Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
فصل
معنى قوله: «دَعْوةُ الحقِّ» ، أي لله دعوة الصدق.
قال عليُّ: دَعْوةُ الحقِّ: التَّوحيد. وقال ابن عباس ﵁ شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدُّعاء بالإخلاص عند الخوف، فإنَّه لا يدعى فيه إلا أياه «، كما قال: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
قال الماورديُّ: وهو أشبه لسياق الآية؛ لأنه قال: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يعنى الأصنام: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ ، أي لا يجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء.
﴿إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ . ضرب الله الماء مثلاً لما يأتيهم من الإجابة لدعائهم.
قوله: ﴿والذين يَدْعُونَ﴾ يجوز أن يراد ب «الَّذينَ» المشركون، فالواو في: «يَدعُونَ» عائدة، ومفعوله محذوف، وهو الأصنام، والواو في «لا يستجيبون» عائدة على مفعول «تَدْعَونَ» المحذوف، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إيّاه معاملتهم، والتقدير: والمشركون الذي يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام وإلا استجابة كاستجابة باسط كفيه أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد، ولا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه، ويبلغ فاه، قال معناه الزمخشريُّ.
وما ذكره أبو البقاء قريب من هذا، وقدر التقدير المذكور، قال: «والمصدر في هذا التقدير مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿لَاّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ [فصلت: ٤٩] وفاعل هذا المصدر مضمر، وهو ضمير الماءِ أي: لا يجيبونهم إلا كما يجيب الماء باسط كفيه إليه، والإجابة هنا كناية عن الانقياد» .
وقيل: ينزلون في قلَّة فائدة دعائهم لآلهتهم منزلة من أراد أن يغرق الماء بيده؛ ليشرب، فيبسطها ناشراً أصابعه، ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء، ولم يبلغ مطلوبه من شربه.
قال الفراء: المراد بالماء هاهنا: البئر؛ لأنَّها معدن الماءِ، ويجوز أن يراد ب «الَّذينَ»
стр. 6792
الأصنام أي: والآلهة، والذين يدعونهم من دون الله لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابة، والتقدير: كما تقدَّم في الوجه قبله.
وإنَّما جمعهم جمع القعلاء؛ إمَّا للاختلاط، لأنَّ آلهتهم عقلاء وجماد، وإمَّا لمعاملتهم إيَّاها معاملة العقلاء في زعمهم، قالوا: الواو في «يَدعُونَ» للمشركين والعائد المحذوف للأصنام، وكذا واو: «يَسْتَجِيبون» .
وقرأ اليزيديُّ عن أبي عمرو: «تَدْعُونَ» بالخطاب: «كبَاسِطٍ كَفَّيْهِ» بالتنوين وهي مقوية للوجه الثانين، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره.
قوله: «ليَبْلُغَ» في: «بَاسط» ، وفاعل: «يَبلُغَ» ضمي الماء؟
قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ في «هُوَ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضمير الماءِ، والهاء في: «بِبَالغِه» للفم، أي: وما الماء ببالغ فيه.
الثاني: أنه ضمير الفم، والهاء في «بِبالغِهِ» للماء، أي: وما الفم ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحالِ، فنسبةُ الفعلِ إلى كل واحد وعدمه صحيحان.
الثالث: أن يكون ضمير الباسط، والهاء في: «بِبالغِهِ» للماء، أي: وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء.
ولا يجوز أن يكون «هُوَ» ضمير «البَاسط» ، وفاعل «بِبَالغهِ» مضمراً والهاء في «بِبَالغهِ» للماء؛ لأنَّه حينئذٍ يكون من باب جريان الصِّفة على غير من هي له، ومتى كان كذلك لزم إبراز الفاعل، فكان التركيب هكذا: وما هو ببالغ الماء، فإن جعلنا الضمير في «ببَالغهِ» للماء؛ جاز أن يكون: «هُوَ» ضمير الباسط كما تقدَّم تقريره.
والكاف في «كباسط» إما نعت لمصدر محذوف، وإما حال من ذلك المصدر، كما تقدم تقريره.
وقال أبو البقاء: «والكاف في» كَباسطِ «إن جعلتها حرفاً كان فيها ضمير يعودُ على الموصوف المحذوف، وإن جعلتها اسماً لم يكن فيها ضمير» .
قال شهابُ الدِّين: «وكون الكاف اسماً في الكلام، لم يقل به الجمهور، بل الأخفش. ويعني بالموصوف ذلك المصدر، والذي قدره فيما تقدَّم» .
ثم قال: ﴿وَمَا دُعَآءُ الكافرين﴾ أصنامهم: ﴿إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ يضلّ عنهم إذا احتاجوا إليه، كقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ﴾ [فصلت: ٤٨] .
وعن ابن عباس ﵁: ﴿وَمَا دُعَآءُ الكافرين﴾ ربهم: ﴿إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ ؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله .
стр. 6793
وقيل: ﴿إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ ؛ في ضياع لا منفعة فيه؛ لأنَّ الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.
قوله: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ الآية في المراد بهذا السجود قولان:
أحدهما: السجود بوضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا القول، ففيه وجهان: د
أحدهما: أنَّ اللفظ، وإن كان عامًّا إلا أنَّ المراد المؤمنون، فبعضهم يسجدُ لله طوعاً بنشاط، وبضعهم يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه، ويتحمل مشقَّة العبادة.
وقيل: المراد بقوله: «طَوعاً» الملائكة، والمؤمنون، و «كَرْهاً» المنافقون، والكافرون الذين أكرهوا على السجود بالسَّيف.
والثاني: أنَّ اللفظ عام.
فإن قيل: ليس المراد: ﴿مَن فِي السماوات والأرض﴾ يسجد لله؛ لأن الكفَّار لا يسجدون.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المعنى أنه يجب على كلٍّ من في السموات، والأرض أن يعترف بعبودية الله، كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر: ٣٨] .
والقول الثاني: أنَّ السُّجود عبارة عن الانقياد، والخضوع، وترك الامتناع، كلُّ من في السموات، والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنَّ قدرته، ومشيئته نافذة في الكُل.
قوله: ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ إمَّا معفول من أجله، وإمَّا حال، أي: طائعين، كارهين وإمَّا منصوب على المصدر المؤكد بفعل مضمر.
قوله: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ قرأ أبو مجلز: والإيصال، بالياء قبل الصَّاد وخرَّجها ابن جني على أنه مصدر «آصل» ، كضارب، أي: دخل في الأصيل، كأصبح أي: دخل في الصَّباح، و «ظِلالُهمْ» عطف على «من» ، و «بِالغُدوِّ» متعلق ب «يَسْجدُ» والباء بمعنى «فِي» ، أي: في هذين الوقتين.
قال المفسرون: كل شخص سواء كان مؤمناً، أو كافراً فإنَّ ظله يسجد لله.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرهاً وهو كاره.
وقال الزجاج: «جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغيرِ الله، وظله يسجد لله» .
стр. 6794
وعند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق تعالى للظلال عقولاً، وأفهاماً تسجد بها، وتخشع كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح الله وظهر اسم التجلي فيها، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
قال القشيري ﵀: «وفي نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكنُ أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأمَّا الظلال، فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير الحياة لها» .
وقيل: المراد من سجود الظلال [ميلانها] من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاطِ الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة [مستسلمة] في طولها، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب، وإنَّما خص الغدو، والآصال بالذِّكر؛ لأنَّ الظلال إنما تعظم، وتكثر في هذين الوقتين «.
و» الآصَال «جمع الأُصُل، والأُصل: جمع الأصيل، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس.
وقيل:» ظِلالُهمْ «، أي: أشخاصهم بالغدو، والآصال بالبكر والعشايا.
стр. 6795
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض﴾ الآية لما بيَّن أنَّ كل من في السَّموات، والأرض ساجد لله بمعنى كونه خاضعاً له؟ ، عدل إلى الرَّد على عبدة الأصنام فقال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله﴾ ولمَّا كان هذا الجواب يقرّ به المسئولُ ويعترف به، ولا ينكره، أمره ﵊ ُ أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتَّة.
قال القشيري: «ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع، أي: سلهم عن خالق السموات والأرض؛ فإنه يسهل تقرير الحجة عليهم ويقربُ الأمر من الضرورة،
стр. 6796
فإن عجز الجماد، وعجز كل مخلوق عن خالق السموات، والأرض معلوم» ؟
ولما بين الله أنَّه هو الرب لكلِّ الكائنات [قاله له] : قل لهم على طريق الإلزام للحجة فلم اتخذتم من دونه أولياء، وهي جمادات، وهي لا تملكُ لأنفسها نفعاً، ولا ضرًّا، ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة [لأنفسها، ودفع المضرة عن نفسها، فلأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة] لغيرها، ودفع المضرة عن غيرها بطريق الأولى، وإذا كانت عاجزة عن ذلك كانت عبادتها محض العبث، والسَّفه، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أنَّ الجاهل بمثل هذه الحجة لا يساوي العالم بها.
فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور﴾ قرأ الأخوان، وأبو بكر عن عاصم: «يَسْتَوِي» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، والوجهان واضحان باعتبار أن الفاعل مجازي التَّأنيث، فيجوز في فعله التذكير، والتأنيث، كنظائر له مرت. وهذه مثل ضربه اللهُ للكفَّار؟
قوله: «أمْ هَلْ» هذه أم المنقطعة، فتقدر ب «بل» ، والهمزة عند الجمهور، وب «بل» وحدها عند بعضهم، وقد تقدَّم تحريره، وهذه الآية قد يتقوى بها من يرى تقديرها ب «بَلْ» فقط بوقوع: «هَلْ» بعدها، فلو قدَّرناها ب «بَلْ» والهمزة لزم اجتماع حرفي معنى؛ فتقدرها ب «بل» وحدها، «ولا» تقويةٌ له، فإن الهمزة قد جامعت: «هَلْ: في اللفظ، كقوله الشاعر: [البسيط]
٣١٧٣ - ... ... ... ... ... ... ..... أهَلْ رَأوْنَا بِوادِي القُفِّ ذي الأكَمِ
فأولى أن يجامعها تقديراً.
