← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: الحتم، أو الواجب أنَّ للكافرين عذاب النَّارِ. الثالث: أن تكون عطفاً على: «ذَلِكُمْ» في وجهيه قاله الزمخشريُّ. ويعني بقوله «في وجهيه» أي: وجهي الرفع وقد تقدَّما. الرابع: أن تكون في محلِّ نصب على المعيَّة. قال الزمخشريُّ: «أو نصب على أنَّ الواوَ بمعنى» مع «والمعنى: ذُوقُوا هذا العذابَ العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهرَ موضع المضمر» : يعني بقوله: «وضع الظَّاهر موضع المضمر» أنَّ أصل الكلام فذوقوه وأنَّ لكم فوضع «لِلْكافِرينَ» موضع «لَكُمْ» شهادةً عليهم بالكفر ومنبهةً على العلّة. الخامس: أن يكون في محل نصب بإضمار «واعلموا» . قال الفراءُ: يجوزُ نصبه من وجهين: أحدهما: على إسقاط الباء، أي: بأنَّ للكافرين. والثانيك على إضمارِ «اعلموا» ؛ قال الشاعر: [الرجز] ٢٦٨٥ - تَسْمَعُ للأخشَاءِ عنه لغطاً ... وللْيَديْنِ جُسْأةَ وبَدَدَا أي: وترى لليدين بدَدا، فأضمر «تَرَى» كذلك: «فَذُوقُوهُ» واعلموا: «أنَّ لِلْكافِرينَ» . وأنكره الزجاج أشدَّ إنكارٍ. وقال: لو جاز هذا لجاز: زيدٌ قائمٌ وعمراً منطلقاً، أي: وترى عمراً منطلقاً ولا يُجيزه أحدٌ. ونبَّه بقول «فَذُوقُوه» وهو ما عجل من القتل والأسر على أنَّ ذلك يسير بالإضافة إلى عذاب القيامة فلذلك سمَّاه ذوقاً لأن الذوق لا يكون إلَاّ لتعرف الطعم، فقوله: «فَذُوقُوهُ» يدلَّ على أنَّ الذوق يكون في إدراك غير المطعوم كقوله ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] .

стр. 5707

قوله تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ الآية.

стр. 5708

في «زَحْفاً» وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدر، وذلك النّاصب له في محلِّ نصب على الحال، والتقديرُ: إذا لقيتُمُ الذين كَفَرُوا زَاحِفينَ زَحْفاً أو يَزْحَفُونَ زحفاً. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال بنفسه، ثُمَّ اختلفوا في صاحب الحال، فقيل: الفاعلُ أي وأنتم زَحْفٌ من الزُّحوفِ، أي: جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً، على حسب ما يُفَسَّر به الزَّحْف، وسيأتي. وقيل: هو المفعول، أي: وَهُمْ جَمٌّ كثير، أو يمشون إليكم. وقيل: هي حالٌ منهما، أي: لقيتموهم مُتزاحفين بعضكم إلى بعض، والزَّحْفُ الدُّنو قليلاً قليلاً، يقال: زَحَفَ يَزْحَفُ إليه بالفتح فيها فهو زَاحفٌ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحَفَ وأزْحَفَ لنا عَدُوُّنَا، أي: دَنَوا لقتالنا. وقال اللَّيْثُ: الزَّحْفُ: الجماعةُ يمشون إلى عدوِّهم؛ قال الأعشى: [الكامل] ٢٦٨٦ - لِمَنْ الظَّعَائنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ... مِثْلَ السَّفينِ إذَا تَقَاذَفُ تَجْدِفُ وهذا من باب إطلاق المصدر على العين، والزَّحْفُ: الدَّبيب أيضاً، مِنْ زَحَفَ الصبيُّ قال امرؤُ القيس: [المتقارب] ٢٦٨٧ - فَزَحْفاً أتَيْتُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فَثَوْباً لَبِسْتُ وثَوْباً أجُرّ ويجوزُ جمعُهُ على: زُحُوف ومَزَاحِف، لاختلافِ النوع؛ قال الهذليُّ: [الوافر] ٢٦٨٨ - كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فِيهِ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثَارُ السِّيَاطِ ومَزاحِف: جمع «مَزْحف» اسم المصدر. قوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ مفعول: «تولُّوهم» الثَّاني هو «الأدْبار» ، وكذا «دُبُره» مفعول ثان ل: «يُولِّهِمْ» وقرأ الحسن: بالسُّكونِ كقولهم: عُنْق في عُنُق، وهذا من باب التَّعريض حيث ذكر لهم حالةً تُسْتَهْجَنُ من فاعلها؛ فأتى بلفظ الدُّبُر دُونَ الظَّهر لذلك، وبعضهم من أهل علم البيان سمَّى هذا النوع كنايةً، وليس بشيء. قوله: «إلَاّ مُتَحرفاً» في نصبه وجهان:

стр. 5709

أحدهما: أنَّهُ حال. والثاني: أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري. فقال: «فإن قلت: بِمَ انتصبَ:» إلَاّ مُتَحرِّفاً «؟ قلتُ: على الحالِ و» إلَاّ «لغوٌ، أو على الاستثناءِ من المُولِّين: أي ومنْ يُولِّهم إلا رجلاً منهم مُتَحرفاً أو مُتَحيزاً» . قال أبُو حيان: «لا يردُ بقوله» إلَاّ «لغوٌ أنَّها زائدةٌ، إنَّما يريد أنَّ العامل وهو» يُولِّهِمْ «وصل لِمَا بعدها كقولهم في» لا «من قولهم: جئت بلا زاد - إنَّها لغوٌ. وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال محذوف والتقدير: ومَنْ يُولِّهِم ملتبساً بأية حال إلَاّ من حال كذا، وإن لم تُقدَّرُ حالٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ» إلَاّ «لأن الشَّرط عندهم واجبٌ، والواجبُ حكمُهُ ألَاّ تدخل» إلَاّ «فيه لا في المفعول، ولا في غيره من الفضلات، لأنه استثناء مُفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب، إنَّما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤوَّل» . قال شهابُ الدِّينِ: «قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات، لا حاجة إليه لنَّ الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقاً، سواءٌ أكان ما بعد إلَاّ فضلةً أو عمدةً فذكرُ الفضلةِ والمفعول يوهم جوازه في غيرهما» . وقال ابنُ عطيَّة: «وأمَّا الاستثناءُ فهو من المُولِّين الذين تتضمَّنهم» مَنْ «فجعل نصبه على الاستثناء» . وقال جماعةٌ: إنَّ الاستثناءَ من أنوع التولِّي، ورُدَّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيبُ: إلَاّ تحيُّزاً أو تحرُّفاً، والتَّحيُّزُ والتَّحَوُّزُ: الانثمامُ، وتحوَّزت الحيَّة: انطوَتْ، وحُزْتُ الشَّيء: ضَمَمْتُهُ، والحَوْزَةُ: ما يَضُمُّ الأشياء، ووزنُ «متحيَّز» «مُتَفَيعِل» والأصل «مُتَحيْوِز» فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكُون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الباء بعدها، ك: مَيِّت، ولا يجوزُ أن يكون: «مُتفَعِّلاً» ؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان «متحوِّزاً» ، فأمَّا متحوِّز ف «متفعِّل» . فصل معنى الآية: إذا ذهبتم للقتال، فلا تولوهم الأدْبَارَ: أي لا تنهزموا، فتجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم ثم بيَّن أنَّ الانهزام محرم إلَاّ في حالتين: إحداهما: أن يكون مُتحَرّفاً للقتال، أي: أنه يجعل تحرفه أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها. يقال: تحرَّف وانحرف إذا زالَ عن وجهة الاستواء. والثانية: قوله ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ والتَّحيز الانضمام كما تقدَّم، والفئة

стр. 5710

الجماعةُ، فإذا كان هذا المنهزم منفرداً، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن انضمَّ إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فربَّمَا وجب عليه التَّحيُّز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون جائزاً. والحاصل أن الانهزام من العدو حرام، إلَاّ في هايتن الحالتين، وهذا ليس بانهزام في الحقيقة ثمَّ قال تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلَاّ في هاتين الحالتين ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ [الأنفال: ١٦] . فصل قال أبو سعيد الخدري: هذا في أصحاب بدر خاصة؛ لأن ما كان يجوز لهم الانهزام، لأن النبي ﷺ َ كان معهم، ولم يكن فئة يتحيّزون إليها دون النبي ﷺ َ وقد وعده الله بانّصر والظّفر فلم يكن لهم التحيّز إلى فئةٍ أخرى. وأيضاً فإنَّ اللَّه شدد الأمر على أهل بدرٍ؛ لأنه كان أول جهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم. فلهذا وجب التشديدُ والمبالغة، ومنع اللَّهُ في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى لهذا السَّبب، وهذا قول الحسنِ وقتادة والضحاك. قال يزيدُ بن أبي حبيب: أوجب اللَّهُ النار لِمَنْ فَرَّ يوم بدر، فلمَّا كان يوم أحد قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] . ثم كان يوم حنين بعده فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ثم قال بعده ﴿ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَآءُ﴾ [التوبة: ٢٧] . وقال عبدُ الله بنُ عُمَرَ: «كُنَّا في جيش بعثنا رسول الله ﷺ َ، فحاص النَّاسُ حَيْصَةً،

