← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى عن نافع: بفتحها. قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله ﷺ َ مبنياً للفاعل. قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . قال ابن عباس ﵁: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. وفي بعض الحديث: «أن الذرة لا زنةَ لهَا» ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وقد تقدم أن الذر لا وزن له. وذكر بعض أهل اللغةِ: أن الذَّرَّ: أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة. وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول. قال امرؤ القيس: [الطويل] ٥٢٦٦ - مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، ودليله ما رواه أنس ﵁ «أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ َ [وأبو بكر يأكل فأمسك، وقال: يا رسول الله] ، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي:» يا أبا بكر، مَا رأيْتَ في الدُّنيا مِمَا

стр. 12812

تكرَهُ فَهُوَ مَثَاقيلُ ذر الشر، ويدخر لكم مثاقِيلُ ذرِّ الخَيْرِ، حتَّى تُعطوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ «» . قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] . قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] ، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي ﷺ َ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ» . فصل في قراءة «يره» قوله: ﴿يَرَهُ﴾ ، جواب الشرط في الموضعين. وقرأ هشام: بسكون هاء «يَرَهُ» وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر «ها» الكناية. ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها. وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى.

стр. 12813

وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول «العَادِيَات» كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول. وقرأ العامة: «يَرَهُ» مبنياً للفاعل فيهما. وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: يريه اللهُ إياه. قال القرطبيُّ: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . وقرأ عكرمة: «يَرَاه» بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن «من» موصولة. وتقدم هذا في أواخر «يوسف» . ومعنى «يره» أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم. وحكى الزمخشري: إن أعرابياً أخر: «خَيْراً يرهُ» ، فقيل له: قدمت وأخرت؛ فقال: [الطويل] ٥٢٦٧ - خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ ... كِلَا جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ انتهى. يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب «خيراً، وشراً» ، وجهان: أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار. والثاني: أنهما بدلان من مثقال. فصل في الكلام على هذه الآية قال ابن مسعود ﵁: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به.

стр. 12814

قال كعبُ الأحبار ﵁: لقد أنزل الله تعالى على محمد ﷺ َ آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . [وكان النبي ﷺ َ يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة] . روى مالك في «الموطأ» : أن مسكيناً استطعم عائشة ﵂ وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة. روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عدَلتْ لهُ نِصفَ القُرآنِ، ومَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ عدلتْ لهُ ثُلُثَ القُرآنِ» . وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربعَ مرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرآنَ كُلَّهُ» والله أعلم.

стр. 12815

سورة العاديات

стр. 12816

مكية، في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وثلاثة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿و العاديات﴾ ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين» . قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى. قوله: ﴿ضَبْحاً﴾ ، فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ. قال عنترةُ: [مجزوء الكامل] ٥٢٦٨ - والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل. وعن ابن عباس ﵁ أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ.

стр. 12817

وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم. وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة. ونقل عن ابن عباسٍ ﵄: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي ﵁ تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة» إلى «المزدلفة» ، ومن «المزدلفة» إلى «منى» يعني إبل الحاج. قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي ﵁ وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ ﵃. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر] ٥٢٦٩ - فَلَا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: «فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ» . ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس. وأنشد أبو حنيفة ﵁: [الرجز] ٥٢٧٠ - حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ ... تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.

стр. 12818

الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ» . الرابع: أنه منصوب ب «العَادِياتَ» ، وإن كان المراد به الصوت. قال الزمخشري: «كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو» . قال أبو حيَّان: «وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به» انتهى. قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو. فصل في هذا القسم قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد ﷺ َ فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١، ٢] ، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ . وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ» فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج. وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: «فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل؟ . فقال علي ﵁: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد. وعلى هذا فالقول: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة» ، وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى» . ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ يعني «مزدلفة» ، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] .

