Полный текст (12 961 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
النهار مبصرة؛ لأنَّ بسبب اختلاف أحوال نور القمر تعرف السِّنون والحساب، ويبتغى فضل الله تعالى.
وأهلُ التجارب بيَّنوا أنَّ اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار ف يالمدِّ والجزرِ، ومثل أحوال التجربات على ما يذكره الأطباء في ك تبهم، وبسبب زيادة نُور القمر ونقصانه تحصل الشهور، وبسبب معاودة الشُّهور تحصل السِّنون العربية المبنية على رؤية الهلالِ.
ويمكن أيضاً إذا حملنا المحو على الكلف أن يكون برهاناً قاهراً على صحَّة قول المسلمين في المبدأ والمعاد؛ لن جرم القمر بسيطٌ عند الفلاسفة، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدلُّ على أنه ليس بسبب الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصَّص بعض أجزائه بالنُّور الضعيف وبعض اجزائه بالنور القوي، وذلك يدل على أن مدبِّر العالم فاعلٌ مختارٌ بالذَّات، واعتذر الفلاسفة عنه بأنَّه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز وجه الكواكب في أجرام الأفلاك، فلمَّا كانت تلك الأجرام أقلَّ ضوءاً من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر، كالكلف في وجه الإنسان، وهذا ليس بشيء؛ لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء، فحصول تلك الأجرام الظلمانيَّة في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ليس إلَاّ لمخصِّصٍ حكيم، وكذلك القولُ في أحوال الكواكب؛ لأنَّ الفلك جرمٌ بسيطٌ متشابه الأجزاء، فلم يكَن حصول جرم الكواكب ف يبعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب، وذلك يدلُّ على أنَّ اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعيَّن من الفلك لأجلِ تخصيص العالم الفاعل المختار.
روي أن ابن الكواء سأل عليًّا ﵁ عن السَّواد الذي في القمر، فقال: هو أثَرُ المَحْوِ.
قوله: «مُبْصِرةً» فيه أوجه:
أحدها: أنه من الإسناد المجازيِّ؛ لأنَّ الإبصار فيها لأهلها؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] لمَّا كانت سبباً للإبصار؛ لأن الإضاءة سببٌ لحصول الإبصار، فأطلق الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبِّب على السَّبب.
وقيل: «مُبْصِرة» : مضيئة، وقال أبو عبيدة: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه، فهو من باب أفعل، والمراد غير من أسند الفعل إليه؛ كقولهم: «أضْعفَ الرَّجلُ» أي: ضَعُفتْ ماشيته، و «أجْبَنَ الرَّجلُ» إذا كان أهله جبناء، فالمعنى أنَّ أهلها بصراءُ.
стр. 7282
وقرأ علي بن الحسين وقتادة «مَبْصَرة» بفتح الميم والصاد، وهو مصدر أقيم مقام الاسمِ، وكثر هذا في صفات الأمكنة نحو: «مَذْأبَة» .
ثم قال : ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي لتبصروا كيف تتصرَّفون في أعمالكم، ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ أي لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما، لم يعرف الليل من النهار؛ ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يدر وقت الحجِّ، ولا وقت حلول الآجالِ، ولا وقت السكون والرَّاحة.
واعلم أن الحساب مبنيٌّ على أربع مراتب: الساعات، والأيام، والشُّهور، والسِّنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين، وهي الشُّهور، والأيَّام، والسَّاعات، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلَاّ التكرار؛ كما أنَّهم رتَّبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمئات، والألوف، وليس بعدها إلا التكرار.
قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوبٌ على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لتقدم جملة فعلية؛ وكذلك «وكُلَّ إنسانٍ ألْزمْنَاه» .
والثاني - وهو بعيد: - أنه منصوب نسقاً على «الحِسابَ» ، أي: لتعلموا كل شيء أيضاً، ويكون «فصَّلناهُ» على هذا صفة.
والمعنى: أنه تعالى لمَّا ذكر أحوال آيتي اللَّيل والنَّهار، وهما من وجهٍ: دليلان قاطعان على التَّوحيد، ومن وجهٍ آخر: نعمتان عظيمتان من الله على الخلق، فلما شرح الله تعالى حالهما، وفصَّل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق؛ ومن وجوه النِّعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلاً نافعاً وبياناً كاملاً، فلا جرم قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ أي: فصَّلنا لكم كلَّ ما تحتاجون إليه في مصالح دينكم ودنياكم، فهو كقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وإنما ذكر المصدر، وهو قوله: «تَفْصِيلاً» لأجل تأكيد الكلامِ وتقريره، فكأنه قال: «وفَصَّلنَاهُ حقًّا على الوجهِ الذي لا مزيد عليه» .
стр. 7283
قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية.
في كيفية النَّظم وجوهٌ:
أولها: أنه تعالى لمَّا قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء: ١٢] كان معناه أن ما يحتاج إليه من شرح دلائلِ التَّوحيد، والنُّبوَّة، والمعاد، فقد صار مذكوراً وأن كلَّ ما يحتاج إليه من شرح
стр. 7284
أحوال الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فقد صار مذكوراً، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل، فلا جرم: كل من ورد عرصة القيامة، ألزمناه طائره في عنقه، ونقول له: ﴿اقرأ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ .
وثانيها: أنه تعالى، لمَّا بيَّن أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدِّين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار، وغيرهما، كان منعماً عليهم بجميع وجوه النِّعم، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته، فلا جرم: كلُّ من ورد عرصة القيامة، فإنه يكون مسئولاً عن أعماله وأقواله.
وثالثها: أنه تعالى بيَّن أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل، كان المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكِّنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من ورد عرصة القيامة، سألته، هل أتى بتلك الخدمة والطَّاعة، أو تمرَّد وعصى.
وقرئ «في عُنْقهِ» بإسكان النون وهو تخفيف ٌ شائعٌ.
فصل
اختلفوا في الطائر، فقال ابن عبَّاس ﵁: «عمله، وما قدر عليه من خير أو شرٍّ، فهو ملازمه، أينما كان» .
وقال الكلبي ومقاتل: «خيره وشره معه لا يفارقه حتَّى يحاسبه» ، وقال الحسن: يمنه وشؤمه، وعن مجاهد: «ما من مولود إلَاّ في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقيٌّ أو سعيدٌ» .
وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، سمِّي طائراً على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها، فكانوا غذا أرادوا الإقدام على عملٍ من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خيرٍ أو إلى شرٍّ، اعتبروا أحوال الطَّير، وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار، فهو يطير متيامناً أو متياسراً، أو صاعداً إلى الجوّ، أإلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها، ويستدلّون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر بالطائر، فلما كثر ذلك منهم، سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] وقوله : ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] فالمعنى: أنَّ كلَّ إنسان ألزمناه عمله في عنقه.
стр. 7285
وقال أبو عبيدة والقتيبيُّ: الطائر عند العرب الحظّ، وتسمِّيه الفرس البخت، فالطائر ما طار له من خيرٍ وشرٍّ من قولهم: طار سهمُ فلانٍ بكذا، وخصَّ العنق من سائر الأعضاء؛ لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزينُ، أو يشينُ، فما يزين، فهو كالتطوُّق والحليِّ، وما يشين، فهو كالغُلِّ، فعمله إن كان خيراً فهو زينة كالتطوق، أو كان شرًّا، فهو شينٌ كالغلِّ في رقبته، فقوله: «في عُنقهِ» كناية عن اللُّزوم؛ كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي: قلَّدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: قلَّدتك كذا، وطوَّقتك كذا، أي: صرفته إليك، وألزمتك إياه، ومنه «قلَّدهُ السُّلطانُ كذا» أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادةِ، ومكان الطوقِ، ومنه يقال: فلانٌ يقلِّدُ فلاناً أي: جعل ذلك الاعتقاد كالقلادةِ المربوطةِ في عنقه.
وهذه الآية أدلُّ دليلٍ على أنَّ كلَّ ما قدَّره الله - تعالى - على الإنسان، وحكم به عليه في سابق علمه، فهو واجب الوقوع، ممتنع العدمِ؛ لأنه تعالى بيَّن أن ذلك العمل لازمٌ له، وما كان لازماً للشيء؛ كان ممتنع الزَّوال عنه، واجب الحصول له، وأيضاً: فإن الله - تعالى - أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه بقوله: «ألْزَمنَاهُ» ، وذلك تصريحٌ بأنَّ الإلزام إنما صدر منه كقوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى﴾ [الفتح: ٢٦] وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «جفَّ القَلمُ بِمَا هُو كَائِنٌ إلى يَومِ القِيامَةِ» .
قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً﴾ .
العامة على «نُخْرِجُ» بنون العظمة مضارع «أخْرجَ» ، و «كِتاباً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به.
والثاني: أنه منصوب على الحال من المفعول المحذوف؛ إذ التقدير: ونخرجه له كتاباً، أي: ونخرج الطائر.
ويُرْوَى عن أبي جعفرٍ: «ويَخْرَجُ» مبنياً للمفعول، كتاباً نصب على الحال، والقائم مقام الفاعل ضمير الطائر، وعنه أنَّه رفع «كتاباً» وخُرِّج على أنه مرفوعٌ بالفعل المبنيِّ للمفعول، والأولى قراءة قلقة.
وقرأ الحسن: «ويَخْرُجُ» بفتح الياء وضمِّ الراءِ، مضارع «خَرجَ» «كتابٌ» فاعل الطائر، أي: ويخرجُ له طائره في هذا الحال، وقرئ «ويُخْرِجُ» بضمِّ الباؤ وكسر الراء، مضارع «أخرجَ» والفاعل ضمير الباري تعالى، «كتاباً» مفعولٌ.
стр. 7286
قوله تعالى: «يَلْقاهُ» صفةٌ ل «كتاباً» ، و «مَنْشُوراً» حالٌ من هاء «يَلْقَاهُ» وجوَّز الزمخشري وأبو البقاء وأبو حيَّان أن يكون نعتاً لِ «كِتَاباً» ، وفيه نظر؛ من حيث إنه يلزم تقدم الصفة غير الصَّريحةِ، على الصَّريحةِ، وقد تقدَّم ما فيه.
وقرأ ابن عامرٍ وأبو جعفر «يُلقَّاهُ» بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مضارع لُقِّي بالتشديد قال تعالى:
﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: ١١] والباقون بالفتح والسكون والتخفيف مضارع «لَقِيَ» .
فصل
قال الحسن: بسطنا لَكَ صحيفةً، ووُكِّل بك ملكانِ، فهما عن يمينك، وعن شمالِكَ، فأمَّا الذي عن يمينك، فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك، فيحفظ سيِّئاتك؛ حتَّى إذا متَّ طُويَتْ صحيفتك، وجعلت معك في قبرك؛ حتى تخرج لك يوم القيامة، فقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ أي: من قبره.
