Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.
стр. 12881
قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة.
قال: والتأويل: أن قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطَّفُون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى «الشام» ؛ لأنها بلاد باردة.
وعن ابن عباس، قال: يشتون ب «مكة» لدفئها، ويصيفون ب «الطائف» لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. .
فصل في الشتاء والصيف
قال مالك: الشتاء نصف السُّنة، والصيف نصفها.
وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف.
وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف.
قال القرطبيُّ: والذي قال مالك أصح؛ لأن اللهَّ قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً.
قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ ، أمرهم تعالى بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان:
أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها.
الثاني: لأنهم شُرِّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا البيت كما كانا يألفون الرحلتين.
﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ ، أي: من أجل الجوع، و «آمنهم» من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول «أطْعَمَهُمْ» .
стр. 12882
وأخفى نون «من» في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: «من على» ، وهي لغة حكاها سيبويه.
فصل في مكانة قريش
قال ابنُ عبَّاسٍ: وذلك بدعوة إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: ١٢٦] .
وقال ابن زيد: كانت العرب يغيرُ بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم.
وقيل: شق عليهم السَّفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السَّفر، فخافت قريش منهم وظنُّوا أنهم خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهلُ «مكة» يخرجون إلى «جدة» بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين.
وقيل: إن قريشاً لما كذبوا النبي ﷺ َ دعا عليهم، فقال: «اللَّهُم اجْعلهَا عَليهِمْ سِنيْنَ كَسني يُوسُفَ» فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادعُ الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم رسول الله ﷺ َ فأخصبت «تبالة» ، و «جرش» من بلاد «اليمن» ، فحملوا الطعام إلى «مكة» ، وأخصب أهلها
. وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل.
وقال علي ﵁: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم.
وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك.
روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أعطِيَ من الأجْرِ حَسناتٍ بعَددِ مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ، واعْتكَفَ بِهَا» والله أعلم.
стр. 12883
سورة " الدين " وتسمى " الماعون "
стр. 12884
مكية في قول عطاء، وجابر، وأحد قولي ابن عباس، ومدنية في قول له آخر، وهو قول قتادة وغيره، وهي سبع آيات، وخمس وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ ، أي: بالجزاء، والحساب، وقرأ الكسائي: «أَرَيْتَ» بسقوط الهمزة. وتقدم تحقيقه في «الأنعام» .
وقال الزمخشري: وليس بالاختيار، لأن حذفها مختصّ بالمضارع، ولم يصح عن العرب: «رَيْتَ» ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام، ونحوه: [الخفيف]
٥٣٢٢ - صَاحِ، هَلْ رَيْتَ أو سَمِعْتَ بِراعٍ ... رَدَّ فِي الضَّرعِ ما قَرَى في الحِلابِ
وفي «أرأيْتَ» وجهان:
أحدهما: أنها بصرية، فتتعدّى لواحد، وهو الموصول كأنه قال: أبصرت المكذب.
والثاني: أنها بمعنى «أخبرني» فتتعدّى لاثنين، فقدره الحوفي: أليس مستحقًّا عذاب الله.
وقدره الزمخشري: من هو، ويدل على ذلك قراءة عبد الله: «أرأيتك» بكاف الخطاب، والكاف لا تلحق البصرية.
стр. 12885
قال القرطبي: «وفي الكلام حذف والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين، أمصيب هو، أو مخطئ» .
فصل فيمن نزلت فيه السورة
نقل أبو صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وهو قول الكلبي ومقاتل.
وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجُل من المنافقين.
وقال السديُّ: نزلت في الوليد بن المغيرة.
[وقيل في أبي جهل.
وقال الضحاك: في عمرو بن عائذ.
وقال ابن جريج: في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جزوراً، فطلب منه يتيم شيئاً فقرعه بعصاه، فأنزل الله هذه السورة] .
قال ابن الخطيب: وقيل: إنه عام في كل مكذب بيوم الدين.
قوله: ﴿فَذَلِكَ﴾ ، فيه وجهان:
أحدهما: أن الفاء جواب شرط مقدر، أي: طلبت علمه فذلك.
والثاني: أنها عاطفة «فَذلِكَ» على «الَّذي يُكذِّبُ» إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة ويكون جواب «أرَأيْتَ» محذوفاً لدلالة ما بعده عليه كأنه قيل: أخبرني، وإما تقول فيمن يكذب بالجزاء، وفيمن يؤذي اليتيم، ولا يطعم المسكين أنِعْمَ ما يصنع؟ .
فعلى الأول يكون اسم الإشارة في محل رفع بالابتداء، والخبر الموصول بعده، وإما على أنه خبر لمبتدأ مضمر، أي: فهو ذلك، والموصول نعته.
وعلى الثاني: أن يكون منصوباً بالنسق، على ما هو منصوب، إلا أن أبا حيان رد الثاني فقال: جعل «فَذلِكَ» في موضع نصب على المفعول، وهو تركيب غريب كقولك: «أكرمت الذي يزورنا فذلك الذي يحسن إلينا» فالمتبادر إلى الذهن أن «فَذلِكَ»
стр. 12886
مرفوع بالابتداء، وعلى تقدير النصب يكون التقدير: أكرمت الذي يزورنا، فأكرمت ذلك الذي يحسن إلينا، فاسم الإشارة في هذا التقدير غير متمكِّن تمكن ما هو فصيح، إذ لا حاجة إلى أن يشار إلى «الذي يزورنا» ، بل الفصيح: أكرمت الذي يزورنا، فالذي يحسن إلينا، أو «أكرمت الذي يزورنا، فيحسن إلينا» ، وأما قوله: «إما عطف ذات على ذات» ، فلا يصح؛ لأن «فذلك» إشارة إلى «الَّذي يُكذِّبُ» فليسا بذاتين؛ لأن المشار إليه بقوله: «فَذلِكَ» هو واحد، وأما قوله: «ويكون جواب أرأيت محذوفاً» فلا يسمَّى جواباً، بل هو في موضع المفعول الثاني ل «أرأيت» ، وأما تقديره «أنعمَ ما يصنع» فهمزة الاستفهام لا نعلم دخولها على «نِعْمَ» ، ولا «بِئْسَ» ، لأنهما إنشاء، والاستفهام لا يدخل إلا علىلخبر، انتهى.
[والجواب عن قوله: «فاسم الإشارة غير متمكن» إلى آخره، أن الفرق بينهما أن في الآية الكريمة استفهاماً وهو «أرأيتَ» فحسن أن يفسر ذلك المستفهم منه بخلاف المثال الذي مثل به، فمن ثم حسن التركيب المذكور، وعن قوله: «لأن» فذلك إشارة إلى القائم لا إلى زيد، وإن كان يجوز أن يكون إشارة إليه، وعن قوله: «فلا يسمى جواباً» أن النحاة يقولون: جواب الاستفهام، وهذا قد تقدمه استفهام فحسن ذلك] ، وعن قوله: «والاستفهام لا يدخل إلا على الخبر» بالمعارضة بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] فإن «عسى» إنشاء فما كان جواباً له، فهو جوابٌ لنا.
فصل
قال ابن الخطيب: هذا اللفظ، وإن كان في صورة الاستفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب كقولك: أرأيت فلاناً ماذا ارتكب.
ثم قيل: إنه خطاب للرسول ﵊ ُ.
وقيل: خطاب لكل عاقل.
قوله: ﴿يَدُعُّ اليتيم﴾ قرأ العامة: بضم الدَّال، وتشديد العين من «دعَّه» أي: دفعه، وأمير المؤمنين والحسن وأبو رجاء: «يَدعُ» بفتح الدال وتخفيف العين.
فصل
قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فذلِكَ الذي يدعُّ اليَتِيمَ﴾ ، أي: يدفعه عن حقه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .
стр. 12887
[قال قتادة: يقهره ويظلمه، وقد تقدم في سورة «النساء» أنهم كانوا لا يورثون النساء، ولا الصغار، ويقولون: إنما يجوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام] .
