Полный текст (12 961 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
والنصارى فيراهم يقراءون التوراة والإنجيلن ويركعون ويسجدون فجاء مكَّة فوجد محمداً ﷺ َ يصلِّي ويقرأ القرآن، وكان يقعدُ مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عيلهم ساطير الأوَّلين أخبار الأمم الماضية وأسماءهم، وما سطر الأولون في كتبهم.
وكان يزعمُ أنها مثل ما يذكره مُحمَّدٍ من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ، والأساطير: جمع أسطورة وهي المكتوبة.
فإن قيل: الاعتمادُ على كون القرآن معجزاً هو أنَّ الله تعالى تحدَّى العرب بمعارضته فلم يأتوا بها، وهذا الآيةُ تدلُّ على أنه أتى بالمعارضة.
فالجواب: أن كلمة «لو» تفيدُ انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ يدلُّ على أنه ما شاء ذلك القول، وما قالوا؛ فثبت أنَّ النضر بن الحارث أقرَّ أنَّهُ ما أتى بالمعارضة، وإنَّما أخبر أنه لو شاء أتى بها، والمقصود إنَّما يحصل لو أتى بالمعارضة امَّا مجرَّد هذا القول، فلا فائدة فيه.
стр. 5742
قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾ .
نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدَّارِ.
قال ابنُ عباسٍ: لمَّا قصَّ رسولُ الله ﷺ َ شأن القرون الماضية قال النَّضْرُ: لو شئت لقلتُ مثل هذا إن هذا إلا ما سطر الأوَّلُونَ في كتبهم.
فقال له عثمانُ بن مظعون: اتق الله فإن محمداً يقول الحقَّ، قال: وأنا أقول الحق.
قال عثمان: فإنَّ محمداً يقول: لا إله إلَاّ الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله ولكن هذه بنات الله، يعني: الأصنام.
ثم قال: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا﴾ الذي يقوله محمد «هُو الحقَّ من عندكَ» .
فإن قيل: في الآية إشكال من وجهين:
أحدهما: أن قوله ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾ الآية. حكاهُ الله عن كلام الكُفَّار، وهو من جنس نظم القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا وحكي عنهم في
стр. 5743
سورة الإسراء قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وهذا أيضاً كلامُ الكُفَّار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرن، فدلَّ على حصول المعارضة.
الوجه الثاني: أنَّ كفار قريش كانُوا معترفين بوجود الإله، وقدرته، وكانوا قد سمعوا التَّهديد الكثير من محمد ﷺ َ في نزول العذاب، فلو كان القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً، لأنهم أرباب الفصاحةِ والبلاغةِ، ولو عرفوا ذلك لكان أقلّ الأحوال أن يَشُكُّوا في نبوَّة محمد ﵊، ولو كانُوا كذلك لما أقدموا على قولهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ ؛ لأن الشَّاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه المبالغة علمنا أنَّه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة.
فالجواب عن الأول: أنَّ الإتيان بهذا القدر من الكلامِ لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنَّ هذا القدر كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة.
والجوابُ عن الثَّانِي: هَبْ أنَّه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجزاً إلَاّ أنَّهُ لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال.
قوله «هُو الحقَّ» العامَّةُ على نصب «الحقَّ» وهو خبر الكون، و «هُوَ» فصل، وقد تقدَّم الكلام عليه.
وقال الأخفشُ: «هو» زائد، ومرادُه ما تقدَّم من كونه فصلاً.
وقرأ الأعمش، وزيدُ بن علي: برفع «الحقَّ» ووجهها ظاهرٌ، برفع «هُوَ» بالابتداء و «الحق» خبره، والجملةُ خبرُ الكونِ؛ كقوله: [الطويل]
٢٦٩٩ - تَحِنُّ إلَى لَيْلَى وأنْتَ تَركْتَهَا ... وكُنْتَ عليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وهي لغةُ تميم. وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع «الحقّ» على خبر «هو» والجملة خبر ل «كان» .
قال الزَّجَّاجُ «ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز» ، وقد ظهر من قَرأَ به وهما رجلان جليلان.
قوله: «مِنْ عندِكَ» حال من معنى «الحَقّ» : أي: الثَّابت حال كونه من عندك.
وقوله «مِنَ السَّماءِ» فيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ متعلقٌٌ بالفعل قبله.
والثاني: أنه صفة ل «حِجَارةً» فيتعلقُ بمحذوفٍ.
стр. 5744
وقوله: «مِنَ السَّماءِ» مع أنَّ المطر لا يكون إلَاّ منها، قال الزمخشريُّ: «كأنه أراد أن يقال: فأمطرْ علينا السِّجِّيلَ، فوضع حجارة من السماء موضع السِّجِّيل كما يقالك صب عليه مسرودةً من حديد، تريدُ درعاً» .
قال أبو حيان: «إنَّهُ يريد بذلك التَّأكيد» قال: «كَمَا أنَّ قوله:» من حديد «معناه التأكيد؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلَاّ من حديدٍ، كما أنَّ الأمطارَ لا تكونُ إلَاّ من السَّماءِ» .
وقال ابنُ عطيَّة: «قولهم» مِنَ السَّماءِ «مبالغة وإغراق» .
قال أبو حيَّان: «والذي يظهر أنَّ حكمة قولهم:» مِنَ السَّماءِ «هي مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذكر ﵊ ُ أنه يأتيه الوحي من جهتها، أي: إنَّك تذكر أن الوحي يأتيك من السَّماءِ، فأتِنَا بالعذاب من الجهة التَّي يأتيك الوحي منها، قالوه استبعاداً له» .
فصل
قال عطاءٌ: «لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر» .
قال سعيدُ بنُ جبيرٍ «قتل رسولُ الله ﷺ َ يوم بدرٍ ثلاثةً من قريشٍ صبراً طعيمة بن عدي، وعقبة بن أبي معيطٍ، والنَّضْر بن الحارث» . وروى أنس أن الذي قال هذا الكلام أبُو جُهْلٍ.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ اللَاّم في «ليُعَذِّبهُمْ» قد تقدَّم أنها لامُ الجحود، والجمهورُ على كسرها، وقرأ أبُو السَّمَّال: بفتحها.
قال ابن عطية عن أبي زيد: «سمعت من العرب من يقول» ليُعَذِّبهُمْ «بفتح اللَاّم، وهي لغةٌ غيرُ معروفةٍ ولا مستعملةٍ في القرآن» . يعني في المشهور منه، ولمْ يَعْتَدَّ بقراءة أبي السمال، وروى ابن مجاهد عن أبي زيد فَتْحَ كلِِّ لامٍ عن بعض العربِ إلَاّ في
стр. 5745
﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: فتح لام الأمر من قوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ، وأتى بخبر «كان» الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية فإنَّه إمَّا أن يكون محذوفاً، وهو الإرادة كما يقدِّره البصريون أي: ما كان الله مُريداً لتعذيبهم وانتفاءُ إرادة العذاب أبلغُ من نفي العذاب، وإمَّا أنه أكَّدَهُ باللَاّم على رأي الكوفيين لأنَّ كينونته فيهم أبلغُ من استغفارهمن فشتَّان بين وجودِه ﵊، وبين استغفارهم.
وقوله «وأنتَ فيهِمْ» حال، وكذلك «وهُمْ يَسْتَغفرُونَ» .
والظَّاهر أنَّ الضمائرَ كلَّها عائدةٌ على الكفار.
وقيل: الضمير في «يُعذِّبَهُمْ» و «مُعَذِّبَهُمْ» للكفَّارِ، والضمير من قوله «وهُمْ» للمؤمنين.
وقال الزمخشريُّ: «وهُمْ يَسْتَغفرُونَ» في موضع الحال، ومعناه: نفيُ الاستغفار عنهم أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذَّبهم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولكنهم لا يستغفرون، ولا يؤمنون ولا يتوقَّع ذلك منهم. وهذا المعنى الذي ذكره منقولٌ عن قتادة، وأبي زيد، واختاره ابنُ جريرٍ.
فصل
قال أبُو العباس المقرىءُ: ورد لفظ «في» في القرآن بإزاء ستَّةِ أوجه:
الأول: بمعنى «مع» كهذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ [النمل: ١٩] أي: مع عبادك، ومثله: ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] .
الثاني: بمعنى «على» . قال تعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل، ومثله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] . أي: عليه.
الثالث: بمعنى «إلى» قال تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] أي: أليها.
الرابع: بمعنى «عن» قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى﴾ [الإسراء: ٧٢] أي: عن هذه الآيات.
الخامس: بمعنى «من» قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩] أي: مِنْ كل أمة «شَهِيداً» .
السادس: بمعنى «عند» قال تعالى ﴿كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ [هود: ٦٢] .
فصل
اختلفوا في معنى هذه الآيةِ: فقال محمدُ بنُ إسحاق: هذا حكايةٌ عن المشركين، وهذه الآية متصلة بالآية التي قبلها، وذلك أنَّهُم كانوا يقولون إنَّ الله لا يعذبنا ونحن
стр. 5746
نستغفره، ولا يعذب الله أمة ونبيها معها، فقال الله لنبيه ﷺ َ يُذكِّره جهالتهم وغرتهم قال: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية وقال ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ثم قال ردّاً عليهم ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ وإن كنت بين اظهرهم، وإن كانوا يستغفرون ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ .
وقال آخرون: هذا الكلام مستأنف يقول الله إخباراً عن نفسه: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ واختلفوا في تأويلها.
فقال الضحاكُ، وجماعة: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مُقيم بين أظهرهم، قالوا: نزلت هذه الآية على النبيَّ ﷺ َ وهو مقيم بمكَّةَ ثمَّ خرج من بين أظهرهم وبقيت به بقيَّة من المسلمين يستغفرون الله؛ فأنزل اللَّهُ ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم خرج أولئك من بينهم فعُذِّبوا وأذن اللَّهُ في فتح مكَّة، وهو العذاب الأليم الذي وعدهم اللَّهُ «.
قال ابن عباس «لم يعذِّب الله قيةً حتى يخرج النبي منها، والذين آمنوا ويلحق بحيث أمرَ» .
قال أبو موسى الأشعريُّ: كان فيكم أمانان: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فأمَّا النبي ﷺ َ فقد مضى، والاستغفار كائن فيكم إلى يومِ القيامةِ.
فإن قيل: لمَّأ كان حضوره مانعاً من نزول العذاب بهم، فكيف قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] ؟
فالجوابُ: المرادُ من الأوَّلِ عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.