قوله تعالى: ﴿اقرأ كَتَابَكَ﴾ : على إضمار القول، أي: يقال له: اقرأ، وهذا القول: إمَّا صفةٌ أو حالٌ، كما في الجملة قبله. وهذا القائل هو الله تعالى.
قال الحسن: «يَقْرءُوهُ أمِّيًّا كان، أو غير أمِّيٍّ» .
وقال أبو بكر بن عبد الله ﵁: يؤتى المؤمنُ يوم القيامةِ بصحيفته، وحسناته في ظهرها، يغبطه الناس عليها، وسيئاته في جوف صحيفته، وهو يقرؤها، حتَّى إذا ظنَّ أنها قد أوبقته، قال الله له: «قَدْ غَفَرْتُ لَكَ فِيمَا بَينِي وبَينكَ» فيعظم سروره ويصير من الَّذين قال الله في حقهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨، ٣٩] .
قوله تعالى: ﴿كفى بِنَفْسِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
المشهور عند المعربين: أنَّ «كَفَى» فعل ماضٍ، والفاعل هو المجرور بالباء، وهي فيه مزيدة، ويدلُّ عليه أنها إذا حذفت ارتفع؛ كقوله: [الطويل]
٣٣٨٨ - ويُخْبِرنِي عَن غَائبِ المَرْءِ هَديهُ ... كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرءُ مُخْبِرا
وقوله: [الطويل]
٣٣٨٩ - ... ... ... ... ... .....
стр. 7287
كَفَى الشَّيْبُ والإسلامُ للمَرْءِ نَاهِيَا
وعلى هذا؛ فكان ينبغي أن يؤنَّث الفعل؛ لتأنيث فاعله، وإن كان مجروراً؛ كقوله ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ﴾ [الأنعام: ٤] . وقد يقال: إنه جاء على أحد الجائزين؛ فإن التأنيث مجازيٌّ.
والثاني: أن الفاعل ضمير المخاطب، و «كفى» على هذا اسم فعل أمر، أي: اكتفِ، وهو ضعيف؛ لقبولِ «كَفَى» علاماتِ الأفعالِ.
الثالث: أن فاعل «كََفَى» ضمير يعود على الاكتفاء، وتقدَّم الكلام على هذا. و «اليَوْمَ» نصبٌ ب «كَفَى» .
قوله: «حَسِيباً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه تمييزٌ، قال الزمخشريُّ: «وهو بمعنى حاسبٍ؛ كضريب القداح؛ بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ذكرهما سيبويه، و» على «متعلقة به من قولك: حَسِبَ عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى الكافي ووضع موضع الشَّهيد، فعدِّي ب» عَلَى «لأنَّ الشاهد يكفي المدَّعي ما أهمَّه، فإن قلت: لِمَ ذكر» حَسِيباً «؟ قلت: لأنه بمنزلةِ الشاهد، والقاضي، والأمين، وهذه المور يتولَاّها الرجال؛ فكأنَّه قيل: كفى بنفسك رجلاً حسيباً، ويجوز أن تتأوَّل النفس بمعنى الشخص، كما يقال: ثلاثةُ أنفسٍ» . قلت: ومنه قول الشاعر: [الوافر]
٣٣٩٠ - ثَلاثةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَودٍ ... لقَد جَارَ الزَّمانُ على عِيَالِي
والثاني: أنه منصوب على الحال، وذكر لما تقدم، وقيل: حسيبٌ بمعنى محاسب؛ كخليطٍ وجليسٍ بمعنى: مخالطٍ ومجالسٍ.
قال الحسن ﵁: «عَدلَ، والله، في حقّك من جعَلكَ حَسِيبَ نَفْسكَ» .
وقال السديُّ: «يقول الكافر يومئذٍ: إنَّك قَضيْتَ أنَّك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسِبُ نفسِي فيقال له: اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً» .
стр. 7288
هذه الآية تدلُّ على أنَّ ثواب العمل الصَّالح مختصٌّ بفاعله، وعقاب الذنب مختصٌّ
стр. 7289
بفاعله، لا يتعدَّى منه إلى غيره، كقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى﴾ [النجم: ٣٩، ٤٠] .
قال الكعبيُّ: «الآية دالةٌ على أنَّ العبد متمكِّن من الخير والشَّر، وأنه غير مجبورٍ على فعل بعينه أصلاً؛ لأنَّ قوله تعالى جلَّ ذكرهُ: ﴿مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكِّن منه، كيف شاء وأراد، وأمَّا المجبور على أحد الطَّرفين، الممنوع من الطَّرف الثاني، فهذا لا يليق بهذه الآية» وتقدَّم الجواب. ثم إنه تعالى أعاد تقرير أنَّ كلَّ أحدٍ مختصٌّ بعمل نفسه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ .
قال الزجاج: يقال: وَزَرَ يَزرُ، فهو وَازِرٌ وَوَزِرٌ وِزْراً وَزِرَة، ومعناه: أثِمَ يَأثمُ إثماً.
وقال: في تأويل الآية وجهان:
الأول: أنَّ المذنب لا يؤاخذُ بذنبِ غيره، بل كلُّ أحدٍ مختصٌّ بذنب نفسه.
والثاني: أنَّه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم؛ لأنَّ غيره عمله كقول الكفَّار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] .
فصل
دلَّت هذه الآية على أحكام:
الأول: قال الجبائيُّ: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذِّب الأطفال بكفر آبائهم، وإلَاّ لكان الطفل يؤاخذ بذنب أبيه. وذلك خلافُ ظاهر الآية.
الثاني: روى ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ َ أنه قال: «إنَّ المَيِّتَ ليُعذّبُ بِبُكاءِ أهلهِ عَليْهِ» .
وطعنت عائشة ﵂ في صحَّة هذا الخبر بهذه الآية. فإن تعذيب الميت ببكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره، وهو خلاف هذه الآية.
والحديث لا شكَّ في صحَّته؛ لأنَّه في الصحيحين.
وفي الصحيحين أيضاً عن عمر بنِ الخطَّاب ﵁ أنَّ النبي ﷺ َ قال: «إنَّ الميِّت يُعذَّبُ بِبُكاءِ الحيِّ» .
стр. 7290
وفي صحيح البخاريِّ: «المَيِّتُ يُعذَّبُ في قَبْره بِمَا نِيحَ عَليْهِ» .
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ َ يقول: «إنَّهُ مَنْ نِيحَ عليهِ يُعذَّبُ بِمَا نِيحَ عَليْهِ» .
وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «الميِّتُ يُعذَّبُ بِبُكاءِ الحيِّ، إذا قَالتِ النَّائِحَةُ: واعَضُداهُ، ونَاصِراهُ، وكَاسِيَاهُ حَبَّذا الميِّتُ، قيل لهُ: أنْتَ عَضُدهَا، أنْتَ نَاصرُهَا، أنْتَ كَاسِيهَا» .
وفي رواية: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَموتُ فَيقُومُ بَاكيهم، فيقُول: واجَبلاهُ، وسنداه وأنْسَاهُ، ونحو ذلك، إلَاّ وكِّلَ به ملكان يلهَذانهِ أهكذا كُنت» اللَّهْذُ واللَّهْزُ مثل اللَّكْز والدفع.
وروى البخاريُّ عن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أختهُ عمرة تبكي، وتقول: واجبلاهُ واكذا واكذا، تُعدِّدُ عليه، فقال حينَ أفَاقَ: ما قُلْت شَيْئاً إلَاّ قِيل لِي: أنْتَ كذلِكَ؟ فلمَّا مَاتَ لم تَبْك عَليْهِ.
فإن قيل: أنكرتْ عائشة وغيرها ذلك، وقالت لما ذكر لها حديث ابن عمر: يغفر الله لأبي عبد الرَّحمن، أما إنَّهُ لمْ يكذبْ ولكنَّه نَسِيَ أو أخطأ إنَّما مَرَّ رسول الله ﷺ َ على يهودية يبكى عليها، فقال ﷺ َ: «إنَّهُمْ لَيبْكُونَ عَليْهَا وإنَّها لتُعذَّبُ في قَبْرهَا» متَّفقٌ عليه.
ولمُسْلم: إنَّما مرَّ رسول الله ﷺ َ على قبرِ يهوديٍّ، فقال: «إنَّه ليُعذَّبُ بِخَطيئَتِه أو بِذنْبهِ، وإنَّ أهلَهُ ليَبْكُونَ عليْهِ الآنَ» .
وفي رواية متَّفق عليها: إنما قال رسول الله ﷺ َ: «إنَّ الله ليَزيدُ الكافر عذاباً بِبُكاءِ أهْلهِ عليْهِ» وقالت: حسبكمُ القُرآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الإسراء: ١٥] وقال
стр. 7291
بعض العلماء: إنَّما هذا فيمن أوصى أن يناح عليه كما كان أهل الجاهليَّة.
والجواب أنه يجب قبول أن الحديث لا يمكن ردُّه؛ لثبوته وإقرار أعيان الصَّحابة له على ظاهره.
وعائشة ﵂ لم تخبر أنَّ النبي ﷺ َ نفى ذلك، وإنَّما تأوَّلتْ على ظاهر القرآن، ومن أثبت وسمع حجة على من نفى وأنكر.
وظاهر القرآن لا حجَّة فيه؛ لأنَّ الله - تعالى - نفى أن يحمل أحد من ذنب غيره شيئاً، والميِّتُ لا يحمل من ذنب النائحة شيئاً، بل إثمُ النَّوح عليها، وهو قد يعذَّب من جهة أخرى بطريق نوحها، كمن سنَّ سنَّة سيئة، مع من عمل بها، ومن دعا إلى ضلالة، مع من أجابه.
والحديث الذي روتهُ حديثٌ آخر لا يجوز أن يردَّ به خبر الصَّادق؛ لأنَّ القوم قد يشهدون كثيراً ممَّا لا تشهد، مع أنَّ روايتها تحقِّق ذلك الحديث؛ فإنَّ الله - تعالى - إذا جاز أن يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله، جاز أن يعذِّب الميت ابتداء ببكاء أهله.
ثم في حديث ابن رواحة وغيره ممَّا تقدَّم ما ينصُّ على أن ذلك في المسلم؛ فإنَّ ابن رواحة كان مسلماً، ولم يوص بذلك، ثمَّ إنَّ الصحابة الذين رووه، لو فهموا منه الموصي، لما عجبوا منه، وأنكره من أنكره؛ فإنَّ من المعلوم أنَّ من أمر بمنكرٍ، كان عليه إثمه، ولو كان ذلك خاصًّا بالموصِي، لما خص بالنَّوح، دون غيره من المنكراتِ، ولا بالنَّوح على نفسه، دون غيره من الأموات.
