Полный текст (12 961 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
وأحقُّ الخلق بالشفقة الأبوان؛ لكثرة إنعامهما على الإنسان. فقوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ إشارة إلى الشَّفقة على خلق الله.
وثالثها: أنَّ الاشتغال بشكر المنعم واجبٌ، ثمَّ المنعم الحقيقي هو الخالق جلَّ ذكره لا إله إلا هو، وقد يكون بعض المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجبٌ؛ لقوله ﷺ َ: «مَنْ لمْ يشكُر النَّاس، لمْ يشكُر الله» ، وليس لأحدٍ من الخلائق نعمةٌ على الإنسان مثل ما للوالدين، وتقريره من وجوه:
أحدها: أن الولد قطعةٌ من الوالدين؛ قال ﵇: «فَاطِمةُ بضَعةٌ منِّي يُؤذِينِي ما يُؤذيها» .
وأيضاً شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وجدهما في إيصال الخير إلى الولد أمرٌ طبيعيٌّ، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعيٌّ أيضاً؛ فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة، بل هي أكثر من كلِّ نعمة تصل من إنسانٍ إلى إنسانٍ.
وأيضاً: حال ما يكون الإنسان في غاية الضَّعفِ ونهاية العجز يكون جميعُ أصناف نعم الأبوين في ذلك الوقت واصلة إلى الولدِ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه، كان موقعه عظيماً.
وأيضاً: فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض، فكان الإنعام فيه أتمَّ وأكمل، فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحدٍ من المخلوقين نعمةٌ على غيره مثل ما للوالدين على الولدِ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق؛ فقال تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين، فقال تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ . فإن قيل: إنَّ الوالدين إنَّما طلبا تحيل اللذَّة لأنفسهما؛ فلزم منه دخول الولد في الوجود، ودخوله في عالم الآفات والمخافات، فأيُّ إنعامٍ للأبوين على الولد.
يحكى أن بعض المنتسبين للحكمة كان يضربُ أباه، ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد، وعرَّضني للموت، والفقر، والعمى، والزَّمانة.
стр. 7317
وقيل لأبي العلاء المعرِّي: ماذا تكتب على قبرك؟ فقال اكتبوا عليه: [الكامل]
٣٣٩٦ - هَذَا جَناهُ أبِي عَلَيْ ... يَ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدْ
٣٣٩٧ - وتَركْتُ فِيهِمْ نِعْمةَ الْ ... عدم التي سبقت نعيم العاجل
ولوْ أنَّهُمْ ولَدُوا لعَانَوا شِدَّة ... تَرْمِي بِهمْ في مُوبِقاتِ الآجلِ
وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم ملَّة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منَّة؛ لأنَّه تحمَّل أنواع الشَّدائد عند تعليمي وأوقفني في نور العلم، وأمَّا الوالدُ فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، فأخرجني إلى آفاتِ عالمِ الكون والفساد. ومن الكلمات المشهورة المأثورة: «خَيْرُ الآبَاءِ من عَلَّمكَ» والجواب:
هبْ أنَّه في أوَّل الأمر طلب لذة الوقاع، إلَاّ أن الاهتمام بإيصال الخيراتِ إليه، ودفع الآفاتِ من أوَّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر، أليس أنَّه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهاتِ الخيرات والميرات؟ فسقطت هذه الشبهات.
واعلم أن لفظ الآية يدلُّ على معانٍ كثيرة، كل واحدٍ منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين، منها أنه ﵎ قال في الآية المتقدمة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ، ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي يحصل بها الفوز بسعادة الآخرة. وذكر من جملتها البرَّ بالوالدين، وذلك يدلُّ على أن هذه الطاعة من أصول الطَّاعات التي تفيد سعادة الآخرة.
ومنها أنَّه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتَّوحيد، وثنَّى بطاعة الله، وثلَّث ببرِّ الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطَّاعة.
ومنها: أنه تعالى لم يقل: «وإحْسَاناً بالوَالِديْنِ» ، بل قال: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ ، فتقديم ذكرهما يدل على شدَّة الاهتمام.
ومنها: أنه تعالى قال: «إحْسَاناً» بلفظ التنكير، والتنكير يدلُّ على التعظيم، أي: إحساناً عظيماً كاملاً؛ لأنَّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة؛ لأنَّ إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداءِ، وفي الأمثال المشهورة: «إنَّ البَادِئ بالبرِّ لا يُكَافأ» .
قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرأ الأخوان «يَبْلغانِّ» بألف التثنية قبل نون التوكيد
стр. 7318
المشددة المكسورةِ، والباقون دون ألف وبفتحِ النون، فأمَّا القراءة الأولى، ففيها أوجه:
أحدها: أن الألف ضمي رالوالدين؛ لتقدُّم ذكرهما، و «أحَدُهمَا» بدلٌ منه، و «أو كلاهما» عطف عليه، وإليه نحا الزمخشريُّ وغيره، واستشكله بعضهم بأنَّ قوله «أحَدهُمَا» بدل بعضٍ من كلٍّ، لا كل من كلٍّ؛ لأنه غير وافٍ بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك «أو كلاهما» عطف على البدل، فيكون بدلاً، وهو من بدل الكلِّ من الكلِّ؛ لأنه مرادف لألف التثنية، لكنه لا يجوز أن يكون بدلاً؛ فعروِّه عن الفائدة؛ إذ المستفادُ من ألف التثنية هو المستفاد من «كِلاهمَا» فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه.
قال شهاب الدين: هذا معنى قول أبي حيَّان، وفيه نظر؛ إذ لقائلٍ أن يقول: مسلَّمٌ أنَّه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه، لكنه لا يضرُّ؛ لأنه شأن التأكيد، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيساً لا تأكيداً، وعلى تقدير تسليم ذلك، فقد يجاب عنه بما قال ابن عطيَّة؛ فإنه قال بعد ذكره هذا الوجه: وهو بدلٌ مقسِّم؛ كقول الشاعر: [الطويل]
٣٣٩٨ - وكُنْتُ كَذِي رجْليْنِ رجٍلٍ صَحِيحَةٍ ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ
إلا أنَّ أبا حيَّان تعقَّب كلامه، فقال: «أمَّا قوله: بدلٌ مقسم؛ كقوله:
٣٣٩٩ -» وكُنْتُ..... ... ... . . «
فليس كذلك؛ لأنَّ شرطه العطف بالواو، وأيضر فشرطه: ألَاّ يصدق المبدل منه على أحد قسميه، لكن هنا يصدق على أحد قسميه؛ ألا ترى أنَّ الألف، وهي المبدل منه يصدق على أحد قسميها، وهو» كلاهما «فليس من البدلِ المقسِّم» . ومتى سلِّم له الشرطان، لزم ما قاله.
الثاني: أن الألف ليست ضميراً، بل علامة تثنية، و «أحَدُهمَا» فاعل بالفعل قبله، و «أو كِلاهُمَا» عطف عليه، وقد ردَّ هذا الوجه: بأنَّ شرط الفعل الملحقِ به علامة تثنية: أن يكون مسنداً لمثنى؛ نحو: قَامَا أخواك، أو إلى مفرَّق بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه؛ نحو: «قَامَا زيدٌ وعمرٌو» ، لكنَّ الصحيح جوازه؛ لوروده سماعاً كقوله: [الطويل]
٣٤٠٠ - ... ... ... ... ... ... ... . ... وقَدْ أسْلمَاهُ مُبعدٌ وحَمِيمُ
стр. 7319
والفعلُ هنا مسندٌ إلى «أحدهما» وليس مثنًّى، ولا مفرَّقاً بالعطف بالواو.
الثالث: نقل عن الفارسي أن «كلاهما» توكيد، وهذا لا بد من إصلاحه بزيادة، وهو أن يجعل «أحدهما» بدل بعضٍ من كلٍّ، ويضمر بعده فعلٌ رافعٌ لضمير تثنية، ويقع «كلاهما» توكيداً لذلك الضمير تقديره: أو يبلغا كلاهما، إلا أنه فيه حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، وفيها خلاف، أجازها الخليل وسيبويه نحو: «مَررْتُ بزَيْدٍ، ورَأيْتُ أخَاكَ أنْفُسَهُمَا» بالرفع والنصب، فالرفع على تقدير: هما أنفسهما، والنصب على تقدير أعينهما أنفسهما، ولكن في هذا نظرٌ؛ من حيث إنَّ المنقول عن الفارسي منع حذف المؤكَّد وإبقاء توكيده، فكيف يخرَّجُ قوله على أصلٍ لا يجيزه؟ .
وقد نصَّ الزمخشريُّ على منع التوكيدِ، فقال: «فإن قلت: لو قيل:» إمَّا يَبْلغانِّ كلاهما «كان» كِلاهما «توكيداً لا بدلاً، فما لك زعمْتَ أنه بدلٌ؟ قلت: لأنه معطوفٌ على ما لا يصحُّ أن يكون توكيداً للاثنين، فانتظم في حكمه؛ فوجب أن يكون مثله» قلت: يعني أنَّ «أحدهما» لا يصلح أن يكون توكيداً للمثنى، ولا لغيرهما، فكذا ما عطف عليه؛ لأنه شريكه.
ثم قال: «فإن قلت: ما ضرَّك لو جعلته توكيداً مع كونِ المعطوف عليه بدلاً، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية، لقيل:» كِلاهُمَا «فحسب، فلما قيل:» أحَدهُمَا أو كِلاهُمَا «علم أنَّ التوكيد غير مرادٍ، فكان بدلاً مثل الأول» .
الرابع: أن يرتفع «كِلاهُمَا» بفعل مقدرٍ تقديره: أو يبلغُ كلاهما، ويكون «أحدهما» بدلاً من الفالضمير بدل بعضٍ من كلٍّ، والمعنى: إمَّا يبلغنَّ عندك أحد الوالدين أو يبلغ كلاهما.