стр. 5747
وقال السديُّ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: لو استغفروا، ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقرُّوا بالذَّنب واستغفروا لكانوا مؤمنين.
وقال عكرمةُ: «وهُمْ يَستَغْفرُونَ» يسلمون، يقول: لو أسلموا لما عذبوا، وروى الوالبي عن ابن عبَّاسٍ: أي: وفيهم من سبق له من الله أنه يؤمن ويستغفر كأبي سفيان، ومصعب بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وغيرهم.
وروى عبد الوهاب عن مجاهدٍ: «وهُمْ يستغْفِرُونَ» أي: وفي أصلابهم من يستغفر.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ الآية.
في «أن» وجهان:
أظهرهما: أنَّها مصدريةٌ، وموضعها إما نصبٌ، أو جرٌّ؛ لأنَّها على حذف حرف الجر، إذ التقدير: في ألَاّ يُعذِّبهم، وهذا الجارُّ متعلقٌ بما تعلَّ به: «لَهُمْ» من الاستقرار، والتقديرُ: أيَّ شيءٍ استقر لهم في عدم تعذيبِ اللَّهِ ياهم؟ بمعنى: لا حظ لهم في انتفاء العذاب.
والثاني: أنَّها زائدةٌ وهو قول الأخفش.
قال النَّحَّاسُ «: لو كانت كما قال لرفع» يُعذِّبهم «. يعني النَّحاس: فكان ينبغي أن يرتفع الفعلُ على أنه واقعٌ موضع الحال، كقوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بالله﴾ [المائدة: ٨٤] ولكن لا يلزمُ من الزيادةِ عدمُ العمل، ألا ترى:» أنَّ «مِنْ» و «الباء» يعملان وهما مزيدتان.
وقال أبُو البقاءِ: «وقيل هو حال، وهو بعيدٌ، لأنَّ» أنْ «تُخلِّص الفعل للاستقبال»
والظَّاهرُ أنَّ «ما» في قول «وَمَا لهُمْ» استفهامية، وهو استفهامٌ معناه التقرير، أي: كيف لا يُعذَّبُونَ وهم مُتَّصفون بهذه الحال؟ .
وقيل: «ما» نافية، فهي إخبارٌ بذلك، أي: ليس عدمُ التَّعذيب، أي: لا ينتفي عنهم التعذيب مع تلبسهم بهذه الحال.
فصل
معنى الآية: وما يمنعهم من أن يعذبوا، أي: بعد خروجك من بينهم: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ أي: يمنعون المؤمنينَ من الطَّواف، وقيل: أراد بالعذاب بالأوَّلِ عذاب الدُّنيا، وبهذا عذاب الآخرة.
стр. 5748
وقال الحسن: قوله ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] منسوخة بقوله ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ [الأنفال: ٣٤] .
قوله ﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ﴾ في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنَّها استئنافيةٌ، والهاء تعود على المسجد أي: وما كانُوا أولياءَ المسجد.
والثاني: أنَّها نسقٌ على الجملة الحاليَّة قبلها وهي: «وهُم يَصُدُّونَ» والمعنى: كيف لا يُعذِّبهُم اللَّه، وهم مُتَّصفون بهذين الوَصْفيْنِ: صدِّهم عن المسجد الحرام، وانتفاءِ كونهم أولياءه؟ ويجوزُ أن يعود الضَّميرُ على الله تعالى، أي: لم يكونوا أولياءَ الله.
فصل
قال الحسن: كان المشركون يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ﴾ أي: أولياء البيت: «إنْ أوْلياؤُهُ» أي: ليس أولياء البيت «إلَاّ المُتَّقُون» يعني المؤمنين الذين يتَّقُون الشرك، ويحترزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيتن فلهذا قال بعده: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ البيت إِلَاّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٥] ولكن أكثرهم لا يعلمون.
стр. 5749
لمَّا ذكر أنَّهم ليسُوا أولياء البيتِ الحرام بيَّن ههنا ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت، وهو أنَّ صلاتهم عند البيت إنَّما كان بالمكاء والتَّصديةِ.
أي: ما كان شيءٌ ممَّا يعُدَّونه صلاةً وعبادةً إلا هذين الفعلينِ، وهما المكاء والتصدية أي: إن كان لهم صلاةٌ فلا تكن إلَاّ هذين، كقول الشَّاعر: [الطويل]
٢٧٠٠ - ومَا كُنْتُ أخْشَى أن يكثونَ عَطَاؤُهُ ... أدَاهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرَا
فأقام القيود، والسِّياط مقام العطاء، والمُكَاء: مصدر مَكَا يَمْكُوا، أي: صفر بين أصابعه أو بين كفَّيه.
قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما تَمْكُوا فريصتُه؟ .
فشبَّك بين أصابعه، وجعلها على فِيهِ، ونفخ فيها. يريد قول عنترة: [الكامل]
٢٧٠١ - وحَلِيْلِ غَانِيَةٍ تَركْتُ مُجَدَّلاً ... تَمْكُو فَريصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلمِ
يقال: مكت الفريصة، أي: صَوَّتت بالدَّمِ، ومكت استُ الدَّابة، أي: نفخت بالرِّيحِ.
стр. 5750
وقال مجاهدٌ: المُكاءٌ: صفيرٌ على لحنِ طائرٍ أبيض يكون بالحجاز؛ قال الشاعر: [الطويل]
٢٧٠٢ - إذَا غرَّدَ المُكَّاءُ في غَيْرِ روْضَةٍ ... فَوَيلٌ لأهْلِ الشَّاءِ والحُمُراتِ
المُكَّاء: فُعَّال، بناء مبالغةٍ؛ قال أبو عبيدة: «يقال: مَكَا يَمْكُوا مُكُوّاً ومُكَّاءً: صَفَرَ، والمُكاء: بالضَّمِّ، كالبُكاءِ والصُّراخ» .
قال الزمخشريُّ: «المُكاء» : فُعال، بوزن: الثُّغَاء والرُّغَاء، من مَكَا يَمْكُوا: إذا صَفَر والمُكاء: الصَّفيرُ «ومنه: المُكَّاء: وهو طائر يألف الرِّيف، وجمعهُ المَكَاكِيُّ.
قيل: ولم يشذَّ من أسماء الأصوات بالكسر إلَاّ الغِنَاء، والنِّداء. والتَّصدية فيها قولان:
أحدهما: أنها من الصَّدى، وهو ما يُسْمع من رجع الصَّوْتِ في الأمكنة الخالية الصُّلبةِ يقال منه: صَدَى يصدي تصديةً، والمراد بها هنا: ما يسمع من صوت التَّصفيق بإحدى اليدينِ على الأخرى.
وقيل: هي مأخوذةٌ من التَّصدد، وهي الضَّجيجُ، والصِّياحُ، والتصفيق، فأبدلت إحدى الدَّالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] في قراءة من كسر الصَّاد، أي: يضجُّونَ ويلغطون، وهذا قول أبي عبيدة، وردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي، وقال: إنَّما هو مِن الصَّدْي، فكيف يُجعل من المضعَّف؟ وقد ردَّ أبو عليّ على أبي جعفر ردَّهُ وقال» قد ثبت أنَّ يصُدُّونَ من نحو الصَّوْتِ، فأخذهُ منه، وتصدية: تَفْعِلَة «ثم ذكر كلاماً كثيراً.
والثاني: أنَّها من الصَّدِّ، وهو المنعُ؛ والأصل: تَصْدِدَة، بدالين أيضاً، فأبدلت ثانيتهما ياء ويُؤيِّدُ هذا قراءةُ من قرأ» يَصُدُّونَ «بالضَّمِّ، أي: يمنعون. وقرأ العَامَّةُ:» صلاتُهُم «رفعاً،» مُكَاءً «نَصْباً.
وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلاف عنهما: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ نصباً،»
стр. 5751
مُكَاءٌ «رفعاً وخطَّأ الفارسيُّ هذه القراءة، وقال: لا يجوزُ أن يُخْبَر عن النَّكرةِ بالمعرفةِ إلَاّ في ضرورة؛ كقول حسَّانٍ: [الوافر]
٢٧٠٣ - كأنَّ سَبيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ ... يَكُونُ مزاجَهَا عسلٌ ومَاءُ
وخرَّجها أبو الفتحِ على أنَّ «المُكَاء» و «التصدية» اسما جنس، يعني: أنَّهُمَا مصدران.
قال: واسم الجنْسٍ تعريفُه وتنكيرُهُ متقاربانِ، فلمَ يقالُ بأيِّهمَا جعل اسماً، والآخر خبراً؟ وهذا يقرُب من المعرَّف ب «أل» الجنسيَّة، حيث وُصِفَ بالجملة، كما يُوصَف به النكرة، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] ؛ وقول الآخر: [الكامل]
٢٧٠٤ - ولقد أمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ «لا يَعْنِينِي
وقال بعضهم: وقد قرأ أبو عمرو:» إلَاّ مُكاً «بالقصرِ والتنوين، وهذا كما قالوه: بُكاءً، وبُكّى. بالمدِّ والقصر.
وقد جمع الشَّاعر بين اللغتين، فقال: [الوافر]
٢٧٠٥ - بَكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لها بُكَاهَا ... ومَا يُغْنِي البُكَاءُ ولا العَوِيلُ
стр. 5752
فصل
قال ابن عبَّاسٍ» كانت قريش يطوفون بالبيت عُراة، يُصفرون ويصفِّقُون «.
وقال مجاهدٌ:» كانوا يعارضون النبي ﷺ َ في الطّواف ويتسهزئون به ويصفِّرون، ويصفِّقُونَ، ويخلطون عليه طوافه وصلاته «.
وقال مقاتلٌ:» كان النبي ﷺ َ إذَا صلَّى في المسجد الحرام، قام رجلان عن يمينه، ورجلان عن يساره يصفقون ليخلطوا على النبيِّ ﷺ َ صلاته، وهم من بني عبد الدَّارِ «.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ:» التصديةُ: صدهم المؤمنين عن المسجد الحرامِ، وعلى هذا ف «التَّصددةُ» بدالين، كما يقال: تظننت من الظن «.
فعلى قول ابن عباسٍ كان المكاءُ والتصديةُ نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقالت: كان إيذاءاً للنبي ﷺ َ. والأول أقرب، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ البيت إِلَاّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ .
فإن قيل:» المُكَاءُ «و» التَّصديةُ «ليسا من جنس الصَّلاة، فكيف يجوزُ استثناؤهما من الصَّلاة؟ فالجوابُ: من وجوه، أحدها: أنهم كانوا يعتقدون أنَّ المكاء والتصدية من جنس الصَّلاة، فحسن الاستثناء على حسب معقتدهم.