ولقائل أن يقول: لا نسلم إنَّ:» هَلْ «هذه استفهاميَّة، بل بمعنى:» قَدْ «، وإليه ذبله جماعةٌ، وإن لم تجامعها همزة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر﴾ [الإنسان: ١] أي: قد أتى، فههنا أولى، والسماع قد ورد بوقوع:» هَلْ «بعد:» أم «وبعدمه. فمن الاول هذه الآية، ومن الثاني: ما بعدها من قوله:» أمْ جَعلُوا «.
وقد جمع الشاعر بين الاستعمالين في قوله: [البيسط]
стр. 6797
٣١٧٥ - هَلْ مَا عَلمْتَ ومَا اسْتُودعْتَ مكْتومُ ... أمْ حَبْلُهَا إذ نَأتْكَ اليَوْمَ مَصرُومُ
أمْ هَلْ كثيرٌ بَكَى لمْ يَقْضِ عَبرتَهُ ... إثْرَ الأحِبَّة يَوْمَ البَيْنِ مَشْكُومُ
فصل
قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ كذلك لايستوي المؤمن، والكافر: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور﴾ اي كما لا تستوي الظلمات والنور، لايستوي الكفر، والإيمان.
قوله: ﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ الجملة من قوله: «خَلقُوا» صفة ل: «شُرَكاءَ» ، ﴿فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: اشتبه ماخلقوه بما خلقه الله فلا يدرون ما خلق الله، وما خلق آلهتهمخ.
والمعنى: أنَّ هذه الأشياء الَّتي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتَّى يقولوا: إنها تشارك الله في الخالقيَّة؛ فوجب أن تشاركه في الإلهيَّة بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أنَّ هذه الأصنام لم يمصدر عنها فعلٌ، ولا خلق، ولا أثر ألبتة، وإذا كان كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهيَّة محض السَّفه، والجهل.
فصل
قال ابن الخطيب: «زعمت المعتزلة أنَّ العبد يخلق حركات، وسكنات مثل الحركات، والسكنات التي يخلقها الله، وعلى هذا التقدير: فقد ﴿جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ والله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذَّم، والإنكارِ؛ فدلت على أنَّ العبد لا يخلق أفعال نفسه» .
قال القاضي: «نحن وإن قلنا:» إنَّ العبد يخلق إلَاّ أنَّا لا نطلق القول بأنه يخلق كخلق الله؛ لأن أحداً ما يفعل كقدرة الله، وإنما يفعل لجلب منفعة، ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك؛ فثبت أنَّ بتقدير كون العبدِ خالقاً إلا أنَّه لا يكون خلقه كخلق الله، وأيضاً: فهذا الإلزامُ للمجبرة أيضاً؛ لأنَّهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسبٌ للعبد، وفعلٌ له، وهذا عين الشرك؛ لأنَّ الإله، والعبد في ذلك الكسب كالشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه أيضاً نصيبٌ، وهو أنه، تعالى إنَّما ذكر هذا الكلام عيباً للكفَّار أن يقولوا: إنَّ الله تعالى خلق هذا الكفر فينا؛ فلم يذمنا، ولم
стр. 6798
ينسبنا للجهل، والتقصير، مع أنه حصل فينا بغير فعلنا، ولا باختيارنا «.
والجواب عن الأول: هو أنَّ لفظ الخلق عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو عبارة عن التقديرين، وعلى الوجهين: فبتقدير أن يكون العبد محدثاُ، فإنه لا بد أن يكون حادثاً، أما قوله: والعبد وإن كان خالقاً إلَاّ أنه ليس خلقه كخلق الله تعالى.
قلنا: الخلق عبارةٌ عن الإيجاج التكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعلومٌ أنَّ الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، وحينئذ يصحُّ أن يقال: إنَّ هذا الذي هو مخلوقٌ للعبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى، ولا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلَاّ أنَّ حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في المماثلة من هذا الوجه، وهذا القدر يكفي في الاستدلال.
وأما قوله: «هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إنَّ فعل العبد مخولق لله تعالى» .
فنقول: هذا غير لازم؛ لأنَّ هذه الآية [دالة] على أنَّه لا يجوز ِأن يكون العبد مثلاً كخلق الله تعالى ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتَّة، فكيف يلزمنا ذلك؟ .
وأما قوله: «لو كان فعل العبد خلقاً لله لما حسن ذمُّ الكفَّار على هذا المذهب» .
قلنا: حاصلة يرجع إلى أنَّه لما حصل الوجود، وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل وهنو منقوض؛ لأنَّه تعالى ذمَّ أبا لهب على كفره مع أنَّه علم منه أنَّه يموت على الكفر، وخلاف المعلوم محال الوقوع.
قوله: ﴿قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الواحد القهار﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد مخولق لله تعالى؛ لأنَّ فعل العبد شيء، فوجب أن يكون خالقه هو الله تعالى وأيضاً: فقوله: ﴿وَهُوَ الواحد القهار﴾ لا يقال فيه: إنه تعالى واحد في أي المعاني، بل الواحد في الخالقية؛ لأن المذكور السابق هو الخالقية، فوجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه.
فصل
زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء.
قال الخطيب: «وهذا الخلاف ليس إلا في اللفظ، وهو أن اسم الشيء هل يقع عليه أم لا؟ فزعم قوم أنهن لا يقع، وجوّزه قومٌ» .
واحتج المانعون: بأنه لو كان شيئاً لوجب أن يكون خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وذلك محالٌ؛ فثبت أنه لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: إنَّ هذا عام دخله التخصيص؛ لأنَّ العام المخصوص إنَّما يحسن إذا كان
стр. 6799
المخصوص أقل من الباقي، وأحسن منه، كما يقال: هذه الرُّمَّانة مع أنَّه سقطت حبات ما أكلها، وههنا ذات الله أعلى الموجودات، وأشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقِّه.
واستدلُُّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ٍ والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة [فإنها] مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه مع أنه تعالى نصَّ على أنَّ مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيصٌ على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيءِ.
واستدلُّوا أيضاً بقوله تعالى:
﴿وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] قالوا: دلَّت على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أحد الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن؛ فوجب ألَاّ يجو دعاء الله بهذا اللفظ.
وتمسك من جوَّز إطلاق هذه التسمية عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] .
وأجاب الألولون: بأنَّ هذا سؤال متروك الجواب، وقوله: ﴿قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله.
فصل
تمسَّك المعتزلة بهذه الآية في أنَّه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة، وقالوا: لأنه لو حصل لله تعالى علم، وقدرة وحياة لكانت هذه الصفات إمَّا أن تحصل يخلق الله تعالى أو لا تحصل بخلق الله والأول باطل، وإلا لزم التسلسل، والثاني باطلٌ؛ لأنََّ قول الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] يتناول الذات، والصفات حكمنا بدخول التخصيص في ذات الله تعالى؛ فوجب أن يبقى على عمومه في سائر الأشياء، والقرآن ليس هو الله؛ فوجب أن يكون مخلوقاً لدخوله في هذا العموم.
والجواب أن يقال: أقصى ما في الباب أنَّ الصِّيغة عامة؛ لأن تخصيصها في حق صفات الله تعالى بالدلائل العقليَّة.
قوله تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ الآية لما شبَّه المؤمن والكافر، والإيمان، والكفر بالأعمى، والبصير، والظلمات، والنور، ضرب للإيمان، والكفر مثلاً آخر فقال: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ «أنْزلَ» يعني الله: ﴿مِنَ السمآء مَآءً﴾ يعني المطر «فَسَالتْ» من ذلك الماء: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: في الصغر، والكبر ﴿فاحتمل السيل﴾ الذي حدث من ذلك الماء: ﴿زَبَداً رَّابِياً﴾ الزّبد: الخبث الذي يظهر على وجه الماء وكذلك على وجه القدر «رَابِياً» أي: عالياً مرتفعاً فوق الماءِ، فالماءُ الصًّافي الباقي هو الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار، وجوانب الأودية هو الباطل.
стр. 6800
وقيل: هذا مثل القرآن: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ وهو القرآن، والأودية: قلوب العباد، يريد: ينزل القرآن، فيحتمل منه القلوب على قدر اليقينِ، والعقل والشك وكما أنَّ الماء يعلوهُ زيدٌ، والأجساد يخالطها خبثٌ، ثمَّ إنَّ ذلك الزبد، والخبث يذهب، ويضيع، ويبقى جوهر الماء، وجوهر الأجساد السبعة، كذلك ههنا بيانات القرآن يختلط بها شكوك وشهبات، ثمَّ إنها تزول بالآخرة وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة في العاقبة كذلك ههنا؟
قوله: «أوْديَةٌ» جمع وادٍ، وجمع فال على أفعلة، قال أبو البقاءِ: «شاذٌّ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف. ووجهه: أنَّ فاعلاً قد جاء بمعنى فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كَجرِيب وأجْرِبَة كذلك فاعل» .
قال شهابُ الدين: «قد سمع فَاعِلَة، وأفْعِلَة في حرفين آخرين:
أحدهما: قولهم جَائِر وِأجْوِرَة.
والثاني: نَادجٍ وأنْجِيَة» .
