← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

لما ذكر الضربَ ذَكَرَ هذه المحاكمة؛ لأنَّ بها يتبينّ المظلومُ من الظَّالِمِ.

стр. 3432

قال ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خِفْتُمْ﴾ أي: علمتم قال: وَهَذَا بِخِلافِ قوله تعالى: ﴿واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ ، فإنَّ ذلك محمول على الظَّنِّ، والفرق بَيْنَ الموضِعَيْنِ في الابْتِدَاءِ يظهرُ له أمارات النُّشُوزِ، فعند ذلِك يحصل الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوعْظِ، والهجر والضَّرْبِ إن أصرّت على النُّشُوزِ، فقد حَصَلَ العِلْمُ بالنُّشُوزِ، فَوَجَبَ حملُ الخَوْفِ ههنا على العِلْمِ. وقال لزَّجَّاجُ: القول بأن الخَوْفَ ها هنا بمعنى اليَقِيِنِ خطأ، فإنّا لو عِلِمْنَا الشقاق عَلَى الحَقيقَةِ لم يحتج إلى الحُكمِ، وأُجيبَ بأن وجود الشقاق وإن كانَ مَعْلُوماً، إلَاّ أنا لا نَعْلم أن ذلك الشِّقاق صدر عَنْ هَذَا، أو عَنْ، ذلك، فالحَاجَة إلى الحَكَمِيْنِ لمَعْرِفَةِ هذا المَعْنَى. قال ابْنُ الخَطيبِ: ويمكنُ أن يُقالَ: وُجود الشِّقَاقِ ف بالحَالِ مَعْلُومٌ، ومثل هذا لا يَحْصُلُ منهُ خَوْفٌ، إنَّمَا الخَوْفُ في أنَّهُ هل يَبْقَى ذلك الشِّقَاقُ أم لا، فالفَائِدَةُ في بعث الحكمين لِيْسَتْ إزالة الشِّقَاقِ الثَّابِت، فإنَّ ذلك مُحَالٌ، بل الفائِدَةُ إزالة ذلك الشِّقاق في المُسْتَقْبَلِ. قوله: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الشِّقَاقَ مضاف إلى «بَيْنَ» ومعناها الظَّرْفِيَّةُ، والأصْلُ: «شقاقاً بينهما» ، ولكنَّهُ اتَّسع فيه، فأضيف الحَدَثُ إلى ظَرْفِهِ وإضافة المصدر إلى الظرف جائزة لحصوله فيه، وظرفيته باقية نحو: سَرَّنِي مسير اللَّيْلَةِ، ويعجبني صَوْمُ يَوْم عَرَفَةَ، ومنه: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] . والثَّاني: أنه خَرَجَ عن الظَّرفيَّةِ، وبقي كَسَائِرِ الأسْمَاءِ، كأنه أُريد به المُعَاشرة، والمصاحبة بين الزَّوْجَيْنِ، وإلى مَيْلِ أبي البقاء قال: والبَيْنُ هنا الوَصْلُ الكائنُ بين الزوجين «وللشقاق تأويلان: أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يَشُقُّ على صاحبه. والثاني: أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة. فصل [معاني الشقاق] وقد ورد الشِّقاقُ على أربعة أوْجُهٍ: الأوَّلُ: بمعنى الخِلَافِ كهذه الآية، أي: خلاف بينهما.

стр. 3433

الثَّاني: الضَّلالُ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] أي: في ضلال. الثَّالث: أن الشِّقَاقَ: العداوة قال تعالى: ﴿وياقوم لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي﴾ هود: ٨٩] أي: عداوتي، و [العداوة] وممّا يشق على صاحبه. الرابع: أنّ كُلَّ واحدٍ منها صار في شقّ بالعداوة، والمباينة. فصل [هل البعث خطاب للإمام أم لآحاد الناس] قوله ﴿فابعثوا﴾ قال بعضهم: هذا خِطَابٌ للإمام، أو نائبة وقال آخرون: هَذَا خطابٌ عامٌّ للجميع، وليس حمله على البَعْضِ أولى من حَمْلِهِ على البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حملُهُ على الكُلِّ، فعلى هذا يكونُ أمراً لآحاد الأمة سواء وجد الإمام، أم لم يُوجَدْ، فللصَّالحين أنْ يَبْعَثُوا حكماً من أهلِهِ، وحكماً من أهْلِهَا للإصلاح، ولأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى دَفْع الضَّرَر، ولكل أحد أنْ يَقُومَ به. قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِهِ﴾ فيه وجهان: أحدُهُمَا: أنه متعلِّق ب ﴿فابعثوا﴾ فهي لابتداء الغاية. والثَّاني: أن يتعلَّق بمحذُوف؛ لأنَّهَا صفة للنكِرَةِ، أي: كائناً من أهله فهي للتَّبْغيضِ. فصل شَرْطُ الحَكَمَيْنِ أن يكونَا عَدْلَيْنِ، ويجعلهما الحَاكِمُ حَكَمَيْنِ، والأولى أنْ يكُونَ [واحد من أهْلِهِ، وواحد من أهْلِهَا، لأنَّ أقاربهما أعرف بحالهما من الأجَانِبِ، وأشدّ طلباً للصلاح، فإن كانا] أجنبيّين [جَازَ] . وفائدة الحكمين أن يخلو كُلّ واحد منهما بِصَاحِبِه، ويستكشف منه حقيقةَ الحَالِ، ليعرفَ رَغْبَتَهُ في الإقَامَةِ معه على النِّكَاحِ، أو المُفَارَقِةِ، ثمَّ يَجتمعُ الحكمان، فَيَفْعَلَانِ ما هو المَصْلَحَةُ من طلاقٍ، أو خَلْع. وهل للحكمين تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوِجَيْنِ دون إذْنِهِمَا، مثل: أن يطلق حَكَمُ الرَّجل، أو يفتدي حَكَمُ المرْأةِ بشيءٍ من مالِهَا؟ قال أبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ. وقال غيره: يَجُوزُ.

стр. 3434

قوله: ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ يَجُوزُ أن يَعُودَ الضميران في ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ و ﴿بَيْنَهُمَآ﴾ على الزَّوْجَيْنِ، أي: إن يُرد الزَّوجان إصلاحاً يُوفِّق اللهُ بَيْنَ الزوجين، وأنْ يَعُودا على الحَكَمَيْنِ، وأن يُعودَ الأوَّلُ على الحَكَمَيْنِ، والثَّانِي على الزَّوْجَيْنِ، وأنْ يَكُونَ بالعكس وأُضْمِرَ الزَّوجان وإن لم يجر لهما ذكرٌ لدلَالَةِ ذِكرِ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ عليهما. وجعل أبُو البقاءِ الضَّميرَ في ﴿بَيْنَهُمَآ﴾ عائداً على الزَّوْجَينِ فقط، سَوَاءٌ قيل بأن ضمير ﴿يُرِيدُ الله﴾ عائداً على الحكمين، او الزوجين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: ويجزي إرسالُ الوَاحِدِ قال: لأن الله - تعالى - حكم في الزنا بأربعة شهود، ثم أرسل النبي ﷺ َ إلى المرأة الزَّانية أنَيْساً وحده، وقالَ له: «إن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» قال: وإذا جَازَ إرسال الواحد فلو حَكَّمَ الزوجان واحداً أجْزَأ إذَا رَضِيَا بذلك، وإنما خاطب الله الحكام دون الزوجين، فإن أرسل الزوجان حَكَمَيْنِ وحَكما نفذ حكمهما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعلُ الحكم في كل مسألة، إذا كان كل واحد منهما عدلاً. وأصل التوفيق المُوافَقَةَ، وهي المُسَاوَاة في أمْرِ من الأمور، فالتَّوْفِيق اللُّطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ثم قال: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ والمراد: الوعيد للزَّوْجَيْنِ والحَكَمَيْنِ في طريق سُلُوك المُخَالفِ الحق.

стр. 3435

لمَّا أرشد كُلَّ وَاحِدٍ من الزَّوْجَيْنِ إلى المُعَاملة الحسنة [مع الآخر، أرشد في هَذهِ الآية إلى سَائِرِ الأخْلَاق الحَسَنة] وذكر منها [هَهُنا] عَشْرَة أنْوَاع: الأول: قوله - تعالى - ﴿واعبدوا الله﴾ قال ابن عبَّاس: وَحِّدوُهُ، واعلم أن العِبَادة عبارةٌ عن كل عَمَل يُؤْتَى به لمجَرَّد أمْر الله - تعالى - بذلك، ولما أمَر بالعبَادَةِ، أمر بالإخلاصِ فيها: فقال ﴿وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ .

стр. 3436

قال القرطُبي: ذكر العُلَمَاء أن من تطهَّر [تَبَرُّداً] أو صام [حميَّة] لِمعدَتِهِ، ويرى مع ذَلِكَ التَّقرُّب لم يُجْزِه؛ لأنه مَزَج [نية] التَّقرُّب بنيَّة دُنْيَويَّة، ولذا إذا أحسَّ الإمام بداخِلٍ وهو رَاكِعٌ لم يَنْتَظِرْه، لأنه يُخْرِج ذكر [الله] بانتظاره عن كَوْنِه خالصاً - لله - تعالى. ثم قال ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ وتقدم الكلام على نظير هذا في البَقَرَةِ، واتَّفقوا على أن ههنا مَحْذوفاً، والتَّقْدير: «وأحسنوا بالوالدين إحساناً» ؛ كقوله: «فضرب الرقاب» أي: فاضْربُوها، وقرأ ابن أبي عَبْلَة: «إحسان» بالرَّفع على أنَّه مُبْتَدأ، وخبره الجَارّ [والمجرور] قَبْلَهُ. والمراد بهذه الجُملَةِ: الأمر بالإحسان وإن كانت خبريةً؛ كقوله - تعالى - ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . قوله: ﴿وَبِذِي القربى﴾ فأعاد الباء، وذلك لأنها في حق هذه الأمَّة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة تأكيد فنتسب ذلك هنا، بخلاف آية البَقَرَة، فإنَّها في حقِّ بني إسْرائيل، والمراد الأمْر بصلَة الرَّحم، كما ذكر في أول السُّورة بقوله: ﴿والأرحام﴾ [النساء: ١] . واعلم أن الوَالِدَيْنِ من القَرَابة أيضاً، إلا أنَّهما لمّا تَخَصَّصَت قرابتهما بكَوْنِهمَا أقرب القَرَابات، لا جرم خصّهما بالذِّكْر. ﴿واليتامى﴾ فاليتيم مَخْصُوص بنوعِيْن من العَجْز: أحدهما: الصِّغر. والثاني: عَدَم المُنْفِق، ومن هذا حَالهُ كان في غَايَة العَجْزِ واستِحْقَاقِ الرحمة. قوله ﴿والمساكين﴾ فالمسْكين وإن كان عدِيم المالِ، إلا أنَّه لكبره يمكنه أن يَعْرض حالَ نَفْسَه على الغَيْرِ؛ فيجتلب به نَفْعَاً أو يدفعَ به ضرراً، وأما اليتيمُ، فلا قُدرة له؛ فلهذا المعنى قدَّم الله اليتيم في الذِّكر على المِسْكِين، والإحْسَان إلى المِسْكِين إما بالإجْمَالِ إلَيْهِ، وإمّا بالرَّدِّ الجميل، لقوله: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] . وقوله: ﴿والجار ذِي القربى﴾ الجمهور على خفض الجارّ، والمراد به القَرِيب النَّسِيب، وبالجار الجُنُب: لبعيد النَّسِيب.

стр. 3437

وعن مَيْمُون بن مَهْرَان: والجار ذِي القُرْبَى، أُريد به الجارِ القريب، قال ابن عطيَّة: وهذا خطأ؛ لأنَّه على تأويله جمع بين ألَ والإضافة، إذ كان وَجْه الكَلَامِ: وجار ذي القُرْبَى [الجار القريب] ، ويمكن جوابُه على ان ذِي القُرْبَى، بدل من الجارِّ على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: والجار ذِي القُرْبَى؛ كقوله: [الخفيف] . ١٧٩٣ - نَصَرَ اللهُ أعْظُماً دَفَنُوهَا ... بسجِسْتَانَ طَلحة الطَّلحَاتِ أي: أعْظُم طَلْحَة، [ومن كلامهم] : لو يعلمُون العِلْم الكبيرة سنة، أي: علم الكبيرة سنّه، فحذف البَدل لدلالة الكلام عليه. وقرأ بعضهم: «والجار ذا القربى: نصباً، وخرجه الزَمَخْشَرِي على الاخْتِصَاص لقوله - تعالى -: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] والجُنُب صِفَة على فُعُل، نحو:» ناقة سُرُح «، ويَسْتَوي فيه المُفْرَدَ والمثّنَّى والجُمُوع، مذكراً أو مؤنثاً، نحو:» رجال جنب «وقال - تعالى -: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً﴾ [المائدة: ٦] ، وبعضهم يثنيه ويجمعه، ومثله: شُلُل، وعن عَاصِم: والجَار الجَنْبِ، بفتح الجيم وسُكُون النون وهو وَصْفٌ أيضاً بمعنى المُجَانِب، كقولهم: رجل عَدْل، وألفُ الجَار عن واو؛ لقولهم: تجاورُوا، وجَاوَرْتُه، ويُجْمَع على جيرة وجِيَران، والجَنَابَةِ البُعْد؛ قال [الطويل] ١٧٩٤ - فَلَا تَحْرمَنِّي نَائلاً عَنْ جَنَابَةٍ ... فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القبابِ غَريبُ لأن الإنْسَان يُتركُ جَانباً، ومنه ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن [نَّعْبُدَ الأصنام﴾ ] [إبراهيم: ٣٥] ، وأصله من الجَنَابَة، ضِدّها القَرَابَة، وهو البُعْدُ، يقال: رَجُلٌ جُنُبٌ، إذا كان غريباً مُتَبَاعِداً عن أهله، ورَجُل أجْنَبِيٌّ، وهو البَعيد منك في القَرَابة، ومنه الجَنَابَة من الجِمَاع؛ لتباعده عن الطَّهَارَةِ وعن الصَّلاة حَتَّى يَغْتَسِل، وهذان الجنبانِ؛ لبُعْد كلِّ واحدٍ منهما عن الآخر.

стр. 3438

فصل: في الإحسان إلى الجار قالت عَائِشَة ﵂:» يا رسولُ الله، إن لي جارَيْن، فإلى يهما أُهْدِي، قال: إلى أقربِهِمَا منكِ باباً «، وعن ابْن عُمر؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ َ:» ما زال جِبْريلُ يُوصِيني بالجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُورِّثُهُ «، وقال ﵇:» لا يَدْخُلُ الجَنَّة من لا يَأمَنْ جَارَهُ بَوائِقَهُ، ألَا وَإنَّ الجَوارَ أرْبَعُون «وكان الزهري يقول: أرْبَعُون يَمْنَة، وأربعون يَسْرَة، وأربعون أمَامَه، وأرْبَعُون خَلْفه. وعن بي هُرَيْرَة ﵁:» قيل: يا رسولُ الله، إن فُلانَة تَصُوم النَّهار وتصلي بالَّيْلِ، وفي لِسَانِها شَيءٌ يؤذي جِيرانَهَا، [فقال: «لا يَحْفَظُ] حق الجَارَ إلا مَنْ رَحم الله، وقليل ما هُم، أتدرون ما حَقَّ الجَارِ: إن افْتَقَر أغْنَيْتَه، وإن استقْرَضَ أقْرَضْتَه، وإن أصابه خير هَنَّيْتَه، وإن أصَابه ضَرٌّ عَزَّيته، وإن مَرِضَ عُدْتَه، وإن ماتَ شَيَّعْت جَنَازته» .

стр. 3439

وقال نَوف الشَّامِي: ﴿والجار ذِي القربى﴾ المُسْلِم، [والجار] الجُنُب: اليَهُودي والنَّصرَاني. قال القرطبي: وعلى هذه فالوصاية بالجارِ، مأمورٌ بها مَنْدُوب إليها، مسلِماً كان أو كَافِراً، وهو الصَّحيح، والإحْسَان قد يكون بِمَعْنَى المُواسَاة، وقد يكون بِمَعْنَى حُسْن العِشْرَةِ، وكَفّ الأذَى، والمُحَامَاة دُونَه. وقال ﵊ ُ -: «الجيرَان [ثلاثة:] فجارٌ له ثلاثة حُقُوقٍ، وجار له حَقَّان وجارٌ له حَقٌّ واحد» . فأما الجار الَّذِي له ثلَاثَةُ حُقُوقٍ: فالجار القَريب المُسْلِم، له حقُّ الجِوار، وحق القَرَابَة، وحَقّ الإسْلام. والجارُ الذي له حَقَّان: فهو الجَار المُسْلِم فله حق الإسلام، وحق الجِوارِ. والجار الذي له حَقٌّ واحد: هو الكَافِر، له حق الجِوَار. وقال بَعْضُ العُلَمَاءِ: ﴿والجار ذِي القربى﴾ هو القريب المَسْكَن منك، ﴿والجار الجنب﴾ هو البعيد المَسْكَن منك. قال القَرْطُبِي: وأحَاديثُ إكرامِ الجَارِ جاءت مُطْلَقَةٌ غير مُقَيَّدة، حتى الكَافِر وفي الخبر «قالُوا: يا رسولُ الله، أنطعمهم من لُحُوم النُّسُك؟ قال:» لا تطعم المشركين من نسك المسلمين «فنهيه ﵇ عن

стр. 3440

إطْعَام المُشْرِكين من نُسُك المُسْلِمِ، يحتمل النُّسُك لوَاجب الذي لا يجُوزُ للنَّاسِك أن يَأكُل مِنْهُ، ولا أن يُطْعِمَهُ الأغْنِيَاء، فأما غير الوَاجِبِ الذي يُجْزِيه إطعام الأغنياء، فيجوز أن يُطعِمَهُ أهْل الذِّمَّة» قال ﵊ ُ - لِعَائِشَةَ ﵂ عند تفريقِ لَحْمِ الأضحِيَة: «أهْدِي جَارَنَا اليَهُودِيّ» . قوله: ﴿والصاحب بالجنب﴾ قال مُجاهد، وابن عبَّاس، وعِكرمة، وقتادة: يعني: الرفيق في السَّفَر، وقال عَلِيّ وعبد الله، والنَّخعِي: وهو المرْأة تكون إلى جِنْبِهِ. وقال ابن جُرَيْج، وابن زِيْد: هو الذي يَصْحَبُك رجاء نَفعِك، وقيل: هو الَّذِي صحبك إما رفيقاً في سَفَرٍ، وإما جًاراً مُلاصِقاً، وإما شريكاً في تَعَلُّم أو حرْفَة، وإما قاعداً إلى جَنْبِك في مَجْلس وَاحِدٍ أو مَسْجِد أو غير ذلك، من أدنى صُحْبَة التأمَت بينك وبَيْنَهُ. وقوله: ﴿بالجنب﴾ في الباء وجْهَان: أحدهما: أن تكون بمعنى «في» . والثاني: أن تكون على بَابِها وهو الأوْلَى، وعلى كلا التَّقْدِيرَيْن تتعلّق بمحذُوف؛ لأنها حَالٌ من الصَّاحِبِ. قوله: ﴿وابن السبيل﴾ قيل: هو المُسافِرِ الذي انْقَطع عن بلده، وقيل: هو الضَّيْف، قال ﵇: «من كان يُؤمِن بالله واليَوْمِ الآخر فليُكْرِم ضَيْفَهُ» .

