Полный текст (12 961 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.
стр. 7246
الليل، من «مكَّة» إلى «الشام» مسيرة أربعين ليلة؛ وذلك أنَّ التنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة «من اللَّيل» ، أي: بعضه؛ كقوله:
﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] . انتهى.
فيكون «سَرَى» و «أسْرَى» ك «سَقَى» و «أسْقَى» والهمزة ليست للتعدية؛ وإنما المعدَّى الباء في «بعبده» ، وقد تقدَّم أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، في البقرة، خلافاً للمبرِّد.
وزعم ابن عطية أنَّ مفعول «أسْرَى» محذوف، وأن التعدية بالهمزة؛ فقال: «ويظهر أنَّ» «أسْرَى» معدَّاةٌ بالهمزة إلى مفعول محذوف، أي: أسرى الملائكة بعبده؛ لأنه يقلقُ أن يسند «أسْرَى» وهو بمعنى «سَرَى» إلى الله تعالى؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقلة؛ ك «مَشَى، وجرى، وأحضر، وانتقل» فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع ودجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك، تأوَّلناهُ؛ نحو: أتَيْتهُ هَرْولةً «.
وهذا كلُّه إنما بناهُ؛ اعتقاداً على أن التعدية بالباء تقتضي مضاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وتقدَّم الردُّ على هذا المذهب في أوَّل البقرة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] .
ثم جوَّز أن يكون» أسْرَى «بمعنى» سَرَى «على حذف مضافٍ؛ كقوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] يعني: فيكون التقدير: الذي أسْرِى ملائكته بعبده، والحامل له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد المصاحبة. والعبد هو محمد ﷺ َ.
قوله:» لَيْلاً «منصوب على الظرف، وقد تقدم فائدة تنكيره. و» مِنَ المسجد «» مِنْ «لابتداء الغاية.
فصل في وقت الإسراء
قال مقاتل:» كان قبل الهجرة بستَّة عشر شهراً «، ونقل الزمخشري عن أنس والحسين: كان قبل البعثة، واختلفوا في المكان الذي أسْرِي به منه، فقيل: هو المسجد الحرامُ بعينه؛ لظاهر القرآن، وقوله ﵊ ُ -:» بَيْنَا أنَا في المَسْجدِ الحَرامِ عِندَ البَيْتِ بيْنَ النَّائمِ واليَقْظَانِ، إذْ أتَانِي جِبْريلُ ﵇ بالبراقِ «.
وقيل: أسري به من دار أمِّ هانئ بنت أبي طالبٍ، وعلى هذا، فالمراد بالمسجد الحرام الحرمُ.
стр. 7247
قال ابن عبَّاس:» الحرم كلُّه مَسْجِدٌ «، وهذا قول الأكثرين. وقوله: ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ .
اتفقوا على أنه بيتُ المقدس، وسمي بالأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.
وقوله: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ .
قيل: بالأزهار والثمار.
وقيل: لأنه مقرُّ الأنبياء، ومهبطُ الملائكةِ.
واعلم أنَّ كلمة:» إلى «لانتهاء الغاية، فمدلول قوله: ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أنه وصل إلى ذلك، فأما أنه دخل المسجد أم لا، فليس في اللفظ دلالةٌ عليه، إلَاّ أنه ورد الحديثُ أنَّه ﷺ َ صلَّى فيه.
قوله:» حولَه «فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوبٌ على الظَّرفِ، وقد تقدَّم في تحقيق القول فيه أوَّل البقرة.
والثاني: أنه مفعولٌ. قال أبو البقاء: «أي: طيَّبْنَا ونَمَّيْنَا» .
يعني ضمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ؛ لأنه لا يتصرَّفُ.
قوله: «لِنُريَهُ» قرأ العامة بنون العظمة؛ جرياً على «بَارَكْنَا» وفيهما التفات من الغيبة في قوله «الَّذي أسْرَى بعبده» إلى التكلُّم في «بَاركْنَا» و «لنُرِيَهُ» ، ثم التفت إلى الغيبة في قوله: «إنه هُوَ» إن أعدنا الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح، ففي الكلام التفاتان.
وقرأ الحسن «لِيُريَهُ» بالياء من تحت، أي: الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات: وذلك أنَّه التفت أوَّلاً من الغيبة في قوله «الَّذي اسْرَى بعبْدهِ» إلى التكلم في قوله «بَاركْنَا» ثم التفت ثانياً من التكلُّم في «باركْنَا» إلى الغيبة في «ليُرِيَهُ» على هذه القراءة، ثم التفت ثالثاً من هذه الغيبة إلى التكلم في «آيَاتِنَا» ، ثم التفت رابعاً من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله «إنَّهُ هُو» على الصحيح في الضمير؛ أنه لله، وأمَّا على قول نقله أبو البقاء أنَّ الضمير في «إنَّه هُو» للنبي ﷺ َ فلا يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وأكثر ما ورد الالتفاتُ فيه ثلاث مراتٍ على ما قاله الزمخشريُّ في قول امرئ القيس: [المتقارب]
٣٣٧٤ - تَطَاولَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ..... ... ... ... ... ... .
الأبيات. وتقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعض ما يجابُ به عنه أوَّل الفاتحة.
стр. 7248
ولو ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ ها هنا خمسة التفاتاتٍ لاحتيج في دفعه إلى دليلٍ واضحٍ، والخامس: الالتفاتُ من «إنَّهُ هُوَ» إلى التكلُّم في قوله ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب﴾ [الإسراء: ٢] الآية.
والرؤيةُ هنا بصرية. وقيل: قلبية، وإليه نحا ابن عطيَّة، فإنه قال: «ويحتمل أن يريد: لنُرِيَ محمداً للنَّاس آية، أي: يكون النبي ﷺ َ آية في أن يصنع الله ببشرِ هذا الصنيع» فتكون الرؤية قلبية على هذا.
فصل في معنى «لِنُريَهُ»
معنى الرُّؤية هو ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات الدالَّة على قدرة الله تعالى.
فإن قيل: قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى ما أراه إلَاّ بعض الآيات؛ لأن كلمة «مِنْ» للتبعيض وقال في حقِّ إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم ﵇ أفضل من معراج محمد ﷺ َ قلنا: فالجواب أن الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد بعض آياتِ الله، ولا شكَّ أن آيات الله أفضلُ.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ أي: السميعُ لأقوال محمدٍ ﷺ َ أي: المجيبُ لدعائهِ البصير: أي: لأفعاله العالم بكونها خالصة عن شوائب الرياءِ، مقرونة بالصِّدق والصَّفاء.
فصل في كيفية الإسراء
اختلفوا في كيفيَّة ذلك الإسراء، فالأكثرون على أنه أسْرِي بجسد رسُول الله ﷺ َ.
وروي عن عائشة وحذيفة: أن ذلك كان رُؤيا، قالا: ما فُقِد جَسَدُ رسول الله ﷺ َ ولكنَّ الله أسْرَى برُوحهِ. فالكلامُ في هذا الباب في مقامين.
الأول: في غثبات الجوازِ العقليِّ.
والثاني: في الوُقوعِ.
فالمقام الأول؛ وهو الجواز العقليُّ: فنقول: الحركة الواقعة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ ممكنةٌ في نفسها، والله - تعالى - قادرٌ على جميع الممكنات، والدليل على أنَّ هذه الحركة السَّريعة ممكنة غير ممتنعةٍ تفتقر إلى مقدِّمتين:
الأولى: أنَّ الحركة الواقعة إلى هذا الحدِّ يدلُّ عليها وجوهٌ:
стр. 7249
الأول: أنَّ الفلك الأعظم يتحرَّك من أوَّل الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدَّور، وثبت في الهندسة أنَّ نسبة القطر إلى الدَّور نسبة الواحد إلى ثلاثةٍ وسبعة فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلاى ثلاثة وسبعة فبتقدير أن رسول الله ﷺ َ ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم، فهو لم يتحرَّك إلا مقدار نصف القطر، فلمَّا حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدَّور، كان حصول الحركةِ بمقدار نصفِ القطر أولى بالإمكان، فهذا برهانٌ قاطعٌ على أنَّ الارتفاع من مكَّة إلى ما فوق العرشِ في مقدار ثلث اللَّيل أمرٌ ممكنٌ في نفسه، وإذا كان كذلك، كان حصوله في كلِّ الليل أولى بالإمكان.
الثاني: ثبت في الهندسة أنَّ قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين مرَّة، وكذا وكذا وكذا، ثم إنا نشاهد أنَّ طُلوعَ القرص يحصل في زمان لطيفٍ سريعٍ، فدلَّ على أنَّ بلوغ الحركة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ أمرٌ ممكنٌ في نفسهِ.
الثالث: أنه كما يستبعدُ في العقلِ صعود الجسم الكثيف عن مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللَّطيف الرُّوحانِي من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القولُ بمعراج محمد ﷺ َ في الليلة الواحدة ممتنعاً في العقول، فإن القول بنزول جبريل ﵇ من العرشِ إلى مكَّة في اللحظة الواحدة ممتنعاً، ولو حكمنا بهذا الامتناع، كان ذلك طعناً في نُبوَّة جميع الأنبياء ﵈ والقول بثبوتِ المعراج فرعٌ على تسليم جواز أصل النبوة؛ فيلزم القائل بامتناع حصول حركةٍ سريعةٍ إلى هذا الحدِّ، القول بامتناع جبريل ﵇ من الانتقال في اللَّحْظَة من العَرْشِ إلى مكة، ولمَّا كان ذلك باطلاً، كان ما ذكروا أيضاً باطلاً.
فإن قالوا: نحن لا نقول: إنَّ جبريل ﵇ جسمٌ ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، وإنما نقول: المراد من نزول جبريل ﵇ هو زوالُ الحجبِ الجسمانيةَ عن جسمِ محمَّد ﷺ َ حتَّى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضراً متجلِّياً في ذات جبريل ﵇.
قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، أمَّا جمهور المسلمين فيقولون: إنَّ جبريل ﵇ جسمٌ، وأنَّ نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك [إلى مكَّ’] ، وإذا كان كذلك، كان الإلزام المذكور قويًّا.
رُوِيَ أنه ﵇ لما ذكر قصَّة المعراجِ كذَّبه الكلُّ، وذهبوا إلى أبي بكرٍ، وقالوا له: «إنَّ صاحبك يقول كذا وكذا» ، فقال أبو بكرٍ: «إنْ كَانَ قد قال ذلك، فهو صادقٌ» ، ثم أتى إلى النبيِّ ﷺ َ فذكر الرسول له تلك التفاصيل، وكلَّما ذكر شيئاً، قال أبو
стр. 7250
بكر ﵁: «صَدَقْتَ» ، فلمَّا تمَّ الكلام، قال أبو بكرٍ: «أشْهَدُ أنَّك رسُولُ الله حقًّا» ، فقال الرسول ﷺ َ: «وأشْهَدُ أنَّك صدِّيقٌ حقًّا» .
وحاصل الكلام أنَّ أبا بكرٍ كأنه قال: لمَّا سلمتُ رسالته فقد صدَّقتهُ فيما هُو أعْظَمُ من هذا، فكَيْفَ أكذِّبه في هذا؟! .