وقال الفارسي: «أودية: جع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفْعِلَة، قال:» ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل، وفعيل على الشيء الواحد، كعَالِم وعَلِيم، وشَاهِد وشَهِيد، ونَاصِر ونَصِير، ووزن فاعل يجمع على أفعالٍ كصاحب وأصحابٍ، وطائرْ وأطيارٍ، [ووزن] فعيلٍ يجمع على أفْعِلَة كجَرِيبٍ، وأجْرِبَة، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل، وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع العفيل، فيقال: وادٍ وأودية، ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يَتِيمٌ وأيْتامٌ، وشَرِيفٌ وأشْرافٌ «.
وقال غيره: ن ظير وادٍ، وأوْدِيَة: نادٍ، وأنْديَة للمجالس وسمي وادِياً: لخروجه وسيلانه، والوادي على هذا اسم للماء السَّائل.
وقال أبو علي:» سَالتْ أوْديةٌ «فيه توسع، أي: يسالُ ماؤها فحذف، ومعنى» بِقدَرِهَا «أي: بقدر مياهها؛ لأنَّ الأودية ما سالت بقدرِ نفسها» .
قوله: «بِقَدِرهَا» فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلقٌ ب: سَالَتْ «.
والثاني: أنَّه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفةٌ للأودية.
وقرأ العامة بفتح الدال، وزيد بن عليّ، والأشهب العقيلي، وأبو عمرو في رواية بسكونها، وقد تقدَّم في البقرة.
قال الواحدي ﵀: القَدْرُ والقَدَر: مبلغ الشَّيء، يقال: كم قَدْر هذه الدَّراهم
стр. 6801
وقَدَرُهَا ومِقْدَارُها؟ أي: كم بلغ في القدر وما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قَدرُوهَا» .
والمَعنى: بدقرها، من الماء فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتَّسع الوادي كثر الماء.
و «احْتَمَلَ» بمعنى حَمَلَ فافتعل بمعنى المجرَّرد، وإنَّما نكَّر الأودية، وعرف السيل؛ لأنَّ المطر ينزلُ في البقاع على المناوبة، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض، وعرف السي؛ لأنه قد فهم من الفعل قبله، وهو قوله: «فَسَالَتْ» ، وهو لو نُكِّر لكان نكرة، فلمَّا أعيد أعيد بلفظ التَّعريف نحو «رَأْتَ رجُلاً فأكْرَمْتُ الرَّجُلَ» .
والزَّبدُ: وضرُ الغليان وخبثه؛ قال النابغة: [البسيط]
٣١٧٦ - فَمَا الفُرَاتُ إذا هَبَّ الرِّياحُ لَهُ ... تَرْمِي غَوارِبهُ العِبْرَيْنِ بالزَّبدِ
وقيل: هو ما يحمله السِّيل من غثاءٍ ونحوه، وما يرمى به ضَفَّتاه من الحباب، وقيل: هو ما يطرحه الوادي إذا [سال] ماؤه، وارتفعت أمواجه، وهي عباراتٌ متقاربةٌ.
والزَّبدُ: المستخرج من اللَّبن. قيل: هو مشتقٌّ من هذه لمشابهته إيَّاه في اللون، ويقال: زبدته زبداً، أي: أعطيته مالاً كالزَّبدِ يضرب به المثل في الكثرةِ، وفي الحديث: «غُفِرتْ ذُنوبهُ، ولوْ كَانتْ مِثْلَ زَبدِ البَحْرِ» .
وقوله تعالى: «رَابِياً» قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماءِ «.
وقال غيره: زائداً بسب انتفاخه، يقال: رَبَا يربُوا إذا زاد.
قوله ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ هذا الجار خير مقدم، و» زَبدٌ «مبتدأ، و» مثْلُهُ «صفة المبتدأ، والتقدير: ومن الجواهر التي هي كالنُّحاسِ، والذهب، والفضة زبد، أي: خبثن مثله، أي:» مِثْل زبدِ الماءِ «.
و «مِنْ» في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ تحتمل وجهين:
[أحدهما] : أن تكون لابتداء الغاية، أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماءِ.
والثاني: أنَّها للتبعيض بمعنى: وبعض زبد، هذا مثل آخر.
فالأول: ضرب المثل بالزَّبد الحاصل من المثال، ووجه المماثلة: أنَّ كلَاّ منهما ناشىء من الأكدار.
وقرأ الأخوان، وحفص: «يُوقدُون» بالياء من تحت، أي: النَّاس، والباقون بالتاء من فوق على الخطاب، و «عَليْهِ» متعلق ب: «تُوقِدُونَ» .
стр. 6802
وأمَّا «فِي النَّار» ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه متعلق ب «تُوقِدُونَ» وهو قول الفارسي، والحوفي، وأبي البقاء.
والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: كائناً، أو ثابتاً، قاله مكيٌّ، وغيره ومنعوا تعلُّقه ب «يُوقِدُونَ» ؛ لأنهم زعموا أنَّه لا يوقد على الشَّيء إلا وهو في النَّار، وتعليق حرف الجر ب «تُقِدُونَ» يقتضي تخصيص حال من حال أخرى، وهذ غيرُ لازمٍ.
قال أبو علي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وقد يُوقَدُ على الشَّيء، وِإن لم يكن في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ [القصص: ٢٨] فالطينُ لم يكن [فيها] ، وإنَّما يصيبه لهبها، وأيضاً: فقد يكون ذلك على سبيل التَّوكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والمراد بالحيلةِ: الذهب، والفضة، والمتاع: كل ما يتمتع به.
قوله: «ابْتِغاءَ حِليَةةٍ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه مفعول من أجله.
والثاني: أنه مصدر في موضع الحالِ، أي: مبتغين حلية، و «حِليَةٍ» مفعولٌ [في] المعنى، «أوْ مَتاعٍ» نسق على «حِيلْيةٍ» .
فالحِليَةُ: ما تتزين به. والمتَاعُ: ما يقضون به حوائجهم كالمساحي من الحديد ونحوها.
قوله: «جُفَاءً» حالٌ، والجفاء: قال ابن الأنباري: المتفرق، يقال: جفأتِ الرِّح السَّحاب، أي: قطعته وفرقته، وقال الفراء: الجفاءُ: الرَّمي، والاطراحُ.
يقال: جَفَا الوادي، أي: غُثَاءه يجفوهُ: جفاءً، إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه [المنضمّ] بعضه إلى بعض، ويقال: جفَأتِ القِدرُ بزُبْدِهَا تَجْفَأ، وحفاءُ السَّيل: زبده، وأجْفَأ وأجْفَلَ وباللام قرأ رؤبة بن العجاج.
قال أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة؛ لأنَّه كان يأكل الفأر، يعني أنه أعرابي جاف وقد تقدم ثناء الزمخشري عليه أوَّل البقرة، وذكروا فصاحته، وقد وجَّهوا قراءته بأنها من أجفأت الرِّح الغيم، أي: فرقته قطعاً، فهي في المعنى كقراءة العامة بالهمزة.
وفي همزة «جَفَأ» وجهان:
أظهرهما: أنها أصل لثبوتها في تصاريف هذه المادة.
والثاني: أنه بدل من واو، وكأنه مختار أبي البقاء.
وفيه نظر؛ لأن مادة «جَفَا يَجْفُو» لا يليقُ معناها، والأصل: عدم الاشتراك.
فصل
المعنى: أنَّ الباقي الصَّافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزَّبد الذي لا ينتفعُ به
стр. 6803
مثل الباطل، فأمَّا الزَّبد الذي علا السيل والفلز، فيذهب جفاء، أي: ضائعاً باطلاً، والجفاء، ما رمى به الوادي من الزَّبد، والقدر إلى جنباته.
والمعنى: أنَّ الباطل، وإن علا في وقت فإنه يضمحلُّ، ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشُّبهات.
قوله: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله﴾ الكاف في محل نصب، أي: مثل ذلك الضَّرب يضربُ.
قيل: إنَّما تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ ثم استأنف الكلام بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ وملحه الرفع بالابتداء، و «للذين» خبره، وتقديره: لهم الخصلة الحسنى، أو الحالة الحسنى.
وقيل: متصل بما قبله، والتقدير: كأنه الذي يبقى، وهو مثل المستجيب، والذي يذهب جفاء مثل الذي لا يستجيب، ثمَّ بين الوجه في كونه مثلاً، أي: لمن يستجيب «الحُسْنَى» وهي الجنَّة، ولمن لا يستجيب الحسرة والعقوبة.
وفيه وجه آخر: وهو أنَّ التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى، أي: الاستجابة الحسنى.
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء، فهي قوله جل ذكره: ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ ، أي: أنَّ الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد، والتزام الشرائع، فلهم الحسنى.
قال ابن عبَّاس: «الحُسْنَى» الجنَّة.
وأمَّا أحوال الأشقياء، فهي قوله : ﴿والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ﴾ ، أي لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ استجابوا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه متعلقٌ ب «يَضْرِبُ» ، وبه بدأ الزمخشري قال: «أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا؛ وللكافرين الذين لم يستجيبوا، و» الحُسْنَى «صفة لمصدر» اسْتَجَابُوا «، أي: استجابوا الاستجابة الحسنى، وقوله ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين» .
قال أبو حيان: «والتفسير الأول أولى» يعني به أن «لِلَّذينَ» خبرٌ مقدمٌ و «الحُسْنَى» متبدأ مؤخَّر كما سيأتي.