стр. 12819

وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧] . ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي ﷺ َ بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي ﷺ َ بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون. وفي الخبر: «مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ» ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة» . قوله: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها. و «قَدْحاً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد. ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: «قادحات» ، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به. وقال الزمخشريُّ: انتصب «قدحاً» بما انتصب به «ضبحاً» وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب. قال: [الطويل] ٥٢٧١ - تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ فصل في معنى الموريات روي عن ابن عباس ﵁ أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر

стр. 12820

ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار] . وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد. والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار. والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار. يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة» . وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: ٦٤] . قال ابن عباس: المراد ب ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك. وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم. وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً. وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري بها من إقامة الحججِ , وإقامة الدَّلائلِ , وإيضاح الحق , وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة , والأول: الحقيقة , وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمى تلك النَّار نار أبي حُبَاحب , وكان أبو حباحب شيخاً من

стр. 12821

مضر في الجاهلية , من أبخل الناس , وكان لا يُوقد الخبز ولا غيره حتى تنام العيون , فيوقد نُويْرَة تقد مرة , وتخمد أخرى , فإن استيقظ لها أحد أطفأها , كراهية أن ينتفع بها أحدٌ , فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها. وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها. قال النابغة: [الطويل] ٥٢٧٢ - ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ قوله: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط] ٥٢٧٣ - فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض. قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى ل «أل» . قال الزمخشريُّ: «معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن» . قوله: ﴿بِهِ﴾ . في الهاء أوجه: أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح. الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] . وفي عبارة الزمخشري: «وقيل: الضمير لمكان الغارةِ» ، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة. الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ» . وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها.

стр. 12822

وخرجه الزمخشري على وجهين: الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار. الثاني: قلب «ثورن» إلى «وثَرْنَ» ، وقلب الواو همزة انتهى. يعني: الأصل «ثَوّرنَ» من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ «عفلن» ثم قلب الواو همزة، فصار: «أثَرْنَ» ، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «احد وأناة» والنقع: الغبار. وأنشد: [البسيط] ٥٢٧٤ - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً ... كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ وقال ابن رواحة: [الوافر] ٥٢٧٥ - عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل] ٥٢٧٦ - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ ... يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ يروى: «يجلبوها» أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: «ينقع صراخ» يعني رفع الصوت. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله ﵊ ُ: «لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ» .

стр. 12823

وقول لبيد: [الرمل] ٥٢٧٧ - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة. وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في» ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم. وقال الكسائيُّ: قوله: «نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ» النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم. وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب. قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً. [قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين «مزدلفة» إلى «منى» . وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع. وفي «الصحاح» النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر.

стр. 12824

والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر] . قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ . العامة على تخفيف السين. وفي الهاء في «به» أوجه: أحدها: أنها للصبح. والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية. الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء. وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء. و «جَمْعاً» على هذه الأوجه: مفعول به. الرابع: أن المراد ب «جمع» «المزدلفة» وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة» ، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر] ٥٢٧٨ - فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل] ٥٢٧٩ - فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ و «جَمْعاً» على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به» إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في» . وقال أبو البقاء: إن «جمعاً» حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس. وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.

стр. 12825

وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: ٢٥] وهي مبالغة في وسطن «انتهى. وقوله:» وهي مبالغة «تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول:» ذبحت الغنم «مخففاً، ثم تبالغ فتقول:» ذبَّحتها «- مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة. فصل في معنى الآية المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم. وقال ابن مسعود:» فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً «يعني» مزدلفة «، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها. ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن. وقال رسول الله ﷺ َ:» الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ «وقال أيضاً:» ظهرها حرز وبطنها كنز «. ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي ﷺ َ فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال ﵊ ُ -:» وما قال جدّكِ «.؟ قالت: [الطويل] ٥٢٨٠ - مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل فقال ﵊ ُ -: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ الآيات فأسلمت.

стр. 12826

قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . هذا هو المقسم عليه، و «لرَبِّهِ» متعلق بالخبر، وقدم الفواصل، والكنُود: الجحود.