стр. 5711

فانْهَزَمْنَا، فقُلْنَا يا رسول الله: نَحْنُ الفَرَّارُونَ، فقال:» لا بَلْ أنتُمْ العَكَّارُونَ «أنَّا فِئَةُ المُسلمينَ» وقال محمدُ بن سيرين: «لما قُتل أبو عبيدة جاء الخبر على عمر فقال: لو انحاز إليَّ كنتُ له فئةٌ فأنا فئةُ كلِّ مُسْلمٍ» وقيل: حكم الآية عام في كل حرب، ويؤيده قوله ﵊ ُ: «من الكبائر الفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب. وقال عطاءُ بن أي رباح: «هذه الآية منسوخةٌ بقوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] فليس للقوم أن يفرُّوا من مثلهم فنسخت تلك إلَاّ في هذه العدة. وعلى هذا أكثر أهل العلم أنَّ المسلمين إذا كانوا على الشطر من عددهم لا يجوز لهم الفرار غلَاّ مُتحرفاً أو مُتحيِّزاً إلى فئةٍ، وإن كانوا أقلَّ من ذلك جاز لهم أن يولوا عنهم وينحازوا عنهم» . قال ابن عباس: «مَنْ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، ومن فَرَّ من اثنين فقد فرّ» .

стр. 5712

قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ في هذه «الفاء» وجهان: أحدهما - وبه قال الزمخشري -: أنَّهَا جوابُ شرطٍ مقدر، أي: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم. قال أبو حيان: «وليست جواباً، بل لِرْطِ الكلامِ بعضه ببعضٍ» . قوله ﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ قرأ الأخوان، وابن عامر: ﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ ، ﴿ولكن الله رمى﴾ بتخفيف «لكن» ورفع الجلالة، والباقون بالتَّشديد ونصب الجلالةِ، وقد تقدَّم توجيه القراءتين في قوله: ﴿ولكن الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] وجاءت «لكن» هنا أحسن مجيءٍ لوقوعها بين نفي وإثبات. قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ نفى عنه الرمي، وأثبته له، وذلك باعتبارين، أي: ما

стр. 5713

رَمَيْتَ على الحقيقة إذا رَمَيْتَ في ظاهرِ الحال، أوْ مَا رَميْتَ الرُّعْبَ في قلوبهم إذْ رَمَيْتَ الحَصَيَات والتراب. وقوله: «ومَا رَمَيْتَ» هذه الجملة عطفٌ على قوله: «فَلَمْ تَقْتلُوهُمْ» ؛ لأنَّ المضارع المنفي ب «لَمْ» في قوة الماضي المنفي ب «مَا» فإنَّك إذا قلت: «لَمْ يَقُمْ» كان معناه: ما قَامَ ولم يقل هنا: فَلَمْ تقتلوهم إذ قتلموهم،: ما قال: «إذْ رَمَيْتَ» مبالغةً في الجملة الثانية. فصل قال مجاهد: «سبب نزول هذه الآية أنَّهم لمَّا انصرفُوا من القتالِ كان الرَّجُلُ يقولُ: أنا قتلتُ فلاناً، ويقول الآخر مثله فنزلت الآية» ومعناها: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكنَّ الله قتلهم بنصره إياكم وتقويته لكم. وقيل: ولكن الله قتلهم بإمدادِ الملائكة. وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ في سبب نزولها ثلاث أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسِّرين «أنَّ رسول الله صلى اله عليه وسلم ندب النَّاس، فانطلقُوا حتَّى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم غلام أسود لبني الحجاج، وأبو يسار غلام لبني العاص بن سعد، فأتوا بهما إلى رسول الله ﷺ َ فقال: أين قريش؟ قالا: هم وراء الكَثيبِ الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل. فقال رسولُ الله ﷺ َ لهما: كم القومُ؟ قالا: كثيرٌ. قال: ما عددهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ينحرون كلَّ يوم؟ قالا: يوماً عشرة، ويماً تسعة. فقال رسول الله ﷺ َ القوم ما بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال: فَمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبةُ بن ربيعة، وشيبةُ بن ربيعة، وأبو البختري بن هشامُ، وحكم بن حزام، والحارثُ بن عامر، وطعمة بن عديّ، والنضر بن الحارث، وأبُو جهل بن هشام، وأميةُ بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسُهَيل بن عمرو. فقال رسول الله ﷺ َ» هَذِه مَكَّةُ قَدْ ألْقَتْ إلَيْكُمْ أفْلاذَ كَبدِهَا «فلما أقبلت قريش، ورآها رسولُ الله ﷺ َ تصوب من العقنقل، وهو الكثيبُ الذي جاءوا منه إلى الوادي. فقال:» اللَّهم هذه قريشُ قَدْ بخُيلائِهَا وفَخْرِهَا تُحادكَ، وتُكذب رسُولكَ، اللَّهُمَّ فَنصرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي «، فأتاه جبريل، فقال: خُذْ قبضةً من تراب، فارمهم بها، فلمَّا التقى الجمعان، تناول رسولُ الله كفاً من الحصى عليه تراب، فرمَى به وجوه القوم

стр. 5714

وقال: شاهتِ الوجوه، فلم يق مشرك إلَاّ ودخل في عينه وفمه ومنخريه منها. فانهزمُوا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم.» وقال قتادةُ وابن زيد: ذكر لنا «أن رسول الله ﷺ َ أخذ يوم بدرٍ ثلاث حصيات فرمَى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم، وبحصاة بين ظهرهم، وقال: شاهت الوجوه فانهزموا» فذلك قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] . إذْ ليس في وُسْع أحد من البشر أن يَرْمي كَفّاص من الحصى إلى وجوه جيش، فلا تبقى فيهم عينٌ إلَاّ ويُصِيبُهَا منه شيء. وقيل: المعنى: وما بلغت إذ رميت ولكن اللَّه بلغ، وقيل: وما رميتَ بالرُّعْبَ في قلوبهم إذ رميت بالحصاء ولكن اللَّه رمى الرُّعب في قلوبهم حتى انهزموا. القول الثاني: أنَّهَا نزلت يوم خيبر. «روي أنّه ﵊ أخَذَ قوساً وهو على باب خيبر، فرمى سهماً، فأقبل السّهمُ حتّى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه» ، فنزلت الآية. القول الثالث: أنَّهَا نزلت في يوم أحد، «وذلك أن أمية بن خلف أتَى النَّبيَّ ﷺ َ بعظم رميمٍ وقَتَّةٍ، وقال: يا محمَّدُ، من يُحْيي هذا وهو رميمٌ؟ فقال ﵊ ُ:» يُحييه اللَّهُ يُميتُكَ ثم يُحْييك ثم يدخلك النَّار «فأسر يوم بدر، فلما افتدي قال لرسول الله ﷺ َ: إنَّ عندي فرساً أعلفها كلَّ يوم فرقاً من ذرة كي أقتلك عليها. فقال ﵇:» بَلْ أنا أقْتُلكَ إنْ شاءَ اللَّهُ «فلمَّا كان يوم أحد أقبل أبَيّ يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول اللَّهِ ﷺ َ فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه. فقال رسول الله ﷺ َ:» اسْتَأخِرُوا «ورماه بحربة فكسر ضِلعاً من أضلاعه» ، فحمل فمات ببعض الطري ففي ذلك اليوم نزلت الآية. والصَّحيحُ أنَّها نزلت في يوم بدر وإلَاّ لدخل في أثناء القصَّة كلام أجنبي عنها، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقئع؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفْظِ لا بخصوص السَّببِ.

