Полный текст (12 961 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
أحدهما: أن في الكَلَامِ حذف مُضافٍ، تقديره: مواضع الصَّلاةِ والمراد بمواضعها المَسَاجد، ويؤيِّدُه قوله بعد ذلك: «إلا عابري سبيل» في أحد التَّأويلَيْن.
والثاني: أنه لا حَذْف، والنَّهْي عن قُرْبَان نفس الصَّلاةِ في هذه الحالةِ.
فصل
قال بَعْضُهم: إن هذا يكون من باب إطْلَاق اسم الحَالِ على المَحَلِّ، وعلى الأوَّل: لمنع السَّكْرَان [والجُنْب] من المسْجِد إلا عابري سبيل، فيجوز للجُنُب العُبُور في المسْجِد.
وعلى الثاني: أنه نَهْي للجنب عن الصَّلاة، إلا إذا كان عَابِر سبيلٍ وهو المُسَافِر عند العَجْزِ عن المَاءِ.
ورجح أصْحَاب الشَّافعي الأول؛ بأن القُرْب والبعد حقيقةٌ في المسْجِد، مجَازٌ في الصَّلاة، والحقيقة أوْلَى من المجَاز؛ لأن الاسْتِثْنَاء يَصِحُّ عليه، ولا يَصِحُّ على الثَّاني؛ لأن غير العَابِري سبيل والعَاجِزَ عن المَاءِ، والتَّيَمُّم عقبيها، وقد استحب القُرَّاءُ الوقُوفَ عند قوله - تعالى -: «حتى تغتسلوا» ثم يسْتأنف «وإن كنتم مرضى» لأنه حُكم آخر.
ورُجِّح ليس فيه قَوْل مَشْرُوع يمنع الشكْر، وأيْضاً سبب النُّزُول يرجِّحُه.
قوله: «وأنتم سكارى» مُبْتَدأ وخبر في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من فاعل «تقربوا» ، وقرأ الجُمْهُور «سُكارى» بضم السّين وألف بعد الكَافِ، وفيه قولان:
أصحهما: أنه جَمْع تكسير نَصَّ عليه سيبويْه: قال: وقد يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هذا «فُعَلَى» ؛ وذَلِك كقول بعضهم سُكَارَى وعُجَالَى.
والثاني: أنه اسم جَمْع، وزعم ابن البَاذش أنه مذْهب سيبويْه؛ قال: وهو القياس؛ لأنه لم يَأتِ من أبْنِيَة الجمع شَيْءٌ على هذا الوَزْنِ، وذكر السَِّيرَافِي الخِلاف، ورجَّحَ كونه تَكْسِيراً.
стр. 3467
وقرأ الأعْمَش: «سُكْرَى» بضم السِّين وسكُون الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على «فُعْلَى» ؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعةِ، أي: وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلَى وكَسْلَى، بضم الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على
فُعْلَى «؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعة، أي: وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلى وكَسْلَى، بضم الكَافِ وفتحها؛ قاله الزمخشري.
وقرأ النَّخْعي» سَكْرَى «بفتح السِّين وسكون الكَافِ، وهذه تَحْتَمِل وَجْهَيْن:
أحدهما: ما تقدَّم في القراءة قبلها، وهو أنَّهَ صِفَة مُفْرَدة على» فَعْلَى «؛ كامرأة سَكْرَى، وصف بها الجمَاعة.
والثَّاني: أنَّها جَمْع تكسير؛ كجَرْحى، ومَوْتى، وهَلْكى، وإنما جمع سَكْرَان على» فَعْلَى «حملاً على هذه؛ لما فيه من الآفَةِ اللَاّحِقَة للفِعْل، وقد تقدَّم شَيْء من هَذَا في قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى﴾ [البقرة: ٨٥] .
وقرئ:» سَكارى «بفتح السين والألف، وهذا جمع تكسير، نحو: نَدْمَان ونَدَامى، وعَطْشَان، وعَطَاشَى، والسُّكْرُ: لُغَة السَّدِّ، ومنه قيل لما يَعرض للمرءِ من شُرْبِ المُسْكِر، لأنَّه يسد ما بين المَرْء وعَقْلِه، وأكثر ما يُقَال ذلك لإزالَتِه بغضب ونحوه، من عشق وغيره قال: [الكامل]
١٨٠٠ - سُكْرَانِ سُكْرُ هَوَى وسُكْرُ مُدَامَةٍ ... أنَّى يُفيقُ فَتًى به سُكْرَانِ
و» السكر «بالفتح وسكون اكَافِ: حبس الماءِ، وبكسر السِّين: نفس الموضع السْدُود، وأما» السَّكَر «بفتحيهما فما يسكر به من المشروب، ومنه: ﴿سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] وقيل السُّكْر: بضم السين وسكون الكاف [السّدّ] أي: الحَاجِز بين الشَّيْئَيْن، قال: [الهزج]
١٨٠١ - فمَا زِلنَا عَلَى السُّكْرِ ... نُدَاوِي السُّكْر بالسُّكْرِ
والحاصل: أنَّ أصل المادة الدَّلالة على الانْسداد، ومنه: سَكرت عين البَازِي، إذا خَالَطَهَا نوم، وسكر النَّهر؛ إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه أنا، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا
стр. 3468
سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] ، أي: غُشيت، والسُّكْر من الشراب، وهو أن يَنْقَطِع عما عَلَيْه من النَّفَاذ حال الصَّحْو، فلا ينفذ رأيه كنَفَاذَه حَال الصَّحْو، وقال الضحَّاك: أراد به سُكْر النّوم نهى عن الصَّلاة عند غَلَبَة النَّوْم، قال ﵊ ُ -:» إذا نَعسَ أحدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُد حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فإنَّ أحَدَكُم إذا صَلَّى وهو يَنْعَسُ، لَعَلهُ يَذْهَبُ يستَغْفِرُ فَيَسب نَفْسَه «.
والصحيح الأوَّل؛ لأن السكر حَقيقةً هو من شُرْب الخَمْرِ، فأمّا السّكر من الغَضَبِ أو العِشْقِ أو النَّوْمِ فَمَجَازٌ، إنما اسْتُعِْمِل مقيَداً؛ قال - تعالى -: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٩] ، ﴿وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى﴾ الحج: ٢] قال الفرزْدَق: [الطويل]
١٨٠٢ - مِنَ السَّيْرِ وَالإسْآدِ حَتَّى كَأنَّمَا ... سَقَاهُ الَرَى فِي مَنْزِلَةٍ خَمْراً
ولأن عند النَّوْم تمتلئ مَجَاري الرُّوح من الأبخرة الغليظَة، فلا ينفذ الروح للبَاصِر.
قوله - تعالى -:» حتى تعلموا «» حتى «جارَّة بمعنى إلى، فهي مُتعلِّقَةٌ بفعل النَّهْي، والفعل بَعْدَها مَنْصوب بإضمار» أن «وتقدّم تَحْقِيقُه، وقال بَعْضُهم: إن حَتَّى هنا بمعنى [» كَيْ «] فهي» تَعْلِيلِيَّة «، والمَعْنَى: كي تَعْلَمُوا ما تَقُولُون.
و «ما» يجوز فيها ثَلَاثَة أوْجُه: أن تكون بِمَعْنَى الَّذِي، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوف، أي: يَقُولُونَهُ، أو مصدرية، فلا حَذْف إلا عَلَى رأي ابن السَّرَّاج ومن تَبِعَهُ.
فصل قول البعض بنسخ الآية
قال بَعْضهم: هذه الآية مَنْسُوخة بآية المائدة.
قال ابن الخَطِيب: والَّذي يمكن النَّسْخُ فيه، أنَّه - تعالى - نَهَى عن قُرْبَان الصَّلاةِ حَالَ السُّكْر مَمْدُوداً إلى غَايَة أن يَصير بِحَيْث يَعْلَم ما يَقُول، والحكم المَمْدُود إلى غاية، يَقْتَضِي انتهاء ذَلِك الحُكْم عند تلك الغَايَةِ، وهذا يَقْتَضِي جواز قُرْبَان الصَّلاة مع
стр. 3469
السُّكْر الذي يَعْلَمُ مِنْهُ ما يَقُول، ومعلوم أنَّ الله - تعالى - لما حرَّم الخَمْر بآية المائدَة، فقد رَفَع هذا الجوازَ، فثبت أن آية المائِدَة ناسِخَةٌ مَدْلُولات هذه الآية.
والجواب: أن هَذَا نَهْي عن قُرْبَان الصَّلاة حَال السُّكْرِ، وتخصيصُ الشيء بالذِّكْرِ لا يَدُلُّ على نَفي الْحُكم عما عداه، إلا على سبيل الظَّنِّ الضَّعيف، ومثل هَذَا لا يَكُون نَسْخاً.
فصل: التكليف بما لا يطاق
قال بَعْضُهم: هذه الآية تَدُلُّ على جواز التَّكْليف بما لا يُطَاق؛ لأنه - تعالى - قال: «ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» ، وهذه جملة حاليَّة، فكأنه - تعالى - قَالَ للسَّكْرَان: لا تُصَلِّ وأنْت سَكْرَان، وهذا خطاب للسكران.
والجواب عنه: بأن هذا لَيْس خِطَاباً للسَّكْرَان، بَلْ هو خِطَاب للَّذِين آمَنُوا؛ فكأنه قال: يأيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَسْكَرُوا، فقد نهى عن السُّكْر؛ ونظيره قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو ليس نَهْياً عن المَوْت، وإنما هو أمْر بالمُدَاوَمَةِ على الإسْلامِ، حتى يَأتيهُ المَوْت وهو في تلك الحَالِ.
قوله: «ولا جنباً» نصب على أنه مَعْطُوف على الحَالِ قبله، وهو قوله: «وأنتم سكارى» عطف المُفْرَد على الجُمْلَة لمّا كَانَتْ في تأويله، وأعاد معها «لا» تَنْبيهاً على أنَّ النَّهْي عن قُرْبَان الصَّلاة مع كل واحدٍ من هَذَيْن الحَالَيْن على انْفِدَادَهَما، فالنَّهي عنها مع
стр. 3470
اجْتِمَاعِ الحَالَيْنِ آكَدَ وأوْلى، والجُنُبُ مشتقٌّ من الجَنَابَة وهو البُعْدُ؛ قال: [الطويل]
١٨٠٣ - فَلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ ... فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَريبُ
وسمي الرَّجُل جُنُباً: لبعده عن الطَّهَارةِ؛ أو لأنهَّ ضَاجَع بِجَنْبِه وَمسَّ به، والمشْهُور أنه يستعمل بِلَفْظٍ واحدٍ كالمُفْرد والمُثَنَّى والمَجْمُوع، والمُضكَّر والمُؤنَّث، ومنه الآية الكَرِيمة.
قال الزمخشري: لجريانه مَجْرَى المصدَرِ الذي هو الإجْنَابُ، ومن العَرَب من يُثَنِّيه فيَقول جُنُبَان ويجمعه جمع سَلَامة فيقول: جُنُبُون، وتكْسِيراً فيقول: أجْنَاب، ومثله في ذلك شُلُل، وقد تقدَّم تحقيق ذلك.