стр. 12827

وقيل: الكفور لنعمه، وأنشد: [الطويل] ٥٢٨١ - كَنُودٌ لِنعْمَاءِ الرِّجَالِ ومَنْ يَكُنْ ... كَنُوداً لِنعْماءِ الرِّجَالِ يُبعَّدِ وعن ابن عباس ﵄ هو بلسان «كندة» و «حضرموت» : العاصي، وبلسان «ربيعة» و «مضر» : الكفور، وبلسان «كنانة» : البخيل. وأنشد أبو زيد: [الخفيف] ٥٢٨٢ - إنْ تَفُتْنِي فلمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْساً ... غَيْرَ أنِّي أمْسِي بِدهْرٍ كَنُودِ وقيل: لسان الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها. وقيل: الكنود: من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ويقال: كند الخيل: إذا قطع؛ قال الأعشى: [المتقارب] ٥٢٨٣ - يُعْطِي عَطاءً بِصُلبِ الفُؤادِ ... وصُولِ حِبَالٍ وكنَّادِهَا فهذا يدل على القطع، ويقال: كند يكند كنوداً، أي: كفر النعمة وجحدها، فهو كنود، وامرأة كنود أيضاً، وكند مثله؛ قال الأعشى: [الكامل] ٥٢٨٤ - أحْدِثْ لهَا تُحدِثُ لوصْلِكَ إنَّهَا ... كُنُدٌ لوِصْلِ الزَّائرِ المُعْتَادِ أي: كفور للمواصلة، وروى أبو أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «الكنُودُ: هُو الَّذي يَأكلُ وحدهُ، ويمنعُ رفدهُ، ويَضربُ عَبْدَهُ» خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصيبات، وينسى النعم

стр. 12828

والراحات، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] . واعلم أن الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلان يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، وإن حملناه على الكل فالمعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه. قال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول: إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال أبو بكر الواسطي: الكنُود: الذي ينفق نعم اللهِ في معاصي الله. وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشرُّ جزوعٌ، وإذا مسَّه الخيرُ منوع. وقيل: هو الحسود الحقود. قال القرطبي: «هذه الأقوال كلُّها ترجع إلى معنى الكفران والجحود» . وقال ابن عباس ﵁ نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، لقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ [العاديات: ١٩] ولا يليق إلا بالكافر المنكر لذلك. قوله: ﴿وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ . أي: وإن الله - تعالى - على ذلك من ابن آدم لشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: «وإنَّهُ» أي: وإن الإنسان لشاهدٌ على نفسه بما يصنع كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ . والأول أولى؛ لأنه كالوعيد والزجر له عن المعاصي. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير﴾ . اللام متعلقة ب «شديد» وفيه وجهان: أحدهما: أنها المعدية، والمعنى: وإنه لقوي مطيق لحب الخير أي: المال، يقال: هو شديد لهذا الأمر، أي: مطيق له، ويقال: لشديد: أي: بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدِّد؛ قال طرفة: [الطويل] ٥٢٨٥ - أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِي ... عَقِيلةَ مَالِ الفَاحشِ المُتَشَددِ يقال: اعتامه واعتماه: أي: اختاره، والفاحش: البخيل أيضاً؛ قال تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: البخل.

стр. 12829

قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شراً وخيراً، ولكن الناس يعدونه خيراً، فسماه الله تعالى خيراً لذلك، قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٠] وسمى الجهاد سوءاً، فقال: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: ١٧٤] على ما يسميه الناس. الثاني: أن «اللام» للعلة، أي: وإنه لأجل حبِّ المالِ لبخيل. وقيل: «اللام» بمعنى «على» . وقال الفراءُ: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال: «لشديد» وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، لرءوس الآي، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] والعصوف: للريح لا للأيام، فلما جرى ذكرُ الرِّيحِ قبل اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح.