стр. 5715

فصل ومعنى الآية: أنَّ القبضةَ من الحصباءِ الَّتي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة؛ لأنَّ رمْيَكَ لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر، ولكن اللَّه رماها حيثُ أنفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم، فصورة الرمية صدرت من الرسول ﵊ وأثرها إنَّما صدر من الله تعالى، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات. واحتج أهل السُّنَّةِ بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] . ومن المعلوم أنهم جرحوا، فدلَّ هذا على أان حدوث تلك الأفعال إنما حصل من اللَّه تعالى. وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أثبت كونه ﵊ رامياً ونفى عنه كونه رامياً، فوجب حمله على أنه رماه كسباً وأنه ما رماه خلقاً. فإن قيل: أما قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ فيه وجوه: أحدها: أنَّ قتل الكُفَّارِ إنما تيسَّر بمعونة الله ونصره وتأييده، فصحت هذه الإضافة. وثانيها: أن الجرح كان إليهم وإخراج الروح كان إلى الله، والتقدير: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم. وأما قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ . قال القاضي: قيل: فيه أشياء: منها أنَّ الرمية الواحدة لا توجب وصول التُّراب إلى عيونهم، فكان وصول أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلَا بإيصالِ اللَّهِ تعالى، ومنها: أنَّ التُرابَ الذي رماه كان قليلاً فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل، فدل على أنَّ الله تعالى ضمَّ إليها سائر أجزاء التُّرابِ، فأوصلها إلى عيونهم. ومنها: أنَّ عند رميه ألقى الله الرُّعْبَ في قلوبهم، فكان المُرَادُ من قوله: ﴿ولكن الله رمى﴾ هو أنه تعالى رمى قلوبهم الرُّعْب. فالجوابُ: أنَّ كلَّ ما ذكروه عدولٌ عن الظَّاهرِ، والأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ. قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: وليبلي فعل ذلك، أو يكون معطوفاً على علةٍ محذوفة، أي: ولكن اللَّه رمى ليمحق الكفار، وليُبْلي المؤمنين، والبلاء في الخير والشَّر، قال زهير: [الوافر] ٢٦٨٩ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... وإبْلاهُمَا خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو والهاءُ في «مِنْهُ» تعود على الظفر بالمشركين.

стр. 5716

وقيل: على الرمي قالهما مكيٌّ، والظَّاهر أنها تعود على الَّهِ تعالى. وقوله: «بَلَاءً» يجوزُ أن يكون اسم مصدر، أي: إبلاء، ويجوزُ أن يكون أريد بالبلاء نفس الشيء المبلو به، والمرادُ من هذا البلاء الإنعام أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر. قال القاضي: ولولا أنَّ المفسرين اتفقوا على حمل البلاءِ هنا على النعمة، وإلَاّ لكان يحتمل المِحْنَة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ثمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لدعائكم «عَلِيمٌ» بنيّاتكم. قوله: ذَلِكُمْ «يجوز فيه الرفعُ على الابتداء أي: ذلكم الأمر، والخبر محذوف قاله الحوفيُّ، والأحسنُ أن يقدَّر الخبر ذلكم البلاء حق وحتمٌ. وقيل: هو خبر مبتدأ، أي: الأمر ذلكم، وهو تقدير سيبويه. وقيل: محلُّه نصب بإضمار فعلٍ أي: فعل ذلكم، والإشارةُ ب» ذَلِكُمْ «إلى القتل والرمي والإبلاء. قوله: «وأنَّ اللَّه» يجوزُ أن يكون معطوفاً على: «ذَلِكُمْ» فيحكم علىمحلِّه بما يحكمُ على محلِّك «ذَلِكُمْ» ، وأن يكون في حلِّ نصبٍ بفعل مقدَّر أي: واعلموا أنَّ الله، وقد تقدم ما في ذلك. وقال الزمخشريُّ: «إنَّه معطوف على:» وليُبْلي «والمعنى: أنَّ الغرضَ إبلاءُ المؤمنين، توهينُ كيد الكافرين» . وقرأ ابنُ عامر والكوفيون: «مُوهِن» بسكون الواوِ وتخفيف الهاءِ، من «أوهَن» ك: أكْرَم، ونوَّن «موهن» غير حفص، وقرأ الباقون: «مُوهِّن» بفتح الواو، وتشديد الهاءِ، والتنوين، ف «كَيْد» منصوبٌ على المفعول به في قراءة غير حفص، ومخفوضٌ في قراءة حفص، وأصله النَّصْبُ وقراءة الكوفيين جاءت على الأكثرر؛ لأن ما عينه حرف حلقٍ غير الهمزة تعديته بالهمزة ولا يُعَدَّى بالتَّضعيف إلَاّ كلمٌ محفوظ نحو: وهَّنْتُه وضعَّفْتُه. فصل توهينُ الله كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم. وإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم. ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم.

стр. 5717

قال ابن عبَّاسٍ: ينبئ رسول الله ﷺ َ ويقول: «إنّي قد أوْهَنْتُ كَيْدَ عدوك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم»

стр. 5718

قوله: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ قال الحسنُ، ومجاهد، والسُّدِّي: إنه خطابٌ للكافرين، وذلك أنَّ أبا جهل قال يوم بدر: اللَّهم، انصر أفضل الفريقين وأحقَّه بالنَّصْر. وروي أنه قال: اللَّهم، أينا كان أقطع للرَّحمِ وأفجر؛ فأهلكه الغداة. وقال السدي: «لمَّا أراد المشركون الخروج إلى بدر تعلَّقُوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهُمَّ انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ أي: تستنصروا لإحدى القبيلين، فقد جاءكم النصر» . وقال آخرون: المعنى: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. قال عبد الرحمن بن عوف: إني لَفِي الصَّف يوم بدر، فالتفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السِّنِّ وكأني لم آمن لمكانهما، فتمنيت أن أن أكون بين أضلع منهما، إذ قال لي أحدهما سرّاً من صاحبه، أي عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي ما تصنعُ به؟ . قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرّاً من صاحبه مثله، فما سَرَّني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما عيله، فشدَّا عليه مثل الصقرين حتَّى ضرباهُ، وهما ابنا عفراء. وقال عكرمةُ: قال المشركون: والله ما نعرف ما جاء به فافتح بيننا وبينه بالحق،

стр. 5719

فأنزل الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ﴾ الآية، أي: إن تسْتَفتِحُوا فقد جاءكم القضاء. وقال أبيّ بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله ﷺ َ قال الله للمسلمين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُواْ﴾ أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر. روى قيس عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ َ وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، فجلس مُحْمرّ الوجه، فقال لنا:» لقَد كانَ مَنْ قَبْلكُم يُؤخَذُ الرجُ فيُحْفَر لهُ في الأرضِ ثُمَّ يُجاءُ بالمنشَارِ فيجعلُ فوق رأسِهِ ثُمَّ يُجعَلُ نِصفيْنِ ما يَصْرفهُ عنْ دينهِ، ويُمَشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ ما يصرفهُ عن دينهِ، والله ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتَّى يسير الرَّاكبُ مِنْكُم من صنعاء إلى حضْرموت لا يخافُ إلا اللَّه، ولكنَّكُم تَسْتَعْجِلُونَ « قال القاضي: وهذا القول أوْلَى؛ لأن قوله ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين اللهم إلَاّ أن يحمل الفتحُ على الحكم والقضاء، فيمكن أن يراد به الكفار. قوله: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . فإن قلنا: إن ذلك الخطاب للكفار، كان المعنى وإن تنتهوا عن قتال الرَّسول وعداوته؛ فهو خير لكم في الدّين بالخلاص من العقاب، وفي الدّنيا بالخلاص من القتل والأسر والنَّهْبِ. » وإن تَعُودُوا «إلى القتال:» نَعُدْ «أي: إلى تسليطه عليكم: ﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر. وإن قلنا ذلك خطاب للمؤمنين كان المعنى: إن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسْرَى، فقد كان وقع بينهم نزاع يوم بدر في هذه الأشياء حتى عاتبهم اللَّهُ بقوله: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] . فقال تعالى: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ﴾ عن مثله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ﴾ أنتم إلى تلك المنازعات «نَعُدْ» إلى ترك نصرتكم؛ لأن الوعد بنصركم مشروط بشرط استمراركم على الطَّاعة، وترك المخالطة ثمَّ لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإنَّ الله لا يكون إلَاّ مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب. قوله: «ولَن تُغْنِيَ» قرأ الجمهورُ بالتَّاءِ من فوق، لتأنيث الفئة.

стр. 5720

وقرىء «ولن يُغْنِيَ» بالياء من تحت لأن تأنيثه مجازي، وللفصل أيضاً: «ولو كَثُرَتْ» هذه الجملة الامتناعية حالية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. قوله: ﴿وَلَن تُغْنِيَ﴾ قرأ نافعٌ، ابن عامر، وحفصٌ عن عاصم، بالفتح. والباقون: بالكسر، فالفتحُ من أوجه: أحدها: أنه على لام العلَّة تقديره: ولأنَّ الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثَّاني: أن التقدير: ولأنَّ اللَّهَ مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: إنه خبرُ مبتدأ محذوف أي: والأمر أنَّ الله مع المؤمنين، وهذا الوجهُ الأخيرُ يقربُ في المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف.

