← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

ثم قال: ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يفوضون إليه أمورهم، ويثقون به، ولا يرجون غيره، فالتَّقديمُ يفيدُ الاختصاص، أي: عليه لا على غيره، وهذه الجملةُ يحتمل أن يكونَ لها محلٌّ من الإعراب، وهو النَّصْبُ على الحالِ من مفعول: زادَتْهُم، ويحتمل أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون معطوفة على الصِّلةِ قبلها، فتدخل في حيِّز الصلاتِ المتقدِّمةِ. وعلى الوجهين فلا محلَّ لها من الإعراب.

стр. 5672

قوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ذكر الصَّلاة؛ لأنَّها رأسُ الطاعات الظاهرة ثم بذل المار في مرضاة اللَّهِ؛ فيدخل فيه الزكاة والصدقات، والنَّفقة في الجهادِ، وعلى المساجد والقناطر. قال المعتزلة: أجمعت الأمةُ على أنَّه لا يجوزُ الإنفاق من الحرامِ، فدلَّ على أنَّ الحرامَ لا يكن رزقاً وقد تقدم البحثُ فيه. وقوله: «الَّذين يُقيمُونَ» فيجوزُ في هذ الموصول أن يكون مرفوعاً على النَّعْتِ للموصول أو على البدلِ، أو على البيان له، وأن يكون منصوباً على القطع المُشعِر بالمدْح. قوله: ﴿أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ يجوز في حقّاً أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: هم المؤمنون إيماناً حقاً، ويجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقاً، والعاملُ فيه على كلا القولين مُقدَّرٌ، أي: أحقُّه حقاً، ويجوز وهو ضعيفٌ جدّاً أن يكون مؤكِّداً لمضمون الجملة الواقعةِ بعده وهي: لَهُم درجاتٌ ويكون الكلامُ قد تمَّ عند قوله: هُمُ المُؤمِنُونَ ثم ابتدأ ب ﴿حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ وهذا إنَّما يجوزُ على رأي ضعيف، أعني تقديم المصدر المؤكِّد لمضمون جملة عليها. قوله: عِندَ ربِّهِمْ يجوزُ أن يكون متعلقاً ب «دَرَجَاتٌ» ، لأنَّها بمعنى أجُورٌ، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّها صفةٌ ل «درجاتٌ» أي: اسْتقرَّت عند ربهم، وأن يتعلَّق بما تعلَّق به لَهُمْ من الاستقرار. فصل قوله: ﴿أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ أي: يقيناً، قال ابنُ عبَّاسٍ: برءوا من الكفر، قال مقاتل: حَقّاً لا شكَّ في إيمانهم، وفيه دليلٌ على أنَّه ليس لكل أحد أن يصف نفسه

стр. 5673

بكونه مؤمناً حقّاً؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما وصف بذلك أقواماً مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكلُّ أحدٍ لا يتحقَّقُ وجود ذلك الأوصاف فيه وقال ابنُ أبي نجيح: سألَ رجلٌ الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان باللَّه وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنَّة، والنَّار، والبعث، والحساب، فأنا بها مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟ . وقال علقمةُ: كنا في سفر فلقينا قوماً فقلنا: من القومُ؟ فقالوا: نحنُ المؤمنون حقاً، فلم ندر ما نجيبهم حتَّى لقينا عبد الله بن مسعود، فأخبرناه بما قالوا: قال: فما رَدَدْتُمْ عليهم؟ قلنا: لم نردّ عليهم شيئاً، قال: أفلا قلتم أمِنْ أهلِ الجنَّة أنتم؟ إنَّ المؤمنين أهلُ الجنَّةِ. وقال سفيانُ الثوريُّ: من زعم أنَّهُ مؤمن حقاً عند الله، ثم لم يشهدْ أنَّه في الجنَّة فقد آمن بنصف الآية دون النِّصف. ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ قال عطاءٌ: بمعنى: درجات الجنَّةِ ويرتقونها بأعمالهم، قال الربيعُ بنُ أنس: سبعون درجة بين كلِّ درجتين حر الفرس المضر سبعين سنة «ومَغْفرةٌ» لذنوبهم وَرِزقٌ كريمٌ حسن. قال الواحديُّ: قال أهل اللُّغةِ: الكريمُ: اسم جامع لكل ما يحمدُ ويستحسنُ، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه فاللَّهُ تعالى موصوفٌ بأنه كريم، والقرآنُ موصوف بأنَّه كريم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] وقال تعالى: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: ٣١] وقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء: ٢٣] فالرزق الكريم هو الشريفُ الفاضل الحسن.

стр. 5674

في قوله ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾ عشرون وجهاً: أحدها: أنَّ الكاف نعتٌ لمصدر محذوف تقديرهُ: الأنفالُ ثابتةٌ للَّه ثبوتاً كما أخرجك، أي: ثبوتاً بالحقِّ كإخراجك من بيتك بالحقِّ، يعني لا مرية في ذلك، ووجه هذ التَّشبيه أنَّ النبي ﷺ َ لمَّا رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ، وقلَّة المؤمنين قال: مَنْ قتل قتيلاً فله كذا، ومَنْ أسر أسيراً فله كذا، لِيرغِّبَهُم في القتال، فلمَّا انهزم المشركون قال سعدٌ: يا رسول اللَّهِ إنَّ جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم، ولم يتأخَّرُوا عن القتال جُبْناً، ولا بُخْلاً ببذل مهجتهم، ولكنَّهم أشفقوا عليك من أن تُغتال، فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم؛ بَقِيَ خلقٌ من المسلمين بغير شيء؛ فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ

стр. 5675

الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: ١] يصنعُ فيها ما يشاء، فأمسك المسلمون عن الطَّلبِ، وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة وحين خرج النبي ﷺ َ إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقالتة على ما سنشرحه، فلمَّا قال: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: ١] كان التقدير: أنَّهم رضوا بهذا الحكم في الأنفالِ وإن كانُوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ إلى القتال، وإن كانُوا كارهين. الثاني: قال عكرمةُ: تقديره: وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. والثالث: تقديرهُ: وأطيعوا اللَّهَ ورسولهُ طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك، أي: كما أنَّ إخراج اللَّه إياك لا مرية فيه ولا شبهة. الرابع: تقديره: يتوكَّلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربُّك. الخامس: تقديره: هم المؤمنون حقّاً كما أخرجك فهو صفةٌ ل «حقاً» . السادس: تقديره: استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك. السابع: أنَّهُ متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً: كما أخرجك ربك، قال الكسائيُّ «الكاف» تتعلَّقُ بما بعده وهو قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق﴾ [الأنفال: ٦] والتقدير: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾ على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه. الثامن: تقديره: لكارهون كراهيةً ثابتةً: كما أخرجك ربُّك أي: إنَّ هذين الشيئين الجدال والكراهية ثابتان لا محالة كما أنَّ إخراجك ثابت لا محالة. التاسع: أنَّ «الكافَ» بمعنى «إذ» ، و «مَا» زائدة، والتقديرُ: اذكر إذ أخرجك وهذا فاسدٌ جدّاً، إذ لم يثبتْ في موضعٍ أنَّ «الكاف» تكون بمعنى «إذ» وأيضاً فإنَّ «ما» لا تزاد إلَاّ في مواضعَ ليس هذا منها. العاشر: أنَّ «الكافَ» بمعنى: «واو» القسم، و «ما» بمعنى «الذي» واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً به. وقد وقعت على ذي العلم في قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله: يُجَادلُونكَ جواب القسمِ وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّ النَّاسُ عليه قاطبةً، وقالوا: كان ضعيفاً في النَّحو. ومتى ثبت كون الكافِ حرف قسمٍ، بمعنى «الواو» ؟ وأيضاً فإن: يُجَادلُونكَ لا يصحُّ كونه جواباً؛ لأنَّهُ على مذهب البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً؛ وجب فيه شيئان: اللَاّمُ، وإحدى النونين نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢] وعند الكوفيين إمَّا اللَاّمُ، وإمَّا إحدى النونين، ويُجادلُونكَ عارٍ عنهما.

стр. 5676

الحادي عشر: أنَّ الكاف بمعنى «على» ، و «ما» بمعنى: الذي، والتقديرُ: امْضِ على الذي أخرجك، وهو ضعيفٌ؛ لأنه لم يثبت كونُ الكاف بمعنى «على» ألبتة إلَاّ في موضع يحتمل النزاع كقوله ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . الثاني عشر: أنَّ الكاف في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتَّقُوا الله، كأنَّهُ ابتداءٌ وخبر. قال ابن عطيَّة: «وهذا المعنى وضعهُ هذا المفسِّر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر» . الثالث عشر: أنَّها في موضع رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريم هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك، وهذا فيه حذفُ مبتدأ وخبر، ولو صرَّح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن. الرابع عشر: أنَّها في موضع رفع أيضاً والتقدير: وأصلحُوا ذات بينكم، ذلكم خيرٌ لكم، كما أخرجك، فالكافُ في الحقيقة نعتٌ لخبر مبتدأ محذوف، وهو ضعيفٌ لطولِ الفصلِ بين قوله: «وأصْلِحُوا» ، وبين قوله: «كما أخرجك» . الخامس عشر: أنّضها في محل رفع أيضاً عى خبر ابتداء مضمر، والمعنى: أنَّه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله ﷺ َ لخروجه من المدينة، حين تحققوا خروج قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم لنزع الغنائم من أيديهم، وجعلها للَّه ورسوله، يحكم فيها ما يشاء. واختار الزمخشري هذا الوجه وحسَّنه. فقال: «يرتفع محلُّ الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالِ إخراجك، يعني أنَّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب» . وهذا الذي حسَّنه الزمخشريُّ هو قول الفرَّاءِ - وقد شرحه ابنُ عطيَّة بنحو ما تقدَّم من الألفاظ - فإنَّ الفرَّاء قال: «هذه الكاف شبَّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصَّة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال» . السادس عشر: أنَّها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً، وقد حذف المبتدأ وخبره، والتقديرُ: قسمتك الغنائم حق كما كان إخراجك حقاً. السابع عشر: أنَّ التَّشبيه وقع بين إخراجين، أي: إخراج ربك إيَّاك من بيتك، وهو مكَّة وأنت كارهٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإخراج النَّصر والظفر كإخراجه إيَّاك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ، يكون عقيب ذلك الخروج الظفرُ والنصرُ والخيرُ، كما كان عقيب ذلك الخروج الأول. الثامن عشر: أن تتعلَّق الكافُ بقوله: «فاضْربُوا» ، وبسْطُ هذا على ما قالهُ صاحب