قال البغوي ﵀ فعلى قراءة حمزة والكسائي قوله: «أحَدهُمَأ أو كِلاهُمَا» كلام مستأنف؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] فقوله: ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ ابتداء.
وأما القراءة الثانية فواضحة، و «إمَّا» هي «إنْ» الشرطية زيدتْ عليها «ما» توكيداً، فأدغم أحد المتقاربين في الآخر بعد أن قلب إليه، وهو إدغام واجب، قال الزمخشريُّ: «هي إن الشرطية زيدت عليها» ما «توكيداً لها؛ ولذلك دخلت النون، ولو أفردت» إنْ «لم يصحَّ دخولها، لا تقول: إن تُكرمنَّ زيداً، يُكرمْكَ، ولكن: إمَّا تُكرِمنَّهُ» .
وهذا الذي قاله الزمخشريُّ نصَّ سيبويه على خلافه، قال سيبويه:
وإنْ شِئْتَ، لم تُقْحمِ النون، كما أنك، إن شئت، لم تجئ ب «مَا» قال أبو حيَّان: «يعني مع النون وعدمها» وفي هذا نظر؛ لأنَّ سيبويه، إنما نصَّ على أنَّ نون التوكيد لا
стр. 7320
يجب الإتيان بها بعد «أمَّا» وإن كان أبو إسحاق قال بوجوب ذلك، وقوله بعد ذلك: كما أنَّك إن شِئْتَ لم تجئ ب «مَا» ليس فيه دليلٌ على جواز توكيد الشَّرط مع «إنْ» وحدها.
و «عِندكَ» ظرفٌ ل «يَبْلغَنَّ» و «كِلا» مثناةٌ معنى من غير خلاف، وإنما اختلفوا في تثنيتها لفظاً: فمذهب البصريِّين: أنها مفردة لفظاً، ووزنها على فعل؛ ك «مِعَى» وألفها منقلبة عن واوٍ، بدليل قلبها تاء في «كِلْتَا» مؤنث «كِلا» هذا هو المشهور، وقيل: ألفها عن ياءٍ، وليس بشيءٍ، وقال الكوفيُّون: هي مثناة لفظاً؛ وتبعهم السهيليُّ مستدلِّين على ذلك بقوله: [الرجز]
٣٤٠١ - في كِلْتِ رِجْليْهَا سُلامَى وَاحِده..... ... ... ... ... ...
فنطق بمفردها؛ ولذلك تعربُ بالألف رفعاً والياء نصباً وجراً، فألفها زائدة على ماهية الكلمة كألف «الزيدان» ÷ ولامها محذوفة عند السهيليِّ، ولم يأت عن الكوفيين نصٌّ في ذلك، فاحتمل أن يكون الأمر كما قال السهيليُّ، وأن تكون موضوعة على حرفين فقط، لأنَّ مذهبهم جواز ذلك في الأسماءِ المعربة.
قال أبو الهيثن الرَّازيُّ وأبو الفتح الموصليُّ، وأبو عليٍّ الجرجانيُّ إن «كلا» اسم مفرد يفيد معنى التثنية، ووزنه فعل، ولامه معتلٌّ بمنزلة لام «حِجَى ورِضَى» وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة، ولا تكون إلا مضافة؛ لأنَّها لو كانت تثنية، لوجب أن يقال في النَّصب والخفض: «مَرَرْتُ بِكلَي الرَّجليْنِ» بكسر الياء، كما يقال: «بَيْنَ يَدي الرَّجُل: و» مِنْ ثُلُثي اللَّيْلِ «و» يَا صَاحِبَي السِّجْنِ «و» طَرفي النَّهارِ «، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنَّها ليست تثنية، بل هي لفظة مفردة، وضعت للدلالة على التثنية، كما أنَّ لفظة» كُل «اسمٌ واحدٌ موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظه، كما تخبر عن الواحد؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] ، فكذا إن أخبرت عن» كِلَا «أخبرت عن واحدٍ، فقلت: كلا أخويك كان قائماً.
قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] . ولم يقل:» آتَنَا «.
وحكمها: أنَّها متى أضيفت إلى مضمرٍ أعربت إعراب المثنى، أو إلى ظاهر، أعْرِبت إعراب المقصور عند جمهور العرب، وبنو كنانة يعربونها إعراب المثنى مطلقاً، فيقولون: رأيت كِلَى أخوَيْكَ، وكونها جرتْ مجرى المثنى مع المضمر، دون الظاهر يطول ذكره.
стр. 7321
ومن أحكامها: أنَّها لا تضافُ إلَاّ إلى مثنى لفظاً [ومعنى نحو:» كلا الرَّجليْنِ «] ، أو معنى لا لفظاً؛ نحو:» كِلانَا «ولا تضاف إلى مفرَّقين بالعطف نحو» كِلا زَيْدٍ وعمرٍو «إلا في ضرورةٍ؛ كقوله: [الطويل]
٣٤٠٢ - إنَّ للخَيْرِ وللشَّرِّ مَدًى ... وكِلَا ذلِكَ وجْهُ وقَبَلْ
والأكثر مطابقتها فيفرد خبرها وضميرها؛ نحو: كلاهما قائم، وكلاهما ضربته، ويجوز في قليل: قائمان، وضربتهما؛ اعتباراً بمعناهما، وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [البسيط]
٣٤٠٤ - كِلاهُمَأ حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنهُمَا ... قَد أقْلعَا وكِلَا أنْفَيهِمَا رَابِي
وقد يتعيَّن اعتبارُ اللفظ؛ نحو: كلانا كفيل صاحبه، وقد يتعيَّن اعتبارُ المعنى، ويستعمل تابعاً توكيداً، وقد لا يتبع، فيقع مبتدأ، ومفعولاً به، ومجرورواً، و «كِلْتَا» في جميع ما ذكر ك «كِلا» وتاؤها بدل عنواو، وألفها للتأنيث، ووزنها فعلى؛ كذكرى، وقال يونس: ألفها أصلٌ، وتاؤها مزيدة، ووزنها فعتلٌ، وقد ردَّ عليه الناس، والنسب إليها عند سيبويه: «كِلْوِي» كمذكرها، وعند يونس: كِلْتَوِيّ؛ لئلا تلتبس، ومعنى الآية أنَّهما يبلغان إلى حالة الضَّعف والعجز، فيصيران عندك في ىخر العمر، كما كنت عندهما في أوَّل العمر.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ قوله: أفّ: اسم فعلٍ مضارعٍ بمعنى أتضجَّر، وهو قليلٌ؛ فإنَّ أكثر باب أسماء الأفعال أوامر، وأقل منه اسم الماضي، وأقلُّ منه اسم المضارع؛ ك «أف» وأوَّه، أي: أتوجَّع، وويْ، أي: أعجبُ، وكان من حقِّها أن تعرب؛ لوقوعها موقع معربٍ، وفيها لغاتٌ كثيرة، وصلها الرُّماني إلى تسع وثلاثين، وذكر ابنُ عطيَّة لفظة، بها تمَّت الأربعون، وهي اثنتان وعشرون مع الهمزة المضمومة: أفُّ، أفَّ، أفِّ، بالتشديد مع التنوين وعدمه، أفُ، أفَ، أفِ، بالتخفيف مع التنوين وعدمه، أُفْ بالسكون والتخفيف؛ أُفّْ بالسكون والتشديد، أفُّهْ، أُفَّهْ، أفِّهْ، أفَّا من غير إمالة، وبالإمالة
стр. 7322
المحضة، وبالإمالة بين بين، أفُّو أفِّ] : بالواو والباء، وإحدى عشرة مع كسرِ الهمزة: إفَّ، إفِّ: بالتشديد مع التنوين وعدمه، أَفَ، إفِ بالتخفيف مع التنوين وعدمه، إفًّا بالإمالة، وست مع فتح الهمزة: أفَّ أفِّ؛ بالتشديد مع التنوين وعدمه، أفْ بالسكون، أفا بالألف، فهذه تسعٌ وثلاثون لغة، وتمام الأربعين «» أفاهُ «بهاء السكت، وفي استخراجها بغير هذا الضَّابط الذي ذكرته عسر ونصب، يحتاج في استخراجه من كتب اللغة، ومن كلام أهلها، إلى تتبُّعٍ كثيرٍ، وأبو حيان لم يزدْ على أن قال:» ونحنُ نسردها مضبوطة كما رأيناها «، فذكرها، والنُّسَّاخ خالفوه في ضبطه، فمن ثمَّ جاء فيه الخللُ، فعدلنا إلى هذا الضَّابط المذكور، ولله الحمد والمنة.
وقد قرئ من هذه اللغات بسبعٍ: ثلاثٍ في المتواتر، وأربعٍ في الشاذ، فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثيرٍ، وابن عامرٍ بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين، ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ نافع في رواية: أفٌ بالرفع والتنوين، وأبو السًّمال بالضمِّ من غير تنوين، وزيد بن عليِّ بالنصب والتنوين، وابن عبَّاسٍ:» أفْ «بالسكون.
قال ابن الخطيب: والبحث المشكل ها هنا أنا لما نقلنا أنواعاً من اللغات في هذه اللفظة، فما السَّبب في أنَّهم تركوا أكثر تلك اللُّغاتِ في قراءةِ هذه اللفظة، واقتصروا على وجوه قليلة منها؟ .
فصل
في تفسير هذه اللفظة وجوهٌ:
أحدها: قال الفراء: تقول العرب: «لعلَّ فلاناً يَتأفَّفُ من ريحٍ وجدها» معناه: يقول: أفٍّ أفٍّ.