قوله: «إلا عابري سبيل» فيه وجهان:
أحدهما: أنه مَنْصُوب على الحَالِ فهو استثْناء مُفَرَّغ، والعامِل فيها فِعْل النَّهْي، والتَّقْدير: «لا تقربوا الصلاة في حالة [الجنابة إلا في حال السفر] أو عُبُور المَسْجِد على حَسَب القَوْلَيْن.
وقال الزَّمَخْشَريّ: «إلا عابري سبيل» استثنَاء من عامَّة أحوال المُخَاطبين، وانتصَابه على الحال.
فإن قُلْت «كيف جَمَع بين هذه الحَال، والحَالِ التي قَبْلَها.
قلت: كأنه قيل: لا تَقْرَبُوا الصَّلاة في حال الجَنابة: إلا ومَعَكُم حالٌ أخْرَى تَعْتَذِرون فيها: السَّفَر وعُبُور السًّبِيل عبارة عَنْه.
والثَّاني: أنه مَنْصُوب على أنه صِفَةٌ لقوله» جنباً «ب» إلَاّ «بمعنى» غبر «، فظهر الإعْرَاب فيما بَعْدَهَا، وسيأتي لهذا مزيد بَيَانٍ عند قوله - تعالى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] كأن قيل:» لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل «، أي: جُنُباً مُقِيمين غير مَعْذُورين، وهذا معنى وَاضِحٌ على تَفْسير العُبُور بالسَّفر، وهذا قَوْل عَلِيّ وابن عبَّاس، وسَعيد بن جُبَيْرٍ، ومُجَاهِد قالوا: مَعْنَاه إلَاّ أن تكُونُوا مُسَافرين ولا تَجدُون المَاءَ فَتَيَمَّمُوا؛ مَنَع الجُنُب من الصَّلاة [حتى يَغْتَسِل، إلا أن يَكُونَ في سَفَر ولا يجدهَا فيصلّي بالتيمم وأمَّا من قدَّر مَوَاضِعَ الصَّلاة] فالمعنى عنده: لا تَقْرَبُوا المَساجِد
стр. 3471
جُنُباً إلا مُجْتَازين؛ لكونه لا مَمَرَّ سواه، وهو قول عبد الله بن مَسْعُود، وسعيد بن المسيَّب، والحسن، وعِكْرِمَة، والنَّخعِي، والزُّهري، وذلك أن قَوْماً من النْصار، كانت أبوابُهم في المَسْجِد، فتُصيبهم الجَنَابة، ولا مَاء عندهم، ولا مَمَرَّ لهم إلا في المَسْجِد، فَرُخِّصَ لهم في العُبُور، قالوا: والمُراد من الصَّلاةِ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] والمعنى: لا تَقْرَبُوا المسجد وأنتم جُنُب، إلا مُجْتازين فيه للخُرُوجِ منه، مثل أن يَنَام في المَسْجِد، فَيَجْنُبُ أو تُصِيبُه جَنَابة والماءُ في المَسْجِد، والعُبُور الجَوَاز؛ ومنه:» نَاقَةٌ عُبْرُ الهَوَاجِر «قال: [الكامل]
١٨٠٤ - عَيْرَانَةُ سُبُحُ اليَدَيْنِ شِمِلَّةٌ ... عُبْرُ الهَوَاجِرِ كالهِزَفِّ الخَاضِبِ
وقوله:» حتى تغتسلوا «؛ كقوله:» حتى تعلموا «فهي مُتعلَّقة بفعل النَّهِي.
فصل: حكم عبور المسجد للجنب
اختلفوا في عُبُور المَسْجِد للجُنُب، فأبَاح الحَسَنُ ومَالِكٌ والشَّافِعِيُّ المُرور فيه على الأطلاقِ، وهو قَوْل أصْحَاب الرأي، وقال بَعْضُهم: يَتَيَمَّمُ للمرور فيه، وأما المُكْثُ فلا يجوز عند أكْثرِ العُلَمَاء؛ لقول النَّبِي ﷺ َ» وَجَّهُوا [هذه البُيُوت عن المَسْجِد] فَإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ «وجوّز أحْمَدُ المُكْثَ فيه، وضعَّف الحديث؛ لأن رَاويه مَجْهُول.
قوله:» وإن كنتم مرضى «جمع مَريض، وأراد به مَرَضاً يَضُرُّه أساس الماء كالجُدَرِي والقُرُوح العَظيمَة، أو كان على مَوْضِع طَهَارته جِرَاح يخاف من اسْتِعْمَال الماء التَّلف، أو زيادة المَرَضِ، فإنه يُصَلِّي بالتَّيَمُّمِ وإن كان مَوْجُوداً، وإن كان بَعْض أعضاء طهارته صحيحاً والبَعْض جَريحاً، غسل الصَّحيحَ، وتيَمَّم عن الجَرِيح؛ لما رَوَى جَابر؛ قال: خَرَجْنَا في سَفَرٍ، فأصَابَ رَجُلاً منا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ في رَأسِهِ فاحْتَلَم، فسَال أصْحَابَهُ هلْ تجدُون رُخْصَة في التَّيَمُّم؟ قَالُوا: ما نَجِدُ لك رُخْصَة في التَّيَمُّم، وأنت قَتَلَهُم اللهُ إلا سَألُوا إذ لَمْ يَعْلَمُوا، فإنما شِفَاء العيِّ السُّؤالُ، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعْصِر أو يَعْصِب - شك الراوي - على جُرْحِهِ
стр. 3472
خِرْقَة، ثم يَمْسَح عليها ويَغْسِل سَائِر جَسَده.
ولم يجوِّز أصْحَاب الرَّأي الجمع بين التَّيَمُّم والغُسْل، وقالوا: إن كَانَ أكْثَر أعْضَائه وصَحِيحاً، غسل الصَّحيحَ وكَفَاهُ، وإن كان الأكْثَر جَريحاً، اقْتَصر على التَّيَمُّم، والحديث حُجَّةٌ عليهم.
قوله: «أو على سفر» في محلِّ نصبٍ عطفاً على خَبَر كان، وهو المَرْضَى؛ وكذلك قَولُه: «أو جاء أحد منكم» «أو لامستم النساء» ، وفيه دليلٌ على مجيء [خبر] كان فِعْلاً مَاضياً من غَيْر «قَدْ» ، وادِّعاء حَذْفها تكلُّفٌ لا حَاجَة إلَيْه؛ كذا اسْتَدَلَّ به أبو حيان، ولا دليل فيه؛ لاحْتِمَال أن يَكُون «أو جاء» عَطْفاً على «كنتم» تَقْديره: وإن جَاءَ أحَدٌ، وإليه ذهَب أبُو البَقِاء، وهو أظْهَر من الأوَّل والله أعلم.
فصل
أراد مُطْلق السَّفَر طويلاً كان أو قَصيراً، إذا عَدِمَ المَاءَ فإنه يُصَلِّي بالتَّيَمُّم، ولا إعادة عَلَيه؛ لما روي عن أبِي ذرٍّ؛ قال: قال النَّبي ﷺ َ: «إنَّ الصَّعيد الطَّيِّبَ وضُوء المسْلِمِ، وإن لم يَجد المَاءَ عَشْرَ سِنِين، فإذا وَجَد المَاءَ، فَلْيَمُسَّهُ بَشَرتهُ فإن لم يَكُن مَرِيضاً ولا في سَفَرِ، ولكنه عَدِم المَاءَ في مَوْضِع لا يُعْدَم فيه المَاءُ غَالِباً: كقرية انقطع مَاؤُهَا فقال بَعْضُهم يصلِّي بالتَّيَمُّم، ويُعيدُ إذا قدر على المَاءِ» ، وقال آخَرُون: لا إعَادة [عَلَيْه] وهو قول الأوْزَاعِي ومَالِكٍ، وقال أبو حَنيفَة: يؤخِّر الصَّلاة حتى يجد المَاءَ. وقوله: «أو جاء أحد منكم من الغائط» أراد به: إذا أحْدَث، وقوله: «أو جاء أحد» يدل على الانتقال من مَكَان الغائِط والانتقَال عنه.
و «منكم» في مَحَلِّ رفع؛ لأنه صِفَة لأحد فَيَتعلَّق بمحذوف، و «من الغائط» متعلِّق ب «جَاءَ» فهو مَفْعُوله، وقرأ الجُمْهُور: «الغائط» بزنة «فَاعِل» وهو المكان المُطَمْئِن من الأرْضِ [وجَمْعُه الغيطان ثم عَبَّر عَن الحَدَثِ كِناية؛ للاستحْيَاء من ذِكْره، وفرَّقت] العرب بين الفِعْلَيْن منه، فقالت: غَاطَ في الأرض، أي: ذَهَب وأبْعَد إلى مَكَانِ لا يَراهُ فيه إلا من وَقَف عليه، وتَغَوَّط: إذا أحْدَث.
стр. 3473
وقرأ ابن مَسْعُود: «من الغيط» وفيه قَوْلَان:
أحدهما: وإليه ذهب ابن جني: أنه مُخَفَّف من «فَيْعِل» ؛ كهَيْن، ومَيْت [في هَيِّن ومَيِّت] .
والثاني: أنه مَصْدر على وَزْن «فَعَل» قالوا: غَاطَ يَغيطُ غَيْطاً، وغَاطَ يَغُوطُ غَوْطاً.
وقال أبو البَقَاء: هو مَصْدرَ «يغوط» فكان القياس «غوطاً» فقلبت الوَاوُ ياءً، و [إن] سُكِّنت وانْفتح ما قبلها لِخفَّتِها كأنه لم يطَّلِع على أنَّ فيه لُغَة أخْرَى من ذَوَات اليَاءِ حتى ادّعى ذَلِك.
قوله: «أو لامستم المساء» قرأ الأخوان هنا، وفي المَائِدَة: «لمستم» ، والباقون: «لامستم» [فقيل] فَاعَلَ بمعنى فَعَل، وقيل لمس: جامع، ولامَس «لِما دُون الجِمَاع.
قال ابن عباس والحسن ومُجَاهِد وقتَادَة: كُنِّي باللَّمْس عن الجِماع؛ لأن اللَّمْسَ يُوصِل إلى الجِمَاع، ولأن اللَّمْس والمَسَّ وردَا في القُرْآن كِناية عن الجَماع [في] قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ، و ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولأن الحَدَثَ الأصْغر مَذْكُور في قوله:» أو جاء أحد منكم من الغائط «فلو حُمَل
стр. 3474
اللمس على الأصْغر، لم يَبْق للحدث الأكْبر ذِكْرٌ، وقال ابن مَسْعُود، وابن عُمَر، والشعبي، والنَّخعِي، هما التقاء البَشَرتَيْن سواءٌ كان بِجِماع أو غير جِمَاع؛ لأن حُكْم الجَنَابَة تقدَّم في قوله:» ولا جنباً «فلو حَمَلْنَا اللَّمس على الجَنَابةِ، لزم التّكْرَارُ.