الرابع: أكثر أرباب الملل والنِّحل يُسلِّمُونَ وجود إبليس، ويسلّمون أنه هو الذي يلقي الوسوسة في قلوب بني آدم، فلما جوَّزوا مثل هذه الحركة السريعة في حقِّ إبليس ويسلِّمون، فلأن يسلِّموا جوازها في حقِّ أكابرِ الأنبياءِ أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلِّم أنَّ إبليس جسمٌ ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ.
وأمَّا من يقول: «إنه من الأرواحِ الخبيثة الشِّرِّيرة، وأنَّه ليس بجسم، ولا جسمانيٍّ، فلا يرد عليهم هذا الإلزامُ إلا أن أكثر أرباب الملل والنِّحل يوافقون على أنه جسمٌ لطيفٌ ينتقل.
فإن قالوا: إنَّ الملائكة والشياطين يصحُّ في حقِّهم مثل هذه الحركة السَّريعة، إلَاّ أنهم اجسامٌ لطيفةٌ، فلا يمتنع حصُولُ مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أمَّا الإنسان فإنَّه جسم كثيف، وكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة فيه؟ قلنا: نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشَّياطين على أن حصول حركةٍ منتهية في السُّرعة إلى هذا الحدِّ ممكن في نفس الأمر.
فأمَّا بيانُ أنَّ هذه الحركة، لمَّا كانت ممكنة الوجود في نفسها، كانت أيضاً ممكنة الحصول في جسم البدن الإنسانيِّ، فذاك مقام آخر يأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
الخامس: أنه جاء في القرآن أنَّ الرياح كانت تسير بسليمان - صلوات الله عليه - إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة؛ قال تعالى:
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] بل نقول: الحسُّ يدل على أنَّ الرياح تنتقل عند شدَّة هبوبها من مكانٍ إلى مكانٍ في غاية البعد في اللَّحظة الواحدة، وذلك أيضاً يدلُّ على أنَّ مثل هذه الحركةِ السريعة في نفسها ممكنةٌ.
السادس: أن القرآن يدلُّ على أنَّ الذي عنده علمٌ من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمنِ إلى أقصى الشَّام في مقدار لمحِ البصر، قال تعالى: ﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] .
وإذا كان ذلك ممكناً في حقِّ بعض النَّاس، علمنا أنه في نفسه ممكنٌ.
стр. 7251
السابع: أن من الناس من يقول: إنَّ الحيوان إنما يُبْصِرُ المرئيَّات لأجل أن الشُّعَاع يخرج من عينيه ويتَّصِل بالمرئيَّات، فإذا فتحنا العين، ونظرنا إلى شخصٍ، رأيناه، فعلى قولِ هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى الشخص في تلك اللحظة اللَّطيفة، وذلك يدلُّ على أنَّ الحركة الواقعة على هذا الحدِّ من السرعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحدِّ أمرٌ ممكن الوجود في نفسه.
المقدمة الثانية: في بيان أنَّ هذه الحركة، لمَّا كانت ممكنة الوجود في نفسها، وجب ألَاّ يمتنع حصولها في جسم محمد ﷺ َ؛ لأنَّه ثبت بالدَّلائل القطعيَّة أن الأجسام متماثلةٌ في تمام ماهيَّتها، فلما صحَّ حصول مثل هذه الحركة في حقِّ بعض الأجسام، وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام، وذلك يوجب القطع بأنَّ حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد ﷺ َ أمر ممكن الوجود في نفسه.
وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدَّليل أنَّ خالق العالم قادرٌ على كلِّ الممكنات، وثبت أنَّ حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحدِّ في جسد محمد ﷺ َ ممكنٌ؛ فوجب كونه تعالى قادراً عليه، فلزم من مجموع هذه المقامات: أن القول بثبوت هذا المعراج أمرٌ ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنَّه يبقى التعجُّب، إلَاّ أن التعجُّب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصلٌ في جميع المعجزات، فانقلابُ العصا ثعباناً يبلع سبعين ألف حبلٍ من الحبالِ والعصيِّ، ثم تعودُ في الحال عصاً صغيرة، كما كانت أمرٌ عجيبٌ، وخروج الناقة من الجبلِ الأصمِّ أمرٌ عجيبٌ، وإظلال الجبل في الهواء أمرٌ عجيبٌ، وكذا سائر المعجزات، فإن كان مجرَّد التعجب يوجبُ الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بنبوة كل الأنبياء ﵈، لكن القول بإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة، وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال، فكذا هنا.
فصل في ترجيح القول بالإسراء بالجسد والروح
قال المحقِّقُون: إنه تعالى أسْرَى بروح محمَّد ﷺ َ وجسده من مكَّة إلى المسجد الأقصى؛ ويدلُّ عليه القرآن والخبر: أما القرآن، فهذه الآية؛ وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والرُّوح، قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] .
وأما الخبرُ، فما روى أنس بن مالكٍ: أن النبي ﷺ َ قال: «فُرِجَ عَن سَقْفِ بَيْتِي وأنَا بِمكَّة، فَنزَلَ جِبْريلُ ﵇ فَفُرِجَ صَدْري، ثُمَّ غَسلَهُ بِمَاءِ زَمْزَم، ثُمَّ جَاءَ بِطسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتلِئٍ حِكْمةً وإيماناً، ففرَّغهُ فِي صَدْرِي، ثمَّ أطْبَقهُ» .
стр. 7252
وروى مالك بن صعصعة أنَّ نبيَّ الله ﷺ َ حدثهم عن ليلة الإسراء به قال: «بَيْنَا أنَا فِي الحطِيم - ورُبَّما قال:» في الحِجْرِ - بَيْنَ النَّائمِ واليَقْظانِ، فأتيتُ بِطسْتٍ من ذَهب مَمْلُوءةٍ حِكمةً وإيماناً، فشُقَّ من النَّحْرِ إلى مراق البَطْن واسْتُخرجَ قَلْبي، فغُسِلَ، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أعِيدَ «.
وفي رواية سعيد وهشام:» ثُمّ غُسلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إيماناً وحِكْمَةً، ثُمَّ أتِيتُ بالبُراقِ، وهو دَابَّةٌ أبْيضُ طَويلٌ فوقَ الحِمارِ، ودُونَ البَغْلِ، تقَعُ حَافِرهُ عند مُنْتهَى طَرْفهِ، فَرَكبْتهُ فانْطَلقْتُ مَعَ جِبْريل ﵇، حتَّى أتيت البيْتَ المقدس قال: فَربَطْتهُ في الحَلْقةِ الَّتِي تَرْبطُ بِهَا الأنْبِيَاءُ «قال:» ثُمَّ دخلتُ المسجدَ، فَصلَّيْتُ فِيهِ ركْعَتينِ، ثمَّ خَرجْتُ، فجَاءَنِي جِبريلُ بإنَاءٍ مِنْ خَمْر وإنَاءٍ من لبَنٍ، فأخَذْتُ اللَّبنَ، فقال جِبْريلُ: أخَذْتَ الفِطْرَة، فانْطلقَ بِي جِبْريلُ؛ حتَّى أَتَى السَّماء الدُّنْيَا. . «الحديث.
واحتجَّ المنكرون بوجوهٍ عقليَّةٍ ونقليَّةٍ:
أما العقلية: فأوَّلها: أن الحركة البالغة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ غيرُ معقولةٍ.
وثانيها: أنَّ صعود الجرمِ الثقيل إلى السَّموات غير معقول.
وثالثها: أنَّ صعودهُ إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك، وذلك محالٌ، ولأنَّ هذا المعنى، لو صحَّ، لكان أعظم من سائر معجزاته، فكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع النَّاس حتَّى يستدلُّوا به على صدقه في ادعاء النبوَّة، فأما أن يحصل ذلك في وقتٍ لا يراه أحدٌ، ولا يشاهده يكون عبثاً؛ وذلك لا يليق بالحكيم.
وأمَّا النقل: فقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ [الإسراء: ١] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وما تلك الرؤيا إلَاّ حديث المعراج، والرؤيا لما في المنام، وإنما كانت فتنة للنَّاس؛ لأنَّ كثيراً ممَّن آمن به، لمَّا سمع هذا الكلام كذَّبهُ وكفر، وكان حديث المعراج سبب فتنة الناس.
وأيضاً: فحديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة.
منها: ما رُوِيَ من شقِّ بطنه وتطهيره بماءِ زَمْزَم، وهو بعيد؛ لأن الذي يمكن غسله بالماءِ هو النَّجاسات العينيَّة، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة، والأخلاق الذَّميمة.
стр. 7253
وأيضاً: فما رُوِيَ من ركوب البُراق - وهو بعيد - لأنَّه تعالى، لمَّا سيَّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأيُّ حاجةٍ إلى البراق.
وما رُوِيَ أنه تعالى أوجب خمسين صلاة، ثم إنَّ محمَّداً ﷺ َ لا زال يتردَّد بين يدي الله، وبين موسى ﵇.
قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، فإنه يوجبُ البداء، وذلك على الله محالٌ؛ فثبت أنَّ ذلك الحديث مشتملٌ على ما لا يدوز قبوله، فكان مردوداً.
فالجواب عن الوجوه العقليَّة قد سبق.
وأمَّا قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ ، فهذا كلام مجمل، وفي شرحه وجوه:
الأول: أن خيرات الجنَّة عظيمة، وأهوال النَّار شديدة، فلو أنه ﵇ ما شاهدهما في الدنيا، ثمَّ شاهدهما في ابتداء يوم القيامة، فربَّما رغب في خيرات الجنة، أو خاف من أهوال النَّار، أمَّا لمَّا شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج، فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة، فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرّغ للشَّفاعة.
الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة سبباً لتكامل مصلحته أو مصلحتهم.
الثالث: لا يبعد أنه إذا صعد الفلك، وشاهد أحوال السماوات، والكرسيِّ، والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فيحصل له زيادة قوَّةٍ في القلب، باعتبارها يكون شروعه في الدعوةِ إلى الله تعالى أكمل، وقلَّة التفاته إلى أعداء الله أقوى، يبين ذلك أنَّ من عاين قدرة الله في هذا الباب لا يكون حاله في قوَّة النَّفسِ وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما بكون لمن لم يعاين، فقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ كالدَّلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصَّة به، وعائدة إليه؛ على سبيل التعيين وأما قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] فيأتي الجواب عند تفسير تلك الآية في هذه السورة، ونبيِّن أن تلك الرؤيا رؤيا عيانٍ لا رؤيا منامٍ.