стр. 12830

قوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ . لما عد عليه قبائح أفعاله خوّفه، فقال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ . العامل في «إذَا» أوجه: أحدهما: «بُعْثِرَ» نقله مكيٌّ عن المبرِّد. وتقدم تحريره في السورة قبلها. قال القرطبيُّ: العامل في «إذا» : «بعثر» ولا يعمل فيه «يعلمُ» إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت؛ إنما يراد في الدنيا، ولا يعمل فيه «خبير» لأن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها، والعامل في «يَوْمئذٍ» : «خَبِيرٌ» وإن فصل اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول «إن» على المبتدأ. والثاني: ما دل عليه خبر «إن» ، أي: إذا بعثر جوزوا. والثالث: أنه «يَعْلمُ» ، وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء، وردّه مكي، قال: «لأن الإنسان لا يراد منه العلم والاعتبار ذلك الوقت، وإنما يعتبر في الدنيا ويعلم» . قال أبو حيان: «وليس بمتضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن» . وكان قال قبل ذلك: «ومفعول» يعلم «محذوف، وهو العامل في الظرف؛ أي: أفلا يعلم ما مآله إذا بُعثر» انتهى.

стр. 12831

فجعلها متعدية في ظاهر قوله إلى واحد، وعلى هذا فقد يقال: إنها عاملة في «إذا» على سبيل أن «إذا» مفعول به لا ظرف؛ إذ التقدير: أفلا يعرف وقت بعثرة القبور، يعني أن يقر بالبعث ووقته، و «إذا» قد تصرفت وخرجت عن الظرفية، ولذلك شواهد تقدم ذكرها. الرابع: أن العامل فيها محذوف، وهو مفعول «يَعْلَمُ» ، كما تقدم. وقرأ العامة: «بُعْثِرَ» - بالعين - مبنيًّا للمفعول، والموصول قائم مقام الفاعل. وابن مسعود: بالحاء. قال الفرَّاءُ: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ «بحثر» بالحاء وحكاه الماوردي عن ابن مسعودٍ. وقرأ الأسود بن زيد ومحمد بن معدان: «بحث» من البحث. وقرأ نصر بن عاصم: «بَعْثَرَ» مبنياً للفاعل، وهو اللهُ أو الملك. فصل في معنى الآية المعنى «أفَلا يَعْلمُ» ، أي: ابن آدم «إذَا بُعْثِرَ» أي: أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع، جعله أسفله أعلاه. قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون. فإن قيل: لم قال: «بُعثِرَ ما في القُبُور» ولم يقل: من في القبور؟ ثم إنه - تعالى - لما قال: «مَا فِي القُبورِ» فلم قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ؟ . فالجواب عن الأول: أن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثرون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء. قوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور﴾ ، قرأ العامة: «حصّل» مبنيًّا للفاعل وروي عن ابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير ونصر أيضاً «حصل» خفيف الصاد مبنياً للفاعل بمعنى جميع ما في الصحف محصلاً، والتحصيل: جمع الشيء، والحصول: اجتماعه، والاسم: الحصيلة. قال لبيد: [الطويل] ٥٢٨٩ - وكُلُّ امرِئٍ يَوماً سَيعْلَمُ سَعْيهُ ... إذا حُصِّلتْ عِنْدَ الإلهِ الحَواصِلُ