وقال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ ضمَّ يَتِيْماً مِنَ المُسْلمينَ، حَتَّى يَسْتَغْنِي فَقدْ وجَبَتْ لهُ الجَنَّة» .
قوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ ، أي: لا يأمر به من أجل بخله، وتكذيبه الجزاء، والحساب.
وقرأ زيد بن علي: «ولا يحاضّ» من المحاضة. وقد تقدم في الفجر.
قال القرطبي: «وليس الذم عامًّا حتى يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] فنزلت هذه الآية فيهم، فيكونُ معنى الآية: لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا» .
стр. 12888
قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ مبتدأ، ومعناه: عذابٌ لهم، وقوله: ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبر والفاء للسبب، أي: تسبب عن هذه الصفات الذَّميمة الدعاء عليهم بالويل.
قال الزمخشريُّ بعد قوله: «كأنه قيل: أخبرني» : وما تقول فيمن يكذب بالدين أنعم ما يصنع، ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ على معنى: فويل لهم، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم؛ لأنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين غير مزكين أموالهم.
فإن قلت: كيف جعلت المصلين قائماً مقام الضمير ﴿الذي يُكذِّبُ بالدينِ﴾ ، وهو واحد؟ قلت: معناه الجمع؛ لأن المراد الجنس. قال أبو حيان: وأما وضعه المصلين موضع الضمير، وأن «المُصلِّينَ» جمع، لأن ضمير «الذي يُكذِّبُ» معناه الجمع، فتكلُّف واضح، ولا ينبغي أن يحمل القرآن إلَاّ ما عليه الظَّاهر، وعادة هذا الرجل يتكلف أشياء في فهم القرآن ليست بواضحة.
قال شهاب الدين: وعادة هذا الرجل التَّحامل على الزمخشري، حتى يجعل حسنهُ قبيحاً، وطيف يرد ما له، وفيه ارتباط الكلام بعضه ببعض، وجعله شيئاً واحداً، وما
стр. 12889
تضمنه من المبالغة في الوعيد في إبراز وصفهم الشنيع، ولا شكَّ أن الظاهر من الكلام أن السورة كلها في وصف قد جمعوا بين هذه الأوصاف كلها من التكذيب بالدين، ودفع اليتيم، وعدم الحضّ على طعام المسكينِ، والسهو في الصلاة، والمراءاة ومنع الخيرِ.
قوله: ﴿الذين هُمْ﴾ ، يجوز أن يكون مرفوع المحل، وأن يكون منصوبه، وأن يكون مجروره، تابعاً أو بدلاً أو بياناً، وكذلك الموصول الثاني، إلَاّ أنه يحتمل ان يكون تابعاً للمصلين، وأن يكون تابعاً للموصول الأول.
وقوله: ﴿يُرَآءُونَ﴾ أصله: يرائيون ك «يقاتلون» ، ومعنى المراءاة: أي: أن المرائي يُري النَّاس عمله، وهم يرون الثَّناء عليه، فالمفاعلة فيها واضحة، وقد تقدم تحقيقه.
فصل في اتصال هذه الآية بما قبلها
في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه:
الأول: أنه لما كان إيذاء اليتيم، والمنع من بذل طعام المسكين، دليلاً على النفاق، كانت هاتين الخصلتين معاملة مع المخلوق.
والثاني: أنه تعالى لما ذكر هاتين الخصلتين مع التكذيب بيوم الدين، قال: أليس الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ فقال: ويلٌ له من هذه الصلاة، كيف لا تنهاه عن هذه الأفعال المنكرة.
والثالث: كأنه يقول: إقدامه على إيذاء اليتيم، وتركه للحث على طعام المسكين تقصير في الشَّفقة على خلق الله تعالى، وسهوه في الصلاة تقصير في التعظيم لأمر الله تعالى، فلما وقع التقصير في الأمرين كملتْ شقاوته.
فصل في المراد بالمرائي في الصلاة
قال ابنُ عباس: هو المصلي، الذي إذا صلّى لم يرجُ لها ثواباً، وإن تركها لم يخشَ عليها عقاباً.
وعنه أيضاً: الذين يؤخرونها عن أوقاتها.
قال سعد بن أبي وقَّاص ﵁: قال: قال النبي ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ : «الَّذينَ يُؤخِّرُون الصَّلاة عَنْ وقْتِهَا تهَاوُناً بِهَا» .
стр. 12890
وقيل: لا يتمُّون ركوعها، ولا سجودها.
وقال إبراهيم: هو الذي يلتفت في سجوده. وقال قطربٌ: هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله، وفي قراءة عبد الله: «الذين هم عن صلاتهم لاهون» .
[وعن ابن عباس أيضاً: هم المنافقون يتركون الصلاة سراً، ويصلونها علانية، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى الآية، وهذا يدل على أنها في المنافقين قوله: ﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾ ، ورواه ابن وهب عن مالك ﵁] .
فصل
قال ابن عبَّاس: ولو قال: «في صلاتهم ساهون» لكانت في المؤمنين، وقال عطاء: الحمد لله الذي قال: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل: في صلاتهم، فدل على أن الآية في المنافقين.
قال الزمخشريُّ: فإن قلت: أي فرق بين قوله تعالى: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ﴾ وبين قوله: «في صلاتهم» ؟ .
قلت: معنى «عَنْ» أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، أو الفسقة الشطار من المسلمين، ومعنى «فِي» أن السَّهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان، أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه إنسان، وكان النبي ﷺ َ يقع له السَّهْوُ في صلاته فضلاً عن غيره.
قال ابن الخطيب: قال كثير من العلماء: إنه ﷺ َ ما سها في صلاته لكن أذن الله له في ذلك الفعل بياناً للتشريع في فعل السَّاهي، ثم بتقدير وقوع السهو منه، فالسهو على أقسام:
стр. 12891
أحدها: سهو الرسول ﵊ ُ - وأصحابه، وذلك يجبر بالسنن تارة، وبالسُّنن والنوافل تارة.
والثاني: ما يكثر في الصلاة من الغفلة، وعدم استحضار النِّيَّة، وهذا يقع كثيراًَ.
والثالث: ترك الصَّلاة، لا إلى قضاء الإخراج من الوقت، ومن ذلك صلاة المُنافق؛ لأنه يستهزئ بالدين، والفرق بين المُنافق والمُرائي: أنَّ المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان والمرائي: إنما يظهرُ زيادة الخُشُوع ليعتقد من يراه دينه، أو يقال: إن المنافق لا يصلي سراً، والمرائي تكون صلاته عند النَّاس.
قال ابن العربي: السَّلامة عند السَّهو محال.
قوله: ﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾ ، أي: يُري الناس أنه يصلي طاعة، وهو يصلي تقيَّة كالفاسق، يري أنه يصلي عبادة، وهو يصلي ليقال: إنه يصلي، وحقيقة الرِّياء: طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله: طلب المنزلةِ في قُلوب الناس، وهو من وجوه:
أولها: تحسين السَّمت، يريد بذلك الجاه، والثناء.
وثانيها: الرياء بالثياب القصار والخشنة ليتشبه بالزهادِ.
وثالثها: إظهار السخط على الدنيا، وإظهار الوعظ، والتأسّف على فوات الخير والطاعة.
ورابعها: إظهار الصلاة، والصدقة، وتحسين الصلاة، لأجل رؤية الناس، وغير ذلك مما يطول ذكره.
فصل في الرياء
لا يكون الرجل مُرائياً بإظهار العمل المفروض، لأن حق الفرائض الإعلان وإشهارها لقوله ﷺ َ: «ولا غمةُ فِي فَرائضِ اللهِ» ، ولأنها أعلام الإسلام وشرائع الدين، ويستحق تاركها الذم، والمَقْت، فوجب إماطة التُّهمة بإظهارها، وأما التطوع فحقه أن يخفى؛ لأنه مما لا يلام بتركه، ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصداً للاقتداء كان جميلاً، وإن قصد بإظهاره أن الأعين تنظر إليه، ويثنى عليه بالصَّلاح فهو الرياء.
قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾ . في «المَاعُون» أوجه:
أحدها: «فاعول» من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: ما له معنة، أي: قليل، قاله قطربٌ.
