Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.
стр. 12916
فإن قيل: لم وصف النصر بالمجيء، وحقيقته: إذا وقع نصر الله، فما الفائدة في ترك الحقيقة، وذكر المجاز؟ .
فالجواب: أن الأمور مرتبطةٌ بأوقاتها، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كلِّ محدث أسباباً معينة، وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم، والتأخر، والتبدل، والتغير، فإذا حضر ذلك الوقت، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر معه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
فإن قيل: الذين أعانوا رسول الله ﷺ َ على فتح مكة هم الصحابة ﵃ ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول الله ﷺ َ فما السبب في إضافة النصر إليه؟ .
فالجواب: أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدَّ لهم من داعٍ وباعث، وهو من الله تعالى.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدماً على فعل الله، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فجعل نصر العبد مقدماً على نصره لنا.
فالجواب: أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سبباً لفعل آخر يصدر عن الله - تعالى - فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكها العقول البشرية.
قوله: ﴿وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ﴾ ، «رأيت» يحتمل أن يكون معناه: أبصرت، وأن يكون معناه: علمت، فإن كان معناه «أبصرت» كان «يَدخُلونَ» في محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس يدخلون حال دخولهم في دين الله أفواجاً، وإن كان معناه: «علمت» كان «يدخُلونَ» مفعولاً ثانياً ل «علمت» والتقدير: علمت الناس داخلين في دين الله أفواجاً.
وفي عبارة الزمخشري: أنه كان بمعنى «أبصرتُ» ، أو «عرفت» .
وناقشه أبو حيان: بأن «رأيت» لا يُعرف كونها بمعنى «عرفت» قال: «فيحتاج في ذلك إلى استثبات» .
وقرأ العامة: «يدخلون» مبنياً للفاعل.
وابن كثير في رواية: مبنياً للمفعول و «فِي دِيْنِ» ظرف مجازي، وهو مجاز فصيح بليغ هاهنا.
стр. 12917
قوله: ﴿أَفْوَاجاً﴾ حال من فاعل «يَدخُلُونَ» .
قال مكي: «وقياسه:» أفوج «إلا أن الضمة تستثقل في الواو فشبهوا» فعلاً «- يعني بالسكون - ب» فَعل - يعني بالفتح - فجمعوه جمعه «انتهى.
أي: أن» فَعْلاً «بالسكون، قياسه» أفعُل «ك» فَلْس «و» أفلُس «إلا أنه استثقلت الضمةُ على الواوِ، فجمعوه جمع» فعل «بالتحريك نحو: جمل، وأجمال، لأن» فعْلاً «بالسكون على» أفعال «ليس بقياس إذا كان فعلاً صحيحاً، نحو: فرخ وأفراخ وزند وأزناد، ووردت منه ألفاظ كثيرة، ومع ذلك فلم يقيسوه، وقد قال الحوفي شيئاً من هذا.
فصل في الكلام على لفظ الناس
ظاهر لفظ «النَّاس» للعموم، فيدخل كل النَّاس أفواجاً، أي: جماعات، فوجاً بعد فوجٍ، وذلك لما فتحت «مكة» قالت العرب: أما إذْ ظفر محمد ﷺ َ باهل الحرم، وقد كان الله - تعالى - أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان؛ فكانوا يسلمون أفواجاً أفواجاً أمة بعد أمةٍ.
قال الضحاكُ: والأمة: أربعون رجلاً.
وقال عكرمةُ: ومقاتل: أراد بالنَّاس أهل «اليمن» ، وذلك أنه ورد من «اليمن» سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون القرآن، وبعضهم يهلِّلُون، فسُرَّ النبي ﷺ َ قرأ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ وجاء أهل اليمن، رقيقة أفئدتهم لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجاً.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ «أتَاكُمْ أهْلُ اليَمنِ، وهُمْ أضْعَفُ قُلوباً، وأرَقُّ أفئِدَةٌ، الفقهُ يمانٍ، والحِكمةُ يَمَانِيةٌ» .
وقال ﷺ َ: «إنِّي لأجدُ نَفَسَ ربِّكُمْ من قبلِ اليَمنِ» وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه الفرجُ، لتتابع إسلامهم أفواجاً.
والثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه ﷺ َ بأهل «اليمن» و [الأنصار] .
стр. 12918
وروى جابرُ بنُ عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ َ يقول: «إنَّ النَّاس دخلوا في دينِ اللهِ أفواجاً وسيَخرُجُونَ مِنهُ أفواجاً» ذكره الماوردي.
قال ابن الخطيب: كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين.
فصل في المراد بدين الله
ودينُ الله، هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية، إشارة إلى أنه يجب أن يعبد لكونه إلهاً، وللدين أسماء أخر، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] .
ومنها: الصراط، قال تعالى: ﴿صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الشورى: ٥٣] .
ومنها: كلمة الله، ومنها النور: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: ٨] .
ومنها الهدى، قال تعالى: ﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
ومنها العروة الوثقى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
ومنها: الحبلُ المتين: ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
ومنها: حنيفة الله، وفطرة الله.
فصل في إيمان المقلد
قال جمهور الفقهاء والمتكلمين: إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا: إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على نبيه محمد ﷺ َ ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً، لما ذكره في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدليل، وإثبات كونه تعالى منزّهاً عن الجسمية، والمكان والحيز، وإثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، ولا إثبات الصفات، والتنزيه بالدليل، والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، لا يقال: إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه
стр. 12919
المسائل؛ لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة، بل كانوا جاهلين بالتفاضل؛ لأنا نقول: إن الدليل لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، فإن الدليل إذا كان مركباً من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في المقدمة العاشرة مقلداً، كان في النتيجة مقلداً لا محالة.
قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حال، أي: ملتبساً بحمده.
قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - أمره ﷺ َ بالتسبيح، ثم بالحمد، ثم بالاستغفار، والفائدة فيه أن تأخير النصر سنين، مع أن محمداً ﷺ َ كان على الحقّ، مما يثقل على القلب، ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا ينصرني، ولو سلطت على هؤلاء الكفار. فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر، أمر بالتسبيح أما على قولنا: فالمراد من هذا التنزيه، أنه تعالى منزَّه عن أن يستحق عليه أحد شيئاً [بل كل ما يفعله بحكم المشيئة الإلهية، فله أن يفعل ما شاء كما يشاء، ففائدة التسبيح: تنزيه الله تعالى عن أن يستحق عليه أحد شيئاً] .
وأما على قول المعتزلة، ففائدة التنزيه: هو أن يعلم العبد أن تنزيه اللهِ تعالى عما لا يليق ولا ينبغي بسبب المصلحة، لا بسبب ترجيح الباطل على الحق، ثم إذا فرغ العبد من تنزيه الله، فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطاه من الإحسان والبر، ثم حينئذ بالاستغفار بذنوب نفسه.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ أي: إذا صليت، فأكثر من ذلك.
وقيل: معنى «سَبِّحْ» صلِّ، قاله ابن عبَّاس ﵄.
[وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حامداً له على ما آتاك من الظفر، والفتح، واستغفره أي: سلوا الله الغفران.
وقيل: فسبح أي: المراد به التنزيه، أي: نزهه عما لا يجوز عليه، مع شكرك له، وبالاستغفار، ومداومة الذكر] .
وروي في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ «قالت: ما صلى رسول الله ﷺ َ صلاة بعد أن نزلت سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إلا يقولُ فيها: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي» .
وقالت أم سلمة ﵂: «كان النبي ﷺ َ آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد،
стр. 12920
ولا يجيء، ولا يذهب إلَاّ قال:» سُبحانَ اللهِ وبحَمدهِ، أسْتغْفِرُ الله، وأتوبُ إليه «قال:» فإنِّي أمرتُ بِهَا «، ثم قرأ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ »
إلى أخرها.
وقال عكرمة: لم يكن النبي ﷺ َ على أصحابه قط أشدّ اجتهاداً في أمور الآخرة ما كان عند نزولها.
وقال مقاتل: «لما نزلت، فقرأها النبي ﷺ َ على أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس، فقال له النبي ﷺ َ:» مَا يُبْكيْكَ يَا عمّ «.
قال: نُعيتْ إليك نَفسُكَ، قال:» إنَّهُ لَكَمَا تقُولُ «، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها إلا ضاحكاً مستبشراً» .
وقيل: «نزلت في» منى «بعد أيام التشريق، في حجَّة الوداعِ، فبكى عمر والعباس فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقال: لا بل فيه نعي النبي ﷺ َ فقالَ النبي ﷺ َ:» صدقتما، نعيت إليَّ نفسي «» .
وروى البخاري، وغيره عن ابن عبَّاس، قال: كان عمر بن الخطَّاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم، قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم، قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورةِ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ ، فقالوا: أمر الله - جلَّ وعزَّ - نبيه ﷺ َ إذا فتح عليه أن يستغفره وأن يتوب إليه فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ .
قلتُ: ليس كذلك ولكن أخبر الله رسوله ﷺ َ بحضور أجله فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فذلك علامة موتك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا﴾ فقال عمر ﵁: تلومونني عليه؟ وفي رواية: قال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول» .
فصل
فإن قيل: فماذا يغفر للنبي ﷺ َ حتى يؤمر بالاستغفار؟ .
فالجواب: كان النبي ﷺ َ يقول في دعائه: «ربِّ اغفِرْ لِي خَطيْئَتِي وجَهْلِي، وإسْرافِي في أمْرِي كُلِّه، ومَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ منِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطيئَتِي، وعمدي، وجهْلِي وهزلِي، وكل ذلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغفر لِي ما قدَّمْتُ وما أخَّرتُ، وما أعْلنتُ، ومَا أسْرَرْتُ، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ، إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ» .
стр. 12921
[وكان الرسول ﷺ َ يستغفر لنفسه لعظيم ما أنعم الله عليه، ويرى قصوره عن القيام بحقّ ذلك.
وقيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقيل: يحتمل أن يكون المعنى كن متعلقاً به سائلاً راغباً متضرعاً على رؤية التقصير في أداء الحقوق.
وقيل: الاستغفار نفسه يجب إتيانه لا للمغفرة بل تعبداً.
وقيل: واستغفر أي: استغفر لأمتك إنه كان تواباً على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم، وإذا كان ﵇ وهو معصوم يؤمر بالاستغفار فماذا يظنّ بغيره] .
فصل في تفسير الآية
قد مرَّ تفسير الحمد، وأما تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ففيه وجوه:
الأول: قال الزمخشري: قل: سبحان الله، والحمد لله، تعجباً مما أراك الله من عجيب إنعامه، أي: اجمع بينهما، كقولك: الماءُ باللبن، أي: اجمع بينهما خلطاً، وشرباً.
الثاني: أنَّ التسبيح داخل في الحمد؛ لأنك إذا حمدت الله تعالى، فقد سبَّحته بواسطته، لأن الثناء عليه، والشكر له يتضمن تنزيهه عن النقائص، ولذلك جعل الحمد مفتاح القرآن، فمعنى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، أي: سبحه بواسطته، أن تحمده، وأن تسبحه بهذا الطريق.
الثالث: أن يكون حالاً، أي: سبحه مقدراً أن تحمد بعد التسبيح، كأنك تقول: لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظاً، فاجمعهما نية كما تنوي الصلاة يوم النحر مقدراً أنك تنحر بعدها، فيجتمع لك الثواب في تلك الحالة.