والثاني: قال الأصمعي: الأفُّ: وسخُ الآذانِ، والتُّفُّ: وسخُ الأظفار، يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر، حتَّى استعملوه عند محلِّ ما يتأذُّون.
الثالث: قال أبو عبيدة ﵀: أصل الأفِّ والتُّفِّ: الوسخُ على الأصابع إذا فَتلْتَها.
الرابع: الأفُّ: ما يكون في المغابن من الوسخِ، والتُّفُّ ما يكون في الأصابع من الوسخ.
الخامس: الأفُّ: وسخ الأظافرِ، والتُّفُّ ما رفعت بيدك من الأرْضِ من شيءٍْ حقيرٍ.
السادس: قيل: أفٍّ: معناه قلًّة، وهو مأخوذ من الأفيفِ، وهو الشيء القليل، وتُفّ: إتباعٌ له؛ كقولهم شيطانٌ ليطانٌ، خبيثٌ نبيثٌ.
стр. 7323
السابع: روى يعلبٌ عن ابن الأعرابيّ: الأفُّ: الضجر.
الثامن: قال القتبيُّ: أصل هذه الكلمة أنَّه إذا سقط عليك ترابٌ أو رمادٌ، نفخت فيه لتزيله؛ والصَّوْت الحاصل عند تلك النفخةِ هو قولك: أفٍّ، ثم إنَّهم توسَّعوا، فذكروا هذه اللفظة عند كلِّ مكروه يصل إليهم.
قال مجاهدٌ: معنى قوله: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ أي: لا تتقذَّرهما: كما أنَّهما لم يتقذَّراك حين كنت تخرى وتبول.
وروي عن مجاهد أيضاً: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك، فلا تقل لهما: أفٍّ.
فصل في دلالة الأفّ
قول القائل: «لا تقلْ لفلانٍ: أفٍّ» مثل يضرب للمنعِ من كل مكروهٍ وأذيَّةٍ، وإن خفَّ وقلَّ.
واختلف الأصوليُّون في أنَّ دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالةٌ لفظيةٌ، أو دلالة مفهومة بالقياس، فقيل: إنها دلالة لفظية، لأنَّ أهل العرف، إذا قالوا: لا تقل لفلانٍ أفٍّ، عنوا به أنَّه لا يتعرض له بنوعٍ من أنواع الأذى، فهو كقوله: فلانٌ لا يملكُ نقيراً ولا قطْمِيراً فهو بحسب العرف يدلُّ على أنه لا يملك شيئاً.
وقيل: إنَّ هذا اللفظ، إنَّما دلَّ على المنعِ من سائر أنواعِ الأذى بالقياس الجليِّ.
وتقريره: أنَّ الشَّرع، إذا نصَّ على حكمٍ في صورةٍ، وسكت عن حكم في صورةٍ أخرى، فإذا أردنا إلحاق الصُّورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محلِّ السكوت أولى من ثبوته في محلِّ الذِّكر كهذه الصورة؛ فإنَّ اللفظ إنما دلَّ على المنع من التأفيف، والضَّرب أولى بالمنع.
وثانيها: أن يكون الحكم ف يمحلِّ السكوت مساوياً للحكم في محلِّ الذِّكر، وهذا يسمِّيه الأصوليُّون: «القياس في معنى الأصل» كقوله صلوات الله وسلامه عليه: «مَنْ أعْتقَ شِركاً لهُ في عَبْدٍ، قُوِّمَ عليه البَاقِي» فإنَّ الحكم في الأمَةِ وفي العبد سواء.
وثالثها: أن يكون الحكم في محلِّ السكوت أخفى من الحكم في محلِّ الذِّكرِ، وهو أكثر القياساتِ.
стр. 7324
إذا عرف هذا، فالمنع من التأفيف، إنما دلَّ على المنع من الضرب بالقياس الجليِّ من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّ التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعاً من الضرب، وأيضاً: المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلاً؛ لأنَّ الملك الكبير، إذا أخذ ملكاً عظيماً، كان عدُوًّا له، فقد يقول للجلَاّد: إيَّاك أن تستخفَّ به أو تشافهه بكلمة موحشةٍ، لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولاً في الجملة، علمنا أنَّ المنع من التأفيف يغاير المنع من الضرب، وغير مستلزم للمنع من الضرب في الجملة إلَاّ أنَّا علمنا في هذه الصورة: أنَّ المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين، لقوله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ .
فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب بالقياس من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى.
قوله: «ولا تَنْهَرْهُمَا» أي: لا تَزْجُرهما، والنَّهْرُ: الزَّجْرُ بصياحٍ وغلظة وأصله الظهور، ومنه «النَّهْر» لظهوره، وقال الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ» .
ويقال نهرهُ وانتهره، إذا استقبله بكلامٍ يزجره، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] .
فإن قيل: المنع من التأفيف يدلُّ على المنع من الانتهار؛ بطريق الأولى، فلما قدم المنعه من التأفيف، كان المنع من الانتهار بعده عبثاً، ولو فرضنا أنه قدَّم المنع من الانتهار على المنع من التأفيف، كان مفيداً؛ لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السَّبب في رعاية هذا التَّرتيب؟ .
فالجواب: أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ المنع من إظهار الضَّجر بالقليل والكثير، والمراد من قوله ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الردِّ عليه.
قوله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ لمَّا منعه من القول المؤذي، وذلك لا يكون أمراً بالقول الطَّيب، فلا جرم: أردفه بأن أمره بالقول الحسن، فقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ .
قال عمر بن الخطاب ﵁: هو أن يقول له: يا أبتَاهُ يا أمَّاهُ، وقال عطاء: هو أن تتكلَّم معهما بشرط ألَاّ ترفع إليهما بصرك.
وقال مجاهد: لا تُسمِّهِمَا ولاتكنِّهما، فهو كقول عمر ﵁.
стр. 7325
فإن قيل: إنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - كان أعظم النَّاس حلماً وكرماً وأدباً، فكيف قال لأبيه: «يا آزرُ» على قراءة «لأبِيهِ آزَرُ» بالضمِّ ﴿إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] فخاطبه بالاسم، وهو إيذاءٌ له، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال، وعو أعظم أنواع الإيذاء.
فالجواب أن قوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَانا﴾ يدلُّ على أنَّ حقَّ الله متقدِّم على حقِّ الأبوين، فإقدام إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - على ذلك الإيذاء، إنَّما كان تقديماً لحق الله تعالى على حقِّ الأبوين.
قوله تعالى: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ .
والمقصود المبالغة في التواضع، وهذه استعارة بليغة.
قال القفَّال - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: وفي تقريره وجهان:
الأول: أنَّ الطائر، إذا أراد ضمَّ فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنَّه قال للولد: اكفل والديك؛ بأن تَضمَّهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك.
والثاني: أنَّ الطائر، إذا أراد الطَّيران، نَشرَ جناحيه، ورفعهما؛ ليرتفع، وإذا أراد ترك الطيران، خفض جناحيه، فجعل خفض الجناحِ كناية عن التواضع واللِّين.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى جناح الذلِّ؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك، كما قال: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] فأضافه إلى الذُّلِّ [أو الذِّلِّ] ، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذَّليل أو الذَّلول.
والثاني: أن تجعل لذُلِّه أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً؛ كما جعل لبيد للشَّمال يداً، وللقرَّة زماماً، في قوله: [الكامل]
٣٤٠٥ - وغَداةِ رِيح قد كَشفْتُ وقَرَّةٍ ... إذْ أصَبْحَتْ بِيدِ الشَّمالِ زِمامُهَا
مبالغة في التذلُّل والتواضع لهما» انتهى، يعني أنه عبَّر عن اللين بالذلِّ، ثم استعار له جناحاً، ثم رشَّح هذه الاستعارة بأن أمره بخفض الجناح.
ومن طريف ما يحكى: أن أبا تمامٍ، لمَّا نظم قوله: [الكامل]
٣٤٠٦ - لا تَسْقِني مَاءَ المَلامِ فإنَّني ... صبٌّ قد اسْتعذَبْتُ مَاء بُكائِي
стр. 7326
جاءه رجل بقصعةٍ، وقال له: أعطني شيئاً من ماءِ الملامِ، فقال: حتى تأتيني بريشةٍ من جناح الذلِّ؛ يريد أن هذا مجاز استعارةٍ كذاك، وقال بعضهم: [الطويل]
٣٤٠٧ - أرَاشُوا جَناحِي ثُمَّ بلُّوه بالنَّدى ... فلمْ أسْتطِعْ من أرْضهِمْ طَيرانَا
وقرأ العامة «الذُّلِّ» بضم الذال، وابن عبَّاسٍ في آخرين بكسرها، وهي استعارةٌ؛ لأن الذلَّ في الدوابِّ؛ لأنَّه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أنَّ الذل بالضم ضدُّ العزِّ.
قوله: «من الرَّحمة» فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها للتعليل، فتتعلق ب «اخفِضْ» ، أي: اخفض من أجل الرَّحمة.
والثاني: أنها لبيان الجنس؛ قال ابن عطيَّة: «أي: إنَّ هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنَّة في النَّفس» .
الثالث: أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ «جَنَاح» .
الرابع: أنها لابتداء الغاية.
قوله: «كَمَا ربَّيانِي» في هذه الكاف قولان:
أحدهما: أنها نعتٌ لمصدر محذوف، فقدَّره الحوفيُّ: «ارحمهما رحمة مثل تربيتهما [لي] » . وقدَّره أبو البقاء: «رحمة مثل رحمتهما» كأنَّه جعل التربية رحمة.
والثاني: أنها للتعليل، أي: ارحمهما؛ لأجل تربيتهما؛ كقوله: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
قال القرطبيُّ: ولا يختصُّ برُّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرُّهما، ويحسن إليهما.