الثاني: أنه اسم مفعول من أعانه يعينه [والأصل: مَعُون، وكان من حقّه على هذا أن يقال: معون ك «مقول» و «مصون» اسم مفعول من: قال وصان، ولكن قلبت الكلمة بأن قدمت عينها قبل فائها، فصار موعون، ثم قلبت الواو الأولى الفاً كقولهم تاب وصام في توبة وصومة، فوزنه الآن مفعول، وفيه شذوذ معان كقام، وأما مفعول فاسم مفعول الثلاثي.
стр. 12892
الثاني: القلب وهو خلاف الأصل.
الثالث: قلب حرف العلة ألفاً وإن لم يتحرك، وقياسه على تابه وصامه بعيد لشذوذ المقيس عليه، وقد يجاب عن الثالث بأن الواو متحركة في الأصل قبل القلب، فإنه بزنة معوون الوجه] .
والثالث: أن أصله «معونة» والألف عوض عن الهاء.
ووزنه «مفعل» ك «ملوم» ، ووزنه بعد الزيادة «مافعل» .
فصل في تفسير الماعون
اختلف المفسرون في «الماعون» ، وأحسنها: أنه كان يستعان به، وينتفع به كالفأس والدلو، والمقدحة.
قال الأعشى: [المتقارب]
٥٣٢٣ - بأجْودَ مِنهُ بِمَاعُونهِ ... إذَا ما سَماؤهُمُ لَمْ تَغِمْ
ولم يذكر المفعول للمنع، إما للعلم به، أي: يمنعون النَّاس، أو الطالبين، وإما لأن الغرض ذكر ما يمنعونه، تنبيهاً لخساستهم، وضَنّهم بالأشياء النافعة المستقبح منها عند كل أحد.
فإن قيل: هذه الآية تدلُّ على التهديد العظيم بالسَّهو عن الصَّلاة، والرياء، ومنع الماعُون، وذلك من باب الذنوب، ولا يصير المرء به منافقاً، فلم حكم الله بمثل هذا الوعيد على هذا الفعل؟ فالجواب من وجوه:
الأول: قال ابن الخطيب: المراد بالمصلين هنا المنافقون الذين يأتون بهذه الأفعال وعلى هذا التقدير: دلّت الآية على أن الكافر له مزيد عقوبة على فعل محظورات الشرعِ، وتركه واجبات الشَّرع، وذلك يدل على أنًّ الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.
الثاني: قيل لعكرمة: من منع شيئاً من المتاع كان له الويلُ؟ فقال: لا، ولكن من جمع ثلاثتهن فله الويل، يعني: ترك الصلاةِ، وفعل الرياء، وترك الماعون.
روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورَةَ ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ غَفرَ اللهُ لهُ إنْ كَان مُؤدِّياً للزَّكَاةِ» والله تعالى أعلم.
стр. 12893
سورة الكوثر
стр. 12894
مكية، في قول ابن عباس، والكلبي، ومقاتل، ومدنية في قول الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وهي ثلاث آيات، وعشر كلمات، واثنان وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ ، قرأ الحسن وابن محيصن، وطلحة، والزعفراني: «أنْطَيْنَاكَ» بالنون. قال الرازي، والتبريزي: أبدل من العين نوناً.
فإن عنينا البدل الصناعي فليس بمسلَّم، لأن كل مادة مستقلة بنفسها، بدليل كمال تصريفها، وإن عنينا بالبدل: أن هذه وقعت موقع هذه لغة، فقريب، ولا شكَّ أنها لغة ثابتة.
قال التبريزي: هي لغة العربِ العاربةِ من أولى قريش.
وفي الحديث: «اليَدُ العُلْيَا المُنطِيةُ، واليَدُ السُّفلَى المُنطَاةُ» .
وقال الشاعر وهو الأعشى: [المتقارب]
٥٣٢٤ - جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلوكِ ... تُصَانُ الجِلالَ وتُنْطَى الحُلُولَا
قال القرطبي: «وروته أم سلمة عن النبي ﷺ َ قراءة، وهي لغة في العطاء أنطيته: أعطيته» .
стр. 12895
والكوثر: «فَوْعَل» ، من الكثرةِ، وصف مبالغة في المفرط الكثرة، مثل النوفل من النَّفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيءٍ كثيراً في العدد، والقدر، والخطر: كوثراً؛ قال: [الطويل]
٥٣٢٥ - وأنْتَ كَثيرٌ يَا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ ... وكَانَ أبُوكَ ابْنَ العقَائِلِ كَوثَرا
قيل لعجوز رجع ابنها من السَّفر: بم آب ابنك؟ .
قالت: آب بكوثر، أي: بمال كثير.
والكوثر من الغبار الكثير، وقد تكوثر إذا كثر؛ وقال الشاعر:
٥٣٢٦ - وقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حتَّى تَكْوثَرَا ... فصل في المراد بالكوثر
اختلفوا في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ َ، فقيل: نهر في الجنة رواه البخاري وغيره.
وروى الترمذي عن ابن عمران قال: قال رسول الله ﷺ َ: «الكَوْثَرُ: نهرٌ فِي الجنَّةِ، حَافتَاهُ مِنْ ذهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرّ والياقوت، تُربتُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحْلَى مِنَ العَسلِ، وأبْيَضُ مِنَ الثّلْجِ» .
وقال عطاء: هو حوض النبي ﷺ َ في الموقف وفيه أحاديث كثيرة.
وقال عكرمة: الكوثر: النبوة، والكتاب.
وقال الحسن: هوالقرآن. وقال ابن المغيرة: الإسلام.
وقال ابن كيسان: هو الإيثار.
стр. 12896
وقال الحسن بن الفضل: هو تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع. وقال أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب هو كثرة الأصحاب والأتباع والأمة.
وحكى الماورديُّ: أنه رفعة الذكر.
وقيل: [الشفاعة: وقال هلال بن يساف: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل: الصلوات الخمس.
وقيل الفقه في الدين.
وقيل غير ذلك] .
قال القرطبيُّ: وأصح الأقوال: الأول، والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ َ نصًّا في الكوثر.
فصل في الكلام على هذه السورة
قال ابنُ الخطيب: هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ وفي مقابلة ترك الصلاة: قوله: «فَصلِّ» أي: دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى: ﴿لِرَبِّكَ﴾ أي: لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله: «وانْحَرْ» ، أي: تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ ، أي: أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، في الآخرة الثواب الجزيل.
قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ .
قال ابن عبًّاس ﵄ أقم الصلاة المفروضة عليك.
وقال قتادة، وعطاء، وعكرمة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، «وانْحَرْ» نسُككَ.
وقال أنس: كان النبي ﷺ َ ينحر، ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر.
стр. 12897
قال سعيد بن جبير: نزلت في «الحديبية» حين حصر النبي ﷺ َ عن البيت، فأمره الله تعالى، أن يصلي، وينحر البدن، وينصرف، ففعل ذلك.
قال ابن العربي: «أما من قال: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ الصلوات الخمس، فلأنها رُكْن العبادات، وقاعدة الإسلام، وأعظم دعائم الدين.
وأما من قال: إنها صلاة الصبح بالمزدلفة، فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها، فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر» .
قال القرطبي: وأما من قال: إنها صلاة العيد، فذلك بغير «مكة» ، إذ ليس ب «مكة» صلاة عيد بإجماع، فيما حكاه أبو بكر ﵁.
فصل
الفاء في قوله: «فصلِّ» للتعقيب والتسبب، أي: تسبب هذه المنة العظيمة وعقبها أمرك بالتخلي لعبادة المنعم عليك، وقصدك إليه بالنحر لا كما تفعل قريش من صلاتها، ونحرها لأضيافها، وأما قوله تعالى: ﴿وانحر﴾ ، قال علي ﵁ ومحمد بن كعب القرظي: المعنى ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة.
وعن علي ﵁ أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره، وهو مروي عن النبي ﷺ َ.
وعن ابن عباس ﵄ قال: استقبل القبلة مكة بنحرك، وهو قول الفراء، والكلبي وأبي الأحوص.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر أي تتقابل نحر هذا بنحر هذا.
وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: منازلهم تتناحر، أي: تتقابل.
[وعن عطاء: أنه أمره أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره.
وقال محمد بن كعب القرظي: يقول: إن ناساً يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله - تعالى - فقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله تعالى.
والنَّحر في الإبل بمنزلة الذَّبح في البقر والغنم] .
стр. 12898
قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ . يجوز أن يكون «هُوَ» مبتدأ و «الأبتر» خبره، والجملة خبر «إن» ، وأن يكون فصلاً.
وقال أبو البقاء: «أو توكيد» ، وهو غلط؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر.
والأبترُ: الذي لا عقب له، وهو في الأصل: الشيء المقطوع، من بترهُ، أي: قطعه.
وحمار أبتر: لا ذنب له، ورجل أباتر - بضم الهمزة -: الذي يقطع رحمه.
قال: [الطويل]
٥٣٢٧ - لَئِيمٌ نَزتْ فِي أنْفهِ خُنزُوانَةٌ ... عَلى قَطْعِ ذِي القُرْبَى أحَذُّ أباتِرُ
وبتر - بالكسر -: انقطع ذنبه.
قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: من لا ولد له ومن الدواب: الذي لا ذنب له.
[وكل من انقطع من الخير أثره، فهو أبتر. والبترُ: القطع بترت الشيء بتراً قطعته قبل الإتمام، والانبتار: الانقطاع، والباتر: السيف القاطع] .
وفي الحديث: «مَا هَذهِ البُتَيْرَاء؟» لمن أوتر بركعة واحدة، فأنكر عليه ابن مسعود.
وخطب زياد خطبة بتراء، لم يذكر الله تعالى، ولا صلى على النبي ﷺ َ. وكان للنبي درع يقال لها: «البتراء» سميت بذلك لقصرها وقال ابن السكيت الأبتران: العِيْرُ والعبد، سيما بذلك لقلة خيرهما.
[والبتريّة فرقة من الزيدية نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر] .
وقرأ العامة: «شَانِئك» بالألف، اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال أو الماضي.
وقرأ ابن عبَّاس: «شنئك» بغير ألف.
فقيل: يجوز أن تكون بناء مبالغة ك «فعال» و «مفعال» ، وقد أثبته سيبويه؛ وأنشد: [الكامل]
٥٣٢٨ - حَذِرٌ أموراً لا تَضِيرُ، وآمِنٌ ... ما ليْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ
стр. 12899
وقول زيد الخيل: [الوافر]
٥٣٢٩ - أتَانِي أنَّهُمْ مَزقُونَ عِرْضِي ... جحَاشُ الكِرمَليْنِ لهَا قَديدُ
[فإن كان بمعنى الحال، والاستقبال، فإضافته لمفعوله من نصب، وإن كان بمعنى المضي فهي لا من نصب.
وقيل: يجوز أن يكون مقصوراً من فاعل كقولهم: بر وبار، وبرد وبارد] .
فصل في أقوال العلماء في الآية
اختلف المفسرون [في المراد] بقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ فقيل: هو العاص بن وائل، وكانت العرب تسمي من له بنون، وبنات، ثم مات البنون، وبقي البنات: أبتر.
فقيل: إن العاص وقف مع النبي ﷺ َ يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفاً؟ فقال: مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله ﷺ َ وكان من خديجة ﵂ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ أي: المقطوع ذكره من خير الدنيا، والآخرة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل الجاهلية، إذا مات ابن الرجل قالوا: بُتر فلان، فلما توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ َ خرج أبو جهل لأصحابه، فقال: بتر محمد، فأنزل الله تعالى إن شانئك هو الأبتر يعني أبا جهل.
وقال شهر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط.
وقال السديُّ وابن زيد: إن قريشاً كانوا يقولون لمن مات له ذكور ولده: قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله ﷺ َ القاسمُ ب «مكة» ، وإبراهيم ب «المدينة» ، قالوا: بتر محمد، أي: فليس من يقوم بأمره من بعده، فنزلت الآية.
وقيل: لما أوحى الله تعالى لرسوله ﷺ َ دعا قريشاً إلى الإيمان قالوا: انبتر منا محمد أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله ﷺ َ أنهم هم المبتورون قاله عكرمة وشهر بن حوشب.
فصل في المعاني التي احتوتها هذه السورة
قال أهل العلم: قد احتوت هذه السورة على كونها أقصر سورة في القرآن على
стр. 12900
معان بليغة، وأساليب بديعة، منها: دلالة استهلال السورة على أنه - تعالى - أعطاه كثيراً من كثير.
ومنها: إسناد الفعل للمتكلم المعظم نفسه، ومنها: إيراده بصيغة الماضي تحقيقاً لوقوعه ك «أتَى أمْرُ اللهِ» .
ومنها: تأكيد الجملة ب «إنَّ» .
ومنها: بناء الفعل على الاسم ليفيد بالإسناد مرتين، ومنها: الإتيان بصيغة تدل على مبالغة الكثرةِ، ومنها حذف الموصوف بالكوثر؛ لأن في حذفه من فرط الإبهام ما ليس في إثباته.
ومنها: تعريفه ب «أل» الجنسية الدالة على الاستغراق، ومنها: فاء التعقيب الدالة على التسبب كما تقدم في «الأنعام» سبب الشكر والعبادة.
ومنها: التعريض بمن كانت صلاته ونحره لغير الله تعالى.
ومنها: أن الأمر بالصلاة إشارة إلى الأعمال الدينية التي هي الصلاة وأفضلها كالأمر بالنَّحر.
ومنها: حذف متعلق «انْحَرْ» إذ التقدير: فصلِّ لربِّك وانحر له.
ومنها: مراعاة السجع، فإنه من صناعة البديع العاري عن التكلُّف.
ومنها: قوله تعالى: ﴿لِرَبِّكَ﴾ في الإتيان بهذه الصفة دون سائر صفاته الحسنى دلالة على أنه المربِّي، والمصلح بنعمه، فلا يلتمس كلَّ خير إلا منه.
ومنها: الالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله تعالى: ﴿لِرَبِّكَ﴾ .
ومنها: جعل الأمر بترك الاحتمال للاستئناف وجعله خاتمة للإعراض عن الشانئ ولم يسمه ليشمل كلَّ من اتصف - والعياذ بالله - بهذه الصفة القبيحة وإن كان المراد به شخصاً معيناً لَعَيَّنَه الله تعالى.
ومنها: التنبيه بذكر هذه الصفة القبيحة، على أنه لم يتصف إلا بمجرد قيام الصفةِ به، من غير أن يؤثر في من شنأه شيئاً - ألبتة - لأن من شنأ شخصاً، قد يؤثر فيه شنؤه.
ومنها تأكيد الجملة ب «إنَّ» المؤذنة بتأكيد الخبر، ولذلك يتلقى بها القسم، وتقدير القسم يصلح هاهنا.
ومنها: الإتيان بضمير الفصل المؤذن بالاختصاص والتأكيد إن جعلنا «هُوَ» فصلاً، وإن جعلناه مبتدأ فكذلك يفيد التأكيد إذ يصير الإسناد مرتين.
ومنها: تعريف الأبتر ب «أل» المؤذنة بالخصوصية بهذه الصفة، كأنه قيل: الكامل في هذه الصفة.
стр. 12901
ومنها: إقباله تعالى على رسوله بالخطاب، من أول السورة إلى آخرها.
روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ سقاه اللَّهُ - تعالى - من أنهار الجنَّةِ وأعطي مِنَ الأجْرِ عَشْر حسناتٍ بعَددِ كُلِّ قربَانٍ قرَّبهُ العبادُ في كُلَّ عيدٍ أو يُقرِّبُونَهُ» .
وعن مكحول ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ كَانَ لَهُ ما بيْنَ المَشرِقِ والمَغربِ أبعِرةٌ، على كُلِّ كرَاريسُ، كُل كرَّاس مثلُ الدُّنيَا ومَا فيهَا، كتب بدقة الشَّعرِ ليْسَ فِيهَا إلَاّ صفة قصوره، ومنَازله في الجنَّةِ» .