стр. 5677

هذا الوجه أن تكون الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده: كما رجعتك إلى أعدائي فاستضعفوك، وسألت مدداً فأمددتُكَ، وأزحت عللك، فخذهم الآن وعاقبهم، كما أحْسنْتُ إليك وأجريتث عليك الرزق، فاعملْ كذا، واشكرني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق وغشَّاكم النُّعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وأنزل عليكم من السَّماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كُلَّ بنان. كأنه يقولُ: قد أزَحْتُ عللكم، وأمددتكم بالملائكة، فاضربُوا منهم هذه المواضع وهو القتل، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحقِّ، وإبطال الباطلِ، وهذا الوجه بعد طوله لا طائل تحته لبُعدِه من المعنى وكثرة الفواصل. التاسع عشر: التقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ، أي: بسبب إظهار دين اللَّهِ، وإعزاز شريعته، وقد كرهوا خروجك تَهَيُّباً للقتال وخَوْفاً من الموت إذ كان أمر النبي ﵊ بخروجهم بغتةً، ولم يكونُوا مُسَْعِدِّين للخروج، وجادلوك في الحقِّ بعد وضوحه نصرك اللَّهُ وأمدَّك بملائكته ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده، وهو قوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآيات. وهذا الوجهُ استحسنه أبو حيَّان، وزعم أنه لمْ يُسْبَق به. ثم قال: «ويظهرُ أنَّ الكاف ليست لمحضِ التَّشبيه، بل فيها معنى التَّعليل» . وقد نصَّ النحويُّون على أنَّها للتعليلِ وخرَّجُوا عليه قوله تعالى: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ . وأنشدوا: [الرجز] ٢٦٧١ - لا تَشْتُمِ النَّاسَ كَمَا لا تُشْتَمُ ... أي: لانتفاءِ شتم النَّاس لك لا تشتمهم. ومن الكلام الشَّائِعِ: كما تطيع اللَّه يدخلك الجنَّة، أي: لأجل طاعتك الله يدخلك الجنَّة، فكذا الآية، والمعنى: لأنْ خرجت لإعزاز دين اللَّهِ، وقتل أعدائه ونصرك وأمدَّك بالملائكة. العشرون: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخرجُك في الطَّاعة خيرٌ لكم كما كان إخراجك خيراً لهم، وهذه الأقوالُ ضعيفة كما بينا. قوله: «بالحَقِّ» فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بالفعل، أي: بسبب الحقِّ، أي: إنَّه إخراجٌ بسبب حق يظهر وهو علوُّ كلمة الإسلام، والنَّصرُ على أعداء اللَّهِ.

стр. 5678

والثاني: أن يتعلق بمحذوفٍ على أنَّهُ حال من مفعول: «أخْرَجَكَ» أي: ملتبساً بالحقِّ. قوله: وإن فريقاً الواو للحال، والجملة في محلِّ نصب، ولذلك كُسرت «إنَّ» ومفعول «كَارِهُونَ» محذوفٌ، أي: لكارهون الخروج، وسببُ الكراهية: إمَّا نفرة الطبع ممَّا يتوقَّع من القتال، وإمَّا لعدم الاستعداد. والمراد ب «بيته» بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها. فصل روى ابنُ عبَّاس، وابنُ الزُّبير، ومحمَّد بنُ إسحاق، والسُّديُّ أنَّ أبا سفيان أقبل من الشَّام في عير لقريش في أربعين راكباً من كفَّارِ قريش منهم: عمرُو بن العاصِ، ومخرمة ابنُ نوفل، وفيها أموال كثيرة، حتَّى إذا كانوا قريباً من بدر، أخبر جبريل النبي ﷺ َ فأعجبهم تلقي العير، لكثرة الخير، وقلة العدوِّ، فانتدب النَّاس، فخفَّ بعضهم وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنُّوا أنَّ رسول الله ﷺ َ يلقى حرباً. فلمَّا سمع أبُو سفيان بمسير النبي ﷺ َ، استأجرَ ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكَّة وأمره أن يأتي قريشاً يستنفرهم، ويخبرهم أنَّ محمداً قد عرض عليرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكَّة. وقد رأت عاتكة بنت عبد المطالب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شرّ ومُصيبة فاكتم عليَّ ما أحدثك. قال لها: وما رأيتُ؟ قالت: رأيتُ راكباً أقبل على بعيرٍ لهُ حتَّى وقف بالأبطح ثمَّ صرخ بأعلى صوته ألا فانفرُوا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى النَّاس قد اجتمعُوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حولهُ مثل به بعيره على ظهر الكعبةِ، ثمَّ صرخ بمثلها أعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاثٍ، ثمَّ مثل به بغيره على رأس أبي قبيس، ثمَّ صرخ بمثلها ثم أخذ صخرة، فأرسلها فأقبلت تهوي حتّضى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقي بيت من بيوت مكَّة إلَاّ دخلته منها فلقةٌ، فحدَّث بها العباس الوليد، فذكرها الوليدُ لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدَّثُون برؤيا عاتكة، فلمَّا رأني أبو جهل قال: با أيا الفضل إذا فرغت من طوافك أفقبل إلينا. قال: فلمَّا فرغتُ أقبلتُ حتَّى جلست مهم. فقال أبو جهل: ييا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم قلت: وما ذاك؟ . قال: الرُّؤيَا التي رأتها عاتكة قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتَّى تتنبأ نساؤهم لقد زعمت عاتكةُ في رؤياها أنَّهُ قال: انْفِرُوا في ثلاثٍ، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يكُ ما قالت

стр. 5679

حقَّا فسيكونُ، وإن تَمْضِ الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتاباً أنَّكُمْ أكذبُ هل بيت في العرب قال العباس: فواللَّهِ ما كان منِّي إليه كبير فلمَّا كان بعد ثلاث إذْ هو يسمعُ صوتَ ضمضمٍ بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره وقد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقولُ: يا معشر قريش اللَّطيمة، أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها مُحَمَّدٌ في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث. فخرج أبو جهلٍ بجميع أهل مكَّة وهم النَّفيرُ، وفي المثل السَّائر: لا في العير، ولا في النفير، فقيل له: إنَّ العير قد أخذت طريق السَّاحل، ونجتْ، فارجع بالنَّاس إلى مكة، فقال: لا والله لا يكونُ ذلك أبداً حتَّى ننحرَ الجزور، ونشرب الخُمُورَ، ونقيم القينات والمعازف ببدر، فيتسامع العربُ بخروجنا، وأنَّ محمداً لم يُصِب العير، فمضى بهم إلى بدرٍ، وبدرٌ كانت العربُ تجمع فيه يوماً في السَّنةِ لسوقهم. «ونزل جبريلُ وقال: إنَّ القوم قد خرجوا من مكَّة على كلِّ صعبٍ وذلولٍ، وإن الله قد وعدكم أحدى الطائفتين فالعيرُ أحب إليكم أم النفير؟ . قالوا: بل العيرُ أحبُّ إلينا من لقاء العدو، فتغيَّر وجهُ رسول الله ﷺ َ، وقال: إنَّ العير قدمضت على ساحلِ البَحْرِ، وهذا أبو جهل قد أقبل. فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودَع العدُوَّ فقام عند غضب رسول الله ﷺ َ أبو بكر وعمر لإأحسنا، ثمَّ قام سعدُ بنُ عبادة وقال: امْضِ لِمَا أمرك اللَّهُ به، فواللَّهِ لو سرت إلى عدن ما تخلَّف رجلٌ عنك من الأنصار، ثم قال المقدادُ بنُ عمرو: يا رسول الله امض لما امرك اللَّهُ؛ فإنَّ معك حيث أردت، لا نقولُ لك كما قالت بَنُو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلاا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقول: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون ما دامت عين منَّا تطرف، فضحك رسولُ اللَّه ﷺ َ ثم قال:» سِيرُوا على بركةِ الله، وأبشروا، فإنَّ اللَّهَ اللَّهَ قد وعدنِي إحْدَى الطائفتين، واللَّهِ لكَأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القوْمِ « عن أنس قال رسُول اللَّهِ ﷺ َ» هذا مصرعُ فُلانٍ قال: ويضعُ يدهُ على الأرض ههنا وههنا، قال: فَمَا مَاطَ أحدهم عن موضع يَدِ رسول الله ﷺ َ. ولمَّا فرغ نبيُّ الله من بدر قال بعضهم: عليك بالعير، فناداهُ العبَّاسُ وهو في وثاقه: لا يصلحُ، فقال النبي ﷺ َ: لِمَ؟ قال: لأنَّ اللَّهَ وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك «

стр. 5680

إذا عرف ذلك نقولُ كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لقوله تعال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] والحق الذي جادلوك فيه رسول الله ﷺ َ تلقي النفير لايثارهم العير.

стр. 5681

قوله: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ المرادُ منه: إعلام رسُول اللَّهِ بأنَّهم ينصرون، وجدالهم قولهم: ما كان خُروجنا إلَاّ للعير، وهلَاّ قلت لنا لنستعدّ ونتأهبّ للقتالِ؛ لأنَّهم كانُوا يكرهون القتال ثُم إنَّه تعالى شبَّه حالهم في فرط فزعهم بحال من يُجَرّ غلى القتل، ويُسَاق إلى الموت وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجبته، ومنه قوله عليه السَّلأامُ: «من نفى ابنه وهو ينظر إليه» أي يعلم أنَّه ابنه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] أي يعلم وكان خوفهم لأمور: أحدها: قلَّة العدد. وثانيها: كانوا رجَّالة، روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان. وثالثها: قلة السلاح. قوله: يُجالدُونك يحتمل أن يكون مُسْتأنفاً إخباراً عن حالهم بالمجادلةِ، ويحتمل أن يكون حالاً ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إيَّاك، ويحتمل أن يكون حالاً من الضَّمير في لكارهُون، أي: لكارِهُونَ في حال جدالٍ. والظاهرُ أنَّ الضميرَ المرفوع يعودُ على الفريق المتقدِّم. ومعنى المجادلة قولهم: كيف تُقاتل ولم نستعد للقتال؟ ويجوزُ أن يعود على الكفَّارِ، وجدالهم ظاهر. قوله: بَعْدَ ما تبيَّن منصوب بالجدال، و «ما» مصدرية، أي: بعد تَبينِهِ ووضوحه، وهو أقبحُ من الجدال في الشَّيء قبل إيضاحه. وقرأ عبد الله «بُيِّن» مبنياً للمفعول من: بَيَّنتُهُ أي: أظهرته، وقوله: «وهُمُ ينظرُونَ» حالٌ من مفعول يُساقُونَ.