قال القفال ﵀: إنَّه لم يقتصر في تعليم البرِّ بالوالدين على تعليم
стр. 7327
الأفعال، بل أضاف إليه تعليم الأقوال، وهو أن يدعو لهما بالرَّحمة، فيقول: ربِّ ارحمهما، ولفظة الرحمة جامعة لكلِّ الخيرات في الدِّين والدنيا، ثم يقول: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ يعني: ربِّ افعل بهما هذا النوع من الإحسان، كما أحسنا إليَّ في تربيتهما، والتربية هي التَّنْميَةُ من قولهم: ربَا الشَّيء، إذا انتفخ قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] .
واختلف المفسرون في هذه الآية، فقا لابن عباس ﵄: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول: ربِّ ارحمهما.
وقيل إنها مخصوصة بالمسلمين غير منسوخة، وهذا أولى من القول الأول؛ لأنَّ التخصيص أولى من النَّسخ.
وقيل: لا نسخ، ولا تخصيص؛ لأنَّ الوالدين، إذا كانا كافرين، فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.
فصل في أنّ الأمر يفيد التكرار أم لا؟
قوله جلَّ ذكرهُ: ﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما﴾ أمرٌ، وظاهر الأمر لا يفيد التَّكرار، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرَّة واحدة.
سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة، أو في الشهر، أو في السَّنة؟ فقال: نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات؛ كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبيِّ - صلوات الله وسلامه عليه -.
وكقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فهم يكرِّرون في أدبار الصلاة.
стр. 7328
قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من برِّ الوالدين وعقوقهما ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ ، أي: إنَّا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله، وبالإحسان بالوالدين،
стр. 7329
ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص وعدم الإخلاص، فالله تعالى مطلع على ما في نفوسكم.
﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ أي: إن كنتم برآء عن جهة الفساد في أحوال قلوبكم، وكنتم أوَّابين، أي: راجعين إلى الله، فإنَّ حكم الله في الأوَّابين أنَّه غفورٌ لهم، يكفِّر عنهم سيئاتهم.
والأوَّابُ: على وزن فعَّال، وهو يفيد المداومة والكثرة؛ كقولهم: قتَّال، وضرَّاب.
قال سعيد بن المسيِّب ﵀: الأوَّاب الذي يذنب، ثم يتوب. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو الرجَّاع إلى الخير.
وقال ابن عباس ﵁: هو الرجَّاع إلى الله تعالى فيما ينوبه. وعنه أيضاً قال: هم المسبِّحون؛ لقوله تعالى: ﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] .
وقال قتادة: المصلُّون.
وقيل: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، لا يريد بذلك الخير، فإنَّه لا يؤخذ به.
وقال عونٌ العقيلي: هم الذين يصلُّون صلاة الضحى؛ لأن النبي ﷺ َ خرج إلى أهل قباء، وهُم يُصلُّونَ الضحى، فقال: صلاةُ الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاس أنه قال: إنَّ الملائكةَ لتحفُّ بالذين يصلُّون بين المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوَّابين.
стр. 7330
قيل: هذا خطاب للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأن يؤتي أقاربهُ الحقوق التي وجبت لهم في الفيءِ والغنيمة، وإخراج حقِّ المساكين وأبناء السَّبيل من هذين المثالين.
وقال الأكثرون: إنه عامٌّ، لأنه عطفهع لى قوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ
стр. 7331
إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] والمعنى أنَّك بعد فراغك من برِّ الوالدين يجب عليك أن تشتغل ببرِّ سائر الأقاربِ، الأقرب فالأقرب، ثم بإصلاح أحوال المساكين، وأبناء السَّبيل، واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ﴾ مجملٌ، ليس فيه بيان أنَّ ذلك الحقَّ ما هو، فذهب الشافعيُّ ﵁ إلى أنَّه لا يجب الإنفاقُ إلَاّ على الولدِ والوالدين، وقال غيره: يجب الإنفاق على المحارم بقدر الحاجة، واتفقوا على أنَّ من لم يكن من المحارم كأبناء العمِّ، فلا حقَّ لهم إلَاّ الموادَّة والمؤالفة في السَّراء والضَّراء، وأما المسكين وابن السَّبيل، فتقدَّم وصفهما في سورة التوبة في آية الزَّكاة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ : التَّبذِيرُ: التفريق ومنه «البَذْرُ» لأنه يفرقُ في الأرض للزِّراعة، قال: [الوافر]
٣٤٠٨ - تَرائِبُ يَسْتَضِيءُ الحليُ فِيهَا ... كجَمْرِ النَّار بُذِّرَ بالظَّلامِ
ثم غلب في الإسراف في النَّفقة.
قال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كلَّه في الحقِّ، ما كان تبذيراً.
وسئل ابن مسعود عن التبذير، فقال: إنفاقُ المالِ في غير حقِّه وأنشد بعضهم: [الوافر]
٣٤٠٩ - ذَهابُ المَالِ في حَمْدٍ وأجْرٍ ... ذَهابٌ لا يُقَالُ لهُ ذَهابُ
وقال عثمان بن الأسود: كنت أطوفُ مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى أبي قبيسٍ، وقال: لو أنَّ رجلاً أنفق مثل هذا في طاعة الله، لم يكن من المسرفين، ولو أنفق درهماً واحداً في معصية الله، كان من المسرفين.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ مرَّ رسول الله ﷺ َ بسعدٍ ﵁ وهو يتَوضَّأ، فقال: مَا هَذَا السَّرف يا سعدُ؟ فقال: أفِي الوَضُوءِ سرفٌ؟ قال: «نعم، وإنْ كُنْتَ على نَهْرٍ جارٍ» .
стр. 7332
ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إيَّاه إلى أفعال الشياطين، فقال - جلَّ ذكره -: ﴿إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين﴾ والمراد من هذه الأخوة التشبيه بهم في هذا الفعل القبيح؛ لأنَّ العرب يسمُّون الملازم للشيء أخاً له، فيقولون: فلانٌ أخو الكرم والجود، وأخو السَّفر، إذا كان مواظباً على هذه الأفعال.
وقيل: قوله: ﴿إِخْوَانَ الشياطين﴾ أي: قرناءهم في الدنيا والآخرة كقوله تعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أي: قرناءهم من الشياطين، ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً للنِّعمة؛ لأنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للنَّاس، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً، فصرفه إلى غير مرضاة الله، كان كفوراً لنعمة الله؛ لأنَّه موافق للشياطين في الصِّفة والفعل، ثم إن الشياطين كَفُورُونَ بربهم، فكذلك المبذِّر أيضاً كفورٌ بربه.
قال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفقِ عادة العرب؛ لأنَّهم كانوا يجمعون الأموال بالنَّهب والغارة، ثم ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريشٍ وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدُّوا عن الإسلام وتوهين أهله وإعانة أعدائه، فنزلت هذه الآية تنبيهاً على قبح أفعالهم.
стр. 7333
نزلت في مهجع، وبلال، وصهيب، وسالم، وخبَّاب، وكانوا يسألون النبيَّ ﷺ َ في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياء منهم، ويمسك ن القول، فنزلت: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أي: وإن أعرضت عنهم عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم ﴿ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ انتظار رزق من الله ترجوه، أي: يأتيك ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ ليِّناً، وهو العدةُ، أي: عدهم وعداً جميلاً.
قوله تعالى: ﴿ابتغآء رَحْمَةٍ﴾ : يجوز أن يكون مفعولاً من أجله، ناصبه «تُعرضنَّ» وهو من وضع المسبَّب موضع السبب، وذلك أنَّ الأصل: وإمَّا تعرضنَّ عنهم لإعسارك، وجعله الزمخشريُّ منصوباً بجواب الشرط، أي: فقل لهم قولاً سهلاً؛ ابتغاء رحمة، وردَّ عليه أبو حيَّان: بأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها؛ نحو: «إن يقُم زيدٌ عمراً فاضْرِبْ» فإن حذفت الفاء جاز عند سيبويه والكسائيِّ؛ نحو: «إنْ يقُمْ زيدٌ عمراُ يَضْرِبْ» فإن كان الاسمُ مرفوعاً؛ نحو «إنْ تَقُمْ زيدٌ يَقُمْ» جاز ذلك عند سيبويه على أنَّه مرفوع بفعلٍ مقدَّرٍ يفسِّره الظاهر بعده، أي: إن تقم، يَقُم زيدٌ يَقُمْ. ومنع من ذلك الفراء وشيخه.
وفي الردِّ نظر؛ لأنَّه قد ثبت ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]
стр. 7334
الآية؛ لأنَّ «اليتيمَ» وما بعده منصوبان با بعد فاءِ الجوابِ.
وقيل: إنه في موضع الحالِ من فاعل «تُعرِضنَّ» .
قوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِكُمْ﴾ يجوز أن يكون صفة ل «رحمةٍ» ، وأن يكون متعلقاً ب «تَرْجُوها» أي: ترجُوهَا «يجوز أن يكون حالاً من فاعل» تُعرِضنَّ «، وأن يكون صفة ل» رَحمةٍ «.
стр. 7335
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآية.
لمَّا أمره بالإنفاق في الآية المتقدمة، علَّمه في هذه الآية أدب الإنفاق.
واعلم أنه تعالى وصف عباده المؤمنين، فقال تعالى ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧] .
فها هنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ أي لا تمسك عن الإنفاق، بحيث تضيف على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرَّحم، أي: لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ أي: ولا تتوسَّع في الإنفاق توسُّعاً مفرطاً بحيث لا يبقى في يدك شيءٌ.
والحكماءُ ذكروا في كتب الأخلاق أنَّ لكلِّ خلق طرفي إفراطٍ وتفريطٍ، وهما مذمومان، والخلق الفاضل هو العدل والوسط، فالبخل إفراطٌ في الإمساك، والتبذير إفراطٌ في الإنفاقِ، وهما مذمومان، والمعتدل الوسطُ.