стр. 3441

وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْْ﴾ [النساء: ٣] يجوز أن يُرَاد ب «ما» غير العَبِيد والإمَاء حَمْلاً على الأنْوَاع؛ لقوله - تعالى - ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] وأن يكون أُريد جميع ما مَلَكَهُ [الإنسان] من الحَيَوانات، فاختلط العَاقِلُ بغيره، فأتى ب «ما» . فصل روت أمّ سَلَمة ﵂: «قالت: كان النَّبِيُّ ﷺ َ يقولُ في مَرَضِه:» الصَّلاة وما ملكت أيمانكم «، وقال ﵇:» هم إخْوَانكُم جَعَلهم الله تَحْتَ أيْديكم، فمن جعل الله أخَاه تحت يَده، فَلْيُطْعِمْه ممّا يأكُل، وليلبسه مما يَلْبِس، ولا يُكَلِّفْه من العَمَل ما يغلبه [فإن كَلَّفَهُ مَن العَمَل مَا يغلبه] فَلْيُعِنْهُ عليه «. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ : المُخْتَال هو ذُو الخُيَلَاء والكِبْر. قال أهل اللغة: هو التيَّاه، والمُخْتَال اسم فاعِلٍ من اخْتَال يَخْتَال، أي: تَكَبَّر وأعْجِب بنَفْسِهِ، وألفهُ عن ياءٍ؛ كقولهم: الخُيَلَاءُ والمَخِيلَة، وسُمِع أيضاً: خَالَ الرَّجُل يخال خَوْلاً بالمعنى الأوَّل، فيكون لهذا المَعْنَى مَادَّتَان خَيْلَ وَخَوَلَ. قال ابن عبَّاس:» يريد المُخْتَال العَظِيم في نَفْسِهِ، الذي لا يَقُوم بحقُوقُ أحَد «. والفَخُور صيغة المُبَالَغَة، وهو الَّذِي يعد مَنَاقِبَ نَفْسِه ومحاسنه، وقال ابن عبَّاس: الفَخُور الذي يَفْخَر على عِبَاد الله بما أعْطَاه من أنْواع نِعَمِهِ. وقال ﵇:» بينما رجل يتبختر في بردين، وفد أعْجِبَتْه نَفْسُه، خسف الله به الأرْض، فهو يتجْلجَل فيها إلى يَوْم القِيِامَةِ «.

стр. 3442

وقال ﵇:» لا يَنْظُر الله إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيْلَاء يوم القِيامَة «.

стр. 3443

في: ﴿الذين يَبْخَلُونَ﴾ سَبْعَة أوجه: أحدها: أن يكُون مَنْصُوباً بدلاً مِنْ «مَنْ» ، وجُمِعَ حَمْلاً على المَعْنَى. الثاني: أنه نَصْب على البَدَل من ﴿مُخْتَالاً﴾ وجُمِعَ أيضاً لما تقَدَّم. الثالث: أنه نُصِبَ على الذَّمِّ. قال القرطبِي: ويجوز أن يكُون مَنْصوباً بإضْمَار «أعْنِي» ، وقالَ: ولا يجوز أن يكون صِفَة؛ لأن «مَنْ» و «ما» لا يوصفان ولا يُوصَفُ بهما. الرابع: أنه مُبْتَدأ وفي خَبَره قولان: أحدُهُما: محذوف فَقَدَّرهُ بعضُهم: «مبغضون» لدلالة «إن الله لا يحب» [وبعضهم:] «معذبون» ؛ لقوله: «وأعتدنا للكافرين عذاباً» . وقدَّره الزمخشري «أحقَّاء بكل مَلَامَة» ، وقدره أبو البَقَاء: أُولَئِكَ أوْلِيَاؤُهُم الشَّيْطَان. والثاني: أن قوله: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ويكون قوله: [ ﴿والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ الناس﴾ ] [النساء: ٣٨] عطفاً على المُبْتدأ والعَائِد مَحْذُوفٌ، والتقدير: الذين يَبْخَلُون، والَّذين يُنْفِقُون أموالهم، [رئاء النَّاسِ] ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ، [أو مثقال ذرة] لَهُم، وإليه ذَهَب الزَّجَّاج وهذا متكَلَّف جدًّا؛ لكثرة الفَواصِل ولقَلَقِ المَعْنَى أيضاً.

стр. 3444

الخامس: أنه خبر مُبْتَدَ مُضْمَر، أي: هم الذين. السادس: أنه بَدَلٌ من الضَّميرِ المستكن في ﴿فَخُوراً﴾ ذكره أبو البَقَاء، وهو قلق. السابع: أنه صِفَة ل «مَنْ» ؛ كأنه قيل: لا يُحِبُّ المختالَ الفَخْور البَخِيل. وفي البخل أرْبَع لُغاتٍ: فتح الخَاءِ والبَاء مثل الكَرَم، وبها قرأ حَمْزَةُ والكسائي، وبِضمِّهَا ذكره المُبرِّد، وبها قرأ الحَسَنُ وعِيسَى بن عُمَر، وبفتح البَاءِ وسُكُون الخَاء، وبها قرأ قتادةُ وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء، وبها قرأ الجمهور. والبُخْلُ والبَخَلُ؛ كالحُزْنِ والحَزَن، والعُرْبِ والعَرَبِ. قوله: ﴿بالبخل﴾ فيه وجْهَان: أحدهما: أنه متَعلِّق ب «يَأمُرُونَ» ، فالبَاء للتَّعْدِية على حَدّ أمرتك بِكَذَا. والثَّاني: أنها باء الحاليّة والمأمور مَحْذُوف، والتَّقْدير: ويأمرون النَّاسَ بشكرهم مع التباسِهِم بالبُخل، فيكون في المعنَى؛ لقولا الشَّاعر: [البسيط] ١٧٩٥ - أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضَاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُمَا ... تِيهَ المُلُوكِ وأفْعَالَ المَمَالِيكِ فصل قال الواحدي: البُخْلُ في كلامِ العَرَب عبارة عن مَنْع الإحْسَان، وفي الشَّرِيعَةِ عبارة عن مَنْعِ الوَاجِبِ. قال ابن عبَّاس: نزلت في اليَهُود، بخلوا بِبَيَان صِفَة محمَّد ﷺ َ وكَتمُوها. وقال سعيد بن جبير: هَذَا في كِتْمَان العِلْمِ.

стр. 3445

وقال ابن عبَّاسٍ وابن زيد: نَزَلَتْ في كردم بن يزيد، وحُيَيٍّ بن أخْطَب، ورِفَاعة بن التَّابُوت وأسَامة بن حَبِيبٍ، ونَافِع بن أبِي نافع، وبحري بن عمرو، وكانُوا يأتُون رجالاً من النْصَارِ يُخَالِطُونَهُم، فيقولون: لا تُنْفِقُوا أموالكُم، فإنّا نَخْشَى عليكم الفَقْرَ ولا تَدْرُون مَا يَكُون، فأنزل هذه الآية. وقيل: إنها عَامَّة في البُخْلِ بالعِلْم والدِّين والمَالِ: لأن البخل مَذْمُومٌ واللفظ عامٌّ. قال القرطبي: والمراد بهذه الآيَةِ في قَوْل ابن عبَّاس وغيره: اليَهُود؛ لأنهم جمَعُوا بين الاختيال والتَّفاخر، والبخل بالمَالِ، وكِتْمَان ما أنْزَل الله في التَّوْرَأة من صِفَةِ محمَّد ﷺ َ، وقيل المراد: المُنَافقُون الذي كان إنْفاقهم وإيمانهم تقية. قوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ يعني المال، وقيل: يَبْخَلُون بالصَّدَقَة، وقوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ ، يجوز أن يتعلَّق ب ﴿آتَاهُمُ﴾ أو بمَحْذُوف على أنه حالٌ من «مَا» ، أو من العَائِد عَلَيْها. قال تعالى ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ فصَّل الله - تعالى - تَوعُّدَ المؤمنين البَاخِلين من تَوَعُّد الكَافِرِين، بأن جعل الأوَّل عدم المَحبَّة، والثّضاني عذاباً مُهِيناً.

стр. 3446

قوله: ﴿والذين يُنْفِقُونَ﴾ فيه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أن يكون مَرْفُوعاً عطفاً على ﴿الذين يَبْخَلُونَ﴾ ، والخبر: أن الله لا يَظْلِم كما تقدم وصفه. والثاني: مجرور عَطْفاً على ﴿االكافرين﴾ أي: أعْتَدْنا للكافِرِين، والذين يُنْفِقُون أموالهم رئاء النَّاسِ، قاله ابن جَرِير. الثالث: أنه مُبْتَدأ، وخبره مَحْذُوف، أي: معذَّبُون أو قَرِينُهم الشَّيْطَان، فعلى الأوَّلَيْن يكون من عَطْف المُفردات، وعلى الثالث من عَطْفِ الجُمَل. قوله: ﴿رِئَآءَ الناس﴾ فيه ثلاثة أوْجُه: أحدُها: أنه مَفْعُول من أجْلِه، وشُرُوط النَّصْبِ متوفِّرة.