стр. 5682

قوله «وإذْ يعدُكُمُ» «إذْ» منصوب بفعل مقدر، أي: اذكر إذْ، والجمهور على رفع الدال؛ لأنَّه مضارع مرفوع. وقرأ مسلمة بنُ محاربٍ: بسكونها على التَّخفيفِ لتوالي الحركاتِ.

стр. 5683

وقرأ ابنُ محيصن «يعدكم اللَّهُ احدى» يوصل همزة أحْدَى تخفيفاً على غير قياس، وهي نظير قراءة من قرأ: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى﴾ [المدثر: ٣٥] بإسقاط الهمزة أجرى همزة القطع مُجْرَى همزة الوصل، وقرأ أيضاً أحَد بالتَّذكير؛ لأنَّ الطائفة مؤنث مجازي. فصل إحدى الطائفتين أي: الفرقتين: أحدهما: أبو سفيان مع العير، الأخرى أبو جهل مع النَّفيرِ، و «أنَّها لَكُمْ» منصوبُ المحلِّ على البدلِ مِنْ إحْدَى أي: يَعِدُكم أنَّ إحدى الطائفتين كائنة لكم، أي: تتسلَّطُون عليها تسلُّط المُلَاّكِ، فهي بدل اشتمال وتوَدُّونَ تريدون: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ﴾ يعني: العير التي ليس فيها قتال والشَّوكةُ: السلاح كسِنان الرُّمح، والنصل والسَّيف، وأصلها من النَّبتِ الحديدِ الطرف، ك: «شَوْكِ السَّعدان» ، يقال منه: رَجُلٌ شائِكٌ، فالهمزة مِنْ «واوٍ» ، ك: قائم، ويجوزُ قلبه بتأخير عينه بعد لامه، فيقال: شاكٍ، فيصير ك: غازٍ، ووزنهُ حينئذ فالٍ. قال زهيرٌ: [الطويل] ٢٦٧٢ - لَدَى أسَدٍ شَاكِي السِّلاحِ مُقذَّفٍ ... لهُ لبدٌ أظفارهُ لمْ تُقلَّمِ ويُوصفُ السلاحُ: بالشَّاكي، كما يوصف به الرَّجُل، فيقال: رجلٌ شاكٌ، وشاكٍ، وسلاحٌ شاكٌ، وشاكٍ. فأمَّا «شاكٌ» غير معتل الآخر، وألفه منقلبةٌ عن عين الكلمة، ووزنهُ في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قلبت ألفاً، كما قالوا: كبشٌ صافٌ أي صوف، وكذلك «شاكٌ» أي: شَوِكٌ. ويحتمل أن يكون حذوف العين، وأصله «شَائِكٌ» ، فحذفت العين، فبقي «شاكاً» فألفه زائدةٌ، ووزنه على هذا «فالٍ» . وأمَّا: «شاكٍ» فمنقوصٌ، وطريقته بالقلب كما تقدم ومن وصف السلاح بالشاك قوله: [الوافر] ٢٦٧٣ - وألْبِسُ من رضاهُ في طريقِي ... سلاحاً يَذْعَرُ الأبطالَ شَاكَا فهذا يحتمل أن يكون محذوف العين، وأن يكون أصله «شوكاً» ، ك: صَوِف. ويقال أيضاً: هو شاكٌّ في السلاح، بتشديد الكافِ، من «الشِّكَّة» ، وهي السلام أجمع، نقله الهرويُّ، والرَّاغبُ.

стр. 5684

قال: إنَّكُم تريدون الطائفة التي لا حدة لها، يعني: العير، ولكن الله يريدُ التَّوجُّهَ إلى الطائفة الأخرى ليحق الحقَّ بكلماته. وقرأ مسلمة بن محارب: «بكلمته» على التَّوحيد، والمراد به: اسم الجنس فيؤدِّي مؤدَّى الجمع، والمراد بقوله: «بِكلماتِهِ» أي: بأمره إيَّاكم بالقتالِ، وقيل: بهدايته التي سبقت من إظهار الدّين وإعزازه: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين﴾ والدَّابرُ الآخر من دبر، ومنه دابرة الطَّائر وقطع الدَّابر عبارة عن الاستئصال أي: ليستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد.

стр. 5685

قوله: «لِيُحِقَّ» فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلقٌ بما قبله، أي: ويقطع ليحق الحقَّ، والثاني: أن يتعلَّق، بمحذوفٍ تقديره: ليحقَّ الحقَّ فعل ذلك، أي: ما فعله إلَاّ لهما، وهو إثباتُ الإسلامِ وإظهاره وزوالُ الكُفْرِ ومحقه. قال الزمخشريُّ: «ويجب أن يُقدَّر المحذوفُ مؤخراً ليفيد الاختصاص وينطبق عليه المعنى» . وهذا على رأيه، وهو الصحيحُ. فإن قيل: قوله: ﴿وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ ثم قوله بعد ذلك «لِيُحِقَّ الحقَّ» تكرير محضٌ. فالجوابُ: أنَّ المراد بالأوَّل سبب ما وعد اللَّه به هذه الواقعة من النَّصر والظَّفر بالأعداد. والمراد بالثاني: تقوية القرآن والدِّين ونصرة هذه الشَّريعةِ؛ لأنَّ الذي وقع مع المؤمنين يوم بدر بالكافرين سبب لعزة الدِّين وقوته، ولهذا قرنه بقوله: «ويُبْطِلَ الباطلَ» الذي هو الشرك، وذلك في مقابلة: «الحقّ» الذي هو الدين والإيمان. فإن قيل: الحقُّ حقٌّ لذاته، والباطلُ باطلٌ لذاته، وما ثبت للشيء لذاته؛ فإنَّه يمتنع تحصيله بجعل جاعل فما المرادُ من تحقيق الحقِّ وإبطال الباطل. الجوابُ: المرادُ من تحقيق الحقِّ وإبطال الباطل إظهار كون ذلك الحقِّ حقّاً، وإظهار كون الباطل باطلاً، وذلك يكون تارةً بإظهار الدَّلائل والبينات، وتارةً بتقوية رؤسَاءِ الباطل. فصل احتجوا بقوله: «لِيُحِقَّ الحَقَّ» في مسألة خلْقِ الأفعال.

стр. 5686

قالوا: يجبُ حمله على أنه يوجدُ الحقَّ وبكونه، والحقُّ ليس إلَاّ الدين والاعتقاد، فدل على أنَّ العقائد الحقة لا تحصل إلَاّ بتكوين الله، ولا يمكنُ حمل تحقيق الحقِّ على إظهار آثاره؛ لأنَّ ذلك الظُّهُورَ حصل بفعل العبادِ، فامتنع إضافة ذلك الإظهار إلى اللَّهِ تعالى، ولا يمكنُ أن يقال: المرادُ من أظهاره وضع الدلائل عليها، لأنَّ هذا المعنى حاصلٌ في حق الكافر والمسلم. وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يَبْقَى لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلاً. قالت المعتزلةُ: هذه الآيةُ تدلُ على أنَّهُ يريدُ تحقيق الباطل وإبطال الحق ألبتَّة، إنَّما يريد تحقيق الحقِّ، وإبطال الباطل، وذلك يبطلُ قول من يقول إنَّه لا باطل ولا كفر إلَاّ والله تعالى مريدٌ له. وأجيبوا: بأنه ثبت في أصول الفقة أنَّ المفرد المحلى بالألف واللَاّم ينصرفُ إلى المعهود السَّابقِ فهذه الآية دلَّ على أنَّه تعالى أراد تحقيق الحق، وإبطال الباطل في الصُّورة، فلم قُلْتُم إنَّ الأمر كذلك في جميع الصُّور؟ وقد بيَّنا أيضاً بالدَّليلِ أنَّ هذه الآية تدلُّ على صحَّة قولنا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾ أي: المشركون.

стр. 5687

قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية. في «إذْ» خمسة أوجه: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ ب «اذْكر» مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً، أي: إنَّهُ منقطعٌ عمَّا قبله. والثاني: أنَّهُ منصوب ب «يُحِقَّ» أي: يحقُّ الحقَّ وقت استغاثتكم، وهو قول ابن جرير وهو غلط؛ لأن «لِيُحِقَّ» ، مستقبل؛ لأنَّه منصوبٌ بإضمار «أنْ» و «إذْ» ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ . الثالث: أنَّهُ بدلٌ من «إذ» الأولى، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبُو البقاءِ وكانوا قد قدَّمُوا أنَّ العامل في «إذْ» الأولى «اذكر» مقدراً. الرابع: أنَّهُ منصوب ب «يَعِدُكُمُ» قاله الحوفيُّ، وقبله الطبري. الخامس: أنَّهُ منصوب بقوله «تَوَدُّونَ» قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصْلِ. واستاث: يتعدَّى بنفسه، وبالباءِ، ولم يجىء في القرآن إلَاّ متعدِّياً بنفسه، حتَّى نقم ابن مالك على النحويين قولهم: المستغاث له، أو به، والمستغاث من أجله، وقد أنشدوا على تعدِّيه بالحرف قول الشاعر: [البسيط]