وأما حديث المعراج، فلا اعتراض على الله - تعالى - في أفعاله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
واعلم أن العروج إلى السَّماء، وإلى ما فوق العرش، فهذه الآية لا تدلُّ عليه، ومنهم من استدلَّ عليه بأوَّل سورة النجم، ومنهم من استدل عليه بقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] وسيأتي تفسيرها في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 7254
فصل
رُوِيَ لما رجع رسول الله ﷺ َ أسري به فكان ب «ذِي طُوًى» قال: «يا جبريل: إنَّ قَوْمِي لا يُصدِّقُونَني، قال: يُصدِّقُكَ أبو بكرٍ، وهُو الصِّدِّيقُ
» . «قال ابن عبَّاس وعائشة عن رسول الله ﷺ َ:» لمَّا كَانتْ لَيْلة أسْرِي بِي، فأصْبَحْتُ بِمكَّةَ، فضِقْتُ بأمْرِي، وعَرفْتُ النَّاس مُكذِّبينَ «، فروي أنه ﵇ قعد مُعتزِلاً حزيناً، فمرَّ به أبو جهلِ بنُ هِشام، فجَلسَ إليْهِ، فقال كالمُستهزئ: هَل اسْتفَدت مِنْ شَيْءٍ؟ قال: نَعَمْ، أسْرِي بِي اللَّيلةَ، قَالَ: إلى أيْنَ؟ قال: إلى بَيْتِ المقْدسِ، قال: ثُمَّ أصْبَحْتَ بين ظهْرَانيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قال أبُو جهْلٍ: يا مَعْشرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤيٍّ هَلُمَّ، فانفَضَّتْ إليه المجَالِسُ، فَجَاءُوا حتَّى جحَلسُوا إليْهمَا قَالَ: قحَدِّثْ قوْمَكَ ما حدَّثْتَنِي، قَالَ: نَعَمْ، إنِّي أسْرِي بِي اللَّيْلةَ، قَالُوا: إلى أيْنَ؟ قَالَ: إلى بَيْتِ المقْدسِ، قالُوا: ثُمَّ أصْبَحْتَ بيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نعم قَالَ: فمن بَيْن مُصفِّقٍ، ومِنْ بَينِ واضعِ يدَهِ على رَأسهِ مُتعجِّباً، وارْتَدَّ ناسٌ ممَّنْ كان آمَنَ بِهِ وصَدَّقهُ، وسَعَى رجُلٌ من المُشْركينَ إلى أبِي بَكْرٍ، فقَالَ: هَلْ لَكَ في صَاحِبكَ يَزْعمُ أنَّهُ أسْرِي به إلى بَيْتِ المَقْدسِ؟ قال: أو قَدْ قَالَ؟ قَالُوا: نَعمْ، قَالَ: لَئِن قَالَ ذلِكَ، لقَدْ صَدقَ، قَالُوا: وتُصدِّقهُ أنَّه ذهَبَ إلى بَيْتِ المَقدِسِ في لَيْلةٍ، وجَاءَ قَبْلَ أنْ يُصْبحَ؟ قَالَ: نَعَمْ إنِّي لأصَدِّقهُ بِمَا هُوَ أبْعَدُ من ذلِكَ، أصَدِّقهُ بِخبَرِ السَّماءِ بغُدْوةٍ أو رَوْحَةٍ، ولِذلِكَ سُمِّي أبُو بكرٍ» الصِّديق «، قال: وفِي القوْمِ مَنْ قَدْ أتَى المَسْجدَ الأقْصَى، فقَالُوا: هَلْ تَسْتَطيعُ أنْ تَنْعَتَهُ لَنَا؟ قَالَ: نَعمْ، قَالَ: فَذهَبْتُ أنْعَتُ وأنْعَتُ وأنْعَتُ، فمَا زِلتُ أنْعَتُ حتَّى التبسَ عليَّ، فَجيءَ بالمسْجِدِ، وأنَا أنْظرُ إليْهِ، فقَالَ قَوْمٌ: أمَّا النَّعْتُ فواللهِ لَقدْ أصَابَ، ثُمَّ قالوا: يا مُحمَّد، أخبرنا عن عيرنَا، فَهِيَ أهَمُّ إلَيْنَا، هَلْ لَقيتَ مِنْهَا شَيْئاً؟ قَالَ: نَعمْ، مَررْتُ عَلى عِير بَنِي فُلانٍ، وهِيَ بالرَّوحَاءِ، وقَدْ أضلُّوا بَعِيراً لهُم، وهُمْ فِي طَلبهِ، وفي رِحَالهِمْ قَدحٌ مِنْ ماءٍ، فَعطِشْتُ فأخَذتهُ فَشربْتهُ، ثُمَّ وضَعْتهُ، فَسَلوهُمْ: هَلْ وجَدُوا المَاء فِي القَدحِ حِينَ رَجعُوا إليْهِ، قالوا: هَذهِ آيةٌ.
قَالَ: ومررْتُ بِعير بَنِي فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ رِاكِبانِ قَعُوداً لهُمَأ بِذي مَوضعٍ، فنَفرَ بعَيرهُمَا منِّي فَرمَى فُلاناً، فانْكَسرَتْ يَدهُ، فسَلُوهُمَا عَنْ ذلِكَ قالوا: وهَذهِ آيةٌ.
قَالُوا: فأخْبِرْنَا عَنْ عِيرنَا، قَالَ: مَررْتُ بِهَا بالتَّنعِيم، قالوا: فمَا عِدَّتُهَا وأحْمالُهَا، وهَيْئَتُهَا، ومَنْ فِيهَا؟ فقال: نعم هَيْئَتُهَا كَذَا وكذَا، وفِيهَا فُلانٌ، يَقدمُهَا جملٌ أوْرقُ، عليهِ غِرارتَان مَخِيطتَانِ، تَطْلعُ عَليْكُم عِند طُلُوعِ الشَّمْسِ، قالوا: وهذه آيةٌ أخرى، ثمَّ خَرجُوا
стр. 7255
يَشْتدُّونَ نحو الثَّنيَّةِ يقولون: لقَدْ قَصَّ مُحمَّد بَيْننا وبَيْنهُ، حتَّى أتَوْا كُدًى فجلسُوا عليْهَا، فجَعلُوا يَنْتظرُون مَتَى تَطلعُ الشَّمسُ فيُكَذِّبُونَهُ، إذ قال قَائلٌ منهم:» والله «هذه الشَّمسُ قد طَلعَتْ»
وقال آخرون: والله، هذه الإبلُ قد طلعتْ، يَقْدمُها بعيرٌ أورق، وفيها فلانٌ كما قال لهُم فلمْ يُؤمِنُوا، وقالوا: «إنْ هذَا إلَاّ سِحْرٌ مُبِينٌ» .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ َ: «لَقَدْ رَأيْتُني فِي الحِجْرِ، وقُريْشٌ تَسْألُنِي عَنْ مَسْرايَ، فَسألَتْنِي عَنْ أشْياءَ مِنْ بَيتِ المقْدسِ، لَمْ أثْبِتْهَا فَكرِبْتُ كَرَباً ما كَربْتُ مِثْلهُ قَطُّ، قَالَ: فَرفَعهُ الله إليَّ أنْظرُ إليْهِ، مَا يَسْألُونني عَنْ شَيءٍْ إلَاّ أنْبَأتُهمْ بِهِ، وقَدْ رَأيْتُني في جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فإذا مُوسَى قَائمٌ يُصلِّي، فَإذا رَجلٌ بثَوْبٍ جَعْدٌ، كأنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنُوءة، وإذَا عيسَى قائمٌ يُصلِّي، أقْربُ النَّاس بِهِ شَبَهاً عُروَةُ بنُ مسْعُودٍ الثَّقفيُّ، وإذا إبْراهيمُ قَائمٌ يصلِّي، أشبهُ النَّاس به شبهاً صَاحِبكُمْ - يَعْنِي نَفسَهُ - فحَانَتِ الصَّلاة، فأممْتُهُمْ فلمَّا فَرغْتُ مِنَ الصَّلاة، قَال لِي قَائِلٌ: هَذَا مَالكٌ صَاحبُ النَّار، فَسلِّمْ عَليْهِ، فالتَفَتُّ إليْهِ فَبَدأنِي بالسَّلام» .
فصل
اختلفوا في الرؤية، فقال ابن عباس: رآهُ بفؤاده مرَّتين، وأبو هريرة أطلق الرؤية، وصرَّح ابن خزيمة وآخرون بالرُّؤية بالعينين، وهو اختيار أبي الحسن الأشعريِّ والنَّوويِّ في فتاويه، واستدلَّ من منع ذلك بما روى مسلم عن أبي ذرٍّ قال: قُلت: يا رسول الله، هَلْ رَأيْتَ ربَّك قال: «نُورٌ» وفي رواية: «رأيْتُ نُوراً» .
وقالوا: لم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية، ولهذا قال تعالى لموسى فيما رُوِيَ في الكتب الإلهية: «يا مُوسَى، إنَّه لا يَرانِي حيٌّ إلَاّ مَاتَ ولا يابس إلا تَدَهْدَهَ» .
قالت عائشة وجماعة: «إنَّ ذلك كان رُؤيا منامٍ» .
стр. 7256
وقال غيرهما من الصحابة: إنَّ ذلك كان ف ياليقظة، فإنَّه ﷺ َ كان لا يرى رؤيا إلَاّ جَاءتْ مثلَ فلقِ الصُّبْحِ.
واختلف العلماءُ في أنَّ الإسراء والمعراج، هل كانا في ليلةٍ واحدةٍ، وأو كل واحدٍ في ليلةٍ؟ فمنهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام، وذهب آخرون إلى أنَّ الإسراء كان مرتين، مرَّة بروحه مناماً، ومرة بروحه يقظة، وذهب آخرون إلى تعدُّد الإسراء في اليثظة، وقالوا: «إنَّها أربع إسراءات» لتعدُّد الروايات في الإسراء، واختلاف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئاً لم يذكره الآخر، وبعضهم يذكر شيئاً ذكره الآخر، وهذا لا يدلُّ على التعدُّد؛ لأنَّ بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر؛ للعلم به، أو ينساهُ، أو يذكر ما هو الأهمُّ عنده، أو يبسطُ تارة، فيسوقه كلَّه، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له، ومن جعل كلَّ رواية إسراء على حدةٍ، فقد أبعد هذا؛ لأنَّ كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كلِّ منها تعريفه بهم، وفي كلِّها تفرض عليه الصلوات، فكيف يمكنُ أن يدعى تعدد ذلك؛ وما عدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم، ذكر هذا الفصل ابن كثير.
стр. 7257
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب﴾ الآية.
لما ذكر الله - تعالى - في الآية الأولى إكرامه محمَّداً ﷺ َ أنه أسرى به، ذكر في هذه الآية إكرام موسى ﵇ قبله بالكتاب الذي آتاهُ.
وفي «آتيْنَا» ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تعطف هذه الجملة على الجملة السابقة من تنزيه الربِّ ﵎، ولا يلزمُ في عطف الجمل مشاركة في خبر ولا غيره.
الثاني: قال العسكريُّ: إنه معطوف على «أسْرَى» واستبعده أبو حيَّان.
ووجه الاستبعادِ: أن المعطوف على الصِّلة صلةٌ، فيؤدِّي التقدير إلى صيرورة التركيب: سبحان الذي اسْرَى وآتينا، وهو في قوة: الذي آتينا موسى، فيعود الضمير على الموصول ضمير تكلُّمٍ من غير مسوِّغٍ لذلك.
والثالث: أنه معطوف على ما في قوله «أسْرَى» من تقدير الخبر، كأنه قال: أسْرَيْنا بعبدنا، أرَيْناهُ آيَاتنَا وآتَيْنَا، وهو قريبٌ من تفسير المعنى لا الإعراب.