стр. 3447

الثاني: أنه حَالٌ من فَاعل «ينفقون» يعني: مصْدراً واقعاً مَوْقع الحالِ، أي: مرائين. والثالث: أنه حَالٌ من نَفْس المَوْصُول، ذكره المَهْدَوي، و «رئاء» مصدر مُضَافٌ إلى المَفْعُول. فصل قال الوَاحِدِي: نزلت في المُنَافِقِين وهو الوَجْه لذكر الرِّيَاء، وهو ضرْب من الإنْفَاقِ، وهو قول السدي، وقيل: نزلتْ في اليَهُود وقيل: نزلَتْ في مُشْرِكِي مكَّة المُنْفِقِين على عَداوَة الرَّسُول ﵇. قال ابن الخَطِيب: والأوْلَى أن يُقَال: إنه - تعالى - لمَّا أمر بالإحْسَان إلى المُحْتَاجِين، بين أن المُمْتَنِعِ من ذَلِكَ قِسْمَان: إما بألاّ يُعْطي شيئاً، وهو البُخْل فَذَكَرَهُ. وإما بأن يُعْطِي رياءً وسُمْعَةً؛ فهذا أيضاً مذمومٌ، فلم يَبْقَ إلا الإنْفَاق للإحْسَان. وقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بالله﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مُسْتأنف. والثاني: أنه عَطْف على الصِّلة، وعلى هذين الوَجْهَيْن، فلا مَحَلَّ له من الإعْرَابِ. والثالث: أنه حالٌ من فاعل يُنْفِقُون، إلا أن هذين الوَجْهَيْن الأخيريْن، أعني: العطف على الصِّلة، والحالية مُمْتَنعان على الوجْه المَحْكِيّ عن المَهْدَوي، وهو كون «رئاء» حالاً من نَفْسِ المَوْصُول؛ لئلا يَلْزَم الفَصْل بين أبعاض الصِّلة، أو بين الصِّلة ومعمولها بأجْنَبِيّ، وهو «رِئَاءَ» ؛ لأنه حَالٌ من المَوْصُول لا تعلُّق له بالصِّلَة، بخلاف ماع إذا جَعَلْنَاه مَفْعُولاً [له] أو حَالاً من فَاعِل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فإنَّه على الوَجْهَين معمول ل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فليس أجْنَبِيّاً، فلم يُبَالَ بالفَصْل به، وفي جَعْلِ ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ حالاً نَظرٌ؛ من حَيْث أن بَعْضهم نَصَّ على أنَّ المُضَارع المُنفِيّ ب «لا» كالمُثبت؛ في أنَّه لا يَدْخل عَليْه واو الحَال، وهو مَحَلُّ تَوَقُّف، وكرِّرت لا في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا

стр. 3448

يُؤْمِنُونَ [بالله وَلَا] باليوم الآخر﴾ ؛ وكذا الباء إشعاراً بأنَّ الإيمان مُنتفٍ عن كلِّ على حدته [كما] لو قُلت: لا أضرب زيداً أو عَمْرًا، احْتمل في الضَّرْب عن المَجْمُوع، ولا يَلْزَم منه نَفْي الضَّرْب عن كل وَاحِدٍ على انْفِرَادِه، [واحتمل نَفْيه عن كُلِّ واحِدٍ بالقرآنِ] . وإذا قُلْت ولا عَمْراً، تعيَّن هذا الثَّاني. قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ : قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ أي: صاحِباً وخَليلاً، والمَعْنى: أن الشَّيْطَان قَرين لأصْحَاب هذه الأفْعَالِ. قال القرطبي: في الكلام إضْمَار، تقديره: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا باليوم الآخر﴾ فَقَرينُهُم الشَّيْطَان ﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ . قوله: ﴿فَسَآءَ قِرِيناً﴾ وفي «فساء» هذه احتمالان: أحدهما: أنَّها نقلت إلى الذَّمِّ، فجرت مُجْرى «بِئْسَ» ، ففيها ضَميرٌ فاعلٌ لها مُفَسِّر بالنكِرَة بعده، وهو ﴿قِرِيناً﴾ والمخصُوص بالذَّمِّ مَحْذُوف، أي: فَسَاءَ قريناً هُوَ، وهو عائد [إما] على الشَّيْطَان، وهو الظَّاهِر، وإمَّا على «مَنْ» ، وقد تَقَدَّم كم نِعْم وبِئْس. الثاني: على بابها، فهي مُتَعَدِّية، ومَفْعُولها مَحْذُوف، و «قريناً» على هذا مَنْصُوب على الحَالِ أو على القَطْعِ، والتَّقدير: فساءَهُ، أي: فساء الشَّيْطَان مُصَاحَبَة؟ قال القُرْطُبِي: ﴿قِرِيناً﴾ مَنْصوب على التَّمييز، واحتجُّوا للوجْه الأوَّل بأنَّه كان يَنْبَغِي أن يحذف الفَاءَ من «فَسَاءَ» ، أو تَقْتَرِن به «قَدْ» ، لأنه حينئذٍ فِعْل مُتَصرِّف ماض، وما كان كذلِك ووقع جواباً للشَّرْط، تَجَرَّد من الفَاءِ أو اقْتَرَن ب «قد» ، هذا معنى كَلَام أبِي حيَّان. قال شهاب الدين: وفيه نَظَر؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧] مما يُؤوّل به هذا ونحوه يَتَأوّل به هذا، وممَّن ذَهَب إلى أن ﴿قِرِيناً﴾ منصوب على الحالِ ابن عَطِيَّة، ولكن يُحْتَمل أن يكُون قَائِلاً بأن «سَاءَ» متعدِّيَة، وأن يكون قَائِلاً برأي الكُوفيِّين، فإنَّهم يَنْصُبُون

стр. 3449

ما بَعْدَ [نِعْمَ] و «بِئْسَ» على الحَالِ. والقَرِين: المُصَاحِب [الملازِم] وهو فعيل بِمَعْنَى مُفَاعِل: كالخَليطِ والجَليسِ، والقَرَنُ: الحَبْل؛ لأنه يُقْرَنَ به بَيْنَ البعيريْن قال: [البسيط] ١٧٩٦ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَابْنُ اللَّبَون إذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ

стр. 3450

قوله: «وماذا عليهم» . قد تقدم الكلام على نَظِيرتِها، و «ماذا عليهم» استفهام بمعنى الإنكار. قال القرطبي: «ما» : في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» خبره، و «ذا» خبره، و «ذا» بمعنى الَّذِي، وهذا يحتمل أن يكُون الكلام قد تَمَّ هنا، ويجوز أن يكونُ «وماذا» اسماً واحداً، ويكون المَعنى أي: وأيُّ شيء عليهم في الإيمانِ باللهِ، أو ماذا عَلَيْهم من الوَبَال والعَذَابِ يَوْم القِيَامَة. ثم استأنف بقوله: ﴿لَوْ آمَنُواْ﴾ ويكُون جَوَابُهَا مَحْذُوفاً، أي: حصلت لهم السَّعَادة، ويحتمل أن يَكُون [تمام] الكَلَامب «لو» ومَا بَعْدَها، وذلك على جَعْل «لو» مصدريَّة عند من يُثْبِتُ لها ذلك، أي: وماذا عليهم في الإيمان، ولا جَواب لها حينئذٍ، وأجاز ابن عطيَّة أن يَكُون ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ جواباُ ل «لَوْ» ، فإن أراد من جهة المَعْنَى فمُسلَّمٌ وإن أرادَ من جهة الصِّنَاعة فَفَاسِدٌ؛ لأن الجواب الصِّنَاعي لا يتقدّم عند البَصْرِيِّين، وأيضاً فالاستفهام لا يُجَاب ب «لو» ، وأجاز أبُو البَقَاء في «لو» أن تكُون بمعنى «إن» الشَّرطيّة؛ كما جاء في قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: وأيُّ شيءٍ عليهم إن آمَنُوا. قال الجبائي: ولو كانوا غَيْرَ قَادِرين، لم يجز أن يقُول الله ذلِك؛ كما لا يُقالُ لمن هُو في النَّار مُعَذِّب: ماذا عليهم لَوْ خَرَجُوا مِنْها، وصَارُوا إلى الجَنَّة، وكما لا يُقال للجَائِع الذي لا يَقْدِر على الطَّعام: ماذا عَلَيْه لو أكَل. [وقال الكعبي] لا يجوز أن يَمْنَعه القُدْرة، ثم يَقُول: ماذا عَلَيْه لو آمَنَ، كما [لا]

стр. 3451

يقال لمن بِه مَرَضٌ: ماذا عليه لَوْ كَانَ صَحِيحاً، ولا يُقَال للمرأة: ماذا عليها لو كَانَت رَجُلاً، وللقَبيح: ماذا عَلَيْه لو كان جميلاً كما لا يَحْسُن هذا القَوْل من العَاقِل، كذلك لا يَحْسُن من الله - تعالى -. وقال القَاضِي عبد الجَبَّار: لا يُجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتَّصرُّف في الصَّفَقَة، ويَحْبِسهُ بحيث لا يتمكَّنُ من مُفارقة الحَبْس، ثم يقولُ لَهُ: مَاذَا عليك لو تصَرَّفْت، وإذا كان من يَذكر مثل هذا الكلام [سفيهاً] دل ذلك على أنَّه على الله - تعالى - غير جَائِزٍ واعلم أن مِمَّا تمسَّك به المُعْتَزِلة من المَدْح والذَّمِّ والثَّواب والعِقَاب، معارضتهم بمسْألة العِلْم والدَّاعِي. قال ابن الخَطِيب: قد يَحْسُن منه ما من غيره؛ لأن المُلْك مُلْكُه. ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً﴾ أي: عليم ببواطنِ الأمُور كما هو عَليمٌ بِظَاهِرِها، وهذا كالرَّدْع للمكلَّف عن القَبَائح من أفْعال القُلُوبِ؛ مثل النِّفاق والرِّيَاء والسُّمْعَة.