روى جابرٌ ﵁ قال: «أتى صبي فقال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي تَسْتَكسِيكَ دِرْعاً، ولم يكُنْ لرسول الله ﷺ َ إلَاّ قميصهُ، فقال للصبيِّ: من ساعةٍ إلى ساعةٍ يظهرُ كذا فعدِّ وقتاً آخر، فعاد إلى أمِّه فقالت: قل له: إنَّ أمِّي تَسْتكسِيكَ الدِّرع الذي عليك، فدخل رسول الله ﷺ َ دَارهُ، ونزعَ قَمِيصهُ، فأعطاهُ، فقعد عُرياناً، فأذَّنَ بلالٌ بالصَّلاةِ، فانتظره، فلم يخرج، فشغل قُلوبَ أصحابه، فدخل عليه بعضهم فَرآهُ عُرْيَاناً» ، فأنزلَ الله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ يعني لا تمسك يدك عن النفقةِ في الحقِّ كالمغلولة يده، ولا يقدر على مدِّها، «ولا تَبْسُطهَا» بالعطاء «كُلَّ البَسْطِ» فتعطي جميع ما عندك.
و ﴿كُلَّ البسط﴾ : نصب على المصدر؛ لإضافتها إليه، و «فَتقْعُدَ» نصب على جواب
стр. 7336
النهي وتقدَّم الكلام عليه، و «مَلُوماً» إمَّا حالٌ، وإمَّا خبر كما تقدَّم؛ ومعنى كونه ملوماً أنه يلومُ نفسه، وأصحابه أيضاً يلومونه على تضييع المالِ وإبقاءِ الأهل في الضَّرر والمحنة، أو يلومونه بالإمساك إذا سألوه ولم يعطهم، وأمَّا كونه محسوراً، فقال الفراء: العرب تقول للبعير: محسورٌ، إذا انقطع سيره، وحسرت الدابَّة، إذا سيَّرتها حتى ينقطع سيرها، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] .
وقال قتادة ﵀: محسوراً نادماً على ما فرط منك ويجمع الحسيرُ على حَسْرَى، مثل: قَتْلَى وصَرْعَى.
قال الشاعرك [الطويل]
٣٤١٠ - بِهَا جِيَفُ الحَسْرى، فأمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وأمَّا جِلدُهَا فَصلِيبُ
وحسر عن كذا، كشف عنه كقوله [الطويل]
٣٤١١ - ... ... ... . يَحْسُرِ المَاءَ تَارةً..... ... ... ... ... ... . .
والمحسور: المنقطع السَّير، ومنه حسرت الدَّابة، قطعت سيرها، وحسير أي: كالٌّ: تعبان بمعنى: محسور.
قال القفال: شبَّه حال من أنفق كلَّ ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته؛ لأنَّ ذلك المقدار من المال، كأنَّه مطيَّة تحمل الإنسان إلى آخر السَّفر، كما أن ذلك البعير يحمله إلى آخر منزله، فإذا انقطع ذلك البعير بقي في وسط الطَّريق عاجزاً متحيِّراً، فكذلك إذا أنفق الإنسان مقدار ما يحتاج إليه في مدَّة شهر، بقي في وسط ذلك الشهر عاجزاً متحيراً، ومن فعل هذا، لحقه اللَّوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب سوء تدبيره، وترك الحزم في مهمَّات معاشه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق﴾ أي يوسِّعه على البعض «ويَقْدرُ» ، أي: يضيِّق على البعض بحسبِ ما يعلم من المصالح.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] والقدر في اللغة التَّضييقُ. قال تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] . ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أي: ضيَّق.
стр. 7337
قوله تعالى: ﴿وَلَا تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ الآية في تقرير النظم وجوه:
стр. 7338
الأول: أنه لما بيَّن في الآية الأولى: أنَّه المتكفِّل بأرزاق العباد؛ حيث قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠] قال : ﴿وَلَا تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ .
الثاني: أنه تعالى، لمَّا علم كيفية البرِّ بالوالدين في الآية المتقدمة، علم في هذه الآية كيفية البرِّ بالأولاد، ولهذا قيل: إنَّ الأبرار إنما سمُّوا بذلك؛ لأنهم برُّوا الآباء والأبناء؛ فوجب برُّ الآباء مكافأة على ما صدر منهم من أنواع البرِّ؛ ووجب برُّ الأولاد، لأنَّهم في غاية الضعف والاحتياج ولا كافل لهم غير الوالدين.
الثالث: أنَّ امتناع الأولاد من برِّ الآباء يوجب خراب العالم؛ لأنَّ الآباء، إذا علموا ذلك، قلت رغبتهم في تربية الأولاد؛ فيلزم خراب العالم، وامتناع الآباء من البرِّ أيضاً كذلك.
الرابع: أنَّ قتل الأولادِ، إن كان لخوفِ الفقر، فهو سوء الظنِّ بالله تعالى، وإن كان لأجل الغيرة على البناتِ فهو سعيٌ في تخريب العالم، فالأوَّل ضدُّ التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني ضدُّ الشفقةِ على خلق الله، وكلاهما مذمومان.
الخامس: أنَّ قرابة الأولاد قرابةُ الجزئيَّة والبعضيَّة، وهي من أعظم الموجبات للمحبَّة، فلو لم تحصل المحبَّة دلَّ ذلك على غلظٍ شديد في الرُّوح، وقسوة في القلب، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة، فرغَّب الله في الإحسان إلى الأولاد؛ إزالة لهذه الخصلة الذميمة.
فصل
قرأ العامة «تَقْتلُوا» بالتخفيف، وقرأ ابن وثاب والأعمش «تُقتِّلُوا» بالتشديد و «خِشْيَة» بكسر الخاء.
قال المفسِّرون: إنَّ العرب كانوا يقتلون البنات؛ لعجز البنات عن الكسب، وقدرة البنين عليه؛ بسبب إقدامهم على النَّهب والغارة، وأيضاً: كانوا يخافون أن ينفر الأكفاء عنها، وعن الرغبة فيها، فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء، وفي ذلك عارٌ شديدٌ.
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تقتلوا أَوْلادَكُمْ﴾ عامٌّ في الذكور والإناث، أي: أنَّ الموجب للشَّفقة والرحمة هو كونه ولداً، وهذا الوصف يشترك فيه الذكور والإناث، وأما ما يخاف من الفقر في البنات، فقد يخاف أيضاً في العاجز من البنين، ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ أي أنَّ الأرزاق بيد الله، فكما يفتحُ أبواب الرِّزق على الرِّجال، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النِّساء.
قوله تعالى: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ .
стр. 7339
قرأ ابن ذكوان: «خَطَأ» بفتح الخاء والطاء من غير مدٍّ، وابن كثيرٍ بكسرِ الخاءِ والمدِّ، ويلزم منه فتح الطاء، والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء.
فأمَّا قراءة ابن ذكوان، فخرَّجها الزجاج على وجهين:
أحدهما: أن يكون اسم مصدر؛ من أخطأ يخطئ خطأً، أي: إخطاءً، إذا لم يصبْ.
والثاني: أن يكون مصدر خطئ يَخطأ خطأ، إذا لم يصب أيضاً، وأنشد: [الكامل]
٣٤١٢ - والنَّاسُ يَلحَوْنَ الأميرَ إذَا هُمُ ... خَطِئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرشِدُ
والمعنى على هذين الوجهين: أنَّ قتلهم كان غير صوابٍ، واستبعد قوم هذه القراءة قالوا: لأنَّ الخطأ ما لم يتعمَّد، فلا يصحُّ معناه.
وخفي عنهم: أنه يكون بمعنى أخطأ، أو أنه يقال: «خَطِئَ» إذا لم يصب.
وأمَّا قراءة ابن كثير، فهي مصدر: خَاطَأ يُخاطِئُ خطاءً؛ مثل: قاتل يُقاتلُ قتالاً، قال أبو عليٍّ: «هي مصدر خَاطَأ يُخاطِئُ، وإن كنَّا لم نجد» خَاطَأ «ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع» خَاطَأ «فدلَّنا عليه، ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
٣٤١٣ - تَخاطَأتِ النَّبلُ أحْشاءَهُ ... وأخَّرَ يَومِي فَلمْ يَعْجلِ
وقال الآخر: [الطويل]
٣٤١٤ - تَخاطَأهُ القنَّاصُ حتَّى وجَدتُهُ ... وخُرطُومهُ في مَنْقعِ المَاءِ رَاسِبُ
فكأنَّ هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحقَّ والعدل» .
وقد طعن قومٌ على هذه القراءة حتَّى قال أبو جعفرٍ ﵀: «لا أعرفُ لهذه القراءة وجهاً» ولذلك جعلها أبو حاتمٍ غلطاً.
قال شهاب الدين: قد عرفهُ غيرهما، ولله الحمد.
وأما قراءة الباقين فواضحة؛ لأنَّها من قولهم: خَطِئَ يَخطَأ خِطئاً، كأثِمَ يَأثمُ إثماً، إذا تعمَّد الكذب.
стр. 7340
وقرأ الحسن: «خَطَاء» بفتح الخاء والمدِّ، وهو اسم مصدر «أخْطَأ» كالعطاءِ اسم للإعطاء.
وقرأ أيضاً «خطَا» بالقصر، وأصله «خَطَأ» كقراءةِ ابن ذكوان، إلَاّ أنه سهَّل الهمزة بإبدالها ألفاً، فحذفت كعصا.
وأبو رجاءٍ والزهريُّ كذلك، إلَاّ أنهما كسرا الخاء ك «زِنَى» وكلاهما من خَطِئ في الدين، وأخطأ في الرَّأي، وقد يقام كلٌّ منهما مقام الآخر.