قال ابنُ الأنباري:» إنَّما سمَّاه صلاة؛ لأنَّهُمْ أمروا بالصَّلاةِ في المسجدِ؛ فجعلوا ذلك صلاتهم «.
وثانيها: أنَّ هذا كقولك: زرتُ الأمير؛ فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة، كذا ههنا.
وثالثها: الغرضُ منه أن من كان المكاء والتَّصدية صلاته فلا صلاة له، كقول العربِ: ما لفلان عيب إلَاّ السخاء، أي: مَنْ كان السخاء عيبه فلا عَيْبَ فيه.
ثم قال تعالى ﴿فَذُوقُواْ العذاب﴾ أي: عذاب السيف يوم بدر، وقيل: يقال لهم في الآخرة ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
стр. 5753
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
لمَّا شرح أحوال الكفَّار في طاعاتهم البدنية، أتبعها بشرح أحوالهم في الطَّاعات الماليَّةِ.
قال مقاتل والكلبيُّ: نزلت في المُطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من كبار قريش، كان يطعم كلُّ واحد منهم يوم عشر جزر.
وقال سعيدُ بن جبيرٍ: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العربِ، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية: اثنان وأربعون مثقالا، هكذا قاله الزمخشريُّ. ثُم بيَّن تعالى أنهم إنَّما ينفقون المال: ﴿لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: غرضهم من الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك.
قال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: أنَّ هذا الإنفاق يكون عاقبته حسرة؛ لأنَّهُ يذهب المال ولا يحصل المقصودُ، بل يغلبون في آخر الأمر. ﴿والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ وإنَّما خصَّ الكفار، لأن فيهم من أسلم.
قوله ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث﴾ قد تقدَّم الكلامُ فيه في آل عمران: [١٧٩] . والمعنى: ليميزَ اللَّهُ الفريق الخبيث من الكُفَّارِ من الفريق الطَّيب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً، أي: يجمعهم ويضمُّهم حتَّى يتراكموا.
«أولَئِكَ» إشارةً إلى الفريق الخبيثِ، وقيل: المرادُ في جهاد الكفار، كإنفاقِ أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول ﵊ ُ -، فيضم تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنَّم، ويعذبهم بها، كقوله تعالى: ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] فاللَاّمُ في قوله ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث﴾ على القول الأوَّلِ متعلقة بقوله تعالى: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أي: يحشرون ليميز اللَّهُ الفريق الخبيث من الفريق الطيب، وعلى القول الثاني متعلقة بقوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ و «يَجْعَلَ» يحتمل أن تكون تصييريةً، فتنصبَ مفعولين، وأن تكون بمعنى الإلقاء، فتتعدَّى لواحد، وعلى
стр. 5754
كلا التقديرين ف «بَعْضَهُ» بدل بعضٍ من كل، وعلى القول الأوَّلِ يكون «عَلَى بعضٍ» في موضع المفعول الثَّاني، وعلى الثَّاني يكون متعلقاً بنفس الجَعْل، نحو قولك: ألقَيْتَ متاعك بعضه على بعض.
وقال أبُو البقاءِ، بعد أن حكم عليها بأنَّها تتعدَّى لواحدٍ:
«وقيل: الجار والمجرور حالٌ تقديره: ويجعل الخبيث بعضه عالياً على بعض؟ .
ويقال: مَيَّزْتُه فتمَيَّزَ، ومزْنُه فانمازَ، وقرىء شاذاً: ﴿وامتازوا اليوم﴾ [يس: ٥٩] ؛ وأنشد أبو زيدٍ: [البسيط]
٢٧٠٦ - لمَّا نَبضا اللَّهُ عَنِّي شرَّ غُدْرَتِهِ ... وانْمَزْتُ لا مُنْسِئاً ذُعْراً ولا وَجِلا
وقد تقدَّم الفرق بين هذه الألفاظ في آل عمران [١٧٩] .
قوله» فَيَرْكُمَهُ «نسقٌ على المنصوبِ قبله، والرَّكْمُ جمعك الشَّيء فوق الشيء، حتى يصير رُكَاماً مركوماً كما يُركم الرمل والسحاب، ومنه: ﴿سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] والمُرْتَكَم: جَادَّة الطريق للرَّكْم الذي فيه أي: ازدحام السَّبابلة وآثارهم، و» جَمِيعاً «حالٌ، ويجوزُ أن يكون توكيداً عند بعضهم ثم قال تعالى: ﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾ إشارة إلى الذين كفرُوا.
стр. 5755
قوله تعالى ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا﴾ الآية.
فصل
لمَّا بينَّ ضلالهُم في عباداتهم البدنية، والمالية، أرشدهم إلى طريق الصَّواب، وقال: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا﴾ . وفي هذه اللَاّم الوجهان المشهوران:
الأول: أنَّها للتبليغ، أمر أن يُبلِّعَهُم معنى هذه الجملة المحكيةِ بالقول، وسواء اوردها بهذا اللفظ أم بلفظٍ آخرَ مؤدٍّ لمعناها.
والثاني: أنها للتعليل، وبه قال الزمخشريُّ. ومنع أن تكون للتبليغ، فقال: «أي قل
стр. 5756
لأجلهم هذا القول:» إن ينتَهُوا «ن ولو كان بمعنى خاطبهم به، لقيل: إن تَنْتَهُوا يغفر لكم وهي قراءةُ ابن مسعود، ونحو ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ﴾ [الأحقاف: ١١] خاطبوا به غيرهم لِيسمْعَوهُ» وقرىء «يَغْفره» مبنياً للفاعل، وهو ضمير يعود على الله تعالى.
فصل
المعنى: قُل للَّذين كفرُوا إن ينتهوا عن الكُفْر وعداوة الرَّسُولِ ويسلموا ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ من كفرهم وعداوتهم للرَّسُولِ، وإن عَادُوا إليه، وأصَرُّوا عليه: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ في نُصرةِ الله أنبياءه، أولياءه، وإهلاك أعداءه؛ فليتوقَّعُوا مثل ذلك.
وقال يحيى بنُ معاذ الرازي: توحيد ساعة لم يعجز عن هدم ما قبله من كُفْرٍ، وأرجو ألَاّ يعجز عن هدم ما بعده من ذنب.
واستدلُّوا بهذه الآية على صحَّة توبة الزِّنديقِ، وأنها تقبل، واستدلوا بها أيضاً على أنَّ الكفَّار ليسوا مخاطبين بالفروع؛ لأنَّها لا تصح منهم في حال الكفر، وبعد الإسلام لا يلزم قضاؤها.
واحتجُّوا بها أيضاً على أنَّ المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء العبادات الَّتي تركها في حال الردَّةِ.
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية.
لمَّا بينَّ أن الكفار إن انتهوا عن الكفر غفر لهم، وإن عادوا فهم متوعدون، أتبعه بأن أمر بقتالهم ذا أصروا، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
وقال عروة بن الزبير: «كان المؤمنون يفتنون عن دين اللَّهِ في مبدأ الدَّعْوَة، فافتتن بعض المسلمين، فأمر رسول الله ﷺ َ المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشةِ، وفتنة ثانية وهي أنه لمَّا بايعت الأنصارُ رسول الله ﷺ َ بيعة العقبة، أرادت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكَّة عن دينهم؛ فأصاب المؤمنين جهدٌ شديدق، فهذا هو المراد من الفتنةِ؛ فأمر اللَّهُ بقتالهم حتَّى تزول هذه الفتنة» .
قال المفسِّرُون: ﴿حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شِرْك.
وقال الربيعُ: «حتَّى لا يفتن مؤمن عن دينه» .
قال القاضي «إنه تعالى أمر بقتالهم، ثم بيَّن له قتالهم، فقال: ﴿حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ويخلص الدِّين الذي هو دينُ الله من سائر الأديانِ، وإنَّما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكليَّة» ، «ويكون» العامَّةُ على نصبه، نسقاً على المنصُوبِ مرفوعاً على الاستئناف.
стр. 5757
قوله «فإن انتهَواْ» عن الكُفْرِ والمعاصي، بالتَّوبة والإيمان، فإنَّ اللَّه عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم.
قرأ الحسنُ ويعقوبُ وسليمانُ بن سلام: «بما تَعْمَلُون» بتاء الخطابِ؛ «وإن تولَّوْا» أي: عن التوبة والإيمان، ﴿فاعلموا أَنَّ الله مَوْلَاكُمْ﴾ أي: وليكم وهو يحفظكم، ويدفع البلاء «عَنْكُم» .
وفي «مَولاكُمُ» وجهان:
أظهرهما: أنَّ «مَولاكُم» هو الخبر، و «نِعْمَ المَوْلَى» جملةٌ مستقلةٌ سيقت للمدح.
والثاني: أن يكون بدلاً من «اللَّه» والجملةُ المدحيَّةُ خبر ل «أنَّ» والمخصوصُ بالمدح محذوف، أي: نِعْمَ المولى اللَّهُ، أو ربُّكُم. وكلُّ ما كان من حماية هذا المولى، ومن كان في حفظه، كان آمناً من الآفات مصوناً عن المخوفات.
قوله
تعالى
: ﴿واعلموا
أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
لمَّا أمر بقتال الكفار بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ وعند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، ذكر تعالى حكم الغنيمة، والظَّاهرُ أنَّ «ما» هذه موصولةٌ بمعنى «الَّذي» ، وكان من حقِّها أن تكتب منفصلةً من «أنَّ» كما كُتبت: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] منفصلةً، ولكن كذا رُسِمَت. و «غَنِمْتُم» صلتها، وعائدها محذوف لاستكمال الشُّروطِ، أي: غَنِمْتُمُوه.
وقوله «فأنَّ لِلَّهِ» الفاءُ مزيدةٌ في الخبر؛ لأنَّ المبتدأ ضُمِّن معنى الشَّرطِ، ولا يَضُرُّ دخولُ الناسخ عليه؛ لأنه لَمْ يُغَيِّر معناه، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ﴾ ثم قال: «فَلَهُم» والأخفش مع تجويزه زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً، يمنع زيادتها في الموصول المشبه بالشَّرط إذا دخلت عليه «إنَّ» المكسورة، وآية البروج [١٠] حُجَّةٌ عليه.
стр. 5758
وإذا تقرَّر هذا ف «أنَّ» وما علمتْ فيه في محلِّ رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: فواجبٌ أنَّ لله خمسهُ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر خبر ل «أنَّ» .