стр. 12832

والتحصيل: التمييز، ومنه قيل للمنخل: محصل، وحصل الشيء - مخففاً - ظهر واستبان وعليه القراءة الأخيرة. وقال المفسرون: «وحُصِّل ما في الصُّدورِ» أي: ميز ما فيها من خير وشر، وقال ابن عباس: أبرز. قال ابن الخطيب: وخص أعمال القلوب بالذكر دون أعمال الجوارح؛ لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب؛ لأنه لولا البواعث والإرادات، لما حصلت أعمال الجوارح. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ﴾ . العامة: على كسر الهمزة لوجود اللام في خبرها، والظاهر أنها معلقة ل «يَعْلَمُ» فهي في محل نصب، ولكن لا يعمل في «إذا» خبرها، لما تقدم، بل يقدر له عامل من معناه كما تقدم. ويدل على أنها معلقة للعلم، ولا مستأنفة. وقراءة أبي السمال وغيره: «أنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ خبير» ، بالفتح وإسقاط اللام، فإنها في هذه القراءة سادة مسد مفعولها. ويحكى عن الحجاج - الخبيث الروح - أنه لما فتح همزة «أن» استدرك على نفسه، وتعمد سقوط اللام، وهذا إن صح كفر، ولا يقال: إنها قراءة ثابتة، كما نقل عن أبي السمَّال فلا يكفر، لأنه لو قرأها كذلك ناقلاً لها لم يمنع منه، ولكنه أسقط اللام عمداً إصلاحاً للسانه، واجتمعت الأمة على أن من زاد حرفاً، أو نقص حرفاً في القرآن عمداً فهو كافر. قال شهاب الدين: وإنما قلت ذلك لأني رأيت أبا حيَّان قال: وقرأ أبو السمال والحجاج، ولا يحفظ عن الحجاج إلا هذا الأثر السوء، والناس ينقلونه عنه كذلك، وهو أقل من أن ينقل عنه. «ربهم، ويومئذ» متعلقان بالخبر، واللام غير مانعة من ذلك، وقدما لأجل الفاصلة، ومعنى «خَبِيرٌ» أي: عالم لا يخفى عليه منهم خافية، وهو عالم بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجازيهم في ذلك اليوم. روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعاديات﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حسَناتٍ بعددِ مَنْ بَاتَ بالمُزدلفةِ، وشَهِدَ جَمْعاً» ، والله أعلم وهو حزبي.

стр. 12833

سورة القارعة

стр. 12834

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: ١ ، ٢] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] ، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع «القَارِعَةُ» بفعل مضمر ناصب ل «يوم» . وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] ٥٢٨٧ - لجَدِيرُونَ بالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أخُو النَّجدةِ: السِّلاحُ السِّلاحُ وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: ١٣] ، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: «القَارِعَة ما القارعة» بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و «مَا» زائدة، و «القَارِعَة» تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع الخلائق بأهوالها , وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة , وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع بهم

стр. 12835

أمر فظيع، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] ، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: ﴿مَا القارعة﴾ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: ١، ٢] ، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، ثم قال في آخر السورة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ . في ناصب «يَوْمَ» أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه «القَارِعَةُ» قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل» والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمُ» بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم.

стр. 12836

قوله: «كالفَراشِ» . يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] ٥٢٨٨ - فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ ... يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ وقال آخر: [الطويل] ٥٢٨٩ - وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ ... عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ وقال آخر: [الرجز] ٥٢٩٠ - طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ ... أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم» عن جابر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ َ: «مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي» . في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] ٥٢٩١ - إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ ... مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] .

стр. 12837

قال ابن عباس: «كالفَرَاشِ المبثُوثِ» كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ . فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦] . قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

стр. 12838

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل ﵇ يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] ٥٢٩٢ - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه.

стр. 12839

وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] ٥٢٩٣ - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] ٥٢٩٤ - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة

стр. 12840

النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال ﵊ ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم.

стр. 12841

سورة التكاثر

стр. 12842

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] ٥٢٩٥ - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال

стр. 12843

الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلَاّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع

стр. 12844

التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: ٦١] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها.

стр. 12845

قال رسول الله ﷺ َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلَاّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] .

стр. 12846

وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي ﵁: ﴿كَلَاّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلَاّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ ﵁ قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلَاّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم.

стр. 12847

وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وأعاد «كلَاّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: ٩٥] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً.

стр. 12848

والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: ١٦] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر ﵁ «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله ﷺ َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن

стр. 12849

التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال ﵊ ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلَاّ الكفور﴾ [سبأ: ١٧] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله ﷺ َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ « وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم.

стр. 12850

سورة العصر
следующие страницы →