стр. 12902
سورة الكافرون
стр. 12903
مكية، في قول ابن مسعود، والحسن، وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وهي ست آيات، وست وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن الخطيب: «هذه السورة تسمى سورة البراءة وسورة الإخلاص، والمشفعة» .
روى الترمذي من حديث أنس ﵁: «إنَّها تعدِلُ ثُلثَ القُرآنِ» .
وروى ابن الأنباري عن أنس ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ َ: «قل يا أيها الكافرون تَعدلُ رُبُعَ القُرآنِ» .
стр. 12904
وخرج الحافظ عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر ﵄ «صلَّى النبيُّ ﷺ َ بأصحابه في صلاة الفجر في سفرٍ، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ثم قال ﷺ َ:» قَرَأْتُ عَلَيْكُم ثُلثَ القُرآنِ وربعهُ «» .
[وروى جبير بن مطعم أن النبي ﷺ َ قال: «» أتُحِبُّ يا جُبير إذا خَرجْتَ سَفَرَاً أنْ تكُونَ مِنْ أمثلِ أصْحَابِكَ هَيْئةً، وأكْثرهمْ زَاداً «؟ قلت: نَعَمْ، فاقْرَأ هذه السُّور الخَمْسَ من أول: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ إلى ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ، وافتتِحْ قِرءاتَك ب» بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ «» .
قال:] فوالله، لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبذَّهُم هيئة، وأقلهم مالاً، فمذ قرأتهنّ صرت من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زاداً، حتى أرجع من سفري ذلك.
قال ابن الخطيب: والوجه في أنها تعدل ربع القرآن، هو أن القرآن يشتمل على الأمر بالمأمورات، والنهي عن المحظورات، وكل واحد منها ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح، وهذه السورة مشتملةٌ وكل واحد منها ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح , وهذه السورة مشتملةٌ على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب , فيكون ربع القرآن. وخرج ابنُ الأنباري عن نوفل بن فروة الأشجعي , قال: " جاء رجُل إلى النبي ﷺ فقال: أوصني , قال: " اقرأ عِنْدَ مَنَامِكَ: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ فإنَّها براءةٌ من الشِّركِ «» .
وقال ابن عباس ﵄: ليس في القرآن أشدّ غيظاً لإبليس - لعنه الله - من هذه السورة؛ لأنها توحيد، وبراءة من الشرك.
وقال الأصمعي: كان يقال ل ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ المقشقشتان، أي: أنهما تبرئان من النفاق.
стр. 12905
وقال أبو عبيدة ﵁: كما يقشقش الهناءُ الجرب فيبرئه.
قال ابن السكيت: يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف، والجرب في الإبل إذا قفل: قد توسَّف جلده، وتقشّر جلده، وتقشقش جلده.
قال ابن عباس ﵁: سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، لقوا رسول الله ﷺ َ فقالوا: يا محمدُ، هلمّ فلنعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كلِّه، فإن كان ما جئت به خيراً مما بأيدينا، كنّا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظِّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ ، ونزل قوله:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون﴾ [الزمر: ٦٤] ، فغدا رسول الله ﷺ َ إلى المسلمين في الحرم، وفيه الملأ من قريش، فقام ﷺ َ فقرأها عليهم، حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك.
وروى أبو صالح عن ابن عباس ﵃ أنهم قالوا لرسول الله ﷺ َ: لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك، فنزل جبريل ﵇ بهذه السورة فيئسوا وآذوه، وآذوا أصحابه.
فإن قيل: لم وصفهم في هذه السورة بالكافرين وفي السورة الأخرى بالجاهلين كما تقدم؟ .
فالجوابُ: لأن هذه السورة بتمامها نزلت فيهم، فتكون المبالغة فيها أشد فبولغ فيها بالوصف الأشنع، وهو الكفر، لأنه مذموم مطلقاً، والجهل كالشجرة، والكفر كالثمرة فقد يذم عند التقييد، كقوله ﷺ َ: «عِلْمُ الإنْسَانِ عِلمٌ لا يَنْفَعُ، وجَهْلٌ لا يَضُرُّ» .
فإن قيل: قال في سورة التحريم: ﴿يا أيها الذين كَفَرُواْ﴾ [الآية: ٧] ، بغير «قُلْ» ، وهنا - جلَّ وعز - ذكر «قُلْ» وذكره باسم الفاعل.
فالجواب: أنه في سورة «التحريم» إنما يقال لهم يوم القيامة، وثمَّ لا يكون رسولاً إليهم، فإذا زال الواسطة، ويكونون في ذلك الوقت مطيعين، لا كافرين، فلذلك ذكره بلفظ الماضي.
وأما هاهنا فكانوا موصوفين بالكفر، وكان رسول الله ﷺ َ رسولاً إليهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ .
стр. 12906
فأن قيل: هذا خطاب مع الكل، وكان فيهم من يعبد الله تعالى، كاليهود، والنصارى، فلا يجوز أن يقال لهم: ﴿لا أعبدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ، ولا يجوز أيضاً أن يكون قوله: ﴿وَلَا أنْتُمَ عَابِدُونَ ما أعْبدُ﴾ خطاباً مع الكل؛ لأن في الكفار من آمن، فعبد الله.
فالجواب: أن هذا الخطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين، وهم الذين قالوا: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة وأيضاً لو حملنا الخطاب على العموم دخله التخصيص، وإذا حملناه على خطاب المشافهةِ لم يلزم ذلك.
فصل
قال القرطبي: الألف واللام ترجع إلى معنى المعهود، وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة ل «أي» ، لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كُفرهِ، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم؛ ونحوه عن الماوردي: نزلت جواباً وعتاباً وعنى بالكافرين قوماً معينين، لا جميع الكافرين، لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات، أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون.
فصل
قال ابن الأنباري: وقرأ من طعن في القرآن: «قل للذين كفروا، لا أعبد ما تعبدون» وزعم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراء على ربِّ العالمين، وتضعيف لمعنى هذه السورة، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين، بخطابه إياهم بهذا الخطاب المزري، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لُبّ وحجر وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى، وتزيد تأويلاً ليس في باطلهم، وتحريفهم، فمعنى قراءتنا: قل للذين كفروا، يا أيها الكافرون، دليل صحة هذا: أن العربي إذا قال لمخاطبه: قل لزيد: أقبل إلينا، فمعناه، قل لزيد يا زيد أقبل إلينا، فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم، وسقط من باطلهم أحسن لفظ، وأبلغ معنى، إذ كان الرسول ﵇ يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم: «يا أيُّها الكَافِرُونَ» وهو يعرف أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفرِ، ويدخلوا في جملة أهله، إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم بدٌ، أو تقع به من جهتهم أذية، فمن لم يقرأ: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ ، كما أنزلها الله، أسقط آية لرسول الله ﷺ َ، وسبيل أهل الإسلام ألَاّ يسارعوا إلى مثلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه، التي منحه الله إياها، وشرفه بها.
стр. 12907
فصل في الكلام على «يا»
قال ابنُ الخطيب: روي عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ أن «يا» نداء النفس، و «أي» نداء القلب و «ها» نداء للروح.
وقيل «يا» نداء الغائب، و «أي» للحاضر، و «ها» للتنبيه، كأنه يقول: أدعوك ثلاثاً، ولا تجبني مرة.
قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ . في «مَا» هذه في هذه السورة وجهان:
أحدهما: أن تكون بمعنى «الذي» .
والثانية: فالأمر فيها واضح؛ لأنها غير عقلاء. و «ما» أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري - تعالى - كما في الثانية والرابعة، فاستدلّ به من جوز وقوعها على أولي العلمِ، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي: مثل عبادتي.
وقال أبو مسلم: «ما» في الأوليين بمعنى «الذي» والمقصود: المعبود، و «ما» في الأخريين مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشَّك وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين، فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال: أنها كلَّها بمعنى «الذي» ، أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية، لكان حسناً، حتى لا يلزم وقوع «ما» على أولي العلم، وهو مقتضى من يمنع وقوعها على أولي العلم، كما تقدم.