وظاهر كلام أبي حيان أنه جعل الفاء داخلةً على: «أنَّ للَّهِ خُمُسَهُ» من غير أن يكون مبتدأ وخبرها محذوف، بل جعلها بنفسها خبراً، وليس مرادهُ ذلك، غذ لا تدخل هذه الفاءُ على مفردٍ، بل على جملةٍ، والذي يُقَوِّي إرادته ما ذكرنا أنه حكى قول الزمخشريِّ، أعني كونه قدَّر أنَّ «أنَّ» ، وما في حيِّزها مبتدأٌ، محذوفُ الخبر، فجعلهُ قولاً زائداً على ما قدَّمه.
ويجوز في «ما» أن تكون شرطيةً، وعاملُها «غَنِمْتُم» بعدها، واسمُ «أنَّ» حينئذٍ ضميرُ المرِ والشَّأنِ وهو مذهبُ الفرَّاءِ، إلَاّ أنَّ هذا لا يجوزُ عند البصريين إلَاّ ضرورةً، بشرط ألَاّ يليها فعل؛ كقوله: [الخفيف]
٢٧٠٧ - إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكَنِيسَة يَوْماً ... يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وظِبَاءَ
وقول الآخَرِ: [الخفيف]
٢٧٠٨ - إنَّ مَنْ لامَ بَنِي بنتِ حَسَّا ... نَ ألُمْهُ وأعُصِهِ في الخُطُوبِ
وقيل: الفاءُ زائدةٌ، و «أنَّ» الثانيةُ بدلٌ من الأولى.
وقال مكي: «وقد قيل» إنَّ الثانية مؤكدةٌ للأولى، وهذا لا يجوز لأنَّ الولى تبقى بغير خبر؛ ولأنَّ الفاء تحول بين المؤكَّد والمؤكِّد وزيادتها لا تَحْسُن في مثل هذا «.
وقيل:» ما «مصدريَّةٌ، والمصدر بمعنى المفعول أي: أنَّ مغنومكم هو المفعول به، أي: واعلموا أنَّ غُنمكم، أي: مغنومكم.
والغنيمةُ: أصلها من الغُنْمِ، وهو الفوزُ، يقال: غنم يغنم فهو غانم، وأصلُ ذلك من الغنم هذا الحيوان المعروف، فإنَّ الظفر به يُسَمَّ غُنْماً، ثم اتُّسِع في ذلك، فَسُمِّي كلُّ شيء مظفورٍ به غُنْماً ومَغْنَماً وغَنيمة؛ قال علقمةُ بنُ عبدةَ: [البسيط]
٢٧٠٩ - ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطعمُهُ ... أنَّى توَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ
стр. 5759
وقال الآخر: [الوافر]
٢٧١٠ - لَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى ... رَضيتُ من الغنيمة بالإياب
قوله «مِنْ شيءٍ» في محلِّ نصبٍ على الحال من عائد الموصول المقدَّر، والمعنى: ما غنمتموه كائناً من شيء، أي: قليلاً أو كثيراً. وحكى ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم. وحكى غيره عن الجعفيِّ عن هارون عن أبي عمرو: «فإنَّ لِلَّهِ» بكسر الهمزةِ، ويُؤيدُ هذه القراءة قراءة النخعي «فللَّه خُمُسهُ» فإنها استئناف، وخرجها أبُو البقاءِ على أنَّها وما في حيَّزها في محلِّ رفع، خبراً ل «أنَّ» الأولى.
وقرأ الحسنُ وعبدُ الوارث عن أبي عمرو: «خُمْسَهُ» بسكون الميم، وهو تخفيفٌ حسن.
وقرأ الجعفيُّ «خِمْسه» بكسر الخاء. قالوا: وتخريجها على أنَّهُ أتبعَ الخاءَ لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة من كلمة أخرى مستقلة، قالوا: وهي كقراءة من قرأ ﴿والسمآء ذَاتِ الحبك﴾ [الذاريات: ٧] بكسر الحاء إتباعاً لكسرة التاء من «ذاتِ» ولمْ يعتدُّوا بالساكن، وهو لامُ التعريف، لأنه حاجزٌ غير حصين.
قال شهاب الدين «ليت شعري، وكيف يقرأ الجعفيُّ والحالةُ هذه؟ فإنه إن قرأ كذلك مع ضم الميم فيكون في غاية الثقل، لخروجه من كسرٍ إلى ضمٍّ، وإن قرأ بسكونها وهو الظَّاهرُ فإنه نقلها قراءةً عن أبي عمرو، أو عن عاصم، ولكن الذي قرأ:» ذاتِ الحِبُكِ «يبقى ضمَّه الباء، فيؤدي إلى» فِعُل «بكسر الفاء وضمِّ العين، وهو بناءٌ مرفوض» .
وإنما قلت: إنه يقرأ كذلك؛ لأنه لو قرأ بكسر التاء لما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإتباع؛ لأن في «الحُبُك» لغتين: ضمُّ الحاءِ والباءِ، وكسرهما، حتَّى زعم بعضهم أنَّ قراءة الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ من التَّداخل.
فصل
والغنيمةُ في الشريعةِ، والفيء، اسمان لما يُصيبه المسلمون من أموال الكفار.
стр. 5760
فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قومُ إلى أنَّ الغنيمة، ما أصابه المسلمُونَ
стр. 5761
منهم عَنْوَةً بقتال، والفيء: ما كان من صلح بغير قتال.
قوله «مِن شيءٍ» يعني: من أي شيء كان حتَّى الخيط: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ذهب أكثر المفسِّرين والفقهاء إلى أنَّ قوله: «لِلَّه» افتتاح على سبيل التبرُّك، وأضاف هذا المال لنفسه لشرفه. وليس المراد أن سهماً من الغنيمة «لِلَّهِ» مفرداً، فإن الدنيا والآخرة لله وهو قول قتادة والحسن وعطاء وإبراهيم والشعبي قالوا: سهم الله وسهم الرسول واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لِمنْ قاتل عليها، والخُمْسُ لخمسة أصناف كما ذكر الله تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ .
وقال أبو العالية، وغيرهك يقسم الخُمْس على ستة أسهم: سهم لله تعالى، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يُصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرفُ لعمارة الكعبة.
وقال بعضهم: إنه ﵊ ُ كان يضربُ بيده في هذا الخُمْس فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سُمِّي «لِلَّهِ» .
فصل
قل القرطبي «هذه الآية ناسخة لأول السُّورة عند الجمهور، وقد ادَّعى ابن عبد البر: الإجماع على أن هذه الآي نزلت بعد قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ [الأنفال: ١] وأنَّ أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر، على ما تقدم.
وقيل: إنها مُحكمة غير منسوخة، وأنَّ الغنيمة لرسُولِ الله، وليست مقسومة بين
стр. 5762
الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماورديُّ عن كثير من أصحاب مالكٍ، واحتجوا بفتح مكَّة وقصَّة حنين، وكان أبو عبيد يقول: افْتَتَحَ رسولُ الله مكَّة عنوةً ومنَّ على أهلها، فردها عليهم، ولم يَقْسِمها، ولم يجعلها فَيْئاً» .
فصل
أجمع العلماءُ على أن قولهُ: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنَّهُ مخصوصٌ باتفاقهم على أنَّ سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمامُ، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخيَّرٌ، وكذلك الأراضي المغنومة.
فصل
قال الإمامُ أحمدُ: لا يكون السَّلب للقاتل إلَاّ في المبارزة خاصَّة، ولا يخمس وهو قول الشافعيِّ ﵁؛ ولا يعطى القاتل السَّلب، إلَاّ أن يقيم البيَّنة على قتله.
قال أكثرُ العلماء: يجوزُ شاهد واحد؛ لحديث أبي قتادة، وقيل: شاهدان.
وقيل: شاهد ويمين، وقيل: يقضى بمجرد دعواه.
قوله: «ولِذِي القُرْبَى» أي: أنَّ سَهْماً من خمس الخمس لذوي القربى، وهم أقارب النبي ﷺ َ، واختلفوا فيهم.
فقال قومٌ: هم جميع قريش، وقال قومٌ: هم الذين لا تحل لهم الصَّدقة.
وقال مجاهدٌ وعلي بنُ الحسينِ: هم بنُو هاشمٍ وبنو المطلب، وليس لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، لما روي عن جُبير بن مطعم قال «قسَّم رسولُ الله ﵊ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب ولم يعط أحداً من بني عبد شمس، ولا لبني نوفل؛ ولما روى محمدُ بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لمَّا قسم رسولُ الله ﷺ َ سهم ذوي القربى بين بني هاشمٍ وبني المطلب أتيته أنا، وعثمان بنُ عفان، فقلنا يا رسُول الله: هؤلاء إخواننا من بني المُطلَّلِبِ أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا، وإنَّما قرابتنا وقرابتهم واحدةً، فقال رسولُ الله ﷺ َ:» إنَّما بنُو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ هكذا «وشبَّك بين أصابعه»
стр. 5763
واختلف العلماءُ في سهم ذوي القربى، هل هو ثابتٌ اليوم؟ فذهب أكثرهم إلى أنَّهُ ثابت وهو قول مالك والشافعي، وذهب أصحابُ الرَّأي إلى أنَّهُ غير ثابت، وقالوا سهم رسول الله وسهم ذوي القرى مَرْدُودان في الخُمس، فيقسم خمس الغنيمة لثلاثةِ أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء، أي: يعطى لفقره لا لقرابته، والكتاب والسنة يدلَاّن على ثبوته وكذا الخلفاء بعد رسُول الله ﷺ َ كانوا يعطونه، ولا يُفَضل فقير على غني؛ لأنَّ النبي ﷺ َ والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب والبعيد.
وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهماً.
قال القرطبي: «ليست اللَاّم في» لِذِي القُرْبَى «لبيان الاستحقاق والملك، وإنّضما هي للمصرف والمحل» .
قوله: ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ اليتامى: جمع «يَتيمٍ وهو الصغير المسلم الذي لا أب له إذا كان فقيراً، و» المَسَاكِين «هم أهْلُ الفاقة والحاجة من المسلمين، و» ابْنِ السَّبيلِ «هو المسافر البعيد عن مالهِ، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدُوا الوقعة، للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجل سهمح لما روى ابنُ عمر أنَّ رسول الله ﷺ َ» أسْهَمَ لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم سَهْماً له وسهمين لفرسه «
وهذا قولُ أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الثوريُّ، والأوزاعيُّ وابن المبارك والشافعيُّ واحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللرَّاجلِ سهم، ويرضخ للعبيد، والنسوان، والصبيان إذا حضروا القتال.