стр. 5688

٢٦٧٤ - حَتَّى اسْتَغَاثَتْ بماءٍ لا رشاءَ لَهُ ... من الأبَاطِحِ في حَافَاتِهِ البُرَكُ مُكَلَّلٌ بأصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ... ريحٌ خريقٌ لضاحِي مائِهِ حُبُكُ كَمَا استغاثَ بِسَيءٍ فَزُّ غَيْطلةٍ ... خَافَ العُيُونَ ولمْ يُنظَرْ بِه الحِشَكُ فدلَّ هذا على أنَّهُ يتعدَّى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره. فصل الاستغاثةُ: طلبُ الغَوْث، وهو النَّصرُ والعونُ، وقيل: الاستغاثةُ: سدُّ الخَلَّةِ وقتَ الحاجةِ، وقيل: هي الاستجارةُ، ويقالُ: غَوْثٌ، وغواثٌ، والغَيْث من المطرِ، والغَوْثُ من النُّصرةِ، فعلى هذا يكون «اسْتَغَاثَ» مشتركاً بينهما، ولكن الفرقَ بينهما في الفعل، فيقال: اسْتَغثْتُهُ فأغاثني من الغَوث، وغَاثَني من الغَيْث، وفي هذه الاستغاثَةُ قولان: الأول: أنَّ هذه الاستغاثة كانت من الرَّسُولِ ﵊. قال ابن عبَّاسٍ: حدّثني عمرُ بنُ الخطاب ﵁ قال: «لمَّا كان يوم بدرٍ نظر رسولُ الله ﷺ َ إلى المشركين، وهم ألف وإلى أصحابه، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، واستقبل القبلة، ومد يده، فجعل يهتف بربّه:» اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهلِكْ هذه العصابة لا تُعْبَدُ في الأرضِ «فلم يزل كذلك حتّضى سقط رداؤهُ عن منكبه، وردَّه أبو بكر ثمَّ التزمه، ثم قال: كفاكَ يا نبيَّ اللَّهِ مناشَدَتكَ ربَّك، فإنَّه سَيُنْجِزُ لك ما وعدكَ» ؛ فأنزل اللَّهُ الآية، ولما اصطفّ القومُ قال أبُو جهلٍ: اللَّهُمَّ أولانا بالحقَّ فانْصُرهُ. الثاني: أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين؛ لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلاً فيهم، بل خوفهم كان أشَدّ من خوف الرسول، ويمكن الجمع بينهما بأنَّ النبي ﷺ َ دعا وتضرع، والمؤمنون كانوا يُؤمِّنونَ على دعائه.

стр. 5689

قوله: «أنِّي» العامةُ على فتح الهمزةِ بتقدير حذف حرف الجرّ، أي: فاستجاب بأني. وقرأ عيسى بن عمر، وتروى عن أبي عمرو أيضاً «إنِّي» بكسرها، وفيها مذهبان، مذهب البصريين: أنَّهُ على إضمار القول، أي: فقال: إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين: أنَّها مَحكيَّةٌ ب «اسْتَجَابَ» إجراءً له مُجْرَى القولِ؛ لأنَّه بمعناه. قوله: «بألفٍ» العامَّةُ على التَّوحيدِ، وقرأ الجحدريُّ «بآلفٍ» بزنة «أفْلُسِ» وعنه أيضاً، وعن السدي «بآلاف» بزنة: أحْمَال «، وفي الجمع بين القراءتين، وقراءة الجمهور أن تحمل قراءةُ الجمهورِ على أنَّ المرادَ ب» بالألْفِ هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يَنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور، ونصَّ عليهم في هاتين القراءتينِ، أو تحمل الألف على من قاتل من الملائكة دون من لم يقاتل، فلا تَنَافِي حينئذٍ بين القراءاتِ. قوله: «مُردفينَ» قرأ نافع، ويروى عن قنبل أيضاً: «مُردَفينَ» بفتح الدَّال، والباقون بكسرها، وهما واضحتان؛ لأنه يُروى أنه كان وراء كلّ ملكٍ رديفٌ له، فقراءة الفتحِ تُشعر بأنَّ غيرهم أردفهم، لركوبهم خلفهم، وقراءة الكسر تشعر بأنَّ الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصحَّ التَّعبيرُ باسم الفاعل تارةن وباسم المعفول أخرى، وجعل أبو البقاءِ مفعول «مُردفين» يعني بالكسر محذَوفاً أي: مُردفين أمثالهم، وجوَّز أن يكون معنى الإرداف: المجيء بعد الأوائل، أي: جعلوا ردفاً للأوائل. ويطلب جواب عن كيفيَّةِ الجمع بين هذه الآية، وآية آل عمران حيث قال هناك «بخَمْسَة» وقال هنا: «بألفٍ» والقصّة واحدة؟ والجوابُ: أنَّ هذه الألف مردفةٌ لتلك الخمسة؛ فيكون المجموعُ ستة آلاف، ويظهر هذا، ويقوى في قراءة: «مُردِفينَ» بكسر الدَّالِ. وقد أنكر أبو عبيدٍ: أنْ تكون الملائكةُ أردفت بعضها أي: ركَّبَتْ خلفها غيرها من الملائكةِ. وقال الفارسيُّ: من كسر الدَّال احتمل وجهين: أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم كما تقول: أردفتُ زيداً دابتي، فيكون المفعولُ الثَّاني محذوفاً، وحذفُ المفعولِ كثيرُ، والوجه الآخرُ: أن يكونوا جَاءُوا بعد المسلمين. وقال الأخفشُ «بنو فلان يَردفوننا، أي: يَجيئُون بعدنا» . وقال أبُو عبيدة «مُردفينَ» جاءوا بعدُ، وردفني، وأردفني واحد.

стр. 5690

قال الفارسي: هذا الوجه كأنه أبْيَنُ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ فقوله: «مُردفينَ» أي: جائين بعد، لاستغاثتكم، ومن فتح الدَّال فهم مُردفُون على أرْدِفُوا الناسَ، أي: أنْزِلُوا بعدهم. وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليلُ: «مُردِّفينَ» بفتح الرَّاء وكسر الدَّالِ مشدَّدة، والأصلُ: «مُرتدفينَ» فأدغم. وقال أبو البقاءِ: إنَّ هذه القراءة مأخوذةٌ من «رَدَّفَ» بتشديد الدَّال على التكثير وإنَّ التضعيف بدلٌ من الهمزة ك: «أفْرحتَهُ وفرَّحْته» . وجوَّز الخليلُ بنُ أحمد: ضمَّ الراءِ إتباعاً لضم الميم، كقولهم: «مُخُضِم» بضم الخاءِ، وقد قراء بها شذوذاً. وقرىء «مُرِدِّفين» بكسر الرَّاءِ وتشديد الدَّالِ مكسورة، وكسر الراء يحتمل وجهين: إمَّا لالتقاءِ الساكنين، وإمَّا للإتباع. قال ابنُ عطيَّة: «ويجوزُ على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للرَّاءِ، ولا أحفظه قراءة» . قال شهابُ الدِّين: وكذلك الفتحة في «مُردِّفينَ» في القراءة التي حكاها الخليلُ تحتمل وجهين: أظهرهما: أنَّها حركةُ نقلٍ من التَّاء - حين قصد إدغامها - إلى الرَّاءِ. والثاني: أنَّها فُتِحَتْ تخفيفاً وإن كان الأصلُ الكسر على أصل التقاء السَّاكين، كما قد قُرىء به، وقرىء «مِرِدِّفين» بكسر الميم، إتباعاً لكسرةِ الرَّاءِ. و «الإرداف» الإتباع، والإركاب، وراءك. وقال الزَّجَّاجُ: «أردفْتُ الرَّجُلَ إذا جئت بعده» . ومنه: ﴿تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: ٧] ويقال: رَدِف، وأرْدَفَ. واختلف اللغويون: فقيل هما بمعنى واحد، وهو قول ابن الأعرابي نقله عنه ثعلب. وقولُ أبي زيْد نقله عنه أبو عبيدٍ، قال: يقال: ردفْتُ الرَّجُلَ وأردفتُهُ، إذا ركِبْتُ خَلْفَهُ؛ وأنشد: [الوافر] ٢٦٧٥ - إذَا الجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بآل فَاطِمَةَ الظُّنُونَا

стр. 5691

أي: جاءت على رِدْفِها، وقيل: بينهما فرقٌ فقال الزَّجَّاجُ: «يقال: رَدِفْتُ الرَّجل إذا ركبتُ خلفه، وأرْدَفتُه أركبته خَلْفِي» . وهذا يُناسبُ قول مَنْ يُقدِّر مفعولاً في: «مُرْدِفين» بكسر الدَّال وأرْدَفْتُه إذا جئتَ بعده أيضاً فصار «أرْدَفَ» على هذا مشتركاً بين معنين. وقال شمر: «رَدِفْتُ وأرْدَفْتُ إذَا فَعَلْتَ ذلك بنفسكَ، فأمَّا إذَا فعلتهما بغيركَ فأرْدَفْتُ لا غير» . وقوله: «مُرْدَفينَ» بفتح الدَّال فيه وجهان، أظهرهما: أنَّهُ صفةٌ ل «ألْف» أي: ارْدَفَ بعضهم لبعض، والثاني: أنَّه حالٌ من ضمير المخاطبين في ممدكم. قال ابن عطية: «ويحتمل أن يراد بالمُرْدَفين: المؤمنون، أي: أرْدِفُوا بالملائكة» . وهذا نصٌّ فيما ذكر من الوجه الثاني. وقال الزمخشري: وقرئ «مُرْدفين» بكسر الدَّال وفتحها من قولك: رَدِفه، إذا تبعه، ومنه قوله تعالى ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] أي: ردفكم، وأرْدَفْتُه إيَّاه: إذا تَبِعْتَه، ويقال: أرْدَفته كقولك، اتَّبَعْته: إذا جِئْتَ بعده، ولا يخلُو المكسورُ الدَّالِ من أن يكون بمعنى: مُتْبِعِين، أو مُتَّبِعين. فإن كان بمعنى مُتْبعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى مُتْبِعين بعضهم بعضاً، أو مُتْبِعِين بعضهم لبعض، أي بمعنى مُتْبِعِين إياهم المؤمنين، بمعنى يتقدَّمونهم فيتبعونهم أنفسهم، أو مُتْبِعين لهم يُشيِّعُونهم ويُقدِّمُونهُم بين أيديهم، وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحِفْظِهم أو بمعنى مُتْبِعِين أنفسهم ملائكة آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الملاائكة مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بِخَمْسَةِ آلااف مِّنَ الملاائكة مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] . ومن قرأ «مُرْدَفين» بالفتح فهو بمعنى مُتْبعينَ أو مُتَّبعينَ. وهذا الكلامُ على طوله، شرحُهُ أنَّ «أتْبع» بالتخفيف، يتعدَّى إلى مفعولين، و «اتَّبَع» بالتَّشديد، يتعدى لواحدٍ، و «أردف» قد جاء بمعناهما، ومفعوله أو مفعولاه، محذوفٌ، لفهم المعنى، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به، إلَاّ أنَّ أبا حيَّان عابَ عليه قوله: «مُتْبِعين إيَّاهم المؤمنين» . وقال: «هذا ليس من مواضعِ فصل الضميرِ، بل ممَّا يتصل، وتُحْذف له النُّونُ، لا يقال: هؤلاء كاسون إيَّاك ثوباً بل: كاسوك، فتصحيحه أن يقول: متبعيهم المؤمنين، أو متبعين أنفسهم المؤمنين» .