إيضاحه قال: «لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين، والله تعالى قد
стр. 6804
ضرب أمثالاً كثيرة في هذهي وفي غيرهما؛ ولأنَّ فيه ذكر ثواب المتسجيبين بخلاف قول الزمخشري، فكما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب ذكر للمستجيبين من الثواب؛ ولأن تقديره: الاستجابة الحسنى مشعرٌ بتقييد الاستجابةِ وما قبلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً، إنما مقابلها نفي الاستجابة الحسنى، والله قد
نفى الاستجابة مطلقاً، ولأنه على قوله يكون قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ كلاماً مفلتا ممَّا قبله، أو كالمفلتِ، إذ يصير المعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين، والكافرين لو أنَّ لهم ما في الأرض، فلو كان التركيب بحذفِ رابط» لو «بما قبلها زال التفلت، وأيضاً: فتوهم الاشتراك في الضمير، وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً» .
قال شهاب الدين: «قوله:» لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيَّد «ليس ف يقول الزمخشري ما يقتضي التّقييد، وقوله: لأن فيه ذكر ثواب المستجيبين إلى آخر ما ذكره الزمخشري أيضاً. على أن يؤخذ من فحواه ثوابهم، وقوله:» والله تعالى نفي الاستجابة مطلقاً «ممنوع، بل نفى تلك الاستجابة الأولى لا يقال: فثبتت لنا استجابة غير حسنى؛ لأنَّ هذه الصفة لا مفهوم لها، إذ الواقع أنَّ الاستجابة لله لا تكون إلا حسنى.
وقوله:» يصيرُ مُفْلتاً «كيف يكون مع قولِ الزمخشريِّ مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لهم، وقوله» وأيضاً فيتوهَّم الاشتراك «كيف يتوهّم هذا بوجه من الوجوه؟ وكيف يقول ذلك مع قوله: وإن كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً؟ فإذا علم كيف يتوهَّم؟» .
والوجه الثاني:: أن يكون «لِلَّذينَ» خبراً مقدماً، والمبتدأ «الحُسْنَى» ، و ﴿والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ مبتدأ، وخبره الجملة الامتناعيَّة بعده.
وإنَّما خصَّ بضرب الأمثال الذين استجابوا لانتفاعهم دون غيرهم ومفعول «افتَدَوا» محذوف، تقديره: لا فتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والهاء في «بِهِ» عائد إلى: «مَا» في قوله: «مَافي الأرضِ» .
ثم قال: ﴿أولئك لَهُمْ سواء الحساب﴾ .
[قال الزجاج: وذلك لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال إبراهيم النخعي ﵁: سوء الحساب] أن يحاسب الرجل بذنبه كله، ولا يغفر له منه شيء «ومَأوَاهُمٍ» في الآخرة: ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد﴾ والفراشُ، أي: بئس ما مهد لهم.
стр. 6805
قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق﴾ الآية قد تقدَّم تقرير القولين في «أفَلمْ» وهو نظيرُ «أفَمَنْ» ، ومذهب الزمخشريِّ فه بعد هنا.
والمعنى: أنَّ العالم بالشَّيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا مشى من غير قائدٍ، فرُبَّما وقع في المهالك، أو أفسد ما كان في طريقهن من الأمتعة النافعة، وأمَّا البصير، فإنه يكون آمناً [الهلاك] ، والإهلاك.
قيل: نزلت في حمزة، وأبي جهلٍ، وقيل: في أبي عمَّار، وأبي جهلٍ، فالأوَّل حمزة، أو عمَّار، والثاني: أبو جهل، وهو الأعمى، أي: لا يستوي من من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصره، ولا يتبعه. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ ذوو العقول.
﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ بما أمرهم به، وفرضه عليهم، ولا يخالفونه. ويجوز أن يكون قوله: ﴿الذين يُوفُونَ﴾ صفة ل «أولي الألباب» ، ويجوز أن يكون صفة لقوله : ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق﴾ .
وقيل: ﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ مبتدأ: و ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾ خبره لقوله تعالى: ﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ [الرعد: ٢٥] أولئك لهم اللعنة. وهذه الآية من أوَّلها إلى آخرها جملة واحدة شرطيَّة، وشرطها مشتملٌ على قيودٍ.
القيد الأول قوله: ﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ قال ابن عباسٍ ﵁: يريد الذين عاهدهم حين كانوا في صلب آدم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ٣٢] وقيل: المراد ب «عَهْدِ اللهِ» كل أمرٍ قام الدليل على صحَّته.
والقيد الثاني: قوله سبحانه: ﴿وَلَا يِنقُضُونَ الميثاق﴾ ، وهذا قريبٌ من الوفاء بالعهد؛ فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق؛ فهما متلازمان.
وقيل: الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه من الطاعات كالنذر، والوفاء بالعهد ما كلف العبد به ابتداء.
وقيل: الوفاءُ بالعهدِ: عهد الربوبيَّة، والعبودية، والمراد بالميثاق: المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد ﷺ َ عند ظهوره.
стр. 6806
وقيل: المراد من الوفاء بالعهد: أن لا يغدر فيه، قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «مَنْ عَاهدَ اللهَ فَغَدرَ كَانَ فِيهِ خَصْلةٌ مِنَ النِّفاقِ» .
القيد الثالث: قوله تعالى: ﴿والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ .
قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل، و: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
وقال الأكثرون: المراد صلة الرَّحم.
فِإن قيل: الوفاء بالعهد، وترك نقض الميثاقِ اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات، والاحتراز عن كل المنهيات. فما الفائدة في ذكر هذه القيود بعدهما؟
فالجواب من وجهين:
[الأول] : ذكر ذلك لئلا يظنَّ طانٌّ أنَّ ذلك، فيمابينهن، وبين ربه، فلا جرم أفرد ما بينه، وبين العباد، بالذكر.
والثاني: أنه تأكيدٌ، وفي [تفسير] هذه الصِّلة وجوه:
أحدهما: صلة الرَّحم، قال صلوات الله وسلامه عليه حاكياً عن ربِّه أنا الرَّحمنُ، وهِيَ الرَّحمُ شققتُ لها اسماً من اسْمِي فمنْ وصلها وصلتهُ ومن قَطهَا [قَطَعْتُهُ] قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] .
وقال ﷺ َ: «ثَلاثَةٌ يَأتِينَ يَوْمَ القِيامة لها ذَلَق: تأتي الرَّحِمُ تقول: أيْ ربِّ قُطِعْتُ، والأمَانَةُ تقول: أي ربِّ تُركت، والنِّعمة تقول: أي ربِّ كُفِرْتُ» .
وثانيها: المراد صلة محمدٍ ﷺ َ ومؤازرته ونصرته في الجهادِ.
وثالثاً: رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرَّحم، وأخوة الإيمان قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ويدخل في هذه الصلة أيضاً إمدادهم بالخيرات، ودفع الآفات بقدر الإمكان، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، وإفشاء السلام والتبسم في وجوههم، وكف الأذى عنهم، ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة، والدجاجة.
القيد الرابع: قوله: «وَخْشَوْنَ ربَّهُمْ» معناه: أنَّ العبد، وإن قام بكُلِّ ما جَاءَ عليه
стр. 6807
من تعظيم الله، والشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد من وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستويان.
والفرق بين الخشية، والخوف: أنَّ الخشية أن تخشى وقوع خلل إمَّا بزيادةٍ، أو نقصٍ فيما يأتي به، والخوفُ: هو مخافة الهيبة والجلال.
القيد الخامس: قوله : ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ .
وهذا القيد هو المخافة من سوءِ الحسابِ، وهو خوف الجلال، والعظمة، والمهابة، وإلا لزم التكرار.
القيد السادس: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ .
قال ابن عبَّاسِ ﵄: «عَلى أمْرِ اللهِ» . وقال عطاء: «على المصائب» . وقيل: على الشَّهوات.
واعلم أنَّ العبد قد يصبر لوجوه:
إما أن يصبر ليقال: ما أصبره، وما أشد قوته على تحمل النَّوائب.
وإما أن يصبر لئلا يعاب على الجزع.
وإما أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء، وإما أن يصبر لعلمه أنَّ الجزع لا فائدة فيه.
فإذا كان أتى بالصَّبر لأحد هذه الوجوه، لم يكن داخلاً في كمالِ النفس، أمَّا إذا صبر على البلاء لعلمه أن البلاء قسمة القاسم الحكيم العلام المنزه عن العبث، الباطل، والسَّفه وأنَّ تلك القسمة مشتملةٌ على حكمةٍ بالغةٍ، ومصلحةٍ راجحةٍ، ورضي بذلك؛ لأنَّه لا اعتراض على المالك في تصرُّفه في ملكه، فهذا هو الذي يصدق عليه أنه صبر ابتغاء وجه ربه؛ لأنه صبر لمجرَّد طلب رضوان الله.
القيد السابع: قوله تعالى: ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ واعلم أنَّ الصَّلاة، والزَّكاة، وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى، إلَاّ أنه تعالى أفردهما بالذِّكر تنبيهاً على كونهما أشرف سائر العبادات، ولا يتمنع دخول النَّوافل فيه أيضاً.
القيد الثامن: قوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾ قال الحسنُ رضي اكلله عنه: المراد الزكاة المفروضة فِإن لم يتَّهم بتركها أدَّاهَا سرًّا، وإن اتهم بتركها فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل: السرُّ: ما يؤديه بنفسه، والعلانية: ما يؤديه إلى الإمام.
وقيل: العلانية: الزكاة، والسر: صدقة التَّطوع.
القيد التاسع: قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾ قيل: إذا أتوا المعصية، درءوها، أو دفعوها بالحسنة.
стр. 6808
قال ابن عباس ﵄: «يدفعون بالصَّالح من العمل السيّىء من العمل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: ١٤] .