الرابع: أن هذه الباء كهي في قولك: فعلت هذه بفضل الله، أي: بحمده، أي: أنه الذي هداك لرشدك لا تجد غيره، كقوله ﷺ َ: «الحَمدُ للهِ على الحَمْدِ» .
الخامس: قال السديُّ: «بحمدِ ربِّك» أي: بأمر ربك.
السادس: أن تكون الباء زائدة، والتقدير: سبح حمد ربك، أي: طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة، أو اختر له أطهر المحامد، وأذكاها وأحسنها أو ائْتِ بالتسبيح والتنزيه بدلاً عن الحمد.
стр. 12922
السابع: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لا يتأخر أحدهما عن الآخر، ولا يمكن أن يؤتى بهما معاً، ونظيره: من ثبت له حق الشفعة، وحق الرد بالعيب وجب أن يقول: اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع، كذا هاهنا، قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ليقع معاً، فيصير مسبحاً حامداً في وقت واحد معاً.
[فإن قيل: التوبة مقدمة على جميع الطَّاعات، ثم الحمد مقدم على التسبيح؛ لأن الحمد على النعم، والنعم سابقة أيضاً، والاستغفار سابق، ثم التسبيح؟ فالجواب لعله بدأ بالأشرف تنبيهاً على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق، أو نبّه بذلك على أن التسبيح والحمد الصادرين من العبد، إذا قابلا جلال الحقّ وعزته استوجبا الاستغفار، ولأن التسبيح والحمد إشارة إلى تعظيم أمر الله، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق الله، فالأول كالصلاة، والثاني كالزكاة فكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة، فكذا هاهنا] .
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿كَانَ تَوَّابَا﴾ بدل من الماضي، وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وأيضاً: هلا قال سبحانه: ﴿غَفَّاراً﴾ [نوح: ١٠] ، كما قال تعالى في سورة نوح ﵊ ُ.
وأيضاً قال تعالى: ﴿نَصْرُ الله﴾ ، وقال: ﴿فِي دِينِ الله﴾ وقال: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ولم يقل: بحمد الله.
فالجواب عن الأول: أن هذا أبلغ كأنه يقول: إني أثنيت على من هو أقبح فعلاً منهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات الظاهرة العظيمة، كفلق البحر، ونتق الجبل ونزول المنِّ والسلوى عصوا ربَّهم، وأتوا بالقبائح، ولما تابوا قبلت توبتهم، فإذا كنت قابلاً لتوبة أولئك، وهم دونكم، أفلا أقبل توبتكم، وأنتم خير أمة أخرجت للنَّاس؟ أو لأني شرعت في توبة العصاة، والشروع ملزم أو هو إشارة إلى تخفيف جنايتهم، أي: لستم أول من جنى، والمصيبة إذا عمت خفت؛ أو كما قيل: [المتقارب]
٥٣٣٩ - كَما أحْسنَ اللهُ فِيما مَضَى ... كَذلِكَ يُحسِنُ فِيمَا بَقِي
والجواب عن الثاني: لعله خص هذه الأمة بمزيد الشرفِ، لأنه لا يقال في صفات العبد: غفار أو يقال: تواباً، ويقال إذا كان آتياً بالتوبة، فكأنه تعالى يقول: كنت لي سمياً من أول الأمر، أنت مؤمن، وأنا مؤمن، وإن اختلف المعنى فتب حتى صرت سمياً في آخر الأمر، فأنت تواب، وأنا تواب، ثم التواب في حق الله تعالى أنه يقبل التوبة كثيراً، فيجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيراً.
стр. 12923
[وأنه إنما قال: تواباً، لأن القائل قد يقول: أستغفر الله، وليس بتائب كقول المستغفر بلسانه المصر بقلبه، كالمستهزئ.
فإن قيل قد يقول: أتوب، وليس بتائب.
فلنا: فإذن يكون كاذباً، فإن التوبة اسم للرجوع، أو الندم بخلاف الاستغفار، فإنه لا يكون كاذباً فيه، فيكون تقدير الكلام: وأستغفر الله بالتوبة، وفيه تنبيه على خواتم الأعمال] .
والجواب عن الثالث: أنه راعى العدل، فذكر اسم الذَّات مرتين، وذكر اسم الفعل مرتين؛ أحدهما: الرب والثاني: التواب، فلما كانت التربية تحصل أولاً، والتوبة آخراً، لا جرم ذكر اسم الرب أولاً، واسم التوبة أخراً.
فصل في نزول السورة
قال ابن عمر ﵄ نزلت هذه السورة ب «منى» في حجة الوداع ثُمَّ نزلت: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: ٣] فعاش ﷺ َ بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها ﷺ َ أحداً وعشرين يوماً.
وقال مقاتل: سبعة أيام.
وقيل غير ذلك.
فصل
قال ابن الخطيب: اتفق الصحابة ﵃ على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله ﷺ َ.
فإن قيل: كيف دلت السورة على هذا المعنى؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدها: قال بعضهم: إنما عرفوا ذلك لما روي أنه ﷺ َ خطب عقيب السورة، وذكر التخيير.
وثانياً: أنه لما ذكر حُصول النَّصر، ودخول النَّاس في دين الله أفواجاً، دل ذلك على حصول التمام، والكمال، وذلك يستعقبه الزَّوال؛ كما قيل: [المتقارب]
стр. 12924
٥٣٤٠ - إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقصهُ ... تَوقَّعْ زَوالاً، إذا قِيلَ: تَمْ
وثالثها: أنه جل ذكره أمر بالتسبيح، والحمد، والاستغفار مطلقاً، واشتغاله ﷺ َ بذلك يمنعه من الاشتغال بأمر الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أنّ التبليغ قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت، لأنه لو بقي ﷺ َ بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهذا غير جائزٍ.