стр. 5721

قوله تعالى: ﴿اأيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية. لمَّا خاطب المؤمنين بقوله: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ١٩] أتبعه بتأديبهم فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ولم يبين ماذا يسمعون إلَاّ أنَّ الكلام من أول السورة إلى ههنا لما كان واقعاً في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد. قوله ﴿وَلَا تَوَلَّوْا﴾ الأصلُ: تتولُّوا فحذف إحدى التَّاءين، وقد تقدَّم الخلافُ في أيتهما المحذوفة. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جملةٌ حالية، والضميرُ في «عَنْهُ» يعود على الرَّسول؛ لأنَّ طاعته من طاعة الله. وقيل: يعودُ على الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقيل: يعودُ على الأمر بالطَّاعةِ. قوله ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم إنَّا قبلنا تكاليف الله تعالى: ثمَّ إنَّهم بقلوبهم لا يقبلونها، وهذه صفة المنافقين. قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم الذين لَا يَعْقِلُونَ﴾ .

стр. 5722

قيل: شبَّههم بالدَّواب لجهلهم، وعدولهم عن الانتفاعِ بما يسمعونه وبما يقولونه، ولذلك وصفهم بالصُّمِّ والبكم، وبأنهم لا يعقلون. وقيل: سمَّاهم دواباً لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال: ﴿أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . قال ابن عبَّاسٍ: هم نفرٌ من عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صمٌّ بكم عمي عمَّا جاء به محمَّد؛ فقتلوا جميعاً بأحدٍ وكانوا أصحاب اللِّواء، ولم يسلم منهم إلَاّ رجلان: مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة. وقيل: بل هم من الدَّواب؛ لأنه اسم لما يدبّ على الأرض ولم يذكره في معرض التَّشبيه، بل وصفهم بصفة تليقُ بهم على طريق الذَّمِّ، كما يقال لمن لا يفهم الكلام: هو شبحٌ وجسد وطلل على طريق الذمّ. وإنمَّا جُمع على جهة الذَّم وهو خبر «شَرّ» لأنه يُراد به الكثرةُ، فجمع الخبر على المعنى. ولو كان الأصم لكان الإفرادُ على اللَّفظ، والمعنى على الجمع. قوله: ﴿الذين لَا يَعْقِلُونَ﴾ يجوز رفعه أو نصبه على القطع. قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ سماع الفهم والقبول، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولَّوا وهم معرضون لعنادهم وجحدوهم الحقَّ بعد ظهوره. وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ َ أحي لنا قُصَيّاً فإنَّه كان شيخاً مباركاً حتى نشهد لك بالنُّبوَّة من ربك فقال اللَّه : ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ كلام قصيٍّ: ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ . فصل اعلم أنَّهُ تعالى حكم عليهم بالتَّولي عن الدلائل، وبالإعراض عن الحق، وأنَّهُم لا يعقلونه البتَّة ولا ينتفعون به ألبتَّة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون صدور الإيمان منهم مُحَالاً؛ لأنَّهُ لو صدر منهم الإيمان، لكان إمّضا أن يوجد إيمانهم مع بقاء هذا الخبر صدقاً، أو مع انقلابه كذباً، والأول محالٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع الغخبار عن عدم الإيمان يكون جميعاً بين النَّقيضيْنِ وهو محالٌ، والثاني محالٌ؛ لأن انقلاب خبر اللَّهِ الصدق كذباً محالٌ، لا سيَّمَا في الزَّمانِ المنقضي وهكذا القول في انقلاب علم اللَّه جهلاً، كما تقدَّم تقريره.

стр. 5723

فصل قال النُّحاة: كلمة «لو» وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره. فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، أفاد أنَّه ما حصل المجيءُ، وما حصل الإكرامُ، ومن الفقهاء مَنْ قال: إنَّه يفيد الاستلزام، فأمَّا الانتفاء لأجل انتفاء الغير، فلا يفيده هذا اللَّفْظُ، ويدل عليه الآية والخبر. أمَّا الآية فهذه وتقريره: أنَّ كلمة «لَوْ» لو أفادت ما ذكروه لكان قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ يقتضي أنَّهُ تعالى ما علم خيراً وما أسمعهم، ثمَّ قال ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ فيكون معناه: أنه ما أسمعهم، وأنهم ما تولَّوا لكن عدم التولي خير من الخيرات، فأوَّل الكلام يقتضي نفي الخير، وآخره يقتضي حصول الخير، وذلك متناقض. فثبت القولُ: بأنَّهُ لو كانت كلمة: «لَوْ» تفيد انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره لوجب هذا التناقص؛ فوجب أن لا يُصار إليه. وأمَّا الخبر فقوله ﵊ ُ: «نِعْم الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لو لمْ يَخَفِ اللَّه لَمْ يَعْصِهِ» فلو كانت لفظه «لَوْ» تفيدُ ما ذكروه لصار المعنى أنَّهُ خاف الله وعصاه، وذلك متناقض.

стр. 5724

فثبت أنَّ كلمة «لَوْ» لا فتيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وإنَّما تفيدُ مجرد الاستلزام، وهذا دليل حسن إلَاّ أنَّهُ خلاف قول الجمهور. قوله تعالى : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية. قال أبو عبيدة، والزجاج: «استَجِيبُوا» معناه: أجيبوا؛ وأنشدوا قول الغنوي: [الطويل] ٢٦٩٠ - ... ... ... ... ... ... . ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأمر يفيدُ الوجوب؛ لأنها تدل على أنه لا بُدَّ من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه. فإن قيل: قوله ﴿استجيبوا للَّهِ﴾ أمرٌ. فلم قلتم: إنَّه على الوجوب؟ وهل النّزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثباتِ أنَّ الأمر للوجوب بناء على أنَّ هذا الأمر يفيدُ الوجوب فيقتضي إثبات الشيء بنفسه، وهو مُحال. فالجواب: أنَّ من المعلوم بالضَّرورة أنَّ كل ما أمر اللَّهُ به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله «اسْتَجِيبوا» على هذا المعنى كان ذلك جارياً مجرى إيضاح الواضحات وهو عبثٌ، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوتاً لهذا النصّ عن التعطيل. ويؤيده ما روى أبو هريرة «أنَّ النبي ﷺ َ مَرَّ على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصَّلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال:» ما منعكَ عَنْ إجابتِي «؟ فقال: كنتُ أصلِّي، فقال:» أليس الله يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلامه على ترك الإجابة «متمسكاً بهذه الآية.

стр. 5725

فإن قيل: مسألةُ الأمر - يفيد الوجوب - مسألةٌ قطعيَّةٌ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد. فالجوابُ: لا نسلم أنَّ مسألة الأمر - يفيدُ الوجوب - مسألة قطعيةٌ، بل هي ظنيَّةٌ؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في العمل. فإن قيل: إنَّ الله تعالى ما أمر بالإجابة مطلقاً، بل بشرط خاص، وهو قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلم قلتم إنَّ هذا الشرط الخاص حاصلٌ في جيمع الأوامر؟ فالجواب: أنَّ قصة أبي تدلُّ على أنَّ هذا الحكم عام ليس مخصصاً بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة؛ لأنَّ إحياء الحيِّ محالٌ؛ فوجب حملُه على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا اللَّهُ إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأومر. فصل في المُرادِ بقوله» لِمَا يُحْييكُم «وجوه: أحدها: قال السُّديُّ: هو الإيمان والإسلامُ وفيه الحياة، وقال قتادةُ: يعني القرآن فيه الحياة والنَّجاة. وقال مجاهدٌ: هو الحق. وقال ابن إسحاق: الجهادُ أعزكم اللَّهُ فيه بعد الذُّلِّ، وقال القتيبيُّ: الشَّهادةُ، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . قوله ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ قال الواحديُّ حكاية عن ابن عباس، والضحاك: يحولُ بين المرءِ الكافرِ وطاعته، ويحولُ بين المطيع ومعصيته، فالسَّعيدُ من أسعده اللَّهُ، والشقيُّ من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء. وقال السُّديُّ: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ: يحولُ بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان. وقيلك إنَّ القوم لمَّا دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت

стр. 5726

صدورهم، فقيل لهم: قاتلُوا في سبيل اللَّهِ، واعلموا أنَّ الله يحُولُ بين المرءِ وقلبه فيبدلُ الله الخوف أمناً، والجبن جراءة. قوله: «بَيْنَ المَرْءِ» العامَّةُ على فتح الميم. وقرأ ابن أبي إسحاق: بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة، وذلك ان في «المَرْءِ» لغتين: أفصحهما: فَتْح الميم مطلقاً، والثانية: إتباع الميم لحركة الإعراب فتقول: هذا مُرْءٌ - بضم الميم، ورأيت مَرْءاً - بفتحها، ومررت بِمِرْءٍ - بكسرها، وقرأ الحسن، والزهري: بفتح الميم وتشديد الرَّاءِ. وتوجيهها: أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الرَّاءِ، ثم ضعَّف الراء، وأجرى الوصل مُجْرى الوقف. قوله «وأنَّهُ» يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعود على الله تعالى، وهو الأحسن لقوله: «إلَيْهِ تُحْشَرُونَ» أي إلى اللَّهِ؛ ولا تتركون مهملين. قوله ﴿بَيْنَ المرء﴾ . في «لا» وجهان: أحدهما: أنَّها ناهيةٌ، وعلى هذا، فالجملةُ لا يجوزُ أن تكون صفةً ل «فِتْنَةً» لأنَّ الجملةًَ الطلبية لا تقعُ صفةً، ويجوز أن تكون محمولة لقول، ذلك القولُ هو الصِّفة أي: فتنةً مقولاً فيها: لا تُصيبن، والنَّهيُ في الصورة للمصيبة، وفي المعنى للمخاطبين، وهو في المعنى كقولهم: لا أرَيَنَّكَ ههنا، أي: لا تتعاطوا أسباباً يُصيبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم، ونونُ التوكيد على هذا في محلِّها، ونظيرُ إضمار القول قوله: [الرجز] ٢٦٩١ - جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَط ... أي مقول فيها ما رأيت. والثاني: أن «لا» نافية، والجملةُ صفة ل «فِتْنَةٌ» وهذا واضحٌ من هذه الجهة إلَاّ أنَّهُ يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم، ولا طلب، ولا شرط، وفيه خلافٌ: هل يجري المنفيُ ب «لا» مجرى النَّهي؟ فقال بعضهم: نعم؛ واستشهد بقوله: [الطويل] ٢٦٩٢ - فَلا الجَارةُ الدُّنْيَا بها تَلْحَينَّهَا ... ولا الضَّيْفُ فيها إن أنَاخَ مُحَوِّلُ

стр. 5727

وقال الآخر: [الطويل] ٢٦٩٣ - فَلَا ذَا نَعِيمٍ يُتْرَكنْ لِنعيمِهِ ... وإنْ قال قَرِّظْني وخُذْ رِشْوةً أبَى وَلَا ذَا بئِيسٍ يتركنَّ لِبُؤْسِهِ ... فَيَنْفَعَهُ شَكُوٌ إليه إن اشْتَكى فإذا جاز أن يُؤكد المنفيُّ ب «لا» مع انفصاله، فلأن يؤكَّد المنفيُّ غيرُ المفصول بطريق الأولى إلَاّ أنَّ الجمهور يحملون ذلك على الضرورة. وزعم الفرَّاءُ أنَّ: «لا تُصِيبَنَّ» جواب للأمر نحو: انزلْ عن الدَّابة لا تَطْرَحَنَّكَ، أي: إن تنزل عنها لا تَطْرَحنك، ومنه قوله تعالى ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] أي: إن تدخلوا لا يَحْطِمنَّكُم، فدخلت النُّونُ لِما فيه من معنى الجزاء. قال أبو حيان. وقوله «لا يحطمنَّكُم» وهذا المثالُ، ليس نظير ﴿فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الذين﴾ ؛ لأنه ينتظم من المثالِ والآيةِ شرطٌ وجزاءٌ كما قدَّر، ولا ينتظمُ ذلك هنا، ألا ترى أنه لا يَصِحُّ تقدير: إن تتقوا فتنة لا تُصِبِ الذين ظلموا، لأنه يترتَّبُ على الشرط غيرُ مقتضاه من جهة المعنى. قال الزمخشري: «لا تُصِيبَنَّ» لا يخلو إمَّا أن يكون جواباً للأمر، أو نهياً بعد أمرٍ، أو صفة ل «فِتْنَةً» فإن كان جواباً فالمعنى: إن أصابتكُم لا تُصيب الظَّالمين منكم خاصة بل تَعُمُّكُم. قال أبو حيان «وأخذ الزمخشريُّ قول الفرَّاءِ، وزاده فساداً وخبَّط فيه» فذكر ما نقلته عنه ثم قال: «فانظر إليه كيف قدَّر أن يكون جواباً للأمر الذي هو:» اتَّقُوا «ثمَّ قدَّر أداة الشطرِ داخلةً على غير مضارع» اتقُوا «؟ فقال المعنى: إن أصابتكُم يعني: الفتنة. وانظر كيف قدَّر الفرَّاءُ، انزل عن الدَّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وفي قوله: ﴿ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فأدخل أداة الشَّرط على مضارع فعل الأمر، وهكذا يُقدَّر ما كان جواباً للأمر» . وقيل: «لا تُصِيبَنَّ» جوابُ قسم محذوف، والجملةُ القسميةُ صفةٌ ل «فِتْنَةً» أي: فتنة واللَّه لا تُصيبنَّ، ودخولُ النُّون أيضاً قليلٌ، لأنه منفيٌّ. وقال أبُو البقاءِ «ودخلتِ النُّونُ على المنفي في غير القسم على الشُّذُوذِ» وظاهرُ هذا أنَّهُ إذا كان النَّفي في جواب القسم يَطَّرد دخولُ النُّونِ، وليس كذلك، وقيل: إنَّ اللام لامُ التَّوكيد والفعلُ بعدها مثبتٌ، وإنَّما أشبعتْ فتحةُ اللَاّمِ؛ فتولَّدت ألفاً، فدخول النُّون

стр. 5728

فيها قياسٌ، وتأثر هذا القائلُ بقراءةِ جماعةٍ كثيرة «لتُصِيبنَّ» وهي قراءة أمير المؤمنين، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والباقر، والربيع بن أنس، وأبي العالية، وابن جماز. وممَّن وجَّه ذلك ابنُ جني، والعجبُ أنه وجَّه هذه القراءة الشَّاذَّة بتوجيهٍ يَرُدُّهَا إلى قراءةِ العامَّة، فقال: «يجوز أن تكون قراءةُ ابن مسعود، ومن ذكر معه مخففةً من» لا «يعني حذفت ألفُ» لا «تخفيفاً واكتفي بالحركة» . قال: «كما قالوا: أم واللَّه، يريدون: أما واللَّهِ» . قال المهدويُّ «كما حذفت مِنْ» ما «وهي أخت» لا «في نحو: أم والله لأفعلنَّ وشبهه» . قوله «أخت لا» ليس كذلك؛ لأنَّ «أما» هذه للاستفتاح، ك «ألَا» ، وليست من النَّافية في شيءٍ، فقد تحصَّل من هذا أنَّ ابن جني خرَّج كلاًّ من القراءتين على الأخرى. وهذا لا ينبغي أن يجوز ألبتَّة، كيف يُوجدُ لفظ نفي، ويتأوَّل بثبوتٍ وعكسه؟ وهذا ممَّا يقلب الحقائق، ويُؤدِّي إلى التَّعمية. وقال المبرِّدُ، والفرَّاءُ، والزَّجَّاجُ: في قراءة العامَّة «لا تُصِيبنَّ» الكلام قد تمَّ عند قوله: «فِتْنَةً» وهو خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصةً عن التعرُّض للظُّلم فتصيبهم الفتنةُ خاصة، والمرادُ هنا: لا يتعرَّض الظَّالم للفتنة فتقع إصابتُها له خاصة. قال الزمخشريُّ في تقدير هذا الوجه: «وإذا كانت نهياً بعد أمرٍ؛ فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً. ثم قيل: لا تتعرَّضُوا للظلم فيصيب العقابُ أو أثر الذَّنب من ظلم منكم خاصة» . وقال عليُّ بن سليمان: هو نَهْيٌ على معنى الدُّعاءِ، وإنَّما جعله نهياً بمعنى الدُّعاء لأنَّ دخول النون في النفي ب «لا» عنده لا يجوز، فيصير المعنى: لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة، واستلزمت الدُّعاء على غير الظَّالمينَ، فصار التقدير: لا أصابت ظالماً ولا غير ظالم فكأنَّه قيل: واتقوا فتنةً لا أوقعها اللَّهُ بأحدٍ. وقد تحصَّلت في تخريج هذه الكلمة أقوال: النَّهْي بتقديريه، والدُّعاء بتقديريه، والجواب للأمر بتقديريه وكونها صفةً بتقدير القول. قوله: «مِنكُمْ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرها: أنَّها للبيان مطلقاً، والثاني: أنَّها حالٌ، فيتعلَّقُ بمحذوف. وجعلها الزمخشريُّ: للتبعيض على تقدير، وللبيان على تقدير آخر، فقال «فإن قلت: فما معنى» مِنْ «في قوله: ﴿الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ﴾ ؟ قلت: التبعيضُ على الوجه الأوَّلِ،