قال القرطبيُّ:» إذا خرج العبدُ، وأهلُ الذِّمة وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس «لأنه لم يوجب عليهم خيل ولا ركاب.
ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقولِ، وعند أبي حنيفة يتخيَّرُ الإمام
стр. 5764
في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقْفاً على المصالح.
وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول، ومن قتل مُشركاً استحقَّ سلبه من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أنَّ النبي ﷺ َ قال:» من قَتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه «
والسَّلبُ: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح وفرسه الذي يركبه.
ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناءٍ وبلاء يكون منهم في الحرب يخُصُّهم به من بين سائر الجيش، ويجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة، لما روى ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ َ» كان يُنفِّلُ بعض من يبعث من السَّرايا لأنفسهم خاصة سوى عامة الجيش «
وروى حبيب بن مسلمة الفهري قال: شهدت رسول الله ﷺ َ «نَفَّلَ الرُّبعَ في البَدْأة والثُّلثَ في الرَّجْعَةِ»
واختلف في النفل من أين يعطى؟ .
فقال قوم: يعطى من خمس الخمس من سهم رسول الله ﷺ َ وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي، وهذا معنى قول النبي ﷺ َ: «مَا لي مِمَّا أفاء الله عليكم إلا الخمس والخُمسُ مردودٌ فيكم»
стр. 5765
وقال قومٌ: هو من الأربعة أخماس بعد إفراد الخمس كسهام الغزاة وهو قول أحمد وإسحاق.
وذهب بعضهم إلى أنَّ النَّفْلَ من رأس الغنيمةِ قبل التخميس كالسّلب للقاتل.
فصل
دلَّت هذه الآية على جوازِ قسمة الغنيمة في دار الحربِ، لقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية. فاقتضى ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة وإذا ثبت لهم الملك وجب جواز القسمة.
وروى الزمخشريُّ عن الكلبيِّ: «أنَّ هذه الآية نزلت ببدرٍ» .
وقال الواقديُّ «كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة» .
فصل
قال القرطبيُّ: «لمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى حكم الخمس وسكت عن الأربعة أخماس دل على أنها ملك للغانمين. وملك النبي ﷺ َ ذلك، إلَاّ أن الإمام مخير في الأسرى بين المن بالأمان كما فعل النبي ﷺ َ بثمامة بن أثال، وبين القتل كما قتل النبي ﷺ َ عقبة بن أبي مُعيط من بين الأسرى صبراً، وقتل ابن الحرث صبراً، وكان لرسول الله ﷺ َ سهم كسهم الغانمين حضر أو غاب، وسهم الصفيّ يصطفي سيفاً أو خادماً أو دابة، وكانت صَفية بنت حُيَيّ من الصَّفيِّ من غنائم خيبر، وكذلك ذو الفقار كان منه، وقد انقطع إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقياً للإمام يجعله حيث شاء [وكان أهل الجاهلية] يرون للرئيس ربع الغنيمة قال شاعرهم: [الوافر]
٢٧١٠ - لكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفايَا ... وحُكْمُكَ والنَّشيطةُ والفُضُول
стр. 5766
يقال ربع الجيش يربعه: إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمّس في الإسلام، فكان يأخذ منها ثم يتحكم بعد الصَّفيِّ في أي شيء أراد، وكان ما فضل منها من خرثيّ ومتاع له، فأحكم الله تعالى الدين بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ فأبقى سهم الصَّفيِّ لنبيّه وأسقط حكم الجاهلية.
قوله:» إن كُنتُم «شرطٌ، جوابه مقدرٌ عند الجمهور، لا متقدم، أي: إن كنتم آمنتتم فاعلموا أنَّ حكم الخمس ما تقدَّم، أو: فاقبلوا ما أمرتم به.
والمعنى: واعلمُوا أنَّما غَنِمْتُم من شيءٍ فانَّ للَّهِ خُمُسَه وللرَّسُولِ يأمر فيه ما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم باللَّهِ، وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، وهو قوله:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ [الأنفال: ١] لمَّا نزلت في يوم بدر، وهو يوم الفرقان فرق اللَّهِ فيه بين الحقِّ والباطل، وهو يوم التقى الجمعان، حزب الله وحزب الشيطان، وكان يوم الجمعة سبع عشر مضت من رمضان.
وقوله «ومَا أنزلْنَا» عطفٌ على الجلالة، فهي مجرورةُ المحلِّ، وعائدُها محذوف، وزعم بعضهم أنَّ جواب الشَّرطِ متقدم عليه، وهو قوله ف ﴿نِعْمَ المولى﴾ [الأنفال: ٤٠] . وهذا لا يجوز على قواعد البصريين.
قوله: «يَوْمَ الفُرقِانِ» يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أن يكُون منصوباً ب «أنزَلْنَا» أي: أنزلْنَاهُ في يوم بدر، الذي فُرِقَ فيه بين الحق والباطل.
الثاني: أن ينتصبَ بقوله «آمنتُم» أي: إن كنتم آمنتم في يوم الفرقانِ، ذكره أبُو البقاءِ.
الثالث: يجوزُ أن يكون منصوباً ب «غَنِمْتُم» .
قال الزَّجَّاجُ: أي: ما غنمتم في يومِ الفرقان فحكمه كذا وكذا.
قال ابن عطية: «وهذا تأويلٌ حسنٌ في المعنى، ويعترضه أنَّ فيه الفصل بين الظرف وما يعمل فيه بهذه الجملةِ الكثيرةِ الألفاظِ» ، وهو ممنوعٌ أيضاً من جهةٍ أخرى أخصّ من هذه. وذلك أنَّ «ما» إمَّا شرطية، كما هو رأي الفرَّاءِ، وإمَّا موصولة، فعلى الأوَّل يُؤدِّي إلى الفصل بين فعل الشَّرط، ومعموله بجملة الجزاء، ومتعلَّقاتها، وعلى الثَّاني يُؤدِّي إلى الفصلِ بين فعل الصلة ومعموله بخبر «أنَّ» .
قوله ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ بدل من الظرف قبله.
стр. 5767
والثاني: أنه منصوب ب «الفرقان» ؛ لأنَّه مصدرٌ، فكأنه قيل: يوم فرق فيه في يوم التقى الجمعان أي: الفرق في يوم التقاء الجمعين.
وقرأ زيد بن علي: «عَلَى عُبُدنَا» بضمتين، وهو جمع «عَبْد» وهذا كما قد قرىء ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ [المائدة: ٦٠] ، والمراد بالعُبُد في هذه القراءة هنا رسولُ الله ﷺ َ ومن معه من المؤمنين، والمراد ب «مَا أنزلْنَا» أي: الآيات والملائكة، والفتح في ذلك اليوم. ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يقدر على نصركم وأنتم قليلون.
قوله «إذْ أنتُم» في هذا الظَّرف أربعةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّهُ منصوبٌ ب «اذكُرُوا» مُقدراً، وهو قول الزَّجَّاجِ.
الثاني: أنَّهُ بدلٌ من «يَوْمَ الفرقانِ» أيضاً.
الثالث: أنه منصوب ب «قديرٌ» وهذا ليس بواضحٍ؛ إذ لا يتقيَّ اتِّصافه بالقدرة بظرفٍ من الظُّروف.
الرابع: أنه منصوبٌ ب «الفُرْقَانِ» أي: فرق بين الحقِّ والباطل إذْ أنتم بالعُدَّوَةِ.
قوله: «بالعُدْوَةِ» متعلقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ خبر المبتدأ، والباء بمعنى: طفي كقولك: زيد بمكة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «بالعِدْوَةِ» بكسر العينِ فيهما، والباقون بالضم فيهما وهما لغتان في شطِّ الوادي وشفيره وضِفَّته، كالكُسْوة والكِسْوة، والرُّشوة والرِّشوة، سُمِّيت بذلك لأنَّها عدتْ ما في الوادي من ماءٍ ونحوه أن يتجاوزها، أي: منعته؛ قال الشَّاعرُ: [الوافر]
٢٧١١ - عَدَتْنِي عَنْ زيارتها العَوَادِي ... وحَالَتْ دُونهَا حَرْبٌ زُبُونُ
وقرأ الحسنُ وزيد بن علي، وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح، وهي كلها لغاتٌ بمعنى واحد.
هذا هو قولُ جمهور اللغويين، على أنَّ أبا عمرو بن العلاء أنكر الضمَّ، ووافقه الأخفش، فقال: «لَمْ يُسْمَعْ من العرب إلَاّ الكسرُ» . ونقل أبو عبيد اللغتين، إلَاّ أنه قال: الضَّمُّ أكثرهما، وقال اليزيديُّ: «الكسر لغةُ الحجازِ» ؛ وأنشدوا قول أوس بن حجرٍ: [البسيط]
٢٧١٢ - وفَارسٍ لمْ يَحُلَّ القومُ عُدْوتَهُ ... ولَّوْا سِرَاعاً ومَا هَمُّوا بإقْبَالِ
стр. 5768
بالكسر، والضم. وهذا هو الذي ينبغي أن يقال، فلا وجهَ لإنكار الضَّمِّ، ولا الكسْرِ، لتواتر كلٍّ منهما، ويحمل قول أبي عمرو على أنَّهُ لم يبلُغْه، ويحتمل أن يقال في قراءةِ من قرأ بفتح العين أن يكون مصدراً سُمِّي به المكان.
وقُرىء شاذّاً «بالعِدْيَة» بقلب الواو ياءً لانكسار ما تقدَّمها، ولا يُعتبر الفاصلُ؛ لأنَّه ساكن، فهو حاجز غير حصين، وهذا كما قالوا: «هو ابن عمي دِنيا» بكسر الدَّال، وهو من الدنو، وكذلك: قِنْيَة، وصِبْيَة، وأصله السَّلامة، كالذِّرْوَة، والصِّفْوة والرِّبُوَة، وقد تقدَّم الكلام على لفظ «الدُّنْيَا» .
قول «القُصْوَى» تأنيث «الأقصى» ، والأقصى: الأبعد، والقَصْوُ: البعد وللصَّرفيين عبارتان، إلبهما أن «فُعْلَى» من ذوات الواو، إن كانت اسماً أبدلَتْ لامُها ياءً، ثم يُمَثِّلُون بنحو: الدُّنْيَا، والعُلْيَا، والقُصْيَا، وهذه صفاتٌح لأنَّها من باب أفعل التَّفضيل، وكأنَّ العذر لهم أنَّ هذه وإن كانت في الأصْلِ صفاتٍ، إلَاّ أنَّها جرتْ مجرى الجوامد.