ورابعها: قوله: «واسْتَغْفِرْهُ» تنبيه على قرب الأجل، كأنه يقول: قرب الأجل ودنا الرحيل فتأهّبْ. ونبه على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله يستكثر من التوبة.
وخامسها: كأنه قيل: كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته، وهو النصر والفتح، والله تعالى وعدك بقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ [الضحى: ٤] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا، فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادة العالية.
روى الثعلبي عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأَ سُورةَ:» النصر «فَكَأنَّمَا شَهِدَ مَع مُحمَّدٍ ﵊ فَتْح مَكَّة» .
стр. 12925
سورة " تبت " أو " المسد "
стр. 12926
مكية، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وسبعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ، أي: خسرت. وتقدم تفسير هذه المادة في سورة غافر عند قوله: ﴿إِلَاّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ، وأسند الفعل إلى اليدين مجازاً؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وإن كان المراد جملة المدعو عليه.
وقوله: ﴿تَبَّتْ﴾ دعاء، ﴿وَتَبَّ﴾ إخبار، أي: قد وقع ما دعي به عليه؛ كقول الشاعر: [الطويل]
٥٣٤١ - جَزانِي، جَزَاهُ اللهُ شَرَّ جزَائِه ... جَزاءَ الكِلابِ العَاويَاتِ وقَدْ فعلْ
ويؤيده قراءة عبد الله: «وقَدْ تبَّ» ، والظَّاهر أنَّ كليهما دعاء، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص؛ لأن اليدين بعض، وإن كان حقيقة اليدين غير مراد.
وقيل: كلاهما إخبار، أراد بالأول: هلاك عمله، وبالثاني: هلاك نفسه، وإنما عبر باليدين؛ لأن الأعمال غالباً تُزاول بهما.
وقيل: المراد باليدين نفسه وقد يعبر باليد عن النفس، كقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] ، أي نفسك، وهذا شائع في كلام العرب يعبّرون ببعض الشيء عن كله، يقولون: أصابه يد الدهر، ويد المنايا، والرزايا، أي: أصابه كل ذلك.
стр. 12927
قال الشاعر: [مخلع البسيط]
٥٣٤٢ - لمَّا أكبَّتْ يَدُ الرَّزَايَا ... عَليْهِ نَادَى ألاّ مُجِيرُ
وقال ابن الخطيب: وعبر باليدين، إما لأنه كان يرمي النبي ﷺ َ بالحجارة، وقيل: المراد دينه، ودنياه وأولاده، وعقباه، أو المراد بأحدهما جر المنفعة، وبالأخرى: دفع المضرة، أو لأن اليمين سلاح، والأخرى جُنَّة.
وقل: بمعنى ماله، وبنيه، «وتَبَّ» هو نفسه وقيل: «تبَّ» يعني ولده وعقبه، وهو الذي دعا عليه رسول الله ﷺ َ فقال: «اللَّهمَّ سلِّط عليْهِ كَلباً من كِلابِكَ» لشدة عداوته، فافترسه الأسد.
وقرأ العامة: «لَهَب» بفتح الهاء، وابن كثير: بإسكانها.
فقيل: هما لغتان بمعنى نحو: النَّهَر والنَّهْر، والشَّعَر والشَّعْر، والبَعَر والبَعْر، والضَّجَر والضَّجْر.
وقال الزمخشري: «وهو من تغيير الأعلام، كقوله: شمس بن مالك، بالضم» ، يعني أن الأصل: بفتح الشين فغيرت إلى الضم.
ويشير بذلك لقول الشاعر: [الطويل]
٥٣٤٣ - وإنِّي لمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَعاهِدٌ ... بِهِ لابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مَالِكِ
وجوز أبو حيان في «شمس» أن يكون منقولاً من «شمس» الجمع، كما جاء «أذناب خيل شمس» ، فلا يكون من التغيير في شيء.
وكني بذلك أبو لهب: إما لالتهاب وجنتيه، وكان مشرق الوجه، أحمرهُ، وإما لما يئول إليه من لهب جهنم، كقولهم: أبو الخير، وأبو الشر، لصدورهما منه، وإما لأن الكنية أغلب من الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بأسمائهم جدون كُناهم، أو لقُبحِ اسمه؛ لأن اسمه عبد العُزَّى، فعدل عنه إلى الكنية؛ لأن الله لم يضف العبودية في كتابة إلى صنم.
وقيل: اسمه أبو لهب، كما سمي أبو سفيان، وأبو طالب.
стр. 12928
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: لم أكناه، والكنية تكرمه؟ .
ثم ذكر ثلاثة أجوبة: إما لشهرته بكنيته، وإما لقبح اسمه كما تقدم، وإما لتجانس قوله: «ناراً ذات لهبٍ» لأن مآله إلى لهب جهنم. انتهى.
وهذا يقتضي أن الكنية أشرف، وأكمل لا أنقص، وهو عكس القول الذي تقدم آنفاً.
وقرئ: «يَدَا أبُو لهبٍ» بالواو مكان الجر.
قال الزمخشري: «كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان، لئلَاّ يغير منه شيء، فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير» مكة «ابنان: أحدهما:» عبدِ الله «بالجر، والآخر» عبدَ الله «بالنصب» .
ولم يختلف القراء في قوله: «ذَات لهب» أنها بالفتح. والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل.
[قال قتادة: تبت خسرت.
وقال ابن عباس: خابت.
وقال عطاء: ضلت.
وقال ابن جبير: هلكت. وقال يمان بن رئاب: صفرت من كل خير] .