وقال صلوات الله وسلامه عليه لمعاذ بن جبلٍ ﵁:» إذا عَملْتَ سَيِّئةً فاعْمَلْ بِجَنْبهَا حَسَنةً تَمْحُهَا، السِّرُّ بالسِّرِّ، والعَلانيةُ بالعَلانِيَة «.
وقيل: لا تقابلوا الشَّر بالشَّر، بل قابلوا الشَّر بالخير، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: ٧٢] ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] قال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا.
قال عبد الله بن المبارك ﵁:» فهذه ثماني خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنَّة «.
واعلم أنَّ هذه القيود هي القيودُ المذكورة في الشَّرط، وأمَّا القيودُ المذكورة في الجزاء، فهي قوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾ ، أي عاقبة الدار، وهي الجنَّة.
قال الواحديُّ:» العُقْبَى كالعاقبة، ويجوز أن يكون مصدراً كالشُّورى والقُربى والرُّجعى، وقد يجيء مثل هذا أيضاً على «فَعْلَى» كالنَّجْوى والدَّعوى وعلى «فِعْلَى» كالذِّكرى والضِّيزى، ويجوز أن يكون اسماً وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعاقب أحوالهم الدار التي هي الجنة «.
قوله:» أؤْلئِكَ «مبتدأ، و» عُقْبَى الدَّارِ «يجوز أن يكون مبتدأ خبره الجار قبله والجملة خبر» أوْلئِكَ «، يجوز أن يكون» لهم «خبر» أولئك «و» عقبى «فاعل بالاستقرار. قوله:» جنات عدن «يجوز أن يكون بدلاً من» عُقْبَى «وأن يكون بياناً، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون متبدأ خبره» يَدْخُلونهَا «.
وقرأ النخعي:» جَنَّة «بالإفراد، وتقدم الخلاف في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ١٣] والجملة من» يَدْخُلونَهَا «تحتمل الاستئناف أو الحالية المقدرة.
قوله:» ومَنْ صَلَحَ «يجوز أن يكون مرفوعاً عطفاً على الواو، وأغنى الفصل بالمفعول عن التأكيد بالضمير المنفصل، وأن يكون منصوباً على المفعول معه، وهو مرجوح.
стр. 6809
وقرأ ابن أبي عبلة» صَلُحَ «بضم اللام، وهي لغة مرجوحة.
قوله: ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾ في محل الحال من» مَنْ صَلَحَ «و» مِنْ «لبيان الجنس.
وقرأ عيسى الثقفي: «ذُرِّيتَهُم» بالتوحيد؟
فصل
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ هو القيد الثاني، وقد تقدم الكلام في ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ عند قوله ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] .
والقيد الثالث: هو قوله «ومَنْ صَلَحَ» قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعلم مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: «بين تعالى أن الأنتساب لا تنفع إذا لم يحصل معه أعمال صالحة» ، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصاحلة.
قال الواحدي: «والصحيح ما قاله ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع، الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، فلا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان صالحاً في عمله فهو يدخل الجنة» .
قال ابن الخطيب: «وهذه الحجة ضعيفة؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سروراً وبهجة، فإذا بشر الله المكلف أنه إذا دخل الجنة يجد أباه وأولاده، فلا شك يعظم سروره بذلك وهذا الذي قاله وإن كان فيه مزيد سرور، لكنه إذا علم أنهم إنما دخلوا الجنة إكراماً له كان سروره أعظم وبهجته أتم» .
قوله: «وأزْوَاجُهُمْ» ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، قاله ابن الخطيب.
وفيه نظر؛ لأنه لو مات عنها فتزوجت بعده غيره لم تكن من أزواجه، بل الأولى أن يقال: إن من ماتت في عصمته فقط.
والقيد الرابع: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ [قيل: من أبواب الجنة، وقيل: من أبواب القصور، وقال الأصم: من كل باب] من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر، يقولون: نعم ما أعقبكم الله بهذه الدار.
стр. 6810
فصل
تمسّك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: ِإنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم والسلام، فكانوا أجل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم موجباً علو درجتهم وشرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره أو مرضه فعاده الأمير والوزير والقاضي والمفتي فتعظم درجته عند سائر الناس فكذا هاهنا.
قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ الآية قال الزجاج: «ههنا محذوف تقديره والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون: سلام عليكم، فأضمر القول ههنا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه والجملة محكية بقول مضمر والقول المضمر حال من فاعل» يَدخُلون «أي يدخلون قائلين. قوله» بِمَا صَبرْتُمْ «متعلق بما تعلق به» عَلَيْكُمْ «.
قال ابن الخطيب: متعلق بمحذوف، أي: أن هذه الكرامات التي ترونها إنما حصلت بصبركم و «ما» مصدرية، أي: سبب صبركم، ولا يتعلق ب «سَلامٌ» ، لأنه لا يفصل بين المصدر ومعموله بالخبر قاله أبو البقاء.
وقال الزمخشري: «ويجوز أن يتعلق ب» سَلامٌ «أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم» .
ولما نقله عنه أبو حيان لم يعترض عليه بشيء. والظاهر أنه لا يعترض عليه بما تقدم لأن ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري وفعل هذا المصدر ليس من ذلك، والباء إما سببية كما تقدم، وإما بمعنى بدل أي: بدل صبركم، أي: بما احتملتم مشاق الصبر؟
وقيل: «بمَا صَبَرتُم» خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا [الثواب] الجزيل بما صبرتم.
وقرأ الجمهور: «فَنِعْمَ» بكسر النون وسكون العين، وابن يعمر بالفتح والكسر وقد تقدم أنها الأصل؛ كقوله: [الرمل]
٣١٧٧ - ... ... ... ... ... ... . ... نَعِمَ السَّاعُون في الأمْرِ الشُّطُرْ
وابن وثاب بالفتح والسكون، وهي تخفيف الأصل، ولغة تميم تسكين عين فعل مطلقاً والمخصوص بالمدح محذوف، أي: الجنة.
стр. 6811
قوله: ﴿والذين يَنقُضُونَ﴾ مبتدأ، والجملة من قوله ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ خبره، والكلام في «اللعنة» تقدم في «عُقْبَى الدَّارِ.
ولما ذكر صفة السعداء وما يترتب عليها من الأحوال الشريفة، ذكر صفة الأشقياء وما يترتب عليها من الأحوال المخزية، وابتع الوعد بالوعيد فقال ﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وقد تقدم أن عهد الله ما ألزم عباده مما يجب الوفاء به وهذا في الكفار، والمراد من نقض العهد: ألا ينظر في الأدلة وحينئذ لا يكون العمل بموجبها أو ينظر ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق، والمراد من قوله:» مِن بَعْدِ ميثاقهِ «أن وثق الله تلك الأدلة وأحكامها.
فإن قيل: العهد لا يكون إلا مع الميثاق، فما فائدة اشتراطه بقوله: ﴿مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ ؟ .
فالجواب: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف العبد به والمراد بالميثاق الأدلة؛ لأنه تعالى قد يؤكد [العهد] بدلائل أخر سواء كانت تلك المؤكدات دلائل عقلية أو سمعية.
ثم قال ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ فيدخل فيه قطع كل ما أوجب الله وصله مثل: أن يؤمنوا ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض، ويقطعون وصل الرسول بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام وسائر ما تقدم.
ثم قال: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ إما بالدعاء إلى غير دين اكلله وإما بالظلم كما في النفوس والأموال وتخريب البلاد ثم قال: ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ وهي الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ وهي جنهم.
قوله ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ الآية لما حكى عن ناقضي العهد في التوحيد والنبوة بأنهم ملعونين ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل: لو كان أعداء الله لما أنعم عليهم في الدنيا؟ فأجاب الله تعالى عنه بهذه الآية وهو أنه تعالى يبسط الرزق على البعض، وبسط الرزق لا تعلق له بالكفر والإيمان، فقد يوجد الكافر موسعاً عليه دون المؤمن، والدنيا دار امتحان.
стр. 6812
قال الواحدي:» ومعنى القدر في اللغة: قطع الشيء على مساوة غيره من غير زيادة ولا نقصان «.
وقال المفسرون في معنى» يَقْدرُ «ههنا: يضيق، لقوله ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] ومعناه: أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء.
وقرأ زيد بن علي:» ويَقْدُر «بضم العين.
قوله:» وفَرِحُوا «هذا استئناف إخبار. وقيل: بل هو عطف على صلة» الذين «قبل.
وفيه نظر؛ من حيث الفصل بين أبعاض الصلة بالخبر، وأيضاً: فإن هذا ماض وما قبله مستقبل ولا يدعي التوافق في الزمان إلا أن يقال: المقصود استمرارهم بذلك أو أن الماضي متى وقع صلة صلح [للماضي] والاستقبال.
قوله «فِي الآخِرَةِ» ، أي في جنب الآخرة.
«إلَاّ مَتاعٌ» وهذا الجار في موضع الحال تقديره: وما الحياة القريبة الكائنة في جنب الآخرة إلا متاع ولا يجوز تعلقه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان إلا في الآخرة.
ومعنى الآية: أن [مشركي] مكة أشروا وبطروا، والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام محال ﴿وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلَاّ مَتَاعٌ﴾ أي قليل ذاهب.
قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ ألآية اعلم أن كفار مكمة قالوا: يا محمد فأجابهم الله بقوله ﴿إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ .
وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه:
أحدها: كأنه يقول: إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، لكن [الإضلال] والهداية من الله فأضلهم عن تلك الآيات وهدى إليها آخرين، فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات.
وثانيها: أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام كانت أكثر من أن تصير مشتبه على العاقل فلما طلبوا بعدها آيات أخر كان في موضع التعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم ﴿إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ من كان على صنيعكم من التصميم على الكفر فلا سبيل إلى هدايتكم وإن نزلت كل آية: «ويَهْدِي» من كان على خلاف صنيعكم.