فصل في التكرار في الآية
اختلفوا في التَّكرار - هاهنا - هل هو للتأكيد، أم لا؟ وإذا لم يكن للتأكيد فقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ تأكيد لقوله ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ ثانياً تأكيد لقوله: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أولاً.
ومثله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ، و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] في سورتيهما، و ﴿كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤] ، و ﴿كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ ٥] وفي الحديث: «فَلَا آذَنُ ثُمَّ لا آذنُ، إنَّما فَاطِمةُ بَضعَةٌ منِّي» ؛ وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
٥٣٣٠ - هَلَاّ سَألْتَ جُموعَ كِنْ ... دّةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنَا
стр. 12908
وقوله: [الرجز]
٥٣٣١ - يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَهْ ... خَيْرَ تَمِيمٍ كُلِّهَا وأكْرمَهْ
وقوله: [الرجز]
٥٣٣٢ - يَا أقَرعُ بْنُ حَابِسٍ يَا أقْرَعُ ... إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ
وقوله: [الطويل]
٥٣٣٣ - ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ... ثَلاثَ تَحِيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمِ
وقوله: [الرجز]
٥٣٣٤ - يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَر ... إنْ أكُ دَحْدَاحَاً فأنت أقْصَرُ
وقوله: [المديد]
٥٣٣٥ - يَا لَبكْرٍ أنْشِزُوا لِي كُلَيْبَاً ... يَا لَبكْرٍ أيْنَ أيْنَ الفِرَارُ
قالوا: والقرآن جاء على أساليب كلام العرب، وفائدة التكرير هنا، قطع أطماع الكفار وتحقيق الإخباربموافقتهم على الكفر وأنهم لا يسلمون أبداً.
وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك [ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك] ، فنجري على هذا أبداً سنةٌ وسنةً، فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده، أي: أن هذا لا يكون أبداً.
وقال جماعة: ليس للتأكيد، فقال الأخفش: «لا أعبدُ» الساعة «مَا تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُم عَابِدُونَ» السنة «ما أعبدُ» فلا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد؛ فزال التوكيد إذ قد تقيد كل جملة بزمان مغاير؛ انتهى.
وفيه نظر، كيف يقيد رسول الله ﷺ َ نفي عبادته لما يعبدون بزمان؟ هذا مما لا يصح، وفي أسباب النزول أنهم سألوه أن يعبد آلهتهم سنة، فنزلت، فكيف يستقيم هذا؟ .
وجعل أبو مسلم التغاير بما تقدم عنه، وهو كون «ما» في الأوليين بمعنى «الذي» ، وفي الأخريين: مصدرية، وفيه نظر من حيث إن التكرار إنَّما هو من حيث المعنى، وهذا موجود، كيف قدر «مَا» .
стр. 12909
وقال ابن عطية: لما كان قوله: «لا أعْبدُ» محتملاً أن يراد به الآن، ويبقى المستقبل منتظراً ما يكون فيه جاء البيان بقوله: ﴿وَلَا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ أبداً وما حييت، ثم جاء قوله: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون أبداً كالذي كشف الغيب، كما قيل لنوح ﵊ ُ -:
﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] ، فهذا معنى التَّرديد في هذه السورة، وهو بارع الفصاحة، وليس بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته انتهى.
وقال الزمخشريُّ: «لا أعبد» أريد به العبادة فيما يستقبل؛ لأن «لا» لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن «أن» لا تدخل إلَاّ على مضارع في معنى الحال، ألا ترى [أنَّ «لَنْ» تأكيد فيما تنفيه «لا» .
وقال الخليل في «لن» : إن أصله:] «لا أن» والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي ﴿وَلَا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ أي: ما كنت قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني: لم تعهد مني عبادة صنمٍ في الجاهلية فيكف ترجى مني في الإسلام؛ ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي: وما عبدتم في وقت وما أنا على عبادته.
فإن قلت: فهلَاّ قيل: ما عبدت كما قيل: ما عبدتم؟ .
قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن ليعبد الله - تعالى - في ذلك الوقت.
فإن قلت: فلم جاء على «ما» دون «من» ؟ قلت: لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق.
وقيل: إن «ما» مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي انتهى.
[يعني أنه أريد به الصفة، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «والشمس وضحاها» ] .
وناقشه أبو حيَّان، فقال: أما حصره في قوله: لأن «لا» لا تدخل، وفي قوله: إنَّ «مَا» تدخل، فليس بصحيح، بل ذلك غالب فيهما، لا متحتم، وقد ذكر النحاةُ دخول «لا» على المضارع يراد به الحال، ودخول «ما» على المضارع يراد به الاستقبال، وذلك مذكور في المبسُوطات من كتب النحو. ولذلك لم يذكر سيبويه ذلك بأداة الحصر، إنما قال: وتكون «لا» نفياً، لقوله: «نفعل» ولم يقع الفعلُ، قال: «وأمَّا» مَا «فهي نفي، لقوله: هو يفعل إذا كان في حال الفعل. فذكر الغالب فيهما.
стр. 12910
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ ، أي: وما كنت قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، فلا يستقيم، لأن» عابدٌ «اسم فاعل قد عمل فيما عبدتم، فلا يفسر بالماضي، إنما يعتبر بالحال، أو الاستقبال، وليس مذهبه في اسم الفاعل مذهب الكسائي، وهشام في جواز إعماله ماضياً.
وأما قوله: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته ف» عَابِدُون «قد أعمله في:» مَا أعبدُ «، فلا يفسر بالماضي.
وأما قوله: «وهو لم يكن» ، إلى آخره، فسوء أدب على منصب النبوة، وغير صحيح؛ لأنه ﷺ َ لم يزل مُوحِّداً لله تعالى، مُنزِّهاً له عن كل ما لا يليق بجلاله سبحانه مجتنباً لأصنامهم يقف على مشاعر إبراهيم ﵊ ُ - ويحجّ البيت، وهذه عبادة، وأي عبادة أعظم من توحيد الله تعالى ونبذ أصنامهم، ومعرفة الله - تعالى - أعظم العبادات.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
قال المفسرون: أي ليعرفون، فسمى الله تعالى المعرفة به عبادة انتهى.
قال شهاب الدين: ويجاب عن الأول: أنه من بنى أمره على الغالب، فلذلك أتى بالحصرِ، وأما ما حكاه سيبويه، فظاهر معه، حتى يقوم دليل على غيره، وعن إعماله اسم الفاعل مفسراً له بالماضي بأنه على حكاية الحال، كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] ، وقوله تعالى: ﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ، وأما كونه ﷺ َ لم يزل منزهاً موحداً لله تعالى، فمسلم ذلك. وقوله: «وهذه أعظم العبادات» فمسلم أيضاً، ولكن المراد في الآية عبادة مخصوصة، وهي الصلاة المخصوصة؛ لأنها تقابل بها ما كان المشركون يفعلونه من سجودهم لأصنامهم، وصلاتهم لها، فقابل هذا ﷺ َ بصلاته لله ﵎، ولكن بقي كلام الزمخشري يفهم أنه ﷺ َ لم يكن متعبداً قبل المبعث، وهو مذهب ساقط الاعتبار؛ لأن الأحاديث الصحيحة ترده، وهي: أنه كان يتحنَّثُ، كان يتعبد، كان يصوم، كان يطوف، كان يقف، ولم يقل بخلاف ذلك إلا شذوذ من الناس.
وفي الجملة، فالمسألة خلافية، وإذا كان متعبداً فبأي شرع كان يتعبدُ به؟ فقيل: شريعة نوح ﵊ ُ.
وقيل: إبراهيم ﵇.
وقيل: موسى.
وقيل: عيسى - صلوات الله عليهم أجمعين -، وذلك مذكور في الأصول.