فصل في نزول الآية
حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أنه لما قتل عثمان بن عفان ﵁ سمع الناس هاتفاً يقول: [مجزوء الوافر]
٥٣٤٤ - لَقدْ خَلَّوكَ وانْصَرفُوا ... فَمَا آبُوا وَلا رَجعُوا
ولَمْ يُوفُوا بِنذْرِهِمُ ... فَيَا تَبًّا لِمَا صَنَعُوا
فصل في نزول السورة
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: «لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ
стр. 12929
عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] خرج رسول الله ﷺ َ حتَّى صعد الصَّفا، فهتف: يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ .
قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال:» يَا بَنِي فُلانٍ يَا بَنِي فُلانِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، يا بني عبد المُطَّلب «، فاجتمعوا إليه: فقال:» أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تَخرجُ بسفحِ هذا الجَبلِ، أكُنْتُمْ مُصدِّقِيّ «؟ .
قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً، قال:» فإنِّي نذيرٌ لكُم بينَ يدي عذاب شديدٍ «، فقال أبُو لهبٍ: تبَّا لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة» .
وفي رواية: لما سمعت أمرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله ﷺ َ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر ﵁ وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله ﷺ َ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربتُ بهذا الفهر فاهُ؛ والله إني لشاعرة: [منهوك الرجز]
٥٣٤٥ - مُذمَّماً عَصيْنَا ... وأمْرهُ أبَيْنَا
ودِينَهُ قَلَينَا ... ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله «أما تراها رأتك؟ قال:» مَا رأتْنِي لقَدْ أخَذَ اللَّهُ بَصرهَا عَنِّي «.
وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ َ مذمماً، ثم يسبونه، وكان رسول الله ﷺ َ يقول: «ألا تعجبون لما صرف الله تعالى عني من أذى كفار قريش يسبون ويهجون مذمماً وأنا محمد رسول الله» .
وحكى أبو عبد الرحمن بن زيد: «أن أبا لهب أتى النبي ﷺ َ فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد؟ قال:» كَمَا يُعطَى المُسلمُونَ «قال: ما لي عليهم فضل؟ .
قال: وأيَّ شيءٍ تَبْغِي؟ قال: تبًّا لهذا من دينٍ، أن أكون أنا وهؤلاء سواء. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ » .
وحكى عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبي ﷺ َ وفد، انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون له: أنت أعلم به منا، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه، ولا يلقونه فأتى وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا
стр. 12930
ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه، فقال لهم أبو لهبٍ: إنا لم نزل نعالجه، فتبَّا له وتعساً، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ َ، فاكتأب لذلك، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبِي لهَبٍ﴾ .
وقيل: إن أبا لهبٍ أراد أن يرمي النبي ﷺ َ بالحجر، فمنعه الله تعالى من ذلك، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ للمنع الذي وقع فيه.
فصل في تفسير التَّبِّ
قال ابن الخطيب: من فسر التبَّ بالهلاك، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَاّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ، أي: في هلاك، ومن فسَّره بالخسران، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ، أي: تخسير، ومن فسره بالخيبة، قال ابن عباس ﵁: لأنه كان يدفع القوم عنه ﷺ َ بأنه ساحر، فينصرفون عنه قبل لقائه؛ لأنه كان شيخ القبيلة - لعنه الله - فكان لا يأتيهم، فلما نزلت هذه السورة، وسمع بها غضب، وأظهر العداوة الشديدة، وصار مُتَّهماً، فلما قال في الرسول ﵊ ُ - بعد ذلك، فكأنه قد خاب لسعيه، ولعله إنما ذكر التب؛ لأنه إنما كان يضرب بيده على يد الوافد عليه، فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً يضع بيده على كتفه، ويدفعه عن ذلك الموضع.
ومن فسر التبَّ بقوله: ضلت، فلأنه كان يعتقد أن يده العليا، وأنه يخرجه من «مكَّة» ، ويذلّه، ومن فسره: ب «صَفرَتْ» فلأن يده خلت من كل خير.
فصل في ترجمة أبي لهب
أبو لهب: اسمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب عن النبي ﷺ َ؛ وامرأته: العوراء أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب، وكلاهما كان شديد العداوة للنبي ﷺ َ.
قال طارق بن عبد الله المحاربي: إني بسوق ذي المجاز، إذ أنا بإنسان يقول: «يا أيُّها النَّاسُ، قولوا: لا إلهَ إلَاّ اللهَ تُفلِحُوا» وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب ساحر، فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ .
فقالوا: محمد، يزعم أنه نبيّ، وهو عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سحركم محمد، إن أحدنا ليأكلُ الجذعة، ويشرب العُسّ من اللبن، فلا يشبع، وإن محمداً قد أشبعكم من فخذِ شاةٍ، وأرواكم من عُسِّ لبن.
قوله: ﴿مَآ أغنى﴾ . يجوز في «مَا» النَّفي، والاستفهام، فعلى الاستفهام يكون
стр. 12931
منصوب المحل بما بعدها، التقدير: أي شيء أغنى المال، وقدم لكونه له صدر الكلام.
وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ : يجوز في «مَا» هذه أن تكون بمعنى «الَّذي» ، والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية، أي: وكسبه، وأن تكون استفهامية: بمعنى وأي شيء كسب؛ أي: لم يكسب شيئاً، قاله أبو حيان، فجعل الاستفهام بمعنى النفي، فعل هذا يجوز أن تكون نافية، ويكون المعنى على ما ذكر، وهو غير ظاهر.
وقرأ ابن مسعود والأعمش: «وما اكتسبَ» .
فصل في معنى الآية
المعنى: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الجاه. وقال مجاهد: وما كسب من مال، وولد الرجل من كسبه.
