← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

الرَّجل صِنْوُ أبيه» ، أي: مثله؛ أو لأنهما يجمعهما أصل واحدٌ والعامة على كسر الصاد. وقرأ السلميُّ، وابن مصرف، وزيد بن عليٍّ: بضمها، وهي لغة قيسٍ، وتميم كذئب، وذُؤبان. وقرأ الحسنُ، وقتادة: بفتحها، وهو اسم جمعٍ لا جمع تكسير؛ لأنه لس من أبنية «فعلان» ، ونظير «صنْوان» بالفتح «السَّعْدَان» هذا جمعه في الكثرةِ، وأمَّا القلَّة، فيجمع على «أصْنَاء» ك «جَمَل، وأجْمَال» . قوله: ﴿يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ «يُسْقَى» بالياء من تحت أي يسقى بما ذكرنا، والباقون بالتاء من فوق مراعاة للفظ ما تقدَّم، وللتأنيث في قوله «وجَنَّاتٍ» ، ولقوله: «بَعْضَهَا» . قوله «ونُفَصِّلُ» قرأة بالياء من تحت مبنيًّا للفاعل: الأخوان، والباقون بنون العظمة، ويحيى بن يعمر، وأبو حيوة: «يُفَضَّلُ» بالياء منبيًّا للمفعول و «بَعضُهَا» رفعاً. وقال أبو حاتم: وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر، وهو أوَّل من نقط المصاحف، وتقدَّم [الخلاف] في الأكل في البقرةِ. وفي «الأكلٍ» وجهان: أظهرهما: أنَّه ظرفٌ [ل «نُفَضِّلُ» ] . والثاني: أنه حال من «بَعْضِهَا» ، أي: نُفَضِّلُ بعضها مأكولاً، أي: وفيه الأكل، قاله أبو البقاءِ. وفيه بعد جهة المعنى، والصناعة. فصل قوله: ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ قال الأصمُّ: أرضٌ قريبةٌ من أرض أخرى واحدة طيبة، وأخرى سبخة، وأخرى رملة، وأخرى حصباء وحصى، وأخرى تكون حمراء، وأخرى تكونُ سوداء. وبالجملة: فاختلافُ بقاع الأرضِ في الارتفاع، والانخفاضِ، والطبعِ، والخاصيةِ أمر معلوم.

стр. 6757

«وجَنَّاتٍ» بساتين: ﴿مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ تقدَّم الكلام على الصنو، والصنوان، وهي النخلات يجمعهن أصلٌ واحد، «وغيْرُ صِنْوانٍ» هي النَّخلةُ المنفردةُ بأصلها. قال المفسريون: الصنوان: المجتمع، وغير الصنوان متفرق، ولا فرق في الصنوانِ، والقنوان بين التثنية والجمع إلَاّ في الإعرابِ، وذلك أنَّ النُّونَ في التثنية مكسورةٌ غير منونة وفي الجمع منونة. ﴿يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾ والماء: جسم رقيق مائع به حياة كلِّ نامٍ. ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل﴾ في الثَّمر، والطَّعم، جاء في الحديث: «ونُفصِّلُ بعضهَا على بَعْضٍ في الأكلِ» قال: «الفارسي والدقلُ الحلوُ والحَامضُ» . قال مجاهد: كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. وحكى الواحديُّ عن الزجاج: أنَّ الأكل: الثَّمر الذي يؤكل، وحكى عن غيره أنَّ الأكل: المهيّأ للأكل. قال ابنُ الخطيب: «وهاذ أولى؛ لقوله تعالى في صفة الجنة: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] : وهو عامٌّ في جميع المطعومات» . قال الحسن: هذا مثلٌ ضرب لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن، فسطحها؛ فصارت قطعاً متجاورات، فينزل عليها الماءُ من السَّماءِ فتخرج هذه زهرتها، وشجرتها، ونباتها، وثمرها، وتخرجُ هذه سبخها وملحها وخبيثها، وكلٌّ يصقى بماء واحد، كذلك النًّاسُ خلقوا من آدم ﵊ ُ فتنزل عليهم من السَّماءِ تذكرة، فترق قلوب قوم، فتخشع، وتقْسُو قلوب قوم فتلهو. قال الحسنُ: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلَاّ قام من عنده بزيادة، أو نقصان، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظالمين إَلَاّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢] ﴿إِنَّ فِي ذلك﴾ الذي ذكر: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فصل قال ابنُ الخطيب: المقصُودُ من هذه الآية: إقامة الدَّلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية الحركات الكوكبية من وجهين:

стр. 6758

الأول: أنه جعل الأرض قطعاً مختلفة في الماهيَّة والطبيعة، وهي مع ذلك متجاورةٌ، فبعضها سبخةٌ، وبضعها طيِّبةٌ، وبعضها صلبة وبعضها حجريةٌ، وبعضها رمليةٌ، وتأثير الشمس، وتأثير الكواكب في تلك القطع على السَّويَّة؛ فدلَّ ذلك على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير. الثاني: أنَّ القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماءٍ واحدٍ، ويكون تأثير الشمس فيها [متساوياً] ، ثمَّ إنَّ تلك الثمار تجيءُ مختلفة في اللَّون، والطَّعم، والطَّبيعة، والخاصية؛ حتى أنَّك قد تأخذ عنقوداً واحداً من العنب، فتكون جميع حبَّاته ناضحة حلوة إلَاّ حبة واحدة منه، فإنها تبقى حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والأفلاك إلى الكل على السوية، بل نقول ههنا ما هو أعجب منه، وهو أنَّه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون في أحد وجهيه في غاية الحمرة، والوجه الثاني في غاية السَّواد، مع أنَّ ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنُّعومة، ويستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدلُّ دلالة [قطعية] على أنَّ الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الأتصالات الفلكيَّة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل﴾ ، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فصل قال القرطبي: وهذا الآية تدلُّ على بطلان القول بالطبع، إذا لو كان ذلك بالماء، والتراب، والفاعل له الطبيعة؛ لما وقع الاختلاف. وذهب الكفرةُ لعنهم الله إلى أنَّ كلَّ حادث يحدث من نفسه لا من صانع وادعوا ذلك في الثِّمار الخارجة من الأشجار، وأقرُّوا بحدوثها، وأنكروا الأعراض، وقالت فرقةُ بحصول الثِّمار لا من صانع، وأثبتوا للأعراض فاعلاً. والدَّليل على أنَّ الحادث لا بد له من محدثٍ: أنَّه يحدثُ في وقت، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به؛ لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أنَّ اختصاصه لأجل مخصص خصصه به، لولا تخصيصه إيَّاه لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده.

стр. 6759

قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ الآية لما ذكر الدَّليل على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدلُّ على المعادِ. قال ابن عبَّاس رضي الله عهما: «إنْ تعجب من تكذيبهم إيَّاك بعد ما حكموا عتليك بأنَّك من الصَّادقين، فهذا عجبٌ» . وقيل: إن تعجب يا محمَّدُ من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرًّا، ولا نفعاً بعد ما عرفوا الدلائل الدِّالة على التوحيد، فهذا عجبٌ. وقيل: تقدير الكلام: وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في موضع العجب، لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبِّر السموات، والأرضيين، وخالق الخلق أجمعين، وأنَّه هو الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها، وأنَّه الذي سخر الشَّمس، والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب، والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بأعادة الإنسان بعد موته؛ لأنَّ القادر على الأقوى يكون قادراً على الأضعفِ بطريق الأولى، وهذا تقرير موضع التَّعجُّب. قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مقدم، و «قَوْلُهمْ» مبتدأ مؤخَّرٌن ولا بد من حذف [صفة] لتتمْ الفائدة، أي: فعجب أي عجب، أو غريب، ونحوه. الثاني: أنه مبتدأ، وسوَّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر، ولا يضر حنيئذٍ كون خبره معرفة، هذا كما أعرب سيبويه: كم مالك وخير من أقصد رجلاً خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما، وخبرهما معرفةٌ، قاله أبو حيَّان. وللنزاع فيه مجال؛ على أنَّ هناك علّة لا تتأتى هنا، وهي: أنَّ الذي حمل سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع «كَمْ» ، وخبر «مَا» هو مبتدأ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحنُ فيه. الثالث: أنَّ «عَجَبٌ» مبتدأ بمعنى معجب، و «قَوْلُهمْ» فاعل به، قاله أبو البقاء.

стр. 6760

ورد عليه أبو حيَّان: بأنهم نصُّوا على أنَّ «فعلاً وفعَلة وفُعْلاً» ينوبُ عن «مَفْعُول» في المعنى، ولا يعمل عمله، فلا تقول: «مَرَرْتُ بِرجُل [ذبح] كَبْشَهُ ولا غَرَفَ مَاءهُ ولا قَبضَ مالهُ، وأيضاً فإنَّ الصفات لا تعمل إلَاّ إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء. والعَجَبُ: تغير النَّشفس برؤية المستبعد في العادة. وقال القرطبيُّ: العَجَبُ تغير النفس بما يخفى أسبابه. قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان: أظهرهما: أنَّها منصوبة المحل لحكايتها بالقول. والثاني: أنَّها، وما في حيزها في محل رفع بدلاً من:» قَوْلهِمْ «وبه بدأ الزمخشريُّ وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكونُ بدل كُلِّ؛ لأنَّ هذا هو نفس» قَوْلُهُم «، و» إذَا «هنا ظرفٌ محضٌ، وليس فيها معنى الشَّرط، والعاملُ فيها مقدر يفسره ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره: أئذا كُنَّا تراباً نبعث، أو نحشر، ولا يعمل فيها: ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لا، ما بعد» إذَا «لا يعملُ فيما قبلها، ولا يعمل فيها» كُنَّا «لأضافتها إليها. واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافاً منتشراً، وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها، [وبيان] مراتب القرَّاء فيها، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله تعالى. فأولها: ما في هذه السورة. والثاني، والثالث: الإسراء وهما: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩] موضعان. الرابع في المؤمنون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] . الخامس في النمل: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] . السادس في العنكبوت: ﴿لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩] . السابع في «الم» السجدة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] . الثامن، والتاسع في الصافات موضعان [الصافات: ١٦] . العاشر: في الواقعة: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] . الحادي عشر في النازعات: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ [النازعات: ١٠، ١١] .