стр. 6813
وثالثها: لما طلبوا سائر الآيات والمعجمزات فكأنه قال لهم: لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات، فإن الإضلال والهداية من الله تعالى فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية من الله فإنه لم يحصل الانتفاع بها.
ورابعها: قال الجبائي: المعنى: أنه يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم الإضلال عن الثواب ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ، أي: يهدي إلى جنته من [تاب] وآمن. قال: وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث إنه عقبه بقوله: «من أناب» ، أي: من تاب.
والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب؛ لأنه يستحقه على إيمانه وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا هذا تمام كلام الجبائي.
والضمير في «إليه» عائد على الله، أي: إلى دينه وشرعه. وقيل على الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وقيل: على القرآن.
قوله: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون مبتدأ خبره الموصول الثاني وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه بدل من «مَنْ أنَابَ» .
والثالث: أنه عطف بيان له.
الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر.
الخامس: أنه منصوب بإظمار فعل.
فصل
قال ابن عباس ﵄: إذا سمعوةا القرآن خشتع قلوبهم واطمأنت.
فإن قيل: أليس قال في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هنا بالاطمئنان؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدها: أ، هم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا أن [يقربوا] المعاصي فهناك الوجل وإذا ذكروا ما وعد الله به من الثواب والرحمة سكنت قلوبهم، فإن أحد الأمرين لا ينافي الآخر؛ لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب.
وثانيها: أن المراد أن يكون القرآن معجزاً يوجب حصو الطمأنينة لهم في كون
стр. 6814
محمد ﷺ َ نبياً حقاً من عند الله، ولما شكوا في أنهم أتوا بالطاعات كاملة فيوجب حصول الوجل في قلوبهم.
وثالثها: أنه حصل في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعات الموجبة للثواب أم لا؟ وهل احترزوا عن المصعية الموجبة للعقاب أم لا؟ .
وقيل: الوجل عند ذكر الله: الوعيد والعقاب، الطمأنينة عند ذكر الله : الوعد والثواب، فالعقاب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وكرمه ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيه اليقين.
قال ابن عباس ﵀: «هذا في الحلف، يقول: إذا حلف السملم بالله على شيء تسكن قولب المؤمنين إليه» .
قوله ﴿بِذِكْرِ الله﴾ يجوز أن يتعلق ب «تَطْمئِنُّ» فتكون الياء سببية، أي: بسبب ذكر الله.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن مفعولاً به، أي: الطمأنينة تحصل لهم بذكر الله.
الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من «قلوبهم» ، أي: تطمئن وفيها ذكر الله.
قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ فيه أوجه:
أن يكون بدلاً من «القُلوب» على حذف مضاف أي: قلوب الذين أمنوا وأن يكمون بدلاً من «مَنْ أنَابَ» ، وهذا على قول من لم يجعل الموصول الأول بدلاً من «مَنْ أنَابَ» وإلا كان يتوالى بدلان، وأن يكون مبتدأ، و «طُوبَى» جملة خبرية، وأن تكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوباً بإضمار فعل، والجملة من «طُوبى لَهُمْ» على هذين الوجهين حال مقدرة، والعامل فيها ءامَنُوا «و» عَمِلُوا:.
قوله «طُوبى لَهُم» وتاو «طُوبَى» منقلبة عن ياء، لأنها من الطيب وإنما قلبت لأجل الضمة قبلها، كموسر وموقن من اليسر واليقين واختلفوا فيها، فقيل: هي اسم مفرد مصدري، كبُشْرَى ورُجْعَى من طَابَ يطِيبُ.
وقيل: بل هي جميع طيبة، كما قالوا: كوسى في جمع كيسة، وضُوقَى في جمع ضِيقَة.
ويجوز أن يقال: طِيبى، بكسر الباء، وكذلك الكِيسَى والضِّيقَى. وهل هي اسم شجرة بعينها أو اسم للجنة بلغة الهند أو الحبشة؟ .
وجاز الابتداء ب «طُوبَى» إما لأنها علم لشيء بعينه، وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء، كسلام عليك، وويل لك، كذا قال سيبويه.
وقال ابن مالك ﵀: «إنه يلتزم رفعها بالابتداء، ولا يدخل عليها نواسخه»
стр. 6815
وهذا يرد عليه: أن بعضهم جعلها في هذا الآية منصوبة بإضمار فعل، اي: وجعل لهم طوبى، وقد تأيد ذلك بقراءة عيسى الثقفي «وحُسْنَ مآبٍ» بنصب النون، قال: إنه معطوف على «طُوبَى» وأنها في موضع نصب.
قال ثعلب: و «طُوبَى» على هذا مصدر، كما قال: «سقيا» .
وخرج هذه القراءة صاحب اللوامح على النداء، كيا أسَفَى على الفوت، يعنى أن «طُوبَى» مضاف للضمير معه واللام مقحمة؛ كقوله: [البسيط]
٣١٧٨ - ... ... ... ... ..... يَا بُؤسَ لِلجَهْلِ ضَرَّاراً الأقْوامِ
وقوله: [مجزوء الكامل]
٣١٧٨ - يَا بُؤسَ لِلحَرْبِ الَّتِي ... وضَعْتْ أرَاهِطَ قاستراحُوا
ولذلك سقط التنوين من «بُؤسَ: كأنه قيل: يا طيبا، أي: ما أطيبهم وأحسن مآبهم.
قال الزمخشري:» ومعنى «طُوبَى لَكَ» : أصحبت خيراً، و «طيبا» ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك وطيبٌ لك، وسلاماً لك وسلام لك والقراءة ف يقوله «وحُسن مَآبٍ» بالنصب والرفع يدل على محلها، واللام مفي «لَهُمْ» للبيان مثلها في «سقيا لك» فهذا يدل على أنها تتصربف، ولا يلزم الرمفع بالابتداء.
وقرأ مكوزوة الأعرابي: «طِيبَى» بكسر الطاء لتسليم الياء، نحو: بيض ومعيشة.
وقرىء: «وحُسْنَ مَآبٌ» بفتح النون ورفع «مآبٌ» على أنه فعل ماض، أصله حَسُنَ فنقلت ضمة العين إلى الفاء قصداً للمدح، كقوله: حسن ذا أدب، و «مَآبُ» فاعله.
فصل
قال ابن عباس ﵄: طوبى، فرح لهم وقرة عين.
وقال عكرمة: نعم ما لهم. وقال قتادة: حسنى لهم.
стр. 6816
وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيراً.
وقال إبراهيم ﵀: خير لهم وكرامة. وقال الفراء: وفيه لغتان: تقول العرب: طوباك، وطوبى لك، أي لهم الطيب «وحُسْنَ مَآبٍ» أي: حسن المنقلب.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «طُوبَى: اسم الجنة بالحبشية.
وقال الربيع: البستان بلغة الهند. وقال الزجاج: العيش الطيب لهم وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرجاء قالوا: طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها وقيل فيها غير ذلك.
стр. 6817
قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ الكاف في محل نصب كانظائرها.
قال الزمخشري: «مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعن: إرسالا ً له شأن» .
وقيل: الكاف متعلقة بالمعنى الذي قبله في قوله: ﴿إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] ، أي كما أنفذ الله هذا كذلك أرسلناك.
وقال ابن عطية: «الذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي لا بالآيات المقترحة فكذلك فعلنا أيضاً في هذه الأمة أرسلناك إليها بوحي لا بأيآت مقترحة» .
وقال أبو البقاء: وكذلك: «الأمر كذلك» فجعلها في موضع رفع.
وقال الحوفي: الكاف للتشبيه في موضع نصب، أي: كفعلنا الهداية والإضلال والإشارة بذلك إلى ما وصف به نفسه من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وتكون الكاف للتشبيه.
قال ابن عباس والحسن ﵃ أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك.
стр. 6818
وقيل: كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك [أعطيناك] هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم.
قوله: «قَد خَلتْ» جملة في محل جر صفة ل «أمَّة» ، و «لِتَتْلُ» متعهلق ب «أرْسلْنَاك» والمعنى: أنه فسر كيف أرسله فقال: ﴿في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ﴾ أي: أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم وهم آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء «لتتلو» لتقرأ عليهم الذي أوحينا إليك وهو الكتاب العظيم.
قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية، وأن تكون حالية والضمير في «وهم يكفُرون» عائد على «أمَّة» من حيث المعنى، ولو عاد على لفظها لكان التركيب: وهي تكفر.
وقيل: الضمير عائد على «أمَّة» وعلى «أممٍ» . وقيل: عائد على الذين قالوا: «لوْلَا أنْزِلَ» .
فصل
قال قتادة ومقاتل وابن جريح: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن سهل بن عمرو لما جاءوا واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لعلي كرم الله وجهه: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا لا نعرف إلى الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون: مسليمة الكذاب، اكتب كما كممنت تكتب: باسمك اللهم فهذا معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي س ﷺ َ وهو في الحجر يدعو الله يا رحمن فرجع إلى المشركين، وقال: إن محمداً يدعو إلهين: يدعو الله ويدعو الرحمن إلهاً آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى:
﴿قُلِ
ادعوا
الله
أَوِ
ادعوا
الرحمن
أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]
وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ َ وشرف وكرم وبجل وعظم: «اسجدوا للرحمن» ، قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: «قل لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت» اعتمدت «وإليه متاب» أي: توبتي ومرجعي.