قوله:» فلم تجدوا «الفَاء عَطَفت ما بَعْدَها على الشَّرْط، وقال أبُو البَقَاءِ: على» جَاء «لأنه جَعَل» جَاء «عطفاً على» كنتم «، فهو شرْط عنده، والفاءُ في قَوْله:» فتيمموا «هي جَوَاب الشَّرط، والضَّمِير في» تيمموا «لِكُلِّ من تَقَدَّم؛ من مريض ومُسَافرٍ ومُتغوِّط ومُلامِس أوْ لامسِ، وفيه تَغْليبٌ للخطاب على الغَيْبَة؛ وذلك أنَّهُ تقدَّم غَيْبَة في قوله:» أو جاء أحد «وخطاب في» كنتم «، و» لمستم «فغلَّب الخطاب، في قوله:» كنتم «وما بَعْده عليه، وما أحْسَن ما أتي هُنا بالغَيْبَة، لأنه كِنَاية عما يُسْتَحْيَا منه فَلَم يُخَاطِبْهم به، وهذا من مَحَاسِنِ الكَلامِ؛ ونحوه قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] [و» وجَد «هنا بمعنى» لقِيَ «] فتعدت لِوَاحِدٍ و» صعيداً «مفعول به لقوله» تيمموا «أي: اقْصدُوا.
وقيل: هو على إسْقَاطِ حَرْفٍ، اي: بصعيدٍ، وليس بشيءٍ لعدم اقْتِيَاسه، والصَّعيد» فَعِيلٌ «بمعنى الصَّاعد، [قيل: الصَّعيد] : وَجْه الأرْضِ تراباً كَانَ أوْ غيره.
فصل: الخلاف في وجوب تكرار طلب الماء في الصلاة الثانية
قَال الشَّافِعِي: إذا دخل وَقْتُ الصلاة فَطَلَب المَاءَ ولم يجد النَاءَ، وتيمم وصلَّى، ثم دَخَل وقْتُ الصَّلاةِ الثَّانية، يجب عليه الطلب ثانياً؛ لقوله» فلم تجدوا «وهذا يشعر بسَبْق الطَّلَب.
وقال أبو حنيفَة: لا يجب، واعْتَرض على الآيةِ بأن قوله:» فلم تجدوا «لا يُشْعر بسبق الطلب؛ قال - تعالى -: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى وَوَجَدَكَ عَآئِلاً﴾ [الضحى: ٧، ٨] ، ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾
[طه: ١١٥] وهذا لا يَسْبِقُه طَلَبٌ؛ لاستِحَالَتِه على الله - تعالى -.
فصل
قال أبو حنيفَة: التيمم هو القَصْد، والصَّعيد وهو ما يَصْعَد من الأرْض؛ فقوله «فتيمموا صعيداً طيِّباً» أي: اقْصُدوا أرْضاً، وقال الشَّافعي: هذه الآيةُ مطْلَقَة، وآية المائدة مُقيَّدة بقَوْله: ﴿مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وكلمة «مِنْ» للتَّبعيض، وهذا لا يَتَأتَّى في
стр. 3475
الصَّخْر الذي لا تُرَابَ علَيْه، فوجب حمل المُطْلَقِ على المُقَيَّد.
فإن قيل: إن كَلِمَة «مِنْ» لابْتداء الغَايَة، قال صَاحِب الكَشَّاف لا يَفْهَم أحدٌ من العرب من قَوْل القائِل: مَسَحْتُ برأسِهِ من الدُّهْن ومن المَاءِ ومن التُّرَاب، إلا مَعْنى التَّبْعيض.
ثم قال: والإذْعَان للحَقِّ أحقُّ من المِرَاء.
وقال الوَاحِدي: إنه - تعالى - قال: «صعيداً طيباً» والأرْض الطَّيِّبَة التي تُنْبِتُ؛ لقوله - تعالى -: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] ، وقال ﵊ ُ -: «التُّرابُ طَهُور المُسْلمِ إذَا لَمْ يجدِ المَاءَ» .
قوله: «فامحسوا بوجوهكم» هذا الجَارُّ متعلِّق ب «امسحوا» وهذه الباء يُحْتَمَل أن تكون زَائِدة، وبه قال أبُو البَقِاء، ويحتمل أن تكُون مُتعدِّية؛ لأن سيبويْه حكى: مَسَحْتُ رَاسه وبِرأسه، فيكون من بَابِ نَصَحْتُه ونَصَحْتُ له، وحذف المَسْمُوح به، وقد ظَهَر في آية المَائِدة، في قوله: ﴿مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فحُمِلَ عَلَيْه هذا.
ثم قال - تعالى -: «إن الله كان غفوراً رحيماً» وهو كِناية عن التَّرخيص والتَّيْسِير لأن من غَفَر للمذْنِبين، فبِأن يُرَخّص للعَاجِزين أوْلَى.
فصل
قال القرطبي: أجْمَع العلماءُ على أن التَّيَمُّم لا يَرْفعَ الجَنَابَة، ولا الحَدَث، وأن المُتَيِّمم لَهُما إذا وجد المَاءَ، عاد جُنُباً أو مُحْدِثاً كما كان؛ لقوله ﵇ لأبي ذر: «إذَا وَجَدْت المَاءَ، فأمِسَّهُ جِلْدَكَ» .
فصل
قال القرطبي: والمَسْحُ لفظ مُشْتَرَك يكون بمعنى الجماع، يقال: مَسَح الرَّجُل المَرْأة، إذا جَامَعهَا، والمَسْحُ: مسْح الشيء بالسَّيْف وقَطْعه به، ومَسَحَت الإبل يَوْمَها إذا سَارَت، والمسْحَاءُ المرأة الرسماء التي لا أسْت لها، ولِفُلان مَسْحَة من جمالٍ، والمُرادُ هُنا بالمَسْحِ: عبارة عن مَرِّ اليد على المَمْسُوح.
стр. 3476
لما ذكر - تعالى - أنْوَاع التَّكَالِيف من أوَّل السُّورة إلى هنا، ذكر أقَاصيص
стр. 3477
المُتقدِّمين؛ لأن الانْتَقال من نَوْع من العُلُومِ إلى نَوع آخر كأنه يُنَشِّط الخَاطِر، وقد تقدَّم الكلام في قوله - تعالى - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والمراد ب «الذين أوتوا نصيباً من الكتاب» هم اليَهُود «.
وقال ابن عبَّاس: نزلت هذه الآيةُ في حَبْرٍ من أحْبار اليَهُود، كانا يأتِيَان رَأس المُنَافِقِين عبد الله أبيّ [ابن سَلُول] ورَهْطه، يُثَبِّطُونهُم عن الإسْلَام.
وعن ابن عباس أيضاً؛ قال: نزلَتْ في رفاعة بن زَيْدٍ، ومالك بن دخشم، كَانَا إذا تَكَلم رسُول الله ﷺ َ لوياً لِسَانَهُمَا، وعَابَاه، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية.
قوله:» من الكتاب «فيه وَجْهَان:
أحدهما: أنه مُتَعِّق بمحْذُوفٍ، إذ هو صِفَة ل» نصيباً «فهو في مَحَلِّ نصبٍ.
والثاني: متعلَِّق ب» أوتوا «أي أُوتوا من الكِتاب نصيباَ، و» يشترون «: حالٌ، وفي صاحبها وَجْهَان:
أحدهما: أنه واو» [أوتوا] «.
والثاني: أنه المَوْصُول وهي على هذا حَالٌ مُقَدرة، والمُشْتَري به مَحْذُوف، أي: بالهُدَى، كما صرح به في مَوَاضِع، ومعنى» يشترون «: يستبدِلون الضَّلالة بالهُدَى.
قوله:» ويريدون «عطف على» يشترون «.
وقال النَّخْعِي:» وتريدون أن تضلوا «بتاء الخطاب، والمَعْنَى: تُرِيدُون أيها المؤمنون أن تدَّعو الصَّواب، وقرأ الحسن:» أن تَضِلُّوا «من أضل. وقرئ» أن تُضَلُّوا السبيل «بضم التَّاءِ وفتح الضَّادِ على ما لَمْ يُسَمّ فَاعِلُه، والسَّبيل مفعول به؛ كقولك: أخطأ الطَّريقَ، وليس بِظَرْف، وقيل: يتعدى ب» عن «؛ تقول: ضلَلْت السَّبيل، وعن السَّبيل، ثم قال:» والله أعلم بأعدائكم «أي: أعْلَم بما في قُلُوبهم وصدورهم من العَدَاوة والبَغْضاء.
قوله:» وكفى بالله ولياً «تقدم الكلام عليه أوّل السُّورة، وكذا الكلام في المَنْصُوب
стр. 3478
بَعْده، والمعنى: أنه - تعالى - لما بيَّن شِدَّة عداوتِهم للمسْلِمين، بين أنه - تعالى - وليُّ المؤمِنين ونَاصِرُّهُم.
فإن قيل: ولاية الله لعبده عِبَارةَ عن نُصْرَته، فَذَكْر النَّصِير بعد ذِكر الوَلِي تكْرَارٌ.
فالجواب: أن الوَلِيَّ هو المُتَصرِّف في الشَّيْء، والمتصرِّف في الشَّيء يجب أن يكُونَ نَاصِراً.
فإن قيل: ما الفَائِدة من تكْرار قوله:» وكفى بالله «.
فالجواب: أن التِّكْرَا في مِثْل هذا المقَام يكون أشَد تَأثِيراً في القَلِب، وأكْثَر مُبَالَغَة.
فإن قيل: ما فائدة تكرار الباء في قوله:» بالله «فذكروا وجوهاً:
أحدها: لَوْ قيل: كفى الله، يتصل الفِعْل بالفَاعِل ثم ههُنا زيدَت البَاء إيذَاناً بأن الكفاية منالله لَيْسَت كالكِفَايَة من غَيْره.
وثانيها: قال ابن السَّرَّاج: تقديره: كفى اكْتِفَاؤُه بالله وَليًّا، ولما ذكرت» كفى «دلَّ على الاكتفاءِ؛ كما تقول: من كذب كان شَرّاً له، أي: كان الكَذِبُ شرًّا له، فأضمرته لدلالة الفِعْل عليه.
وثالثها: قال ابنُ الخَطيب: البَاءُ في الأصْل للإلْصَاقِ، وإنما يَحْسُن في المؤثِّر لذي لا وَاسِطَة بَيْنَهُ وبين التَّأثِير، فلو قيل: كَفَى اللهُ، دلَّ ذلك على كَوْنَهَ فاعلاً لهذه الكِفَايَةِ، ولكن لا يَدُلُّ [ذَلِك على أنَّهُ فعل] بِواسِطَة أو غير وَاسِطَة، فإذا ذَكَرْت البَاء، دلَّ على أنه - تعالى - يَفْعَل بغير واسِطَة، بل هو - تعالى - يتكفَّل به ابتداء من غير واسطَة؛ كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ [ق: ١٦] .
стр. 3479
قوله تعالى: [ ﴿مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ] الآية.
لما حكَى عنهم أنَّهم يَشْترون الضلالة، بيَّن تلك الضَّلالَةَ ما هي.
قوله: «من الذين هادوا» فيه سَبْعَةُ أوْجُه:
стр. 3480
أحدها: أن يكُون «من الذين» خبر مُقدم، و «يحرفون» جُمْلَة في محلِّ رفع صِفَة لموصُوف مَحْذوف هو مُبْتَدأ، تقديره: مِنَ الذين هَادُوا قومٌ يُحَرِّفون، وحَذْف الموْصُوف بَعْد «مِنَ» التَّبِعِيضيَّة جَائِزٌ، وإنْ كانت الصِّفَة فِعْلاً؛ كقولهم «مّنَّا ظَعَنَ، ومَنَّا أقَامَ» ، أي: فريقٌ أقام، وهذا مَذْهَب سيبويه والفارسِي؛ ومثله: [الطويل]
١٨٠٥ - وَمَا الدَّهْرُ إلا تارتانِ فَمِنْهُمَا ... أمُوتُ وأخرى أبْتَغِي العَيْشَ أكدحُ
أي: فمنهما تَارةٌ أمُوت فِيها.