стр. 6761

فهذه هي المواضع الختلف فيها، وأمَّا ضبط الخلاف فيها بالنِّسبة إلى القراء فيه طريقان: أحدهما: بالنِّسبةإلى ذكر القرَّاءِ. والثاني: بالنسبة إلى ذكر السُّور. فاعلم أنَّ هذه المواضعِ تنقسم قسمين: قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد، وقسم منها أربعة مواضع، لكلِّ منها حكم على حدته. أمَّا القسمُ الأوَّل فمنه في هذه السورة، والثاني، والثالث في: «سُبْحَانَ» والرابع: في «المؤمنون» ، والخامس: في «الم» السجدة، والسادس، والسابع: في الصافات وحكمها: «أنَّ نافعاً، والكسائي يستفهمان في الأول، ويخبران في الثاني، وأن ابن عامر يخبر في الأول، ويستفهم في الثاني، والباقين يستفهمون في الأول والثاني. وأما القسم الثاني، فأوله ما في سورة النمل، وحكمه: أن نافعاً يخبر عن الأول، ويستفهم في الثاني، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه، وأن الباقين يستفهمون فيهما. الثاني: ما في العنكبوت، وحكمه: أن نافعاً، وابن كثير، وابن عامر، وحفصاً يخبرون في الأول، ويستفهمون في الثاني، والباقون، يستفهمون فيهما. الثالث: ما في سورة الواقعة، وحكمه: أن نافعاً، والكسائي يستهفمان في الأول، ويخبران في الثاني، والباقون يستفهمون فيهما. الرابع: ما في سورة النازعات، وحكمه: أن نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول، وخبرون في الثاني، والبقاين يستفهمون فيهما. وأما الطريق الآخر بالنسبةإلى القراء؛ فإنهم فيها على أربع مراتب: الأول: أن نافعاً قرأ بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، إلا في النمل والعنكبوت فإنه العكس. المرتبة الثانية: أنَّ ابن كثير، وحفصاًم قرآ بالاستفهام في الأول والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر. المرتبة الثالثة: أنَّ ابن عامرٍ قرأ بالخبر في الأوَّل، والاستفهام في الثَّاني إلا في النمل، والواقعة، والنازعات، فقرأ في النمل، والنازعات بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما. المرتبة الرابعة: الباقون وهم: أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر رضيه الله عنهم

стр. 6762

أجمعين قرءوا بالاستفهام في الأول، والثاني، ولم يخالف أحدٌ منهم أصله. قال شهاب الدين: «وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما، وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات. فأمَّا وجه قراءة من استفهم في الأوَّل، والثاني؛ فقصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيداً له، ووجه من أتى به مرة واحدة: حصول المقصود به؛ لأنَّ كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداها حصل الإنكارُ في الأخرى، وأمَّا من خالف أصله في شيءٍ من ذلك، فلاتباع الأثر» . فصل هذا الخطاب لرسول الله ﷺ َ ومعناه: أنَّك تعجبُ من إنكارهم النَّشأة الأخرى مع إقرارهم باتبداءِ الخلق، فعجب أمرهم، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله وحقد تقرَّر في القلوب أنَّ الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب. ثم قال: ﴿أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ من أنكر البعث والقيامة فهو كافرٌ، وإنما لزم من إنكار البعثِ الكفر بالله تعالى؛ لأنَّ إنكار البعث لا يتمُّ إلا بإنكار القدرة، والعلم، والصدق، وأما إنكار القدرة فكقوله: الله غير قادر على الإعادة، وأما إنكار العلم فكقوله: الله غير عالم بالجزيئات، فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، وأمَّا إنكار الصِّدق فكقولهم: إنَّه أخبر عنه، ولكنه لا يفعل؛ لأنَّ الكذب جائز عليه، وكل ذلك كفرٌ بالله تعالى. ثم قال: ﴿وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ قال الأصمُّ: المراد بالأغلالِ: كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلَالاً﴾ [يس: ٨٠] ؛ وقال الشاعر: [البسيط] ٣١٦٥ - ... ... ... ... ... ... ... لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيَادُ ويقال للرَّجلُ: هذا غلٌّ في عنقك للعمل الرَّديء، معناه: أنَّه [ملازم] لك، وأنت مُجازًى عليه بالعذابِ.

стр. 6763

قال القاضي: هذا وإن كان محتملاً؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى. قال ابن الخطيب: «أقول على نصرة الأصم، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحالِ، وذلك غير حاصل، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنًَّه سيحصل هذا المعنى، ونحنُ نحمله على أنه حاصلٌ من الحالِ، والمراد بالأغلال ما ذكره فكلُّ واحدٍ منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه، فلمَ كَانَ قولكم أقوى؟» . وقيل: المعنى: أنَّهُ تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] إلى قوله: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . ثم قال: ﴿وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ والمراد منه التَّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد، وذلك يدلُّ على أنَّ العذاب المؤبَّد ليس إلا للكفَّار؛ لأن قولهم: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ يدلُّ على أنَّهم هم الموصوفون بالخُلودِ لا غيرهم فدل على أنَّ أهل الكبائر لا يخلدون في النَّارِ. فإن قيل: العجبُ هو الذي لا يعرف بسبب، وذلك في حق الله تعالى محالٌ، فكيف قال: «فعجَبٌ قَولُهُمْ» ؟ . فالجواب: المعنى: فعجب عنك. فإن قيل: قرأ بعضهم: «بَل عَجِبْتُ» بإضافة العجب إلى نفسه. فالجواب: أنَّا قد بيَّنا أنَّ مثل هذه الألفاظ يجبُ تنزيهها عن مبادىْ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره، فكان التعجب في حقِّ الله تعالى محمولاً على الإنكار. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة﴾ وعلم أ، النبيَّ ﷺ َ كان يهددهم تارة بعذاب القايمة، وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلَّما هددهم بعذاب القيامة، أنكروا القيامة، والبعث، والنشر كما تقدَّم في الآية الأولى، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه، وذلك أنَّ مشركي مكَّة كانوا يطلبون العقوبة بدلاً من العافية استهزاء منهم يوقلون: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . قوله «قَبْلَ الحَسَنةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بالاستعجالِ ظرفاً لهُ. والثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنَّه حال مقدرة من السيئة، قاله أبو البقاء. قوله: «وقَدْ خَلتْ» يجوز أن تكون حالاً وهو الظاهر، ويجوز أن تكون مستأنفة.

стр. 6764

والعامة على فتح الميم، وضم المثلثة الواحدة مثله، ك «سَمُرَة» وسَمْرَات «و» صَدُقَة وصَدُقَات «وهي العقوبة الفاضحة. قال ابن عباس:» العقوبات المتأصلاتُ كمثلات قطع الأذن، والأنف، ونحوهما «. سُمَّيت بذلك لما بين العقاب، والمعاقب عليه من المماثلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، ولأخذها من المثال بمعنى القصاصِ. يقال: أمثلتُ الرَّجل من صاحبه، وأقصصته بمعنى واحدٍ، أو لأخذها من ضربِ المثل لعظم شأنها. وقرأ ابن مصرف» المَثْلات «بفتح الميم، وسكون الثاء، وقيل: وهي لغة الحجاز في مثله. وقرأ ابن وثاب: بضم الميم، وسكون الثاء، وهي لغة تميم. وقرأ الأعمش، ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمرو، وأبو بكر في رواية بضمهما. فأما الضم، والإسكان: فيجوز أن يكون أصلاً بنفسه لغة، وأن يكون مخففاً في من قراءة الضم، والإسكان نحو» العُشْر في العَشَر «وقد عرف ما فيه. قال ابنُ الأنباري:» المَثُلَة: العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، وهو من قولهم: مثل فلانٌ بفلانٍ: إذا قبح صورته إمَّا بقطع أنفه، أو أذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه؛ فهذا هو الأصل، ثم يقال للعار الباقي والخزي الدائم اللازم مُثْلَه «. وقال الواحدي: «وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب عليه، ومماثلاً له سمي بهذا الاسم» . والمعنى: يستعجلونك بالعذابِ الذي لم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، أفلا يعتبرون بها. ثم قال ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ وهذا يدلُّ على أنه قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبةن لأن قوله: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ ، أي:

стр. 6765

حال اشتغالهم بالظلم كما يقال: رأيت الأمير على أكله، أي حال اشتغاله بالأكل، وهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، ومعلوم أنَّ حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً؛ فدلَّ هذا على أنه تعالى قد يغفر الذُّنوب قبل الاشتغالِ بالتوبة، وترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في حق غير الكفرة، وهو المطلوبُ. ويقال: إنَّهُ تعالى لم يقتصر على قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ بل عطف عليه قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ ؛ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، ويحتمل الثاني على الكفَّار. قال المفسريون: «لَذُو مَغْفرةٍ» لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وعن المذنبيين إذا تابوا. وقال ابن عبَّاس ﵄: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ إذا أصرُّوا على الكفر. وروى حمّضاد بن سلمة عن عليِّ بن زيد عن سعيد بن المسيب رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى قال: لما نزلت: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ قال رسول الله ﷺ َ «لَوْلَا عَفْوُ اللهِ ورَحْمتهُ وتَجاوُزهُ لمَا هَنأ أحَدا عَيْشٌ ولوْلَا عِقابهُ ووَعِيدهُ وعَذابَهُ لاتَّكلَ كُلُّ أحدٍ» . فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصَّغائر لأجل أنَّ عقوبتهم مكفرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد إنَّ ربك لذو مغفرة إذا تابوا، وأنه تعالى إنَّما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتَّوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم، ويكون المراد من هذه المغفرة [تأخير العقاب] إلى الآخرة، بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه؛ لأنَّ القوم طلبوا تعجيل العذاب، فجيب أن تحمل المغفرة على تأخير العذاب حتى ينطبق الجواب على السُّؤال. ثم يقال: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ إمهالهم بالتَّوبة، ولا يعجل بالعقوبة، فإن تابوا، فهو ذو مغفرة، وإن لم يتوبوا؛ فهو شديد العقاب؟ . فالجواب عن الأوَّل: أن تأخير العذاب لا يمسى مغفرة، وإلَاّ لوجب أن يقال:

стр. 6766

إن الكفار كلهم مغفور لهم؛ لأنَّ الله تعالى أخَّر عقابهم إلى الآخرة. وعن الثاني: أنَّ الله تمدَّح بهذا، التَّمدُّح إنما يصحل بالتفضيل، أما أداء الواجب، فلا تمدح فيه، وعندكم يجب غفران الصغائر. وعن الثالث: أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة؛ فسقطت الأسئلةُ. قوله: ﴿على ظُلْمِهِمْ﴾ حال من «النَّاسِ» والعامل فيها، قال أبو البقاءِ «مَغْفرةٍ» يعني: أنه هو العامل في صاحبها. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ الآية شلما بين تعالى أنَّهم طعنوا في النبوة بسبب طعنهم في الحشر والنشر ثم طعنوا في النبوَّة أيضاً بسبب طعنهم في صحَّة ما ينذرهم به من نزول العذابِ، بين أيضاً أنهم طعنوا في نبوَّته، وطلبوا منه المعجزة. والسَّببُ في كونهم أنكروا كون القرآن معجزة: أنهم قالوا هذا كتابٌ مثلُ سائر الكتب، وإتيان الإنسان بتصنيف معين لا يكون معجزاً، وإنَّما يكون المعجز مثل معجزات موسى. واعلم أنَّ من الناس من زعم أنَّهُ لم يظهر معجزة لمحمد ﷺ َ سوى القرآن، قالوا: لأن هذا الكلام إنَّما يصحُّ إذا طعنوا في كونِ القرآنِ معجزاً ولم يظهر معجزاً غيره؛ لأنه لو ظهر معجزة مغيره لم يحسن أن يقال: ﴿لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ وهذا يدلُّ على أنه ﵊ ُ ما كان له معجزة سوى القرآنِ. والجواب: عنه من وجهين: الأول: لعلََّ المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها من حينين الجزع، ونبع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير الطعام القليل؛ فطلبوا منه معجزاتن قاهرة غير هذه، مثل: فلقِ البَحْرِ لموسى، وقلب العصا ثُعْبَاناً. فإن قيل: فما السبب في أنَّ الله منعهم، وما أعطاهم؟ . فالجواب: أن الله تعالى لما أظهر المعجزة الواحدة، فقد تَمَّ الغرض، فيكون طلب الثاني تحكماً، وظهور القرآن معجزةم، فما كان من ذلك حاجة إلى معجزات آخر. وأيضاً: فلعلَّه تعالى علم أنَّهم يصرُّون على العناد بعد ظهور المعجزة الملتمسة وكونهم يصيرون حينئذٍ يستوجبون عذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم ملطوبهنم، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] فبيَّن أنَّه لم يعطهم مطلوبهم، لعلمه أنَّهم لا ينتفعون به. وأيضاً: ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو أنَّه كلَّما أتى بمعجزة جاء آخر، وطلب معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو باطلٌ.

стр. 6767

والوجه الثاني: لعلَّ الكفار قالا ذلك قبل مشاهدة سائر المعجزات. ثم قال: «إنَّما أنْتَ منذرٌ» مخوف. قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ هذا الكلام مستأنف مستقبل من مبتدأ، وخبر. والثاني: أنَّ «لكُلِّ قَوْمٍ» متعلقٌ «هَادٍ» ، و «هاد» نسق على «مُنْذِرٌ» ، أي: إنَّما أنت منذرٌ وهادٍ لكل قوم، وفي هذا الوجه الفصل بين حرف العطف، والمعطوف بالجار وفيه خلاف تقدم. ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه، لم يذكر هذا الإشكال، ومن عادته ذكره ردًّا به على الزمخشري. الثالث: أنَّ «هادٍ» خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: إنَّما أنت منذرٌ، وهو لكلِّ قوم هادٍ، ف «لكُلِّ» متعلقٌ به أيضاً. ووقف ابن كثير على «هَادٍ» [الرعد: ٣٣] [الزمر: ٢٣، ٣٦] و «واقٍ» حيث وقعا، وعلى «والٍ» ن و «باقٍ» [النحل: ٩٦] [الرعد: ٣٤، ٣٧] في النحل بإثبات الياء، وحذفها الباقون. ونقل ابن مجاهد عنه: أنه يقف بالياء في جميع الياءات. ونقل عن ورش: أنَّه خير في الوقف بين الياء، وحذفها. والباب: هو كل منقوصٍ منونٍ غير منصرف، واتفق القراء على التوحيد في «هَادٍ» . فصل إذا جعلنا «ولكُلِّ قوم هادٍ» كلاماً مستأنفاً، فالمعنى: أنَّ الله تعالى خصَّ كلَّ قوم بنبيٍّ، ومعجزة تلائمهم، فَلمَّا كان الغالب في زمن موسى ﵇ السحر؛ جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغلب في زمن عيسى ﵊ ُ الطب، جعل معجزته ما كان من تلك الطريقة، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمة، والأبرص، ولما كان الغالبُ في زمان محمد ﷺ َ الفصاحة، والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان، وهو فصاحة القرآن، فلمَّا لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع أنَّها أليق بطبائهم، فبأن لا يؤمنون بباقي المعجزات أولى، هذا تقرير القاضي، وبه ينتظم الكلام.

стр. 6768

وقيل: المعنى أنهم إذا جحدوا كون القرآن معجزة لا تضيق قلبك بسببه، و «إنَّما أنْتَ مُنذِرٌ» ، أي ما عليك إلَاّ الإنذار، وأمَّا الهداية فليست عغليك، فإنَّ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قادر على هدايتهم. والمعنى: إنَّ الهداية من الله. فصل قيل: المنذر، والهادي شيءٌ واحدٌ، والتقدير: إنَّما أنتَ مُنذِرٌ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ منذر على حدةٍ، ومعجزة كل واحد غير معجزة الآخر. وقيل: المنذر محمد ﷺ َ والهادي: هو الله تعالى قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. وقال عكرمة: الهادي محمد ﷺ َ يقول: أنت منذر، وأنت هاد لكل قوم، أي: داع.

стр. 6769

قوله تعالى: ﴿الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى﴾ الآية في النَّظم وجوهٌ: أحدها: أنَّ الكفار لما طلبوا آيات أخر غير ما أتى به الرسول ﵊ ُ بين أنَّه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلو علم من حالهم أنهم إنما طلبوا الآية الآخرى للاسترشاد، وطلب البيان أظهرها، وما منعها، لكنه تعالى عالم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لمحض العناد؛ فلذلك منعهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ﴾ [يونس: ٢٠] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ [العنكبوت: ٥٠] . وثانيها: أنه تعالى لما قال: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] في إنكار البعث بسبب أنَّ أجزاء أبدان الحيوانات تتفرَّق، وتختلط بعضها ببعض، ولا يتميَّز، فبين الله تعالى أنه

стр. 6770

إنما لم يتميز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات فأمّضا من: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ كيف لا يميزها؟ . وثالثها: أنَّه متصلٌ بقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة﴾ [الرعد: ٦] . والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فهو إنَّما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه مصلحة فيه. قوله: ﴿الله يَعْلَمُ﴾ يجوز في الجلالة وجهان: أحدهما: أنَّها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو الله، وهذا على قول من فسَّر «هادٍ» بأنه هو الله [تعالى، فكان هذه الجملة تفسير له، وهذا [ما] عنى الزمخشري بقوله: وأن يكون المعنى: هو الله] تفسيراً ل «هادٍ» على الوجه الأخير، ثم ابتدأ فقال: «يَعْلمُ» . والثاني: أنَّ الجلالة مبتدأ «ويَعْلمُ» خبرها، وهو كلامٌ مستأنفٌ مستقلٌّ. قال أبو حيَّان، «و» يَعْلمُ «هاهنا متعدية إلى واحدٍ؛ لأنَّه لا يراد هنا النسبة إنَّما المراد تعلق العلم بالمفردات» . قال شهاب الدين ﵀: «وإذا كانت كذلك، كانت غير فائتة» وقد تقدَّم أنه لا ينبغي أنه يجوز نسبة هذا إلى الله وتقدم تحقيقه في الأنفال فالتفت إليه. قوله: «مَا تَحْمِلُ» «مَا» تحتمل ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون موصولة أسمية، والعائد محذوف، أي: ما تحمله. والثاني: أن تكون مصدرية، فلا عائد. والثالث: أن تكون استفهامية، وفي محلها وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفع بالابتداء، و «تَحْمِلُ» خبره، والجملة معلقة للعلم. والثاني: أنها في محلِّ نصب ب «تَحْمِلُ» قاله أبو البقاء. وهو أولى؛ لأنَّه لا يحتاج إلى حذف عائد لا سيَّما عند البصريين؛ فإنهم لا يجيزون زيداً ضَرَبتُ. ولم يذكر أبو حيان غير هذا، ولم يتعرض لهذا الاعتراض. و «مَا» في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ﴾ محتملة للأوجه المتقدِّمة و «غاض، وزاد» سمع تعدِّيهما، ولزومهما، ولك أن تدَّعي حذف العائد على القول بتعديهما، وأن تجعلهما مصدريّة عل القول بمصدريتها. فصل إذا كانت «مَا» موصولة فالمعنى: أنه تعالى يعلم ما تحمل كل أنثى من الولد أهو

стр. 6771

ذكرٌ، أم أثنى، أم ناقصٌ، وحسنٌ، أم قبيحٌ، وطويلٌ، أم قصيرٌ أو غير ذلك من الأحوال. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرحام﴾ الغيضُ: النقصان سواء كان لازماً، أو متعدياً فيقال: غاض الماء وغضته أنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ المآء﴾ [هود: ٤٤] والمعنى: ما تغضيه الأرحام إلَاّ أنه حذف الرَّافع. و «مَا تَزْدادُ» ، أي تأخذه زيادة، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥] . ثم اختلفوا فيما تفيضه الرحم، وما تزداده على وجوهٍ: الأول: عدد الولد فإنَّ الرَّحم قد يشتمل على واحدٍ، وعلى اثنين، وثلاثة، وأربعة. يروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه. الثاني: عند الولادة قد تكون زائدة، وقد تكون ناقصة. الثالث: [مدة الولادة] قد تكون تسعة أشهر [فأزيد] إلى سنتين عند أبي حنيفة ﵀ وإلى أربع عند الشافعي ﵁، وإلى خمس عند مالكٍ رضي الله. قيل: إنَّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمِّه أربع سنين، ولذلك سميي هرماً. الرابع: الدم؛ فإنه تارة يقلُّ، وتارة يكثرُ. الخامس: ما ينقصُ بالسَّقط من غير أن يتم، وما يزداد بالتَّمامِ. السادس: ما ينقصُ بظهور دم الحيض؛ لأنَّه إذا سال الدَّم في وقت الحمل ضعف الولد، ونقص بمقدار ذلك النقصان، وتزداد أيام الحمل، لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النُّقصان. قال ابن عبَّاس ﵁: «كلَّما سال الحيضُ في وقت الحمل يوماً، زاد في مدَّة الحمل يوماً، ليحصل الجبرُ، ويعتدلُ الأمر» . وهذا يدلُّ على أنَّ الحامل تحيضُ، وهو مذهب مالكٍ، وأحد قولي الشَّافعي لقول ابن عباس في تأويل هذه الآية: إنَّه حيض الحبالى، وهو قول عائشة ﵂ وأنها كانت تفتي النِّساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصَّلاة.