وقرأ ابن عامرٍ في رواية «خَطْئاً» بالفتح والسكون والهمز، مصدر «خَطِئ» بالكسر. قال المفسِّرون: معنى الكلِّ واحدٌ، أي: إثماً كبيراً.
стр. 7341
لمَّا أمره بالأشياء الخمسة المتقدِّم ذكرها، وحاصلها يرجع إلى شيئين: التعظيم لأمر الله تعالت، والشَّفقة على خلق الله سبحانه - جلَّ ذكره - لا إله إلَاّ هو، أتبعها بالنَّهي عن أشياء أخر.
أولها: أنه تعالى نهى عن الزّنا.
والعامة على قصره، وهي اللغة الفاشية، وقرئ بالمدِّ، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه لغة في المقصور.
والثاني: أنه مصدر زانى يُزانِي؛ كقاتل يقاتل قتالاً؛ لأنه يكون بين اثنين، وعلى المدِّ قول الفرزدق: [الطويل]
٣٤١٥ - أبَا خَالدٍ من يَزْنِ يُعرَفْ زِنَاؤهُ ... ومَنْ يَشرَبِ الخُرطُومَ يُصبِكْ مُسَكَّرا
وقول الآخر: [الكامل]
٣٤١٦ - كَانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّناءُ فَريضةَ الرَّجْمِ
وليس ذلك على باب الضرورة، فثبوته قراءة في الجملة.
وقوله تعالى: ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ . قال ابن عطيَّة: «وسبيلَا: نصبٌ على التمييز، أي: وسَاءَ سَبِيلاً سَبِيلهُ» . وردَّ أبو حيَّان هذا: بأنَّ قوله نصبٌ على التَّمييز يقتضي أن يكون
стр. 7342
الفاعل ضميراً مفسَّراً بما بعده من التمييز؛ فلا يصح تقديره: سَاءَ سبيلهُ سَبِيلاً؛ لأنه ليس بمضمرٍ لاسم الجنسِ.
فصل
قال القفال: إذا قيل للإنسان: لا تقرب هذا، فهو آكد من أن تقول: لا تفعله، ثم علَّل هذا النَّهي بكنه ﴿فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ .
واعلم أنَّ الزِّنا اشتمل على أنواع من المفاسد.
أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها، فلا يعرف الإنسان أنَّ الولد الذي أتت به الزانية منه أو من غيره، فلا يقوم بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النَّسل، وخراب العالم.
وثانيها: أنه إذا لم يوجد سبب شرعيٌّ يوجب اختصاص هذا الرجل بهذه المرأة، لم يبق إلَاّ التوائب والتقاتل، وقد وجد وقوع القتل الذَّريع بسبب زنا المرأة الواحدة.
وثالثها: أنَّ المرأة، إذا زنت وتمرَّنت عليه، يستقذرها كل ذي عقل سليم، وحينئذٍ: لا تحصل الألفة والمحبَّة، ولا يتم السَّكن والازدواج، وينفر طباعُ أكثر الخلق عن مقاربتها.
ورابعها: أنَّه إذا انفتح باب الزِّنا، لا يبقى لرجلٍ اختصاص بامرأةٍ، بل كل رجل يمكنه التوائب على أيِّ امرأة أرادت، وحينئذ: لا يبقى بين نوع الإنسان وسائر البهائم فرقٌ في هذا.
وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة مجرّد قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهمَّاته من المطعوم والمشروب والملبوس، وحفظ البيت، والقيام بأمُور الأولاد والخدم، وهذه المهماتُ لا تتم إلَاّ إذا كانت المرأة مقصورة الهمَّة على هذا الرجل الواحد، منقطعة الطَّمع عن سائر الرِّجال، وذلك لا يحصل إلَاّ بتحريم الزِّنا، وسدّ هذا الباب.
وسادسها: أنَّ الوطس يوجب الذلَّ الشديد، ويدلُّ على ذلك وجوهٌ:
الأول: أن أعظم أنواع الشَّتم عند النَّاس ذكر ألفاظ الوقاع، ولولا أن الوطء يوجبُ الذلَّ وإلَاّ لما كان الأمر كذلك.
الثاني: أنَّ جميع العقلاء يستنكفُون من ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم، ولولا أن الوطء ذلٌّ، وإلَاّ لما كان كذلك.
الثالث: أن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا خفية في الأوقات التي لا يطَّلع
стр. 7343
عليهم أحدٌ، ولولا أنه موجبٌ للذلِّ، وإلا لما كان الأمر كذلك، فلما كان الوطء ذلاًّ، كان السَّعي في تقليله موافقاً للعقول، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعيٌ في تقليل ذلك العمل، وما فيه ن الذلِّ يجبر بالمنافع الحاصلة.
وأمَّا الزِّنا، فإنه فتح لباب العمل القبيح، ولا يجبر بشيءٍ من المنافع، فيبقى على أصل المنع.
وإذا ثبت ذلك، فنقول: إنه تعالى وصف الزِّنا بصفاتٍ ثلاثة: كونه ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ [النساء: ٢٢] في آية أخرى ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أما كونه فاحشة؛ فلاشتماله على الأمور المذكورة، وأمَّا المقت فلأنَّ الزانية تصير ممقوتة مكروهة؛ لما ذكرنا.
وأما كونه ساء سبيلاً: فهو ما ذكرنا من أنَّه لا يبقى فرقٌ بين الإنسان وبين البهائن في عدم اختصاص الذكران بالإناث، وبقاء الذلِّ والعيب والعارِ على المرأة من غير أن يجبر بشيءٍ من المنافع.
стр. 7344
فقوله جلَّ ذكره: ﴿إِلَاّ بالحق﴾ أي: إلا بسبب الحقِّ، فيتعلق ب «لا تَقْتلُوا» ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «لا تَقْتلُوا» أو من مفعوله، أي: لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحقِّ أو إلَاّ ملتبسة بالحقِّ، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلَاّ قتلاً ملتبساً بالحقِّ.
فصل
والحقُّ المبيح للقتل هو قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: «لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلَاّ بإحدى ثلاثٍ: رجُلٌ كفر باللهِ بعد إيمانه، أو زنى بعد أحصانهِ، أو قَتلَ نفساً بِغيْرِ نَفْسٍ» .
فإن قيل: إنَّ أكبر الكبائر بعد الكفر بالله هو القتل، فما السبب في أنه تعالى بدأ بالنَّهي عن الزنا، ثم نهى بعده عن القتل.
فالجواب: أنَّا بيَّنا أنَّ فتح باب الزِّنا يمنعُ دخول الإنسان في الوجود، والقتل يدلُّ على إعدامه، ودخوله ف يالوجود مقدَّم على إعدامه بعد وجوده؛ فلهذا ذكر الزِّنا أولاً، ثم ذكر بعده القتل.
стр. 7345
واعلم أنَّ الأصل في القتل هو التحريم، والحلُّ إنما ثبت بسببٍ عارضٍ؛ فذلك نهى عن القتل بناء على حكم الأصل، ثم استثنى منه الحالة التي يباح فيها القتل، وهو عند حصول الأسباب العرضيَّة، فقال: ﴿إِلَاّ بالحق﴾ ويدل على أنَّ الأصل في القتل التحريم وجوهٌ:
أحدها: أن القتل ضررٌ، والأصل في المضارِّ الحرمة، قال - صلوات الله وسلم عليه -: «لا ضَررَ، ولا ضِرارَ» .
وثانيها: قوله ﷺ َ: «الآدَمِيُّ بُنيَانُ الربِّ، مَلعُونٌ من هَدمَ بُنْيانَ الربِّ» .
وثالثها: أن الآدميَّ خلق للعبادة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والعبادة لا تتمُّ إلَاّ بعدم القتل.
ورابعها: أنَّ القتل إفساد، فحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وخامسها: إذا تعارض دليل تحريم القتل، ودليل إباحته، فالإجماع على أنَّ جانب الحرمة راجح، ولولا أنَّ مقتضى الأصل هو التحريمُ، وإلَاّ لكان ذلك ترجيحاً لا لمرجحٍ، وهو محالٌ.
وإذا علم أنَّ الأصل في القتل هو التحريم، فقوله: «ولا تَقْتلُوا» نهيٌ وتحريمٌ. وقوله: «حَرَّمَ الله» إعادة لذكر التحريم على سبيل التاكيد، ثم استثنى عنه الأسباب العرضيَّة، فقال: إلَاّ بالحقِّ، وها هنا طريقان:
الطريق الأول: أن قوله «إلَاّ بالحقِّ» مجمل ليس فيه بيان أن ذلك الحقَّ ما هو، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ أي: في حقِّ استيفاء القصاص؛ فوجب أن يكون المراد من الحقِّ هذه الصورة فقط، فتكون الآية نصًّا صريحاً في تحريم القتل، إلا بهذا السبب الواحد.
الطريق الثاني: أن نقول: دلَّت السنة على أنَّ ذلك الحقَّ هو أحد الأمور الثلاثة المتقدَّمة في الخبر.
واعلم أن الخبر من باب الآحادِ، فإن قلنا: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ بيان لذلك الحقِّ، كانت الآية صريحة في أنه لا يحلُّ القتل إلَاّ بهذا السبب الواحد، وحينئذٍ: يصير الخبر مخصِّصاً للآية، ويصير فرعاً لقولنا بصحَّة تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وإن قلنا بأن قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ ليس بياناً لذلك الحقِّ، فحينئذ يصير الخبر مفسِّراً للحقِّ المذكور في الآية، وعلى هذا لا يصير فرعاً على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو تنبيهٌ حسنٌ.