الثاني: قول الفرَّاء، وهو أن الجَارَّ والمجرور خَبَر مقدَّم أيضاً، ولكن المُبْتدأ المحذُوف يقدره مَوصولاً، تقديره: «من الذين هادوا من يحرفون» ، ويكون قد حمل على المَعنى في «يحرفون» قال الفرَّاء: ومِثْله [قول ذي الرِّمَّة] [الطويل]
١٨٠٦ - فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ ... وآخَرُ يَثْنِي دَمْعه العَيْنِ بِاليَدِ
قال: تقديره، ومنهم [مَنْ] دَمْعه سَابِقٌ لَهُ، والبَصْرِيُّون لا يُجَوِّزُونَ حذف الموصُولِ؛ لأنه جُزْءُ كلمة، وهذا عِنْدَهم مؤولٌ على حَذْفِ موصوفٍ كما تَقَدَّمَ، وتأويلُهُم أولى لعطفِ النكرة عليه، وهو: آخر وأخْرَى في البَيْت قَبْلَه، فيكون في ذلك دلالةٌ على المَحْذُوفِ، والتقدير: فمنهم عَاشِقٌ سَابِقٌ دَمْعه لَهُ وآخَر.
الثالث: أن «من الذين» خَبَر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: «هم الذين هادوا» ، و «يحرفون» على هذا حَالٌ من ضمير «هادوا» وعلى هذه الأوْجُه الثَّلاثة يكون الكلام قم تَمَّ عند قوله: «نصيراً» .
الرابع: أن يكون «من الذين» حَالاً [من فاعل «يريدون» قاله أبو البقاء، ومنع أن يكُون حالاً] من الضَّمير في «أوتوا» ومن «الذين» أعنِي: في قوله - تعالى -: «ألم تر إلى الذين أوتوا: قال: لأنَّ الحال لا تكُون لِشَيْءٍ واحِدٍ، إلا بعطف بَعْضِها على بَعْضٍ.
стр. 3481
قال شهاب الدين: في هذه المسْألة خلافٌ بين النحويين: منهم من مَنَعَ، وَمِنْهم من جَوَّزَ، وهو الصَّحيح.
الخامس: أن ﴿مِّنَ الذين﴾ بيان للموصول في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ﴾ لأنهم يهُود ونَصَارَى، فَبَيْنَهُم باليهُودِ، قاله الزمخشري، وفيه نظر من حَيْث إنَّه قد فُصِلَ بينهما بثلاثة جمل هي: ﴿والله أَعْلَمُ﴾ ، ﴿وكفى بالله﴾ ، ﴿وكفى بالله﴾ .
وإذا كان الفَارِسيّ قد منع الاعتراض بجُمْلَتيْن، فما بالك بِثلاثٍ، قاله أبو حيان، وفيه نَظَرٌ؛ فإن الجُمَل هنا مُتَعَاطِفَة، والعَطْفُ يصير الشَّيْئيْن شيئاً واحِداً.
السادس: أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم، وما بَيْنَهما اعْتراض أيضاً، وقد عُرِف ما فيه.
السابع: أنه متعلِّق ب ﴿نَصِيراً﴾ وهذه المادَّة تتعَدَّى ب» مِن «؛ قال - تعالى -:
﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ [الأنبياء: ٧٧] ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩] على أحد تأويلَيْن:
إمَّا على تَضْمِين النَّصْر معنى المَنْع، أي: مَنَعْنَاهُ من القَوْم، وكذلك: كَفَى بالله مَانِعاً بِنصْره من الذين هَادُوا.
وإمَّا: على جعل «مِنْ» بمعنى «عَلَى» ، والأوَّل مَذْهَب البَصْريين، فإذا جَعَلْنَا ﴿مِّنَ الذين﴾ بياناً لما قَبْلَهُ، فبِمَ يتعلَّق والظاهر [أنَّه يتعلَّقُ بمحذُوفٍ؛ ويدل على ذَلِك أنَّهُم قالوا في سقيا لك] ، إنه مُتعلِّق بمحذوف لأنه بَيَانٌ له، وقال أبو البقاء: [وقيل] وهو حَالٌ من أعْدَائِكُم، أي: [والله أعلم بأعْدَائِكُم] كائنين من الذين هادُوا، والفَصْل بينهما مُسَدَّد، فلم يمنع من الحَالِ، فقوله هذا يُعْطي أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم مع إعْرَابه له حالاً، فيتعَلَّق أيضاً بمحذُوفٍ، لكن لا على ذلك الحَذْف المَقْصُود في البَيَان، وقد ظهر مِمَّا تقدم أن ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ ، إما لا مَحَلَّ له، أو لَهُ مَحَلُّ رَفْع أو نَصْبٍ على حَسَب ما تقدَّم وقال أبو رَجَاءٍ والنَّخْعي: «الكَلَام» وقُرئ: «الكِلْم» بكسر الكاف وسكون اللام، جمع «كَلِم» مخففة من كلمة، ومعانيها مُتَقَارِبَة.
قوله: ﴿عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ متعلِّق ب ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وذكر الضمير في ﴿مَّوَاضِعِهِ﴾ حملاً على ﴿الكلم﴾ ، لأنَّها جِنْس.
стр. 3482
وقال الوَاحِدِي: هذا جمع حُرُوفه أقَلُّ من حُروف واحِده، وكل جَمْع يكون كذلِك، فإنه يجوز تَذْكِيرُه.
وقال غيره: يمكن أن يُقال: كون هذا الجَمْعِ مؤنَّثاً ليس أمْراً حقيقيَّا، بل هو أمر لَفْظِيٌّ، فكان التَّذكير والتَّأنِيث فيه جَائِزاً. وجاء هُنَا «عن مواضعه» وفي المائدة: ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] .
قال الزَّمَخْشَرِي: أما ﴿عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ فعلى ما فَسَّرْناه من إزالَتِه عن مواضِعِه، التي أوْجَبَت حِكْمَة الله وَضْعُه فِيهَا بما اقْتَضَت شَهَوَاتُهم من إبْدّال غيره مَكَانَه، وأما «من بعد مواضعه» ، فالمَعْنَى: أنه كَانَت له مواضعُ هو فمِنٌ بأن يكُون فيها فحين حَرَّفوه، تركُوهُ كالغَرِيب الذي لا مَوْضِع له بَعْد مَوَاضِعِه ومَقَارّه والمعنيان مُتَقَارِبَان.
قال أبو حيَّان: وقد يُقَال: إنهما سِيَّان لكنه حذف هُنَا وفي أول المائدة [الآية ١٣] من بعد مواضعه؛ لأن قوله ﴿عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ يدل على استِقْرَار مواضِع له، وحذف في ثَانِي المَائِدة «من مواضعه» ؛ لأن التَّحْرِيف «من بعد مواضعه» يدل على أنَّه تحريفٌ عن مَوَاضِعِه، فالأصل: يُحَرِّفون الكَلِم من بعد مَواضِعِه عنها. فحذف هنا البَعْدِيَّة، وهناك تَوَسُّعاً في العِبَارة، وكانت البَدْأة هنا بِقَوْله: «عن مواضعه» ؛ لأنه أخصر، وفيه تَنْصِيصٌ باللَّفْظ على «عَنْ» وعلى المَوَاضِع، وإشارة إلى البَعْدِيّة.
وقال أيْضاً: والظَّاهِر أنهم حَيْثُ وُصِفُوا بشدة التَّمَرُّد والطُّغْيَان، وإظْهَار العَدَاوة، واشْتراء الضَّلالة، ونقص المِيثَاقِ، جاء «يحرفون الكلم عن مواضعه» كأنَّهم حَرَّفُوها من أوَّل وهْلَة قبل اسْتَقْرَارِها في مَوَاضِعِها، وبادَرُوا إلى ذلك، ولذلك جاء أوّل المَائِدة كهذه الآية؛ حَيث وَصَفَهمُ بِنَقْض المِيثَاقِ، وقسْوة القُلُوب، وحيث وُصِفوا باللّين وترديد الحُكْم إلى الرَّسُول، جاء «من بعد مواضعه» كأنهم لم يُبَادِرُوا إلى التَّحرِيف، بل عَرَضَ لهم بَعْد استِقْرَار الكَلِمِ في مواضِعِهَا، فهما سِيَاقان مُخْتَلِفَان.
[وقوله:] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عَطْفٌ على ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وقد تَقَدَّم، وما بعده في محلِّ نَصْب به.
فصل: الخلاف في كيفية التحريف
اخْتَلَفُوا في كيْفِيَّة التَّحريف، فقيل: كانوا يُبْدِّلُون اللَّفْظَ بلفظ آخَرَ؛ كتحريفهم الرَّجْم [
стр. 3483
ووضعُوا] موضِعَهُ الجَلْدَ؛ ونظيره ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله﴾ [البقرة: ٧٩] .
فإن قيل: كيف يُمْكن هَذَا في الكتاب الَّذي بَلَغَتْ آحَادُ حُرُوفه، وكلماته مَبْلَغَ التَّوَاتُر، واشتهر في الشَّرْق والغَرْب.
فالجواب: لعل القَوْم كانوا قليلين، والعُلَمَاء بالكِتَاب كانوا في غَايَةِ من القِلَّة فَقَدَرُوا على ذَلِك.
وقيل: المُرَاد بالتَّحْرِيفِ: إلْقاء الشُّبَه والتَّأويلَاتِ الفاسدَةِ لتلك النُّصًوصِ، وأما الآيَةُ التي في المَائِدة: فهي دالَّة على الجَمْع بين الأمْرَيْنِ، فكانوا يَذْكُرُون التَّأوِيلَات الفاسِدَةِ، وكانوا يُحَرِّفُون اللَّفْظَ أيضاً من الكِتَابِ.
فقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم﴾ إشارة إلى التَّأويل الباطل.
وقوله: «من بعد مواضعه» إشارة إلى إخراجه عن هذا الكِتَابِ.
وقيل: المراد بالتَّحْرِيف: تغيير صفة محمد ﷺ َ.
قال ابن عبَّاس: كانت اليَهُود يأتون رسُول الله ﷺ َ ويسْألُونه عن الأمْر، فيُخْبِرهم، فيرى أنَّهُم يأخُذُون بِقَوْلِهِ، فإذا انصرفوا من عِِنْدِه، حرِّفوا كلامه ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ منك قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمْرَك، وهو المُرَادُ بقوله: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ .
قوله: ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ ، في نصبِ «غَير» وجْهَان:
أحدهما: أنه حَالٌ.
والثاني: أنه مَفْعُول به، والمعنى، اسْمَع غير مُسْمَعٍ كلاماً ترضاه، فَسَمْعُك عنه نَابٍ.