стр. 6772

وقال المخالف: لو كانت الحاملُ تحيض مكان ما تراه المرأة من الدَّم حيضاً، لما صحَّ استراءُ الأمة بحيضة، وهذا بالإجماع. السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في [بطن] المرأة، فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات؛ فاضت، وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروض، ثم إذا سالت تلك المواد، امتلأت تلك العروض مرَّة أخرى. هذا كلُّه إذا قلنا: إن «ما: موصولة. فإذا قلنا: إنَّها مصدرية: فالمعنى أنَّه تعالى يعلمُ حمل كلَّ شيءٍ، ويعلم غيض الأرحام، وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا أوقاته، وأحوالهن. ثم قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد بالعنديَّة: العلم ومعناه: أنَّه تعالى يعلم كمية كل شيء، وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات، ويحتمل أن يكون المراد من العنديَّة أنه تعالى خصَّص كل حادث بوقت معين، وحال معينة بمشيئة الأزليَّة وإرادته السرمدية. وعند حكماء الإسلام: أنه تعالى وضع أشياء كلّيّة، وأودع فيها قوى، وخواصَّ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزيئة متعينة ومناسبات مخصوصة [مقدرة] ، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العبادِ، وأحوالهم، وخواطرهم، وهي من أدلِّ الدَّلائلِ على بطلان قول المعتزلةِ. قوله: «عِنْدَهُ» يجوز أن يكون مجرور المحل صفة ل «شَيْءٍ» ، أو مرفوعة صفة ل «كُلُّ» ، أو منصوبة ظرفاً لقوله: «بِمقْدارٍ» ، أو ظرفاً للاستقرار الذي تعلق به الجار لوقوعه خبراً. قوله: ﴿عَالِمُ الغيب﴾ يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: «الكَبيرُ المتعَالِ» ، وأن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالمٌ. وقرأ زيد بن عليى «عَالِمَ» نصمباً على المدحِ. ووقف ابنُ كثير، وأبو عمرو في رواية على ياءِ «المُتعَالِ» وصلاً ووقفاً، وهذا هو الأشهر في لسانهم، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً لحذفها في الرَّسم. واستسهل سيبويه حذفها الفواصل، والقوافي، ولأنَّ «ألْ» تعاقب التنوين، فحذفت معها إجراء لها مجراها.

стр. 6773

فصل قال ابن عباس رضي اكلله عنه: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شاهدوه. قال الواحديُّ: «فعلى هذا» الغَيْب «مصدر يرادُ به الغائب، والشهادة أراد بها الشَّاهد» . واختلفوا في المراد بالغائب، والشَّاهد؛ فقيل: المراد بالغائب: [المعدوم] ، وبالشَّاهد: الموجود. وقيل: الغائب مالا يعرفه الخلق. واعلم أنَّ المعلومات قسمان: المعدمات، والموجودات. والمعدومات منهنا معدوماتٌ يمتنع وجودها، ومعدومات لا يمتنع وجودها. والموجودات قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل واحدٍ من هذه الأقسام الأربعة له أحكام، وخواص، والكل معلوم لله تعالى. قال إمامُ الحرمين: الله تعالى معلوماتٌ لا نهاية لها وله في كل واحد من تلك المعلومات معلومات أخرى لا نهاية لها؛ لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، وموصوف بأوصاف لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالمٌ بكلِّ الأحوال على التفصيل وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ . ثم قال: «الكَبِيرُ المُتعَالِ» وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثَّة والمقدار؛ فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة الإلهيَّة، و «المُتعَالِ» المتنزه عن كلِّ ما لا يجوز عليه في ذاته، وصفاته. قوله تعالى: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ . في «سَواءٌ» وجهان: أحدهما: أنه خبرٌ مقدمٌ، و: «مَنْ اسرَّ» ، و «مَنْ جَهرَ» هو المبتدأ، وإنما لم يثن الخبر؛ لأنَّه في الأصل مصدر، وهو ههنا بمعنى متسوٍ، و «مِنكُمْ» على هذا حالٌش من الضمير المستتر في «سَواءٌ» ؛ لأنه بمعنى مستوٍ. قال أبو البقاء: «ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في» أسرَّ «، و» جَهَرَ «لوجهين: أحدهما: تقديم ما في الصلة على الموصول، أو الصِّفة على الموصوف. والثاني: تقديم الخبر على» مِنْكُم «وحقُّه أن يقع بعده» .

стр. 6774

قال شهابُ الدِّين ﵀: «وحقُّه أ، يقع بعده يعني: بعدهُ، وبعد المبتدأ، ولا يصير كلامه لا معنى له» . والثاني: أنه مبتدأ وجاز الابتداء به لوصفه بقوله: «مِنْكُم» . وأعرب سيبويه: «سواءٌ» عليه الجهر والسِّر كذلك، وقول بن عطيَّة: إنَّ سيبويه ضعَّف ذلك بأنه ابتداء بنكرة غلط عليه. قال ابنُ الخطيب: لفظ «سواء» يطلب اثنين، تقول: «سواء زيد، وعمرو» ، ثم فيه وجهان: الأول: أنَّ «سواءٌ» مصدر، والمعنى: ذو سواء، كما تقول: عدل زيد وعمرو، أي: ذو عدلٍ. الثاني: أن يكون «سواءٌ» بمعنى مستوٍ، وعلى هذا التقدير، فلا حاجة إلى الإضمار، إلا أنَّ سيبويه يستقبحُ أن يقال: مستو زيد وعمرو؛ لأنَّ اسماء الفاعل إذا كانت نكرة لا يبتدأ بها. ولقائلٍ أن يقول: بل هذا الوجه أول؛ لأنَّ حمل الكلام عليه يغني عن التزامِ الإضمار الذي هو خلاف الأصل. قوله: ﴿وَسَارِبٌ بالنهار﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفاً على «مُسْتَخْفٍ» ، ويراد ب «مَنْ» حينئذ اثنان، وحمل المبتدأ الذي هو لفظ «هُوَ» على لفظها، فأفرده، والخبر على معناها فثناه. والوجه الثاني: أن يكون عطفاً على «من هُوَ» في «ومَنْ هُو مُسْتخْفٍ» لا على: مُستَخفٍ «وحده. ويوضح هذين الوجيهن ما قاله الزمخشريُّ قال:» فإن قلت: كان حق العبارةِ أن يقال: ومن هو مستخف باللَّيل، ومن هو ساربٌ بالنَّهار حتَّى يتنول معنى الاستواء المستخفي، والسارب، وإلا فقد تناول واحد هو مستخف وسارب. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن قوله: «سَارِبٌ» عطف على: «مَنْ هُو مُسْتَخْفٍ» [لا على:: مُسْتَخْفٍ «. والثاني: أنَّه عطف على:» مُسْتَخْفٍ «إلا أنَّ:» مَنْ «في معنى الاثنين؛ كقوله: [الطويل]

стр. 6775

٣١٦٦ - ... ... ... ... ... . ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطحِبَانِ كأنه قيل: سواء منكم اثنان مستخف بالليل، وسارب بالنَّهار «. قال شهابُ الدِّين: وفي عبارته بقوله: كان حق العبارة كذا سوء أدب، وقوله كقوله:» نَكُنْ مِثلَ مَنْ يا ذئب «يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضهم مع ذئبٍ يخاطبه: [الطويل] ٣١٦٧ - تَعَشَّ فإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئبُ يَصْطحِبَانِ وليس في البيت حملٌ على اللفظ والمعنى، وإنَّما فيه حملٌ على المعنى فقط، وهو مقصوده. وقوله:» وإلا فقد تناتول واحدٌ هو مستخق وسارب «لو قال بهذا قائل لأصاب الصَّواب وهو مذهب ابن عباس ﵄ ومجاهد ذهبا إلى أن المستخفي والسَّاب شخص واحد يستخفي بالليل، ويسرب بالنَّهار، ليري تصرفه في النَّاس. الثالث: أن يكون على حذف» مَنْ «الموصولة، أي: ومن هو سارب، وهذا إنَّما يتمشى عند الكوفيين، فإنهم يجيزون حذف الموصول، وقد استدلالهم على ذلك. والسَّاربُ: اسم فاعل من» سَرَبَ، يَسْرُبُ «، أي: تصرف كيف يشاء؛ قال: [الكامل] ٣١٦٨ - أنَّى سَربْتِ وكُنْتِ غَيرَ سَرُوبِ ... وتُقرَّبُ الأحلامُ غَيْرَ قَريبِ وقال آخر: [الطويل] ٣١٦٩ - وكُلُّ أنَاسٍ قَاربُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... ونَحْنُ خَلعْنَا قَيْدُهُ فهو سَارِبُ أي: متصرف كيف توجَّه، ولا يدفعه أحدٌ عن مرعى قومه بالمنعة، والقوة. فصل معنى الكلام: أي: يستوي في علم الله المسر في القول، والجاهر به. وفي المستخفي، والسَّارب وجهان: الأول: يقال: أخفيت الشيء أخفيه فخفي، واستخفى فلان من فلان، أي: توارى واستتر منه.