стр. 6819
فصل
اعلم أن قوله ﴿يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ أنا إن حملناه على هذه الروايات كان معناه: يكفرون بإطلاق هذا الاسم على الله تعالى لا أنهم كفروا بالله تعالى وقال آخرون: بل كفروا بالله إما جحداً له، وإما لإثباتهم الشركاء معه. قال القاضي: وهذا القول أليق بالظاهر؛ لأن قوله تعالى ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ يقتضي أنهم كفروا بالله وهو المفهوم به فكان المفهوم هو دون اسمه تعالى.
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال﴾ [الرعد: ٣١] نزلت في نفر من مشركي مكة منهم: أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية المخزومي جلسوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله ﷺ َ وعرض عليهم الإسلام، فقال عبد الله بن أمية المخزومي: إن سرك أن نتبعك فسيِّر لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها حتى تنفسح علنيا فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً لنغرس الأشجار ونزرع، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو [سخر لنا الريح، فنركبها إلى الشام والبلاد لميرتنا وحوائجنا، ونرجع في يومنا؛ فقد] سخر الريح لسليمان صلوات الله وسلامه عليه كما زعمت فلست على ربك بأهون من سليمان، أو أحْي لنا جدك قصي، أو من شئت من موتانا نسأله عن أمرك، أحق ما تقول أوة باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه، فأنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض﴾ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجلعت أنهاراً وعيوناً ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى﴾ [الرعد: ٣١] .
стр. 6820
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ﴾ جوابها محذوف، أي: لكان هذا القرآن، لأنه في غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين من مراده؛ كقوله الشاعر: [الطويل]
٣١ ٨٠ - فأقْسِمُ لو شَيءٌ أتَاناَ ... سِواكَ ولكِنْ لَمْ نَجْدْ عنْكَ مَدْفَعَا
أراد: لرددناهن، وهذا معنى قول قتادة: قالوا: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.
стр. 6821
وقيل: تقديره لما آمنوا.
ونقل عن الفراء: جواب «لو» هي الجملة من قوله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ [الرعد: ٣٠] وفي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآناً سيرت به الجبال كأنه قيل: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم الموتى به لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملاائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ [الأنعام: ١١١] وهذا في الحقيقة دال على الجواب.
وإنما حذفت التاء شفي قوله ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى﴾ وثبتت في الفعلين قبله؛ لأنه من باب التغليب، لأن الموتى تشمل المذكر والمؤنث.
قوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ أصل اليأتس: قطع الطمع عن الشيء والقنوط منه، واختلف الناس فه ههنا، فقال بعضهم هو هنا على بابه، والمعنى أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان الكفار من قريش، وذلك أنهم لما سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول هله الآيات ليؤمن الكفار، وعلم الله أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم ييأس الذين آمنوا من آيات الكفار، أي: ييأس من إيمانهم قال الكسائي.
وقال الفراء: «أوقع الله للمؤنين أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً فقال: أفلم ييأسوا علماً» يقول: يؤيسهم العلم، فكان فيهم العلم مضمراً كما تقول في الكلام: «يئست منك إن لا تفلح» كأنه قال: علمه علماً، قال: فيئست بمعنى علمت، وإن لم يكن سمع فإنه يتوجه لذلك بالتأويل «.
وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه وذلك لأنه لما أبعد إيمانهم في قوله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ﴾ على [التأويلين] في المحذوف المقدر، قال في هذه الآية» أفلمْ يَيْأسٍ «المؤمنون من إيمان هؤلاء علماً منهم ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً﴾ .
وقال الزمخشري:» ويجوز أن يتعلق ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله﴾ ب «آمَنَوا» على أو لو يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم «.
وهذا قد سبقه إليه أبو العباس ﵁.
وقال أبو حيان: ويحتمل عندي وجه آخر غير الذي ذكروه، وهو: أن الكلام تام
стр. 6822
عند قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ إذ هو تقرير، أي: قد يئس المؤمنون من إيمان هؤلاء المعنادين، و ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله﴾ جواب قسم محذوف، أي: وأقسم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ويدل على هذا القسم [وجود] » أنْ «مع» لَوْ «في قول الشاعر: [الوافر]
٣١٨١ - أمَا واللهِ أن لوْ كُنَْ حُرًّا ... وما الحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ
وقول الآخر: [الطويل]
٣١٨٢ - فأقْسِمُ أن لَوِ التَقيْنَا وأنتمُ ... لكَانَ لكُم يَوْمٌ مِنَ الشَّر مُظْلِم
وقد ذكر سيبويه أن «أن» تأتي بعد القسم، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم بالجملة المقسم عليها، وقال بعضهم بل هو ههنا بمعنى «عَلِمَ» و «تَبيَّن» .
قال القاسم بن مَعنٍن وهو من ثقاب الكوفيين: هي من لغة هوازن.
وقال الكلبي: هي لغة حي من النَّخع، ومنه قول رباح بن عدي: [الطويل]
٣١٨٣ - ألَمْ يَيأسِ الأقْوامُ أنِّي أنَا ابنهُ ... وإن كُنْتُ عن أرْضِ العَشِيرةِ نَائِيا
وقول سحيم بن وثيل الرياحي: [الطويل]
٤١٨٤ - أقُولُ لهُمْ بالشِّعْبِ إذ يَأسِرُونَنِي ... ألمْ تَيأسُوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدمِ
وقول الآخر: [الكامل]
٣١٨٥ - حتَّى إذَا يَئسَ الرُّماةُ فأرْسَلُوا ... غُضْفاً دَواجِنَ قافِلاً أعْصامُهَا
стр. 6823
ورد الفراء هذا وقال: «لم أسمع» يَئِسْتُ «بمعنى عَلْمتُ» .
وردَّ عليه بأن من حفظ حجة على من لكم يحفظ، ويدل على ذلك: قراءة علي وابن عباس وعكرمة وابن أبي مليكة والجحدري وعلي بن الحسين وابنه زيد وجعفر بن محمد وابن يزيد المدني وعبد الله بن يزيد، وعلي بن بذيمة: (أفلم يتبين) من: «تبينت كذا» إذا عرفته، وقد افترى من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس، كان أصله: «أفلم يتبين» فسوى هذه الحروف [فتوهَّم] أنها سين.
قال الزمخششري: «وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى هذا حتى يبقى بين دفتي الإمام، وكان متقلباً في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها المبنى، هذه والله فرية ما فيها مرية» .
وقال الزمخشري أيضاً: «وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأن الآيس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنيسان في معنى الترك لتضمنه ذلك» .
وتحصل في «أنْ» قولان:
أحدهما: أنها «أن» المخففة من الثقيلة، فأسمها ضمير الشأن، والجملة الامتناعية بعدها خبرها، وقد وقع الفصل ب «لو» و «أن» وما في حيزها إن علقنا ب «ءامنوا» يكون في محل نصب، أو جر على الخلاف بين الخليل وسيبويه، إذا أصلها الجر بالحرف، أي: آمنوا بأن لو يشاء الله، وإن علقناها ب: يَيْأس «على أنه بمعنى علم كانت في محل نصب لسدها سمد المفعولين.
والثاني: رابطة بين القسم والمقسم عليه، كما تقدم.
فصل
قال المفسرون: إن أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لما سعموا كلام المشركين طمعوا في أن يفعل الله تعالى ما سألوا فيؤمنوا، فنزل ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ يعني الصحابة من إيمان هؤلاء، يعني: الم ييأسوا وكل من علم شيئاً ييِأس عن خلافه.
يقول: ألم يؤيسهم العلم ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله﴾ .
فصل
احتج أهل السنة بقوله: ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله﴾ وكلمة «لَوْ» تفيد انتفاء
стр. 6824
الشيء لانتفاء غيره، والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الهداية إلى طريق الجنة، ومنهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول: إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون مبايناً لهداية جميع الناس، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مراراً.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ ألآية قيل: أراد جميع الكفار؛ لأن الوقائع الشديدة [التي وعقت لبعض الكفار من القتل والسبي، أوجب حصول الغم] في قلوب الكل.
وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون، فتكون الألف واللام للعهد، والمعنى لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم القبيحة «قارِعَةٌ» أي: نازلة وداهيةٌ تقرعهم من أنواع البلاء أحياناً بالجدب وأحياناً بالسلب وأحياناً بالقلب.
يقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع: الضرب أي: لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد، أو من قتل أو أسر أو جدب أو غير ذلك من العذاب والبلاء كما نزل يخاطب المستهزئين من رؤساء المشركين.
وقال ابن عباس ﵁: أراد كفار قريش يصيبهم بما صنعوا برسول الله ﷺ َ من العداوة والتكذيب بأن لايزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب من مواشيهم «.
قوله» أوْ تَحُلُّ «يجوز أن يكون فاعله ضمير الخطاب، أي: تحل أنت يا محمد وأن يكون ضمير القارعة، وهذا أبين، أي: تصيبهم قارعة أو تحل القارعة، وموضعها نصب عطف علىخبر» يَزالُ «.
وقرأ ابن جبير ومجاهد:» أوْ يَحُلُّ «بالياء من تحت، والفاعل على ما تقدم إما ضمير القارعة وإنما ذكر العفل؛ لأنها بمعنى العذاب ولأن التاء للمبالغة، والمراد: قارع وإما ضمير الرسول صلوات الله وسلامه عليه أتى به غائباً، وقرأ أيضاً:» مِن دِيَارهِمْ «جمعاً، وهي واضحة.
المعنى: أو تحل القارعة أو أنت يا محمد صلوات الله وسلامه عليك بجيشك قريباً من دراهم كما حل بالحديبية ﴿حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله﴾ وهو فتح مكة، وكان قد وعده ذلك. وقيل: يوم القيامة.