стр. 5729

والبيان على الثاني؛ لأنَّ المعنى: لا تصيبنَّكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم منكم أقبحْ من سائر النَّاسِ» يعني بالأولِ كونه جواباً للأمر، وبالثاني كونه نهياً بعد أمرٍ، وفي تخصيصه التبعيض بأحد الوجهين دون الآخر، وكذا الثاني: نظرٌ، إذ المعنى يصح بأحد التقديرين مع التَّبعيض والبيان. قوله: «خَاصَّةً» فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أنها حالٌ من الفاعل المستكنِّ في قوله: «لا تُصيبَنَّ» وأصلها أن تكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: إصابةً خاصة. الثاني: أنَّها حالٌ من المفعولِ وهو الموصولُ، تقديره: لا تصيبنَّ الظَّالمين خاصة، بل تعمُّهم، وتعمُّ غيرهم. الثالث: أنها حالٌ من فاعل «ظَلَمُوا» قاله ابن عطية. قال أبو حيان: «ولا يُعْقَلُ هذا الوجهُ» . قال شهابُ الدِّين: «ولا أدري ما عدمُ تعقُّله؟ فإنَّ المعنى: واتقُوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا، ولا يظلم غيرهم، بمعنى: أنَّهم اختصوا بالظُّلْمِ، ولم يشاركهم فيه غيرهم، فهذه الفتنةُ لا تختصُّ إصابتها لهؤلاء، بل تصبهم، وتُصيبُ مَنْ لَمْ يظلم ألبتَّة، وهذا معنى واضح» . فإن قيل: إنَّه تعالى خوَّفهم بعذابٍ لو نزل عمَّ المذنب، وغيره، وكيف يليقُ بالرحيم الحليمِ أن يوصل العذاب إلى من لم يذنب؟ فالجوابُ: أنَّهُ تعالى قد ينزل الموت، والفقر، والعمى، والزمانة بعبده ابتداء، إمَّا لأنَّهُ يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكيَّةِ، أو لأنَّه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاة على اختلاف المذهبين. فصل روي عن الحسن قال: " نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، وهو يوم الجمل خاصة ". قال الزبير: " نزلت فينا وقرأنا زمانا وما ظننا أنا أهلها فإذا نحن المعنيون بها ". وعن السدي نزلت في أهل بدر واقتتلوا يوم الجمل ".

стр. 5730

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ الله والرسول﴾ الآية. روي: أن الزبير كان يسامر النبي ﷺ يوما إذ أقبل علي ﵁ فضحك الزبير، فقال رسول الله ﷺ : كيف حبك لعلي؟ فقال: يا رسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد. فقال: كيف أنت إذا سرت تقاتله؟ وقال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم " وقال ﵊: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب العامة والخاصة ". وقال ابن زيد: " أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا ". روي أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ". ثم قال: " واعلموا أن الله شديد العقاب "، والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة. قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ الآية. في " إذ " ثلاثة أوجه، أوضحها: أنه ظرف ناصبة محذوف، تقديره: واذكروا حالكم الثابتة في وقت قلتكم، قاله ابن عطية. والثاني: أنه مفعول به. قال الزمخشري: " نصب على أنه مفعول به مذكور لا ظرف، أي: اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة " وفيه نظر؛ لأن " إذ " لا يتصرف فيها إلا بما تقدم ذكره، وليس هذا منه. الثالث: أن يكون ظرفا ل " اذكروا " قاله الحوفي، وهو فاسد؛ لأن العامل مستقبل، والظرف ماض فكيف يتلاقيان.

стр. 5731

قوله: " تخافون " فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه خبر ثالث. والثاني: أنه صفة ل " قليل " وقد بدئ بالوصف بالمفرد، ثم بالجملة. والثالث: أن يكون حالا من الضمير المستتر في " مستضعفون ". فصل المعنى: واذكروا يا معشر المهاجرين: " إذ أنتم قليل " في العدد: " مستضعفون في الأرض " أي: أرض مكة في ابتداء الإسلام: " تخافون أن يتخطفكم الناس " تذهب بكم الناس يعني كفار مكة. وقال عكرمة " كفار العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ". وقال وهب: " فارس والروم " " فآواكم " إلى المدينة " وأيدكم بنصره " أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبي: " قواك يوم بدر بالملائكة " " ورزقكم من الطيبات " يعني الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم. ثم قال: " لعلكم تشكرون " أي: نقلناكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة، وتتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال. لمَّا ذكر أنَّه رزقهم من الطَّيبات، فههنا منعهم من الخيانةِ، واختلفوا في تلك الخيانةِ. فقال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسولُ الله ﷺ َ إلى قريظة لمَّا حاصرهم وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: ما ترى لنا، أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، إنَّه الذبح فلا تفعلوا، فكان منه خيانة لله ورسوله. وقال السديُّ «كانُوا يسمعون الشيء من النبي ﷺ َ فيفشونه ويبلغونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك» .

стр. 5732

وقال ابن زيد: «نَهاهُم الله أن يخُونُوا كما صنع المنافقون يظهورن الإيمان، ويسرون الكُفْرَ» . وقال جابرُ بن عبد الله: «إنَّ أبا سفيان خرج من مكَّة فعلم النبي ﷺ َ خروجه، وعزم على الذهاب إليه، فكتب رجلٌ من المنافقين إليه أنَّ محمداً يريدكم، فخذوا حذركم فنزلت الآية» . وقال الكلبيُّ والأصمُ والزهريُّ «نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكَّة لمَّا همَّ النبيُّ ﷺ َ بالخروج إليها» . فصل قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ «الخيانة» في القرآن بإزاء خمسة معانٍ: الأول: أنَّ المراد بالخيانة: الذَّنب في الإسلام، كهذه الآية، لمَّا نزلت في أبي لبابة. الثاني: الخيانة: السرقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] نزلت في طعمة، لمَّا سرق الدرعين. الثالث: نقض العهد، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] . الرابع: الخيانة: المخالفة، قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَآ﴾ أي: خالفتاهما في الدين؛ لأنه يروى أنه ما زنت امرأةٌ نبي قط. الخامس: الخيانة: الزِّنا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله لَا يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [يوسف: ٥٢] يعني: الزنا. فصل قال القاضي: «الأقربُ: أنَّ خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرَّسُولِ غير خيانة الأمانة؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة» . وإذا عرف ذلك فنقول: إنَّه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة للَّه؛ لأنَّهُ خيانة لعطيته وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمها، فمن خانها فقد خان الرَّسُول، وهذه الغنيمة قد جعلها الله أمانة في أيدي الغانمين، وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة. والوديعة أمانةٌ في يد المودع، فمن خان منهم فيها قد خان أمانة النَّاس. إذ الخيانةُ ضد الأمانة. قال: ويحتمل أن يريد بالإمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه

стр. 5733

الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف تامة كاملة. قال ابن عباس: «لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته» «وتخُونُوا أماناتِكُم» . قال ابن عباس: «هي ما يخفى عن أعين النَّاس من فرائض الله تعالى» . والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد المذكورة في سبب النُّزول داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها لأنَّ العبرةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّببِ. قال الزمخشريُّ «ومعنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التَّمام، ومنه تخوَّنه إذا تنقصه ثم استعمل في ضد الأمانة؛ لأنك إذا خُنتَ الرَّجُلَ في شيءٍن فقد أدخلت النُّقصان فيه» . قوله: «وتَخُونُوا» يجوزُ فيه أن يكون منصوباً بإضمارِ «أنْ» على جواب النَّهي، أي: لا تجمعوا بين الخيانتين. كقوله: [الكامل] ٢٦٩٤ - لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتِيَ مِثلَهُ ... عَارٌ علَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ والثاني: أن يكون مجزوماً نسقاً على الأوَّل، وهذا الثاني أولى؛ لأن فيه النهي عن كلِّ واحدٍ على حدته بخلاف ما قبله فإنَّه نهيٌ عن الجمع بينهما، ولا يلزمُ من النهي عن الجمع بين الشيئين النهيُ عن كلٍّ واحدٍ على حدته، وقد تقدَّم تحريره في قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: ٤٢] أول البقرة. و «أماناتكم» على حذف مضاف، أي: أصحاب أماناتكم، ويجوزُ أن يكونوا نهوا عن خيانة الأماناتِ مبالغةً كأنَّها جعلت مخونةً. وقرأ مجاهدٌ ورويت عن أبي عمرو «أمَانتكُم» بالتَّوحيد، والمراد الجمع. وقوله: «وأنتُمْ تَعْلَمُونَ» جملة حالية، ومتلَّقُ العلم يجوزُ أن يكون مراداً أي: وأنتم تعلمون قُبْحَ ذلك أو أنكم مؤاخذون بها، ويجوزُ ألَاّ يُقَدَّر، أي: وأنتم من ذوي العلمِ. قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ . لمَّا كان الدَّاعي إلى الإقدام على الخيانةِ هو حب الأموالِ، والأولاد، نبَّه تعالى على أنه يجبُ على العقال أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك.

стр. 5734

فقال: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنَّها تشغل القلب بالدُّنيا. ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: أنَّ سعادة الآخرة خيرٌ من سعاداتِ الدُّنيا، لأنَّ سعادات الآخرة لا نهاية لها، وسعادات الدنيا تفني وتنقضي.