стр. 6776

والسَّارب: قال الفراء والزجاج: أي: ظاهر بالنهار في سربه، أي: طريقه يقال: خلا له سربه، أي: طريقه، والسَّرب بفتح السِّين، وسكون الراء الطريق. وقال الأزهري:» تقول العرب: سَربتِ الإبلُ تسرب سَرَباً، أي: مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت «. فمعنى الآية: سواء كان الإنسان مستخفياً في الظُّلماتِ، وكان ظاهراً في الطرقاتِ فعلم الله تعالى محيطٌ بالكلِّ. قال ابن عباس:» سواء ما أضمرته القلوب، أو أظهرته الألسنة «. وقال مجاهد: سواء من أقدم على القبائح في ظلمات الليل، ومن أتى بها في النهار الظاهر على سبيل التَّوالي. وقال ابن عباس أيضاً:» هو صاحب ريبة مستخسف بالليل، وإذا خرج النهار أرى النَّاس أنه بريء من الإثم «. والقول الثاني: نقل الواحدي عن الأخفش، وقطرب قال: المستخفي: الظاهر والسارب: المتواري، ومنه يقال: خفيت الشيء، أي: أظهرته، وأخفيت الشيء أي: استخرجته، ويسمى النَّبَّاش: المستخفي، والسَّارب: المتواري، أي: الداخل سرباً، وانسرب الوحش: إذا دخل في السِّرب، أي: في كناسه. قال الواحديُّ:» وهذا الوجه صحيح في اللغة إلا أنَّ الأول هو المختارُ لإطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضاً: فالليل يدلُّ على الاستتار، والنهار على الظهور «. قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ الضمير فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه عائد على «مِنْ» المكررة، أي: لمن أسرّ القول، ولمن جهر به ولمن استخفى: «مُعَقباتٌ» ، أي: جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضاً. الثاني: أنه يعود على «مِنْ» الأخيرة، وهو قول ابن عبَّاسٍ. قال ابن عطية: والمعقبات على هذا: حرسُ الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، قالوا: والآية على هذا في الرؤساء الكفار، واختاره الطبريُّ وآخرون إلَاّ أنَّ المارودي ذكر على هذا التأويل: أنَّ الكلام نفي، والتقدير: لا يحفظونه، وهذا ينبغي ألاّ يمسع ألبتة، كيف يبرز كلام موجب، ويراد به نفي، وحذف «لا» إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعاً

стр. 6777

في جواب قسم، نحو ﴿تَالله تَفْتَأُ﴾ [يوسف: ٨٥] وقد تقدَّم تحريره وإنّضما معنى الكلام كما قال المهدويُّ: يحفظونه من أمر الله في ظنه، وزعمه. الثالث: أن الضمير في «لهُ» يعود على الله تعالى وفي «يَحْفظُونَهُ» للبعد أي: للهِ ملائكة يحفظون العبد من الآفات، ويحفظون عليه أعماله قاله الحسن ﵁. الرابع: عود الضميرين على النبيِّ ﷺ َ وإن لم يجر له ذكر قريب، ولتقدُّم ما يشعر به في قوله: «لوْلَا أنْزِلَ عليْهِ» . و «مُعقِّباتٌ» جمع معقب بزنة مفعل، من عقب الرجل إذا جاء على عقب الآخر؛ لأن بعضهم يعقبُ بعضاً، أو لأنَّهم يعقبون ما يتكلَّم به. وقال الزمخشري: «والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله: ﴿وَجَآءَ المعذرون﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعيَّن أن يكون أصله» المُتعذِّرُون «وقد تقدَّم توجيهه، وأنه لا يتعيَّن ذلك فيه. وأما قوله: ويجوز» مُعِّبات «بكسر العين، فهذا لا يجوز؛ لأنه بناه على أن أصله: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، وقد بيَّنا أن ذلك وهم فاحشٌ وفي» مُعَقِّباتٌ «احتمالان: أحدهما: أن يكون معقبة بمعنى معقب، والتَّاء للمبالغة، كعلَاّمة، ونسَّابة. أي: ملك معقب، ثم جمع هذا كعلامات، ونسَّابات. والثاني: أن يكون معقبة صفة لجماعة، ثم جمع هذا الوصف، وذكر ابنُ جريرٍ: أن معقبة جمع معقب، وشبه ذلك ب» رَجُلٍ، ورجالٍ، ورِجَالاتٍ «. قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر، إنما ذلك ك» جَمَلٍ، وجِمَالٍ، وجمالاتٍ «ومعقب، ومعقبات إنَّما هو كضارب، وضاربات. ويمكن أن يجاب عنه: بأنه يمكن أن يريد بذلك أنَّه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقب، وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث» معقب «، فصار مثل:» الواردة «للجماعة الذين يريدون، وإن كان أصله للمؤنثة من جهة أنَّ جموع التَّكسير في العقلاء تعامل معاملة المؤنثة في الإخبار، وعود الضَّمير، ومنه قولهم: الرِّجحالُ وأعضادها،

стр. 6778

والعلماء ذاهبةٌ إلى كذا، وتشبيهنه ذلك برجل، ورجالات من حيث المعنى لا الصناعة» . وقرأ أبي، وإبراهيم، وعبيد الله بن زيادٍ: له معاقيب. قال الزمخشريُّ: «جمع معقب، أو معقبة، والياء عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير» . ويوضح هذا ما قاله ابنُ جنِّي؛ فإنه قال: «مَعَاقِيب» تكسير مَعْقِب بسكون العين، وكسر القاف، ك «مُطْعِم، مطاعم» و «مَقْدِم، ومَقَادِيم» ، فكأن «مُعْقباً» جمع على معاقبة، ثم جعلت الياء في «معاقيب» عوضاً من الهاء المحذوفة في «مُعَاقبةٍ» . فصل قال: المعقب من كلِّ شيء ما خلف يعقب ما قبله، ويجوز أن يكون عقبه، إذا جاء على عقب، والمعنى في كلا الوجهين واحد. والتَّعقيب: العود بعد البدءِ، وإنَّما ذكر بلفظ التَّأنيث؛ لأن واحدها معقب وجمعه معقبة، ثم جمع المعقبة معقبات، كقولك: رجالات مكسر، وقد تقدَّم. وفي المراد ب «المعقبات» قولان: أشهرهما: أن المراد الحفظة، وإنَّمام وصفوا بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة اللَّيل تعقب ملائكة النَّهار، وبالعكس، وإما لأجل أنهم يعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ، والكتابة، وكل من عمل عملاً ثم معاد إليه؛ فقد عقَّبهُ. فعلى هذا المراد من المعقبات: ملائكة الليل، والنَّهار، قال تعالى جلًَّ ذكره ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١، ١٢، ١٣] . قوله: ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه صفة ل «مُعقِّباتٌ» ويجوز أن يتعلق ب: مُعقِّباتٌ «، و» مِنْ «لابتداء الغاية، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير الذي هو الظرف الواقع خبراً والكلامم على هذه الأوجه تام عند قوله: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ . وقد عبَّر ِأبو البقاء، ﵀ عن هذه الأوجه بعبارة مشكلة، وهي قوله: ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يجحوز أن يكون صفة ل» مُعقِّباتٌ «، وأن يكون ظرفاً، وأن يكون حالاً من الضمير الذي فيه، فعلى هذا يتمُّ الكلام عنده» انتهى «. ويجوز أن يتعلق ب» يَحْفَظُونَه «أي: يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه. فإن قيل: كيف يتعلَّق حرفان متحدان لفظاً ومعنى بعاملٍ واحدٍ، وهما» مِنْ «الداخلة على» بَيْنِ «و» مِنْ «الداخلة على:» أمْرِ اللهِ «؟ .

стр. 6779

فالجواب: أنَّ» مِنْ «الثانية مغايرة للأولى في المعنى كما ستعرفه. قوله:» يَحْفَظُونهُ «يجوز أن يكون صفة ل» مُعقِّباتٌ «، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار الواقع [خبراً] ، و» مِنْ أمْرِ اللهِ «متعلق به، و» مِنْ «إمَّا للسَّببِ أي: بسبب أمر الله. ويدل له على قراءة عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن عليّ، وعكرمة ﵃: بأمر الله. وقيل: المعنى على هذا يحفظون عمله بإذن الله، فحذف المضاف. قال ابن الأنباري: كلمة «مِنْ» معناها الباء، وتقديره: يحفظونه بأمر الله وإعانته، والدَّليل عليه: أنه لا بد من المصير إليه؛ لأنَّه لا قدرة للملائكة، ولا لأحد من الخلقِ على أن يحفظوا أحداً من أمر الله، ممَّا قضاه الله عليه؛ وإمَّا أن تكون على بابها. قال أبُو البقاء: «مِنْ أمْرِ اللهِ» من الجنِّ، والإنس، فتكون «مِنْ» على بابها. «يعني: أن يراد بأمر الله: نفس ما يحفظ منه كمردة الإنس، والجن، فتكون» مِنْ «لابتداء الغاية» . ويجوز أن تكون بمعنى «عَنْ» ، وليس عليه معنى يليق بالآية الكريمة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه صفة ل: «مُعقِّباتٍ» أيضاً فيجيء الوصف بثلاثة أشياء في بعض الأوجه المتقدمة بكونها ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ وبكونها «يَحفظه» ، وبكونها «مِنْ أمْرِ اللهِ» ولكن يتقدَّم الصوف بالجملة على الوصف بالجار، وهو جائزٌ فصيحٌ، وقد ذكر الفراء فيه وجهين: الأول: أنه على التَّقديم، والتأخير، والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه. قال شهاب الدِّين ﵀: «والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه» . والثاني: أن فيه إضماراً، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: ممَّا أمر الله به، فحذف الاسم، وأبقى خبره، كما يكتب على الكيس: ألفان، والمراد الذي فيه ألفان. فصل ذكر المفسرون: أن للهِ ملائكة يتعاقبون بالليل، والنهار؛ فإذا صعدت ملائكمة الليل

стр. 6780

جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النَّهار، جاء في عقبها ملائكة الليل. لما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ َ: قال «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللِّيلِ ومَلائكِةٌ بالنَّهارِ يَجْتمِعُونَ عِنْدَ صلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرجُ الَّذينَ باتُواة فيكُم؛ فيَسْألهُم وعو أعملُ بِهِم: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادي؟ فَيقُولُون: تَركْنَاهُم، وهُمْ يُصَلُّونَ، وأتَيْنَاهُمْ، وهُمْ يُصَلُّون» . وقوله: ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعنى من قدام، هذا استخفى باللَّيل والسَّارب بالنَّهار، ومن وراء ظهره يحفظونه من أمر الله يعني بإذنِ الله ما لم يجىء القدر، فإذا جاء القدر خلوا عنه. وقيل: يحفظونه ممَّا أمر الله به من الحفظ عنه. قال مجاهدٌ: ما من عبدٍ إلا وله ملك وكلٌ به يحفظه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس، والهوام. وقيل: المراد بالآية الملكين القاعدين على اليمين، وعلى الشمال يكتبان الحسنات والسيئات «يحفظونه» أي يحفظون عليه، «من أمر الله» يعني الحسنات والسيئات قال الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق. ١٨] . وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطُّفيل وأربد بن ربيعة، وكانت قصَّتهما على ماروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، قال: «أقبل عامر بن الطُّفيل، وأربد بن ربيعة، وهما عامريان يريدان رسُول الله ﷺ َ، وهو جالس في المسجد في نفرٍ من أصحابه، فدخلا المسجد، فاسْتشْرَفَ الناسُ لجمالِ عامرٍ، وكان أعورَ، وكان من أجمل النَّاس، فقال رجل: يا رسول الله هذا عامر بن الطُّفيل قد أقبل نحوك فقال: دعه؛ فإن يرد الله به خيراً يهده، مفأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؛ فقال ﷺ َ: لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين، قال: تجعلي لي الأمر بن بعدك؛ قال: ليس ذلك إليَّ، إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاءُ، فقال: تجعلني على الوبر والمدرِ، قال: لا، قال: فما تجعلي لي؟ قال أجعل لك أعنَّة الخيل تغزُو عليها قال: أوليس ذلك لي اليوم، قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله ﷺ َ وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة: إذا رأيتني أكلمه فدُرْ من خلفه، فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله ﷺ َ ويراجعه، فدار أربدُ من خلف النبي ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً، ثمذَ حبسه الله عنده، فلم يقدر على سلّه،