стр. 5692

قوله: «وما جَعَلَهُ» الهاء تعود على الإمداد، أي: وما جعل اللَّهُ الإمدادَ، ثُمَّ هذا الإمدادُ يحتمل أن يكون المنسبكَ من قوله: «إنِّي مُمِدُّك» إذ المعنى: فاستجاب بإمدادكم، ويحتمل أن يكون مدلولاً عليه بقوله: «مُمِدُّكم» كما دلَّ عليه فعلُهُ في قوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨] وهذا الثَّاني أولَى؛ لأنَّه مُتأتٍّ على قراءة الفتح والكسر في: «إني» بخلاف الأول فإنَّهُ لا يتّجه عودُهُ على الإمداد على قراءة الكسر إلَاّ بتأويلٍ ذكره الزمخشريُّ: وهو أنَّه مفعول القول المضمر، فهو في معنى القول. وقيل يعودُ على المدد قاله الزَّجَّاجُ، وهذا أولى؛ لأنَّ بالإمداد بالملائكةِ كانت البُشْرَى. وقال الفرَّاءُ: إنَّهُ يعودُ على الإرداف المدلول عليه ب «مُرْدفين» . وقيل: يعودُ على: «الألف» . وقيل: على المدلول عليه ب «يَعِدُكم» . وقيل: على جبريل، أو على الاستجابة لأنَّها مؤنثٌ مجازي، أو على الإخبار بالإمداد، وهي كلُّهَا محتملة وأرجحها الأوَّلُ، والجعل هنا تصييرُ. فصل في قتال الملائكة يوم بدر. اختلفوا في أنَّ الملائكة هل قاتلوا يوم بدر؟ فقال قومٌ: نزل جبريلُ ﵊ في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرِّجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، وقد أرخوا أطرافهم بين أكتافهم وقاتلوا، وقيل: قاتلُوا يوم بدر ولم يقاتلُوا يوم الأحزاب، ويوم حنين. رُوي أنَّ أبّا جهل قال لابنِ مسعُودٍ: مِنْ أينَ كان الصَّوت الذي كُنَّا نسمعُ ولا نرى شخصاً؟ . قال: من الملائكة. فقال أبُو جهْلٍ: هُم غلبونَا لا أنتم. «وروي أنَّ رجلاً من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذْ سمع صوت ضربة السَّوْط فوقه، فنظر إلى المشرك وقد خرَّ مستلقياً وشُق وجهه، فحدَّث الأنصاريُّ رسول الله ﷺ َ فقال:» صَدقتَ ذاكَ من مددِ السَّماءِ «

стр. 5693

وقال آخرون لم يُقاتلُوا وإنَّما كانوا يكثرون السَّواد ويثبتون المؤمنين، وإلَاّ فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا كلهم فإنَّ جبريل ﵇ أهلكَ بريشةٍ من جناحه مدائن قوم لوطٍ، وأهلك بلاد ثمود، وقوم صالح بصحية واحدة. وقد تقدَّم الكلامُ في كيفية هذا الإمداد في سورة آل عمران، ويدلُّ على أنَّ الملائكة لم يقاتلوا قوله ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلَاّ بشرى﴾ إذا جعلنا الضمير عائداً على الإرداف. قال الزَّجَّاجُ:» وما جعل الله المردفينَ إلا بشرى «وهذا أولى؛ لأنَّ الإمدادَ بالملائكة حصل بالبشرى. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ والمقصود التَّنبيه على أنَّ الملائكةَ وإن كانُوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين، إلَاّ أنَّ الواجب على المؤمنِ أنْ لا يعتمد على ذلك، بل يجبُ أن يكون اعتماده على اللَّهِ ونصره وكفايته؛ لأنَّ الله هو العزيزُ الغالب الحكيم فيما ينزل من النُّصْرَةِ فيضعها في موضعها.

стр. 5694

قوله: «إذْ يُغَشِّيكمُ» في «إذ» وجوه: أحدها: أنَّهُ بدلٌ من «إذ» في قوله: «وإذْ يَعِدُكُم» قال الزمخشريُّ: «إذْ يغشاكُمُ» بدلٌ ثانٍ من «إذ يعدكُم» . قوله: «ثَانس» ؛ لأنه أبدل منه «إذْ» في قوله: «إذْ تستغيثُونَ» ووافقه على هذا ابنُ عطيَّة، وأبو البقاء. الثاني: أنَّهُ منصوبٌ ب «النصر» . الثالث: بما في عند الله من معنى الفعل. الرابع: ب «ما جعله اللَّهُ» . الخامس: بإضمار «اذكُر» ذكر ذلك الزمخشريُّ. وقد سبقه إلى الرابع: الحُوفِيُّ. وقد ضعَّف أبو حيان الوجه الثَّاني بثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَ فيه إعمال المصدر المقرون ب «أل» قال: وفيه خلاف: ذهب الكوفيُّون إلى أنَّه لا يعمل. الثاني: أنَّ فيه فصلاً بين المصدر ومعموله بالخير، وهو قوله: ﴿إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ [الأنفال: ١٠] [آل عمران: ١٢٦] ولو قلت: «ضَرْب زيدٍ شديدٌ عمراً» لَمْ يَجُرْ. الثالث: أنه عمل ما قبل «إلَاّ» فيما بعدها، وليس أحد الثلاثة الجائز ذلك فيها؛ لأنَّه لا يعملُ ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى، أو مستثنى منه أو صفة له. وقد جوَّز الكسائيُّ والأخفش: إعمال ما قبل «إلَاّ» فيما بعدها مطلقاً، وليس في

стр. 5695

هذه الأوجه أحسنُ من أنَّهُ أخبر عن الموصول قبل تمام صلته، وضعَّف الثَّالث بأنَّهُ يلزم منه أن يكون استقرارُ النَّصْرِ مُقَيَّداً بهذا الظَّرفِ، والمنَّصرُ من عند اللَّه لا يتقيَّدُ بوقت دون وقت وهذا لا يضعفُ به؛ لأنَّ المراد بهذا النَّصر نصرٌ خاص، وهذا النصرُ الخاصُّ كان مقيَّداً بذلك الظرف. وضعَّف الرابع بطولِ الفصلِ، ويكون معمولاً لما قبل «إلَاّ» . السادي: أنَّهُ منصوبٌ بقوله: «ولتَطْمئنَّ بِهِ» قاله الطَّبريُّ. السابع: أنَّهُ منصوبٌ بما دلَّ عليه: «عزيزٌ حكيمٌ» قاله أبُو البقاءِ ونحا إليه ابن عطيَّة قبله. وقرأ ابنُ كثير، وأبو عمرو: «يغْشاكُمُ النُّعاس» ، ونافع «يُغشِيكُمُ» بضمِّ الياءِ، وكسر الشِّين خفيفة «النَّعاسَ» نصباً والباقون «يُغَشِّكُمُ» كالذي قبله، إلَاّ أنه بتشديد الشِّين. فالقراءة الأولى من: «غَشِيَ يَغْشَى» ، و «النَّعاسُ» فاعل، وفي الثانية من: «أغْشَى» وفاعله ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة من: «غَشَّى» بالتشديدن و «النُّعاس» فيهما مفعول به. و «أغْشَى وغَشَّى» لغتان. قال الواحديُّ: «من قرأ» يَغْشَاكم «فلقوله: ﴿أَمَنَةً نُّعَاساً يغشى﴾ [آل عمران: ١٥٤] فكما أنسد الفعل هناك إلى» النُّعاس «، و» الأمَنَة «التي هي سبب النُّعاس كذلك ههنا، ومن قرأ» يُغشيكم «، أو» يُغشِّيكم «فالمعنى واحدٌ، وقد جاء التَّنْزِيلُ بهما في قوله: ﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٨] وقال: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [النجم: ٥٤] . قوله: «أمَنَةً» في نصبها ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مصدرٌ لفعلٍ مقدر، أي: فأمِنْتُم أمَنَةً. الثاني: أنَّها منصوبةٌ على أنَّها واقعةٌ موقع الحال إمَّا من الفاعل، وإمَّا من المفعول، فإن كان الفاعل ُ «النعاس» فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌ، وإن كان الباري تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبةُ حقيقيةٌ، وإن كان من المفعولِ فعلى المبالغةِ، أي: جعلهم نفس الأمنة، أو على حذف مضاف، أي: ذوي أمنة. الثالث: أنَّه مفعولٌ من أجله، وذلك إمّضا أن يكون على القراءتين الأخريين أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخريين أمرها واضحٌ، وذلك أن التَّغشية، أو الإغشاء من اللَّهِ تعالى، والأمنةُ منه أيضاً، فقد اتَّحد الفاعل فصحَّ النَّصْبُ على المفعول له، وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل «يَغْشَى» النُّعاس وفاعل «الأمنة» الباري تعالى، ومع اختلافِ الفاعل يمتنع النَّصْبُ على المفعولِ له على المشهُورِ، وفيه خلاف اللَّهُمَّ إلَاّ أن يتجوَّز فيجوز.