وق لبعض العلماء: لمَّا كان الغالب على النَّاس النَّوح على الميِّت، وهو من أمور الجاهليَّة التي لا يدعونها في الاسلام، ولا يتناهى عنها أكثر النَّاس خرِّج الحديث على الأعمِّ الأغلب فيمن لم ينه عن النَّائحة، وهي عادة النَّاس، فيكون تركهُ للنَّهي مع غلبةِ
стр. 7292
ظنِّه بأنَّها تفعل إقراراً للمنكرِ وتركاً لإنكاره، فيعذب على ما تركه من الإنكار، ورضي به من المنكر، وأما من نهى عنه، وعصي أمره، فالله أكرم من أن يعذِّبه.
قال ابن تيمية: وهذا قريبٌ. وأجود منه، إن شاء الله - تعالى - أن العذاب على قسمين:
أحدهما: ألمٌ وأذى يلحقُ الميِّت بسبب غيره، وإن لم يكن من فعله؛ كما يلحق أهل القبُور من الأذى بمجاورة الجارِ السيّئ، وبالأعمال القبيحة عند القبور، والجلوس على القبر، أو التغوُّط عليه، إلى غير ذلك من الأشياء التي يتألَّم الإنسانُ بها حيًّا وميتاً، وإن لم تكن من فعله. فهذا الميِّت لما عصي الله بسببه، ونيح عليه، لحقهُ عذابٌ وألمٌ من هذه المعصية.
قال القاضي: سُئِلتُ عن ميِّتٍ دفن في داره، وبقُربِ قبره أولاد يشربون ويستعملون آلة اللَّهْو، هل يتأذَّى الميِّت؟ .
فأجبت: أنَّه يتأذَّى.
وروى بإسناده عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ َ قال: «إنَّ المَيِّتَ يُؤذِيهِ في قَبْرهِ ما يُؤذِيهِ في بَيْتهِ» .
وعن ابن عبَّاس ﵁: إذا مات لأحدكم الميِّت، فأحسنوا كفنه، وعجَّلوا إنفاذ وصيته، وأعمقوا له في قبره، وجنِّبُوهُ جار السَّوءِ.
قيل: يا رسُول الله: وهَلْ يَنفَعُ الجَارُ الصَّالحُ في الآخرة؟ قال: وهَلْ يَنْفَعُ في الدُّنيا؟ قالوا: نَعَمْ، قال: وكَذلِكَ يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ.
الثاني: أنَّ طبع البشر يُحِبُّ في حياته أن يبكى عليه بعد موته؛ لما فيه من الشَّرف والذِّكر، كما يحبُّ أن يثنى عليه، ويذكر بما يحبُّ، وكما يحبُّ أن يكون المالُ والسلطان لعقبه، وإن أيقن أنَّه لا لذَّة له بذلك بعد الموت، فعوقب بنقيض هذه الإرادة من عذاب
стр. 7293
النَّوح والبكاء؛ ليعلم النَّاس بذلك، فيتناهون عن هذه أو يكرهونه، فمن لم يكره النَّوح والبكاء، فهو باقٍ على موجب طبعه، ومن كرهه، كانت تلك الكراهةُ مانعة من لُحوقِ الذمِّ به.
الثالث: قال القاضي: دلَّت هذه الآية على أنَّ الوزْرَ والإثم ليس من فعل الله - تعالى -، وذلك من وجوهٍ:
أحدها: أنه لو كان كذلك، لامتنع أن يؤاخذ العبد به، كما لا يؤاخذ بوزْرِ غيره.
وثانيها: أنَّه كان يحبُّ ارتفاع الوِزْرِ أصلاً؛ لأنَّ الوزر إنَّما يصحُّ أن يوصف بذلك، إذا ك ان مختاراً يمكنه التحرُّز، ولهذا المعنى لا يوصف الصَّبيُّ بذلك.
الرابع: أن جماعة من الفقهاء المتقدِّمين امتنعوا من ضرب الدِّية على العاقلة، قالوا: لأنَّ ذلك يفضي إلى مؤاخذة الإنسان بفعل الغير، وذلك مضادٌ لهذه الآية.
ونجيب عنها بأنَّ المخطئ [غير مؤاخذٍ] على ذلك الفعل، فكيف يصير غيره مؤاخذاً بسبب ذلك الفعل، بل ذلك تكليفٌ واقعٌ ابتداءً من الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ .
إقامة للحجَّة وقطعاً للعذر.
واستدلُّوا بهذه الآية على أنَّ وجوب شكر النِّعم لا يثبت بالعقل، بل بالسمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ .
وذلك لأنَّ الوجوب لا يتقرَّر إلَاّ بترتيب العقاب على التَّرك، ولا عقاب قبل الشَّرع بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى﴾ [طه: ١٣٤] .
ولقائل أن يقول: هذا الاستدلالُ ضعيف من وجهين:
الأول: أنه لو لم يثبت الوجوب العقليُّ، لم يثبت الوجوب الشرعيُّ ألبتة، وهذا باطل.
فذلك باطل، وبيان الملازمة من وجوهٍ:
أنه إذا جاء الشَّارع، وادعى كونه نبيًّا من عند الله - تعالى - وأظهر المعجزة، فهل يجب على المستمع استماعُ قوله، والتأمُّل في معجزاته، أو لا يجب؟ .
فإن وجب بالعقل، فقد ثبت الوجوب العقليُّ، وإن وجب بالشَّرع، فهو باطلٌ؛ لأنَّ
стр. 7294
ذلك الشارع إمَّا أن يكون هو ذلك المدَّعي أو غيره، والأول باطلٌ؛ لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أنَّ ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقوله. وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان الشَّارع غيره، كان الكلام كما في الأول، ولزم الدَّور والتَّسلسل، وهما محالان.
وثانيها: أنَّ الشَّارع، إذا جاء، وأوجب بعض الأفعال، وحرَّم بعضها، فلا معنى للإيجاب أو التَّحريم إلا أن يقول: إن تركت كذا، أو فعلت كذا، عاقبتك، فنقول: إمَّا أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب، وذلك الاحترازُ إمَّا أن يجب بالعقل، أو بالسَّمع، فإن وجب بالعقل، فهو المقصود، وإن وجب بالسَّمع، لم يتقرَّر معنى هذا الوجوب إلَاّ بسبب ترتيب العقاب عليه، وحينئذٍ يعود التقسيمُ الأول، ويلزم التسلسل.
وثالثها: أنَّ مذهب أهل السنَّة أنه يجوز من الله - تعالى - أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب، وإذا كان كذلك ماهية الوجوب حاصلة، مع عدم العقاب، فلم يبق إلَاّ أن يقال: ماهية الوجوب إنَّما تتقرَّر بسبب حصول الخوف من الذَّم والعاقب؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّ الوجوب العقلي لا يمكن دفعه، وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان:
الأول: أن نجري الآية على ظاهرها، ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه، لما تقررت رسالةُ أحدٍ من الرُّسل.
فالعقل هو الرسول الأصليُّ، فكان معنى الآية: حتى نبعث رسولاً؛ أي رسول العقل.
والثاني: أن نخصِّص عموم الآية، فنقول: المراد وما كنا معذِّبين حتَّى نبعث رسولاً أي رسول العقل في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلَاّ بالشَّرع لا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلَاّ أنه يجب المصير إليه عند قيام الدَّلالة، وقد بينا قيام الدلائل الثلثة على أنا لو نفينا الوجوب العقلي، لزمنا نفي الوجوب الشرعيِّ.
قال ابن الخطيب: والذي نذهبُ إليه: أن مجرَّد العقل يدلُّ على أنه يجب علينا فعل ما ينتفع به، وتركُ ما يتضرَّر به؛ لأنَّا مجبولون على طلب النفع، والهرب من الضَّرر، فلا جرم: كان العقل وحده كافياً في الوجوب في حقِّنا، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء، وذلك لأنه منزَّه عن طلب النفع، والهرب من الضَّرر، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعلٍ أو تركه.
стр. 7295
قرأ العامَّةُ «أمَرْنَا» بالقصر والتخفيف، وفيه وجهان:
стр. 7296
أحدهما: أنه من الأمرِ الذي هو ضدُّ النهي، ثم اختلف القائلون بذلك في متعلق هذا لأمر، فعن ابن عبَّاس ﵄ في آخرين: أنه أمرناهم بالطاعة، ففسقوا، وقد ردَّ هذا الزمخشريُّ ردًّا شديداً، وأنكره إنكاراً بليغاً في كلام طويل، حاصله: أنه حذف ما لا دليل عليه، وقدَّر هو متعلق الأمر: الفسق، أي: أمرناهم بالفسق، قال: «أي: أمرناهم بالفسق، فعملوا، لأنه يقال: أمَرْتهُ، فقام، وأمرته، فقرأ، وهذا لا يفهم منه إلا أنَّ المأمور به قيامٌ أو قراءة، فكذا هاهنا، لمَّا قال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ .
وجب أن يكون المعنى: أمرناهم بالفسق، ففسقوا، ولا يقال: هذا يشكل بقوله: أمرتهُ فعصَانِي، أو فَخالفَنِي؛ فإنَّ هذا لا يفهم منه إلَاّ أنَّ المأمور به قيامٌ أو قراءةٌ، فكذا هاهنا، كما قال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ . وجب أن يكون المعنى: أمرناهُمْ بالفسق، ففسقُوا، ولا يقال: هذا يُشكل بقوله: أمرتُهُ فعصاني، أو فخالفني؛ فإنَّ هذا لا يُفهم منه أنِّي امرتُهُ بالمعصية، والمخالفةِ؛ لأنَّ المعصية مُخَالفةٌ للأمْرِ، ومُناقِضَةٌ له، فيكونُ كونها مأموراً بها محالاً.
فلهذا الضرورة تركنا هذا الظَّاهر، وقلنا: الأمر مجازٌ؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازاً، ووجه المجازِ: أنه صبَّ عليهم النعمة صبًّا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، واتِّباع الشَّهوات، فكأنَّهم مأمورون بذلك؛ لتسبُّبِ إيلاءِ النِّعمةِ فيه، وإنما خوَّلهم فيها ليشكروا» .