стр. 7258
قوله: «وجَعلْنَأهُ» يجوز أن يعود ضميرُ النَّصب للكتاب، وهو الظاهر، وأن يعود لموسى ﵇.
وقوله: لألبَنِي إسْرائِيلَ «يجوز تعلقه بنفس» هُدًى «كقوله: ﴿يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] ، وأن يتعلق لالجعل، أي: جعلناه لأجلهم، وأن يتعلق بمحذوف نعتاً ل» هُدًى «.
قوله:» ألَاّ تَتَّخِذُوا «يجوز أن تكون» أنْ «ناصبة على حذف حرف العلَّة، أي: وجعلناه هدًى لئلَاّ تتخذوا. وقيل:» لا «مزيدة، والتقدير: كراهة أن تتخذوا، وأن تكون المفسرة بمعنى» أي «و» لا «ناهية، فالفعل منصوب على الأوَّل، مجزوم على الثاني، وأن تكون مزيدة عند بعضهم، والجملة التي بعدها معمولة لقولٍ مضمرٍ، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، قاله الفارسيُّ. وهذا ظاهر في قراءة الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضع زيادة طأنْ» .
وقرأ أبو عمرو «ألَاّ يَتَّخِذُوا» بياء الغيبة؛ جرياً على قوله «لبَنِي إسْرائِيلَ» والباقون بالخطاب التفاتاً. ومعنى الآية: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ لئلَاّ يتخذوا من دوني وكيلاً أي: ربًّا يكلون إليه أمورهم.
و «أنْ» في قراءة من قرأ بالياء في «ألَاّ يَتَّخِذُوا» في موضع نصب على حذف الخافض، أي: لئلَاّ يتَّخذوا، ومن قرأ بالتاء فتحتمل «أنّ» ثلاثة أوجهٍ:
أن تكون لا موضع لها، وهي التفسيرية.
وأن تكون زائدة، ويكون الكلام خبراً بعد خبر؛ على إضمار القول.
وأن تكون في موضع نصبٍ و «لا» زائدة، وحرف الجرِّ محذوفٌ مع «أن» قاله مكيٌّ.
стр. 7259
قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ .
العامَّة على نصب «ذريَّة» وفيها أوجه:
أحدها: انها منصوبةٌ على الاختصاص، وبه بدأ الزمخشري.
الثاني: أنَّها منصوبة على البدل من «وكيلاً» ، أي: ألَاّ تتخذوا من دوني ذرية من حملنا.
الثالث: أنها منصوبة على البدل من «مُوسَى» ذكره أبو البقاء، وفيه بعدٌ.
стр. 7260
الرابع: أنها منصوبة على المفعول الأول ل «تتخذوا» والثاني هو «وكيلاً» فقدِّم، ويكون «وكيلاً» ممَّا وقع مفرد اللفظ، والمعنيُّ به جمعٌ، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلاً كقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً﴾ [آل عمران: ٨٠] .
الخامس: أنها منصوبة على النداء، أي: يا ذرية من حملنا، وهو قول مجاهد وخصَّ الواحديُّ هذا الوجه بقراءة الخطاب في «تتَّخذوا» وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يلزم، وإن كان مكيٌّ قد منع منه؛ فإنه قال: «فأمَّا من قرأ» لا يتخذوا «بالياء ف» ذرية «مفعول لا غير، ويبعد النداء؛ لأن الياء للغيبة، والنداء للخطاب، فلا يجتمعان إلا على بعدٍ» وليس كما زعم؛ إذ يجوز أن ينادي الإنسان شخصاً، ويخبر عن آخر، فيقول: «يَا زيْدُ، يَنلِقُ بَكْرٌ، وفعَلتَ كذا» و «يَا زَيْدُ لِيفْعَلْ عَمرٌو كَيْتَ وكَيْتَ» .
السادس: قال مكيٌّ: وقيل: نصب على إضمار «أعْني» . وقرأت فرقة ذُريَّةُ «بالرفع، وفيها وجهان:
أحدهما: أنها خبر مبتدأ مضمرٍ تقديره: هم ذريَّة، ذكره أبو البقاء وليس بواضحٍ.
والثاني: أنها بدل من واو» تتخذوا «قال ابن عطية:» ولا يجوز ذلك في القراءة بالتاء، لأنك لا تبدل من ضمير المخاطب، لو قلت: «ضَربْتُكَ زيداً» على البدل، لم يجزْ «.
وردَّ عليه أبو حيَّان هذا الإطلاق، وقال:» ينبغي التفصيل، وهو إن كان بدل بعض أو اشتمال، جاز، وإن كان كلاًّ من كلٍّ، وأفاد الإحاطة؛ نحو: «جِئْتُم كَبِيرُكم وصَغِيركُمْ» جوَّزه الأخفش والكوفيون «.
قال:» وهو الصحيح «.
قال شهاب الدين: وتمثيل ابن عطيَّة بقوله» ضَربْتُكَ زيْداً «قد يدفع عنه هذا الرَّد.
وقال مكيٌّ:» ويجوز الرفع في الكلام على قراءة من قرأ بالياء على البدل من المضمر في «يَتَّخذوا» ولا يحسن ذلك في قراءة التاء؛ لأنَّ المخاطب لا يبدل منه الغائب، ويجوز الخفض على البدل من بني إسرائيل «.
قال شهاب الدِّين: أمَّا الرفع، فقد تقدَّم أنه قرئ به، وكأنه لم يطَّلعْ عليه، وأمَّا الجرُّ فلم يقرأ به فيما علمت، ويرد عليه في قوله» لأنَّ المخاطب لا يبدل منه الغائب «ما ورد على ابن عطيَّة، بل أولى؛ لأنه لم يذكر مثالاً يبيّن مراده، كما فعل ابن عطيَّة.
стр. 7261
قوله: ﴿مَنْ حَمَلْنَا﴾ : يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة.
قال قتادة: النَّاسُ كلُّهم ذ رية نوح ﵇ لأنَّه كان معه في السَّفينةِ ثلاث بنينَ: سَام وحَام ويَافث، والناس كلُّهم من ذريَّة أولئك، فكأن قوله: يا ذرية من حَملْنَا مَع نُوحٍ قام مقام ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ [البقرة: ٢١] .
وهذا يدلُّ على أنه ذهب إلى أنه منصوبٌ على النداء، وقد تقدَّم نقله عن مجاهدٍ أيضاً.
ثم إنه تعالى أثنى على نوح، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ أي: كثير الشُّكرِ، روي أنه ﵇ كان إذا أكل قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذي أطْعَمنِي، ولو شَاءَ لأجَاعَنِي» ، وإذَا شَرِبَ، قَالَ «الحَمْدُ للهِ الَّذي أسْقانِي ولَوْ شَاءَ لأظْمَانِي» ، وإذا اكتسى، قال: «الحَمدُ للهِ الَّذي كَسانِي، ولو شَاءَ أعْرَانِي» ، وإذا احْتَذَى، قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذي حَذانِي، ولوْ شَاءَ أحْفَانِي» ، وإذَا قَضَى حاجَتهُ، قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذي أخْرجَ عنِّ الأذى في عَافيةٍ، ولوْ شَاءَ حَبَسهُ» .
ورُوِيَ أنه كان إذا أراد الإفطار، عرض طعامهُ على من آمن به فإن وجده محتاجاً، آثرهُ به.
فإن قيل: ما وجه ملائمةِ قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ بما قبله؟ فالجواب: التقدير: كأن قيل: لا تَتَّخذُوا من دوني وكيلاً، ولا تشركوا بي؛ لأنَّ نوحاً ﵇ كان عبداً شكوراً، وإنما يكون شكوراً، إذا كان موحِّداً لا يرى حصول شيءٍ من النعم إلَاّ من فضل الله، وأنتم ذرية قومه، فاقتدوا بنوحٍ، كما أن آباءكم اقتدوا به.
стр. 7262
لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزالِ التوراة، وبأنه جعل التوراة هدًى لهم، بيَّن أنهم ما اهتدوا بهداه، بل وقعوا في الفساد، فقال: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب﴾ والقضاء في اللغة عبارةٌ عن وضع الأشياء عن إحكام، ومنه قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] .
وقول الشاعر: [الكامل]
٣٣٧٥ - وعَليْهِمَا مَسْرُودَتانِ قَضاهُمَا..... ... ... ... ... ... ... . .
стр. 7263
ويكون أمراً؛ كقوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
ويكون حكماً؛ كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٩٣] ويكون خلقاً؛ كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ومعناه [في] الآية: أعْلَمنَاهُم، وأخْبرنَاهُم فيما آتيْناهُم مِنَ الكُتبِ أنه سَيُفسِدُونَ.
وقال ابن عباس وقتادة: «وقَضَيْنَا عليهم» .
و «إلى» بمعنى «على» والمراد بالكتاب اللَّوح المحفوظ.
و «قَضَى» يتعدَّى بنفسه: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ [القصص: ٢٩] ، وإنما تعدَّى هنا ب «إلى» لتضمُّنه معنى: أنْفَذْنَا وأوْحَينَا، أي: وأنفذنا إليهم بالقضاء المحتومِ. ومتعلق القضاء محذوفٌ، أي: بفسادهم.
وقوله «لتُفْسِدُنَّ» جواب قسمٍ محذوف تقديره: والله لتُفسدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتينِ وهذا القسم مؤكدٌ لمتعلق القضاء.
ويجوز أن يكون «لتُفْسِدُنَّ» جواباً لقوله: «وقَضيْنَا» ، لأنه ضمِّن معنى القسم، ومنه قولهم: «قضَاءُ الله لأفعلنَّ» فيجرُون القضاء والنَّذرَ مجرى القسمِ، فيُتلقَّيان بما يُتَلقَّى به القسمُ.
والعامة على توحيد «الكِتابِ» مراداً به الجنس، وابن جبيرٍ وأبو العالية «في الكُتُب» جمعاً، جَاءُوا به نصًّا في الجمع.
وقرأ العامة بضمِّ التاء وكسر السِّين مضارع «أفْسَدَ» ، ومفعوله محذوف تقديره: لتُفْسِدنَّ الأديان، ويجوز ألا يقدَّر مفعولٌ، أي: لتُوْقعُنَّ الفساد.
وقرأ ابن عبَّاس ونصرُ بن عليٍّ وجابر بن زيد «لتُفْسَدُنَّ» ببنائه للمفعولِ، أي: ليُفْسِدنَّكُمْ غَيرُكم: إمَّا من الإضلال أو من الغلبة. وقرأ عيسى بن عمر بفتحِ التَّاء وضمِّ السين، أي: فَسدتُمْ بأنفسكم.
قوله: «مرَّتينِ» منصوب على المصدر، والعامل فيه «لتُفْسِدُنَّ» لأن التقدير: مرتين من الفساد.