стр. 6825
﴿إِنَّ الله لَا يُخْلِفُ الميعاد﴾ والغرض منه: [تقوية] قلب رسول الله ﷺ َ وإزالة الحزن عنه وتسليته.
فصل
قال القاضي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يُخْلِفُ الميعاد﴾ يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بمعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق [الفساق] من العناد.
والجواب: أن الخلق غير، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف، ولكننا تخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو.
стр. 6826
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية لما طلبوا المعجزات من الرسول صلوات الله وسلامه عليه على سبيل الاستهزاء، وكان يتأذى من تلك الكلمات، فأِنزل الله تعالى هذه الآية تسلية له وتصبيراً على سفاهتهم فقال: إن أقوام سائر الأنبياء ﵊ ُ استهزؤوا بهم كما أن قومك يستهزئون بك ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أمهلتهم وأطلت لهم المدة بتأخير [العقوبة] ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ لهم؟ .
والإملاء: الإمهال وإن تركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها ف يالمرعى، ومنه الملوان وهو الليل والنهار؟
قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ﴾ «مَنْ» موصولة، وصلتها «هُو قَائِمٌ» والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ودل على هذا المحذوف، قوله ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ ونحوهن قوله ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢] تقديره: كمن قسا قبله.
يدل عليه أيضاً ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾ [الزمر: ٢٢] وإنما حسن حذفه
стр. 6827
كون الخبر مقابلاً للمبتدأ، وقد جاء مبيناً، كقوله ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ [الرعد: ١٩] .
والمعنى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أي: حافظها ورازقها وعالم بها ومجازيها بما علمت، وجوابه محذونف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه.
قوله ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ﴾ يجوز أن يكون استئنافاً، وهو الظاهر، جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره.
وقال الزمخشري: «يجوز أن تقدر ما يقع خبر للمبتدأ ويعطف عليه:» وجَعَلُوا «وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه» جعلوا لهُ «وهو الله تعالى أي: وهو الذي يستحق العبادة» .
قال أبو حيان: «وفي هذا التوجيه إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله تعالى ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ أي: له، وفيه حذف الخبر غير المقابل، وأكثر ما جاء الخبر مقابلاً» .
وقيل: الواو للحال، والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجودة والحال أنهم جعلوا له شركاء، فأقيم الظاهر وهو «اللهُ» مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها، قاله صاحب العقد.
وقال ابن عطية: «ويظهر أن القول مرتبط بقوله ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ كان التقدير: أفمن له القدرة والوحدانية، ويجعل له شريك أهل ينتقم ويعاقب أم لا؟» .
وقيل: «وَجَعلُوا» عطف على «استُهْزِىءَ» بمعنى: وقد استهزؤوا وجعلوا.
وقال أبو البقاء: «هو معطوف على» كَسبَتْ «أي: ويجعلهم لله شركاء» ولما قر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: «قُلْ سمُّوهُمْ» وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى ألا يذكر، ولا يوضع له اسم فعند ذلك يقال: سمه إن شئت، يعني أنه [أخس] من أن يسمى ويذكر، ولكن إن شئت أن تضع له أسماً فافعل، وقيل: «سموهم» : أي: صفوهم، ثم انظروا: هل هي أهلٌ أن تعبد؟ على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سيمتموهم باسم الآلهة أو لم تسموهم فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج.
قوله ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ «أمْ» هذه منقطعة مقدرة ب «بل» والهمزة والاستفهام للتوبيخ بل أتنبؤنه شركاء لا يعلمهم في الأرض ونحوه ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السماوات وَلَا فِي الأرض﴾ [يونس: ١٨] فجعل الفاعل ضميراً عائداً على الله، والعائد على «ما» محذوف تقديره: بما لا يعلمه الله، وقد تقدم في تلك الآية: أن الفاعل ضمير يعود على «ما» وهو جائز هنا أيضاً.
стр. 6828
قوله «أمْ بِظاهِرِ» أنها منقعطة. والظاهر هنا، قيل: الباطن؛ وأنشدوا: [الطويل]
٣١٨٦ - اعَيَّرْتنَا ألْبانهَا ولحُومَهَا ... وذلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطة ظَاهِرُ
أي: باطن.
وفسره مجاهد: بكذب، وهو موافق لهذا.
وقيل: «أمْ» متصلة، أي: تنبئونه بظاهر لا حقيقة له.
والمعنى: أم يخبرون الله بأمر يعلمونه وهو لايعمله، فإنه لا يعلم لنفسه شريكاً وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك التبة؛ لا، هم ادعوا أن له شريكاً في الأرض لا في غيرها أم تموهو بظاهر من القول لا حقيقة له وهو كقوله ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] .
ثم إنه تعالى بعد هذا الحجاج بيّن طريقتهم، فقال على وجه التحقير لما هم عليه ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ .
قال الواحدي: «معنى» بَلْ «ههنا كأنه يقول: دع ذلك زين له مكرهم لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم فكأنه يقول: دع ذلك الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأن زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل» .
فصل
قالت المعتزلة: لا شبهة في أنه إنما ذكر ذلك لأجحل أن يذمَّهم به وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله تعالى، فلا بد إما أن يكون شياطين الإنس وما شياطين الجن.
قال ابن الخطيب ﵀: وهذا التأويل ضعيف من وجوه:
الأول: أنه إن كان المزين هو أحد شياطين الإنس أو الجن فالمزين لذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال السؤال.
والثاني: أن أفعال القلوب لا يقدر عليها إلا الله .
والثالث: أنا دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله وعند حصوله يجب الفعل.
قوله ﴿وَصُدُّواْ عَنِ السبيل﴾ قرأ الكوفيون ويعقوب «وصُدَّوا» مبنياً للمفعول، وفي
стр. 6829
غافر ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ [غافر: ٣٧] كذلك، وابقي السبعة مبنيّين للفاعل، و «صد: جاء لازماً ومتعدياً، فقراءة الكوفية من التعدي فقط، وقراءة الباقين: يحتمل أن تكون من المتعدي ومفعوله محذوف، أي: صدوا غيرهم أو أنفسهم، وأن يكون من اللازم، أي: أعرضوا وتولوا.
وقرأ ابن وثاب:» وصِدُّوا عَن السَّبيال «بكسر الصاد، وهو مبني للمفعول أجراه مجرى» قِيلَ «و» بِيعَ «فهو كقراءة: ﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥] . قوله: [الطويل]
٣١٨٧ - ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلِ حُبَا حُلمَائِنَا..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقد تقدم. فأما قراءة المبني للمعفول، فعند أهل السنة: أن الله صدهم. المعتزلة وجهان:
قيل: الشيطان وبعضهم لبعض، هو قول أبي مسلم ﵀. ومن فتح الصاد: يعني الكفار أعرضوا إن كان لازماً، وصدوا غيرهم إن كان متعدياً. وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة القراءة الثانية قوله جل ذكره ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ﴾ [محمد: ١١] ثم مقال: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وتمسك أهل السنة بهذه الآية من وجوه: أحدها: قوله ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ وقد تقدم بالدليل أن المزين هو الله تعالى. وثانيها: قوله ﴿وَصُدُّواْ عَنِ السبيل﴾ بضم الصاد، وبينا ِأيضاً أن ذلك الصاد هو الله تعالى.
وثالثها: قوله : ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ، وهو صريح في المقصود، ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا﴾ بالقتل والأسر ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ﴾ أي: أشد ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ﴾ مانع يمنعهم من العذاب. وقال الواحي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء، مثل قوله ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣] وكذلك ﴿مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] وهو الوجه؛ لأنه يقال في الوصل:» هادٍ ووالٍ وواقٍ «محذوف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر، والياء [كانت] انحذفت ف يالوصل فيصادف الوقف الحركة التي كسرت فتحذف كما يحذف سائر الحركات التي يوقف عليها، فيقال:» هَاد «و» وَال «و» وَاق «.
وابن كثير يقف بالياء، ووجهه ما حكى سيبوبه: أن بعض من يوثق به من العرب يقفون بالياء، وقد تقدم.
стр. 6830
قوله: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ الآية لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين فقال «مثلُ الجَنَّة» .
قال سيبويه: «مثَلُ الجنَّة» مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: فيما قصصنا أو فما يتلى عليكم مثل الجنة وعلى هذا فقوله ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ تفسير لذلك المثل.
وقال أبو البقاء: «فعلى هذا» تَجْرِي «حال من العائد المحذوف في» وُعِدَ
أي: وعدها مقدراً جريان أنهارها «.
ثم نقل عن الفراء: أنه جعل الخبر قوله:» تَجْرِي «قال:» وهذا خطأ عند البصريين، قال: لأن المثل لا تجري من تحته الأنهار وإنما هو من صفات المضاف إليه، وشبهته: أن المثل هنا بمعنى الصفة فهو كقوله: صفة زيد أنه طيل ويجوز أن يكون «تَجْرِي» مستأنفاً.
وهذا الذي ذكره أبو البقاء نقل نحنوه الزمخشري، ونقل غيره عن الفراء في الآية تأويلين آخرين:
أحدهما: على حذف لظفه «أنها» والأصل: صفة الجنة أنها تجري وهذا منه تفسير معنى لا إعراب، وكيف تحذف «أنها» من غير دليل؟ .
والثاني: أن لفظة «مثلُ» زائدة، والأصل: الجنة تجري من تحتها الأنهار، وزيادة «مثِلُ» في لسانهم كثير، ومنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] وقد تقدم.
قال الزمخشري: «وقال غيره، أي غير سيبويه: الخبر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ كما تقول: صفة زيد أسمر» .
قال أبو حيان: «وهذا أيضاً لا يصح أن يكون: تجْري» خبراً عن الصفة ولا «
следующие страницы →