ثم قال: «فإن قلت: فهلَاّ زعمت أنَّ معناه: أمرناهم بالطَّاعة ففسقوا؟ قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائزٍ، فكيف حذف ما الدليل قائمٌ على نقيضه؟ وذلك أنَّ المأمور به، إنَّما حذف لأنَّ» فَفَسقُوا «يدلُّ عليه، وهو كلامٌ مستفيضٌ؛ يقال:» أمَرْتُه، فقَامَ «و» أمَرتهُ فَقَرأ «لا يفهم منه إلَاّ أن المأمور به قيامٌ أو قراءةٌ، ولو ذهبت تقدِّر غيره، رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم [على] هذا قولهم: أمَرتهُ، فعصَانِي» أو فَلمْ يَمْتثِلْ «لأنَّ ذلك منافٍ للأمر مناقضٌ له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأموراً به، فكان محالاً أن يقصد أصلاً؛ حتّى يجعل دالاًّ على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير منويٍّ، ولا مراد؛ لأن من يتكلَّم بهذا الكلام لا ينوي لأمره مأموراً به؛ فكأنَّه يقول: كان منِّي أمر، فكان منه طاعة، كما أنَّ من يقول:» فلانٌ يأمر وينهى، ويعطي ويمنع «لا يقصد مفعولاً.
فإن قلت: هلَاّ كان ثبوت العلم بأنَّ الله لا يأمر بالفحشاءِ دليلاً على أن المراد: أمرناهم بالخيرِ؟ .
قلت: لأنَّ قوله «فَفسَقوا» يدافعه؛ فكأنك أظهرت شيئاً، وأنت تضمر خلافه، ونظير «أمَرَ» : «شاء» في أن مفعوله استفاض حذف مفعوله؛ لدلالةِ ما بعده عليه؛ تقول: لو شاء، لأحسن إليك، ولو شاء، لأساء إليك، تريد: لو شاء الإحسان، ولو شاء الإساءة، ولو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت، وقلت: قد دلَّتْ حال من أسندت إليه المشيئةُ أنه من
стр. 7297
أهلِ الإحسان، أو من أهل الإساءةِ، فاتركِ الظاهر المنطوق، وأضمر ما دلت عليه حالُ المسند إليه المشيئةُ، لم تكن على سدادٍ «.
وتتَّبعه أبو حيَّان في هذا، فقال: أمَّا ما ارتكبه من المجاز، فبعيد جدًّا، وأما قوله:» لأنَّ حذف ما لا دليل عليه غير جائزْ «فتعليلٌ لا يصح فيما نحن بسبيله، بل ثمَّ ما يدل على حذفه، وقوله:» فكيف يحذف ما الدليل على نقيضه قائمٌ «إلى» علم الغيب «فنقول: حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه، ومنه ما مثَّل به في قوله» أمَرْتهُ، فقَامَ «، وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضدِّه، أو نقيضه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار﴾ [الأنعام: ١٣] أي: ما سكن وتحرَّك، وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] ، أي: والبرد، وقول الشاعر: [الوافر]
٣٣٩١ - ومَا أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضاً ... أريدُ الخَيْرَ أيُّهُمَا يَلِينِي
أألْخَيْرُ الَّذي أنَا أبْتَغيهِ ... أم الشَّرُّ الذي هُوَ يَبْتَغينِي
أي: وأجْتنِبُ الشَّر، وتقول:» أمَرتهُ، فلمْ يُحْسِنْ «فليس المعنى: أمرته بعدم الإحسان، بل المعنى: أمرته بالإحسانِ، فلم يحسِن، والآية من هذا القبيل، يستدلُّ على حذف النَّقيضِ بنقيضه، كما يستدلُّ على حذلف النظير بنظيره، وكذلك:» أمَرْتهُ، فأسَاءَ إليَّ «ليس المعنى: أمَرْتهُ بالإساءة، بل أمرته بالإحسان، وقوله:» ولا يَلزَمُ هذا قولهم:
أمَرْتهُ فعَصانِي «نقول: بل يلزمُ، وقوله» لأنَّ ذلك منافٍ «أي: لأنَّ العصيانَ منافٍ، وهو كلامٌ صحيح، وقوله:» فكان المأمورُ به غير مدلُولٍ عليه ولا مَنْوي «لا يسلَّم بل مدلولٌ عليه ومنويٌّ لا دلالة الموافق بل دلالة المناقض؛ كما بيَّنا، وقوله:» لا يَنوِي مأموراً به «لا يلسَّم، وقوله» لأنَّ «فَفَسقُوا» يدافعه، إلى آخره «قلنا: نعم، نوى شيئاً، ويظهر خلافه؛ لأنَّ نقيضه يدل عليه، وقوله: ونظير» أمَرَ «» شَاءَ «ليس نظيره؛ لأن مفعول» أمَرَ «كثر التصريح به. قال سبحانه جل ذكره: ﴿إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ [الأعراف: ٢٨] ﴿أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾ [الأعراف: ٢٩] ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بهاذآ﴾ [الطور: ٣٢] ، وقال الشاعر: [البسيط]
٣٣٩٢ - أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أمِرْتَ بِهِ..... ... ... ... ... ... ... .
قال شهاب الدين ﵀: والشيخ ردَّ عليه ردَّ مستريحٍ من النَّظرِ، ولولا خوفُ السآمةِ على الناظرِ، لكان للنظر في كلامهما مجالٌ.
قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: كما أنَّ قوله: «أمَرْتُهُ» ، فَعصَانِي «يدلُّ على أن المأمور به شيءٌ غير المعصية من حيث إنَّ المعصية منافية للأمر مناقضةٌ له، فكذلك قوله: أمرته ففسق يدلُّ أنَّ المأمور به شيء غير الفسقِ؛ لأن الفسقَ عبارةٌ عن الإتيان
стр. 7298
بضدِّ المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به، كما أنَّ كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها؛ فوجب أن يدلَّ هذا اللفظ على أنَّ المأمور به ليس بفسقٍ، وهذا في غاية الظهور.
الوجه الثاني: أنَّ» أمَرْنَا «بمعنى كَثَّرْنَا قال الواحديُّ: العرب تقول: أَمِرَ القومُ: إذا أكثروا. ولم يرض به الزمخشريُّ في ظاهر عبارته، فإنه قال: وفسَّر بعضهم» أمَرْنَا «ب» كَثَّرْنَا «وجعله من باب:» فعَّلتُه، فَفَعَلَ «ك» ثَبَّرْتُهُ فَثَبَر «. وفي الحديث:» خَيْرُ المَالِ سكَّة مَأبورةٌ، ومُهرةٌ مَأمُورةٌ «، أي: كثيرة النِّتاجِ. وقد حكى أبو حاتم هذه اللغة، يقال: أمِرَ القوم، وأمرهم الله، ونقله الواحديُّ عن أهل اللغة، وقال أبو عليٍّ:» الجيِّدُ في «أمَرْنَا» أن يكون بمعنى «كَثَّرْنَا» واستدلَّ أبو عبيدة بما جاء في الحديث، فذكره؛ يقال: أمر الله المهرة، أي: كثَّر ولدها، قال: «ومَنْ أنكر» أمَرَ الله القومَ «أي: كثَّرهم [لم يلتفت إليه؛ لثبوت ذلك لغة» ويكونُ ممَّا لزم وتعدى بالحركةِ المختلفة؛ إذ يقال: أمر القوم، كثروا، وأمرهم الله: كثَّرهُمْ] ، وهو من باب المطاوعة: أمرهم الله، فأتمروا، كقولك: شَتَرَ اله عينهُ، فَشتِرَتْ، وجدعَ أنْفَهُ فجَدِعَ، وثلمَ سنَّهُ، فثَلِمَتْ.
وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر، وعكرمة «أمِرْنَا» بكسر الميم؛ بمعنى «أمَرْنَا» بالفتح، حكى أبو حاتم، عن أبي زيدٍ: أنه يقال: «أمَرَ الله [مالهُ،] وأمِره» بفتح الميم وكسرها، وقد ردَّ الفراء وهذه القراءة، ولا يلتفت لردِّه؛ لثبوتها لغة بنقل العدولِ، وقد نقلها قراءة عن ابن عبَّاس أبو جعفر، وأبو الفضل الرازيُّ في «لَوامحهِ» فكيف تردُّ؟ .
وقرأ عليُّ بن أبي طالب، وابن أبي إسحاق وأبو رجاء ﵃ في آخرين «آمَرْنَا» بالمدِّ، ورُويتْ هذه قراءة عن ابن كثير وأبي عمرو، وعاصم ونافع، واختارها يعقوب، والهمزة فيه للتعدية.
وقرأ عليٌّ أيضاً، وابن عباس، وأبو عثمان النهديُّ: «أمَّرْنَا» بالتشديد، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ التضعيف للتعدية، عدَّاه تارة بالهمزة، وأخرى بتضعيف العين، كأخرجته وخرَّجته.
والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أمراء، واللازم من ذلك «أمِّرَ» ق لالفارسي: «لا وجه
стр. 7299
لكون» أمَّرنَا «من الإمارة؛ لأنَّ رئاستهم لا تكون إلَاّ لواحد بعد واحد، والإهلاكُ إنَّما يكون في مدَّة واحدةٍ» . ورُدَّ على الفارسي: بأنَّا لا نسلم أنَّ الأمير هو الملكُ؛ حتى يلزم المترف إذا ملك، ففسق، ثم كذلك، كثر الفساد، ونزل بهم على الآخر من ملوكهم العذاب، واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال: فإنَّ المعاني الثلاثة تجتمع فيها، يعني: المر، والإمارة، والكثير.
المترف في اللغة: المُنَعَّم، والغنيُّ: الَّذي قد أبطرته النِّعمة، وسعةُ العيش.
قوله تعالى: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ أي: خرجوا عمَّا أمرهم الله.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا القول﴾ : أي: وجب عليها العذاب.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خرَّبناها، وأهلكنا من فيها، وهذا كالتقرير، لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً﴾ [القصص: ٥٩] .
فصل في الاحتجاج لأهل السنة
استدلَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم من وجوه:
الأول: أنَّ ظاهر الآية يدل على أنَّه تعالى أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسَّل إلى إهلاكهم بهذا الطريق؛ وهذا يدلُّ على أنَّه - تعالى - إنما خصَّ المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنَّهم يفسقون، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى أراد منهم الفسقَ.
الثالث: أنه - تعالى - قال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا القول﴾ أي: حقَّ عليها القول بالتَّعذيب والكفر، ومتى حقَّ عليها القول بذلك، امتنع صدور الإيمان منهم؛ لأنَّ ذلك لا يستلزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محالٌ، والمفضي إلى المحال محالٌ.
قال الكعبيُّ ﵀ إنَّ سائر الآيات دلَّت على أنَّه - تعالى - لا يبتدئ بالتعذي والإهلاك؛ لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . وقوله : ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وقوله - عز ذكره: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] .
وكلُّ هذه الآيات تدل على أنَّه لا يبتدئ بالإضرار، وأيضاً: ما قبل هذه الآية يدلُّ على هذا المعنى، وهو قوله - تعالى -: ﴿مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الإسراء: ١٥] .
стр. 7300
ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض؛ فثبت أنَّ هذه الآيات محكمة، والآيات التي نحن في تفسيرها مجملة؛ فيجب حمل هذه الآية علىتلك الآيات.