وقوله: «عُلُوًّا» العامة على ضمِّ العين واللام مصدر علا يعلو، وقرأ زيد بن عليٍّ «
стр. 7264
عِلياً» بكسرهما والياء، والأصل الواو، وإنما أعِلَّ على اللغة القليلة؛ وذلك أن فُعولاً المصدر، الأكثر فيه التصحيح؛ نحو: عَتَا عُتُواً، والإعلال قليلٌ؛ نحو ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾ [مريم: ٦٩] على أحد الوجهين؛ كما سيأتي، وإن كان جمعاً، فالكثير الإعلال، نحو: «جِثِيًّا» وشذَّ: بَهْوٌ وبُهُوٌّ، ونَجْوٌ ونُجُوٌّ، وقاسه الفراء.
فصل
معنى ﴿وَقَضَيْنَآ﴾ : أوحينا ﴿إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض﴾ ، أي بالمعاصي وخلاف أحكام التوراة.
﴿فِي الأرض﴾ يعني أرض الشَّام وبيت المقدس.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ أي: يكون استعلاؤكم على النَّاس بغير الحقِّ استعلاءاً عظيماً؛ لأنَّه يقال لكلِّ متكبِّر متجبِّر: قد علا وتعظَّم.
стр. 7265
قوله: ﴿وَعْدُ﴾ أي: موعود، فهو مصدر واقع موقع مفعول، وتركه الزمخشريُّ على حاله، لكن بحذف مضافٍ، أي: وعدُ عقاب أولاهما. وقيل: الوعدُ بمعنى الوعيد، وقيل: بمعنى الموعد الذي يراد به الوقت، فهذه أربعة أوجهٍ، والضمير عائدٌ على المرَّتينِ.
قوله: «‘ِبَاداً لَنَا» العامة على «عِبَاد» بزنة فِعَال، وزيد بن عليٍّ والحسن «عَبِيداً» على فعيل، وتقدَّم الكلام على ذلك.
وقوله: «فَجاسُوا» عطف على «بَعثْنَا» ، أي: ترتَّب على بعثنا إياهم هذا. وجُوس بفتح الجيم وضمها مصدر جاسَ يَجُوسُ، أي: فتَّش ونقَّب، قاله أبو عبيدٍ، وقال الفراء: «قَتلُوا» قال حسان: [الطويل]
٣٣٧٦ - ومِنَّا الَّذي لاقَى بِسيْفِ مُحمَّدٍ ... فَجَاسَ بِهِ الأعْداءُ عَرْضَ العَساكرِ
وقال أبو زيد: «الجُوسُ والجَوْسُ والحَوْسُ والهَوْسُ طلب الطَّوف باللَّيْلِ» . وقال قطربٌ: «جَاسُوا: نَزلُوا» . وأنشد: [المتقارب]
٣٣٧٧ - فَجُسْنَا دِيَارهُمْ عَنْوَةً ... وأبْنَا بِسَاداتِهمْ مُوثَقِينَا
стр. 7266
وقيل: «جَاسُوا بمعنى دَاسُوا» ، وأنشد: [الرجز]
٣٣٧٨ - إلَيْكَ جُسْنَا اللَّيْلَ بالمَطِيِّ ... وقيل: الجَوْسُ: التردُّد. ق لالليث: الجَوْس، والجوسان: التردُّد وقيل: طلب الشيءِ باستقصاءٍ، ويقال: «حَاسُوا» بالحاءِ المهملة، وبها قرأ طلحةُ وأبو السَّمَّال، وقُرِئ «فجُوِّسُوا» بالجيم، بزنة نُكِّسُوا.
و «خلال الدِّيارِ» العامة على «خِلال» وهو محتملٌ لوجهين:
أحدهما: أنه جمعُ خللٍ؛ كجِبال في جبل، وجمال في جَمل.
والثاني: أنه اسمٌ مفردٌ بمعنى وسطٍ، ويدل له قراءة الحسن «خَلَلَ الدِّيارِ» .
قوله: «وكان وعْداً» ، أي: وكان الجوسُ، أو وكان وعْدُ أولاهما، أو وكان وعدُ عقابهم.
قوله تعالى: ﴿الكرة﴾ : مفعول «رَدَدْنَا» وهي في الأصل مصدر كرَّ يكُرُّ، اي: رجع، ثم يعبَّر بها عن الدَّولةِ والقهر.
قوله: «عَليْهِم» يجوز تعلُّقه ب «رَدَدْنَا» ، أو بنفس الكرَّة؛ لأنه يقال: كرَّ عليه، فتتعدَّى ب «عَلَى» ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من «الكرَّة» .
قوله: «نَفِيراً» منصوبٌ على التمييز، وفيه أوجهٌ:
أحدها: أنه فعيلٌ بمعنى فاعل، أي: أكثر نافراً، أي: من يَنْفِرُ معكم.
الثاني: أنه جمع نفرٍ؛ نحو: عَبْدٍ وعبيدٍ، قاله الزجاج؛ وهم الجماعة الصَّائرُون إلى الأعداء.
الثالث: أنه مصدر، أيك أكثر خروجاً إلى الغزو؛ قال الشاعر: [المتقارب]
٣٣٧٩ - فَأكْرِمْ بقَحْطانَ مِنْ والِدٍ ... وحِمْيَرَ اكْرِمْ بقَوْمٍ نَفِيرَا
والمفضل عليه محذوفٌ، فقدره بعضهم: أكثر نفيراً من أعدائكم، وقدَّره الزمخشريُّ: أكثر نفيراً ممَّا كنتم.
فصل في معنى الآية
معنى الآية: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ يعني أوَّل المرَّتين.
стр. 7267
قال قتادة: «إفسادهم في المرَّة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة وركبوا المحارم» .
وقال ابن إسحاق: «إفسادهم في المرَّة الأولى قتل شعيا في الشجرة، وارتكابهم المعاصي» .
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ .
قال قتادة: «يعني جالوت وجنوده، وهو الذي قتلهُ داود، فذاك هو عودُ الكرَّة» .
وقال سعيد بن جبيرٍ: «سنحاريب من أرض نينوى» وقال ابن إسحاق: «بُخْتَنصَّر البابليّ وأصحابه» وهو الأظهر، فقتل منهم أربعين ألفاً ممَّن يقرأ التوراة، وذهب بالبقيَّة إلى أرضه، فبقوا هناك في الذلِّ إلى أن قيَّض الله ملكاً آخر من أهل بابل، واتَّفق أن تزوَّج بامرأةٍ من بني إسرائيل، فطلبت تلك المرأةُ من ذلك الملك أن يردَّ بني غسرائيل غلى بيت المقدس، ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء، ورجعوا إلى أحسن ما كانوا، وهو قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ﴾ .
وقال آخرون: يعني بقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ هو أنه تعالى ألقى الرُّعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس، فلما كثرت المعاصي فيهم، أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس، فقصدوهم، وبالغوا في قتلهم، وإفنائهم، وإهلاكهم.
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرضٍ في معرفة الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لمَّا أكثروا من المعاصي، سلَّط الله عليهم أقواماً قتلوهم وأفنوهم.
فصل في الاحتجاج على صحة القضاء والقدر
احتجُّوا بهذه الآية على صحَّة القضاء والقدر من وجهين:
الأول: أنه تعالى قال: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ﴾ ، وهذا القضاءُ أقلُّ احتمالاته الحكم الجزم والخبر الحتم، فثبت أنَّه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبراً وجزماً، حتماً، لا يقبل النَّسخ؛ لأنَّ القضاء معناه الحكم الجزم، ثم إنه الله تعالى أكَّد القضاء بقوله: ﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾ .
فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد منهم يستلزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وانقلاب حكمه الجازم باطلاً، وانقلاب علمه الحقِّ جهلاً، وكل ذلك محال، فكان عدم إقدامهم
стр. 7268
على ذلك الفساد محالاً، وكان إقدامهم عليه واجباً ضرورياً، لا يقبل النَّسخ والرفع، مع أنَّهم كلِّفُوا بتركه، ولعنوا على فعله؛ وذلك يدل على أن الله قد يأمر بالشيء ويصدُّ عنه وقد ينهى عن الشيء ويسعى فيه.
الثاني: قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمراد به الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنَّهب والأسر، فبيَّن تعالى أنَّه هو الذي بعثهم على بعثهم على بني إسرائيل، ولا شكَّ أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملاً على الظلم الكبير والمعاصي العظيمة.
ثم إنه تعالى أضاف كلَّ ذلك إلى نفسه بنفسه بقوله: ثم ﴿بَعَثْنَا﴾ وذلك يدلُّ على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى. أجاب الجبائيُّ عنه من وجهين:
الأول: قوله: «بَعَثْنَا» هو أنَّه تعالى أمر أولئك القوم بغزو بني إسرائيل؛ لما ظهر فيهم من الفساد، فأضيف ذلك الفعل إلى الله من حيث الأمرُ.
والثاني: أنَّ المراد: خَلَّيْنَا بينهم وبين بني إسرائيل، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم، فالمراد من هذا البعث التخليةُ وعدم المنع.
والجواب الأوَّل ضعيفٌ؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس، وإحراق التوراة، وقتل حفَّاظ التوراة لا يجوز أن يقال: إنهم فعلوا ذلك بأمر الله.
والجواب الثاني أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ البعث عبارةٌ عن الإرسال، والتخلية عبارةٌ عن عدم المنع، فالأول فعلٌ، والثاني تركٌ، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدَّين بالآخر، وإنه لا يجوز، فثبت صحَّة ما ذكرناه.
стр. 7269
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية لما حكى تعالى عنهم بأنَّهم لما عصوا، سلَّط الله عليهم أقواماً قصدوهم بالقتل والنَّهب، فعند ذلك ظهر أنههم أطاعوا، فقال تعالى: إن أطاعوا، فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصرُّوا على المعصية، فقد أساءوا إلى أنفسهم، وقد تقرَّر في العقول أن الإحسان إلى النَّفْس حسنٌ مطلوبٌ، وأن الإساءة إليها قبيحةٌ، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ .
قوله تعالى: ﴿فَلَهَا﴾ : في اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «على» أي: فعليها كقوله: [الطويل]
٣٣٨٠ - ... ... ... ... ... ... . ...
стр. 7270
فَخَرَّ صَرِيعاً لليَدَيْنِ وللْفَمِ
أي: على اليدين. وحروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعضٍ؛ كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها.
والثاني: أنها بمعنى «إلى» .
قال الطبريُّ: «أي: فغليها ترجعُ الإساءة» .
الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دون «على» للمقابلة في قوله: «لأنْفُسكُمْ» فأتى بها ازدواجاً.
وهذه اللام يجوز أن تتعلق بفعل مقدرٍ كما تقدَّم في قول الطبريِّ، وإمَّا بمحذوف على أناه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءةُ لا لغيرها.
قال الواحدي: «لا بُدَّ في الآية من إضمارٍ؛ والتقدير: وقلنا:» إنْ أحسَنْتُم، أحسنتم لأنفُسِكُمْ «والمعنى: إنْ أحْسَنْتُمْ بفعل الطاعات، فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن تفعلوا تلك الطاعة يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات وإن أسأتم بفعل المحرَّمات، أسأتم إلى أنفسكم من حيث إنَّ شُؤم تلك المعاصي يفتحُ الله عليكم أبواب العقوبة.