стр. 5696

وقد أوضح ذلك الزمخشريُّ فقال: و «أمَنَةً» مفعولٌ له. فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعلُ الفعل المُعَلَّلِ والعلَّة واحداً؟ قلتُ: بلى، ولكن لمَّا كان معنى: «يَغْشَاكُمُ النعاسُ» تنعسون، انتصب «أمَنَةً» على معنى أنَّ النُّعَاس والأمَنَةَ لهم، والمعنى: إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً. ثم قال: «فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنَّ الأمنة للنُّعاسِ الذي هو فاعل» يَغْشَاكُم؟ أي: يغشاكم النُّعاسُ لأمنة على أنَّ إسنادَ الأمْن غلى النعاس إسنادٌ مجازي، وهو لأصحاب النُّعاس على الحقيقة، أو على أنه أنامكم في وقتٍ كان من حق النعاس في ذلك الوقتِ المخوف أن لا يقدم على غشيانكم، وإنَّما غشَّاكم أمنةً حاصلةً له من اللَّهِ لولاها لم يغشكم على طريقة التَّمثيل، والتخييل «. قال شهابُ الدين: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله، وله فيه نظائرُ، ولقد ألمَّ به بعضهم؛ فقال: [الوافر] ٢٦٧٦ - يَهَابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُوناً ... تَهَابُكَ فهو نفَّارٌ شَرُودُ قوله:» مِنْهُ «في محلِّ نصب ل» أمَنَةً «والضميرُ في:» منهُ «يجوز ان يعود على الباري تعالى، وأن يعود على» النُّعاسِ «بالمجازِ المذكور آنفاً، وقرأ ابنُ محيصن، والنَّخعي، ويحيى بنُ يعمُر:» أمْنَةً «بسكون الميم، ونظير: أمِنَ أمَنَةً بالتحريك: حَيِيَ حياة، ونظير: أمِنَ أمْنَة بالسُّكُون: رَحِمَ رَحْمَةً. فصل كلُّ نوم ونعاس فإنه لا يحصلُ إلَاّ من قبل الله تعالى فتخصيصُ هذا النعاس بأنَّهُ من الله تعالى لا بدَّ منه من فائدة جديدة، وذكرُوا فيه وجوهاً: أولها: أن الخائف من عدوه خوفاً شديداً لا يأخذه النَّومُ، فصار حصول النَّومِ في وقت الخوفِ الشديد دليلاً على زوال الخوف وحصول الأمنِ. وثانيها: أنَّهُم خافُوا من جهات كثيرة: قلة المسلمين، وكثرة الكُفَّارِ، وكثرة الأهبة، والآلة، والعدة للكافرين، والعطش الشديد، فلولا حصول النُّعاس، وحصول الاستراحة حتّضى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تمَّ الظفرُ. وثالثها: أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو منهم، بل كان ذلك نعاساً يزيل الإعياء والكلالة بحيث لو قصدهم العدو لعرفوه، ولقدروا على دفعه.

стр. 5697

ورابعها: أنَّ النعاس غشيهم دفعةً واحدةً مع كثرتهم وحصول النُّعاس للجمع العظيم على الخوف الشَّديد أمرٌ خارق للعادة. فلهذا قيل: إنَّ ذلك النُّعاس في حكم المُعْجِز. فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فلم خافوا بعد ذلك؟ فالجواب: لأنَّ المعلوم أنَّ الله تعالى يجعل جُنْدَ الإسلامِ مظفراً منصوراً، وذلك لا يمنع من ضرورة بعضهم مقتولين. قال ابنُ عباسٍ: «النُّعاس في القتال أمَنَة من اللَّهِ، وفي الصَّلاةِ وسوسة من الشَّيطانِ» . قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ العامَّةُ على «ماءً» ، و «ليطُهِّركُم» متعلقٌ ب: «يُنَزّل» . وقرأ الشعبيُّ: «مَا ليُطهركُم» بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان، أشهرهما وهو الذي ذكره ابن جني وغيره - «أنَّ» «مَا» بمعنى «الَّذي» و «لِيُطهِّركُم» صلتها. قال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم. فقدَّر الجار خبراً لمبتدأ محذوف، والجملة صلة ل «مَا» وقد ردَّ أبو حيانهذين التخريجين بأنَّ لامَ «كَيْ» لا تقعُ صلةً. والثاني: أن «ما» هو ماء بالمدّ، ولكن العرب قد حذفتْ همزته فقالوا: «شَرِبْتُ مًا» بميم منونة حكاه ابن مقسم. وهذا لا نظير له، إذ لا يجُوزُ أن يُنتهك اسمٌ معربٌ بالحذفِ حتَّى يبقى على حرفٍ واحدٍ، إذا عرف هذا؛ فيجُوزُ أن يكون قصر «ماء» ، وإنَّما لم يُنونهُ إجراء للوصل مجرى الوقف، ثم هذه الألفُ تحتملُ أن تكون عين الكلمة، وأنَّ الهمزة محذوفةٌ، وهذه األفُ بدلٌ من الواوِ التي في «مَوَهَ» في الأصل، ويجوزُ أن تكون المبدلة من التَّنوين، وأجرى الوصل مُجْرَى الوقف، والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّهم يُرَاعُونَ في الوقف ألَاّ يتركُوا الموقوف عليه على حرفٍ واحدٍ نحو: «مُرٍ» اسم فاعل من: أرَى يُري. فصل رُوي أنَّهم حَفَرُوا موضعاً في الرَّملِ، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتَّى شربُوا منه وتطهروا وتزودوا. وقيل: إنَّهم لمَّا عطشوا ولم يجدوا الماء ثمَّ نامُوا واحتلمُوا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إنَّ المطر نزل وزالت عنهم تلك البليّة والمِحْنَة.

стр. 5698

ومن المعلومِ بالعادة أنَّ المؤمن يستقذر نفسه إذا كان جُنُباً، ويغتم إذا لم يمكن من الاغتسال، وقد يستدل بهذا على حصول اليسر وزوال العسر. قوله: «ويُذْهِبُ عنكُمْ» نسق على «لِيُطَهِّركُم» وقرأ عيسى بنُ عُمَرَ: «ويذْهِبْ» بسكون الباء وهو تخفيف سمَّاهُ أبُو حيَّان: جَزْماً. والعامة على «رِجْزَ» بكسر الرَّاءِ وبالزاي. وقرأ ابنُ محيصن: بضمِّ الراءِ، وابنُ أبي عبلة بالسِّين، وقد تقدَّم الكلامُ على كلِّ واحد منهم. ومعنى: رجز الشيطانِ ههنا: ما ينشأ عن وسوسته، وقيل: الاحتلام، وقيل: إن الكفار لمَّا نزلوا على الماءِ وسوس الشَّيطانُ للمسلمينِ وخوَّفَهُم من الهلاكِ، فلمَّا نزل زالت تلك الوسوسة. فإن قيل: فأيُّ هذه الوجوه أوْلَى؟ . فالجوابُ: أنَّ قوله «لِيُطهِّركُم» معناه ليزيلَ الجنابة عنكم، فلوْ حملنا قوله ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ على الجنابةِ لزم التَّكرار، وهو خلافُ الأصل. ويمكن أنْ يُجابَ بأنَّ المُرادَ من قوله «لِيُطهِّركُم» حصولُ الطَّهارةِ الشَّرعيةِ، والمرادُ: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ إزالة عين المَنِيّ عن أعضائهم فإنَّهُ شيء مُسْتَخْبَثٌ. ثم نقول حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة؛ لأن تأثير الماءِ في إزالة العينِ عن العضو تأثير حقيقيّ، وتأثيره في إزالة الوسوسةِ عن القلبِ تأثير مجازي، وحمل اللفظِ على الحقيقةِ أولى من حمله على المجازِ. قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ﴾ أي بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوفُ عنهم، ومعنى الرَّبط في اللغة: الشَّد، وقد تقدَّم في قوله: ﴿وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠] . قال الواحديُّ: «ويشبه أن تكون» على «ههنا صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بالصَّبر وما أوقع فيها من اليقين» . وقال ابن الخطيب: ويشبه ألَاّ يكون صلة؛ لأنَّ كلمة «عَلَى» تفيد الاستعلاء، فالمعنى أنَّ القلوب امتلأتْ من ذلك الربط حتَّى كأنَّهُ عَلَا عليها وارتفع فوقها. قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ قيل: إنَّ ذلك المطرَ لبَّد ذلك الرَّمل، وصيَّرهُ بحيث لا تغوص أرجلهم فيه فقدروا على المشي عليه كيفما أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا فالضَّمير في «بِهِ» عائدٌ على المطرِ.

стр. 5699

وقيل: إنَّ ربط قلوبهم أوجب ثبات الرَّبْطِ. وقيل: لمَّا نزل المطرُ حصل للكافرينَ ضدَّ ما حصل للمؤمنين؛ لأنَّ الموضع الذي نزل الكفارُ فيه كان موضع التُّرابِ والوحل، فلمَّا نزل المطرُ عظم الوحْلُ؛ فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ يدلُّ دلالة المفهوم على أنَّ حال الأعداءِ كان بخلاف ذلك.

стр. 5700

قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملاائكة﴾ في «إذْ» أوجهٌ: أحدها: أنَّهُ بدلُّ ثالث من قوله ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ . الثاني: أن ينتصب بقوله «يُثَبِّتَ» . قالهما الزمخشريُّ ولم يبن ذلك على عودِ الضمير. وأمَّا ابنُ عطية: فبناه على عَوْدِ الضَّمير في قوله «بِهِ» فقال: العاملُ في «إذْ» العاملُ الأول على ما تقدَّم فيما قبلها، ولو قدَّرناهُ قريباً لكان قوله: «ويُثَبِّتَ» على تأويل عوده على الرَّبْطِ. وأمَّا على تأويل عوده على: «المَاءِ» فيقلق أن يعمل «ويُثَبِّتَ» في «إذ» وإنَّما قلق ذلك عنده لاختلاف زمان التثبُّت وزمان الوحي، فإنَّ إنزالَ المطر وما تعلَّق به من تعليلاتٍ متقدمٌ على تغشية النُّعاس، وهذا الوحيُ وتغشيةُ النُّعاس والإيحاءُ كانا وقت القتال. قوله: «أنِّي معَكُمْ» مفعولٌ ب «يُوحِي» أي: يوحي كوني كعكم بالغلبةِ والنصر. وقرأ عيسى بن عمر - بخلافٍ عنه - «أنِّي مَعَكُمْ» بكسرِ الهمزةِ وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ ذلك على إضمار القول، وهو مذهب البصريين. والثاني: إجراء «يُوحِي» مُجْرَى القول؛ لأنَّهُ بمعناه، وهو مذهب الكوفيين. فصل في المعنى وجهان: أحدهما: أنَّه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنَّهُ تعالى معهم أي مع الملائكة حال إرسالهم رِدْءاً للمسلمين. والثاني: أنَّهُ تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم، وثبتوهم، وهذا أولى؛ لأن المقصود إزالة التَّخويف، والملائكةُ لم يخافوا الكُفَّار، وإنَّما الخائف هم المسلمون.