واعلم أنَّ أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية على وجه يوافق قول المعتزلة: «القَفَّالُ» - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - فإنه ذكر وجهين:
الأول: أنه - تعالى - أخبر أنَّه لا يعذِّب أحداً بما يعلمه منه، ما لم يعمل به أي: لا يجعل علمه حجَّة على من علم أنَّه إذا أمره عصاه، بل يأمره، فإذا ظهر عصيانه للنَّاس، فحينئذٍ يعاقبه.
وقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ .
معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم بظهور معاصيهم، فحينئذ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ . أي: أمرنا المنعَّمينَ فيها المتعزّزين الظَّانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم تردُّ عنهم بأسنا بالإيمان والعمل بشرائع ديني، على ما يبلّغهم عنّي رسولي، ففسقوا، فحينئذ يحقُّ عليهم القضاء السابق بإهلاكهم، لظهور معاصيهم، فحينئذ أدمِّرُها.
والحاصل: أن المعنى: وإذا اردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف [في تحقيق] ذلك الإهلاك بمجرَّد ذلك العلم، بل أمرنا مترفيها، ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق، فحينئذ نوقع العذاب الموعود به.
الوجه الثاني: أنَّ التأويل: وإن أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها، لم نعاجلهم بالعذاب في أوَّل ظهور المعاصي بينهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.
وإنَّما خصَّ المترفين بذلك الأمر؛ لأنَّ المترف هو المنعَّم، ومن كثرت نعمة الله عليه، كان قيامه بالشُّكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع عن المعاصي مرة بعد أخرى، مع أنه لا يقطع عنهم تلك النِّعم، بل يزيدها حالاً بعد حالٍ، فحينئذ يظهر عنادهم وتمرُّدهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى الحقِّ، فحينئذ يصبُّ الله البلاء عليهم صباً. ثم قال القلال ﵀: وهذان التأويلان راجعان إلى أنَّ الله - تعالى - أخبر عن عباده أنَّه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة؛ حتى يعذر إليهم غاية الإعذار، الذي يقع منه اليأس من إيمانهم، كما قال - تعالى - في قوم نوح ﵇: ﴿وَلَا يلدوا إِلَاّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٧] ، وقال : ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقال تعالى في غيرهم: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠١] فأخبر الله تعالى عنهم أولاً أنَّه لا يظهر العذاب إلَاّ بعد بعثة الرسل، ثم أخبر ثانياً في هذه الآية: أنه - تعالى - إذا بعث الرسل أيضاً، فكذِّبوا، لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فإن بقوا مصرِّين، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال.
стр. 7301
وأجاب الجبائيُّ فقال: ليس المراد من الآية أنَّه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقُّوا ذلك؛ لأنَّه لا يظلم، وهو على الله محالٌ، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة، فكان التقدير: وإذا قرب وقت إهلاكِ قريةٍ أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدَّة، وإذا أراد التَّجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلِّ جهةٍ، وليس المراد أنَّ المريض يريدُ أن يموت على الذُّنوب، والتَّاجر يريد أن يفتقر، وإنَّما يعنون أنه سيصير كذلك؛ فكذا هاهنا.
واعلم أنَّ هذه الوجوه جواب عن الوجه الأوَّل من الوجوه الثلاثة المتقدمة في التمسُّك بهذه الآية، وكلها عدول عن ظاهر اللفظ، وأما الوجه الثاني والثالث فبقي سليماً عن الطَّعن.
стр. 7302
والمراد منه أنَّ الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون، ويتمرَّدون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح؛ حادٍ وثمود، وغيرهم، ثم إنه - تعالى - خاطب رسوله - صلوات الله عليه - بما يكون خطاباً وردعاً وزجراً للكُلِّ، فقال جلَّ ذكره: ﴿وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ وهذا تخويف لكفَّار «مكَّة» .
و «كَمْ» نصب بأهلكنا، و «مِنَ القُرونِ» تمييزٌ ل «كَمْ» و «مِن بَعدِ نُوح» : «مِنْ» لابتداء الغاية، والأولى للبيان، فلذلك اتَّحدَ متعلقهما، وقال الحوفيُّ: «الثانية بدلٌ من الأولى» ، وليس كذلك؛ لاختلاف معنييهما، والباء بعد «كَفَى» تقدم الكلام عليها، وقال ابن عطيَّة: «إنما يجاءُ بهذه الباء في موضع مدحٍ أو ذمٍّ» والباء في «بِذنُوب» متعلقة ب «خَبِيراً» وعلَّقها الحوفيُّ ب «كَفَى» .
قال افراء ﵀: لو ألغيت الباء؛ من قوله: «بربِّكَ» جاز، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدحٌ به أو يذمُّ؛ كقولك: كفاك به، وأكرم به رجلاً، وطاب بطعامك طعاماً، وجاد بثوبك ثوباً.
أما إذا لم يكن مدحاً أو ذمًّا، لم يجز دخولها، فلا يجوز أن يقال: «قَامَ بِأخيكَ» وأنت تريد: «قَامَ أخُوكَ» .
فصل في مقدار القرن
قال عبد الله بن أبي أوفى: القرنُ: عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ﷺ َ أوَّل قرنٍ، وكان آخره يزيد بن معاوية، وقيل: مائة سنة.
стр. 7303
رُوِيَ عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسرٍ المازنيّ: أنَّ النبي ﷺ َ وضع يده على رأسه، وقال: «سَيعيشُ هذا الغُلام قَرْناً» وقال محمد بن القاسم ﵁: فما زلنا نعدُّ له؛ حتَّى تمت له مائة سنة، ثمَّ مات.
وقال الكلبيُّ: ثمانون سنة.
وقيل: أربعون سنة.
стр. 7304
قوله - تعالى -: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ﴾ الآية.
«مَنْ» شرطية، و «عَجَّلنا» جوابها، و «ما يشاءُ» مفعولها، و «لِمنْ نُريد» بدل بعضٍ من كلٍّ، من الضمير في «لَهُ» بإعادة العامل، و «لِمَنْ نُريد» تقديره: لمن نريد تعجيله له.
[قوله:] «ثُمَّ جَعلنَا لهُ جهنَّم» «جَعلَ» هنا تصييرية.
وقوله: «يَصْلاهَا» الجملة حال: إمَّا من الضمير في «لَهُ» وإمَّا من «جَهَنَّم» و «مَذمُوماً» حال من فاعل «يَصْلاها» قيل: وفي الكلام حذف، وهو حذف المقابل؛ إذ الأصل: من كان يريد العاجلة، وسعى لها سعيها، وهو كافرٌ لدلالةِ ما بعده عليه، وقيل: بل الأصل: من كان يريد العاجلة بعمله للآخرة كالمنافق.
ومعنى «يَصْلاهَا» : يدخلها.
«مَذمُوماً» : مطروداً، «مَدْحُوراً» : مُبْعَداً.
وقوله: «سَعْيَهَا» : فيه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به؛ لأنَّ المعنى: وعمل لها عملها.
والثاني: أنه مصدر، و «لهَا» أي: من أجلها.
والجملة من قوله: «وهو مُؤمِنٌ» هذه الجملة حال من فاعل «سَعَى» .
قوله تعالى: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ﴾ : «كُلاًّ» منصوب ب «نُمِدُّ» و «هؤلاء» بدل، «وهؤلاءِ: عطف عليه، أي: كلَّ فريق نمدُّ هؤلاء الساعين بالعاجلة، وهؤلاء الساعين للآخرة، وهذا
стр. 7305
تقدير جيدٌ، وقال الزمخشري في تقديره:» كلَّ واحدٍ من الفريقين [نُمِدُّ] «. قال أبو حيان:» كذا قدَّره الزمخشري، وأعربوا «هؤلاءِ» بدلاً من «كُلاًّ» ولا يصح أن يكون بدلاً مِنْ «كل» على تقدير: كلَّ واحدٍ؛ لأنَّه إذ ذاك بدل كلٍّ من بعضٍ، فينبغي أن يكون التقدير: كل الفريقين «.
و» مِنْ عطاءِ «متعلقٌ ب» نُمِدُّ «والعطاء اسم مصدر واقع موقع اسم المفعول.
والمحظور: الممنوعُ، وأصله من الحظر، وهو: جمعُ الشيء في حظيرة، والحظيرة: ما يعمل من شجرٍ ونحوه؛ لتأوي إليه الغنم، والمحتظرُ: من يعمل الحظيرة.
فصل
قال القفال ﵀: هذه الآية داخلة في معنى قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] : ومعناه: أن العمَّال في الدنيا قسان:
منهم من يريد بعمله الدنيا والرياسة، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء ﵊ ُ -، والدخول في طاعتهم؛ خوفاً من زوال الرِّياسة عنهم، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤماً؛ لأنه في قبضة الله؛ فيؤتيه الله في الدنيا منها قدراً لا كما يشاء ذلك الإنسان، بل كما يشاء الله.
بل إن عاقبته جهنَّم يدخلها فيصلاها بحرِّها مذموماً ملوماً، مدحوراً مطروداً من رحمة الله.
وفي لفظ هذه الآية فوائد:
أحدها أنَّ العقاب عبارة عن مضرَّة مقرونةٍ بالإهانة بشرط أن تكون دائمة خالية عن المنفعة.
وثانيها: أن من الجهَّال من إذا ساعدته الدنيا اغترَّ بها، وظنَّ أن ذلك لأجل كرامته على الله - تعالى - فبيَّن - تعالى - بهذه الآية أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدلَّ بها على رضا الله تعالى لأنَّ الدنيا قد تصلح مع أنَّ عاقبتها المصير إلى العذاب والإهانة، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر السُّوء في لزومها له، وكونها سائقة له إلى أشدِّ العذاب.
وثالثها: قوله: ﴿لِمَن نُّرِيدُ﴾ يدلُّ على أنَّه لا يحصل الفوز بالدنيا لكلِّ أحدٍ، بل كثيرٌ من الكفَّار يعرضون عن الدِّين في طلب الدنيا، ثم يبقون محرومين عن الدنيا، وعن الدِّين، فهؤلاء هم الأخسرون أعمالاً الذي ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
وأما القسم الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فشرط تعالى فيه ثلاثة شروطٍ «
стр. 7306
أحدها: أن يريد بعمله الآخرة أي: ثواب الآخرة، فإنه إن لم ينو ذلك، لم ينتفع بذلك العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٧] وقوله - صلوات الله وسلامه عليه -:» إنَّما الأعمَالُ بالنِّيَّاتِ «.