قال أهل المعاني:» هذه الآيةُ تدلُّ على أن رحمة الله تعالى غالبةٌ على غضبه؛ بدليل أنَّه لما حكى عنهم الإحسان، أعاده مرتين؛ فقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ ولما حكى عنهم الإساءة، اقتصر على ذكرها مرة واحدة، فقال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ولولا أن جانب الرحمة غالبٌ، وإلَاّ لما كان ذلك «.
قوله:» فإذا جَاءَ وعدُ الآخِرةِ «، اي: المرَّة الآخرة، فحذفت» المرَّةُ «للدلالة عليها، وجواب الشرطِ محذوفٌ، تقديره: بَعَثْناهُم، ليَسًوءوا وُجُوهَكمْ، وإنما حسُن هذا الحذف لدلالة ما تقدَّم عليه من قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ [الإسراء: ٥] والمرةُ الآخرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى - عليهما الصلاة والسلام - وقصدهم قتل عيسى حين رفع.
قال الواحديُّ:» فبعث الله عليهم بختنصَّر البابليَّ المجوسيَّ، فسبى بني إسرائيل، وقتل، وخرَّب بيت المقدس، وسلَّط عليهم الفرس والرُّوم: خردوش وطيطوس؛ حتَّى قتلوهم، وسبَوْهُم، ونَفوهُمْ عن ديارهم «.
قال ابن الخطيب:» والتواريخُ تشهد أنَّ يختنصر كان قبل بعث عيسى وزكريَّا بسنين متطاولةٍ، ومعلوم أنَّ الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملكٌ من الرُّوم، يقال له: قُسطَنْطِينُ «.
стр. 7271
قوله: ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ متعلق بالجواب المقدر.
يقال: سَاءَهُ يَسُوءهُ، أي: أحْزَنَهُ وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه؛ لأنَّ آثار الأعراض الفسانيَّة الحاصلة في القلب إنَّما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النُّضرة والإشراق والإسفار في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسَّواد في الوجه، فلهذا عزيت الإساءة غلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى في القرآن كثيرٌ.
وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «لِيَسًوءَ» بالياء المفتوحة وهمزة مفتوحة آخراً.
والفاعل: إما الله تعالى، وإمَّا الوعد، وإمَّا البعثُ، وإمَّا النَّفيرُ، والكسائي بنون العظمة، أي: لِنَسُوء نحنُ، وهو موافقٌ لما قبله من قوله ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ و «وَدَدْنَا» و «أمْدَدْنَا» وما بعده من قوله: «عُدْنَا» و «جَعَلْنَا»
وقرأ الباقون «لِيَسًوءُوا» مسنداً إلى ضمير الجمع العائد على العباد أو أولي البأسِ، أو على النَّفير؛ لأنه اسم جمعٍ، وهو موافقٌ لما بعده من قوله ﴿وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ﴾ وفي عود الضمير على النفير نظر؛ لأن النفير المذكور من المخاطبين، فكيف يوصف ذلك النفير بأنه يسوءُ وجوههم؟ اللهم إلا أن يريد هذا القائلُ أنه عائدٌ على لفظه، دون معناه؛ من بابِ «عِندِي دِرْهمٌ ونِصْفهُ» .
وقرأ أبيٌّ «لِنَسُوءَنْ» بلام الأمر ونون التوكيد الخفيفة ونون العظمة، وهذا جواب ل «إذا» ولكن على حذف الفاء، أي: فَلِنَسُوءَنْ، ودخلت لامُ الأمر على فعل المتكلِّم؛ كقوله تعالى ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] .
وقرأ ابنُ أبي طالبٍ «لَيسُوءَنَّ» و «لَنَسُوءَنَّ» بالياء والنون التي للعظمة، ونون التوكيد الشديدة، واللام التي للقسم، وفي مصحف أبيِّ «لِيَسُوءُ» بضم الهمزة من غير واوٍ، وهذه القراءة تشبه أن تكون على لغةِ من يجتزئُ عن الواو بالضمة؛ كقوله: [الوافر]
٣٣٨١ - فَلوْ أنَّ الأطبَّا كَانُ حَوْلِي..... ... ... ... ... ...
يريد: «كَانُوا حَوْلِي» وقول الآخر: [الكامل]
٣٣٨٢ - ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . إذَا مَا النَّاسُ جَاعُ وأجْدَبُوا
стр. 7272
يريد «جَاعُوا» ، فكذا هذه القراءة، أي: لِيَسُوءوا، كما في القراءةِ الشهيرة، فحذف الواو.
وقرئ «لِيُسِيءَ» بضمِّ الياء وكسر السين وياء بعدها، أي: ليُقَبِّحَ الله وجوهكم، أو ليقبِّح الوعد، أو البعث. وفي مصحف أنس «وَجْهَكُمْ» بالإفراد؛ كقوله: [الوافر]
٣٣٨٣ - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... . .
وكقوله: [الرجز]
٣٣٨٤ - ... ... ... ... ... ... ... ..... في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقَدْ شَجِينَا
وكقوله:
٣٣٨٥ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... وأمَّا جِلدُهَا فَصَلِيبُ
قوله: «وليَْخُلوا» من جعل الأولى لام «كَيْ» كانت هذه أيضاً لام «كَيْ» معطوفة عليها، عطف علة على أخرى، ومن جعلها لام أمرٍ كأبيٍّ، أو لام قسم؛ كعلي بن أبي طالب، فاللام في «لِيدْخُلوا» تحتمل وجهين: الأمر والتعليل، و «كَمَا دَخلُوهُ» نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميره، كما يقول سيبويه، أي: دخولاً كما دخلوه، و «أوَّل مرَّةٍ» ظرف زمانٍ، وتقدَّم الكلام عليها في براءة.
والمراد بالمسجد بيت المقدس ونواحيه.
قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ التتبير الهلاك، يقال: تبر الشيء تبراً وتباراً وتبرية إذا هلك، وتبَّرهُ: أهلكه، وكلُّ شيء جعلته مكسَّراً مفتَّتا، فقد تبَّرتهُ، ومنه قيل: تب رالزجاج، وتبر الذَّهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] ، وقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظالمين إِلَاّ تَبَاراً﴾ [نوح: ٢٨] وقوله: «ما عَلَوْا» يجوز في «ما» أن تكون مفعولاً بها، أي: ليهلكوا الذي عَلوْهُ، أي: غلبوا عليه وظفروا وقيل: لِيهْدمُوه: كقوله: [الطويل]
٣٣٨٦ - ومَا النَّاسُ إلَاّ عَامِلانِ، فعَاملٌ ... يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وآخَرُ رَافِعُ
ويحتمل: «ويُتَبِّرُوا ما داموا غالبين» أي: ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل، وعلى هذا تكون ظرفية، أي: مدَّة استعلائهم، وهذا يحوجُ إلى حذف مفعولٍ، اللهم إلا أنْ يكون القصدُ مجردَ ذِكْرِ الفعل؛ نحو: هو يعطي ويمنع.
وقوله: «تَتْبيراً» ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر، وإزالة الشكِّ في صدقه كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] أي حقًّا، والمعنى ليُدمِّرُوا ويخرّبوا ما غلبوا عليه.
стр. 7273
ثم قال: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ والمعنى: لعلَّ ربَّكم أن يرحمكم، ويعفُوَ عَنْكُم يا بني إسرائيل بعد انتقامهِ منكم بردِّ الدَّولة إليكم.
﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ أي: إن عدتم إلى المعصية، عدنا إلى العقوبة، قال القفال: «وإنَّما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف خبراً عن بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي، وهو التكذيب بمحمد ﷺ َ وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير، وقريظة وبني قينقاع، ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية، لا ملك لهم ولا سلطان. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ .
يجوز أن تكون» حصيراً «بمعنى فاعل، أي: حاصرة لهم، محيطة بهم، وعلى هذا: فكان ينبغي أن تؤنَّث بالتاء كجبيرة. وأجيب: بأنها على النَّسب، أي ذات حصرٍ؛ كقوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] ، أي ذات انفطارٍ، وقيل: الحصيرُ: الحبسُ، قال لبيد: [الكامل]
٣٣٨٧ - ومَقامَةٍ غُلْبٍ الرِّجالِ كَأنَّهم ... جِنٌّ لَدى بَابِ الحَصِير قِيَام
وقال أبو البقاء:» لم يؤنثه؛ لأنَّ فعيلاً بمعنى فاعلٍ «وهذا منه سهوٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى أن تكون الصفةُ التي على فعيلٍ، إذا كانت بمعنى فاعل، جاز حذف التاء منها، وليس كذلك لما تقدَّم من أن فعيلاً بمعنى فاعل يلزمُ تأنيثه، وبمعنى مفعول يجب تذكيره، وما جاء شاذًّا من النوعين يؤوَّلُ.
وقيل: إنما لم يؤنَّث لأنّ تأنيث «جهنَّم» مجازيٌّ.
وقيل: لأنها في معنى السِّجْن والمحبس، وقيل: لأنها بمعنى فراشٍ.
ويجوز أن تكون بمعنى مفعول أي: جعلناها موضعاً محصوراً لهم، والمعنى: أنَّ عذاب الدنيا، وإن كان شديداً إلا أنه قد يتفلَّت بعض النَّاس عنه، والذي يقع فيه يتخلَّص عنه إمَّا بالموت، أو بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة، فإنَّه يكون محيطاً به، لا رجاء في الخلاص منه.
стр. 7274
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الآية.
стр. 7275
لما شرح فعله في حقِّ عباده المخلصين، وهو الإسراء برسول الله ﷺ َ وإيتاء التَّوراة لموسى ﵇، وما فعله في حقِّ العصاة، وهو تسليطُ البلاء عليهم - كان ذلك تنبيهاً على أنَّ طاعة الله توجب كلَّ خيرٍ، ومعصيته توجب كلَّ بلية، ولا جرم أثنى على القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .
قوله تعالى: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ : نعتٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: للحالةِ، أو للملَّة، أو للطريقة قال الزمخشريُّ: «وأيّتما قدَّرتَ؛ لمْ تَجِدْ مَعَ الإثباتِ ذَوْقَ البلاغة الذي تَجدهُ مع الحذفِ؛ لِما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامةٍ تفقد مع إيضاحه» .
قال ابن الخطيب: وقولنا: هذا الشَّيء أقومُ من ذاك إنما يصح في شيئين اشتركا في معنى الاستقامة، ثم كان حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين، أكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية، وهذا هنا محال؛ فكان وصفه بأنه أقوم مجازاً، إلا أن لفظ «أفْعَل» قد جاء بمعنى الفاعل، كقولنا: «اللهُ أكْبَرُ» ، أو يحمل هذا اللفظ على الظاهر المتعارف، ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أي بالخصلة التي هي أحسنُ.
ومعنى «هِيَ أقْومُ» أي: إلى الطريقة التي هي أصوبُ.
وقيل: إلى الكلمة التي هي أعدلُ وهي شهادة أن لا إله إلا الله ﴿وَيُبَشِّرُ﴾ - يعني القرآن - ﴿المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ﴾ أي: بأنَّ لهم ﴿أَجْراً كَبِيراً﴾ وهو الجنَّة.