стр. 5735

قوله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ الآية. لمَّا حذَّر من الفتنة بالأموال، والأولاد، رغَّب في التَّقوى الموجبة لترك الميل، والهوى في محبَّة الأموال والأولاد. فإن قيل: إدخالُ الشَّرط في الحكم إنَّما يحسن في حقِّ من كان جاهلاً بعواقب الأمورِ وذلك لا يليق باللَّهِ تعالى. فالجوابُ: أنَّ قولنا إن كان كذا كان كذا لا يفيدُ إلَاّ كون الشَّرطِ مستلزماً للجواب، فإمَّا أنَّ وقوع الشَّرط مشكوك فيه، أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللَّفظ، سلَّمنا أنَّه يفيد هذا الشَّك إلَاّ أنه تعالى يُعامل العباد في الجزاء معاملة الشَّاك، وعليه يخرَّج قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين﴾ [محمد: ٣١] . قال أبو العباس المقرىء: «الفرقان» على أربعة أوجهٍ: الأول: الفرقان النور، كهذه الآية أي: يجعل لكم نوراً في قلوبكم تُفرِّقون به بين الحلال والحرام. والثاني: الحجة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان﴾ [البقرة: ٥٣] أي: الحجة. الثالث: القرآنُ. قال تعالى ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] أي: القرآن. الرابع: يوم بدر قال تعالى ﴿يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ [الأنفال: ٤١] أي: يوم بدر. فصل ومعنى الآية: إن تتَّقُوا الله بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقاناً. قال مجاهد: «مَخْرَجاً في الدُّنيا والآخرة من الضَّلال» وقال مقاتل: «مَخْرَجاً في الدَِّين من الشُّبهات» .

стр. 5736

وقال عكرمة «نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون» . وقال الضحاك: «بياناً» . وقال ابن إسحاق: «فصلاً بين الحق والباطل. يُظهر الله به حقكم ويطفىء باطل من خالفكم» قال مُزرد بن ضرار: [الخفيف] ٢٦٩٥ - بَادَرَ الأفْق أنْ يَغيبَ فَلَمَّا ... أظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرقَانَا قال آخر: [الرجز] ٢٦٩٦ - مَا لَك مِنْ طُولِ الأسَى فُرقَانُ ... بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبَانُوا وقال آخر: [الطويل] ٢٦٩٧ - وكَيْفَ أرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ... ومَا لِيَ مِنْ كَأسٍش المَنِيَّةِ فُرْقَانُ والفرقان: مصدر كالرُّجحان والنُّقصان، وتقدم الكلام عليه أول البقرة.

стр. 5737

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. هذا الظرفُ معطوفٌ على الظَّرف قبله؛ لأنّ هذه السُّورة مدنيَّة، وهذا المكر والقول إنما كان بمكَّة ولكنَّ الله ذكرهم بالمدينة لقوله تعالى: ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ [التوبة: ٤٠] . واعلم أنه لمَّا ذكَّر المؤمنين بنعمه عليهم بقوله: ﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] فكذلك ذكر رسوله بنعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين. قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وقتادة وغيرهم: أن قريشاً فزعوا - لمَّا أسلمت الأنصار - أن يتفاقهم أمر رسول الله ﷺ َ؛ فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله ﷺ َ، وكانت رُءُوسهُم عتبة، وشيبه ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسودِ، وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف فاعترضهم إبليسُ في صورة شيخ، فلما

стр. 5738

رَأوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا منّي رأياً ونصحاً، قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمداً وتُقَيِّدُوه، وتحبسوه في بيت وتسدُّوا باب البيت غير كوة وتلقون إليه طعامه وشرابه، وتَتربَّصُوا به رَيْبَ المنُون حتَّى يهلك فيه كما هلك من قبلهُ من الشعر، فصرخ عدوُّ الله الشيخُ النَّجدي وقال: بئس الرأي والله إن حبستموه في بيت ليخرجن أمره من وراء البيت إلى أصحابه، فيوشك أن يَثِبُوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم. قالوا: صدق الشَّيخُ. وقال بعضهم: أخرجوه من عندكم تستريحُوا من أذاه لكم. فقال إبليس: ما هذا برأي، تعمدُون إلى رجلٍ قد أفسد سفهاءكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم، ألَمْ تَرَوْا حلاوة منطقه، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه؟ والله لَئِن فعلتم ذلك لاستمال قلوب قومٍ ثم يسير بهم إليكم ويخرجكم من بلادكم قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: إنِّي أرى أن تأخذُوا من كلِّ بطنٍ من قريش شابّاً نسيباً وسطاً فتيّاً ثم يُعْطى كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يضربوه ضربة رجل واحدٍ، فإذا قتلوهُ تفرَّق دمهُ بين القبائلِ كلها، ولا أظن هذا الحيّ من بني هاشم يَقوونَ على حرب قريش كلها فيرضونَ بأخذ الدِّية فتؤدي قريش ديته. فقال إبليس: صدق هذا التفى وهو أجودكم رأياً، فتفرقوا على رأي أبي جهل فأوْحَى اللَّهُ تعالى إلى نبيِّه بذلك، وأذن له في الخُرُوج إلى المدينة، وأمره لَاّ يبيت في مضجعه، فأمر الرسُول عليّاً أن يبيت في مضجعه وقال: اتَّشح ببُرْدَتي؛ فإنَّه لنْ يصلَ إليك أمرٌ تكرهه، ثمَّ خرج النبي ﷺ َ فأخذ قبضة من ترابٍ، وأخذ اللَّهُ أبصارهم عنه وجعل ينثر التُّراب على رءوسهم، وهو يقرأ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلَالاً﴾ [يس: ٨] إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر، وخلف عليّاً بمكَّة حتَّى يؤدِّي عنه الودائع التي كانت توضع عنده لصدقه وأمانته، وباتُوا مُترصِّدين، فلمَّا أصبحوا ثَارُوا إلى مضجعه فأبصروا عليّاً فبهتوا. وقالوا له: أيْنَ صاحبُك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار رَأوْا على بابه نسخ العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه؛ فمكث فيه ثلاثاً ثم قدم المدينة فذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ .

стр. 5739

وقوله «لِيُثُبِتُوكَ» متعلِّقٌ ب «يَمْكُرُ» والتثبيتُ هنا الضَّربُ، حتَّى لا يبقى للمضروب حركة؛ قال: [البسيط] ٢٦٩٨ - فَقلتُ: ويْحَكَ ماذا فِي صَحيفتكُمْ؟ ... قالوا: الخَليفَةُ أمْسَى مُثْبَتاً وجِعَا وقرأ ابن وثَّابٍ «لِيُثِّبتُوكَ» فعدَّاهُ بالتضعيف، وقرأ النخعي «لِيبيتُوك» من البيات والمعنى: قال ابنُ عبَّاسٍ: ليوثقوك ومن شد فقد أثبت؛ لأنَّهُ لا يقدر على الحركة، ولهذا يقال لمن اشتدَّتْ به علة أو جراحة تمنعه من الحركة قد أثْبِتَ فلانٌ، فهو مُثْبَتٌ. وقيل: ليسجنوك، وقيل: ليثبتوك في بيتٍ، أو يقتلوك، وهو ما حكي من أبي جهل «أو يُخْرِجُوكَ» من مكَّة كما تقدم. ثم قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ قال الضحاكُ: يصنعون ويصنع اللَّهُ، والمكرُ من الله التدبير بالحقِّ، وقيل: يجازيهم جزاء المكر. ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ وقد تقدَّم الكلام في تفسير «المَكْرِ» في حق الله تعالى في آل عمران عند قوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] . فإن قيل: كيف قال ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ ولا خير في مكرهم؟ فالجوابُ من وجوه: أحد: أنَّ المراد أقوى الماكرين، فوضع «خَيْرٌ» موضع «أقْوَى» تنبيهاً على أنَّ كُلَّ مكر، فإنَّهُ يبطل في مقابلة فعل اللَّهِ تعالى. وثانيها: أنَّ المُرادَ لو قدر في مكرهم ما يكون خيراً. وثالثها: أنَّ المراد ليس هو التفضيل، بل المرادُ أنَّهُ في نفسه خير كقولك: الزبد خير من الله، أي: من عند اللَّهِ.