وقال أبو الطفيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس ﵁ فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع على الفراشِ، فغضب ابن عباس، وقال: أخرجوا عنِّي الكسب الخبيثَ، يعني ولد أبي لهب.
وقال ﷺ َ: «إنَّ أطْيبَ ما أكَلَ الرجلُ من كسْبهِ» .
وقال ابن عباس: لما أنذر رسول الله ﷺ َ عشيرته بالنَّار، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقَّا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي، فنزل: ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ .
قال الضحاك: ما أغنى عنه ماله ما ينفعه ماله، وعمله الخبيث: يعني كيده، وعداوة رسول الله.
قوله: ﴿سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ .
قرأ العامة: «سَيَصْلَى» بفتح الياء، وإسكان الصاد، وتخفيف اللام، أي: يصلى هو بنفسه.
وقرأ أبو حيوة، وابن مقسم، وعياش في اختياره؛ قال القرطبي: والأشهب العقيلي، وأبو سمال العدوي، ومحمد بن السميفع، «سَيُصلَّى» بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، ومعناه سيصليه الله.
стр. 12932
وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو رجاء، والأعمش، ورواها محبوب عن إسماعيل عن ابن كثير عن أبيّ ﵁، وحسين عن أبي بكر عن عاصمٍ: بضم الياء.
ومعنى ذات لهب أي ذات اشتعال وتلهب، وقد تقدم القول فيه في سورة المرسلات.
قوله: ﴿وامرأته حَمَّالَةَ الحطب﴾ .
قرأ العامة: بالرفع، على أنها جملة من مبتدأ وخبر، سيقت للإخبار بذلك.
قيل: وامرأته، عطف على الضمير في «سيصلى» سوغه الفصل بالمفعول، و «حمَّالة الحَطبِ» على هذا فيها أوجه: كونها نعتاً ل «امرأته» ، وجاز ذلك لأن إضافته حقيقية، إذ المراد المعنى، وكونها: بياناً أو بدلاً، لأنها أقرب من الجوامد لتمحض إضافتها، أو كونها خبراً لمبتدأ مضمر أي: هي حمالةُ.
وقرأ ابن عباس ﵄: ومريئته حمالة الحطب.
وعنه أيضاً: «ومريته» على التصغير، إلا أنه أقر الهمزة تارة، وأبدلها ياء، وأدغم فيها أخرى.
وقرأ العامة: «حَمَّالةُ» بالرفع، وعاصم: بالنصب على الشَّتم. وقد أتى بجميل من سبّ أم جميل.
قال الزمخشري: وكانت تكنى أم جميل، لعنها الله.
وقيل: نصب على الحال من «امرأته» إذا جعلناها مرفوعة بالعطف على الضمير.
ويضعف جعلها حالاً عند الجمهور من الضمير في الجار بعدها إذا جعلناها ل «امْرَأتهُ» لتقدمها على العامل المعنوي، واستشكل بعضهم الحالية - لما تقدم - من أن المراد به المعنى، فتتعرف بالإضافة، فكيف يكون حالاً عند الجمهور؟ .
ثم أجاب بأن المراد الاستقبال؛ لأنه ورد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا.
وفي قوله تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ قولان:
أحدهما: هو حقيقة.
стр. 12933
قال قتادة: كانت تعير النبي ﷺ َ بالفقر، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل.
وقال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل العِضَاهَ، والشَّوك، فتطرحه بالليل على طريق النبي ﷺ َ وأصحابه، فكان ﷺ َ يطؤه كما يطأ الحرير.
وقال مُرَّة الهمذاني: كانت أم جميل - لعنها الله - تأتي كل يوم بإبالة من الحسك فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها.
القول الثاني: أنه مجاز عن المشي بالنميمة، ورمي الفتن بين الناس؛ قال: [الرجز]
٥٣٤٦ - إنَّ بَنِي الأدْرمِ حَمَّالُو الحطبْ ... هُمْ الوشَاةُ في الرِّضَا وفي الغَضَبْ
عليْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتَرَى والحَرَبْ ... وقال آخر: [الطويل]
٥٣٤٧ - مِن البيضِ لَمْ تَصطَدْ عَلى ظَهْر لأمَةٍ ... لمْ تَمْشِ بَينَ الحَيِّ بالحطَبِ الرَّطبِ
وجعله رطباً تنبيهاً على تدخينه، وهو غريب من ترشيح المجاز، يعني لم تمش بالنمام.
وقال سعيد بن جبيرٍ: حمالة الخطايا، والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب ظهره.
قال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] .
وقرأ أبو قلابة: «حاملة الحطب» على وزن «فاعلة» ، وهي محتملة لقراءة العامة، وقرأ عياض: «حمالة للحطب» بالتنوين وجر المفعول بلام زائدة تقوية للعامل كقوله تعالى:
﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ، وأبو عمرو في رواية: «وامرأته» باختلاس الهاء دون إشباع.
стр. 12934
قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ يجوز أن يكون «في جيدها» خبراً ل «امرأته» ، و «حبل» فاعلاً به وأن يكون حالاً من امرأته على كونها فاعلة، و «حَبْلٌ» مرفوع به أيضاً، وأن يكون خبراً مقدماً و «حَبْلٌ» مبتدأ مؤخر، والجملة حالية أو خبر ثان.
والجيدُ: العُنُق.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
٥٣٤٨ - وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بفَاحِشٍ ... إذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
و «مِنْ مسدٍ» صفة ل «حبل» ، والمسد: ليف المقل.
وقيل: الليف مطلقاً.