стр. 3452

لمّا بيَّن أنه عَلِيم ببَواطِنِهم وظَواهِرِهم، بيَّن أنَّه كما علمها، لا يَظْلِم مثقال ذرَّة منها. قوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فيها وَجْهَان: أحدهما: أنه مَنْصُوب على أنه نَعءت لمصْدر مَحْذُوف، أي: لا يَظْلِم أحَداً ظُلْمَاً وَزْن ذَرَّة، فحذف المفْعُول والمَصْدر، وأقام نَعْتَه مَقَامه، ولمّا ذكر أبو البقاء هذا الوَجْه، قَدَّر قبله مُضَافاً مَحْذُوفَاً، قال تقْدِيره: ظلماً قَدْر مِثْقال ذرَّة، فحذفَ المَصْدر وصِفَتَه، وأقَام المُضَاف إلَيْه مَقَامَه، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن المثْقال نفسه هو قَدَرٌ من الأقْدَار، جُعِل مِعْيَاراً لهذا القَدَر المَخْصُوص. والثاني: أنه مَنْصُوب على أنه مفعول ثانٍ ل «يظلم» ، والأوّل، مَحْذُوف؛ كأنهم ضَمَّنُوا «يظلم» معنى «يغضب» أو «ينقص» فعَدُّوهُ لاثنين، والأصْل أن الله لا يَظْلِمُ أحَدَاً مِثْقَالَ ذَرَّة. والمِثْقَال مِفْعَال من الثِّقَل، يُقال: هذا على مثال هَذَا، أي: وَزْنه، ومعنى الآيَةِ: أنه - تعالى - لا يَظْلَمِ أحداً لا قَلِيلاً ولا كَثِيراً، وإنما أخْرَجَهُ على أصْغَر ما يتعارَفَه النَّاس،

стр. 3453

ويُؤيِّده قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئاً﴾ [يونس: ٤٤] والذَّرَّة، قال أهل اللُّغَة: هي النَّمْلَة الحمراء، وقيل: رَأْسُها، وقيل: الذَّرَّة جُزْء من أجْزَاء الهَبَاء في الكوة، ولا يَكُون لها وَزْن. وروي أن ابْن عبَّاس أدْخَل يَدَه في التُّرَاب، ثم رَفَعَها، ثم نَفَخَ فيها، ثم قال: كل وَاحِدٍ من هَذِه الأشْيَاء. والأول هو المَشْهُور: لأن النَّمْلَةَ يُضْرب بها المثل في القِلَّة، وأصغر ما يَكُون إذا مرّ عليها حَوْل، وقالوا: لأنَّها حينئذٍ تَصْغُرُ جِدَّاً. قال حَسّان: [الخفيف] ١٧٩٧ - لَوْ يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ ... رِ عَلَيْهَا لأندَبَتْها الكُلُومُ وقال امْرُؤُ القَيْس: [الطويل] ١٧٨٩ - مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرَا فصل روي مُسْلِم عن أنس؛ قال: قال رسُول الله ﷺ َ: «لا يَظْلِمُ اللهُ مُؤْمِناً حَسَنَة، يُعْطَى بها [في الدُّنْيَا] ويُجْزَى بها في الآخِرَة، وأما الكَافِر فَيُعْطى حسناتٍ ما عامل الله بِهَا في الدُّنْيَا، حتى إذا مَضَى إلى الآخِرَةِ، لم يَكُن له حَسَنَة يُجْزَى عَلَيْهَا» . فصل: دليل أهل السنة على خروج المؤمنين من النار واحتج أهْل السُّنَّة بهذه الآية، على أنَّ المُؤمنين يَخْرجُون من النَّار إلى الجَنَّة؛ قالوا: لأن ثَوَاب الإيمان والمُداوَمَة على التَّوْحيد، والإقْرَار بالعُبُودِيَّة مائة سَنَة، أعْظَم ثواباً من عِقَابِ شُرْب جَرْعَة من الخَمْر، فإذا حضر هذا الشَّارِبُ القيامَة وأسْقِط [عنه] قدر عِقَاب هذه المَعْصِية من ذلك الثَّواب العَظيم، فَضُل له من الثَّواب قَدْر عَظيم، فإذا

стр. 3454

دخل النار بسبب القَدْر من العِقَابِ، فلو بَقي هُنَاك، لكان ذَلِكَ ظُلْمَاً، فوجب القَطْع بأنه يَخْرُج إلى الجَنَّة. وقوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ حذفت النَّون تَخْفِيفاً، لكثرة الاستعمَال، وهذه قَاعِدَةٌ كُلِّية، وهو أنه يجوز حذْف نُون «تكُون» مجْزوُمة، بشرط ألَاّ يلِيهَا ضميرٌ متَّصل؛ نحو لم يَكُنْه، وألَاّ تُحرِّك النٌّون لالتقاء الساكنَين، نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١] خلافاً ليُونُس؛ فإنه أجَازَ ذلك مستدلاً بقوله: [الطويل] ١٧٩٩ - فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةِ أبْدَتْ وَسَامَةً ... فَقَدْ أبْدَتْ [المِرْآةُ] جَبْهَةَ ضَيْغَمِ وهذا عند سيبويه ضرُورةٌ، وإنما حُذِفَت النَّون لغُنّتها وسُكُونِها، فأشْبهت الواو، وهذا بِخلاف سَائِرِ الأفْعال، نحو: لم يَضِنَّ، ولم يَهِنَّ؛ لكثرة اسْتِعْمال «كَانَ» ، وكان ينبغي أن تَعُودَ الواو عند حذف هذه النُّون؛ لأنها إنَّما حُذِفَت لالتقاء الساكنين، وقد زالَ ثانيهما وهو النُّونُ؛ إلَاّ أنَّها كالملفوظ بِهَا. واعلم أن النُّون السَّاكِنَة، إذا وقعت طرفاً تشبه حُرُوف اللِّين، وحُرُوف اللِّين إذا وقعت طرفاً سَقَطت للجزم، وقد جاء القُرْآن بالحَذْف والاثبات: أما الحَذْف: فهذه الآية. [وأما الإثبات] فكقوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً﴾ [النساء: ١٣٥] . وقرأ الجمهور ﴿حَسَنَةً﴾ نصباً على خَبَر كان النَّاقِصة، واسْمُهَا مستَتِرٌ فيها يَعْود على مِثْقَال، وإنَّما أنْت ضميره حَمْلاً على المَعْنَى؛ لأنه بمعْنَى: وإن تَكُن زِنة ذَرَّة حَسَنة، أو لإضافته إلى مُؤنَّثِ، فاكتَسبَ منه التَّأنِيث. وقرأ ابن كثير ونافع: «حَسَنَةٌ» رفعاً على أنَّها التَّامَّة، أي: وإن تقع أو تُوجد حَسَنةٌ وقرأ ابن كثير وابن عامرٍ «يضعفها» بالتضعيف، والباقون: «يضاعفها» قال أبو عبيدة ضاعَفَهُ يقتضي مِرَاراً كثيرة، وضَعَّفَ يقتضي مَرَّتَيْن، وهذا عكس كَلَام العَرب، لأن

стр. 3455

المُضَاعَفَة تقتَضِي زيادة المِثْل، فإذا شُدِّدت، دَلَّت البنية على التكثير، فيقْتَضي ذلك تَكْرِيرُ المُضاعفة، بحسبِ ما يكون من العَدَدِ. وقال الفَارِسِيّ: فيها لغتان بمعنى يدُلُّ عليه قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقد تقدَّم ذلك، وقرأ ابن هُرْمُز: «نضاعفها» [بالنون، وقُرئ «يضعفها» ] بالتَّخْفيف من أضْعَفَه مثل أكْرَمَ. فصل قال أبو عُثْمَان لنَّهْدي: بلغني عن أبي هُرَيْرَة؛ أنه قال: إن الله بعطِي عبده المُؤمِن فقلت: بَلَغَني أنك تقول إن الله يُعْطِي عبده المُؤمِن بالحسنة ألف ألف حسنَة، قال أبو هريرة: لم أقُلْ ذلك، ولَكِن قُلْتُ: إن الحَسَنَة تُضاعف بألفي ضِعْف، ثم تلا هذه الآية؛ وقال: قال الله - تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ لمن يَقْدر قَدْرَه. قوله: ﴿مِن لَّدُنْهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلِّق ب «يؤت» و «من» للابْتِدَاءِ مَجَازاً. والثاني: متعلّقٌ بمْذُوف على أنه حَالٌ من «أجراً» ، فإنه صِفَة نكرة في الأصْلِ، قُدِّم عليها فانْتَصَب حالاً. و «لدن» بمعنى عِنْد، إلا أن «لدن» أكثر تمكيناً، يقول الرَّجُل: عندي مَالٌ، إذا كان [مَالهِ] ببلَدٍ آخر، ولا يُقَال: لَدَيّ مالٌ في حالٍ، ولا لَدَيّ إلَاّ لما كان حَاضَراً.

стр. 3456

«فكيف» فيها ثلاثة أقْوَال: أحدها: أنَّها في مَحَلِّ رفْع خَبَراً لمبْتَدأ مَحْذُوف، أي: فكيف [تكُون] حالهم أو صُنْعُهم، والعَامِل في «إذَا» هو هَذَا المُقَدَّر.