стр. 12911
ثم قال أبو حيان: والذي أختاره في هذه الجمل أنه نفى عبادته في المستقبل؛ لأن الغالب في «لا» أن تنفى المستقبل، ثم عطف عليه ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ نفياً للمستقبل؛ لأن اسم الفاعل العامل، الحقيقة فيه: دلالته على الحال، ثم عطف عليه ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ نفياً للحال على سبيل المقابلة، فانتظم المعنى، أنه ﷺ َ لا يعبد ما يعبدون حالاً، ولا مستقبلاً وهم كذلك، إذ قد حتم الله موافاتهم على الكفر، ولما قال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فأطلق «ما» على الأصنام، قابل الكلام ب «ما» في قوله: «مَا أعبدُ» وإن كان المراد الله، لأن المقابلة تسوغ فيها ما لا يسوغ في الانفراد وهذا مذهب من يقول: إن «مَا» لا تقع على آحاد أولي العلم، أما من جوز ذلك، وهو منسوب إلى سيبويه، فلا يحتاج إلى استعذار بالتقابل.
قال القرطبيُّ: كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملُّوا وثناً، وسئمُوا العبادة له رفضوه، ثم أخذوا وثناً غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه، ورفعوا تلك، فعظموها، ونصبوها آلهة يعبدونها، فأمر أن يقول: ﴿لا أعبدُ مَا تعبدُون﴾ اليوم من هذه الآلهة التي بيْن أيديكم، ثم قال ﷺ َ: ﴿ولا أنتُم عَابدوُنَ مَا أعبدُ﴾ إنما تعبدون الوثنَ الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن، ﴿وَلَا أنتُمْ عَابِدونَ ما أعبدُ﴾ ، فإني أعبد إلهي.
قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ . أتى بهاتين الجملتين الإثباتيتين بعد جملة منفية لأنه لما ذكر أنّ الأهم انتفاؤه ﷺ َ من دينهم، بدأ بالنفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه، فلما تحقق النفيُ رجع ﷺ َ إلى خطابه بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ مهادنة لهم، ثم نسخ ذلك الأمر بالقتال.
وفتح الياء في «لِيَ» : نافع وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه، وأسكنها الباقون.
وحذف «الياء» من «ديني» وقفاً ووصلاً: السبعة، وجمهور القراء، وأثبتها في الحالين سلام ويعقوب، وقالوا: لأنها اسم مثل الكاف في «دينك» والثاني قد تقدم إيضاحه.
فصل
في الكلام معنى التهديد، كقوله تعالى: ﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩] ، أي: إن رضيتم بدينكم، فقد رضيناه بديننا، ونسخ هذا الأمر بالقتال.
[وقيل: السورة منسوخة.
стр. 12912
وقيل: ما نسخ منها شيء؛ لأنها خبر، ومعنى لكم دينكم: أي جزاء دينكم، ولي دين: أي جزاء ديني، وسمى دينهم ديناً؛ لأنهم اعتقدوه] .
وقيل: المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي، أي: لأن الدين الجزاء.
وقيل: الدِّين العقوبة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: ٢] ، والمعنى: لكم العقوبة من ربِّي، ولي العقوبة من أصنامكم، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام؛ لأنها جمادات، وأما أنتم فيحق عليكم أن تخافوا عقوبة جبَّار السَّماوات والأرض. وقيل: الدين الدعاء، لقوله تعالى: ﴿فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [غافر: ١٤] ، وقوله: ﴿وَمَا دُعَآءُ الكافرين إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] .
وقيل: الدين العادة؛ قال الشاعر: [الوافر]
٥٣٣٦ - تَقُولُ إذَا دَرأتُ لهَا وضِينِي ... أهَذَا دِينهُ أبَداً ودينِي
والمعنى: لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشيطان، ولي عادتي من ربي.
فصل
قال ابن الخطيب: «جرت العادة بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المناكرة، وذلك غير جائز؛ لأن القرآن أنزل ليتدبر فيه، ويعمل بموجبه، فلا يتمثّل به» . والله أعلم.
стр. 12913
سورة النصر
стр. 12914
مدنية بالإجماع، وتسمى سورة " التوديع "، وهي ثلاث آيات، وست عشرة كلمة، وتسعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ : عليك وعلى أمتك، والمقصود: إذا جاء هذان الفعلان من غير نظر إلى متعلقهما، كقوله تعالى: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤] .
«أل» في «الفتح» عوض من الإضافة: أي: وفتحه عند الكوفيين، والعائد محذوف عند البصريين، أي: والفتح منه للدلالة على ذلك، والعامل في «إذا» : «جاء» وهو قول مكي، وإليه ذهب أبو حيَّان وغيره في مواضع وقد تقدم ذلك.
وإما «فسبِّح» ، وإليه نحا الزمخشريُّ والحوفي، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء، ورده أبو حيَّان بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، وفيه بحثٌ تقدم بعضه في سورة «الضحى» .
فصل في الكلام على «نصر»
النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض، إذا أعان على إنباتها.
قال الشاعر: [الطويل]
٥٣٣٧ - إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعي ... بِلادَ تَمِيمٍ وانصُرِي أرضَ عَامرِ
ويروى: [الطويل]
стр. 12915
٥٣٣٨ - إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ فَجَاوِزِي ... بِلادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِر
يقال: نصره على عدوه ينصره نصراً، أي: أعانه، والاسم: النُّصرة، واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم بعضاً.
وقيل: المرادُ بهذا النصر: نصر الرسول ﵊ ُ - على قريش قاله الطبري.
[وقيل نصره على من قاتله من الكفار وأن عاقبه النصر كانت له وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير هو فتح المدائن والقصور وقيل فتح سائر البلاد، وقيل ما فتحه عليه من العلوم، وقيل إذا بمعنى قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح، ويجوز أن يكون معناه إذا يجيئك] .
فصل في الفرق بين النصر والفتح
قال ابن الخطيب: الفرق بين النصر والفتح، الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح عليه، ويقال: النصرُ كمالُ الدينِ والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمةِ، كقوله تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: ٣] .
والنَّصْر: الظَّفر في الدنيا، والفتح: بالجنة.
فصل في المراد بهذا النصر
قال ابن الخطيب: إن رسول الله ﷺ َ كان مؤيداً منصوراً بالدلائل، والمعجزات، فما المعنى بتخصيص لفظ النصر بفتح «مكة» ؟ .
والجواب: أن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع.
فإن قيل: النصر لا يكون إلا من الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا النصر إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ [الأنفال: ١٠] فما فائدة التقييد بقوله تعالى: ﴿نَصْرُ الله﴾ ؟ .
فالجواب: معناه: لا يليق إلا بالله، كما يقال: هذه صنعة زيد، إذا كان مشهوراً، فالمراد هذا هو الذي سألتموه.
стр. 12916
فإن قيل: لم وصف النصر بالمجيء، وحقيقته: إذا وقع نصر الله، فما الفائدة في ترك الحقيقة، وذكر المجاز؟ .
فالجواب: أن الأمور مرتبطةٌ بأوقاتها، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كلِّ محدث أسباباً معينة، وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم، والتأخر، والتبدل، والتغير، فإذا حضر ذلك الوقت، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر معه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
فإن قيل: الذين أعانوا رسول الله ﷺ َ على فتح مكة هم الصحابة ﵃ ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول الله ﷺ َ فما السبب في إضافة النصر إليه؟ .
فالجواب: أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدَّ لهم من داعٍ وباعث، وهو من الله تعالى.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدماً على فعل الله، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فجعل نصر العبد مقدماً على نصره لنا.
فالجواب: أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سبباً لفعل آخر يصدر عن الله - تعالى - فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكها العقول البشرية.
قوله: ﴿وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ﴾ ، «رأيت» يحتمل أن يكون معناه: أبصرت، وأن يكون معناه: علمت، فإن كان معناه «أبصرت» كان «يَدخُلونَ» في محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس يدخلون حال دخولهم في دين الله أفواجاً، وإن كان معناه: «علمت» كان «يدخُلونَ» مفعولاً ثانياً ل «علمت» والتقدير: علمت الناس داخلين في دين الله أفواجاً.
وفي عبارة الزمخشري: أنه كان بمعنى «أبصرتُ» ، أو «عرفت» .
وناقشه أبو حيان: بأن «رأيت» لا يُعرف كونها بمعنى «عرفت» قال: «فيحتاج في ذلك إلى استثبات» .