والثاني: قوله جلَّ ذكره: ﴿وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ، وذلك يقتضي أن يكون ذلك العمل من باب القرب والطَّاعات، وكثير من الضُّلال يتقرَّبون بعبادة الأوثان، ولهم فيها تأويلان:
أحدهما: أنهم يقولون: إله العالم أجلُّ وأعظم من أن يقدر الواحد منَّا على إظهار عبوديته، وخدمته، ولكن غاية قدرتنا أن نشتغل بعبوديَّة بعض المقربين من عباد الله، مثل أن نشتغل بعبادة الكواكب، أو ملكٍ من الملائكةِ، ثمَّ إنَّ الملك أو الكواكب يشتغلون بعبادة الله - تعالى -.
فهؤلاء يتقرَّبون إلى الله - تعالى - بهذا الطريق، وهذه طريق فاسدة، فلا جرم لم ينتفع بها.
والتأويل الثاني: أنَّهم قالوا: اتخذنا هذه التماثيل على صور الأنبياء والأولياء، والمراد من عبادتها أن يصير أولئك الأنبياء والأولياء شعفاءنا عند الله - تعالى -، وهذا الطريق أيضاً فاسد؛ فلا جرم لم ينتفع بها.
وأيضاً: نقل عن الجنيد أنَّهم يتقرَّبون إلى الله - تعالى - بقتل أنفسهم تارة، وبإحراق أنفسهم أخرى، وهذا الطريق أيضاص فاسد، فلا جرم لم ينتفع بها، وكذا القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقرَّبون إلى الله - تعالى - بمذاهبهم الباطلة.
والشرط الثالث: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ .
وهذا الشرط معتبرٌ؛ لأنَّ الشرط في كون أعمال البرِّ موجبة للثواب هو الإيمان، فإذا لم يوجد، لم يحصل المشروط، ثمَّ إنه - تعالى - أخبر أنَّ عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكوراً، والعمل مبروراً.
واعلم أن الشُّكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة:
اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدلُّ على كونه معظماً عند ذلك الشَّاكر، والله - تعالى - يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنَّه تعالى عالمٌ بكونهم محسنين في تلك الأعمال، وإنه تعالى يثني عليهم بكلامه؛ وإنَّه تعالى يعاملهم بمعاملة دالَّة على كونهم مطيعين عند الله - تعالى -.
وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلاً، كانوا مشكورين على طاعتهم من قبل الله - تعالى -.
يروى في كتب المعتزلة: أنَّ جعفر من حربٍ حضر عنده رجل من أهل السنَّة،
стр. 7307
وقال: الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى: أنا نشكر على الإيمان، ولو لم يكن الإيمان حاصلاً بإيجاده، لامتنع أن نشكره عليه؛ لأنَّ مدح الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيحٌ. قال الله - تعالى -: ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨] .
فعجز الحاضرون على الجواب، فدخل ثمامة بن الأشرسِ، وقال: إنَّا نمدحُ الله - تعالى - ونشكره على ما أعطانا من القدرة، والعقل، وإنزال الكتب، وإيضاح الدلائل، والله - تعالى - يشكرنا على فعل الإيمان، قال الله - تعالى -: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ قالوا: فضحك جعفر بن حربٍ وقال: صعبت المسألة، فسهلت.
واعلم أن قولنا: مجموع القدرة مع الداعي يوجبُ الفعل كلامٌ واضح؛ لنه «تعالى» هو الذي أعطى الموجب التَّام لحصول الإيمان، فكان هو المستحقَّ للشُّكر، ولما حصل الإيمان للعبد، وكان الإيمان موجباً للسَّعادة التَّامَّة، صار العبدُ أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.
فصل
اعلم أنَّ كلَّ من أتى بفعلٍ، فإمَّا أن يقصد به تحصيل خيراتِ الدنيا، أو تحصيل الآخِرة، أو يقصد به مجموعهما، أو لم يقصد به واحد منهما.
فإن قصد به تحصيل خيراتِ الدنيا فقط، أو تحصيل الآخرة فقط، فالله - تعالى - ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية، وأما القسمُ الثالث فينقسمُ ثلاثة أقسامٍ: إمَّا أن يكون طلب الآخرة راجحاً أو مرجوحاً، أو يكون الطلبان متعادلين.
فإن كان طلب الآخرة راجحا، فهل يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى بحيث يحتمل أن يقال: إنه غير مقبولٍ؛ لقول النبي ﷺ َ حاكياً عن الله - تعالى - أنه قال: «أنَا أغْنَى الأغنِيَاءِ عن الشِّركِ من عَملَ عَملاً أشْركَ فِيهِ غَيْرِي تَركْتهُ وشَريكَهُ
.» وأيضاً: طلب رضوان الله - تعالى - إما أن يكون سبباً مستقلاً بكونه باعثاً على ذلك الفعل، وداعياً إليه، وإمَّا ألا يكون. فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره مدخلٌ في ذلك البعث والدعاء؛ لأنَّ الحكم إذا أسند إلى سبب كامل تامٍّ، امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني، فيكون الدَّاعي إلى ذلك الفعل هو المجموع، وذلك المجموع ليس هو طلب الرضوان من الله - تعالى -؛ لأنَّ المجموع الحاصل من الشَّيء ومن غيره يجب أن يكون مغايراً لطلب رضوان الله؛ فوجب ألا يكون مقبولاً، ويحتمل أن يقال: لما كان
стр. 7308
طلب الآخرة راجحاً على طلب الدنيا تعارض المثلُ بالمثلِ، فيبقى القدر الزائدُ داعية خالصة لطلب الآخرة؛ فوجب كونه مقبولاً.
وأمَّا إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين، أو كان طلبُ الدنيا راجحاً، فقد اتفقوا على أنه غيرُ مقبولٍ، إلَاّ أنه على كلِّ حالٍ خير مما إذا كان طلب الدنيا خالياً بالكليَّة عن طلب الآخرة.
وأما القسم الرَّابع، وهو الإقدام على الفعل من غير داع، فهو مبنيٌّ على أنَّ صدور الفعل من القادر، هل يتوقَّف على حصول الدَّاعي أم لا؟ .
فالذين يقولون: إنَّه متوقِّف على حصول الداعي، قالوا: هذا القسم ممتنع الحصول، والَّذين قالوا: إنَّه لا يتوقَّف، قالوا: هذا الفعل لا أثر له في الباطن، وهو محرَّم في الظاهر؛ لأنه عبثٌ.
فصل في معنى الآية
معنى الآية أنه تعالى يمدُّ الفريقين بالأموال، ويوسِّع عليهما في الرِّزق، والعزِّ والزينة في الدنيا؛ لأنَّ عطاءه ليس بضيِّقٍ على أحدٍ مؤمناً كان أو كافراً؛ لأنَّ الكلَّ مخلوق في دار العمل؛ فوجب إزاحةُ العذر وإزالة العلَّة عن الكلِّ.
والتنوين في «كُلاًّ» عوضٌ من المضاف إليه، أي كلَّ واحد من الفريقين.
стр. 7309
«كيف» نصب: إمَّا على التشبيه بالظرف، وإمَّا على الحال، وهي معلقة ل «انْظُرْ» بمعنى فكِّر، أو بمعنى أبصرْ.
والمعنى: أنا أوصلنا إلى مؤمنٍ، وقبضنا عن مؤمنٍ آخر، وأوصلنا إلى كافرٍ، وقبضنا عن كافرٍ آخر، وقد ببيَّن - تعالى - وجه الحكمة في هذا التفاوت، فقال جلَّ ذكره: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
وقال تعالى في آخر سورة الأنعام: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] الآية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ أي: من درجات الدنيا، ومن تفضيل الدنيا، والمعنى: أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا.
أي: أن المؤمنين يدخلون الجنَّة، والكافرين يدخلون النَّار، فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين، ونظيره قوله - تعالى -: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] .
стр. 7310
لما بيَّن تعالى أن النَّاس فريقان؛ منهم: من يريد بعمله الدنيا فقط، وهم أهل
стр. 7311
العذاب، ومنهم: من يريد طاعة الله، وهم أهل الثواب، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط: أن يريد الآخرة، وأن يعمل عملاً، ويسعى سعياُ موافقاً لطلب الآخرة، وأن تكون مؤمناً لا جرم فصَّل في هذه الآية تلك المجملات، فبدأ أوَّلاً بشرحِ حقيقة الإيمان، وأشرفُ أجزاء الإيمان هو التوحيد، ونفي الشِّرك، فقال عزَّ وعلا: ﴿لَاّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ .
ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكونُ المشتغلُ بها ساعياً سعي الآخرة.
قال المفسِّرون: الخطاب مع النبي ﷺ َ والمراد غيره كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ [الطلاق: ١] وقيل: الخطاب للإنسان، وهذا أولى؛ لأنَّه تعالى عطف عليه قوله - تعالى -: وقيل: الخطاب للإنسان، وهذا أولى؛ لأنَّه تعالى عطف عليه قوله تعالى -:
﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وهذا لا يليق بالنبي صلوات الله وسلامه عليه - لأنَّ أبويه ما بلغا الكبر عنده.
الأول: أنَّ المشرك كاذب، والكاذب يستوجب الذمَّ، والخذلان.
الثاني: أنَّه لما ثبت بالدَّليل: أنه لا إله ولا مدبِّر إلَاّ الواحد الأحد، فحينئذ: يكون جميع النِّعم حاصلة من الله - تعالى -، فمن أشرك بالله، فقد أضاف بعض تلك النِّعم إلى غير الله، مع أن الحقَّ أن كلَّها من الله، فحينئذ يستحقُّ الذمَّ؛ لأنَّ المستحقَّ للشُّكر على تلك النعم هو الخالقُ لها، فلمَّا جحد كونها من الله - تعالى - فقد قابل إحسان الله - تعالى - بالإساءة والجحود، فاستوجب الذمَّ، ويستحقُّ الخذلان؛ لأنَّه لما أثبت لله شريكاً، استحقَّ أن يفوض أمره إلى ذلك الشَّريك، ولمَّا كان ذلك الشريكُ معدوماً، بقي بلا ناصرٍ ولا حافظٍ ولا معينٍ، وذلك عينُ الخذلان.
الثالث: أنَّ الكمال في الوحدة، والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشَّريك، فقد وقع في جانب النقصان.
قوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ : يجوز أن تكون على بابها، فينتصب ما بعدها على الحال، ويجوز أن تكون بمعنى «صار» فينتصب على الخبريَّة، وإليه ذهب الفراء والزمخشريُّ، وأنشدوا في ذلك.
٣٣٩٣ - لا يُقْنِعُ الجَارِيةَ الخِضَابُ ... ولا الوِشَاحَانِ ولا الجِلْبَابُ
مِن دُون أن تَلتَقِيَ الأرْكابُ ... ويَقْعُدَ الأيْرُ لهُ لُعَابُ
أي: ويصير، والبصريُّون لا يقيسون هذا، بل يقتصرون به على المثل في قولهم: «شَحَذَ شفرته؛ حتَّى قعَدتْ كأنَّها حَربَةٌ» .