стр. 3457

والثاني: أنها في مَحَلِّ نَصْب بِفِعْلٍ مَحْذُوف، أي: فكيف تكُونونُ أو تَصْنَعُون، ويَجْزِي فيها الوَجْهَان النَّصْب على التَّشْبِيه بالحَالِ؛ كما هو مَذْهَب سَيبويْه، أو على التَّشْبِيه بالظَّرفيّة؛ كما هو مذهب الأخْفَش، وهو العَامِل في «إذَا» أيْضَاً. والثالث: حكاه ابن عَطيّة عن مَكِّي أنها معمولة ل ﴿جِئْنَا﴾ ، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ. قوله ﴿مِن كُلِّ﴾ فيه وجْهَان: أحدهما: أنه مُتعلِّق ب ﴿جِئْنَا﴾ . والثاني: [أنه متعلِّقٌ] بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من ﴿شَهِيداً﴾ ، وذلك على رَأي من يُجَوِّزُ تقديم حالِ المجرُور بالحَرْفِ عليْهِ، كما تقدَّم، والمشهود مَحْذُوف، أي: شهيد على أمَّتِه. فصل: معنى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ من عَادَى العرب أنَّهم يقُولُون في الشَّيء الذي يتوقَّعُونَهُ: كيف بك إذا كان كَذَا وكَذَا، ومعنى الكلام: كَيْفَ يرون [يَوْمَ] القيامة: إذا اسْتَشْهَد الله على كُلِّ أمَّة برسُولِهَا يشهد عليهم بما عَمِلُوا، ﴿وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء﴾ أي: شاهداً على جميع الأمَم. روى أبو مَسْعُود؛ «قال: قال النبيُّ ﷺ َ:» اقْرَأ عَلَيَّ «. فقلت: يا رسُول الله، اَقْرَأ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ؟ قال:» نَعَم، أحِبُّ أن أسْمَعَهُ من غَيْرِي «، فقرأت سُورة النِّسَاء حتى أتيْتُ إلى هذه الآيةِ، قال: حَسْبُك الآن، فالتَفَتُّ إلَيْه فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفان» . قوله ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ في هذه الجُمْلَة ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها في مَحَلِّ جرِّ عطفاً على ﴿وَجِئْنَا﴾ الأولى، أي: فكيف تصنعون في وَقْتِ المجيئين. والثاني: أنها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ و «قَدْ» مُرَادةٌ معها، والعَامِلُ فيها ﴿وَجِئْنَا﴾ [الأولى، أي: جئنا] من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ وقد جِئْنَا؛ وفيه نَظَر.

стр. 3458

الثالث: أنها مُسْتأنَفَة فلا مَحَل لها قال أُو البَقَاء ويجوز أن تكون مُسْتأنَفَة، ويكون المَاضِي بمعنى المُسْتَقْبَل انتهى. وإنما احْتَاج [إلى ذلك] ؛ لأن المَجِيءَ بعد لَمْ يَقَع فادّعى ذلك، والله أعْلَم. قوله: ﴿على هؤلاء﴾ متعلِّق ب ﴿شَهِيداً﴾ و «عَلَى» على بابها، وقيل: بمعْنَى اللام، وفيه بُعْدٌ [وأجيز أن يكُونَ «عَلَى» متعلِّقَة بمحذُوفٍ على أنَّها حالٌ من ﴿شَهِيداً﴾ وفيه بُعْدٌ] ، و ﴿شَهِيداً﴾ حالٌ من الكَافِ في «بِكَ» .

стр. 3459

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه مَعْمُولٌ ل ﴿يَوَدُّ﴾ أي: يَوَدُّ الذين كَفَروا يَوْمَ إذ جِئْنَا. والثاني: أنه مَعْمُول ل ﴿شَهِيداً﴾ ، قاله أبو البَقَاء؛ قال وعلى هذا يكُون «يود» صفة ل «يوم» ، والعائد مَحْذُوفٌ، تقديره: فيه، وقد ذكر ذلك في قوله: ﴿واتقوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ، وفيما قاله نظر. والثَّالث: أن «يوم» مَبْنِيٌّ، لإضافته إلى «إذْ» قاله الحُوفيّ، قال: لأنَّ الظرف إذا ضيفَ إلى غير مُتَمكِّنٍ، جَازَ بناؤهُ معه، و «إذْ» هنا اسْمٌ؛ لأن الظروف إذا أُضِيفَ إليها، خَرَجَتْ إلى مَعْنَى الاسميَّة، من أجل تَخْصِيص المُضَافِ إليْها، كما تخَصّص الأسْمَاء مع استحقَاقِها الجرّ، والجرُّ ليس من علامَاتِ الظُّروف، والتَّنْويِن في «إذْ» تنوين عوض على الصَّحيح، فقيل: عِوضٌ من الجُمْلَة الأولى، في قوله: ﴿جِئْنَا مِن كُلِّ﴾ أي: يومئذٍ جِئْنَا من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ، وجئنا بِكَ على هؤلاء شهيداً، و «الرسول» على هذا اسْم جِنْسٍ، وقيل: عِوَضٌ عن الجُمْلَة الأخيرةَ وهي ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ ، ويكون المُراد ب «الرسول» : محمد ﷺ َ، وكأن النَّظْم وعَصَوْك، ولكن أبرز ظاهراً بضفة الرِّسَالة تَنْوِيهاً بقدره وشرفِه. وقوله: ﴿وَعَصَوُاْ﴾ فيه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنها جُمْلَة معطوفة على ﴿كَفَرُواْ﴾ فتكون صِلَةً، فيكونون جَامِعِين بين كُفْرٍ ومَعْصِيَة؛ لأن العَطْفَ يقتضي المُغَايَرَة، وإذا كان ذَلِكَ، فَيُجْمل عصيان الرَّسُول على

стр. 3460

المعَاصِي المغايرة للكُفْر، وإذا ثبت ذلك، فالآيَةُ دالَّة على أنَّ الكُفَّار مخاطبُون بفُرُوع الإسلام. وقيل: هي صِلَةٌ لموصول أخَر، فيكون طَائِفَتَيْن، وقيل: إنها في مَحَلِّ نصبٍ على الحال من ﴿كَفَرُواْ﴾ ، و «قد» مُرَادَة، أي: وقد عَصَوا. قوله: ﴿لَوْ تسوى﴾ إن قيل إن «لو» على بابها كما هو قَوْل الجُمْهُور، فَمَفْعُول ﴿يَوَدُّ﴾ محذوفٌ، أي: يودُّ الَّذِين كَفَرُوا تَسْوية الأرْض بهم، ويدل عليه ﴿لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ ، وجوابها حينئذٍ مَحْذُوف، أي: لسُرُّوا بذلك. وإن قيل: إنها مصدريَّة، كانت وهي وما بَعْدَها في محلّ مَفْعُول ﴿يَوَدُّ﴾ ، ولا جواب

стр. 3461

لها حينئذ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] . قال أبو البقاءِ: «وعصوا الرسول» في موضع الحالِ، و «قد» مًُرَادةٌ، وهي معْتَرِضَة بين «يود» وبين مَفْعُولها، وهي «لو تسوى» و «لو» بمعنى المصدريَّة انتهى. وفي جَعْلِ الجنلة الحَاليَّة معترضة بين المَفْعُول وعامِله نَظَرٌ لا يَخْفَى؛ لأنها من جُمْلَة متعلِّقات العامِل الذي هو صِلَة للمَوْصُول؛ وهذا نظير قولك: ضَرَب الذين جَاءُوا مُسْرِعين زَيْداً، فكما لا يُقال: إن مُسْرِعين مُعْتَرض به، فكذلك هذه الجملة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: تُسَوَّى [بضم التَّاءِ، وتخفيف السّين مبنياً للمفعُول، وقرأ حمزة والكِسائي: «تَسَوَّى» ] بفتح التَّاء والتخفيف، ونافع وابن عامر: بالتَّثْقِيل. فأما القراءة الأولَى، فمعناها: أنَّهم يودُّون أن الله يُسَوِّي بهم الأرض: إمّا على أن الأرْض تَنْشَقُّ وتبتلِعُهم، وتكون البَاءُ بمعنى «عَلَى» ، وإما على أنَّهم يودُّون أن لو صارُوا تُرَاباً كالبَهَائِمِ، والأصْل يودُّون أن الله - تعالى - يُسَوِّي بهم الأرض، فَقٌلِبَت إلى هَذَا؛ كقولهم: أدْخَلْتُ القََلُنْسُوَة في رَأسِي، وإمذا على أنَّهم يودُّون لو يُدْفَنُون فيها، وهو كالقَوْلِ الأوَّل. وقيل: لو تُعْدَلُ بهم الأرْضُ، أي: يُؤْخَذ ما عَلَيْها منهم فِدْيَة. وأما القِرَاءة الثانية: فأصلها «تتسوى» [بتاءَيْن] ، فحذفت إحداهما، وأدغمت في السّين لقربها منها. وفي الثَّالِثَة حذفت إحداهما، ومعنى القراءتين ظاهرٌ ممَّا تقدَّم؛ فإن الأقوال الجاريةَ في القراءة الأولى، جاريةٌ في القراءتين الأخيرتَيْن غاية ما في البَابِ أنه نَسَب الفِعْل إلى الأرْض ظاهراً. قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ الله﴾ : وذلك أن هذه الواو تَحْتَمِل أن تكون لِلْعَطْف، وأن تكون للحالِ.