وقرأ العامة: «يدخلون» مبنياً للفاعل.
وابن كثير في رواية: مبنياً للمفعول و «فِي دِيْنِ» ظرف مجازي، وهو مجاز فصيح بليغ هاهنا.
стр. 12917
قوله: ﴿أَفْوَاجاً﴾ حال من فاعل «يَدخُلُونَ» .
قال مكي: «وقياسه:» أفوج «إلا أن الضمة تستثقل في الواو فشبهوا» فعلاً «- يعني بالسكون - ب» فَعل - يعني بالفتح - فجمعوه جمعه «انتهى.
أي: أن» فَعْلاً «بالسكون، قياسه» أفعُل «ك» فَلْس «و» أفلُس «إلا أنه استثقلت الضمةُ على الواوِ، فجمعوه جمع» فعل «بالتحريك نحو: جمل، وأجمال، لأن» فعْلاً «بالسكون على» أفعال «ليس بقياس إذا كان فعلاً صحيحاً، نحو: فرخ وأفراخ وزند وأزناد، ووردت منه ألفاظ كثيرة، ومع ذلك فلم يقيسوه، وقد قال الحوفي شيئاً من هذا.
فصل في الكلام على لفظ الناس
ظاهر لفظ «النَّاس» للعموم، فيدخل كل النَّاس أفواجاً، أي: جماعات، فوجاً بعد فوجٍ، وذلك لما فتحت «مكة» قالت العرب: أما إذْ ظفر محمد ﷺ َ باهل الحرم، وقد كان الله - تعالى - أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان؛ فكانوا يسلمون أفواجاً أفواجاً أمة بعد أمةٍ.
قال الضحاكُ: والأمة: أربعون رجلاً.
وقال عكرمةُ: ومقاتل: أراد بالنَّاس أهل «اليمن» ، وذلك أنه ورد من «اليمن» سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون القرآن، وبعضهم يهلِّلُون، فسُرَّ النبي ﷺ َ قرأ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ وجاء أهل اليمن، رقيقة أفئدتهم لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجاً.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ «أتَاكُمْ أهْلُ اليَمنِ، وهُمْ أضْعَفُ قُلوباً، وأرَقُّ أفئِدَةٌ، الفقهُ يمانٍ، والحِكمةُ يَمَانِيةٌ» .
وقال ﷺ َ: «إنِّي لأجدُ نَفَسَ ربِّكُمْ من قبلِ اليَمنِ» وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه الفرجُ، لتتابع إسلامهم أفواجاً.
والثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه ﷺ َ بأهل «اليمن» و [الأنصار] .
стр. 12918
وروى جابرُ بنُ عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ َ يقول: «إنَّ النَّاس دخلوا في دينِ اللهِ أفواجاً وسيَخرُجُونَ مِنهُ أفواجاً» ذكره الماوردي.
قال ابن الخطيب: كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين.
فصل في المراد بدين الله
ودينُ الله، هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية، إشارة إلى أنه يجب أن يعبد لكونه إلهاً، وللدين أسماء أخر، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] .
ومنها: الصراط، قال تعالى: ﴿صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الشورى: ٥٣] .
ومنها: كلمة الله، ومنها النور: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: ٨] .
ومنها الهدى، قال تعالى: ﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
ومنها العروة الوثقى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
ومنها: الحبلُ المتين: ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
ومنها: حنيفة الله، وفطرة الله.
فصل في إيمان المقلد
قال جمهور الفقهاء والمتكلمين: إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا: إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على نبيه محمد ﷺ َ ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً، لما ذكره في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدليل، وإثبات كونه تعالى منزّهاً عن الجسمية، والمكان والحيز، وإثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، ولا إثبات الصفات، والتنزيه بالدليل، والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، لا يقال: إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه
стр. 12919
المسائل؛ لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة، بل كانوا جاهلين بالتفاضل؛ لأنا نقول: إن الدليل لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، فإن الدليل إذا كان مركباً من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في المقدمة العاشرة مقلداً، كان في النتيجة مقلداً لا محالة.
قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حال، أي: ملتبساً بحمده.
قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - أمره ﷺ َ بالتسبيح، ثم بالحمد، ثم بالاستغفار، والفائدة فيه أن تأخير النصر سنين، مع أن محمداً ﷺ َ كان على الحقّ، مما يثقل على القلب، ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا ينصرني، ولو سلطت على هؤلاء الكفار. فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر، أمر بالتسبيح أما على قولنا: فالمراد من هذا التنزيه، أنه تعالى منزَّه عن أن يستحق عليه أحد شيئاً [بل كل ما يفعله بحكم المشيئة الإلهية، فله أن يفعل ما شاء كما يشاء، ففائدة التسبيح: تنزيه الله تعالى عن أن يستحق عليه أحد شيئاً] .
وأما على قول المعتزلة، ففائدة التنزيه: هو أن يعلم العبد أن تنزيه اللهِ تعالى عما لا يليق ولا ينبغي بسبب المصلحة، لا بسبب ترجيح الباطل على الحق، ثم إذا فرغ العبد من تنزيه الله، فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطاه من الإحسان والبر، ثم حينئذ بالاستغفار بذنوب نفسه.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ أي: إذا صليت، فأكثر من ذلك.
وقيل: معنى «سَبِّحْ» صلِّ، قاله ابن عبَّاس ﵄.
[وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حامداً له على ما آتاك من الظفر، والفتح، واستغفره أي: سلوا الله الغفران.
وقيل: فسبح أي: المراد به التنزيه، أي: نزهه عما لا يجوز عليه، مع شكرك له، وبالاستغفار، ومداومة الذكر] .
وروي في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ «قالت: ما صلى رسول الله ﷺ َ صلاة بعد أن نزلت سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إلا يقولُ فيها: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي» .
وقالت أم سلمة ﵂: «كان النبي ﷺ َ آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد،
стр. 12920
ولا يجيء، ولا يذهب إلَاّ قال:» سُبحانَ اللهِ وبحَمدهِ، أسْتغْفِرُ الله، وأتوبُ إليه «قال:» فإنِّي أمرتُ بِهَا «، ثم قرأ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ »
إلى أخرها.
وقال عكرمة: لم يكن النبي ﷺ َ على أصحابه قط أشدّ اجتهاداً في أمور الآخرة ما كان عند نزولها.
وقال مقاتل: «لما نزلت، فقرأها النبي ﷺ َ على أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس، فقال له النبي ﷺ َ:» مَا يُبْكيْكَ يَا عمّ «.
قال: نُعيتْ إليك نَفسُكَ، قال:» إنَّهُ لَكَمَا تقُولُ «، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها إلا ضاحكاً مستبشراً» .
وقيل: «نزلت في» منى «بعد أيام التشريق، في حجَّة الوداعِ، فبكى عمر والعباس فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقال: لا بل فيه نعي النبي ﷺ َ فقالَ النبي ﷺ َ:» صدقتما، نعيت إليَّ نفسي «» .
وروى البخاري، وغيره عن ابن عبَّاس، قال: كان عمر بن الخطَّاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم، قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم، قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورةِ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ ، فقالوا: أمر الله - جلَّ وعزَّ - نبيه ﷺ َ إذا فتح عليه أن يستغفره وأن يتوب إليه فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ .
قلتُ: ليس كذلك ولكن أخبر الله رسوله ﷺ َ بحضور أجله فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فذلك علامة موتك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا﴾ فقال عمر ﵁: تلومونني عليه؟ وفي رواية: قال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول» .
فصل
فإن قيل: فماذا يغفر للنبي ﷺ َ حتى يؤمر بالاستغفار؟ .
فالجواب: كان النبي ﷺ َ يقول في دعائه: «ربِّ اغفِرْ لِي خَطيْئَتِي وجَهْلِي، وإسْرافِي في أمْرِي كُلِّه، ومَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ منِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطيئَتِي، وعمدي، وجهْلِي وهزلِي، وكل ذلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغفر لِي ما قدَّمْتُ وما أخَّرتُ، وما أعْلنتُ، ومَا أسْرَرْتُ، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ، إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ» .
следующие страницы →