стр. 7312
وقال الواحديُّ: «فَتَقْعد» : انتصب؛ لأنَّه وقع بعد الفاء؛ جواباً للنهي، وانتصابه بإضمار «أن» كقولك: لا تنقطع عنَّا، فنجفوك، والتقدير: لا يكن منك انقطاعٌ؛ فيحصل أن نجفوك، فما بعد الفاء متعلَّق بالجملة المتقدمة بحرف الفاء، وإنَّما سمَّاه النحويون جواباً؛ لكونه مشابهاً للجزاءِ في أنَّ الثاني مسبَّب عن الأول؛ ألا ترى أنَّ المعنى: إن انقطعت جفوتك، كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلهاً آخر، قعدت مذموماً مخذولاً.
فصل في معنى القعود في الآية
ذكروا في هذا القعود وجوهاً:
أحدها: أن معناه المكث أي: فتمكُث في النَّاس مذموماً مخذولاً، وهذه اللفظة مستعملةٌ في لسان العرب والفرس في هذا المعنى، إذا سأل الرجلُ غيره: ما يصنعُ فلانٌ في تلك البلدة؟ فيقول المجيب: هو قاعدٌ بأسوأ حالٍ.
معناه: المكث، سواء كان قائماً أو قاعداً
وثانيها: أنَّ من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه.
وثالثها: أنَّ المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسَّعي إنما يتأتى بالقيام، وأما العاجزُ عن تحصيلها، فإنَّه لا يسعى، بل يبقى جالساً قاعداً عن الطَّلب، فلمَّا كان القيام على الرَّجلِ أحد الأمور التي يتمُّ بها الفوز بالخيرات، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة، لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات، والقعود كناية عن العجز والضعف.
стр. 7313
قوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ .
لما ذكر في الآية المتقدمة ما هو الركن الأعظم في اللإيمان، أتبعه بذكر ماهو من شعائر الإيمان وشرائعه، وهي أنواع:
الأول: أن يشتغل الإنسان بعبادة الله ، ويتحرَّز عن عبادة غير الله تعالى.
والقضاءُ: الحكم الجزم البتُّ الذي لا يقبل النسخ؛ لأنَّ الواحد منا، إذا أمر غيره بشيءٍ لا يقال: قضى عليه، فإذا أمره أمراً جزماً، وحكم عليه بذلك على سبيل البتِّ والقطع، فها هنا يقال: قضى عليه، وروى ميمون بن مهران عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ
стр. 7314
عَنْه - أنه قال في هذه الآية: كان الأصلُ: «ووصَّى ربُّكَ» ، فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فصارت قافاً فقرئ «وقَضَى ربُّكَ» .
ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ قط؛ لأنَّ خلاف قضاء الله ممتنعٌ، هذا رواه عنه الضحاك بنُ مزاحم، وسعيد بن جبيرٍ، وهو قراءة عليٍّ وعبد الله.
وهذا القول بعيدٌ جدًّا؛ لأنه يفتح باب أنَّ التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوَّزنا ذلك، لارتفع الأمانُ عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجَّة، وذلك طعنُ عظيمٌ في الدِّين.
وقرأ الجمهور «قَضَى» فعلاً ماضياً، فقيل: هي على موضوعها الأصلي؛ قال ابن عطية: «ويكون الضمير في» تَعْبدُوا «للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة» .
وقال ابن عبَّاس وقتادة والحسن بمعنى: أمَرَ.
وقال مجاهد: بمعنى: أوصى.
وقال الربيع بن أنسٍ: أوجب وألزم.
وقيل بمعنى: حكم.
وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل: «وقضاءُ ربِّك» اسماً مصدراً مرفوعاً بالابتداء، و «ألَاّ تَعْبدُوا» خبره.
قوله تعالى: ﴿أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ : يجوز أن تكون «أنْ» مفسرة؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، و «لا» ناهية، ويجوز أن تكون الناصبة، و «لا» نافية، أي: بأن لا، ويجوز أن تكون المخففة، واسمها ضمير الشأن، و «لا» ناهية أيضاً، والجملة خبرها، وفيه إشكال؛ من حيث وقوع الطَّلب خبراً لهذا الباب، ومثله في هذا الإشكال قوله: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ [النمل: ٨] ، وقوله: ﴿أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ﴾ [النور: ٩] لكونه دعاء، وهو طلبٌ أيضاً، ويجوز أن تكون الناصبة، و «لا» زائدة. [قال أبو البقاء: «ويجوز أن
стр. 7315
يكون في موضع نصب، [أي:] ألزم ربُّك عبادته و» لا «زائدة» ] . قال أبو حيَّان: «وهذا وهمٌ؛ لدخول» إلَاّ «على مفعول» تَعْبدُوا «فلزم أن يكون نفياً، أو نهياً» .
قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ قد تقدم نظيره في البقرة.
وقال الحوفي: «الباء متعلقة ب» قَضَى «ويجوز أن تكون متعلقة بفعلٍ محذوف تقديره: وأوصى بالوالدين إحساناً، و» إحساناً «مصدر، أي: يحسنون بالوالدين إحساناً» .
وقال الواحديُّ: «الباءُ من صلة الإحسان، فقدِّمت عليه؛ كما تقول: بزيدٍ فانزل» وقد منع الزمخشري هذا الوجه؛ قال: «لأنَّ المصدر لا يتقدَّم عليه معموله» . قال شهاب الدين: والذي ينبغي أن يقال: إنَّ هذا المصدر إن عنى به أنَّه ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍّ، وفعلٍ، فالأمر على ما ذكر الزمخشريُّ، وإن كان بدلاً من اللفظ بالفعل، فالأمرُ على ما قال الواحديُّ، فالجوازُ والمنع بهذين الاعتبارين.
وقال ابن عطية: «قوله ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ عطف على» أنْ «الأولى، أي: أمر الله ألَاّ تعبدوا إلَاّ إيَّاه، وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً» . واختا رأبو حيَّان أن يكون «إحْسَاناً» مصدراً واقعاً موقع الفعل، وأنَّ «أنْ» مفسرة، و «لا» ناهية، قال: فيكون قد عطف ما هو بمعنى الأمر على نهيٍ؛ كقوله: [الطويل]
٣٣٩٤ - ... ... ... ... ... ..... يقُولُونَ: لا تهْلِكَ أسًى وتَجمَّلِ
قلت: و «أحْسنَ» و «أسَاءَ» يتعدَّيان ب «إلى» وب «الباء» . قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقال كثير عزَّة: [الطويل]
٣٣٩٥ - أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومَة..... ... ... ... ... ... . .
وكأنه ضُمِّن «أحْسنَ» لمعنى «لَطُفَ» فتعدَّى تعديته.
فصل في نظم الآية
لماأمر بعبادة نفسه أتبعه ببرِّ الوالدين، ووجه المناسبة بين الأمرين أمورٌ:
أوَّلها: أنَّ السبب الحقيقيَّ لوجود الإنسان هو تخليق الله وإيجاده، والسبب الظاهريّ هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري.
وثانيها: أنَّ الموجود: إما قديمٌ، وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة، وهو المراد من قوله - صلوات الله البرِّ الرَّحيم وسلامه عليه -: «والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله»
стр. 7316
وأحقُّ الخلق بالشفقة الأبوان؛ لكثرة إنعامهما على الإنسان. فقوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ إشارة إلى الشَّفقة على خلق الله.
وثالثها: أنَّ الاشتغال بشكر المنعم واجبٌ، ثمَّ المنعم الحقيقي هو الخالق جلَّ ذكره لا إله إلا هو، وقد يكون بعض المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجبٌ؛ لقوله ﷺ َ: «مَنْ لمْ يشكُر النَّاس، لمْ يشكُر الله» ، وليس لأحدٍ من الخلائق نعمةٌ على الإنسان مثل ما للوالدين، وتقريره من وجوه:
أحدها: أن الولد قطعةٌ من الوالدين؛ قال ﵇: «فَاطِمةُ بضَعةٌ منِّي يُؤذِينِي ما يُؤذيها» .
وأيضاً شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وجدهما في إيصال الخير إلى الولد أمرٌ طبيعيٌّ، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعيٌّ أيضاً؛ فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة، بل هي أكثر من كلِّ نعمة تصل من إنسانٍ إلى إنسانٍ.
وأيضاً: حال ما يكون الإنسان في غاية الضَّعفِ ونهاية العجز يكون جميعُ أصناف نعم الأبوين في ذلك الوقت واصلة إلى الولدِ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه، كان موقعه عظيماً.
وأيضاً: فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض، فكان الإنعام فيه أتمَّ وأكمل، فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحدٍ من المخلوقين نعمةٌ على غيره مثل ما للوالدين على الولدِ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق؛ فقال تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين، فقال تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ . فإن قيل: إنَّ الوالدين إنَّما طلبا تحيل اللذَّة لأنفسهما؛ فلزم منه دخول الولد في الوجود، ودخوله في عالم الآفات والمخافات، فأيُّ إنعامٍ للأبوين على الولد.
يحكى أن بعض المنتسبين للحكمة كان يضربُ أباه، ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد، وعرَّضني للموت، والفقر، والعمى، والزَّمانة.
стр. 7317
وقيل لأبي العلاء المعرِّي: ماذا تكتب على قبرك؟ فقال اكتبوا عليه: [الكامل]
٣٣٩٦ - هَذَا جَناهُ أبِي عَلَيْ ... يَ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدْ
٣٣٩٧ - وتَركْتُ فِيهِمْ نِعْمةَ الْ ... عدم التي سبقت نعيم العاجل
ولوْ أنَّهُمْ ولَدُوا لعَانَوا شِدَّة ... تَرْمِي بِهمْ في مُوبِقاتِ الآجلِ
وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم ملَّة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منَّة؛ لأنَّه تحمَّل أنواع الشَّدائد عند تعليمي وأوقفني في نور العلم، وأمَّا الوالدُ فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، فأخرجني إلى آفاتِ عالمِ الكون والفساد. ومن الكلمات المشهورة المأثورة: «خَيْرُ الآبَاءِ من عَلَّمكَ» والجواب:
هبْ أنَّه في أوَّل الأمر طلب لذة الوقاع، إلَاّ أن الاهتمام بإيصال الخيراتِ إليه، ودفع الآفاتِ من أوَّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر، أليس أنَّه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهاتِ الخيرات والميرات؟ فسقطت هذه الشبهات.
واعلم أن لفظ الآية يدلُّ على معانٍ كثيرة، كل واحدٍ منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين، منها أنه ﵎ قال في الآية المتقدمة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ، ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي يحصل بها الفوز بسعادة الآخرة. وذكر من جملتها البرَّ بالوالدين، وذلك يدلُّ على أن هذه الطاعة من أصول الطَّاعات التي تفيد سعادة الآخرة.