стр. 3462

فإن كانت للعَطْف، احْتمل أن تكُون من عطف المفرداتِ، [وأن تكون من عطف الجُمَلِ، إذا تقرر هذا] ، فقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ الله﴾ يجوزُ أن يكون عَطْفاً على مَفْعُول ﴿يَوَد﴾ أي: يودذُون تسوية الأرْضِ بهم، وانتفاء كتمان الحديُ، و «لو» على هذا مَصدريَّة، ويبعد جَعْلُها حرفاً لما سيَقَع لوُقُوع غَيْرِه، ويكون و «لا يكتمون» عطفاً على مَفعُول «يود» المحذُوف، فهذان وَجْهَان على تقدِير كَوِنِه من عطف المفردات. ويجوز أن سكون عَطْفاً على جُمْلة «يود» أخبر - تعالى - عنهم بخبرين: أحدهما: الودادةُ لِكَذَا. والثاني: أنهم لا يقدرُون على الكضتْمِ في مواطِنِ دون [مَوَاطِن] ، و «لو» على هذا مَصدريَّة، ويجوز أن تكون [لو] حرْفاً لما سيقع لوقُوع غيره، وجوابُهَا مَحْذوف، ومفعول «يود» أيضاً مَحْذُوف، ويكون «ولا يكتمون» عطفاً على «يود» وما في حيزها، ويكون - تعالى - قد أخبر عَنْهُم بثلاثِ [جمل] : الوَدَادَة، وجُمْلَة الشرط ب «لو» ، وانتفاء الكِتْمَان، فهذان أيضاً وَجْهَان على تقدير كونِه من عطفة الجُمَل، وإن كانت للحالِ، جاز أن تكُون حالاً من الضمير في «بهم» ، والعامِل فيها «تسوى» ، ويجوز في «لو» حينئذٍ ان تكون مصدريَّة، وأن تكون امتناعيَّة، والتقدير: يُريدُون تَسْوِيَة الأرْض بهم غير كَاتِمين، أو لَوْ تُسَوَّى بهم غير كَاتِمين لكان ذلك بُغْيَتهم، ويجوز أن تكون حالاً من «الذين كفروا» ، والعامل فيها «يود» ويكون الحالُ قيداً في الوَدَادَةِ، و «لو» على هذا مصدريَّة في [محل] مفعُول الوَدَادَة، والمعْنَى [يومئذٍ] يَودُّ الذين كفرُوا تسوية الأرْض بهم غّير كاتمين الله حَديثاً، ويَبْعد أن تكون «لو» على هذا الوجه امتناعِيَّة، للزوم الفَصْل بين الحَالِ وعامِلِها بالجُمْلَة، و «يكتمون» يتعدى لاثْنَيْن، والظَّاهِر أنه يَصِل إلى أحدهما بالحَرْف، والأصل: ولا يكتُمون من الله حديثاً. فصل قال عَطَاء: وَدُّوا لَوْ تُسوَّى بهم الأرْضُ، وأنهم لم يكُونوا امر مُحَمَّدٍ ﷺ َ ولا نعته، وقال آخرُون: بل هو كلامٌ مُسْتأنفٌ، يعني: ولا يكتثمون الله حديثاً؛ لن جضوَارحَهُم تَشْهَد عليهم.

стр. 3463

قال سعيد بن جُبَيْر: قال رَجُل لابن عبَّاس: إني أجد في القُرْآن أشياء تختلفُ عليّ، قال: هَاتِ ما اخْتَلَفَ عليك، قال: قال تعالى: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ ، و ﴿قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتمُوا، وقال: ﴿أَمِ السمآء بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] إلى قوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] ، فذكر خَلْق السَّماء قبل خلق الأرْضِ، ثم قال ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى «طائِعين» . فذكر في هذه الآية خَلْق الأرض قبل خَلْق السَّماء، وقال: «وكان الله غفوراً رحيماً» و «عزيزا حكيماً» فكأنه كان ثم مَضَى. فقال ابن عباس: فلا أنْسَابَ بَيْنَهم في النَّفْخَة الأولى، وقال - تعالى -: «ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض [إلا أن شاء الله] » فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءَلُون، ثم في النَّفْخَة الأخيرَة أقْبَل بعضهم على بَعْض يتساءَلُون. وأما في قوله: ما كنا مشركين و «لا يكتمون الله حديثا» فإن الله يَغْفِر لأهْل الإخْلَاص ذُنُوبهم فيقول المُشْرِكُون: تعَالَوْا نقل: ما كُنا مُشركين، فيختم على أفواههم، وتنطقُ أيديهم وأرْجُلهم، فَعِنْدَ ذلك عَرَفُوا أنَّ الله لا يَكْتُم حَديثاً، وعنده «يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض» . وخلق الله الأرْضَ في يومين ثم خلق السَّماء، ثم اسْتَوَى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُن في يَوْمَيْن آخرَيْن، ثم دَحَى الأرض، وَدَحْيُها أن أخْرَج منها المَاءَ والمَرْعَى، وخلق الجِبَال والآكَامَ، وما بينهُمَا في يومين آخريْن؛ فقال «خلق الأرض في يومين [ثم دَحَى الأرض في يومين؛ فخلقت الأرْضُ وما فيها من شيء في أربعةِ أيام، وخلقت السماوات في يومين] » وكان الله غفوراً رحيماً «أي: لم يَزَلْ كَذَلِك، فلا يختلف عليك القُرْآن؛ فإن كُلاًّ من عَِنْد الله» . وقال الحسن: إنها مواطِنٌ: ففي مَوْطن لا يتكلَّمُون، ولا تَسْمَ إلا هَمْساً، وفي موطنٍ [يعترفون على أنفسهم فهو قوله: ﴿فاعترفوا بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] ، و [في موطن يتكلّمون ويكذبون، ويقولون: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ، و ﴿مَا كُنَّا

стр. 3464

نَعْمَلُ مِن سوء﴾ ] [النحل: ٢٨] ، وفي مواطن لا يُتساءَلُون الرَّجعة، [وفي مَوْطِن يتساءلُون الرجْعَة] وآخر تلك المَوَاطِن، أن يُخْتَمَ على أفْوَاهِهم، وتتكلَّم جوارحُهم، وهو قوله: «ولا يكتمون حديثاً» . وقال آخرون: [قولهم] : ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أي: على حَسْبِ ما توهَّمنا في أنْفُسِنَا، بل كُنَّا مُصيبين في ظُنُونِنَا حتى تَحقَّقْنا الآن.

стр. 3465

وجه اتِّصال هذه الآية بما قَبْلَها: أنه - تعالى - لما قال: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً» ذكر بعض الإيمان الصَّلاة التي هِيَ رأسُ العِبَادات، ولذلك يُقْتَل تارِكُها، ولا يَسْقُط فرضُهَا. قال ابن عباس: نزلت في جَمَاعةٍ من أكابر الصَّحَابَة، قبل تَحْرِيم الخَمْرِ، كانوا يَشْرَبُونَها ثم يأتُون المَسْجِد للصَّلاة مع النَّبي ﷺ َ فنهوا لهذه الآية. وقال جماعة من المفسرين: إن عبد الرَّحْمن بن عَوْف صنع طَعَاماً وشراباً - حين كانت الخَمْر مُبَاحة - ودَعَا من أكَابِرِ الصَّحَابة، فأكَلُوا وشَرِبُوا، فلما ثَمِلُوا، جاء وقت صَلَاة المَغْرِب، فقدموا أحدهم لِيُصَلِّي بهم، فقرأ: «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» وحذف «لَا» هكذا، إلى أخر السُّورة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، فكَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْر أوْقات الصَّلوات، فإذا صَلُّوا العشاء، [شربوها] ، فلا يُصْبِحُون إلا وقدْ ذَهَب عنهم السُّكْر، حتى نَزَل تَحْرِيم الخَمْرِ على الإطْلَاقِ في سورة المَائِدة. وعن عمر [بن الخطاب: ﵁] ؛ أنه لما بلغَهُ ذلك قال: «اللهم إنَّ الخَمْر تضر بالعُقُولِ والأمْوَال، فأنزل فيها أمْرَكَ» قال: فَصَبَّحهم الوَحْي بآيَةِ المائِدَةِ. قوله: «لا تقربوا الصلاة» فيه وجهان:

стр. 3466

أحدهما: أن في الكَلَامِ حذف مُضافٍ، تقديره: مواضع الصَّلاةِ والمراد بمواضعها المَسَاجد، ويؤيِّدُه قوله بعد ذلك: «إلا عابري سبيل» في أحد التَّأويلَيْن. والثاني: أنه لا حَذْف، والنَّهْي عن قُرْبَان نفس الصَّلاةِ في هذه الحالةِ. فصل قال بَعْضُهم: إن هذا يكون من باب إطْلَاق اسم الحَالِ على المَحَلِّ، وعلى الأوَّل: لمنع السَّكْرَان [والجُنْب] من المسْجِد إلا عابري سبيل، فيجوز للجُنُب العُبُور في المسْجِد. وعلى الثاني: أنه نَهْي للجنب عن الصَّلاة، إلا إذا كان عَابِر سبيلٍ وهو المُسَافِر عند العَجْزِ عن المَاءِ. ورجح أصْحَاب الشَّافعي الأول؛ بأن القُرْب والبعد حقيقةٌ في المسْجِد، مجَازٌ في الصَّلاة، والحقيقة أوْلَى من المجَاز؛ لأن الاسْتِثْنَاء يَصِحُّ عليه، ولا يَصِحُّ على الثَّاني؛ لأن غير العَابِري سبيل والعَاجِزَ عن المَاءِ، والتَّيَمُّم عقبيها، وقد استحب القُرَّاءُ الوقُوفَ عند قوله - تعالى -: «حتى تغتسلوا» ثم يسْتأنف «وإن كنتم مرضى» لأنه حُكم آخر. ورُجِّح ليس فيه قَوْل مَشْرُوع يمنع الشكْر، وأيْضاً سبب النُّزُول يرجِّحُه. قوله: «وأنتم سكارى» مُبْتَدأ وخبر في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من فاعل «تقربوا» ، وقرأ الجُمْهُور «سُكارى» بضم السّين وألف بعد الكَافِ، وفيه قولان: أصحهما: أنه جَمْع تكسير نَصَّ عليه سيبويْه: قال: وقد يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هذا «فُعَلَى» ؛ وذَلِك كقول بعضهم سُكَارَى وعُجَالَى. والثاني: أنه اسم جَمْع، وزعم ابن البَاذش أنه مذْهب سيبويْه؛ قال: وهو القياس؛ لأنه لم يَأتِ من أبْنِيَة الجمع شَيْءٌ على هذا الوَزْنِ، وذكر السَِّيرَافِي الخِلاف، ورجَّحَ كونه تَكْسِيراً.