قال النابغة: [البسيط]
٥٣٤٩ - مَقْذُوفةٍ بدَخيسِ النَّحضِ بَازلُهَا ... لَهُ صَريفٌ صَريفَ القََعْوِ بالمسَدِ
وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها؛ قال الشاعر: [الرجز]
٥٣٥٠ - ومَسَدٍ أمِرَّ مِنْ أيانِقِ ... ليْسَ بأنْيَابٍ ولا حَقَائِقِ
وجمع المسد: أمساد.
وقال أبو عبيدة: هو حبل يكون من صوف.
وقال الحسن: هي حبال من شجرٍ ينبت ب «اليمن» يسمى المسد وكانت تفتل.
فصل
قال الضحاك وغيره: هذا في الدنيا، وكانت تعيرُ النبي ﷺ َ بالفقر، وهي تحتطب في حبلٍ تجعله في عنقها من ليفٍ، فخنقها الله به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار يلف على عنقها.
وعن ابن عباس: حبل من مسد قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وهو قول مجاهد وعروة بن الزبير، يدخل في فيها، ويخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها، وقال قتادة: «حبل من مسد» حبل من وَدَعٍ.
стр. 12935
وقال الحسن: إنما كان حرزاً في عنقها.
وقال سعيد بن المسيب: كانت قلادة واحدة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقها في عداوة محمد ﷺ َ، ويكون عذاباً في جيدها يوم القيامة.
وقيل: إن ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوط في جيدها بحبل من مسد.
والمسدُ: الفَتْلُ، يقال: مسد حبله يمسده مسداً، أي: أجاد فتلهُ.
قال: [الرجز]
٥٣٥١ - يَمْسدُ أعْلَى لحْمِهِ ويَأرِمُهْ ... يقول: إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار.
وقال ابن الخطيب: وقيل: المسد يكون من الحديد، وظنُّ من ظنَّ أن المسد لا يكون من الحديد خطأ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد، أو من غيره، ورجل ممسود، أي: مجدول الخلق وجارية حسنة المسد، والعصب، والجدل، والأرم، وهي ممسودة، ومعصوبة، ومجدولة، ومأرومة؛ والمساد: على «فِعَال» : لغة في المساب، وهي نحي السمن، وسقاء العسل، قال كل ذلك الجوهري.
[فإن قيل: إن كان هذا الحبل كيف يبقى أبداً في النار؟ .
قلنا: كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً في النار] .
فصل في الإخبار عن الغيب
تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه:
أولها: الأخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك.
وثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك.
وثالثها: الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك، لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي ﷺ َ فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة» ، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة.
стр. 12936
فصل في جواز تكليف ما لا يطاق
احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال وذلك مذكور في أصول الفقه.
ذكر الثعلبيُّ عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿تَبَّتْ﴾ رجَوْتُ أنْ لا يجْمعَ اللهُ تَعَالَى بَينهُ وبَيْنَ أبِي لهبٍ في دارٍ واحدةٍ» .
стр. 12937
سورة الاخلاص
стр. 12938
مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . في «هُوَ» وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ» مبتدأ، و «أحد» خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله» بدلاً، و «أحد» الخبر، ويجوز أن يكون «الله» خبراً أولاً، و «أحد» خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد» خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد» ، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد» هذا، و «أحد» المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء: أن همزة «أحد» هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد» و «واحد» بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان
стр. 12939
و «أحد» لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى.
وقال مكيٌّ: إن أصله: «واحد» فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ» .
وقرأ النبي ﷺ َ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾ .
وقرأ الأعمش: «قل هو الله الواحد» .
وقرأ العامة: بتنوين «أحَدٌ» وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل]
٥٣٥٢ - عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ... ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ
وقوله: [المتقارب]
٥٣٥٣ - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلَاّ قَلِيلاً
فصل
والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال: [الطويل]
٥٣٥٤ - ألَا بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ ... بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال آخر: [البسيط]
стр. 12940
٥٣٥٥ - عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ ... خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله: [الطويل]
٥٣٥٦ - شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ ... عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا
وقال أبيّ بن كعب ﵁: تفسيره، من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون «الصَّمدُ» صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة.
قال القرطبي: [ «لأنه ليس شيء إلا سيموت] ، وليس شيء يموت إلا يورث» .
قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال.
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد.
وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.
[وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه] .
قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي.
فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ، وفي سورة «الإسراء» : ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: ١١١] ، لأن من
стр. 12941
النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
فصل في الرد على من أسقط «قل هو»
قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد» ، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله ﷺ َ: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر] ؟ .
فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله والتكذيب لرسوله ﷺ َ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ َ: «انسب لنا ربك» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية: أن النبي ﷺ َ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ .
قال الترمذي: وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ: «ففي هذا الحديث إثبات لفظ،» قل هو الله أحد «، وعن عكرمة نحوه» .
وقال ابن عباس: «لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و «لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ.
стр. 12942
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . في نصب «كُفُواً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «يَكُونُ» و «أحَدٌ» اسمها و «لهُ» متعلق بالخبر أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.
وقد رد على المبرِّد بوجهين:
أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب «كُفواً» على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني: أن ينصب على الحال من «أحدٌ» ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و «له» هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان» بل متعلق ب «كُفُواً» ، وتقدم على «كُفُواً» للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن «لهُ» والخبر، و «كُفُواً» حال من «أحَدٌ» لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
стр. 12943
قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها» مستقراً ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وقال الشاعر: [الرجز]
٥٣٥٧ - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: «مستقرَّا» أي: خبراً للمبتدأ، ول «كان» .
فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة.
قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز]
٥٣٥٨ - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ» في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: «ولم يكن له أحد» بل لو تأخر «كُفُواًُ» وارتفع على الصفة وجعل «لهُ» خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً» و «لَهُ» متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين: قوله: «ولا يشك» إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا
стр. 12944
فقوله: «هذا الظرف ناقص» ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: «ما كان فيها أحد خيراً منك» وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: «والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير» .
فصل
قرأ العامة: «كُفُواً» بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال
القرطبي
: وتقدم
في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً» .
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃ «كفاء» بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط]
٥٣٥٩ - لَا تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.
فصل
روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي
стр. 12945
ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد» .
فصل في فضائل هذه السورة
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء النبي ﷺ َ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ َ:» والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ «» لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات.
وروى مسلم عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ َ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ َ، فقال:» سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ «؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ َ» أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ «» .
وروى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ َ سمع رجلاً يقول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ َ:» وَجَبَتْ «، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال:» الجَنَّةُ «» .
وروى أنس عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ» .
وروى سعيد بن المسيب ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «» مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة «فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال ﵊ ُ -:» اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ «» .
стр. 12946
وقال رسولُ الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ» . فصل في أسماء هذه السورة
في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
стр. 12947
سورة الفلق
стр. 12948
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ . هذه السورة، وسورة «النَّاس» ، و «الإخلاص» نزلت على رسول الله ﷺ َ حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت.
قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله ﷺ َ يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: «أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و «أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ» من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد ﷺ َ على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام.
وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] و ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: ١] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الاخلاص: ١] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ
стр. 12949
الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
فصل في تفسير السورة
تقدم الكلام على الاستعاذة، و «الفلقُ» : هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: «الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ» .
قال الشاعر: [البسيط]
٥٣٦٠ - يَا ليْلَةً لَمْ أنمْهَا بِتُّ مُرتفقاً ... أرْعَى النُّجُومَ إلى أن نَوَّرَ الفلقُ
وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]
٥٣٦١ - حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ ... هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ
يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه.
وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى.
قال زهير: [البسيط]
٥٣٦٢ - مَا زِلتُ أرْمُقهُمْ حتَّى إذَا هَبطَتْ ... أيْدِي الرِّكابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا
والراكس: بطن الوادي.
وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل]
٥٣٦٣ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَواجِعُ
والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة.
وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان.
وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره.
стр. 12950
قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز]
٥٣٦٤ - وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق ... سِرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأوين العَقَقْ
قال القرطبيُّ: «وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال : ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥] .
[والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز]
٥٣٦٥ - واعجَبَاً لِهَذِهِ الفَليقهْ ... هَلْ يُذْهِبَنَّ القُوَبَاءَ الريقَهْ
والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته] .
قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، متعلق ب» أعوذ «، والعامة: على إضافة» شرِّ «إلى» ما «، وقرأ عمرو بن فايد:» مِنْ شرِّ «بالتنوين.
وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر:» مِنْ شرِّ «بالتنوين،» مَا خلقَ «على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى.
ولا يتعين أن تكون» ما «نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من» شرِّ «على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء: و» ما «على هذا بدل من» شر «، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن» مِنْ شرِّ «متعلق ب» أعُوذُ «وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم.
و» ما «مصدرية، أو بمعنى» الذي «.
فصل في المقصود بشر ما خلق
روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه،
стр. 12951
وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها.
وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ.
وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: ٢٠] .
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، «إذا» منصوب ب «أعوذ» أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا.
والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم.
قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد]
٥٣٦٦ - إنَّ هَذا اللَّيْلَ قدْ غَسقَا ... واشْتكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا
وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم.
وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل.
٥٣٦٧ - وقَبَ العَذابُ عَليْهِمُ فكَأنَّهُمْ ... لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا
стр. 12952
وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل.
قال الشاعر: [البسيط]
٥٣٦٨ - يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً ... إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا
أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق.
وقال قتادة: «إذَا وقَبَ» إذا غاب.
قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ َ نظر إلى القمر، فقال:» يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ «» ، قال: هذا حديث حسن صحيح.
[وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ] .
وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض.
стр. 12953
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ ، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه.
فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه.
قال عنترة: [الوافر]
٥٣٦٩ - فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ ... وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ
وقال الزمخشري: «النفخُ مع ريق» .
وقرأ الحسن: «النُّفَّاثات» بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: «النافثات» ، وهي محتملة لقراءة العامة.
والحسن وأبو الربيع: «النفثات» دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر.
فصل في معنى النَّفَّاثات
قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها.
قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي ﷺ َ.
قال الشاعر: [المتقارب]
٥٣٧٠ - أعُوذُ بربِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عِضَهِ العَاضهِ المُعْضِهِ
وقال متمم بن نويرة: [السريع]
٥٣٧١ - نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى ... مِنْ خَشْيةِ الجِنَّة والحَاسدِ
فصل
روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ» .
стр. 12954
واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون.
قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي ﷺ َ كان ينفث في الرقية.
وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي ﷺ َ، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه.
وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي ﷺ َ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ َ ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً.
وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد.
قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة.
قال ﷺ َ: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» وقال: «لا حَسَدَ إلَاّ في اثنتينِ» يريد الغبطة.
قال ابن عباس وعائشة ﵄: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ َ قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي ﷺ َ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها ﷺ َ وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.
стр. 12955
فصل في أن الله خلق الخير والشر
هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه ﷺ َ أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال : ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى.
قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:
أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.
وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
وروي أن رسول الله ﷺ َ قال: «ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين» .
روى [الثعلبي عن أبيّ]﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ َ قال: «ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ» ؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ «والله أعلم.
следующие страницы →