قال الزَّمَخْشَريّ، بعد حكايته نَصْبه على الحَالِ، وذكرهُ المعنى المتقدّم: ويجوزُ على هَذَا أن يكون «غير مسمع» مفعول اسْمَع، أي: اسْمَع كلاماً غير مُسْمَع إيَّاك؛ لأن أذُنَك لا تعيه نبُوّاً عنه، وهذا الكلام ذُو مُسْمَع مكْرُوهاً، فيكون قد حَذَفَ المَفْعُول الثَّاني؛ لأن الأوّل قَامَ مَقَام الفَاعِل.
وبإرادة الذَّمِّ تقدّر «غير مسمع خيراً» وحذف المفعول الثاني: أيضاً [والمعنى: كانوا يَقُولُون للنَّبِي ﷺ َ اسْمع، ويقُولون في أنْفُسِهم: لا سَمِعْتَ] .
стр. 3484
وقال أبو البقاء: وقيل: أرادُوا غير مَسْمُوع مِنْكَ، وهذا القَوْل نقله ابن عطيّة عن الطَّبَرِي، وقال: إنه حِكَايةٌ عن الحَسَن ومُجَاهِد.
وقال ابن عطيَّة: ولا يُسَاعِده التَّصْريف، يَعْني: أنّ العَرَب لا تقُولُ أسْمَعْتُكَ بمعنى قَبِلْتُ منك، [وإنما تقول أسْمَعْتُه بمعنى: سَبَبْتُه، وسمعت منه بمعنى قَبِلْتُ ويعبرون بالسماع لا بالإسماع عن القبول مجازاً، وتقدم القولُ في ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وفيها وجوه:
أحدُها: أن هذه كلمةٌ كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخريةِ، وقيل معناها: أرِعْنَا سمْعَك، أيْ: اصرف سمْعَك إلى كلامنَا، وقيل: كانوا يقولُونَ: راعِناً، ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونةِ في لُغَتِهم.
وقيل: كانوا يَلْوُون ألْسِنَتهم، حتى يصيرَ قولُهم: ﴿وَرَاعِنَا﴾ : رَاعِينَا، ويُريدُون: أنَّك كُنْتَ تَرْعَى أغْنَاماً لَنَا.
قال الفراءُ: كانوا يَقُولُونَ: رَاعِنَا [ويُهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونة] ويريدون الشَّتْمَ، فذاك هو اللَّيُّ، وكذلك قولهم: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أرَادوا به، لا سَمِعْتَ فهذا هو اللَّيُّ.
فإنْ قيلَ: كَيْفَ جاءُوا بقولٍ يحتملُ الوجهيْنِ بعد تَصْريحهم بقولهم: سَمِعْنَا وعَصَيْنَا؟ فالجوابُ: أنه قال بعضُ المفسَّرين: إنهم كانوا يقولون «وعصينا» سراً في نفوسهم. وقيل: كان بعضُهم يقولُه سِرًّا، وبعضهم يقول جَهْراً.
قوله «لَيًّا بألسنتهم وطعناً» فيهما وجهانِ:
أحدهما: أنَّهُمَا مفعول مِنْ أجْلهِ ناصبُهما «ويقولونَ» .
والثَّاني: أنَّهُمَا مَصْدَرَانِ في موضع الحَالِ، أيْ: لاوين وطاعنينَ، وأصْلُ لَيًّا [ «لَوْيٌ] » من لَوَى يلْوي، فأدغِمَتِ الواوُ في الياءِ بعد قلبها ياءً، فهو مِثْلُ «طَيٍّ» مصدر طَوَى، يَطْوِي.
و «بألسنتهم» ، و «في الدين» متعلّقان بالمَصْدَرَيْنِ قبلهما، وتقدَّم في البَقَرة على قَوْله: «ولو أنهم قالوا» .
قوله: «لكان خيراً لهم» فيه قَوْلَان:
стр. 3485
أظهرهما: أن يكُون بمعنى أفْعَل، ويكون المُفَضَّل عَلَيْه «محذوفاً، أي: لو قالُوا هذا الكلام، لكان خَيْراً من ذَلِك الكَلَامِ.
والثاني: أنه لا تَفْضِيل فيه] بل يَكُون بمعنى جيّد وفَاضِل، فلا حَذْف حينئذٍ، والباءُ في» بكفرهم «للسَّبَبية.
قوله:» إلا قليلاً «فيه ثلاثة أوجُه:
أحدها: أنه مَنْصُوب على الاستثنَاء من ﴿لَّعَنَهُمُ﴾ ، أي: لعنهم الله إلا قليلاً منهم، فإنَّهم آمنُوا فلم يَلْعَنْهُم.
والثاني: أنه مستثْنى من الضَّمِير في» فلا يؤمنون «، والمراد بالقَلِيلِ عبد الله بن سَلَام وأضرابه، ولم يَسْتَحسن مَكِّي هذيْن الوَجْهَيْن:
أما الأوّل: قال: لأنَّ مَنْ كَفَرَ مَلْعُونٌ لا يُسْتَثْنَى منهم أحد.
وأما الثاني: فلأن الوجْه الرَّفع على البَدَل؛ لأن الكَلامَ غير مُوجِبٍ.
والثالث: أنَّه صِفَةٌ لمصدر محذُوف، أي: إلا إيماناً قَلِيلاً؛ وتعليله هو أنَّهُم آمنوا بالتَّوحيد وكَفَرُوا بمحمَّد ﷺ َ وشَرِيعَته.
وعبَّر الزَّمَخْشَري وابن عطيّة عن هذا التَّقليل بالعَدَم، يعني: أنَّهُم لا يؤمِنُون ألْبَتَّةَ كقوله: [الطويل]
١٨٠٧ - قَلِيلُ التَّشَكِّي للمُهِمِّ يُصِيبُهُ ... كَثيرُ الهَوَى شَتَّى النَّوَى والمَسَالِك
قال أبو حيان: وما ذكراهُ من أنَّ التقْليل يُرادُ به العَدَم صَحِيحٌ، غير أن هَذَا التَّرْكيب الاستثنائي يأباه، فإذا قُلت: لم أقُمْ إلَاّ قَلِيلاً، فالمعنى انْتفَاء القِيَامِ إلا القَلِيل، فيوجد منك إلا أنَّه دالٌّ على انْتِقَاءِ القِيَام ألْبَتَّةَ] ، بخلاف: قلَّما يقُول ذلك أحَدٌّ إلا زَيْد، وقَلَّ رَجُلٌ يفعل ذلك، فإنه يَحْتَمِل التَّقْليل المُقَابل للتكثيرِ، ويحتمل النَّفْي المَحْض، أما أنك تَنْفِي ثم تُوجِب، ثم تُريد بالإجَابِ بعد النَّفْي نَفْياً فلا؛ لأنه يَلْزَم أن تَجيء» إلَاّ «وما بَعْدَهَا لَغْواً من غير فائدةٍ؛ لأن انْتِفَاء القِيَام قد فُهِمَ من َوْلِكَ: لَمْ أقُمْ، فأيُّ فَائِدةٍ في استِثْنَاءٍ مُثْبَتٍ يرادُ به انْتِفَاء مَفْهُوم من الجُمْلَة السَّابِقة، وأيْضاً فإنَّه
стр. 3486
يُؤدِّي إلى ان يكُون ما بَعْدَ» إلَاّ «مُوافقاً لما قبلها في المَعْنَى، والاستِثْنَاء يَلْزَم أن يكُون ما بعد إلا مُخالفاً لما قبلها فيهِ.
فصل: الخلاف في القليل الوارد في الآية
معنى الكَلَام «فلا يُؤمِن إلَاّ أقْوامٌ قَلِيلُون، واخْتَلَفُوا في ذلك القليل:
فقال بعضُهم: هو عَبْد الله بن سَلَام، ومن أسْلَم معه مِنْهُم.
وقليل: القَلِيل صفة للإيمان، والتَّقدير: فلا يؤمِنوُن إلا إيماناً قليلاً، فإنَّهم كَانُوا يرمِنُون بالله والتَّوْرَاة [موسى] ، والتَّقْدِير: فلا يُؤمِنُون إلا بِمُوسَى، ولكنَّهم كانوا يَكْفُرون بسائِر الأنبياءِ، وَرَجَّحَ أبو عَلِيٍّ الفَارِسِيّ هذا القَوْل؛ قال: لأن ﴿قَلِيلاً﴾ لفظ مُفْرَد، والمُرَادُ به الجَمْع، قال - تعالى -: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] ، وقال: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١] فدلَّ عَوْد الذكر مَجْمُوعاً إلى الآيتيْن على أنَّه أريد بهما الكَثْرة.
فصل: الاستدلال بالآية على جواز تكليف ما لا يطاق
استدل بَعْضُ العُلماء بهذه الآيةِ مع الآيةِ التي بَعْدَهَا، على جَوازِ تكْلِيفِ ما لا يُطَاق؛ لأنه - تعالى - أخْبَرَ عَنْهُم في هذه الآية بأنَّهُم لا يُؤمِنُون، وخبرُهُ - تعالى - صِدْق وحَقٌّ، ثم أمرهم في الآيةِ التي بَعْدَها بالإيمانِ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ﴾ [النساء: ٤٧] فأمرهم بالإيمان مع إخْبَارِه بأنَّهمُ لا يُؤمِنُون.
стр. 3487
«وذلك أن النَّبي ﷺ َ كَلَّم أحْبَارَ اليَهُود: عِبْد اللهِ بن صوريا، وكَعْب بن الأشْرَف، فقال: يا مَعْشَر اليَهُود، اتَّقُوا الله وأسْلِمُوا، والله إنكُم تَعْلَمُون أن الَّذِي جِئْتُم به الحَقّ، قالوا: ما نَعْرِفُ ذلك، وأصَرُّوا على الكُفْرِ؛» فَنَزَلَت هذه الآية.
فإن قيل: كان يَجِبُ أن يأمُرهُم بالنَّظَرِ والتفكُّر في الدَّلَائِل، حتى يكُون إيمانُهُم استِدْلاليّاً، فلما أمرهُم بالإيمان ابْتِداءً؛ فكأنه - تعالى - أمَرَهُم باٌيمَان على سَبِيل التَّقْليد.
فالجوابُ: أن هذا خِطابٌ مع أهْلِ الكتاب، وكانُوا عَالِمين بِهَا في التَّوْراة؛ ولهذا قال: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ أي: من الآيَاتِ الموْجُودَة فِي التَّوْرَاة الدَّالة على نُبُوَّة محمد ﵊ ُ -.
стр. 3488
قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ﴾ متعلِّق بالأمْرِ في قوله: ﴿آمِنُواْ﴾ ونطمِسُ يكون متعدِّياً ومنه هذه الآية؛ ومثلها: ﴿فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] لبنائه للمَفْعُول من غير [حَرْف] جَرٍّ، ويكُون لازِماً، يقال: طَمَسَ المَطَرُ الأعلامَ، وطَمَسَت الأعْلامُ.
قال كعب: [البسيط]
١٨٠٨ - مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذَّفْرَى إذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ
وقرأ الجُمْهُور: ﴿نَّطْمِسَ﴾ بكسر الميم، وأبو رَجَاء بِضَمِّها، وهما لُغَتَان في المُضَارِع، وقدَّر بعضهم مُضافاً أي: «عيون وجوه» ويقوَّيه أن الطَّمْس للأعْيُن؛ قال - تعالى -: ﴿لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] .