стр. 7346
فصل في ظاهر الآية
ظاهر الآية يقتضي أنَّه لا سبيل لحلِّ القتل إلَاّ قتلُ المظلوم، وظاهر الخبر يقتضي ضمَّ شيئين آخرين إليه، وهو الكفر بعد الإيمان، والزِّنا بعد الإحصان، ودلَّت آية أخرى على حصول سبب رابع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] ودلَّت آية أخرى على سبب خامسٍ، وهو الكفر الأصلي، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] .
وقال تعالى: ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] .
واختلف الفقهاء في أشياء أخرى:
منها: تاركُ الصلاة، فعند أبي حنيفة ﵁ لا يقتل، وعند الشافعي وأحمد ﵄: يقتل.
وثانيها: اللَاّئط: فعند الشافعيِّ: يقتل، وعند بعضهم: لا يقتل.
وثالثها: السَّاحر، إذا قال: قتلتُ بسحري فلاناً، فعند أبي حنيفة: لا يقتل، وعند بعضهم: يقتل.
ورابعها: القتل بالمثقَّل عند الشافعيِّ: يوجب القصاص، وعند أبي حنيفة: لا يوجب.
وخامسها: الانتماع من أداء الزَّكاة، اختلفوا فيه في زمان أبي بكر ﵁.
وسادسها: إتيانُ البهيمة أوجب فيه بعضهم القتل، ولم يوجبه الباقون، وحجَّة القائلين بعدم وجوب القتل في هذه الصورة هو أنَّ هذه الآية صريحة في تحريم القتل على الإطلاق إلَاّ لسببٍ واحدٍ، وهو قتل المظلوم، ففيما عداه يجب البقاء على أصل التحريم.
стр. 7347
وأيضاً: فالخبر المذكور يوجب حصر أسباب الحلِّ في تلك الثلاثة، ففيما عداها يجبُ البقاء على أصل الحرمة، ثم قالوا: وبهذا النصِّ قد تأكَّد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدَّم على الإطلاق، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارضٍ، وذلك المعارض: إمَّا أن يكون نصّاً متواتراً أو نصّاً من باب الآحادِ، أو قياساً، والنص المتواترُ مفقودٌ، وإلَاّ لما بقي الخلافُ.
وأما النصُّ من باب الآحادِ، فهو مرجوحٌ بالنسبة غلى هذه النصوص الكثيرة؛ لأنَّ الظنَّ المستفاد من النصوصِ الكثيرة أعظم من الظنِّ المستفاد من خيرٍ واحدٍ.
وأما القياسُ: فلا يعارض النصَّ، فثبت بمقتضى هذا الأصل القويِّ: أنَّ الأصل في الدماءِ الحرمةُ إلَاّ في الصور المعدودة.
قوله : ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ فيه بحثان:
البحث الأول: هذه الآية تدلُّ على أنَّه أثبت لوليِّ الدم سلطاناً.
فأمَّا بيان هذه السلطنة فيماذا، فليس في قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ فلا ينبغي أن يسرف ذلك القاتل الظالمُ في ذلك القتل؛ لأنَّ ذلك المقتول منصورٌ؛ لثبوت السَّلطنة لوليه.
والطريق الثاني: أن تلك السلطنة مجملة، ثم فسِّرت بالآية والخبر.
أما الآية: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
وقد بينَّا على أنَّها تدل على أن الواجب تخيير الوليِّ بين القصاص والدية.
وأمَّا الخبر: فقوله - صلوات الله وسلامه عليه - يوم الفتح «مَن قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ، فهو بِخَيْرِ النَّظرينِ: إمَّا أن يُقتلَ، وإمَّا أن يُفْدَى» .
فعلى هذا: فمعنى قوله: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي القتل﴾ أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص، وسلطنة استيفاء الدِّية، إن شاء، قال بعده ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي القتل﴾ أي أنَّ الأولى ألَاّ يقتصّ، ويكتفي بأخذ الدية أو يعفو، كقوله تعالى: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
стр. 7348
والبحث الثاني: ذكر كونه مظلوماً بصيغة التنكير، والتنكير يدلُّ على الكمالِ، فما لم يكن المقتول كاملاً في وصف المظلوميَّة لم يدخل تحت هذا النصِّ، فالمسلمُ إذا قتل الذميَّ، لم يدخل تحت هذه الآية؛ لأنَّ الذميَّ مشركٌ، والمشرك يحلُّ دمه.
ويدلُّ على أن الذمِّي مشركٌ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ [النساء: ١١٦] .
حكم بأنَّ ما سوى الشِّرك يغفر في حقِّ البعض، فلو كان كفر اليهوديِّ والنصرانيِّ مغايراص للشِّرك، وجب أن يغفر في حقِّ بعض الناس لهذه الآية، فلما لم يغفر في حقِّ أحد، دلَّ على أنّ كفرهم شركٌ، ولأنه تعالى قال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] فهذا التثليثُ الذي قال به هؤلاء: إمَّا أن يكون تثليثاً في الصفات، وهو باطلٌ؛ لأنَّ ذلك هو الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يمكنُ جعله سبباص للكفر، وإمَّا أن يكون تثليثاً في الذَّوات، وذلك هو الشرك، فثبت أن الذميَّ مشركٌ، والمشرك يجب قتله؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين﴾ [التوبة: ٣٦] فاقتضى هذا الدليل إباحة دمِ الذميِّ، فإن لم تثبت الإباحة، فلا أقلَّ من حصول شبهة الإباحة.
وإذا ثبت هذا، ثبت أنه ليس كاملاً في المظلوميَّة، فلم يندرج تحت قوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ .
وأما الحرُّ، إذا قتل عبداً، فيدخل تحت هذا، إلَاّ أنَّا بيَّنا أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد﴾ [البقرة: ١٧٨] يدلُّ على المنع من قتل الحرِّ بالعبد، وتلك الآية أخص من قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ والخاصُّ مقدَّم على العام؛ فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسُّك بها في مسألة أنَّ موج بالعمد هو القصاص، ولا في وجوب قتل المسلم بالذميِّ، ولا في وجوب قتل الحرِّ بالعبد.
فصل في المراد بالإسراف
في معنى الإسراف وجوهٌ:
الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك أنَّ أولياء المقتول كانوا إذا قتل واحدٌ من قبيلة شريفةٍ، قتلوا خلقاً من القبيلة الدنيئة، فنهى الله عنه وحكم بقتل القاتل وحده.
الثاني: أنَّ الإسراف هو ألا يرضى بقتل القاتل؛ فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشرف القبائل، ثمَّ يقتلون منه قوماً معيَّنين، ويتركون القاتل.
والثالث: الإسرافُ هو ألَاّ يكتفي بقتل القاتل، بل يقتله ثم يمثِّل به، ويقطع أعضاءه.
قال القفَّال ﵀: ولا يبعد حمله على الكلِّ، لأنَّ جملة هذه المعاني مشتركة في كونها إسرافاً.
стр. 7349
فصل
قرأ حمزة والكسائي: «تُسْرِفْ» بالخطاب، وهي تحتمل وجهين:
أحدهما: الخطاب للوليِّ، أي: لا تقتل الجماعة بالواحدِ، أو السلطان، رجع إلى مخاطبته بعد أن أتى به عامًّا.
والثاني: أن يكون الخطابُ للمبتدئ القتل، أي: لا تسرف أيُّها الإنسان؛ لأنَّ إقدامه على ذلك القتلِ ظلمٌ محضٌ، وهو إسرافٌ.
والباقون بالغيبة، وهي تحتمل ما تقدم في قراءةِ الخطاب.
وقرأ أبو مسلم برفع الفعل على أنَّه خبر في معنى النهي؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وقيل: «في» بمعنى الباء، أي: بسبب القتلِ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ .
قال مجاهدٌ: الهاءُ راجعةٌ إلى المقتول في قوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ أي: أنَّ المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القودِ على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه، وإيجاب النَّار لقاتله.
وقال قتادة: الهاء راجعةٌ إلى وليِّ المقتول، أو إلى السلطان، أي أنَّه منصورٌ على القاتل باستيفاء القصاص، أو الدِّية، فلكيتفِ بهذا القدر، ولا يطمع في الزيادة.
وقيل: الهاءُ راجعة إلى القاتل الظالم، أي أنَّ القاتل يكتفى منه باستيفاء القصاص، ولا يطلب منه زيادة؛ لأنَّه منصورٌ من الله تعالى في تحريم طلب الزيادة منه، أو أنَّه إذا عوقب في الدنيا، نُصِرَ في الآخرةِ.
وقيل: الهاء راجعةٌ إلى الذَّم، أو قيل: إلى الحقِّ، روى ابن عباس ﵁ قال: قلت لعليِّ بن أبي طالب ﵁: وأيْمُ الله ليَظْهرنَّ عَليْكُم ابنُ أبي سفيان؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ فقال الحسنُ: والله، ما نُصِرَ معاوية على عليٍّ إلَاّ بقولِ الله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ .
стр. 7350
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلَاّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية.
اعلم أنه تعالى نهى عن الزِّنا، وقد ذكرنا أنه يوجب اختلاط الأنساب، وذلك يوجبُ منع تربية الأولاد، ويوجب انقطاع النَّسل، وذلك مانع من دخول الناس في الوجود، فالنَّهيُ عن الزِّنا وعن القتل يرجع حاصله إلى النَّهي عن إتلاف النفوس، فلمَّا ذكره تعالى أتبعه بالنَّهي عن إتلاف الأموال؛ لأنّ أعزَّ الأشياء بعد النفوس الأموال، وأحق الناس بالنَّهي عن إتلافِ أموالهم هو اليتيمُ؛ لأنَّه لصغره، وضعفه، وكمالِ عجزه يعظم ضرره بغتلاف ماله؛ فلهذا خصَّهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلَاّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ نظيرهُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] .