ومنها أنَّه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتَّوحيد، وثنَّى بطاعة الله، وثلَّث ببرِّ الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطَّاعة.
ومنها: أنه تعالى لم يقل: «وإحْسَاناً بالوَالِديْنِ» ، بل قال: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ ، فتقديم ذكرهما يدل على شدَّة الاهتمام.
ومنها: أنه تعالى قال: «إحْسَاناً» بلفظ التنكير، والتنكير يدلُّ على التعظيم، أي: إحساناً عظيماً كاملاً؛ لأنَّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة؛ لأنَّ إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداءِ، وفي الأمثال المشهورة: «إنَّ البَادِئ بالبرِّ لا يُكَافأ» .
قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرأ الأخوان «يَبْلغانِّ» بألف التثنية قبل نون التوكيد
стр. 7318
المشددة المكسورةِ، والباقون دون ألف وبفتحِ النون، فأمَّا القراءة الأولى، ففيها أوجه:
أحدها: أن الألف ضمي رالوالدين؛ لتقدُّم ذكرهما، و «أحَدُهمَا» بدلٌ منه، و «أو كلاهما» عطف عليه، وإليه نحا الزمخشريُّ وغيره، واستشكله بعضهم بأنَّ قوله «أحَدهُمَا» بدل بعضٍ من كلٍّ، لا كل من كلٍّ؛ لأنه غير وافٍ بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك «أو كلاهما» عطف على البدل، فيكون بدلاً، وهو من بدل الكلِّ من الكلِّ؛ لأنه مرادف لألف التثنية، لكنه لا يجوز أن يكون بدلاً؛ فعروِّه عن الفائدة؛ إذ المستفادُ من ألف التثنية هو المستفاد من «كِلاهمَا» فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه.
قال شهاب الدين: هذا معنى قول أبي حيَّان، وفيه نظر؛ إذ لقائلٍ أن يقول: مسلَّمٌ أنَّه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه، لكنه لا يضرُّ؛ لأنه شأن التأكيد، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيساً لا تأكيداً، وعلى تقدير تسليم ذلك، فقد يجاب عنه بما قال ابن عطيَّة؛ فإنه قال بعد ذكره هذا الوجه: وهو بدلٌ مقسِّم؛ كقول الشاعر: [الطويل]
٣٣٩٨ - وكُنْتُ كَذِي رجْليْنِ رجٍلٍ صَحِيحَةٍ ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ
إلا أنَّ أبا حيَّان تعقَّب كلامه، فقال: «أمَّا قوله: بدلٌ مقسم؛ كقوله:
٣٣٩٩ -» وكُنْتُ..... ... ... . . «
فليس كذلك؛ لأنَّ شرطه العطف بالواو، وأيضر فشرطه: ألَاّ يصدق المبدل منه على أحد قسميه، لكن هنا يصدق على أحد قسميه؛ ألا ترى أنَّ الألف، وهي المبدل منه يصدق على أحد قسميها، وهو» كلاهما «فليس من البدلِ المقسِّم» . ومتى سلِّم له الشرطان، لزم ما قاله.
الثاني: أن الألف ليست ضميراً، بل علامة تثنية، و «أحَدُهمَا» فاعل بالفعل قبله، و «أو كِلاهُمَا» عطف عليه، وقد ردَّ هذا الوجه: بأنَّ شرط الفعل الملحقِ به علامة تثنية: أن يكون مسنداً لمثنى؛ نحو: قَامَا أخواك، أو إلى مفرَّق بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه؛ نحو: «قَامَا زيدٌ وعمرٌو» ، لكنَّ الصحيح جوازه؛ لوروده سماعاً كقوله: [الطويل]
٣٤٠٠ - ... ... ... ... ... ... ... . ... وقَدْ أسْلمَاهُ مُبعدٌ وحَمِيمُ
стр. 7319
والفعلُ هنا مسندٌ إلى «أحدهما» وليس مثنًّى، ولا مفرَّقاً بالعطف بالواو.
الثالث: نقل عن الفارسي أن «كلاهما» توكيد، وهذا لا بد من إصلاحه بزيادة، وهو أن يجعل «أحدهما» بدل بعضٍ من كلٍّ، ويضمر بعده فعلٌ رافعٌ لضمير تثنية، ويقع «كلاهما» توكيداً لذلك الضمير تقديره: أو يبلغا كلاهما، إلا أنه فيه حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، وفيها خلاف، أجازها الخليل وسيبويه نحو: «مَررْتُ بزَيْدٍ، ورَأيْتُ أخَاكَ أنْفُسَهُمَا» بالرفع والنصب، فالرفع على تقدير: هما أنفسهما، والنصب على تقدير أعينهما أنفسهما، ولكن في هذا نظرٌ؛ من حيث إنَّ المنقول عن الفارسي منع حذف المؤكَّد وإبقاء توكيده، فكيف يخرَّجُ قوله على أصلٍ لا يجيزه؟ .
وقد نصَّ الزمخشريُّ على منع التوكيدِ، فقال: «فإن قلت: لو قيل:» إمَّا يَبْلغانِّ كلاهما «كان» كِلاهما «توكيداً لا بدلاً، فما لك زعمْتَ أنه بدلٌ؟ قلت: لأنه معطوفٌ على ما لا يصحُّ أن يكون توكيداً للاثنين، فانتظم في حكمه؛ فوجب أن يكون مثله» قلت: يعني أنَّ «أحدهما» لا يصلح أن يكون توكيداً للمثنى، ولا لغيرهما، فكذا ما عطف عليه؛ لأنه شريكه.
ثم قال: «فإن قلت: ما ضرَّك لو جعلته توكيداً مع كونِ المعطوف عليه بدلاً، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية، لقيل:» كِلاهُمَا «فحسب، فلما قيل:» أحَدهُمَا أو كِلاهُمَا «علم أنَّ التوكيد غير مرادٍ، فكان بدلاً مثل الأول» .
الرابع: أن يرتفع «كِلاهُمَا» بفعل مقدرٍ تقديره: أو يبلغُ كلاهما، ويكون «أحدهما» بدلاً من الفالضمير بدل بعضٍ من كلٍّ، والمعنى: إمَّا يبلغنَّ عندك أحد الوالدين أو يبلغ كلاهما.
قال البغوي ﵀ فعلى قراءة حمزة والكسائي قوله: «أحَدهُمَأ أو كِلاهُمَا» كلام مستأنف؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] فقوله: ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ ابتداء.
وأما القراءة الثانية فواضحة، و «إمَّا» هي «إنْ» الشرطية زيدتْ عليها «ما» توكيداً، فأدغم أحد المتقاربين في الآخر بعد أن قلب إليه، وهو إدغام واجب، قال الزمخشريُّ: «هي إن الشرطية زيدت عليها» ما «توكيداً لها؛ ولذلك دخلت النون، ولو أفردت» إنْ «لم يصحَّ دخولها، لا تقول: إن تُكرمنَّ زيداً، يُكرمْكَ، ولكن: إمَّا تُكرِمنَّهُ» .
وهذا الذي قاله الزمخشريُّ نصَّ سيبويه على خلافه، قال سيبويه:
وإنْ شِئْتَ، لم تُقْحمِ النون، كما أنك، إن شئت، لم تجئ ب «مَا» قال أبو حيَّان: «يعني مع النون وعدمها» وفي هذا نظر؛ لأنَّ سيبويه، إنما نصَّ على أنَّ نون التوكيد لا
стр. 7320
يجب الإتيان بها بعد «أمَّا» وإن كان أبو إسحاق قال بوجوب ذلك، وقوله بعد ذلك: كما أنَّك إن شِئْتَ لم تجئ ب «مَا» ليس فيه دليلٌ على جواز توكيد الشَّرط مع «إنْ» وحدها.
و «عِندكَ» ظرفٌ ل «يَبْلغَنَّ» و «كِلا» مثناةٌ معنى من غير خلاف، وإنما اختلفوا في تثنيتها لفظاً: فمذهب البصريِّين: أنها مفردة لفظاً، ووزنها على فعل؛ ك «مِعَى» وألفها منقلبة عن واوٍ، بدليل قلبها تاء في «كِلْتَا» مؤنث «كِلا» هذا هو المشهور، وقيل: ألفها عن ياءٍ، وليس بشيءٍ، وقال الكوفيُّون: هي مثناة لفظاً؛ وتبعهم السهيليُّ مستدلِّين على ذلك بقوله: [الرجز]
٣٤٠١ - في كِلْتِ رِجْليْهَا سُلامَى وَاحِده..... ... ... ... ... ...
فنطق بمفردها؛ ولذلك تعربُ بالألف رفعاً والياء نصباً وجراً، فألفها زائدة على ماهية الكلمة كألف «الزيدان» ÷ ولامها محذوفة عند السهيليِّ، ولم يأت عن الكوفيين نصٌّ في ذلك، فاحتمل أن يكون الأمر كما قال السهيليُّ، وأن تكون موضوعة على حرفين فقط، لأنَّ مذهبهم جواز ذلك في الأسماءِ المعربة.
قال أبو الهيثن الرَّازيُّ وأبو الفتح الموصليُّ، وأبو عليٍّ الجرجانيُّ إن «كلا» اسم مفرد يفيد معنى التثنية، ووزنه فعل، ولامه معتلٌّ بمنزلة لام «حِجَى ورِضَى» وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة، ولا تكون إلا مضافة؛ لأنَّها لو كانت تثنية، لوجب أن يقال في النَّصب والخفض: «مَرَرْتُ بِكلَي الرَّجليْنِ» بكسر الياء، كما يقال: «بَيْنَ يَدي الرَّجُل: و» مِنْ ثُلُثي اللَّيْلِ «و» يَا صَاحِبَي السِّجْنِ «و» طَرفي النَّهارِ «، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنَّها ليست تثنية، بل هي لفظة مفردة، وضعت للدلالة على التثنية، كما أنَّ لفظة» كُل «اسمٌ واحدٌ موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظه، كما تخبر عن الواحد؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] ، فكذا إن أخبرت عن» كِلَا «أخبرت عن واحدٍ، فقلت: كلا أخويك كان قائماً.
قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] . ولم يقل:» آتَنَا «.
وحكمها: أنَّها متى أضيفت إلى مضمرٍ أعربت إعراب المثنى، أو إلى ظاهر، أعْرِبت إعراب المقصور عند جمهور العرب، وبنو كنانة يعربونها إعراب المثنى مطلقاً، فيقولون: رأيت كِلَى أخوَيْكَ، وكونها جرتْ مجرى المثنى مع المضمر، دون الظاهر يطول ذكره.
следующие страницы →