стр. 3467

وقرأ الأعْمَش: «سُكْرَى» بضم السِّين وسكُون الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على «فُعْلَى» ؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعةِ، أي: وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلَى وكَسْلَى، بضم الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على فُعْلَى «؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعة، أي: وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلى وكَسْلَى، بضم الكَافِ وفتحها؛ قاله الزمخشري. وقرأ النَّخْعي» سَكْرَى «بفتح السِّين وسكون الكَافِ، وهذه تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: ما تقدَّم في القراءة قبلها، وهو أنَّهَ صِفَة مُفْرَدة على» فَعْلَى «؛ كامرأة سَكْرَى، وصف بها الجمَاعة. والثَّاني: أنَّها جَمْع تكسير؛ كجَرْحى، ومَوْتى، وهَلْكى، وإنما جمع سَكْرَان على» فَعْلَى «حملاً على هذه؛ لما فيه من الآفَةِ اللَاّحِقَة للفِعْل، وقد تقدَّم شَيْء من هَذَا في قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى﴾ [البقرة: ٨٥] . وقرئ:» سَكارى «بفتح السين والألف، وهذا جمع تكسير، نحو: نَدْمَان ونَدَامى، وعَطْشَان، وعَطَاشَى، والسُّكْرُ: لُغَة السَّدِّ، ومنه قيل لما يَعرض للمرءِ من شُرْبِ المُسْكِر، لأنَّه يسد ما بين المَرْء وعَقْلِه، وأكثر ما يُقَال ذلك لإزالَتِه بغضب ونحوه، من عشق وغيره قال: [الكامل] ١٨٠٠ - سُكْرَانِ سُكْرُ هَوَى وسُكْرُ مُدَامَةٍ ... أنَّى يُفيقُ فَتًى به سُكْرَانِ و» السكر «بالفتح وسكون اكَافِ: حبس الماءِ، وبكسر السِّين: نفس الموضع السْدُود، وأما» السَّكَر «بفتحيهما فما يسكر به من المشروب، ومنه: ﴿سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] وقيل السُّكْر: بضم السين وسكون الكاف [السّدّ] أي: الحَاجِز بين الشَّيْئَيْن، قال: [الهزج] ١٨٠١ - فمَا زِلنَا عَلَى السُّكْرِ ... نُدَاوِي السُّكْر بالسُّكْرِ والحاصل: أنَّ أصل المادة الدَّلالة على الانْسداد، ومنه: سَكرت عين البَازِي، إذا خَالَطَهَا نوم، وسكر النَّهر؛ إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه أنا، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا

стр. 3468

سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] ، أي: غُشيت، والسُّكْر من الشراب، وهو أن يَنْقَطِع عما عَلَيْه من النَّفَاذ حال الصَّحْو، فلا ينفذ رأيه كنَفَاذَه حَال الصَّحْو، وقال الضحَّاك: أراد به سُكْر النّوم نهى عن الصَّلاة عند غَلَبَة النَّوْم، قال ﵊ ُ -:» إذا نَعسَ أحدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُد حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فإنَّ أحَدَكُم إذا صَلَّى وهو يَنْعَسُ، لَعَلهُ يَذْهَبُ يستَغْفِرُ فَيَسب نَفْسَه «. والصحيح الأوَّل؛ لأن السكر حَقيقةً هو من شُرْب الخَمْرِ، فأمّا السّكر من الغَضَبِ أو العِشْقِ أو النَّوْمِ فَمَجَازٌ، إنما اسْتُعِْمِل مقيَداً؛ قال - تعالى -: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٩] ، ﴿وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى﴾ الحج: ٢] قال الفرزْدَق: [الطويل] ١٨٠٢ - مِنَ السَّيْرِ وَالإسْآدِ حَتَّى كَأنَّمَا ... سَقَاهُ الَرَى فِي مَنْزِلَةٍ خَمْراً ولأن عند النَّوْم تمتلئ مَجَاري الرُّوح من الأبخرة الغليظَة، فلا ينفذ الروح للبَاصِر. قوله - تعالى -:» حتى تعلموا «» حتى «جارَّة بمعنى إلى، فهي مُتعلِّقَةٌ بفعل النَّهْي، والفعل بَعْدَها مَنْصوب بإضمار» أن «وتقدّم تَحْقِيقُه، وقال بَعْضُهم: إن حَتَّى هنا بمعنى [» كَيْ «] فهي» تَعْلِيلِيَّة «، والمَعْنَى: كي تَعْلَمُوا ما تَقُولُون. و «ما» يجوز فيها ثَلَاثَة أوْجُه: أن تكون بِمَعْنَى الَّذِي، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوف، أي: يَقُولُونَهُ، أو مصدرية، فلا حَذْف إلا عَلَى رأي ابن السَّرَّاج ومن تَبِعَهُ. فصل قول البعض بنسخ الآية قال بَعْضهم: هذه الآية مَنْسُوخة بآية المائدة. قال ابن الخَطِيب: والَّذي يمكن النَّسْخُ فيه، أنَّه - تعالى - نَهَى عن قُرْبَان الصَّلاةِ حَالَ السُّكْر مَمْدُوداً إلى غَايَة أن يَصير بِحَيْث يَعْلَم ما يَقُول، والحكم المَمْدُود إلى غاية، يَقْتَضِي انتهاء ذَلِك الحُكْم عند تلك الغَايَةِ، وهذا يَقْتَضِي جواز قُرْبَان الصَّلاة مع

стр. 3469

السُّكْر الذي يَعْلَمُ مِنْهُ ما يَقُول، ومعلوم أنَّ الله - تعالى - لما حرَّم الخَمْر بآية المائدَة، فقد رَفَع هذا الجوازَ، فثبت أن آية المائِدَة ناسِخَةٌ مَدْلُولات هذه الآية. والجواب: أن هَذَا نَهْي عن قُرْبَان الصَّلاة حَال السُّكْرِ، وتخصيصُ الشيء بالذِّكْرِ لا يَدُلُّ على نَفي الْحُكم عما عداه، إلا على سبيل الظَّنِّ الضَّعيف، ومثل هَذَا لا يَكُون نَسْخاً. فصل: التكليف بما لا يطاق قال بَعْضُهم: هذه الآية تَدُلُّ على جواز التَّكْليف بما لا يُطَاق؛ لأنه - تعالى - قال: «ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» ، وهذه جملة حاليَّة، فكأنه - تعالى - قَالَ للسَّكْرَان: لا تُصَلِّ وأنْت سَكْرَان، وهذا خطاب للسكران. والجواب عنه: بأن هذا لَيْس خِطَاباً للسَّكْرَان، بَلْ هو خِطَاب للَّذِين آمَنُوا؛ فكأنه قال: يأيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَسْكَرُوا، فقد نهى عن السُّكْر؛ ونظيره قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو ليس نَهْياً عن المَوْت، وإنما هو أمْر بالمُدَاوَمَةِ على الإسْلامِ، حتى يَأتيهُ المَوْت وهو في تلك الحَالِ. قوله: «ولا جنباً» نصب على أنه مَعْطُوف على الحَالِ قبله، وهو قوله: «وأنتم سكارى» عطف المُفْرَد على الجُمْلَة لمّا كَانَتْ في تأويله، وأعاد معها «لا» تَنْبيهاً على أنَّ النَّهْي عن قُرْبَان الصَّلاة مع كل واحدٍ من هَذَيْن الحَالَيْن على انْفِدَادَهَما، فالنَّهي عنها مع

стр. 3470

اجْتِمَاعِ الحَالَيْنِ آكَدَ وأوْلى، والجُنُبُ مشتقٌّ من الجَنَابَة وهو البُعْدُ؛ قال: [الطويل] ١٨٠٣ - فَلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ ... فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَريبُ وسمي الرَّجُل جُنُباً: لبعده عن الطَّهَارةِ؛ أو لأنهَّ ضَاجَع بِجَنْبِه وَمسَّ به، والمشْهُور أنه يستعمل بِلَفْظٍ واحدٍ كالمُفْرد والمُثَنَّى والمَجْمُوع، والمُضكَّر والمُؤنَّث، ومنه الآية الكَرِيمة. قال الزمخشري: لجريانه مَجْرَى المصدَرِ الذي هو الإجْنَابُ، ومن العَرَب من يُثَنِّيه فيَقول جُنُبَان ويجمعه جمع سَلَامة فيقول: جُنُبُون، وتكْسِيراً فيقول: أجْنَاب، ومثله في ذلك شُلُل، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. قوله: «إلا عابري سبيل» فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوب على الحَالِ فهو استثْناء مُفَرَّغ، والعامِل فيها فِعْل النَّهْي، والتَّقْدير: «لا تقربوا الصلاة في حالة [الجنابة إلا في حال السفر] أو عُبُور المَسْجِد على حَسَب القَوْلَيْن. وقال الزَّمَخْشَريّ: «إلا عابري سبيل» استثنَاء من عامَّة أحوال المُخَاطبين، وانتصَابه على الحال. فإن قُلْت «كيف جَمَع بين هذه الحَال، والحَالِ التي قَبْلَها. قلت: كأنه قيل: لا تَقْرَبُوا الصَّلاة في حال الجَنابة: إلا ومَعَكُم حالٌ أخْرَى تَعْتَذِرون فيها: السَّفَر وعُبُور السًّبِيل عبارة عَنْه. والثَّاني: أنه مَنْصُوب على أنه صِفَةٌ لقوله» جنباً «ب» إلَاّ «بمعنى» غبر «، فظهر الإعْرَاب فيما بَعْدَهَا، وسيأتي لهذا مزيد بَيَانٍ عند قوله - تعالى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] كأن قيل:» لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل «، أي: جُنُباً مُقِيمين غير مَعْذُورين، وهذا معنى وَاضِحٌ على تَفْسير العُبُور بالسَّفر، وهذا قَوْل عَلِيّ وابن عبَّاس، وسَعيد بن جُبَيْرٍ، ومُجَاهِد قالوا: مَعْنَاه إلَاّ أن تكُونُوا مُسَافرين ولا تَجدُون المَاءَ فَتَيَمَّمُوا؛ مَنَع الجُنُب من الصَّلاة [حتى يَغْتَسِل، إلا أن يَكُونَ في سَفَر ولا يجدهَا فيصلّي بالتيمم وأمَّا من قدَّر مَوَاضِعَ الصَّلاة] فالمعنى عنده: لا تَقْرَبُوا المَساجِد
следующие страницы →