стр. 5701

ثم قال: ﴿فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾ في كيفيَّةِ هذا التَّثْبيت وجوهٌ: فقيل: إنَّهم عرَّفُوا الرَّسُول ﵊ أنَّ الله ناصر المؤمنين والرَّسول عرَّف المؤمنين ذلك، فهذا هو التثبيتُ. وقيل: إنَّ الشيطان كما يُمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهامِ إليه، فالتثبيت من هذا الباب. وقيل: إنَّ الملائكة كانوا يتشبَّهُون بصورِ رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنَّصر والفتح، والظَّفَرِ. قول: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ وهذا من النعم الجليلة، لأنَّ أمير النفس هو القلب فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّهُ ربط قلوب المؤمنين أي: قوَّاها، وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرُّعْبَ في قلوب الكافرينَ، فكان ذلك من أعظمِ نعم الله تعالى على المؤمنين. قوله: «فاضْرِبُوا» قيل: هذا أمر للملائكة متصلٌ بقوله تعالى: «فَثَبِّتُوا» . وقيل: أمر للمؤمنين وهو الصَّحيح لما تقدَّم من أنَّ الملائكة لم ينزلوا للمقاتلة، بل لتقوية قُلُوبِ المؤمنين وتثبيتهم. قوله: «فوْقَ الأعناقِ» فيه أوجه: أحدها: أنَّ «فوْقَ» باقيةٌ على ظرفيتها والمفعولُ محذوفٌ، أي: فاضربوهم فوق الأعناقِ. علَّمَهُم كيف يضربونهم. والثاني: أنَّ «فوْقَ» مفعولٌ به على الاتَّساع؛ لأنه عبارةٌ عن الرَّأسِ، كأنَّه قيل: فاضربوا رُءوسهم، وهذا ليس بجيد؛ لأنَّهُ لا يتصرَّف. وزعم بعضهم أنه يتصرَّف، وأنك تقول: فوقُك رَأسُك برفع فوقك، وهو ظاهرُ قول الزمخشريِّ، فإنه قال: «فَوْقَ الأعْنَاقِ» أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنَّها مفاصلٌ. الثالث: - وهو قول أبي عبيدة -: أنَّها بمعنى «على» أي: على الأعناقِ ويكون المفعولُ محذوفاً تقديره: فاضربوهم على الأعناق، وهو قريبٌ من الأول. الرابع: قال ابنُ قتيبة: هي بمعنى: «دون» . قال ابن عطيَّة: «وهذا خطأ بيِّنٌ وغلطٌ فاحشٌ، وإنَّما دخل عليه اللَّبْس من قوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] أي: فما دونها وليست» فوق «هنا بمعنى» دون «وإنَّما المرادُ: فَمَأ فوقها في القلَّة والصِّغَرِ» . الخامس: أنها زائدةٌ أي: اضْرِبُوا الأعناقَ، وهو قول أبي الحسنِ. وهذا عند الجمهور خطأ؛ لأنَّ زيادة الأسماءِ لا يجوزُ. قوله: ﴿ ... مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يجوزُ أن يتعلَّق: «مِنْهُمْ» بالأمر قبله، أي: ابتدئوا

стр. 5702

الضَّرب من هذه الأماكن، وهذا الكلامُ مع ما قبله معناه: اضربوهم في جميع الأماكن والأعضاءِ من أعاليهم إلى أسافلهم، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حال من: «كُلَّ بنانٍ» لأنَّهُ في الأصل يجوزُ أن يكون صفةً لو تأخَّر، قال أبُو البقاءِ: «ويَضْعُفُ أن يكون حالاً من» بَنَانٍ «إذْ فيه تقديمُ حالِ المضافِ إليه على المضاف» . فكأنَّ المعنى: اضربوهم كيف ما كان. قال الزمخشريُّ: يعني ضرب الهام. قال: [الوافر] ٢٦٧٧ - ... ... ... ... ... ... ..... وأضْرِبُ هَامَة البْطَلِ المُشِيحِ وقال: [البسيط] ٢٦٧٨ - غَشَّيْتُهُ وهْوَ في جَأواء بَاسِلَةٍ ... عَضْباً أصَابَ سَواءَ الرَّأسِ فانْفلقَا وقال ابن عطية: ويُحتمل أن يريد بقوله: «فوق الأعْنَاقِ» وصْف أبلغِ ضرباتِ العنقِ، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس. ثم قال: ومنه قوله: [الوافر] ٢٦٧٩ - جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيدِ مِنْهُ ... وبَيْنَ أسِيلِ خَدَّيْهِ عِذَارَا وقيل: هذا مِنْ ذكرِ الجزء وإرادة الكل؛ كقول عنترة: [الكامل] ٢٦٨٠ - عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهار كأنَّمَا ... خُضِبَ البنَانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ والبَنَان: قيل: الأصابعُ، وهو اسمُ جنسٍ، الواحد: بنانةٌ؛ قال عنترةُ: [الوافر] ٢٦٨١ - وأنَّ الموتَ طوْعُ يَدِي إذا مَا ... وصَلْتُ بنانَهَا بالهِنْدُوَانِي وقال أبو الهيثم: «البنانُ: المفاصِلُ، وكل مفصل بنانة» . وقيل: البنانُ الأصابع من اليدين والرِّجلين، وجميع المفاصل من جميع الأعضاء، وأنشد لعنترة: [الطويل]

стр. 5703

٢٦٨٢ - وقَدْ كانَ فِي الهَيْجَاءِ يَحْمِي دِمَاءَهَا ... ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بنانِ وقد تُبْدلُ نونُه الخيرة ميماً؛ قال رؤبةُ: [الرجز] ٢٦٨٣ - يَا هَالَ ذاتَ المَنْطِقِ التَّمْتَامِ ... وكَفِّكِ المُخَضَّبِ البَنَامِ

стр. 5704

قوله: «ذَلِكَ بأنَّهُمْ» ، «ذلكَ» مبتدأ وخبر، والإشارةُ إلى الأمر بضربهمٍ، والخطابُ يجوزُ أن يكون للرسول ﷺ َ ويجوز أن يكون للكفَّارِ، وعلى هذا فيكونُ التفاتاً. كذا قال أبُو حيَّان وفيه نظر لوجهين: أحدهما: أنه يلزمُ من ذلك خطابُ الجمع بخطاب الواحد، وهو ممتنعٌ أو قليلٌ، وقد حُكِيَتْ لُغَيَّة. والثاني: أنَّ بعده: ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله﴾ فيكون التفت من الغيبةِ إلى الخطاب في كلمة واحدة، ثمَّ رجع إلى الغيبة في الحال، وهو بعيدٌ. قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الله﴾ «مَنْ» مبتدأ، والجملةُ الواقعة بعدها خبرها، أو الجملة الواقعة جزءً أو مجموعهما، ومن التزم عود ضمير من جملة الجزاءِ على اسمِ الشَّرط قدَّرهُ هُنَا محذوفاً تقديره: فإنَّ الله شديدُ العقاب له. واتفق القُّراءُ على فكِّ الإدغام هنا في: «يُشاقِقِ» ؛ لأنَّ المصاحفَ كتبته بقافين مفكوكتين، وفَكُّ هذا النوعِ لغةُ الحجاز، والإدغامُ بشروطه لغة تميم. فصل والمعنى: أنَّه تعالى ألقاهم في الخزي والنَّكال من هذه الوجوه الكثيرة؛ لأنهم شَاقُّوا الله ورسوله قال الزَّجَّاجُ جانبوا، وصاروا في شقّ غير شقِّ المؤمنين والشِّقُّ الجانب و «شَاقوا اللَّهَ» مجاز، والمعنى: شاقُّوا أولياءَ اللَّهِ، ودين اللَّهِ.

стр. 5705

ثم قال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ يعني أنَّ هذا الذي نزل بهم في ذلك اليَوْمِ شيءٌ قليلٌ بالنسبة لِمَا أعدَّ لهم من العقاب يوم القيامةِ. قوله: ﴿ذلكم فَذُوقُوهُ﴾ يجوز في: «ذَلِكُمْ» أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون مرفوعاً على خبر ابتداء مضمر، أي: العقاب ذلكم، أو الأمر ذلكم. الثاني: أن يرتفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ، أي: ذلكم العقابُ وعلى هذين الوجهين؛ فيكون قوله «فَذُوقُوهُ» لا تعلُّق لها بما قبلها من جهة الإعراب. والثالث: أن يرتفع بالابتداء، والخبرُ قوله: «فَذُوقُوهُ» وهذا على رأي الأخفشِ فإنَّهُ يرى زيادة الفاء مطلقاً أعني سواءً تضمَّن المبتدأ معنى الشَّرط أمْ لا، وأمَّا غيرُهُ فلا يُجيز زيادتها إلَاّ بشرط أن يكون المبتدأ مشبهاً لاسم الشرك ما تقدَّم تقريره. واستدلَّ الأخفشُ على ذلك بقول الشاعر: [الطويل] ٢٦٨٤ - وقَائِلَةٍ: خَولَانُ فانْكِحْ فَتَاتَهُمْ ... وأكرُومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا وخرَّجه الآخرون على إضمار مبتدأ تقديره: هذه حَوْلَانُ. الرابع: أن يكون منصوباً بإضمار فعل يُفسِّرهُ ما بعده، ويكون من باب الاشتغال. وقال الزمخشريُّ: «ويجوز أن يكون نصباً على: عليكم ذلكم فذوقوه كقولك: زيداً فاضربهط. قال أبو حيان:» ولا يَصِحُّ هذا التقدير، لأنَّ «عليكم» من أسماء الأفعال وأسماءُ الأفعالِ لا تُضْمَر، وتشبيهُهُ بقولك: زيداً فاضربهُ، ليس بجيّد؛ لأنَّهم لم يُقدِّرُوهُ ب «عليك زيداً فاضربه» وإنَّما هذا منصوبٌ على الاشتغالِ «. قال شهابُ الدِّين: يجوزُ أن يكون نَحَا الزمخشريُّ نحو الكوفيين؛ فإنَّهم يجرونهم مجرى الفعل مطلقاً، ولذلك يُعْمِلُونه متأخراً نحو ﴿كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . وقال أبُو البقاء: «ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي ذُوقُوا ذلكم، ويجعل الفعلُ الذي بعده مُفَسِّراً له، والأحسن أن يكون التقدير: بَاشِرُوا ذلكم فذوقوه، لتكون الفاءُ عاطفةً» قدَّر الفعل ير وافقٍ لما بعده لفظاً مع إمكانه، وأيضاً فقد جعل الفاء عاطفةً لا زائدةً وقد تقدَّم تحقيقُ الكلام في هذه الفاء عند قوله: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] . قوله ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار﴾ الجمهورُ على فتح «أنَّ» وفيها تخريجات أحدها: أنها، وما في حيَّزها في محل رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: حَتْمٌ استقرارُعذاب النار للكافرين.