فصل في معنى الطمس والخلاف فيه
الطَمْسُ: المَحْوُ؛ تقول العرب في وصف المفَازَةِ: إنها طَامِسَةُ الأعلامِ، وطَمس الطَّرِيق إذا دَرَسَ، وقد طَمَسَ الله على بَصَرِه؛ إذا أزَالَهُ، وَطَمَست الرِّيحُ الأثَر: إذا مَحَتْهُ، وطَمَسْت الكِتَاب: إذا مَحَوْتَه، واخْتَلَفُوا في المراد بالطَّمْسِ هُنَا.
فقال ابن عباس: نَجْعَلُهَا البَعِير.
وقال قتادة والضَّحَّاك «نُعْميها.
وقيل: نمحو آثارَهَا وما فيها من أعْيُن، وأنفُ، وَفَم، وحَاجِب.
وقيل: نجعل الوُجُوه منابِتَ الشَّعَر، كوُجُوهِ القِرَدَةِ، وقيل: يجعلُ عَيْنَيْهِ في القَفَا؛ فَيَمْشِي القَهْقَرِى، وقيلَ: المرادُ ب» الوجوهِ «: الوجَهَاءُ، والرؤسَاءُ.
ورُوِيَ: أنَّ عبد الله بْنَ سلامٍ، ولمّا سَمِعَ هذه الآية؛ جاء إلى النبي ﷺ َ قبل أنْ يأتِيَ أهْلُهُ، ويدَهُ على وَجْهِهِ، وأسْلَم، وقال: يا رسُولَ الله، ما كنتُ أرَى أنْ أصِلَ إليْك؛ حَتَّى يتحولَ وَجْهِي إلى قَفَايَ؛ وكذلك كعبُ الأحْبَارِ، لَمَّا سَمِعَ هذه الآيةَ، أسْلَمَ في زَمَنِ عُمَرَ، فقال: يا رَبِّ، آمَنْتُ، يا رَبِّ، أسلمتُ؛ مخافَةَ أنْ يُصِيبَه - وعيدُ هذه - الآية.
стр. 3489
فإن قيلَ: قد أوعدهم بالطمْسِ إنْ لم يُؤمِنُوا، ولَمْ يَفْعَلْ ذلك بِهم؟
فالجوابُ: أنَّ الوَعِيدَ باقٍ، ويكونُ طَمْسٌ، ومَسخٌ في اليهود، قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وقيل: إنَّه جَعَل الوِعيدَ: إمَّا الطمسَ، وإمَّا اللَّعْنَ، وقد فَعَلَ أحَدَهُمَا، وهو اللَّعْنُ.
وقيل: كان هذا وَعيداً بشرطٍ فلما أسْلَمَ عبد الله بن سلام، وأصحابُه، رفع ذلك عن الباقينَ، وقيل: أرَادَ بِهِ في القيامةِ.
وقال مُجَاهِدٌ: أراد بقوله ﴿نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ ، أيْ: يترُكهُم في الضَّلَالَة، فيكون المرادُ طَمْسَ وَجْهِ القَلْبِ، والردَّ عن الهُدَى.
وقال ابنُ زَيْدٍ: نَمْحُو آثَارَهُمْ مِنْ وجُوهِهِم، ونَوَاصيهم التي هم بها وقد لحقَ اليهودَ، ومضى، وتأويل ذلك في إجْلاءِ قُُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشَّام، فردَّ اللهُ وُجُوهَهُم على أدْبَارِهم، حين عادوا إلى أذْرِعَاتٍ، وأريحاء من الشامِ.
قوله: ﴿على أَدْبَارِهَآ﴾ فيه وَجْهَانِ:
أظهرهُمَا: أنَّهُ متعلقٌ ب ﴿فَنَرُدَّهَا﴾ .
والثَّاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من المفعولِ في «نلعنهم» يَعُودُ على الوُجُوهِ، على حَذْفِ مُضَاف إلَيْهِ: أيْ: وُجُوم قَوْم، أوْ عَلَى أن يُرادَ بِهمُ: الوُجَهَاءَ والرؤساءَ، أو يعودَ على الَّذين أوتُوا الكِتَابَ، ويطونُ ذلك التِفاتاً مِنْ خَطَابٍ إلى غَيْبَةٍ، وفيه اسْتِدْعاؤهُم للإيمانِ؛ حيثُ لم يُوَاجِهْهُمْ باللَّعْنَةِ بَعْدَ أن شَرَّفَهُم بكوْنِهم مِنْ أهْل الكتابِ.
فصل في المراد باللعن
قال مُقَاتِلٌ، وغَيْرهُ: المرادُ باللَّعْنِ: مَسْخُهُمْ قِرَدَةً، وخَنَازِير، فإنْ قيل: قد كان اللَّعْنُ حَاصِلاً قبل هذا الوعيد. فالجوابُ: إنَّ اللَّعْنَةَ بعد الوعيد، أزْيَدُ تأثيراً في الخِزْيِ، وقيل: المرادُ بهذا اللَّعْن، الطَّرْدُ، والإبْعَادُ [و] قولهُ ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله﴾ : أمرٌ واحدٌ أُريدَ به الأمُورُ، وقيل: هو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، أيْ: مَأمُوره، أي: ما أوْجَدَه كائِنٌ لا مَحَالَة.
стр. 3490
قال ابنُ عبَّاس: يريدُ لا رَادَّ لِحُكْمَه، ولا ناقِضَ لأمْرِه، وعلى [مَعْنَى] أنه لا يَبْعُدُ عليه شَيءٌ [يُريدُ] أن يَفْعَلهُ، وإنَّما قال: ﴿وَكَانَ﴾ إخباراً عن جريان عادةِ اللهِ في الأنْبِياءِ المتقدَّمِينَ، أنَّه مَتَى أخْبَرَهم بإنْزَال العَذَابِ عليْهم فعل ذلك لا مَحَالة.
فصل: دفع شبهة الجبائي
احتجَّ الجُبَّائِيُّ بهذه الآيةِ على أنَّ كلامَ اللهِ مُحْدَثٌ؛ لأنَّ المفعولَ مَخْلُوقٌ.
فالجوابُ: أنَّ الأمْرَ في اللُّغَةِ، جاءَ بمعنى الشَّأنِ، والطَّريقَةِ، والفِعْلِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] .
стр. 3491
لما توعَّدَ الكُفْرُ، وبين أنَّ ذلك التقديرَ لا بُدَّ من وُقُوعِهِ، يَعْنِي: أنَّ ذلك إنَّما هو مِنْ خَواص الكُفْرِ، أمَّا سَائِرُ الذُّنُوبِ غيرَ الشِّرْكِ، فإنه يَغْفِرُها، إن شاءَ.
قال الكَلْبِيُّ: نزلتْ في وَحْشِيّ بن حَرْبٍ، وأصحابه؛ وذلك أنَّه لما قُتِل حَمْزَةُ، كان قد جُعِلَ له على قَتْلِه أنْ يُعْتَقَ، فلم يُوفَّ له بذلك، فلما قَدمَ مَكَّةَ، نَدِمَ على صُنْعِهِ، هُوَ، وأصحابُهُ؛ فكَتَبُوا إلى رسولِ الله ﷺ َ: إنَّا قَدْ نَدِمْنَا على الذي صَنَعْنَا، وإنَّه لَيْسَ يَمْنَعُنَا عن الإسلامِ إلَاّ أنَّا سَمعناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: ﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتِ، وقد دعونا مع الله إلهاً أخر، وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها وزنينا، فلوْلا هذه الآياتُ، لاتَّبَعْنَاك؛ فنزلت: ﴿إِلَاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: ٧٠] ، الآيتين، فبعثَ بهما [رسول الله ﷺ َ] إليهم فلما قرءُوا، كتبوا إليْهِ: إنَّ هذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ إلَاّ نَعْمَلَ عَمَلاً صالحاً فنزلَ: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ، فَبَعَثَ بها إليهمْ، فبَعَثُوا إليه: إنَّا نَخَافُ ألَاّ نكون مِنْ أهْلِ المشيئةِ؛ فنزلتْ: ﴿ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: ٥٣] فبعث بها إليهم؛ فَدَخَلُوا في الإسلامِ، ورجعُوا إلى النبي ﷺ َ فَقَبِل مِنْهم، ثم قال [﵊ ُ] لِوَحْشِي: «أخْبِرْنِي: كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ» ؟ فلَمَّا أخْبَرَهُ، قال: «وَيْحَكَ! غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي» ، فَلَحِقَ وَحْشِيٌّ بالشَّامِ، وكانَ بِهَا إلى أنْ ماتَ.
وروى أبُو مِجْلَز، عن ابْنِ عُمَر: «لمَّا نزلت:» يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم «
стр. 3492
الآية، قام رَجُلٌ، فقال: والشِّرْك يا رسُولَ الله، فَسَكَتَ، ثم قام إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أو ثلاثاً؛ فنزلتْ:» إن الله لا يغفر أن يشرك به «الآية، قال مُطْرِّفُ بنُ الشَّخِّير: قال ابنُ عُمَرَ: كُنَّا على عهدِ رسول الله ﷺ َ إذَا مَاتَ الرجلُ على كَبِيرَةٍ، شَهِدًنَا أنَّه مِنْ أهْلِ النَّارِ، حتى نزلتْ هذه الآيةُ، فأمْسَكٍنَا عن الشَّهَادَاتِ.
حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أنَّ هذه الآيةَ أَرْجَى آيةٍ في القُرْآنٍ.
قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ، كلامٌ مُسْتأنفٌ، ولَيْسَ عَطْفاً على ﴿َيَغْفِرُ﴾ الأوَّلِ؛ لفسادِ المعنى، والفَاعِلُ في ﴿يَشَآءُ﴾ ضميرٌ عَائِدٌ على الله تعالى، ويُفْهَمُ مِنْ كلام الزَمخْشريّ: أنَّهُ ضميرٌ عائِدٌ على مَنْ في» لمنْ «لأنَّ المعنى عِنْدَه: إنَّ الله لا يغفرُ الشِّرْكَ لمن لا يشاء أن يغفر له؛ لِكَوْنِه مَاتَ على الشِّرْكِ، غَيْر تائِب مِنْه، ويغفرُ ما دُونَ ذَلِك لِمَنْ يشاءُ أنْ يغفرَ له، بكونه ماتَ تَائباً مِنَ الشِّرْكِ، و ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ متعلِّقٌ ب ﴿َيَغْفِرُ﴾ .
قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾ أيْ: اختلق ذَنْبتً غيرَ مَغْفُورٍ.
يُقالُ: افْتَرَى فُلانٌ الكَذِبَ، إذا اعْتَمَلَهُ، واخْتَلَقَهُ، وأصْلُه: من الفَرْي، بمعنى القَطْعِ.
رَوَى جَابرٌ قال: «أتى النبيِّ ﷺ َ رَجَلٌ، فقال: يا رسولُ الله، ما المُوجِبتان؟ قال مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً، دَخَلَ الجَنَّة، ومَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ» .
стр. 3493
وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّي لأرْجُو، كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ؛ كَذلِكَ لا يَضُرُّ مَعَ التَّوحِيد ذَنْبٌ، ذَكَرَ ذلك عِنْدَ عُمَر بْنَ الخطَّابِ؛ فَسَكَتَ عُمَرُ.