قوله تعالى: ﴿وأَنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ﴾ : فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفاً على «أنَّ» الأولى، أي: يُبشِّرُ المؤمنين بشيئين: بأجرٍ كبيرٍ، وبتعذيب أعدائهم، ولا شكَّ أنَّ ما يصيب عدوَّك سرورٌ لك، وقال الزمخشري: «ويحتمل أن يكون المراد: ونخبر بأنَّ الَّذينَ» .
قال أبو حيّان: «فلا يكون إذ ذاك داخلاً تحت البشارةِ» . قال شهابُ الدِّين: قول الزمخشريُّ يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون قوله «ويحتمل أن يكون المراد: ويخبر بأنَّ» من باب الحذف، أي: حذف «ويُخْبِرُ» وأبقى معموله، وعلى هـ١ذا فيكون «أنَّ الَّذينَ» غير داخلٍ في حيِّز البشارة بلا شكٍّ، ويحتمل أن يكون قصده: أنه يريد بالبشارة مجرَّد الإخبار، سواءٌ كان بخيرٍ أم بشرٍّ، وهل هو فيهما حقيقةٌ أو في أحدهما، وحينئذ يكون جمعاً بين الحقيقة والمجاز؛ أو استعمالاً للمشترك في معنييه؛ وفي المسألتين خلافٌ مشهورٌ، وعلى هذا: فلا يكون قوله «وأنَّ الَّذينَ لا يؤمِنُونَ» غير داخلٍ في حيِّز البشارةِ، إلَاّ أنَّ الظاهر من حالِ
стр. 7276
الزمخشريِّ: أنَّه لا يجيزُ الجمع بين الحقيقةِ والمجازِ، ولا استعمال المشتركِ في معنييه.
فصل
اعلم أن العمل الصَّالحَ، كما يوجب لفاعله النَّفع الأكمل الأعظم، كذلك تركه يوجب الضَّرر الأكمل الأعظم، فإن قيل: كيف يليقُ لفظ البشارة بالعذاب؟ .
فالجواب: هذا مذكورٌ على سبيل التهكُّم، أو من باب إطلاق أحد الضِّدَّين على الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وتقدَّم الكلام عليه قبل الفصل، فإن قيل: هذه الآية [واردة] في شرح أحوالِ اليهود، وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة، فكيف يليق بهذا الموضع قوله تعالى: ﴿وأَنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالآخرة أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؟ .
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنَّ أكثر اليهود ينكرُون الثواب والعقاب الجسمانيين.
والثاني: أن بعضهم قال: ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] فهم بهذا القول صاروا كالمنكرينَ للآخرةِ.
стр. 7277
في الباءين ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهما متعلقتان بالدُّعاء على بابهما؛ نحو: «دَعوْتُ بكذا» والمعنى: أنَّ الإنسان في حال ضجره قد يدعو بالشَّر، ويلحُّ فيه، كما يدعو بالخير ويلحُّ فيه.
والثاني: أنهما بمعنى «في» بمعنى أنَّ الإنسان إذا أصابه ضرٌّ، دعا وألحَّ في الدعاءِ، واستعجل الفرجَ؛ مثل الدعاءِ الذي كان يحبُّ أن يدعوهُ في حالة الخير، وعلى هذا: فالمدعوُّ به ليس الشرَّ ولا الخير، وهو بعيدٌ.
الثالث: أن تكون للسَّبب، ذكره أبو البقاء، والمعنى لا يساعده، والمصدر مضافٌ لفاعله.
وحذفت الواو ولفظها الاستقبال بللَاّم الساكنة؛ كقوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: ١٨] وحذف في الخط أيضاً، وهي غير محذوفة في المعنى.
فصل في نظم الآية
وجه النَّظم: أن الإنسان بعد أن أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن، وخصه بهذه
стр. 7278
النعم العظيمة، قد يعدل على التمسُّك بشرائعه، والرُّجوع إلى بيانه، ويقدم علىما لا فائدة فيه، فقال: ﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير﴾ .
واختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشرِّ، فقيل: المراد منه النضر بن الحارث، حيث قال: اللهُم، إن كان هذا هو الحقَّ من عندكَ. فأجاب الله دعاءه، وضُربَتْ رَقَبتهُ، وكان بعضهم يقول: ائْتِنَا بعذابِ الله، وآخرون يقولون: مَتَى هذا الوعد إن كنتم صَادقِينَ، وإنَّما فعلوا ذلك؛ للجَهْلِ، ولاعتقادِ أن محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كاذبٌ فيما يقول.
وقيل: المراد أنَّ الإنسان في وقت الضجر يلعنُ نفسه، وأهله وولده، وماله؛ كدعائه ربَّه أن يهب له النعمة والعافية، ولو استجاب الله دعاءه على نفسه في الشرِّ، كما يستجيب له في الخير، لهلك، ولكنَّ الله لا يستجيبُ؛ لفضله.
رُوِيَ أن النبي المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - «دفع إلى سودةَ بنت زَمْعةٍ أسيراً، فاقبل يَئِنُّ باللَّيْلِ، فقالت له: مَا لَكَ تَئِنُّ؟ فَشَكَى ألم القدِّ، فأرْخَتْ لهُ مِنْ كتافه، فلمَّا نَامَتْ أخرجَ يدهُ، وهَربَ فلمَّا أصْبحَ النبي ﷺ َ دعا بِهِ، فأعْلمَ بِشأنهِ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: اللَّهُمَّ اقطعْ يَدهَا، فَرفَعتْ سَوْدَةُ ﵂ يَدهَا تتَوقَّعُ أن يَقْطعَ الله يَدهَا، فقَال النَّبيُّ ﷺ َ: إنِّي سَألتُ الله أنْ يَجْعلَ دُعائِي على مَنْ لا يَسْتحقُّ عَذاباً مِنْ أهْلِي رَحْمةً؛ لأنِّي بَشرٌ أغْضَبُ كَمَا تَغْضَبُونَ» .
وقيل: يحتمل أن يكون المرادُ أنَّ الإنسان قد يبالغُ في الدُّعاء طلباً للشَّيء، يعتقد أنَّ خيره فيه، مع أنَّ ذلك الشيء منبع لشرِّه وضرره، وهو يبالغ في طلبه؛ لجهله بحال ذلك الشَّيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل؛ لكونه عجولاً مُغْتَرًّا بظواهر الأمور غير متفحِّصٍ عن حقائقها، وأسرارها.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ .
وقيل: المراد الجنس؛ لأنَّ أحداً من النَّاس لا يعرى عن عجلةٍ، ولو تركها، لكان تركها أصلح له في الدِّين والدُّنيا، ومعنى القولين واحدٌ؛ لأنَّا إذا حملنا الإنسان على آدم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو أبُو البشر وأصلهم، فإذا وصف بالعجلة، كانت الصفة لازمةً لأولاده.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵁: «عَجُولاً» ضَجُوراً لا صبر له على سرَّاء ولا ضرَّاء.
стр. 7279
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ الآية.
في تقرير النظم وجوهٌ:
أحدها: أنه تعالى لمَّا بيَّن في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدِّين، وهو القرآن، أتبعه بما أوصله إليهم من نعم الدُّنيَا، فقال : ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ فكما أنَّ القرآن ممتزجٌ من المحكم والمتشابه، فكذلك الزَّمان مشتمل على الليل والنهار، فالمحكم كالنهار، والمتشابه كاللَّيل، وكما أن المقصود من التكليف لا يتمُّ إلَاّ بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك الوقت والزَّمان لا يكمل الانتفاع به إلَاّ باللَّيل والنَّهار.
وثانيها: أنه تعالى لما بيَّن أن هذا القرآن يهدي للَّتي هي أقومُ، وليس الأقومُ إلَاّ ذكر الدَّلائلِ الدَّالة على التَّوحيد والنبوَّة، لا جرم أردفهُ بذكر دلائلِ التَّوحيد، وهو عجائبُ العالم العلويِّ والسفليِّ.
وثالثها: أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولاً، أي: متنقلاً من صفةٍ إلى صفةٍ، ومن حالةٍ غلى حالةٍ بيَّن أن أحوال كلِّ هذا الالم كذلك، وهو الانتقال من النُّورِ غلى الظلمة وبالضِّد، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصانِ.
قوله تعالى: ﴿آيَتَيْنِ﴾ : يجوز أن يكون هو المفعول الأوَّل، و «اللَّيْلَ والنَّهارَ» ظرفان في موضع الثاني، قدِّما على الأول، والتقدير: وجعلنا آيتين في اللَّيل والنَّهار، والمراد بالآيتين: إمَّا الشمسُ والقمر، وإمَّا تكوير هذا على هذا، وهذا على هذا، ويجوز أن يكون «آيَتَيْن» هو الثاني، و «اللَّيل والنَّهار» هما الأول، ثم فيه احتمالان:
أحدهما: أنه على حذف مضافٍ: إمَّا من الأول، أي: نيِّري الليل والنهار، وهما القمرُ والشمس، وإمَّا من الثاني، أي: ذوي آيتين.
والثاني: أنه لا حذف، وأنهما علامتان في أنفسهما، لهما دلالة على شيء آخر. قال أبو البقاء: طفلذلك أضاف في موضعٍ، ووصف في آخر «يعني أنه أضاف الآية إليهما في قوله» آيَة اللَّيلِ «و» آيَة النَّهارِ «ووصفهما في موضع آخر بأنَّهما آيتان؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ هذا كلُّه إذا جعلنا الجعل تصييراً متعدِّياً لاثنين، فإن جعلناه بمعنى» خَلَقْنَا «كان» آيَتَيْنِ «حالاً، وتكون حالاً مقدَّرة.
واستشكل بعضهم أن يكون» جَعلَ «بمعنى صيَّر، قال:» لأنَّه يَستَدْعِي أن يكون الليلُ والنهارُ موجودين على حالةٍ، ثم انتقل عنها إلى أخرى «.
стр. 7280
فصل في المقصود ب:» آيتين «
ومعنى» آيَتَيْنِ «أي: علامتين دالَّتيْنِ على وجودنا، ووحدانيتنا، وقُدْرتِنَا.
قيل: المراد من الآيتين نفس الليل والنهار، أي أنَّه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدِّين والدنيا.
أمَّا في الدِّين فلأنَّ كلَّ واحد منهما مضادٌّ للآخر، مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدَّوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودتين بذاتيهما، بل لا بُدَّ لهما من فاعل يدبِّرهما، ويقدِّرهما بالمقادير المخصوصة.
وأما في الدنيا؛ فلأنَّ مصالح الدنيا لا تتمُّ إلا باللَّيل والنَّهار، فلولا الليل، لما حصل السُّكون والرَّاحة، ولولا النهار، لما حصل الكسب والتَّصرُّف.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل﴾ وعلى هذا تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية الَّتي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهارُ مبصرة، ونظيره قولنا: نفس الشيء وذاته، فكذلك آيةُ الليل هي نفس الليل، ومنه يقال: «دَخلتُ بلادَ خُراسَان» أي: دخلت البلاد الَّتي هي خُراسَانَ، فكذا ها هنا.