قالوا: وإنْ كانت «فُعْلَى» صفةً أقرَّتْ لامُها على حالها، نحو: الحُلْوى، تأنيث الأحلى ونصُّوا على أن «القُصْوَى» شاذة، وإن كانت لغة الحجاز، وأنَّ «القُصْيَا» قياسٌ وهي لغة تميم، وممَّنْ نصَّ على شذوذ: «القُصْوَى» يعقوب بن السِّكِّيت.
وقال الزمخشريُّ: وأمَّا «القُصْوَى» فكالقَوَد في مجيئه على الأصل، وقد جاء «القُصْيَا» إلَاّ أنَّ استعمال «القُصوى» أكثر، كما كثر استعمال «استصوب» مع مجيء «استَصَابَ» ، و «أغيَلت» مع «أغَالَتْ» انتهى.
وقد قرأ زيد بن عليٍّ: «بالعُدْوةِ القُصْيَا» فجاء بها على لغة تميم، وهي القياسُ عند هؤلاء.
والعبارة الثانية - وهي القليلةُ - العكس، أي: إن كانت صفةً أبدلتْ، نحو: العُلْيَا والدُّنيا، والقُصْيا، وإن كانت اسماً أقرَّتْ؛ نحو «حُزْوَى» ؛ كقوله: [الطويل]
٢٧١٣ - أدَاراً بِحُزْوَى هِجْتِ للعَيْنِ عَبْرَةً ... فَمَاءُ الهَوَى يرفَضُّ، أو يَتَرقْرَقُ
وعلى هذا ف «الحُلْوَى» شاذة؛ لإقرار لامها مع كونها صفة، وكذا «القُصْوَى» أيضاً، عند هؤلاء؛ لأنها صفة وقد ترتَّب على هاتين العبارتين أنَّ «قُصْوَى» على خلافِ القياس فيهما وأن «قًصْيَا» هي القياس؛ لأنها عند الأولين من قبيل الأسماء، وهم يقلبونها ياء وعند الآخرين من قبيل الصفات، وهم يقلبونها أيضاً ياءً، وإنَّما يظهر الفرقُ في «الحُلْوى» و «حُزْوَى» ف: «الحُلْوَى» عند الأولين تصحيحها قياسٌ، لكونها صفةً، وشاذة
стр. 5769
عند الآخرين، لأنَّ الصفةَ عندهم تُقْلبُ واوُها ياءً. و «الحُزْوَى» عكسُها، فإنَّ الأولين يقلبُون في الأسماء، دون الصفات، والآخرون عكسُهم. وهذا موضعٌ حسنٌ، يختلط على كثير من النَّاس، فلذلك شرحناه.
ونعني بالشذوذِ: شذوذ القياس، لا شذوذ الاستعمال، ألا ترى إلى استعمال التواتر ب «القُصْوَى» .
قوله ﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ الأحسنُ في هذا الواو، والواو التي قبلها الداخلة على «هم» : أن تكون عاطفة ما بعدها على «أنتُم» ؛ لأنَّها مبدَأ تقسيم أحوالهم، وأحوال عدوِّهم ويجوزُ أن يكونا وَاوَي حال، و «أسْفَلَ» منصوبٌ على الظَّرف النَّائب عن الخبرِ، وهو في الحقيقة صفةٌ لظرف مكان محذوفٍ، أي: والرَّكْبُ مكاناً أسفل مِنْ مكانكم.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ «أسْفَلُ» بالرَّفعِ، على سبيل الاتِّساع، جعل الظرف نفس الركب مبالغةً واتساعاً.
وقال مكيٌّ: «وأجاز الفرَّاءُ، والأخفشُ، والكسائي رحمهم الله تعالى» أسْفَلُ «بالرَّفع على تقدير محذوفٍ، أي: موضعُ الرَّكب أسفل» ، والتخريجُ الأوَّل أبلغُ في المعنى، والرَّكْبُ: اسمُ جمعٍ ل «رَاكبٍ» لا حمع تكسر له؛ خلافاً للأخفش؛ كقوله: [الرجز]
٢٧١٤ - بَنَيْتُهُ مِنْ عُصْبَةٍ مِنْ ماليَا ... أخْشَى رُكَيْباً ورُجَيْلاً عَادِيَا
فصَغَّره على لفظه، ولو كان جمعاً لما صُغِّر على لفظه.
قوله «ولكِن ليَقْضِيَ» متلِّقٌ بمحذوف، أي: ولكن تلاقَيْتُم لِيقْضِي، وقدَّرَ الزمخشريُّ ذلك المحذوف فقال: «أي: ليقضي اللَّهُ أمراً كان واجباً أن يفعل، وهو نصرُ أوليائه وقهرُ أعدائه دبر ذلك» ، و «كَانَ» يحتمل أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزَّمانِ الماضي، وأن تكون بمعنى «صار» ، فتدُلَّ على التحوُّلِ، أي: صار مفعولاً بعد أن لم يكن كذلك.
قوله «لِيَهْلِكَ» فيه أوجه:
أحدها: أنَّهُ بدلٌ من قوله: «ليَقضيَ اللَّهُ» بإعادة العاملِ فيتعلَّق بما تعلَّق به الأول.
الثاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بقوله «مَفْعُولاً» ، أي: فعل هذا الأمر لِكَيْتَ وكَيْتَ.
الثالث: أنَّهُ متعلِّق بما تعلَّ به «لِيَقْضِيَ» على سبيل العطفِ عليه بحرفِ عطفٍ محذوف، تقديره: وليهلكَ، فحذف العاطفَ، وهو قليلٌ جدّاً، وتقدَّم التنبيه عليه.
стр. 5770
الرابع: أنَّهُ متعلِّق ب «يَقْضِي» ذكره أبُو البقاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
وقرأ الأعمشُ وعصمة عن أبي بكر عن عاصم «لِيَهْلَكَ» بفتح اللَاّم، وقياسُ ما مضى هذا «هَلِكَ» بالكسر، والمشهور إنما هو الفتح، قال تعالى: ﴿إِن امرؤ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿حتى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر: ٣٤] .
قوله «مَنْ حَيَّ» قرأ نافعٌ وأبو بكر عن عاصم، والبزيُّ عن ابن كثير بالإظهار والباقون بالإدغام، والإظهارُ والإدغام في هذا النَّوْعِ لغتان مشهورتان، وهو كُلُّ ما آخرُه ياءان من الماضي أولاهما مكسورة؛ نحو: «حَيِيَ، وعَيِيَ» ، ومن الإدغام قول المتلمِّس: [الطويل]
٢٧١٥ - فَهَذَا أوانُ العِرضْ حَيَّ ذُبابُه..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقال الآخرُ: [مجزوء الكامل]
٢٧١٦ - عَيُّوا بأمْرِهِمْ كَمَا ... عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمامَهْ
فأدغم «عَيُّوا» ، وينُشدُ «عَيَّتْ، وعَييَتْ» بالإظهارِ والإدغام، فمن أظهر؛ فلأنه الأصلُ ولأن الإدغامَ يُؤدِّي إلى تضعيف حرفِ العلَّةِ، وهو ثقيلٌ في ذاته؛ ولأن الياء الأولى يتعينَّ فيها الإظهارُ في بعض الصُّورِ، وذلك في مضارع هذا الفعل؛ لانقلاب الثَّانية ألفاً في يَحْيَا، ويَعْيَا، فحمل الماضي عليه طرداً للباب؛ ولأنَّ الحركةَ في الثَّانية عارضةٌ؛ لزوالها في نحو: حَيِيتُ، وبابه؛ ولأنَّ الحركتين مختلفتان؛ واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين.
قالوا وكذلك: لَحِحَت عينه وضببَ المكان، وألِلَ السِّقَاءُ، ومشِشَتْ الدَّابة.
قال سيبويه: «أخبرنا بهذه اللُّغةِ يونسُ» يعني بلغة الإظهار.
قال: «قد سمعت بعض العرب يقولُ: أحْيِيا، وأحْيِيَة، فيظهر» . وإذا لم يدغم مع
стр. 5771
لزوم الحركةِ فمع عروضها أوْلضى، ومنْ أدغم فلاستثقال ظهور الكسرةِ في حرف يُجانسه؛ ولأنَّ الحركة الثانية لازمةٌ لأنَّهَا حركةُ بناء، ولا يضُرُّ زوالها في نحو: «حَيِيْتُ» ، كما لا يَضُرُّ ذلك فيما يجب إدغامُه من الصحيح، نحو: حَلَلْتُ وظَللْتُ، وهذا كلَّه فيما كانت حركتُه حركة بناءٍ، ولذلك قُيِّد به الماضي.
أمَّا إذا كانت حركة إعراب فالإظهارُ فقط، نحو: لن يُحْيِي ولن يُعْيِيَ.
فصل
قوله «عَن بيِّنَةٍ» متعلق ب «يَهْلِكَ» و «يَحْيَا» ، والهلاكُ، والحياةُ عبارةُ عن الإيمان والكفرِ، والمعنى: ليصدرَ كُفْرُ من كفر عن وضوحٍ وبيان، لا عن مُخالطةِ شبهة، وليصدر إسلامُ من أسلم عن وضوحٍ لا عن مُخالطة شبهة.
معنى الآية: «إذْ أنتُمْ» أي: اذكرُوا يا معشر المسلمين: ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا﴾ أي: بشفير الوادي الأدنى من المدينة، والدُّنْيَا: تأنيثُ الأدْنَى، «وهُم» يعني: المشركين. «بالعُدُوَةِ القُصْوَى» بشفير الوادي الأقصى من المدينة ممَّا يلي جانب مكَّة، وكان الماءُ في العدوة التي نزل بها المشركون، فكان استظهارهم من هذا الوجه أشد، «والرَّكْبُ» العير التي خرجوا إليها: «أسْفَلَ مِنكُمْ» أي: في موضع أسفل إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر.
«ولوْ توَاعَدتُّمْ» أنتم، وأهل مكَّة «لاخْتَلَفْتُمْ» لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم، وكثرتهم، أول أن المسلمين خرجوا ليأخُذُوا العير، وخرج الكفَّارُ ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، ولكن الله جمعكم على غير ميعاد ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، لنصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ .
وذلك أن عسكر الرسول ﷺ َ في أول الأمر، كانوا في غاية الضَّعْفِ والخوف بسبب القلَّةِ، وعدم الأهبة، ونزلُوا بعيداً عن الماءِ، وكانت الأرض الَّتي نزلُوا فيها رَمْلاً تغوصُ فيه أرجُلُهُمْ، والكُفَّارُ كانوا في غاية القُوَّةِ، لكثرتهم في العدد والعدة، وكانوا قريباً من الماء وكانت الأرض التي نزلوا فيها صالحة للمضي، والعير كانوا خلف ظهورهم وكانوا يتوقَّعُون مجيء المدد ساعةً فساعةً، ثُمَّ إنَّه تعالى قلب القصَّة، وجعل الغلبة للمسلمين، والدَّمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البيِّنات على صدق محمد ﵊ فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر.
وقوله: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ إشارة إلى هذا المعنى، وهو أنَّ الذين هلكوا إنَّما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البيِّنةِ: المعجزة، ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يسمع دعاءكم، ويعلم حاجتكم وضعفكم ويصلح مهمكم.
стр. 5772
النَّاصب ل «إذْ» يجوزُ أن يكون مضمراً، أي: اذكُرْ، ويجوزُ أن يكون «عليم» ، وفيه بعدٌ من حيث تقييدُ هذه الصفةِ بهذا الوقتِ، ويجوزُ أن تكون «إذْ» هذه بدلاً من «إذْ» قبلها، والإراءة هنا حُلُمية.
واختلف فيها النُّحاةُ: هل تتعدَّى في الأصل لواحدٍ كالبصريَّةِ، أو لاثنين، كالظَّنِّيَة؟ .
فالجمهورْ على الأوَّلِ. فإذا دخلت همزةُ النَّقْلِ أكسبتْهَا ثانياً، أو ثالثاً على حسب القولين فعلى الأوَّلِ تكون الكافُ مفعولاً أول، و «هُمْ» مفعولٌ ثان، و «قَلِيلاً» حال، وعلى الثَّاني يكون «قَلِيلاً» نصباً على المفعول الثالث، وهذا يَبْطُلُ بجواز حذف الثالث في هذا الباب اقتصاراً، أي: من غير دليل تقول: أراني الله زيداً في مَنَامِي، ورأيتك في النوم، ولو كانت تتعدَّى لثلاثةٍ، لما حُذفَ اقتصاراً؛ لأنه خبر في الأصل.
فصل
المعنى: إذْ يريك اللَّهُ يا محمد المشركين في منامك، أي: نَوْمك.
قال مجاهد: أرَى الله النبي ﵊ كفار قريش في منامه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقالوا: رُؤيَا النَّبي حق، القومُ قليل، فصار ذلك سبباً لقوَّةِ قلوبهم.
فإن قيل: رؤية الكثيرة قليلاً غلط، فكيف يجوزُ من اللَّه تعالى أن يفعل ذلك؟ .
فالجوابُ: أنَّ الله تعالى يفعلُ ما يشاءُ، ويحكم ما يريدُ، ولعلَّه تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول ﵊ على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون.
وقال الحسنُ: هذه الإراءة اكنت في اليقظة، قال: والمراد من المنامِ: العين؛ لانَّها موضع النَّوْمِ.
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ لجبنتم «ولتنَازَعْتُمْ» اختلفتم «فِي الأمْرِ» أي: في الإحجام والإقدام ﴿ولكن الله سَلَّمَ﴾ أي: سَلَّمكُم من المخالفة والفشل.
وقيل: سلَّمهم من الهزيمة يوم بدر.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ .
قال ابنُ عبَّاسٍ: عليم بما في صدوركم من الحُبِّ لِلَّهِ تعالى وقيل: يعلم ما في صدوركم من الجراءة، والجُبن والصَّبر والجزع.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ﴾ الإراءةُ - هنا - بَصرية، والإتيان هنا بصلة ميم الجمع واجبٌ، لاتصالها بضمير، ولا يجوزُ التَّسكينُ، ولا الضَّمُّ من غير واوٍ، وقد جوَّز
стр. 5773
يونس ذلك فيقول: «أنْتُم ضرَبْتُمهُ» بتسكين الميم وضمها، وقد يتقوَّى بما روي عن عثمان ﵁: «أراهُمُنِي الباطِلُ شَيْطَاناً» وفي هذا الكلام شذوذ من وجهٍ آخر، وهو تقديمُ الضمير غير الأخصِّ على الأخصِّ مع الاتصال.
فصل
قال مقاتل ﵁ «إنَّ النبي ﷺ َ، رأى في المنام أنَّ العدد قليلٌ قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بِمَا رأى، فلمَّ التقوا ببدر قلَّل اللَّهُ المشركين في أعين المؤمنين»
قال ابنُ مسعودٍ: «لقد قللُوا في أعيننا حتى قلتُ لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً» .
«ويُقَلِّلُكُمْ» يا معشر المؤمنين «فِي أعينهم» .
قال السُّدي: «قال ناسٌ من المشركين إنَّ العير قد انصرفت، فارجعُوا، فقال أبو جهلٍ: الآن إذ برز لكم محمدٌ وأصحابه؟ فلا ترجعوا، حتَّى تستأصلوهم، إنَّما محمدٌ وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال» ، والحكمة في تقليل عدد المشركين في أعين المؤمنين: تصديق رُؤيَا رسول الله ﷺ َ، ولتقوى قلوبهم، وتزداد جراءتهم على المشركين، والحكمة في تقليل عدد المؤمنين في أعينِ المشركين: لئلَاّ يُبالغُوا في الاستعداد والتأهُّب والحذر، فيصيرُ ذلك سَبَباً لاستيلاء المؤمنين عليهم.
ثم قال: ﴿لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ .
فإن قيل: ذكرث هذا يفْهَمُ من الآية المتقدمة، فكان ذكره - ههنا - محض التكرار.
فالجوابُ: أنَّ المقصودَ من ذكره في الآية المتقدمة، هو أنَّهُ تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالَّة على صدق الرسول وههنا المقصود من ذكره، أنه إنَّما فعل ذلك، لئلَاّ يبالغ الكفار في الاستعداد والحذر فيصيرُ ذلك سَبَباً لانكسارهم.
ثمَّ قال ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ والغرضُ منه التَّنبيه على أنَّ أحوال الدُّنْيَا غير مقصودة لذاتها، بل المراد منها ما يصلحُ أن يكون زاداً ليوم المعاد.
стр. 5774
قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا﴾ الآية.
لمَّا ذكر نعمه على الرسول ﷺ َ وعلى المؤمنين يوم بدر، علَّمهم - إذا التقوا - نوعين من الأدبِ، الأوَّل: الثَّبات وهو أن يُوَطِّنُوا أنفسهم على اللَّقاء، ولا يحدثوها بالتولِّي.
والثاني: أن يذكروا اللَّه كثيراً، فقال: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا﴾ فيه، أي: جماعة كافرة «فاثبتُوا» لقتالهم.
﴿واذكروا الله كَثِيراً﴾ ادعوا الله بالنصر والظفر بهم.
وقيل: المرادُ أن يذكروا الله كثيراً بقلوبهم، وبألسنتهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ أي: كونوا على رجال الفلاح.
فإن قيل: هذه الآية تُوجب الثَّبات على كلِّ حال، وهذا يُوهمُ أنَّها ناسخةٌ لآية التَّحرف والتحيُّز.
فالجوابُ: أنَّ هذه الآية توجب الثَّبات في الجملة، وهو الجدّ في المحاربة، وآيةُ التحرّف والتحيّز لا تقدحُ في حصول الثبات في المحاربة، بل الثبات في هذا المقصود، لا يحصل إلَاّ بذلك التحرف والتحيز، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمر به؛ لأن الجهاد لا ينفع إلَاّ مع التَّمسُّك بسائر الطاعات، «ولَا تَنَازعُوا» لا تختلفوا، فإنَّ النزاعَ يوجب أمرين.
أحدهما: الفشل، وهو الجُبن والضَّعف.
والثاني: «تَذْهبَ ريحُكُمْ» .
قال مجاهدٌ: نصرتكم.
وقال السُّديُّ: جراءتكم وجدكم.
وقال مقاتل: حدَّتكم.
وقال النضرُ بنُ شُميلٍ: قُوَّتكم. وقال الأخفشُ: دولتكم. و «الرِّيح» هاهنا - كنايةٌ عن بقاء الأمر وجريانه على المرادِ؛ تقول العربُ: «هَبَّت ريحُ فلان» إذا أقبل أمره على ما يريدُ، وهو كنايةُ عن الدَّوْلة والغلبة؛ قال: [الوافر]
стр. 5775
٢٧١٧ - إذَا هَبَّتْ رياحُكَ فاغْتَنِمْهَا ... فإنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُونَا
ورواه أبو عبيدٍ «رُكُوداً» .
وقال آخر: [البسيط]
٢٧١٨ - أتَنْظُرانِ قَلِيلاً رَيْثُ غَفْلتِهِم ... أو تَعْدُونِ فإنَّ الرِّيحَ للْعَادِي
وقال: [البسيط]
٢٧١٩ - قَدْ عَوَّدْتُهُمْ ظبَاهُمْ أن يكُونَ لَهُمْ ... ريحُ القتالِ وأسْلابُ الَّذينَ لَقُوا
وقيل: الريح: الهيبةُ، وهو قريبٌ من الأولِ؛ كقوله: [البسيط]
٢٧٠٢ - كَمَا حَميناكَ يْوْمَ النَّعْفِ من شَطَطِ ... والفَضلُ لِلْقومِ منْ ريحٍ ومِنْ عَدَدِ
وقال قتادة وابن زيد: «هو ريح النصر، ولم يكن نصر قط إلَاّ بريحٍ يبعثُهَا اللَّهُ تضرب وجوه العدوّ» .
ومنه قوله ﵊: «نُصِرْتُ بالصَّبَا أهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ»
وقال النعمانُ بنُ مقرن: «شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ َ فكان إذَا لم يُقاتِل في أول النَّهارِ، انتظر حتَّى تزولَ الشَّمسُ، وتهب الريح، وينزل النّصر»
تَفْشَلُوا «يحتملُ وجهين:
أحدهما: نصبٌ على جواب النَّهي.
والثاني: الجزم عطفاً على فعل النَّهْي قبله، وقد تقدَّم تحقيقهما في» وتَخُونُوا «قبل
стр. 5776
ذلك، ويدُلُّ على الثاني قراءة عيسى بن عمر» ويَذْهَبْ «بياء الغيبة وحزمه، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يُقيِّدها بياء الغيبة.
وقرأ أبُو حيوة وأبان وعصمة «ويَذْهَبَ» بياء الغيبة ونصبه.