وروى أبُو ذَرٍّ، «قالَ: أتَيْتُ النَّبِي ﷺ َ، وعليه ثَوْبٌ أبْيَض، وهو نَائِمٌ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، وقد استَيْقَظَ؛ فقال:» مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إله إلا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ على ذَلِكَ؛ إلَاّ دَخَلَ الجنَّة
«. قُلْتُ: وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ ﴿قَال:» وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ «.
[قُلْتُ: وَإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ﴾ قَال:» وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ «، قُلْتُ: وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ! قَال:» وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ] ، عَلَى [أنْفِ] أبِي ذَرٍّ «، وكانَ أبُو ذَرٍّ إذا حدث بهذا، وإنْ رَغم أنْفُ أبِي ذَرٍّ.
فصل
قال القُرطُبِيُّ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ من المُحْكَمِ المتفقِ عليه، الذي لا خلاف فيه بَيْنَ الأمةِ، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ، من المُتَشَابَهِ، الَّذي قد تَكَلَّمَ العلماءُ فيه.
فقال مُحَمدُ بن جَريرٍ الطَّبريّ: قد أبَانَتْ هذه الآيةُ كُلَّ صاحِبِ كَبيرةٍ، فَفِي مَشِيئةِ الله إن شاء [عفَا لَهُ، وَإنْ شَاءَ] ، عاقَبَه، مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرتُهُ شِرْكاً، وقالَ بعضُهُم: قد بين الله تعالى، بقوله : ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] .
فأعْلَمَ أنَّهُ: يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ لمن اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ، لمنْ يشاءُ، ولا يَغْفِرُ الصغَائِرَ لمنْ أتَى الكَبَائِرَ.
وقال بعضُهم: هذه الآيةُ ناسِخَةٌ للتي في آخرِ الفُرْقَانِ.
قال زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: نزلتْ سُورةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةِ الفُرقَانِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ.
стр. 3494
قال القُرِطُبِيُّ: والصحيح أنَّهُ لا نَسْخَ، لأنَّ النَّسْخَ فِي الأخْبَارِ مُسْتَحِيلٌ، وسيأتي الجمعُ بَيْنَ الآي، في هذه السُّورةِ؛ وَفِي الفُرْقَانِ، إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
فصل هل يسمى اليهودي مشركاً في الشرع؟
قال ابنُ الخطيب: دلتْ هذه الآيةُ على أنَّ اليَهُودِيِّ يُسَمَّى مُشْرِكاً في الشَّرْعِ؛ لأنها دالَّةٌ على أنَّ مَا سِوَى الشركِ من الكَبَائِرِ يُغْفَرُ، فَلَوْ كَانَتِ اليهوديَّةُ مُغَايِرة للشِّرْكِ، كَانَتْ] مَغْفُورَةً بحكم الآية، وهو خِلَافُ الإجْمَاعِ، ولأنَّ هذه الآيةَ مُتَّصِلَةٌ بوعِيِدِ اليَهُودِ، فَلَوْلَا دُخُوُل اليهوديةِ تحتَ اسْمِ الشِّرْكِ، لم يحْصُل الالتئامُ.
فإنْ قيلَ: عَطْفُ» الذين أشركوا «على» الذين هادوا «في قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ﴾
[الحج: ١٧] ثُمَّ قَالَ [بعده] : «والذين أشركوا» يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ.
قُلْنَا: المغايرةُ في المفهومِ اللُّغَويِّ، والاتِّحاد في الشرعي؛ دَفْعَاً للتَّنَاقُضِ، ويتفرَّعُ عليه أنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالذِّمي؛ لأنَّ المشركَ مُبَاحُ الدَّكِ؛ لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] ، ومُبَاحُ الدَّمِ لا يُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ، ولا يتوجَّهُ النَّهْيُ عن قَتْلِه، ترك العَمَلِ بهذا الدليلِ في حقِّ النهي فَبَقِيَ مَعْمُولاً به في سُقُوطِ القِصَاصِ عَنْ قَاتله.
فصل في دلالة الآية على العفو عن أصحاب الكبائر
هذه الآيةُ أقْوَى الدلائلِ على صِحَّة العَفْوِ عن أصْحَابِ الكَبَائِرِ، من وجوه:
الأوَّلُ: أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ أيْ لا يغفرُهُ فَضْلاً معَ عدمِ التوبةِ؛ لأنَّهُ يُغْفَرُ وُجُوباً عند التوبةِ بالإجماع؛ فيكون قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ على سَبِيلِ الفَضْلِ، حَتَّى يتواردَ النَّفْيُ والإثباتُ على مَعْنَى واحدٍ؛ كما لو قال: إنَّ فُلاناً شَاءَ لا يُعْطِي على سبيلِ فَضْلِ الوُجُوبِ، كان رَكِيكاً، وحينئذٍ: يَجِبُ أنْ يكُونَ المرادُ أصْحابَ الكَبَائِرِ، قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لأنَّ عند المعتزِلَةِ، غُفْرَانَ الصَّغائِرِ، والكبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ - وَاجِبٌ عَقْلاً، فلا يُمْكن حَمْلُ الآيةِ عَلَيْهِ، فلم يَبْقَ إلَاّ الكَبَائِرُ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
الثّاني: أنَّ ما سِوَى الشِّرْكِ، يَدْخُلُ فيه الكبائرُ قَبْلَ التوبةِ، وبعدَهَا، ثُمَّ حَكَمَ على الشِّرْكِ بأنَّهُ غيرُ مَغْفُورٍ، وَعَلَى غَيْرِ الشِّرْكِ بأنَّهُ مَغْفورٌ لمنْ يشاءُ، فَوَجَبَ أنْ تكونَ الكبيرةُ قَبْلَ التوبةِ مَغْفُورةٌ.
الثالثُ: أنَّه علَّقَ الغُفْرَان بالمشيئَةِ، وغُفْرَانُ الكَبِيرةِ بعد التوبةِ والصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ به، فوجب أنْ يكونَ المعلَّق الكبيرة قبلَ التوبةِ.
стр. 3495
فإن قيلَ: إنَّ تَعْلِقَهُ على المشِيئَةِ، لا يُنَافِي وُجُوبَهُ، كقوله تعالى: ﴿بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ ، ثُمَّ إنَّا نَعْلَمُ أنَّه لا يُزَكِّي إلاّ مَنْ يكونُ أهْلاً للتَّزكِية، وإلَاّ فكانَتْ كَذِباً.
واعلمْ: أنه ليس للمعتزلةِ في مُقَابلة هذه الوُجُوهِ كلامٌ يُلْتفتُ إليه، [إلا المعَارَضَة بآياتِ الوعِيدِ] .
стр. 3496
قد تقدَّمَ الكلامُ على مِثْل قوله: «ألم تر» ، وقوله: «بل» ، إضْرَابٌ عَنْ تزكيتهم أنفُسَهُم، وقدّر أبُو البقاء قبل هذا الإضراب جُمْلَةً؛ قال: تقديرهُ: أخْطؤوا، ﴿بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ .
[وقوله: «ولا يظلمون» ، يجوزُ أنْ يكونَ حَالاً ممَّا تقدَّم، وانْ يكون مُسْتَأنفاً، والضميرُ في «يظلمون» يجوزُ أنْ يعود على «من يشاء» ] أيْ: لا يُنْقِصُ مِنْ تزكيتهم شيئاً، وإنَّما جَمَعَ الضميرَ؛ حَمْلاً على مَعْنَى «من» وأنْ يَعُودَ على الذين يُزَكونَ، وأنْ يعُودَ على القَبِيليْن مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّاهُ الله، فَذَاكَ لَا يُنْقِصُ من عقابه شَيْئاً، وهذا لا يُنْقِصُ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئاً، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لأن «من» أقَرْبُ مَذْكُورٍ، ولأنَّ «بل» إضرابٌ مُنْقطعٌ ما بَعْدَهَا عمَّا قَبْلَهَا.
وقال أبُو البَقَاءِ: ويجوزُ أن يكُونَ مُسْتأنَفاً، أيْ: منْ زَكَّى نَفْسَه، ومَنْ زَكَّاهُ اللهُ. انتهى.
فجعل عودَ الضميرِ على الفَريقَيْنِ؛ بِناءً على وَجْهِ الاسْتِئْنافِ، وهذا غيرُ لازِمٍ [بل] يجوزُ عودهُ عَلَيْهِمَا، والجملةُ حَالِيَّةٌ.
و ﴿فَتِيلاً﴾ مَفعُولٌ ثانٍ؛ لأن الأولَ قامَ مَقَامَ الفاعِلِ، ويجوزُ أنْ يكونَ نَعْت مَصْدرٍ مَحْذُوفٍ، كما تقدَّمَ تقديره في: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ، والفَتِيلُ: خَيْطٌ رَقيقٌ في شِقِّ النَّواة [يَضْرَبُ به المَثلُ في القِلَّةِ، قالَهُ ابنُ السّكيتِ، وغيرُهُ.
وقيل: هو مَا خَرَجَ مِنْ بيْن إصْبَعَيْكَ، أو كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخ] حين تَفْتُلُهُمَا، فهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وقد ضرب العَرَبُ المثلَ في القِلّةِ التافِهَةِ بأربَعةِ أشْيَاء، اجتمعْتَ في النواةِ، وهي: الفَتِيلُ، والنَّقِيرُ: وهو النُّقْرَةُ التي في ظهر النَّواةِ، والقِطْميرُ: هو القِشْرُ [الرقيقُ] فوقها [وهذه الثلاثةُ واردَةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق: وهو ما
стр. 3497
بيْنَ النواةِ والقِمْع] الَّذِي يكوُنُ في رَأسِ التَّمرة كالعلاقَةِ بَيْنَهُمَا.
فصل
لما هَدّد اليهود بأنه تعالى لا يغفرُ أنْ يشركَ به، قالوا: لَسْنَا منَ المشركينَ، بل نحنُ مَنْ خَوَّاصِّ اللهِ.
قال الكَلْبيُّ: «نزلت هذه الآيةُ في رِجَالٍ مِنْ اليهود: منهم» بَحْرى بنُ عُمَرَ «، و» النُّعْمانُ بنُ أوْفَى «، و» مَرْحَبُ بنُ زَيْدٍ «أتَوْا بأطْفالهم إلى النبي ﷺ َ فقَالُوا: يا محمدُ [هَلْ] على هَؤلاءِ مِنْ ذنْبٍ؟ فقال: لَا، قالوا: ما نَحْنُ إلَاّ كَهَيْئتهم، ما عَمِلْنَا بالنهار، يُكَفِّر عنّا بالليل، وما علمنا بالليل، يكفرُ عنَّا بالنهار، يُكَفِّر عنّا بالليل، وما علّمنا بالليل، يكفرُ عنَّا بالنهارِ» ، فنزلت هذه الآيةُ.
وقال مُجاهِدٌ، وعكْرمة: كانُوا يُقدِّمُونَ أطْفَالَهُم في الصلاةِ، يَزْعمُوَن أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهُم، فتِلْكَ التزكيةُ.
وقال الحَسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، ومقاتلٌ: نزلت في اليهود، والنصارى، حينَ قَالُوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١] .
قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: هو تزكيةُ بعضِهم لبَعضٍ.