وقيل: على حذف مضاف، أي: وجعلنا نيِّري اللَّيل والنهار، وقد تقدَّم.
وفي تفسير «المَحْوِ» قولان:
الأول: ما يظهر في القمر من الزيادة والنُّقصان، فيبدو في أوًّل الأمْرِ في صورة الهلالِ، ثمَّ يتزايدُ نورهُ، حتَّى يصير بدراً كاملاً، ثم ينقص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحوُ، إلى أن يعود إلى المحاقِ.
والثاني: أنَّ نور القمر هو الكلفُ الذي يظهر في وجهه، يروى أن الشمس والقمر كانا سواءً في النُّور.
قال ابن عبَّاس ﵁: «جَعلَ الله تعالى نُور الشَّمس سبعينَ جُزْءاً، ونُورَ القمر سبْعينَ جُزْءاً، فمحا من نور القمر تسعة وستِّين جزءاً، فجعلها مع نُور الشمس، فأرسلَ الله تعالى جبريل ﵊ ُ - فأمرَّ جناحه على وجه القمر، فطمس عنه الضَّوء» .
ومعنى «المَحْوِ» في اللغة: إذهاب الأثرِ، تقول: مَحوْتهُ أمْحوهُ، وانْمَحَى، وامْتَحَى: إذا ذَهبَ أثره.
وحمل المَحْوِ ها هنا على الوجه الأوَّل أولى؛ لأنَّ اللام في قوله: ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ متعلق بالوجه الأول، وهو محوُ آية الليل، وجعل آية
стр. 7281
النهار مبصرة؛ لأنَّ بسبب اختلاف أحوال نور القمر تعرف السِّنون والحساب، ويبتغى فضل الله تعالى.
وأهلُ التجارب بيَّنوا أنَّ اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار ف يالمدِّ والجزرِ، ومثل أحوال التجربات على ما يذكره الأطباء في ك تبهم، وبسبب زيادة نُور القمر ونقصانه تحصل الشهور، وبسبب معاودة الشُّهور تحصل السِّنون العربية المبنية على رؤية الهلالِ.
ويمكن أيضاً إذا حملنا المحو على الكلف أن يكون برهاناً قاهراً على صحَّة قول المسلمين في المبدأ والمعاد؛ لن جرم القمر بسيطٌ عند الفلاسفة، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدلُّ على أنه ليس بسبب الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصَّص بعض أجزائه بالنُّور الضعيف وبعض اجزائه بالنور القوي، وذلك يدل على أن مدبِّر العالم فاعلٌ مختارٌ بالذَّات، واعتذر الفلاسفة عنه بأنَّه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز وجه الكواكب في أجرام الأفلاك، فلمَّا كانت تلك الأجرام أقلَّ ضوءاً من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر، كالكلف في وجه الإنسان، وهذا ليس بشيء؛ لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء، فحصول تلك الأجرام الظلمانيَّة في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ليس إلَاّ لمخصِّصٍ حكيم، وكذلك القولُ في أحوال الكواكب؛ لأنَّ الفلك جرمٌ بسيطٌ متشابه الأجزاء، فلم يكَن حصول جرم الكواكب ف يبعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب، وذلك يدلُّ على أنَّ اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعيَّن من الفلك لأجلِ تخصيص العالم الفاعل المختار.
روي أن ابن الكواء سأل عليًّا ﵁ عن السَّواد الذي في القمر، فقال: هو أثَرُ المَحْوِ.
قوله: «مُبْصِرةً» فيه أوجه:
أحدها: أنه من الإسناد المجازيِّ؛ لأنَّ الإبصار فيها لأهلها؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] لمَّا كانت سبباً للإبصار؛ لأن الإضاءة سببٌ لحصول الإبصار، فأطلق الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبِّب على السَّبب.
وقيل: «مُبْصِرة» : مضيئة، وقال أبو عبيدة: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه، فهو من باب أفعل، والمراد غير من أسند الفعل إليه؛ كقولهم: «أضْعفَ الرَّجلُ» أي: ضَعُفتْ ماشيته، و «أجْبَنَ الرَّجلُ» إذا كان أهله جبناء، فالمعنى أنَّ أهلها بصراءُ.
стр. 7282
وقرأ علي بن الحسين وقتادة «مَبْصَرة» بفتح الميم والصاد، وهو مصدر أقيم مقام الاسمِ، وكثر هذا في صفات الأمكنة نحو: «مَذْأبَة» .
ثم قال : ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي لتبصروا كيف تتصرَّفون في أعمالكم، ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ أي لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما، لم يعرف الليل من النهار؛ ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يدر وقت الحجِّ، ولا وقت حلول الآجالِ، ولا وقت السكون والرَّاحة.
واعلم أن الحساب مبنيٌّ على أربع مراتب: الساعات، والأيام، والشُّهور، والسِّنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين، وهي الشُّهور، والأيَّام، والسَّاعات، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلَاّ التكرار؛ كما أنَّهم رتَّبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمئات، والألوف، وليس بعدها إلا التكرار.
قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوبٌ على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لتقدم جملة فعلية؛ وكذلك «وكُلَّ إنسانٍ ألْزمْنَاه» .
والثاني - وهو بعيد: - أنه منصوب نسقاً على «الحِسابَ» ، أي: لتعلموا كل شيء أيضاً، ويكون «فصَّلناهُ» على هذا صفة.
والمعنى: أنه تعالى لمَّا ذكر أحوال آيتي اللَّيل والنَّهار، وهما من وجهٍ: دليلان قاطعان على التَّوحيد، ومن وجهٍ آخر: نعمتان عظيمتان من الله على الخلق، فلما شرح الله تعالى حالهما، وفصَّل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق؛ ومن وجوه النِّعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلاً نافعاً وبياناً كاملاً، فلا جرم قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ أي: فصَّلنا لكم كلَّ ما تحتاجون إليه في مصالح دينكم ودنياكم، فهو كقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وإنما ذكر المصدر، وهو قوله: «تَفْصِيلاً» لأجل تأكيد الكلامِ وتقريره، فكأنه قال: «وفَصَّلنَاهُ حقًّا على الوجهِ الذي لا مزيد عليه» .
стр. 7283
قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية.
في كيفية النَّظم وجوهٌ:
أولها: أنه تعالى لمَّا قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء: ١٢] كان معناه أن ما يحتاج إليه من شرح دلائلِ التَّوحيد، والنُّبوَّة، والمعاد، فقد صار مذكوراً وأن كلَّ ما يحتاج إليه من شرح
стр. 7284
أحوال الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فقد صار مذكوراً، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل، فلا جرم: كل من ورد عرصة القيامة، ألزمناه طائره في عنقه، ونقول له: ﴿اقرأ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ .
وثانيها: أنه تعالى، لمَّا بيَّن أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدِّين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار، وغيرهما، كان منعماً عليهم بجميع وجوه النِّعم، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته، فلا جرم: كلُّ من ورد عرصة القيامة، فإنه يكون مسئولاً عن أعماله وأقواله.
وثالثها: أنه تعالى بيَّن أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل، كان المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكِّنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من ورد عرصة القيامة، سألته، هل أتى بتلك الخدمة والطَّاعة، أو تمرَّد وعصى.
وقرئ «في عُنْقهِ» بإسكان النون وهو تخفيف ٌ شائعٌ.
فصل
اختلفوا في الطائر، فقال ابن عبَّاس ﵁: «عمله، وما قدر عليه من خير أو شرٍّ، فهو ملازمه، أينما كان» .
وقال الكلبي ومقاتل: «خيره وشره معه لا يفارقه حتَّى يحاسبه» ، وقال الحسن: يمنه وشؤمه، وعن مجاهد: «ما من مولود إلَاّ في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقيٌّ أو سعيدٌ» .
وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، سمِّي طائراً على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها، فكانوا غذا أرادوا الإقدام على عملٍ من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خيرٍ أو إلى شرٍّ، اعتبروا أحوال الطَّير، وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار، فهو يطير متيامناً أو متياسراً، أو صاعداً إلى الجوّ، أإلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها، ويستدلّون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر بالطائر، فلما كثر ذلك منهم، سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] وقوله : ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] فالمعنى: أنَّ كلَّ إنسان ألزمناه عمله في عنقه.
стр. 7285
وقال أبو عبيدة والقتيبيُّ: الطائر عند العرب الحظّ، وتسمِّيه الفرس البخت، فالطائر ما طار له من خيرٍ وشرٍّ من قولهم: طار سهمُ فلانٍ بكذا، وخصَّ العنق من سائر الأعضاء؛ لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزينُ، أو يشينُ، فما يزين، فهو كالتطوُّق والحليِّ، وما يشين، فهو كالغُلِّ، فعمله إن كان خيراً فهو زينة كالتطوق، أو كان شرًّا، فهو شينٌ كالغلِّ في رقبته، فقوله: «في عُنقهِ» كناية عن اللُّزوم؛ كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي: قلَّدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: قلَّدتك كذا، وطوَّقتك كذا، أي: صرفته إليك، وألزمتك إياه، ومنه «قلَّدهُ السُّلطانُ كذا» أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادةِ، ومكان الطوقِ، ومنه يقال: فلانٌ يقلِّدُ فلاناً أي: جعل ذلك الاعتقاد كالقلادةِ المربوطةِ في عنقه.
وهذه الآية أدلُّ دليلٍ على أنَّ كلَّ ما قدَّره الله - تعالى - على الإنسان، وحكم به عليه في سابق علمه، فهو واجب الوقوع، ممتنع العدمِ؛ لأنه تعالى بيَّن أن ذلك العمل لازمٌ له، وما كان لازماً للشيء؛ كان ممتنع الزَّوال عنه، واجب الحصول له، وأيضاً: فإن الله - تعالى - أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه بقوله: «ألْزَمنَاهُ» ، وذلك تصريحٌ بأنَّ الإلزام إنما صدر منه كقوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى﴾ [الفتح: ٢٦] وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «جفَّ القَلمُ بِمَا هُو كَائِنٌ إلى يَومِ القِيامَةِ» .
قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً﴾ .
العامة على «نُخْرِجُ» بنون العظمة مضارع «أخْرجَ» ، و «كِتاباً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به.
والثاني: أنه منصوب على الحال من المفعول المحذوف؛ إذ التقدير: ونخرجه له كتاباً، أي: ونخرج الطائر.
ويُرْوَى عن أبي جعفرٍ: «ويَخْرَجُ» مبنياً للمفعول، كتاباً نصب على الحال، والقائم مقام الفاعل ضمير الطائر، وعنه أنَّه رفع «كتاباً» وخُرِّج على أنه مرفوعٌ بالفعل المبنيِّ للمفعول، والأولى قراءة قلقة.
وقرأ الحسن: «ويَخْرُجُ» بفتح الياء وضمِّ الراءِ، مضارع «خَرجَ» «كتابٌ» فاعل الطائر، أي: ويخرجُ له طائره في هذا الحال، وقرئ «ويُخْرِجُ» بضمِّ الباؤ وكسر الراء، مضارع «أخرجَ» والفاعل ضمير الباري تعالى، «كتاباً» مفعولٌ.
следующие страницы →