стр. 6781

وجعل عامرُ يومىء إليه، فالتفت رسول الله ﷺ َ فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال:» اللَّهُمَّ أكْفِنِيهما بِمَا شِئْتَ «فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم مصحوٍ صائفٍ، فأحرقته، وولّى عامر بنُ الطفيل هارباً، وقال: يا محمد! دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنَّها عليك خيلاً جرداً، وفتياناً مرداً، فقال النبي ﷺ َ:» يَمْنَعُكَ اللهُ مِنْ هذا، وأبْناءُ قيْلة «يريد الأوس، والخزرج؛ فنزل عامرٌ بيت امرأة سلوليّة فلما أصبح، ضم عليه سلاحه، وقد تغير لونه، فخرج يركض في الصحراء ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشِّعر، ويقول: واللات لئن أصبح لي محمداً وصاحبه يعني ملك المت لأنفذتهما برمحي؛ فأرسل الله ﵎ ملكاً فلطمه بجناحه، فأذراه في التراب، وخرجت على ركبته في الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول:» غُدَّةٌ كغُدةِ البَعيرِ، ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُوليَّة «، ثم دعا بفرسه، فركبه، ثمَّ أجراه حتَّى مات على ظهره، فأجاب الله دعاء رسول الله ﷺ َ فقُتلَ عامرٌ بالطعن، وأربد بالصَّاعقة» ، وأنزل الله في هذه القصَّة: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل وَسَارِبٌ بالنهار لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ يعنى للرسول ﷺ َ معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله، يعنىم: تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديرم وتأخير. ونقل عن ابن عبَّاسٍ ﵄ واختاره أبو مسلم الأصفهاني ﵀ أن المراد يستوي في علم الله السرُّ، والجهر، والمستخفي في ظلمة اللَّيل والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين، والأنصار، وهم الملوك، والأمراء فمن لجأ إلى الله فلن يفوِّت الله أمره، ومن سار نهاراً بالمعقبات، وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه حراسه من الله تعالى والمعقب هو العون؛ لأنه إذا نصر هذا وذاك؛ فلا بد وأن ينصر ذاك هذا؛ فنصر كل واحد منهما معاقبة لنصرة الآخر؛ فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله، وقدره، وهم وإن ظنُّوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله، ومن قضائه؛ فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتَّة. والمقصود من الكلام: بعث السلاطين، والأمراء، والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره من الله، ويعلولوا على حفظه وعصمته ولا يعولوا في دعفها على الأعوان والأنصار؛ ولذلك قال تعالى جل ذكره بعده: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ . قال القرطبي: «قيل: إن في الكلام نفياً محذوفاً تقديره: لا يحفظونه من أمر الله تعالى ذكره الماورديُّ.

стр. 6782

قال المهدوي: ومن ج عل المعقٍِّبات: الحرس، فالمعنى: م يحفظونه من أمر الله على ظنه، وزعمه. وقيل: سواء من أسر القول، ومن جهر، فله حراس، وأعوان يتعاقبون عليه، فيحملونه على المعاصي، و» يَحْفظُونَهُ «من أن ينجع فيه وعظٌ. قال القشيريُّ: وهذا لا يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذابل، وهو إذا غير هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار، فيصير ذلك سبباً للعقوبة، فكأنه الذي يحل العقوبة» . وقال عبد الرحمن بن زيد: «المعقِّبات: ما تعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده» . قال الماورديُّ: «ومن قال بهذا القول، ففي تأويل قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجله، قاله الضحاك. الثاني: يحفظونه من الجنِّ، والهوام المؤذية، ما لم يأت قدرٌ، قاله أبو أمامة، وكعب الأحبار ﵄ فإذا جاء القدر خلوا عنه؟ . قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ : من العافية والنعمة ﴿حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من [الحالة الجميلة] فيعصون ربَّهم. قال الجبائي، والقاضي: هذه الآية تدلُّ على مسألتين: الأولى: أنَّه سبحانه لا يعاقبُ أطفال المشركين بذنوب آبائهم؛ لأنَّهم لم يغيِّروا ما بأنفسهم من نعمه، فيغير الهلن حالهم من النِّعمة إلى العذاب. الثانية: قالوا: الآية تدلُّ على بطلان قول المجبرة: إنَّه تعالى ابتدأ العبد بالضَّلال، والخذلان أوَّل ما يبلغ؛ لأنَّ ذلك أبلغ في العقاب، مع أنَّه ما كان منه تغيير. قال ابن الخطيب: «والجواب أن ظاهر الآية يدل على أن فعل الله تعالى في التغيير يترتب على فعل العبد، وقوله ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [التكوير: ٢٩] يدلُّ على أن فعله مقدم على فعل العبد، فوقع التَّعارض. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ يدلُّ على أنَّ العبد غير مستقل

стр. 6783

بالفعل، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان، ولكان قادراً على ردّ ما أراد الله تعالى من كفر، وحينئذٍ بطل قوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ ؛ فثبت أنَّ الآية السابقة، وإن أشعرب بمذهبهم إلا أن هذا من أقوى الدلائل على مذهبنا. روى الضحاك عن ابن عبَّاس ﵁: لم تغن المعقبات شيئاً وقال عطاء عنه: لا رادّ لعذابي، ولاناقض لحكمي: ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ ، أي: ليس لهم من دون الله من يتولاهم، ويمنع قضاء الله عنهم، أي: مال هم والٍ يتولَّى أمرهم، ويمنع العذاب عهم. قوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ » العامل في «إذَا» محذوف لدلالة جوابها عليه تقديره: لم يرد أو وقع، أو نحوهما، ولا يعمل فيها جوابها؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعملُ فيما قبلها.

стр. 6784

قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق﴾ الآية لما خوَّف العباد بإنزال ما لا مرد له، أتبعه بذكر هذه الآية المشتملة على قدرة الله تعالى وحكمته، وهي تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب، والقهر من بعض الوجوه. قوله: «خوفاً وطمعاً» يجوز أن يكونا مصدرين ناصبهما محذوف، أي: يخافون خوفاً، ويطمعون طمعاً، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحالِ، وفي صاحب الحال حينئذ وجهان: أحدهما: أنه مفعول: «يُرِيكُمْ» الأول، أي: خائفين طامعين، أي: تخافون صواعقه وتطمعون في مطره، كما قال المتنبي: [الطويل] ٣١٧٠ - فَتًى كالسَّحابِ الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجَى ... يُرجَّى الحَيَا مِنهَا وتُخْشَى الصَّوعِقُ والثاني: أنَّه البرق، أي: يريكموه حالَ كيف ذا خوفٍ وطمعٍ، إذ هو ف ينفسه خوف وطمع على المبالغة، ولمعنى كما تقدَّم. ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، ذكره أبو البقاء، ومنعه الزمخشريُّ لعدم اتِّحادِ

стр. 6785

الفاعل، يعني أنَّ «الإرادة» وهو الله تعالى غير فاعل الخوف، والطمع، وهو ضمير المخاطبين، فاخلتف فاعل الفعل المعلل، وفاعل العلة وهذا يمكن أن يجاب عنه: بأنَّ المفعول في قوَّة الفاعل، فإن معنى «يُرِيكُم» يجعلكم رائين، فتخافون، وتطمعون. ومثله ف يالمعنى قوله النابغة الذبياني: [الطويل] ٣١٧١ - وحَلَّتْ بُيوتِي في يَشفاعٍ مُمنَّعٍ ... تَخالُ بهِ رَاعِي الحَمُولةِ طَائِرَا حِذَاراً على الَاّتَنالَ مَقادَتِي ... ولا نِسْوتِي حتَّى يَمُتْنَ حَرائِرَا ف «حذارا» مفعول من أجله، فاعله هو المتكلم، والفعل المعلل الذي هو: «حَلَّت» فالعه «بُيُوتِي» فقد اختلف الفاعل، قالوا: لكن لما كان التقدير: وأحللت بيوتي حذاراً صحَّ ذلك. وقد جوَّز الزمخشريُّ ذلك أيضاً على حذف مضاف فقال: «إلَاّ على تقدير حذف مضاف، أي: إرادة خوفٍ، وطمع، وجوَّزه، أيضاً على أن بعض المصادر ناب عن بعض. يعني أن الأصل: يريكم البرق إخافة، وإطماعاً» . فإنَّ المرئي، المخيف، والمطمع هو الله تعالى فناب خوف عن أخافة، وطمع عن إطماع، نحو: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] على أنه قد ذهب ابن خروف، وجماعة على أنَّ اتحاد الفعل ليس بشرط. فصل في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه: قيل: يخاف منه نزول الصَّواعق، وطمع في نزول الغيثِ. وقيل: يخافُ المطر من يتضرر به كالمسافر، ومن في جرابه التمر والزبيب، والحب، ويطمع فيه من له فيه نفعٌ. وقيل: يخاف منه في غير مكانه، وأمانه، يطمع فيه إذا كان في مكانه وأمانه، ومن البلدان إذا مطروا، قحطوا، وإذا لم يمطروا خصبوا. قال ابن الخطيب: «البرقُ جسمٌ مركبٌ من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ولا شك أنَّ الغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسمٌ باردٌ رطبٌ، والنَّار جسم حار يابس فظُورُ الضدِّ من الضد التام على خلافِ العقل، فلا بد من صانع مختاار يظهر الضدّ من الضدّ» . ثم قال: «ويُنْشِىءُ السَّحاب الثِّقَال» بالمطر، ويقال: أنشأ الله السحابة، فنشأت، أي: أبدأها فبدأت. قال الزمخشري: «السَّحابُ: اسم جنس الواحدة سحابة، والثقال: جمع ثقيلة؛