فصل
التَّزْكِيَةُ - ها هنا - عِبارةٌ عنْ مَدْح الإنْسَانِ نَفْسَهُ.
قال تعالى: ﴿فَلَا تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى﴾ [النجم: ٣٢] والتَّقْوَى: لا يَعْلَمُ حقيقتَها إلَاّ الله تعالى.
فإن قيل: ألَيْسَ قد قال ﵊ ُ -: «واللهِ، إنّي لأمِينٌ في السَّماءِ، وأمِينٌ في الأرْضِ» .
стр. 3498
فالجوابُ: إنَّما قال ذلك حين قال المنافِقُون له: اعدِلْ في القِسْمَة؛ ولأنَّ الله تعالى لمَّا زكَّاه أوَّلاً بِقِيامِ المعْجزةِ، جاز له ذَلِكَ، خلافِ غيرِه.
стр. 3499
﴿كَيفَ﴾ منصوبٌ ب ﴿يَفْتَرُونَ﴾ وتقدم الخِلافُ فيه، والجملةُ في محلِّ نَصْبِ، بعد إسقاط الخَافِضِ؛ لأنَّها مُعلقةٌ ل «انظر» يتعدى ب «في» ؛ لأنها - هنا - ليستْ بَصريَّةً، و «على الله» مُتعلِّقٌ ب ﴿يَفْتَرُونَ﴾ ، وأجاز أبُو البَقَاءِ: أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الكذبِ، قُدِّمَ عليه، قال: «ولا يجوز أن يتعلق بالكذب؛ لأن معمولَ المصْدَرِ لا يتقدَّمُ عليه، فإن جعل على التَّبيين جَازَ» ، وجوّز ابن عطيةَ: أن يكون «كيف» مُبْتدأ، والجملةُ مِنْ قوله ﴿يَفْتَرُونَ﴾ الخَبَرُ، وهذا فاسدٌ، لأن «كَيْفَ» لا تُرْفَعُ بالابتداءِ، وعلى تقدير ذلك، فأيْن الرَّابِطُ بينها وبَيْنَ الجملةِ الوَاقعَةِ خبراً عنها ولم تكن نفس المُبْتدأ، حتى تِسْتغْنِي عَنْ رَابِطٍ، و ﴿إِثْماً﴾ تمييزٌ، والضميرُ في «به» عائدٌ على الكذبِ، وقِيلَ: على الافْتِرَاءِ وجعلهُ الزمخشريُّ عَائِداً على زَعمهمْ، يعْنِي: من حَيْثُ التقديرُ.
فصل في تعجيب النبي ﷺ َ من اليهود
هذا تَعْجيبٌ للنبيّ ﷺ َ مِنْ فرْيتهم على الله، وهو تَزْكيتهُم أنْفسَهُمِ وافْتراؤهم، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] .
فصل في معنى الكذب
الكَذِبُ: هو الإخْبَارُ عَنِ الشيء على خلافِ المُخبرِ عَنْهُ، سَواءٌ عَلِمَ قَائِلُه كَوْنَهُ كذلك، أوْ لا يَعْلَمُ، وقال الجَاحِظُ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِباً، أنْ يعلمَ القائِلُ كَوْنَه بِخلافِ ذلكِ، وهذه الآيةُ دليلٌ عليه؛ لأنَّهم كانُوا يَعْتَقدٌون في أنْفسهم الزِّكاءَ، والطَّهَارَةَ: وكذبهم الله فيه.
وقوله: ﴿وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً﴾ يقالُ في المدْحِ، وفي الذَّمِّ، أمَّا فِي المدْحِ، فكقوله ﴿والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً﴾ [النساء: ٤٥] وأمَّا في الذَّمِّ، فكما في هذا الموضع.
стр. 3500
قال المُفسِّرون: خرج كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ، وحُيَيّ بن أخْطَبَ، فِي سَبْعِينَ رَاكِباً
стр. 3501
من اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بعد وَقْعَةِ أحُد؛ ليُحالفُوا قُرَيْشَاً، على مُحَارَبَةِ الرَّسُول ﵊ ويَنقُضُوا العهدَ الذي كان بينَهُم وبين النبيِّ ﷺ َ، فنزل كَعْبٌ علَى أبي سُفْيانَ؛ فأحْسَن مَثْوَاه، ونزلت اليهودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فقال أهْلُ «مكةَ» : إنكم أهل كتاب، ومُحَمَّدٌ صاحب كِتابٍ، ولا نأمَنُ أن يكُونَ هذا مَكراً مِنكم، فإن أرَدْتَ أن نخرجَ مَعَكَ، فاسْجُدْ لهذين الصَّنَمَيْنِ وآمنوا بهما، فَفَعلُوا ذلك؛ فذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت﴾ .
ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةِ: ليجيء منكم [الآن] ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزق أكْبَادنا بالكعبةِ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعْلَمُ، فَأُّنَا أهْدَى طَريقاً: نَحْنُ أم مُحَمَّدٌ؟
فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان: اعرضُوا عليَ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ: نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء، ونَسْقيهمُ [الماء] ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمُ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ: أنْتُمْ واللهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فيه وجهانِ:
أحدُهُمَا: انه حَالٌ إمَّا من: «الذين» وإمَّا مِنْ واوِ «أوتوا» ، و «بالجبت» مُتعلِّقٌ به، و «يقولون» عطفٌ عليه، و «الذين» مُتعلِّقٌ ب «يقولون» ، واللامُ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعِلةِ؛ كنظائرها، و «هؤلاء أهدى» مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ بالقول و «سبيلاً» تَميِيزٌ.
والثَّانِي: أنَّ «يؤمنون» مُسْتأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب؛ إلَاّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كأنَّهُ قيلَ: إلَا تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حالُهم؟ فقالَ: يؤمِنُون [ويقولونَ، وهذان] منافيان لحالهم.
والجِبْتُ: حَكَى القَفّضالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ: وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال [الرجز المشطور]
١٨٠٩ - ... ... ... ... ... ... ... .....
стр. 3502
شِرَارَ النَّاتِ لَيْسُوا بِأجْوَادٍ ولَا أكْيَاتِ
والجبس: هو الذي لا خير عنده.
يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ: رَذْلٌ، قِيلَ: وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً؛ لأنَّ مَادَةَ (ج ب ت) مُهْمَلَةٌ. قَالَ قُطْرُبٌ: وغيرهُ يَجْعَلُها مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل: الجِبْتُ: السّضاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ، قالهث سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ، وقال عِكْرمَةُ: هما صَنَمانِ، وقال أبُو عُبَيْدَةَ: هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ.
وقال عُمَر: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطاغُوتُ: الشَّيْطَانُ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ: الجِبْتُ: الكاهنُ، والطَّاغُوتُ: السَّاحِرُ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: الجِبْتُ: - بلسانِ الحبَشَةِ -: شَيْطَانٌ، وقال الضَّحَّاكُ: الجبتُ: حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ: كَعْبُ بنُ الأشْرَف، وقِيل: الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللهُ، والطاغوتُ: كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ.
ورَوى قَبيصةُ: أنَّ النبي ﷺ َ قال: العِيَافَةُ: والطَّرْقُ، والطِّيرةُ: مِنَ الجِبْتِ.
الطَّرْقُ: الزَّجْرُ، والعِيَافَة: الحط.
стр. 3503
بَيَّنَ أنَّ عليهم اللَّعْنَ من الله، وهو الخِذْلانُ، والإبْعَادُ، لقوله: ﴿مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا
стр. 3504
ثقفوا﴾ [الأحزاب: ٦١] وإنَّما استَحقُّوا هذا اللَّعْن، لتفْضيلهمْ عَبَدَةَ الأوْثَانِ على المؤمِنينَ مبحمدٍ ﷺ َ.
стр. 3505
لمَّا وصف [تعالى] اليهودَ بالجَهْلِ في الآية المتقدمة؛ لتفضيلهم عِبَادَةَ الأوْثَانِ على عبادَةِ الله تعالى، وصفَهُم في هذه الآية بالبُخْلِ والحَسَدِ، وهذا على سَبيلِ الإنْكَارِ.
والبخلُ: ألَاّ يدفعَ إلى أحدٍ شَيْئاً مما أوتِيَ مِن النعمةِ، [والحَسَدُ: أنْ يتمنَى ألَاّ يُعْطِي اللهُ غيرَهُ شَيْئاً من النِّعَم] فها يَشْترِكَانِ في إرادةِ مَنْعِ النعمَةِ من الغَيْرِ، وإنما قدّم وَصْفَ الجَهْلِ علَى وصفِ البُخْلِ، والحَسَدِ؛ لأن الجهل سَبَبُهَا؛ وذلك لأنَّ البَخِيلَ، والحَاسِدَ يجهلانِ أنَّ الله تعالى هو الذي أعْطَى هذا، ومَنَعَ هذا.
واعلمْ أنَّهُ تعَالَى جَعَل بُخْلَهم كالمانع مِنْ حُصُولِ الملْكِ لَهُم، وهذا يدلُّ على أنَّ الملكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعَانِ؛ وذلك لأنَّ الانقيادَ [للغير مكروهٌ لِذَاته، وإنما يُحْمَلُ الإنْسَانُ على الانقيادِ لِلْغَيْر] بالإحسانِ الحسن؛ كما قيل: «بالبر يستعبد الحر» ، فمتى لم يُوجد الإحْسانُ، لَمْ يُوجد الانقيادُ، ثُمَّ قدْ يكونُ المُلْكُ على الظَّاهِرِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ، وقد يكونُ الملكُ على البَاطِنِ فقط؛ وهو مُلْكُ العُلَمَاءِ وقد يكون الملكُ عَلَيْهمَا؛ وهو مُلْكُ الأنْبِيَاءِ، فوجب في الأنبياء أنْ يكُونُوا في غَايَةِ الجُودِ، والكَرَمِ، والرَّحْمَةِ، والشَّفَقَةِ؛ حَتَّى يحصلَ الانقيادُ بالبَاطنِ والظَّاهِرِ، وكمالُ هذه الصفاتِ كان حَاصِلاً لمحمدٍ ﷺ َ.
و «أم» مُنقطعةٌ؛ لِفواتِ شَرْطِ الاتِّصال، كما تقدم أوَّل البقرةِ فتُقَدر ب «بَلْ» ، والهمزة التي يُرادُ بها الإنْكار، وكذلك هُو في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس﴾ وقال بعضُهم: الميمُ صلة، وتقديره: ألَهُمْ؛ لأنَّ حَرْفَ «أمْ» إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ استفهامٌ، كانتِ الميمُ صِلَةً فيه، وقيل: «أمْ» هنا مُتصلةٌ، وقد سبقه - هاهنا - استفهامٌ على سَبيلِ المعْنَى؛ لأنَِّهُ لمَّا حَكَى قَوْلَهُمْ لِلمشرِكينَ بأنَّهم أهْدَى سَبِيلاً مِنَ المؤمنِينَ عطفَ عليه قوله ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ فكأنَّهُ قال: أمْنِ ذلك يتعجَّبُ؟ أمْ مِنْ كَوْنِهِم لَهُم نَصِيبٌ من الملك؛ مع أنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمْ مُلْكٌ، لَبَخِلُوا بأقلِّ القَلِيلِ؟ .
следующие страницы →