стр. 5706

الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: الحتم، أو الواجب أنَّ للكافرين عذاب النَّارِ. الثالث: أن تكون عطفاً على: «ذَلِكُمْ» في وجهيه قاله الزمخشريُّ. ويعني بقوله «في وجهيه» أي: وجهي الرفع وقد تقدَّما. الرابع: أن تكون في محلِّ نصب على المعيَّة. قال الزمخشريُّ: «أو نصب على أنَّ الواوَ بمعنى» مع «والمعنى: ذُوقُوا هذا العذابَ العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهرَ موضع المضمر» : يعني بقوله: «وضع الظَّاهر موضع المضمر» أنَّ أصل الكلام فذوقوه وأنَّ لكم فوضع «لِلْكافِرينَ» موضع «لَكُمْ» شهادةً عليهم بالكفر ومنبهةً على العلّة. الخامس: أن يكون في محل نصب بإضمار «واعلموا» . قال الفراءُ: يجوزُ نصبه من وجهين: أحدهما: على إسقاط الباء، أي: بأنَّ للكافرين. والثانيك على إضمارِ «اعلموا» ؛ قال الشاعر: [الرجز] ٢٦٨٥ - تَسْمَعُ للأخشَاءِ عنه لغطاً ... وللْيَديْنِ جُسْأةَ وبَدَدَا أي: وترى لليدين بدَدا، فأضمر «تَرَى» كذلك: «فَذُوقُوهُ» واعلموا: «أنَّ لِلْكافِرينَ» . وأنكره الزجاج أشدَّ إنكارٍ. وقال: لو جاز هذا لجاز: زيدٌ قائمٌ وعمراً منطلقاً، أي: وترى عمراً منطلقاً ولا يُجيزه أحدٌ. ونبَّه بقول «فَذُوقُوه» وهو ما عجل من القتل والأسر على أنَّ ذلك يسير بالإضافة إلى عذاب القيامة فلذلك سمَّاه ذوقاً لأن الذوق لا يكون إلَاّ لتعرف الطعم، فقوله: «فَذُوقُوهُ» يدلَّ على أنَّ الذوق يكون في إدراك غير المطعوم كقوله ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] .

стр. 5707

قوله تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ الآية.

стр. 5708

في «زَحْفاً» وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدر، وذلك النّاصب له في محلِّ نصب على الحال، والتقديرُ: إذا لقيتُمُ الذين كَفَرُوا زَاحِفينَ زَحْفاً أو يَزْحَفُونَ زحفاً. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال بنفسه، ثُمَّ اختلفوا في صاحب الحال، فقيل: الفاعلُ أي وأنتم زَحْفٌ من الزُّحوفِ، أي: جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً، على حسب ما يُفَسَّر به الزَّحْف، وسيأتي. وقيل: هو المفعول، أي: وَهُمْ جَمٌّ كثير، أو يمشون إليكم. وقيل: هي حالٌ منهما، أي: لقيتموهم مُتزاحفين بعضكم إلى بعض، والزَّحْفُ الدُّنو قليلاً قليلاً، يقال: زَحَفَ يَزْحَفُ إليه بالفتح فيها فهو زَاحفٌ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحَفَ وأزْحَفَ لنا عَدُوُّنَا، أي: دَنَوا لقتالنا. وقال اللَّيْثُ: الزَّحْفُ: الجماعةُ يمشون إلى عدوِّهم؛ قال الأعشى: [الكامل] ٢٦٨٦ - لِمَنْ الظَّعَائنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ... مِثْلَ السَّفينِ إذَا تَقَاذَفُ تَجْدِفُ وهذا من باب إطلاق المصدر على العين، والزَّحْفُ: الدَّبيب أيضاً، مِنْ زَحَفَ الصبيُّ قال امرؤُ القيس: [المتقارب] ٢٦٨٧ - فَزَحْفاً أتَيْتُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فَثَوْباً لَبِسْتُ وثَوْباً أجُرّ ويجوزُ جمعُهُ على: زُحُوف ومَزَاحِف، لاختلافِ النوع؛ قال الهذليُّ: [الوافر] ٢٦٨٨ - كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فِيهِ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثَارُ السِّيَاطِ ومَزاحِف: جمع «مَزْحف» اسم المصدر. قوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ مفعول: «تولُّوهم» الثَّاني هو «الأدْبار» ، وكذا «دُبُره» مفعول ثان ل: «يُولِّهِمْ» وقرأ الحسن: بالسُّكونِ كقولهم: عُنْق في عُنُق، وهذا من باب التَّعريض حيث ذكر لهم حالةً تُسْتَهْجَنُ من فاعلها؛ فأتى بلفظ الدُّبُر دُونَ الظَّهر لذلك، وبعضهم من أهل علم البيان سمَّى هذا النوع كنايةً، وليس بشيء. قوله: «إلَاّ مُتَحرفاً» في نصبه وجهان:

стр. 5709

أحدهما: أنَّهُ حال. والثاني: أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري. فقال: «فإن قلت: بِمَ انتصبَ:» إلَاّ مُتَحرِّفاً «؟ قلتُ: على الحالِ و» إلَاّ «لغوٌ، أو على الاستثناءِ من المُولِّين: أي ومنْ يُولِّهم إلا رجلاً منهم مُتَحرفاً أو مُتَحيزاً» . قال أبُو حيان: «لا يردُ بقوله» إلَاّ «لغوٌ أنَّها زائدةٌ، إنَّما يريد أنَّ العامل وهو» يُولِّهِمْ «وصل لِمَا بعدها كقولهم في» لا «من قولهم: جئت بلا زاد - إنَّها لغوٌ. وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال محذوف والتقدير: ومَنْ يُولِّهِم ملتبساً بأية حال إلَاّ من حال كذا، وإن لم تُقدَّرُ حالٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ» إلَاّ «لأن الشَّرط عندهم واجبٌ، والواجبُ حكمُهُ ألَاّ تدخل» إلَاّ «فيه لا في المفعول، ولا في غيره من الفضلات، لأنه استثناء مُفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب، إنَّما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤوَّل» . قال شهابُ الدِّينِ: «قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات، لا حاجة إليه لنَّ الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقاً، سواءٌ أكان ما بعد إلَاّ فضلةً أو عمدةً فذكرُ الفضلةِ والمفعول يوهم جوازه في غيرهما» . وقال ابنُ عطيَّة: «وأمَّا الاستثناءُ فهو من المُولِّين الذين تتضمَّنهم» مَنْ «فجعل نصبه على الاستثناء» . وقال جماعةٌ: إنَّ الاستثناءَ من أنوع التولِّي، ورُدَّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيبُ: إلَاّ تحيُّزاً أو تحرُّفاً، والتَّحيُّزُ والتَّحَوُّزُ: الانثمامُ، وتحوَّزت الحيَّة: انطوَتْ، وحُزْتُ الشَّيء: ضَمَمْتُهُ، والحَوْزَةُ: ما يَضُمُّ الأشياء، ووزنُ «متحيَّز» «مُتَفَيعِل» والأصل «مُتَحيْوِز» فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكُون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الباء بعدها، ك: مَيِّت، ولا يجوزُ أن يكون: «مُتفَعِّلاً» ؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان «متحوِّزاً» ، فأمَّا متحوِّز ف «متفعِّل» . فصل معنى الآية: إذا ذهبتم للقتال، فلا تولوهم الأدْبَارَ: أي لا تنهزموا، فتجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم ثم بيَّن أنَّ الانهزام محرم إلَاّ في حالتين: إحداهما: أن يكون مُتحَرّفاً للقتال، أي: أنه يجعل تحرفه أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها. يقال: تحرَّف وانحرف إذا زالَ عن وجهة الاستواء. والثانية: قوله ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ والتَّحيز الانضمام كما تقدَّم، والفئة

стр. 5710

الجماعةُ، فإذا كان هذا المنهزم منفرداً، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن انضمَّ إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فربَّمَا وجب عليه التَّحيُّز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون جائزاً. والحاصل أن الانهزام من العدو حرام، إلَاّ في هايتن الحالتين، وهذا ليس بانهزام في الحقيقة ثمَّ قال تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلَاّ في هاتين الحالتين ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ [الأنفال: ١٦] . فصل قال أبو سعيد الخدري: هذا في أصحاب بدر خاصة؛ لأن ما كان يجوز لهم الانهزام، لأن النبي ﷺ َ كان معهم، ولم يكن فئة يتحيّزون إليها دون النبي ﷺ َ وقد وعده الله بانّصر والظّفر فلم يكن لهم التحيّز إلى فئةٍ أخرى. وأيضاً فإنَّ اللَّه شدد الأمر على أهل بدرٍ؛ لأنه كان أول جهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم. فلهذا وجب التشديدُ والمبالغة، ومنع اللَّهُ في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى لهذا السَّبب، وهذا قول الحسنِ وقتادة والضحاك. قال يزيدُ بن أبي حبيب: أوجب اللَّهُ النار لِمَنْ فَرَّ يوم بدر، فلمَّا كان يوم أحد قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] . ثم كان يوم حنين بعده فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ثم قال بعده ﴿ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَآءُ﴾ [التوبة: ٢٧] . وقال عبدُ الله بنُ عُمَرَ: «كُنَّا في جيش بعثنا رسول الله ﷺ َ، فحاص النَّاسُ حَيْصَةً،
следующие страницы →