بمعنى «أنْ» كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ، أي: أن يبين، و ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: ٨] . قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . العامة: على كسر اللام، اسم فاعل، وانتصب به الدين. والحسن: بفتحها، على أنهم يخلصون هم أنفسهم في شأنهم. وانتصب «الدِّينَ» على أحد وجهين: إما إسقاط الخافض، أي: «في الدين» ، وإما على المصدر من معنى «ليعبدوا» ، وكأنه قيل: ليدينوا الدين، أو ليعبدوا العبادة. [فالتجوز إما في الفعل، وإما في المصدر، وانتصاب مخلصين على الحال من فاعل «يعبدون» ] . قوله: «حنفاء» حال ثانية، أو حال من الحال قبلها، أي: من الضمير المستكن فيها. [قوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ أي: وما أمروا بما أمروا به إلا لكذا، وقرأ عبد الله: وما

стр. 12799

أمروا إلا أن يعبدوا، أي بأن يعبدوا، وتقديم تحرير مثله عند قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ في سورة الأنعام: [آية: ٧١]] . فصل في معنى الآية قال المفسرون: المعنى، وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ﴿إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ ، أي: ليوحدوه، واللام بمعنى «أنْ» كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ [الزمر: ١١] أي: العبادة، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله لا غيره، وقوله تعالى: ﴿حُنَفَآءَ﴾ ، أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم ﵇. وقيل: الحنيف: من اختتن وحجّ، قاله سعيد بن جبير. وقال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف إلى الإسلام، أي: مال إليه. قوله: ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة﴾ ، أي يصلُّوها في أوقاتها ﴿وَيُؤْتُواْ الزكاة﴾ ، أي: يعطوها عند محلها، وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أي: ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي: الدين المستقيم، وقال الزجاج أي: ذلك دين الملة المستقيمة، و «القَيِّمَةِ» نعت لموصوف محذوف، وقيل: «ذلك» إشارة إلى الدين، أي ذلك الدين الذي أمروا به أي الدين المستقيم أي ذلك دين الأمة القيمة. وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: الكتب القيمة، لأنها قد تقدمت في الذكر، قال تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فلما أعادها مع «أل» العهدية، كقوله تعالى: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: ١٦] ، وهو حسن. وقرأ الحسن، وعبد الله: «وذلك الدين القيمة» ، والتأنيث حينئذٍ، إما على تأويل الدين بالملة، كقوله: [البسيط] ٥٢٦٤ - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... سَائِلْ بَنِي أسدٍ مَا هَذهِ الصَّوتُ وقال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم والقيمة واحد بتأويل: الصيحة، وإما على أنها تاء المبالغة: ك «علامة» . وقال الفراء: أضاف الدين إلى «القيمة» وهو نعته، لاختلاف اللفظين، وعنه أيضاً: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح.

стр. 12800

قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ كما مرَّ في أول السورة، وقوله تعالى: ﴿فِي نَارِ﴾ هذا هو الخبر، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر. قوله: ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ . وقرأ نافع وابن ذكوان: «البريئة» بالهمز في الحرفين، والباقون: بياء مشددة. واختلف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه واخترعه، قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ [الحديد: ٢٢] ، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند عامة العرب. وقد تقدم أن العرب التزمت غالباً تخفيف ألفاظ منها: النبي، والجاثية، والذرية. قال القرطبي: «وتشديد الياء عوض من الهمزة» . وقيل: «البريَّة» دون همز مشتقة من «البرى» وهو التراب، فهي أصل بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متّفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، فقال: «وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مُرْض» انتهى. يعني أنه إذا قيل: إنها مشتقة من «البرى» وهو التراب، فمن أين تجيء الهمزة في القراءة الأخرى. قال شهاب الدين: «هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل مستقل، فتلك من» برأ «، أي: خلق، وهذه من» البرى «لأنهم خلقوا منه، والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز من النحاة لثبوته متواتراً» . قال القشيريُّ: «ومن قال: البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة» . وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب فيه تخطئةُ من همز.