وقرأ الحسنُ «فَتَفْشِلُوا» بكسر الشين، قال أبو حاتمٍ: «هذا غيرُ معروفٍ» وقال غيره: إنَّها لغةٌ ثانية.
فصل
احتجَّ نُفاة القياسِ بهذه الآية فقالوا: القياس يفضي إلى المنازعةِ، والمنازعةُ محرَّمةٌ بهذه الآية؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرماً ببيان الملازمة، فإنّا نشاهد الدُّنيا مَمْلُوءةً من الاختلافات بسبب القياس.
وأيضاً القائلون بأنَّ النَّص لا يجوز تخصيصه بالقياس تَمَسَّكُوا بهذه الآية، وقالوا: قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نصَّا عليه، ثم أتبعه بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومَنْ تمسَّك بالقياس المخصص بالنَّصِّ فقد ترك طاعة اللَّهِ وطاعة رسوله، وتمسَّك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكلُّ ذلك حرام. والجوابُ: بأنَّهُ ليس كلُّ قياس يوجب المنازعة.
قوله: «ولا تنَازَعُوا» معطوف على قوله: «فاثْبُتُوا» وهو جواب الشَّرطِ في قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ فالمحرَّم التنازع عند لقاء فئة الكُفَّارِ، فلا حجة فيها، وأيضاً: فقد ترتَّب على التنازع الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة، وذلك لا يترتَّب على القياس.
ثم قال: ﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ والمقصودُ أنَّ كمال أمر الجهادِ مبنيٌّ على الصَّبْرِ فأمرهم بالصبر. كما قال في آية أخرى: ﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . عن سالم أبي النضر مولى عُمَر بن عُبيدِ اللَّهِ وكان كاتباً له، قال: كتب إليه عبدُ الله بن أبِي أوفَى «أنَّ رسول الله ﷺ َ في بعض أيَّامِهِ الَّتي لقيَ فيها العَدُو، انتظر حتَّى مالتِ الشَّمْسُ، ثمَّ قام في النَّاس، فقال:» يا أيُّهَا النَّاسُ لا تَتمنوا لقاء العدُوّ، وأسْألُوا اللَّهَ العَافيةَ فإذا لقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجنَّة تحتَ ظلالِ السُّيُوفِ «ثم قال:» اللَّهُمَّ مُنزلَ الكتابِ، ومُجْرِي السَّحابِ، وهازِمَ الأحْزابِ، اهزمْهُمْ، وانْصُرْنا عليْهِمْ «
стр. 5777
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ .
نزلت في المشركين حين أقْبَلُوا إلى بدر، ولهم بغي وفخرٌ. فقال رسولُ الله ﷺ َ «اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تُجادل وتُكذِّب رسولك، اللَّهُمَّ فنصرك الذي وعدتني» .
ولمَّا رأى أبُو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش إنكم إنَّما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجَّاها اللَّهُ، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتَّى نردَ بَدْراً - فننحر الجزور، ونطعم الطَّعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيانُ، وتسمع بنا العربُ، فلا يزالُونَ يهابوننا أبَداً. فوافوها فَسُقُوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحَتْ عليهم النَّوائحُ مكان القيان، فنهى اللَّهُ تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النِّية، والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه.
واعلم أنَّه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء:
أحدها: البطر.
قال الزَّجَّاجُ: البَطَرُ: الطغيان في النعمة وترك شكرها.
وثانيها: الرِّئاءُ، وهو أظهار الجميل ليرى، مع أنَّ باطنهُ يكون قبيحاً.
والفرق بينه وبين النفاق: أنَّ النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء: إظهار الطَّاعة مع إبطان المعصية.
стр. 5778
وثالثها: صدهم عن سبيل اللَّهِ، وهو كونهم مانعين عن دين محمد ﵊.
قوله: «بَطَراً ورِئاءَ» منصوبان على المفعول له، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع نصبٍ على الحال، من فاعل: «خَرَجُوا، أي: خَرُجوا بطرينَ ومُرائين، و» رئَاءَ «مصدرٌ مضاف لمفعوله.
قوله» ويَصُدُّونَ «: يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكون عطفاً على:» بَطَراً ورِئَاءَ «وحفَ المفعولُ للدَّلالةِ عليه.
فإن قيل:» يَصُدُّون «فعل مضارع، وعطف الفعل على الاسم غير حسن. فذكر الواحديُّ في الجواب ثلاثة أوجه:
الأول: أن» يَصُدُّون «بمعنى: صادين، أي: بطرين ومرائين وصادين.
والثاني: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «حالان على تأويل: مبطرين ومرائين، ويكون قوله» ويصدون «أي: وصادين.
الثالث: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «بمنزلة: يبطرون ويراؤون.
قال ابنُ الخطيبِ:» إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل؛ لأنَّهُ تارةً يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها.
وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبَّر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. قال: إنَّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أنَّ الاسم يدلُّ على التَّمكين والاستمرار، والفعل على التجدد والحدوث، مثاله في الاسم قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾
[يونس: ٣١] وذلك يُدلُّ على أنه تعالى يوصل الرِّزق إليهم ساعة فساعة.
وإذا عرفت ذلك فنقول: إنَّ أبا جهلٍ ورهطهُ كاناو مجبولين على البطرِ، والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل اللَّهِ فإنما حصل في الزَّمانِ الذي ادَّعى محمد ﵊ فيه النبوة، فلهذا ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد بصيغة الفعل «.
واعلم أنَّ الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحديُّ؛ لأنَّ الواحدي إنَّما أراد من حيث الصِّناعة، لا من حيث المعنى.
ثم قال: ﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: أنه عالم بما في دواخل القلوب، وذلك كالتَّهديدِ والزَّجر عن الرئاء.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية.
стр. 5779
وهذه من جملة النعم التي خصَّ اللَّهُ أهل بدر بها، وفي العامل في» إذْ «وجوه: قيل: تقديره اذكر إذْ زيَّن لهم، وقيل: عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذْ زيَّن.
وقيل: هو عطف على قوله: ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس﴾ تقديره: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم؛ فتكون الواو للحال، و» قد «مضمرة بعد الواو، عند من يشترط ذلك والله أعلم
فصل
في هذا التَّزيين وجهان:
الأول: أن الشيطان زيَّن بوسوسته من غير أن يتحوَّل في صورة إنسان، وهو قول الحسن والأصم.
والثاني: أنَّه ظهر في سورة إنسان.
قالوا: إن المشركين حين أرَادُوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنَّهُم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو في بني بكر بن كنانة من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال لا غالِبَ لَكُمْ اليَوْمَ من النَّاسِ وإني جار لكم، مجيركم، من بني كنانة، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان، رأى إبليسُ الملائكة نزلوا من السماء، فعلم أنْ لا طاقةَ لهم بهم ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نَكَصَ، قال الحارثُ: أتَخْذلنا في هذه الحال؟
فقال: إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحارث وانهزموا.
قوله ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ اليوم﴾ لكم خبر» لا «فيتعلق بمحذوف، و» اليَوْمَ «منصوب بما تعلَّق به الخبر، ولا يجوزُ أن يكون» لكم «أو الظرف متعلقاً ب» غَالِبَ «؛ لأنه يكون مُطَوَّلأاً ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب نَصْباً.
قوله» مِنَ النَّاس «بيان لجنس الغالبِ.
وقيل: هو حالٌ من الضَّميرِ في» لَكُمُ «لتضمُّنه معنى الاستقرار، ومنع أبو البقاءِ أن يكون» من النَّاس «حالاً من الضمير في» غَالِبَ «، قال:» لأنَّ اسم «لا» إذا عمل فيما بعده أعرب «والأمر كذلك.
قوله ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ يجوزُ في هذه الجملةِ أن تكُون معطوفةً على قوله ﴿لَا غَالِبَ
стр. 5780
لَكُمْ﴾ فيكون قد عطف جملة مثبتة على أخرى منفيَّة، ويجوزُ أن تكون الواو للحال، وألف «جارٌ» من واو، لقولهم: «تَجاورُوا» وقد تقدَّم تحقيقه [النساء: ٣٦] . و «لكم» متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ ل «جارٌ» ، ويجُوز أن يتعلَّق ب «جار» لما فيه من معنى الفعل، ومعنى «جار لكم» أي: مجير لكم من كنانة.
قوله ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان؛ ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ «نَكَصَ» : جواب «لمَّا» والنُّكُوص: قال النضر بنُ شميلٍ: الرُّجوع قَهْقَرَى هارباً، قال بعضهم: هذا أصله، إلَاّ أنه قد اتُّسِع فيه، حتى استُعْمل في كلِّ رجوع، وإن لم يكن قَهْقَرَى؛ قال الشاعر: [البسيط]
٢٧٢١ - هُمْ يَضْربُونَ حَبيكَ البَيْض إذْ لَحِقُوا ... لا يَنْكُصُونَ إذَا مَا استُلْحِمُوا وحَمُوا
وقال مُؤرِّج: «النُّكُوصُ: الرجوعُ بلغة سُلَيْم» ؛ قال: [البسيط]
٢٧٢٢ - لَيْسَ النُّكُوصُ على الأعقابِ مَكْرُمَةً ... إنَّ المكارِمَ إقْدَامٌ على الأسَلِ
فهذا إنَّما يريدُ به مُطْلَق ارُّجوع؛ لأنَّهُ كنايةٌ عن الفرارِ، وفيه نظر؛ لأنَّ غالب الفرار في القتال إنَّما هو كما ذُكِر، رجوعُ القَهْقَرَى، كخوف الفَار.
و «عَلَى عَقبَيْهِ» حال، إمَّا مؤكدةٌ، عند من يَخُصُّه بالقهقرى، أو مُؤسِّسةٌ، عند من يستعمله في مطلق الرُّجُوعِ.
ثم قال: ﴿إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ .
قيل: رأى الملائكة فخافهم.
وقيل: رأى أثر النُّصْرَة والظَّفر في حق النبي ﷺ َ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بليّة.
وقيل: رأى جبريل فخافه.
وقيل: لمَّا رأى الملائكة ينزلون من السماء ظنَّ أنَّ الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، وأشفق على نفسه، وقيل «أرَى مَا لَا تَرَوْنَ» من الرأي.
وقوله: ﴿إني أَخَافُ الله﴾ قال قتادة: «قال إبليس» إنِّي أرَى ما لا ترَوْنَ «وصدق، وقال ﴿إني أَخَافُ الله﴾ وكذب ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم» .
وقال عطاءٌ: إنّي أخاف اللَّهَ أن يهلكني فيمن هلك.
следующие страницы →