المراد بالأشدّ ها هنا بلوغهُ إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالحِ ماله، فحينئذ تزولُ ولاية غيره عنه، فإن بلغ غير كامل العقل، لم تزل الولاية عنه.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ الآية.
اعلم أنَّه تعالى أمر بخمسة أشياء أوَّلاً، ثم نهى عن ثلاثةِ أشياء، وهي الزِّنا، والقتلُ، وأكل مالِ اليتيم، ثمَّ أتبعه بهذه الأوامِرِ الثلاثة، فالأول قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ .
واعلم أنَّ كلَّ عقدٍ يعقد لتوثيق أمرٍ وتوكيده، فهو عهدٌ؛ كعقد البيع والشَّركة، وعقد اليمين والنَّذر، وعقد الصلح، وعقد النِّكاح، فمقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ عهدٍ وعقدٍ يجري بين إنسانين، فإنَّه يجبُ عليهما الوفاءُ بذلك العقد والعهد، إلَاّ إذا دلَّ دليل منفصلٌ على أنه لا يجب الوفاء به، فمقتضاه الحكم بصحَّة كل بيع وقع التراضي عليه، وتأكَّد هذا النصُّ بسائر الآياتِ الدالة على الوفاء بالعهود والعقود؛ كقوله : ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]
стр. 7351
﴿وَأَحَلَّ الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المائدة: ١] .
وقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: «لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَاّ بطيبِ نَفسٍ منهُ» .
وقوله: «إذَا اختلف الجِنْسَانِ، فَبِيعُوا كيف شِئتُمْ يداً بيدٍ» .
وقوله: «مَن اشْتَرى مَا لَمْ يَرهُ، فلهُ الخيارُ إذا رَآهُ» .
فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أنَّ الأصل في البياعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام.
فإذا وجدنا نصًّا أخصَّ من هذه النصوصِ يدلُّ على البطلان والفساد، قضينا به؛ تقديماً للخاصِّ على العام، وإلا قضينا بالصحة على الكلّ، وأما تخصيص النصِّ بالقياس، فباطلٌ، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملاتِ جميعها مضبوطة معلومة بهذه الىية الواحدة، ويكون المكلَّف مطمئن القلب والنَّفس في العمل؛ لأنَّ هذه النصوص دلَّت على الصحَّة، وليس بعد بيان الله تعالى بيانٌ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً﴾ عن الوفاء بعهده؛ كقوله : ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
والثاني: أنَّ الضمير يعود على العهد، ونسب السؤال إليه مجازاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩] .
أي: يقال للعهد عن صاحب العهد: لم نقضت، وهلَاّ وفَّى بك؛ تبكيتاً للنَّاكث كقوله: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني﴾ [المائدة: ١١٦] ، فالمخاطبة لعيسى - صلوات الله وسلامه عليه - والإنكار على غيره.
وقال السديُّ: ﴿كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ، أي مطلوباً يطلب من المعاهد ألا يضيِّعه ويفي به.
стр. 7352
وقيل: المراد بوفاء العهد: الإتيان بما أمر الله - تعالى - به، والانتهاءُ عمَّا نهى الله عنه.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾ الآية، لما أمر تعالى بإتمام الكيل، ذكرالوعيد الشديد في نقصانه كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] .
ثم قال تعالى: ﴿وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم﴾ .
وهذا هو النوع الثالث من الأوامر المذكورة ها هنا، فالآية المتقدمة في إتمام الكيل، وهذه في إتمام الوزن، ونظيره قوله : ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلَا تُخْسِرُواْ الميزان﴾ [الرحمن: ٩] ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥] .
قرأ الأخوان وحفص بكسر القاف ها هنا وفي سورة الشعراء، والباقون بضمها فيهما، وهما لغتان مشهورتان، فقيل: القسطاس في معنى الميزان، إلَاّ أنَّه في العرف أكبر منه، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنَّه القبَّان، وقيل: إنه بلسانِ الرُّوم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وقيل أيضاً القرسطون. وقيل: هو كل ميزان، صغر أم كبر، أي: بميزان العدل.
قال ابن عطيَّة ﵀: هو عربيٌّ مأخوذٌ من القسطِ، وهو العدل، أي: زنوا بالعدل المستقيم، واللفظة للمبالغة من القسط، وردَّه أبو حيَّان باختلاف المادَّتين، ثم قال: «إلَاّ أن يدَّعي زيادةَ السِّين آخراً كقدموس، وليس من مواضع زيادتها» ويقال بالسِّين والصَّاد.
فصل
اعلم أنَّ التفاوت الحاصل بنقصان الكيل والوزن قليل، والوعيد عليه شديد عظيم، فيجب على العاقل الاحتراز منه، وإنَّما عظم الوعيد فيه؛ لأنَّ جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فبالغ الشَّرع في المنع من التطفيف والنقصان؛ لأجل إبقاء الأموال؛ ومنعاً من تلطيخ النفس بسرقةِ ذلك المقدار الحقير، ثم قال: «ذلك خير» ، أي الإيفاء بالتَّمام والكمال خير من التطفيف بالقليل؛ لأنَّ الإنسان يتخلَّص بالإيفاء عن ذكر القبيح في الدنيا، والعقاب الشديد في الآخرة.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ منصوب على التفسير، والتأويل ما يئولُ غليه الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ [مريم: ٧٦] ، ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ [الكهف: ٤٤] ، وإنما حكم الله تعالى بأنَّ عاقبة هذا الأمر أحسنُ العواقب؛ لأنه إذا اشتهر في الدنيا بالاحتراز عن التطفيف، أحبَّه الناس، ومالت القلوبُ إليه، واستغنى في الزَّمنِ القليل.
стр. 7353
وأمَّا في الآخرة: فيفوزُ بالجنَّة والثوابِ العظيمِ، والخلاصِ من العقاب الأليم.
стр. 7354
لمَّا شرح الأوامر الثلاثة، عاد بعده إلى ذكرِ النَّواهي، فنهى عن ثلاثةِ أشياء، أولها: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ العامَّة على هذه القراءة، أي: لا تتَّبعْ، من قفاه يقفوه إذا تتبَّع أثره، قال النابغة: [الطويل]
٣٤١٧ - ومِثلُ الدُّمى شمُّ العرانينِ ساكنٌ ... بِهنَّ الحياءُ لا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا
وقال الكميت: [الوافر]
٣٤١٨ - فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغيْرِ ذَنبٍ ... ولا أقًفُو الحَواصِنَ إنْ قُفينَا
وقرأ زيد بن عليٍّ: «ولا تَقْفُو» بإثبات الواو، وقد تقدَّم في قراءة قنبل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] أن إثبات حرف العلَّة جزماً لغة قومٍ، وضرورة عند غيرهم، كقوله:
٣٤١٩ - ... ... ... ... ... ... . ... مِنْ هَجْوِ زبَّان لمْ تَهْجُو ولمْ تَدعِ
وقرأ معاذ القارئ «ولا تَقُفْ» بزنةِ تقلْ، من قاف يقُوفُ، أي: تتبَّع أيضاً، وفيه قولان:
أحدهما: أنه مقلوبٌ؛ من قَفَا يَقْفُو.
والثاني: وهو الأظهر -: أنه لغة مستقلة جيدة؛ كجبذ وجذبَ؛ لكثرة الاستعمالين؛ ومثله: قعا الفحل الناقة وقاعها.
والباء في «به» متعلقةٌ بما تعلَّق به «لَكَ» ولا تتعلق ب «عِلمٌ» لأنه مصدر، إلا عند من يتوسَّع في الجارِّ.
قوله تعالى: ﴿والفؤاد﴾ قرأ الجرَّاحُ العقيلي بفتح الفاء واوٍ خالصةٍ، وتوجيهها: أنه أبدل الهمزة واواً بعد الضمة في القراءةِ المشهورة، ثم فتح فاءَ الكلمة بعد البدل، لأنَّها لغة في الفؤاد، يقال: فؤاد وفآدٌ، وأنكر أبو حاتمٍ هذه القراءة، وهو معذور.
стр. 7355
فصل
يقال: قَفَوْتُ أثر فلانٍ أقْفُو قَفْواً، إذا تتبَّعتَ أثره، وسُمِّيت قافية الشِّعر قافية؛ لأنَّ البيت يقفو البيت، وسمِّيت القبيلة المشهورة بالقافة؛ لأنَّهم يتَّبعون آثار أقدام النَّاسِ، ويستدلُّون بها على أحوال الإنسان.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا﴾ [الحديد: ٢٧] .
وسمِّي القفا قفاً؛ لأنه مؤخر بدنِ الإنسان ووراءه، كأنه شيء يتبعه ويقفوه.
فقوله: «ولا تَقْفُ» أي: لا تتَّبعْ ما لا علم لك به، من قول أو فعلٍ، فهو نهيٌ عن الحكم مبا لا يكون معلوماً، وهذه قضية كليةٌ يندرجُ تحتها أنواعٌ كثيرةٌ، وكل واحدٍ من المفسِّرين حمله على واحدٍ من تلك الأنواع، فقيل: المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم وتقليد أسلافهم؛ لأنَّه تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتِّباع الهوى، فقال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] .
وقال في إنكارهم البعث ﴿بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] .
وحكى عنهم أنَّهم قالوا: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .
وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله﴾ [القصص: ٥٠] .
وقال : ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلَالٌ وهذا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] .
وقال: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
وقال محمد ابن الحنفيَّة: المراد منه شهادة الزُّور.
وقال ابن عبَّاس ﵁: لا تشهد إلَاّ بما رأته عيناك، وسمعته أذناك، ووعاهُ قلبك.
وقيل: المراد النَّهيُ عن القذف، وقيل: المراد النهي عن الكذبِ.
قال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمعْ، ورأيتُ، ولم تَرَ، وعلمتُ، ولم تعلمْ.
следующие страницы →