стр. 12801

وقوله: ﴿هُمْ شَرُّ البرية﴾ ، أي: شر الخليقة، فقيل: يحتمل أن يكون على التعميم. وقال قوم: أي هم شرُّ البرية الذين كانوا في عصر النبي ﷺ َ كقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: ٤٧] ، أي: على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شرّ منهم، مثل: فرعون، وعاقر ناقة صالح، وكذا قوله: ﴿خَيْرُ البرية﴾ إما على التعميم، أو خير برية عصرهم، وقد استدل بقراءة الهمزة من فضل بني آدم على الملائكة. وقال أبو هريرة ﵁: المؤمن أكرم على الله من بعض الملائكة الذين عنده. وقرأ العامة: ﴿خَيْرُ البرية﴾ مقابلاً ل «شرّ» . وقرأ عامر بن عبد الواحد: «خِيارُ البريَّةِ» وهو جمع «خير» نحو: جِيَاد، وطِيَاب، في جمع جيد وطيب؛ قاله الزمخشريُّ. قال ابن الخطيب: وقدم الوعيد على الوعد، لأنه كالداء، والوعد: كالغذاء والدَّواء، فإذا بقي البدن استعمل الغذاء، فينتفع به البدن، لأن الإنسان إذا وقع في شدة رجع إلى الله تعالى، فإذا نال الدنيا أعرض. قوله: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ . أي: ثوابهم عند خالقهم ومالكهم ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ . قال ابن الخطيب: قال بعض الفقهاء: من قال: لا شيء لي على فلان انتفى الدين، وله أن يدعي الوديعة، وإن قال: لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولإن قال: لا شيء لي قبلهُ انصرف إليهماً معاً، فقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يفيد أنها أعيان مودعة عنده، والعين أشرف من الدين، والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك، وهو محال في حقه تعالى. وتقدم الكلام على نظيره. قوله: ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ ، الجنات: البساتين، والعدن: الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً وعدوناً، أي: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ومستقره، وقيل: «عدن» : بطنان الجنة ووسطها. قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ ، حال عامله محذوف، تقديره: ادخلوها خالدين، أو أعطوها، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «جزَاؤهُم» لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي، على أنَّ بعضهم: أجازه من «هم» واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري.

стр. 12802

قال أبو البقاء: وهو بعيد، وأما «عِند ربِّهِمْ» فيجوز أن يكون حالاً من «جَزاؤهُمْ» ، وأن يكون ظرفاً له، و «أبَداً» ظرف مكان منصُوب ب «خالدِيْنَ» . أي لا يظعنون ولا يموتون. قوله: ﴿رِّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ ، يجوز أن يكون دعاء مستأنفاً، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانياً بإضمار «قَد» عند من يلزم ذلك. قال ابن عباس: «رضي اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنه» أي: رضوا بثواب الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: ذلك المذكور من استقرار الجنة مع الخلود. أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي. روى أنس ﵁ «أن النبي ﷺ َ قال لأبيِّ بن كعب: إن الله تَعالَى أمَرنِي أنْ أقْرَأ عليْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ ، قال: وسمَّاني لك؟ قال ﵊:» نَعم «فبكى» خرجه البخاري ومسلم. قال القرطبيُّ: «من الفقه قراءة العالم على المتعلم» . قال بعضهم: إنما قرأ النبي ﷺ َ على أبيٍّ، ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة. وقيل: إن أبياً كان أسرع آخذاً لألفاظ رسول الله ﷺ َ ويعلم غيره، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ﷺ َ، وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ ﵁ وعن بقية الصحابة أجمعين إذ أمر ﷺ َ أن يقرأ عليه. والله أعلم.

стр. 12803

سورة الزلزلة

стр. 12804

مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وهي ثمان آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومائة وتسع وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ . «إذّا» شرط، وجوابه «تُحدِّثُ» ، وهو النَّاصب لها عند الجمهور. وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً. وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير «من وما» ، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب «أي» لكان أوضح. وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون. وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط. فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟ . فقيل له: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] . وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في

стр. 12805

وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: «إذَا» للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ . فصل في معنى الزلزلة روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: ٦، ٧] ، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها. وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها. قال الزمخشري: «ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته» . قرأ الجمهور: «زِلْزالهَا» بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها. قيل: هما مصدران بمعنى. وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية «فعلال» يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال. قال القرطبيُّ: «والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار» . قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ . قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها. وقال ابن عباس ومجاهد: «أثْقَالهَا» موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية.

стр. 12806

ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: «أثْقالهَا» : كنوزها، ومنه الحديث: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة» . قوله: ﴿وَقَالَ الإنسان﴾ ، أي ابن آدم، الكافر. وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ﴿مَا لَهَا﴾ أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها ﴿وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟﴾ ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً] . قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في «يَومَئذٍ» : «تُحدِّثُ» إن جعلت «إذَا» منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها «تحدّث» كان «يومئذ» بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور. فصل في معنى الآية معنى «تحدث أخبارها» ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ. ثم قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان «مَا لَهَا» ، «تُحدِّثُ أخْبارهَا» متعجباً. روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ «قال قرأ رسول الله ﷺ َ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال:» فهَذهِ أخْبارُهَا «» .

стр. 12807

قال الماورديُّ: قوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة ﵁ ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة. الثاني: قال يحيى بن سلام: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة. الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن. وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل: أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك. الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام. الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام. قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى. قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلق ب «تُحدِّثُ» ، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها. وقيل: الباء زائدة و «أنَّ» وما في حيزها بدل من أخبارها. وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها. وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أين مفعولاً» تُحدِّثُ «؟ . قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم. فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله» بأنَّ ربَّك «؟ . قلتُ: ب» تحدث «ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها

стр. 12808

بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين» . قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه. قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه. ثم قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» بأنَّ ربَّك «بدلاً من» أخبارها «كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا» . قال أبو حيَّان: «وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلَاّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز:» استغفرتُ الذنب العظيم «بنصب» الذنب «وجر» العظيم «لجواز أنك تقول:» من الذنب «، ولا» اخترتُ زيداً الرجال الكرام «بنصب» الرجال «وخفض» الكرام «وكذلك لا يجوز:» استغفرتُ من الذنب العظيم «بجر» الذنب «ونصب» العظيم «وكذلك في» اخترتُ «فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن» من «زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب» رجل «وجر» عاقل «على مراعاة جواز دخول» من «وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر» . انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: «لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا» ، وأما كونه يمتنع أن يقول: «استغفرتُ الذنب العظيم» بنصب «الذنب» وجرّ «العظيمِ» إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر» ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي» بدل من «الذنب» ، وهذا جائزٌ لا محالة. قوله ﴿أوحى لَهَا ﴾ . في هذه اللام أوجه:

стр. 12809

أحدها: أنها بمعنى «إلى» ، وإنما أوثرت على «إلى» لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى» ، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز] ٥٢٦٥ - أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ ... وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ قاله أبو عبيدة. الثاني: على أصلها، «أوحَى» يتعدى باللام تارة، وب «إلى» أخرى، ومنه البيت. الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها. قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.

стр. 12810

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إما بدل من «يَومئذٍ» قبله، وإما منصوب ب «يَصْدرُ» ، وإما منصوب ب «اذكر» مقدراً. وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ : حال من الناس، وهو جمع «شت» أي: متفرقين في الأمن والخوف والبياض والسواد، والصدر ضد الورود عن موضع الحساب، فريق إلى جهة اليمين إلى الجنة، وفريق إلى جهة الشَّمال إلى النار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . وعن ابن عباس ﵁: «أشْتَاتاً» متفرقين على قدر أعمالهم، أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة. وقيل: هذا الصدر إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتاً، من القبور إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فإنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها، وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ ، أي: يبعثون من أقطار الأرض، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿لِّيُرَوْاْ﴾ متعلق ب «يصدرُ» ، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير أي: تحدث أخبارها بأن ربَّك أوحى لها، ليروا أعمالهم، واعترض قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ متفرقين عن موقف الحساب، وعلى هذا تتعلق ب «أوحى» ، وقرأ العامة: ببنائه للمفعول، وهو من رؤية البصر، فتعدى بالهمزة إلى ثان، وهو أعمالهم، والتقدير: ليريهم الله أعمالهم.

стр. 12811

وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى عن نافع: بفتحها. قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله ﷺ َ مبنياً للفاعل. قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . قال ابن عباس ﵁: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. وفي بعض الحديث: «أن الذرة لا زنةَ لهَا» ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وقد تقدم أن الذر لا وزن له. وذكر بعض أهل اللغةِ: أن الذَّرَّ: أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة. وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول. قال امرؤ القيس: [الطويل] ٥٢٦٦ - مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، ودليله ما رواه أنس ﵁ «أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ َ [وأبو بكر يأكل فأمسك، وقال: يا رسول الله] ، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي:» يا أبا بكر، مَا رأيْتَ في الدُّنيا مِمَا

стр. 12812

تكرَهُ فَهُوَ مَثَاقيلُ ذر الشر، ويدخر لكم مثاقِيلُ ذرِّ الخَيْرِ، حتَّى تُعطوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ «» . قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] . قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] ، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي ﷺ َ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ» . فصل في قراءة «يره» قوله: ﴿يَرَهُ﴾ ، جواب الشرط في الموضعين. وقرأ هشام: بسكون هاء «يَرَهُ» وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر «ها» الكناية. ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها. وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى.

стр. 12813

وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول «العَادِيَات» كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول. وقرأ العامة: «يَرَهُ» مبنياً للفاعل فيهما. وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: يريه اللهُ إياه. قال القرطبيُّ: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . وقرأ عكرمة: «يَرَاه» بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن «من» موصولة. وتقدم هذا في أواخر «يوسف» . ومعنى «يره» أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم. وحكى الزمخشري: إن أعرابياً أخر: «خَيْراً يرهُ» ، فقيل له: قدمت وأخرت؛ فقال: [الطويل] ٥٢٦٧ - خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ ... كِلَا جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ انتهى. يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب «خيراً، وشراً» ، وجهان: أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار. والثاني: أنهما بدلان من مثقال. فصل في الكلام على هذه الآية قال ابن مسعود ﵁: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به.

стр. 12814

قال كعبُ الأحبار ﵁: لقد أنزل الله تعالى على محمد ﷺ َ آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . [وكان النبي ﷺ َ يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة] . روى مالك في «الموطأ» : أن مسكيناً استطعم عائشة ﵂ وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة. روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عدَلتْ لهُ نِصفَ القُرآنِ، ومَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ عدلتْ لهُ ثُلُثَ القُرآنِ» . وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربعَ مرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرآنَ كُلَّهُ» والله أعلم.

стр. 12815

سورة العاديات
следующие страницы →