стр. 6786

لأنَّك تقول: سحابةٌ ثقيلةٌ وسحابٌ ثِقَال، كما تقول: امرأةٌ كريمة، ونساءٌ كِرام» . وقال البغوي: «السَّحاب جمع، واحدتها: سحابة، ويقال في الجمع: سُحُبٌ وسَحَائِبُ أيضاً، قال عليٌّ: السحاب غربال الماءِ» . فصل قال ابن الخطيب: «وهذا من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأنَّ هذه الأجزاء المائية إمَّا أن يقال: حدثيت في جو جو الهواءِ أو تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأوَّل وجب أن يكون [حدوثها] بأحداث محدث حكيم قادر، وهو المطلوب، وإن كان الثاني هو أن يقال: تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض، فلمَّا وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت، فثقلت، فرجعت إلى الأرض. فنقول: هذا باطلٌ؛ لأن الأمطار مختلفة، فتارة تكمون القطرات كبيرة، وتارة تكون صغيرة، وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة، وتارة تطول مدة نزول المطر، وتارة تقصر واختلاف الأمطار في هذه الصفِّات مع أنَّ طبيعة الأرض واحدة، وطبيعة الشمس واحدة فلا بد وأن يكون تخصيص الفاعل المختار، وأيضاً فالتَّجربة دلَّت على أنَّ للدعاءن والتَّضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً كما في الاستسقاء ومشروعيته، فعلمنا أنَّ المثؤر فيه [قدرة] الفاعل لا الطبيعة، والخاصية» . قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ﴾ قال أكثر المفسرين: الرَّعدُ اسم ملكٍ يسوقُ السَّحاب، والصوت المسموع تسبيحه. قال ابن عبَّاسٍ ﵁: «مَنْ سَمِعَ صوتَ الرَّعدِ فقال: سُبْحانَ الَّذي يُسبِّحُ الرَّعْدُ بحَمْدهِ والمَلائِكةُ مِنْ خِيفتهِ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قدير، فإنْ أصَابهُ صَاعِقةٌ فَعَلى دِينه» . وعن ابن عبَّاس: أنَّ اليهود سألت النبي ﷺ َ عن الرَّعدِ ما هو؟ . فقال صلى لله عليه وسلم «ملكٌ من الملائكةِ وُكِلَ بالسَّحابِ معهُ مخَارِيق من نَارِ يسُوقُ بِهَا السَّحابَ حيثُ شَاء اللهُ، قالوا: فَمَا الصَّوتُ الذي نَسْمَع؟ قال: زَجْرةُ السَّحابِ» . وعن الحسن: أنَّه خلق من خلق اكلله ليس بملكٍ.

стр. 6787

قال ابن الخطيب: «فعلى هذا القولِ: الرَّعدُ هو الملكُ الموكل بالساحب، وذلك الصَّوت يسمّى بالرَّعدِ، ويؤكد هذا ما روي عن النبيِّ صلى الله عليه سلم أنه قال:» إنَّ اللهَ يُنشِىءُ السَّحاب، فتَنْطِقُ أحسنَ النُّطقِ وتَضحَكُ أحسن الضِّحكِ فنُطقه الرَّعدُ وضِحْكهُ برق «. وهذا القول غير مستبعد؛ لأن عند أهل السنة البينة ليست شرطاً لحصولِ الحياة، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة، والعلم، والقدرة، والنُّطق في أجزاء السَّحاب، فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له، وكيف يستبعد ذلك، ونحن نرى أنَّ السمندل يتولد في النَّار، والضفادع تتولّد في الماءِ، والدُّوجة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة، وأيضاً: فإذا لم يبعد تسبيحُ الحِبالِ في زمن داود صلوات الله وسلامه عليه ولا تسبيح الحصى في زمن محمد ﷺ َ فكيف يبعدُ تسبيحُ السَّحاب؟ . وعلى هذا القول ففي هذا المسموع قولان: أحدهما: أنه ليس بملك؛ لأنَّه عطف عليه الملائكة فقال: ﴿والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ﴾ المعطوف عليه مغايرٌ للمعطوف. والثاني: لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة، وإنَّما أفرده بالذِّكر تشريفاً كقوله تعالى: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] . وقيل: الرعدُ اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإنَّه يسبحُ، قال تعالى ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] . وقيل: المراد من كون الرَّعد مسبحاً، أن من يسمع الرَّعد فإنَّه يسبح الله تعالى فلهذا المعنى أضيف التسبيح إليه. قوله: ﴿والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ﴾ ، أي: الملائكة يسبحون من خيفة الله، وخشيته، وقيل: أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله تعالى له أعواناً، فهم خائفون خاضعون طائعون. قال ابن عباسٍ ﵄: «خائفون من الله لا كخوف بني آدم، فإنَّ أحدهم لا يعرف من على يمينه، ومن على يساره لا يشغله عن عبادة الله طعامٌ، ولا شراب ولا شيء» . قال ابن الخطيب: «والمحققون من الحكماء يقولون: إنَّ هذه الآثار العلوية إنَّما هي تتمُّ بقوى روحانية فكليَّة، فللسّضحاب روح معيَّن في الأرواح الفلكيَّة يدبره، وكذا الرِّياح، وسائر الآثار العلوية، وهذا عين ما قلنا: إنَّ الرعد اسمٌ لملك من الملائكة يسبِّح الله تعالى.

стр. 6788

فالذي قاله المفسِّرون بهذه العبارة، هو عين ما ذكره المحققون من الحكماء، فيكيف يليق بالعاقل الإنكار؟» . قوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ كما أصاب أربد بن ربيعة. «الصَّواعِقَ» جمع صاعقة، وهي العذاب المهلك ينزل من البرقِ، فتحرق من تصيبه وتقدَّم الكلام عليه في أوَّل البقرةِ. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر الطُّفيل، وأربد بن ربيعة أخي أسد بن ربيعة كما قدمنا. واعلم أنَّ أمر الصاعقة عجيبٌ جدًّا؛ لأنَّها نارٌ تتولَّد في السَّحاب، وإذا نزلت من السَّحاب فربما غاصت في البحرِ، وأحرقت الحيتان. قال محمدُ بن عليّ الباقر: «الصَّاعقة تصيبُ المسلم، وغير المسلمِ، ولا تصيب الَّذاكر» . قوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله﴾ يجوز أن تكون الجملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك ويجوز أن تكون حالاً. وظاهر كالام الزمخشري أنَّها حال من مفعول «تَصِيبُ» فإنَّه قال: «وقيل: الواو للحال، أي: يصيب بها من يشاء في حال جدالهم» وجعلها غيره: حالاً من مفعول «يَشَاء» . فصل معنى الكلام: أنه تعالى بيَّن دلائل العلم بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى﴾ [الرعد: ٨] ، ودلائل كمال القدرة في هذه الآية، ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله﴾ يعنى أنَّ الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله. قيل: المراد بها الرَّد على الكافر يعني أربد بن ربيعة الذي قال: أخبرنا عن ربِّنا، أهو من نحاسٍ، أم من حديد، أم من درٍّ، أم من ياقوت، أم من ذهب؟ فنزلت الصاعقة من السماء؛ فأحرقته. وقيل: المراد جدالهم في إنكار البعث، وقيل المراد الرد على جدالهم في طلب سائر المعجزات. وقيل: المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. وسئل الحسن عن قوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصواعق﴾ الآية قال: كان رجلٌ من طواغيت العرب بعث إليه النبي ﷺ َ يقرّ بدعوته إلى الله ورسوله، فقال لهم: أخبروني عن رب محمدٍ، هذا الذي تدعُوني إليه، مِمَّ هو «من ذهبٍ، أو فضةٍ، أو حديدٍ أو نحاس؟

стр. 6789

فاستعظم القوم مقالته، فانصرفوا إلى النبيِّ ﷺ َ فقالوا: يا رسول الله: ما رأينا رجُلاً أ: فر قلبا، ولا أعتى على الله منه، فقال: ﷺ َ:» ارجعوا إليه «فرجعوا إليه؛ فجعل لايزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيب محمداً إلى رب لا أراه، ولا أعرفه! وانصرفوا، وقالوا: يا رسول الله: ما زادنا على مقالته الأولى، وأخبث. فقال ﷺ َ:» ارجعوا إليه «، فرجعوا إليه، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول هذه المقالة، إذا ارتفعت سحابة، فكانت فوق رءوسهم، فرعدت، وبرقت ورمت بصاعقة؛ فأحرقت الكافر، وهم جلوسٌ، فجاءوا يسعون؛ ليخبروا رسول الله صلى الله عليه سلم؛ فاستقبلهم قومٌ من أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم فقالوا:» احْترَقَ صَاحبُكُم «فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله إلى النبي ﷺ َ ﴿وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال﴾ . قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المحال﴾ هذه الجملة حال من الجلالة الكريمة، ويضعف استنأفها. وقأ العام: بكسر الميم وهو القوَّة والإهلاكُ. قال عبد المطلب: [الكامل] ٣١٧٢ - لا يَغْلبَنَّ صَلِبُهُمْ ... ومِحَالُهُمْ عَدواً مِحَالَك وقل الأعشى: [الخفيف] ٣١٧٣ - فَرْغُ نَبْغٍ يَهتزٌ في غُصُنِ المَجْدِ ... عَظيمُ النَّدى شديدُ المحالِ والمحال أيضاً: أشدُّ المكايدة، والممكارة، يقال: ما حله، ومنه تمحَّل فلان بكذا أي: تكلَّف له استعمال الحيلة. وقال أبو زيدٍ: هو النِّقمةُ. وقال ابن عرفة: هو الجدالُ، وفيه على هذا مقابلة معنوية كأنه قيل: وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحالِ. وقال عليٌّ ﵁: شديد الأخذ. وقال ابن عباسٍ ﵁ شديد المحال. وقال الحسن: نشديد الحقدِ. قالوا: وهذا لايصح للحقد؛ لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى إلَاّ أنَّه تقدم أنَّ أمثال هذه الكلمات إذا وردت في حقِّ الله تعالى فإنَّها تحمل على نهايات