стр. 5740

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ الآية. لمَّا حكى مكرهم في ذاتِ محمَّدٍ، حكى مكرهم في دين محمَّدٍ. روي أنَّ النَّضْرَ بن الحارث كان يختلف تاجراً إلى فارس والحيرةِ فيسمع أخبار رستم وسفنديار، وأحاديث العجمِ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، ويمر باليهود

стр. 5741

والنصارى فيراهم يقراءون التوراة والإنجيلن ويركعون ويسجدون فجاء مكَّة فوجد محمداً ﷺ َ يصلِّي ويقرأ القرآن، وكان يقعدُ مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عيلهم ساطير الأوَّلين أخبار الأمم الماضية وأسماءهم، وما سطر الأولون في كتبهم. وكان يزعمُ أنها مثل ما يذكره مُحمَّدٍ من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ، والأساطير: جمع أسطورة وهي المكتوبة. فإن قيل: الاعتمادُ على كون القرآن معجزاً هو أنَّ الله تعالى تحدَّى العرب بمعارضته فلم يأتوا بها، وهذا الآيةُ تدلُّ على أنه أتى بالمعارضة. فالجواب: أن كلمة «لو» تفيدُ انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ يدلُّ على أنه ما شاء ذلك القول، وما قالوا؛ فثبت أنَّ النضر بن الحارث أقرَّ أنَّهُ ما أتى بالمعارضة، وإنَّما أخبر أنه لو شاء أتى بها، والمقصود إنَّما يحصل لو أتى بالمعارضة امَّا مجرَّد هذا القول، فلا فائدة فيه.

стр. 5742

قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾ . نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدَّارِ. قال ابنُ عباسٍ: لمَّا قصَّ رسولُ الله ﷺ َ شأن القرون الماضية قال النَّضْرُ: لو شئت لقلتُ مثل هذا إن هذا إلا ما سطر الأوَّلُونَ في كتبهم. فقال له عثمانُ بن مظعون: اتق الله فإن محمداً يقول الحقَّ، قال: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإنَّ محمداً يقول: لا إله إلَاّ الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله ولكن هذه بنات الله، يعني: الأصنام. ثم قال: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا﴾ الذي يقوله محمد «هُو الحقَّ من عندكَ» . فإن قيل: في الآية إشكال من وجهين: أحدهما: أن قوله ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾ الآية. حكاهُ الله عن كلام الكُفَّار، وهو من جنس نظم القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا وحكي عنهم في

стр. 5743

سورة الإسراء قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وهذا أيضاً كلامُ الكُفَّار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرن، فدلَّ على حصول المعارضة. الوجه الثاني: أنَّ كفار قريش كانُوا معترفين بوجود الإله، وقدرته، وكانوا قد سمعوا التَّهديد الكثير من محمد ﷺ َ في نزول العذاب، فلو كان القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً، لأنهم أرباب الفصاحةِ والبلاغةِ، ولو عرفوا ذلك لكان أقلّ الأحوال أن يَشُكُّوا في نبوَّة محمد ﵊، ولو كانُوا كذلك لما أقدموا على قولهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ ؛ لأن الشَّاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه المبالغة علمنا أنَّه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة. فالجواب عن الأول: أنَّ الإتيان بهذا القدر من الكلامِ لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنَّ هذا القدر كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة. والجوابُ عن الثَّانِي: هَبْ أنَّه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجزاً إلَاّ أنَّهُ لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال. قوله «هُو الحقَّ» العامَّةُ على نصب «الحقَّ» وهو خبر الكون، و «هُوَ» فصل، وقد تقدَّم الكلام عليه. وقال الأخفشُ: «هو» زائد، ومرادُه ما تقدَّم من كونه فصلاً. وقرأ الأعمش، وزيدُ بن علي: برفع «الحقَّ» ووجهها ظاهرٌ، برفع «هُوَ» بالابتداء و «الحق» خبره، والجملةُ خبرُ الكونِ؛ كقوله: [الطويل] ٢٦٩٩ - تَحِنُّ إلَى لَيْلَى وأنْتَ تَركْتَهَا ... وكُنْتَ عليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ وهي لغةُ تميم. وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع «الحقّ» على خبر «هو» والجملة خبر ل «كان» . قال الزَّجَّاجُ «ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز» ، وقد ظهر من قَرأَ به وهما رجلان جليلان. قوله: «مِنْ عندِكَ» حال من معنى «الحَقّ» : أي: الثَّابت حال كونه من عندك. وقوله «مِنَ السَّماءِ» فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ متعلقٌٌ بالفعل قبله. والثاني: أنه صفة ل «حِجَارةً» فيتعلقُ بمحذوفٍ.

стр. 5744

وقوله: «مِنَ السَّماءِ» مع أنَّ المطر لا يكون إلَاّ منها، قال الزمخشريُّ: «كأنه أراد أن يقال: فأمطرْ علينا السِّجِّيلَ، فوضع حجارة من السماء موضع السِّجِّيل كما يقالك صب عليه مسرودةً من حديد، تريدُ درعاً» . قال أبو حيان: «إنَّهُ يريد بذلك التَّأكيد» قال: «كَمَا أنَّ قوله:» من حديد «معناه التأكيد؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلَاّ من حديدٍ، كما أنَّ الأمطارَ لا تكونُ إلَاّ من السَّماءِ» . وقال ابنُ عطيَّة: «قولهم» مِنَ السَّماءِ «مبالغة وإغراق» . قال أبو حيَّان: «والذي يظهر أنَّ حكمة قولهم:» مِنَ السَّماءِ «هي مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذكر ﵊ ُ أنه يأتيه الوحي من جهتها، أي: إنَّك تذكر أن الوحي يأتيك من السَّماءِ، فأتِنَا بالعذاب من الجهة التَّي يأتيك الوحي منها، قالوه استبعاداً له» . فصل قال عطاءٌ: «لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر» . قال سعيدُ بنُ جبيرٍ «قتل رسولُ الله ﷺ َ يوم بدرٍ ثلاثةً من قريشٍ صبراً طعيمة بن عدي، وعقبة بن أبي معيطٍ، والنَّضْر بن الحارث» . وروى أنس أن الذي قال هذا الكلام أبُو جُهْلٍ. قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ اللَاّم في «ليُعَذِّبهُمْ» قد تقدَّم أنها لامُ الجحود، والجمهورُ على كسرها، وقرأ أبُو السَّمَّال: بفتحها. قال ابن عطية عن أبي زيد: «سمعت من العرب من يقول» ليُعَذِّبهُمْ «بفتح اللَاّم، وهي لغةٌ غيرُ معروفةٍ ولا مستعملةٍ في القرآن» . يعني في المشهور منه، ولمْ يَعْتَدَّ بقراءة أبي السمال، وروى ابن مجاهد عن أبي زيد فَتْحَ كلِِّ لامٍ عن بعض العربِ إلَاّ في

стр. 5745

﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: فتح لام الأمر من قوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ، وأتى بخبر «كان» الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية فإنَّه إمَّا أن يكون محذوفاً، وهو الإرادة كما يقدِّره البصريون أي: ما كان الله مُريداً لتعذيبهم وانتفاءُ إرادة العذاب أبلغُ من نفي العذاب، وإمَّا أنه أكَّدَهُ باللَاّم على رأي الكوفيين لأنَّ كينونته فيهم أبلغُ من استغفارهمن فشتَّان بين وجودِه ﵊، وبين استغفارهم. وقوله «وأنتَ فيهِمْ» حال، وكذلك «وهُمْ يَسْتَغفرُونَ» . والظَّاهر أنَّ الضمائرَ كلَّها عائدةٌ على الكفار. وقيل: الضمير في «يُعذِّبَهُمْ» و «مُعَذِّبَهُمْ» للكفَّارِ، والضمير من قوله «وهُمْ» للمؤمنين. وقال الزمخشريُّ: «وهُمْ يَسْتَغفرُونَ» في موضع الحال، ومعناه: نفيُ الاستغفار عنهم أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذَّبهم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولكنهم لا يستغفرون، ولا يؤمنون ولا يتوقَّع ذلك منهم. وهذا المعنى الذي ذكره منقولٌ عن قتادة، وأبي زيد، واختاره ابنُ جريرٍ. فصل قال أبُو العباس المقرىءُ: ورد لفظ «في» في القرآن بإزاء ستَّةِ أوجه: الأول: بمعنى «مع» كهذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ [النمل: ١٩] أي: مع عبادك، ومثله: ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] . الثاني: بمعنى «على» . قال تعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل، ومثله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] . أي: عليه. الثالث: بمعنى «إلى» قال تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] أي: أليها. الرابع: بمعنى «عن» قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى﴾ [الإسراء: ٧٢] أي: عن هذه الآيات. الخامس: بمعنى «من» قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩] أي: مِنْ كل أمة «شَهِيداً» . السادس: بمعنى «عند» قال تعالى ﴿كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ [هود: ٦٢] . فصل اختلفوا في معنى هذه الآيةِ: فقال محمدُ بنُ إسحاق: هذا حكايةٌ عن المشركين، وهذه الآية متصلة بالآية التي قبلها، وذلك أنَّهُم كانوا يقولون إنَّ الله لا يعذبنا ونحن
следующие страницы →