стр. 6790

الأغراض لا على مبادي الأعراض، فيكون المراد بالحقد ههنا: هو أنه تعالى يريد إيصال الشَّر إليه، مع أنه أخفى عنه تلك الإرادة. وقال مجاهدٌ: شديد القوَّة. وقال أبو عبيدة: نشديد العقوبة. وقيل: شديد المكرِ، والمحال، والمماحلة، والمماكرة، والمغالبة. واختلفوا في ميمه: فالجمهور على أنَّها أصلية من المحل، وهو المكر، والكيد، وزنها فعال: كمِهَاد. وقال القتبيُّ: إنَّه من الحيلةِ، وميمه مزيدة، ك «مكان» من الكون، ثم يقال: تمكنت، وقد غلَّطه الأزهريُّ، وقال: لو كان: «مِفْعَلاً» من الحيلة لظهرت الواو، مثل: مرودةٍ، ومحولٍ، ومحودٍ. وقرأ الأعرج والضحاك بفتحها والظاهر أنه لغة في المكسورة، وهو مذهب ابن عباس ﵁ فإنه فسره بالحول كما تقدم، وفسره غيره: بالحيلة. وقال الزمخشري: «وقرأ الأعرج بفتشح الميم على أنه مفعل من: من حال يحول محالاً إذا احتال، ومنه:» أحْوَل مِنْ ذئْبٍ «أي: أشد حيلة، ويجوز أن يكون المعنى شديد الفقار، ويكون مثلاً في القوة، والقدرة كما جاء: فساعد الله أشد، وموساه أحد؛ لأن الحيوان إذا اشتد محاله كان منعوتاً بشدة القوَّة، والإضطلاع بما يعجز عنه غيره ألا ترى إلى قولهم: فقَرَتْهُ الفَواقِر، وذلك أنَّ الفقار عمود الظَّهر، وقوامه» . قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحق﴾ من باب إضافة الموصوف إلى صفة، والأصل له الدعوة الحق، كقوله ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: ١٠٩] على أحد الوجيهن. وقال الزمخشري فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيضُ الباطل، كما يضاف الكلمة إليه في قوله: «كَلمةُ الحَقُّ» . الثاني: أن تضاف إلى «الحقِّ» الذي هو «لله» على معنى: دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب. قال أبو حيَّان: «وهذا الوجه الثاني لا يظهر؛ لأنه مآله إلى تقدير: لله دعوة الله، كما تقول:» لزيد دعوة زيد «، وهذا التركيب لا يصحُّ» . قال شهاب الدين: «وأين هذا ممَّا قاله الزمخشريُّ حتى يرد عليه به» ؟ .

стр. 6791

فصل معنى قوله: «دَعْوةُ الحقِّ» ، أي لله دعوة الصدق. قال عليُّ: دَعْوةُ الحقِّ: التَّوحيد. وقال ابن عباس ﵁ شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدُّعاء بالإخلاص عند الخوف، فإنَّه لا يدعى فيه إلا أياه «، كما قال: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] . قال الماورديُّ: وهو أشبه لسياق الآية؛ لأنه قال: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يعنى الأصنام: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ ، أي لا يجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء. ﴿إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ . ضرب الله الماء مثلاً لما يأتيهم من الإجابة لدعائهم. قوله: ﴿والذين يَدْعُونَ﴾ يجوز أن يراد ب «الَّذينَ» المشركون، فالواو في: «يَدعُونَ» عائدة، ومفعوله محذوف، وهو الأصنام، والواو في «لا يستجيبون» عائدة على مفعول «تَدْعَونَ» المحذوف، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إيّاه معاملتهم، والتقدير: والمشركون الذي يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام وإلا استجابة كاستجابة باسط كفيه أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد، ولا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه، ويبلغ فاه، قال معناه الزمخشريُّ. وما ذكره أبو البقاء قريب من هذا، وقدر التقدير المذكور، قال: «والمصدر في هذا التقدير مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿لَاّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ [فصلت: ٤٩] وفاعل هذا المصدر مضمر، وهو ضمير الماءِ أي: لا يجيبونهم إلا كما يجيب الماء باسط كفيه إليه، والإجابة هنا كناية عن الانقياد» . وقيل: ينزلون في قلَّة فائدة دعائهم لآلهتهم منزلة من أراد أن يغرق الماء بيده؛ ليشرب، فيبسطها ناشراً أصابعه، ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء، ولم يبلغ مطلوبه من شربه. قال الفراء: المراد بالماء هاهنا: البئر؛ لأنَّها معدن الماءِ، ويجوز أن يراد ب «الَّذينَ»

стр. 6792

الأصنام أي: والآلهة، والذين يدعونهم من دون الله لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابة، والتقدير: كما تقدَّم في الوجه قبله. وإنَّما جمعهم جمع القعلاء؛ إمَّا للاختلاط، لأنَّ آلهتهم عقلاء وجماد، وإمَّا لمعاملتهم إيَّاها معاملة العقلاء في زعمهم، قالوا: الواو في «يَدعُونَ» للمشركين والعائد المحذوف للأصنام، وكذا واو: «يَسْتَجِيبون» . وقرأ اليزيديُّ عن أبي عمرو: «تَدْعُونَ» بالخطاب: «كبَاسِطٍ كَفَّيْهِ» بالتنوين وهي مقوية للوجه الثانين، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره. قوله: «ليَبْلُغَ» في: «بَاسط» ، وفاعل: «يَبلُغَ» ضمي الماء؟ قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ في «هُوَ» ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير الماءِ، والهاء في: «بِبَالغِه» للفم، أي: وما الماء ببالغ فيه. الثاني: أنه ضمير الفم، والهاء في «بِبالغِهِ» للماء، أي: وما الفم ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحالِ، فنسبةُ الفعلِ إلى كل واحد وعدمه صحيحان. الثالث: أن يكون ضمير الباسط، والهاء في: «بِبالغِهِ» للماء، أي: وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء. ولا يجوز أن يكون «هُوَ» ضمير «البَاسط» ، وفاعل «بِبَالغهِ» مضمراً والهاء في «بِبَالغهِ» للماء؛ لأنَّه حينئذٍ يكون من باب جريان الصِّفة على غير من هي له، ومتى كان كذلك لزم إبراز الفاعل، فكان التركيب هكذا: وما هو ببالغ الماء، فإن جعلنا الضمير في «ببَالغهِ» للماء؛ جاز أن يكون: «هُوَ» ضمير الباسط كما تقدَّم تقريره. والكاف في «كباسط» إما نعت لمصدر محذوف، وإما حال من ذلك المصدر، كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء: «والكاف في» كَباسطِ «إن جعلتها حرفاً كان فيها ضمير يعودُ على الموصوف المحذوف، وإن جعلتها اسماً لم يكن فيها ضمير» . قال شهابُ الدِّين: «وكون الكاف اسماً في الكلام، لم يقل به الجمهور، بل الأخفش. ويعني بالموصوف ذلك المصدر، والذي قدره فيما تقدَّم» . ثم قال: ﴿وَمَا دُعَآءُ الكافرين﴾ أصنامهم: ﴿إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ يضلّ عنهم إذا احتاجوا إليه، كقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ﴾ [فصلت: ٤٨] . وعن ابن عباس ﵁: ﴿وَمَا دُعَآءُ الكافرين﴾ ربهم: ﴿إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ ؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله .

стр. 6793

وقيل: ﴿إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ ؛ في ضياع لا منفعة فيه؛ لأنَّ الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم. قوله: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ الآية في المراد بهذا السجود قولان: أحدهما: السجود بوضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا القول، ففيه وجهان: د أحدهما: أنَّ اللفظ، وإن كان عامًّا إلا أنَّ المراد المؤمنون، فبعضهم يسجدُ لله طوعاً بنشاط، وبضعهم يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه، ويتحمل مشقَّة العبادة. وقيل: المراد بقوله: «طَوعاً» الملائكة، والمؤمنون، و «كَرْهاً» المنافقون، والكافرون الذين أكرهوا على السجود بالسَّيف. والثاني: أنَّ اللفظ عام. فإن قيل: ليس المراد: ﴿مَن فِي السماوات والأرض﴾ يسجد لله؛ لأن الكفَّار لا يسجدون. فالجواب من وجهين: الأول: أن المعنى أنه يجب على كلٍّ من في السموات، والأرض أن يعترف بعبودية الله، كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر: ٣٨] . والقول الثاني: أنَّ السُّجود عبارة عن الانقياد، والخضوع، وترك الامتناع، كلُّ من في السموات، والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنَّ قدرته، ومشيئته نافذة في الكُل. قوله: ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ إمَّا معفول من أجله، وإمَّا حال، أي: طائعين، كارهين وإمَّا منصوب على المصدر المؤكد بفعل مضمر. قوله: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ قرأ أبو مجلز: والإيصال، بالياء قبل الصَّاد وخرَّجها ابن جني على أنه مصدر «آصل» ، كضارب، أي: دخل في الأصيل، كأصبح أي: دخل في الصَّباح، و «ظِلالُهمْ» عطف على «من» ، و «بِالغُدوِّ» متعلق ب «يَسْجدُ» والباء بمعنى «فِي» ، أي: في هذين الوقتين. قال المفسرون: كل شخص سواء كان مؤمناً، أو كافراً فإنَّ ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرهاً وهو كاره. وقال الزجاج: «جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغيرِ الله، وظله يسجد لله» .

стр. 6794

وعند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق تعالى للظلال عقولاً، وأفهاماً تسجد بها، وتخشع كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح الله وظهر اسم التجلي فيها، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] . قال القشيري ﵀: «وفي نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكنُ أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأمَّا الظلال، فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير الحياة لها» . وقيل: المراد من سجود الظلال [ميلانها] من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاطِ الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة [مستسلمة] في طولها، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب، وإنَّما خص الغدو، والآصال بالذِّكر؛ لأنَّ الظلال إنما تعظم، وتكثر في هذين الوقتين «. و» الآصَال «جمع الأُصُل، والأُصل: جمع الأصيل، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. وقيل:» ظِلالُهمْ «، أي: أشخاصهم بالغدو، والآصال بالبكر والعشايا.

стр. 6795

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض﴾ الآية لما بيَّن أنَّ كل من في السَّموات، والأرض ساجد لله بمعنى كونه خاضعاً له؟ ، عدل إلى الرَّد على عبدة الأصنام فقال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله﴾ ولمَّا كان هذا الجواب يقرّ به المسئولُ ويعترف به، ولا ينكره، أمره ﵊ ُ أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتَّة. قال القشيري: «ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع، أي: سلهم عن خالق السموات والأرض؛ فإنه يسهل تقرير الحجة عليهم ويقربُ الأمر من الضرورة،
следующие страницы →