← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

اعلم أنَّ قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ معطوف على قوله: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] ، والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه، فالأول عام في حقِّ كلِّ من استحقَّ العذاب، والثاني خاصٌّ بمن قال: إنَّ الله اتَّخذ ولداً، والقرآن جارٍ بأنه إذا ذكر الله قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها؛ تنبيهاً على كون ذلك البعض المعطوف أعظم جزئيات ذلك الكلي [أيضاً] ، كقوله تعالى: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فكذا ها هنا يدل على أن أعظم أنواعِ الكفر والمعصيةِ إثباتُ الولد لله تعالى. فصل واعلم أنَّ المثبتين لله تعالى الولد ثلاث طوائف: الأولى: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بناتُ الله. الثانية: النصارى قالوا: المسيحُ ابن الله.

стр. 7527

الثالثة: اليهود، [حيث] قالوا: العزير ابنُ الله. واعلم أنَّ إثبات الولد لله كفرٌ عظيمٌ، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - في سورة مريم؛ لأنَّه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد من وجهين: الأول: قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لآبَائِهِمْ﴾ . فإن قيل: اتخاذ الله تعالى الولد محالٌ في نفسه، فكيف قيل: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] ؟ . فالجوابُ أنَّ انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون لأنَّه في نفسه محالٌ، لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] . فصل تمسَّك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: دلَّت هذه الآية على أن القول في الدِّين بغير علمٍ باطل، والقول بالقياس الظنيِّ قول في الدِّين بغير علم، فيكون باطلاً. وجوابه تقدم عند قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وقوله: ﴿وَلَا لآبَائِهِمْ﴾ أي أحداً من أسلافهم، وهذه مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلاة جدًّا. قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ﴾ : أي: بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول المدلول عليه ب «اتَّخَذَ» وب «قَالُوا» ، وبالله. وهذه الجملة المنفية فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أناه مستأنفة، سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنها صفة للولد، قاله المهدويُّ، وردَّه ابن عطية: بأنه لا يصفه بذلك إلَاّ القائلون، وهم لم يقصدوا وصفه بذلك. الثالث: أنها حالٌ من فاعل «قالوا» ، أي: قالوه جاهلين. و «مِنْ عِلم» يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، والجارُّ هو الرافع لاعتماده أو الخبر، و «مِنْ» مزيدة على كلا القولين. قوله: «كَبُرتْ كلمة» في فاعل «كَبُرتْ» وجهان: أحدهما: أنه مضمرٌ عائد على مقالتهم المفهومة من قوله: ﴿قَالُواْ اتخذ الله﴾ أي: كبر مقالهم، و «كلمة» نصب على التمييز، ومعنى الكلام على التعجُّب، أي: ما أكبرها

стр. 7528

كلمة، و «تَخرُج» الجملة صفة ل «كَلمةٌ» ويؤذنُ باستعظامها لأنَّ بعض ما يهجس في الخاطر لا يجسر الإنسان على إظهاره باللفظ. والثاني: أن الفاعل مضمر مفسر بالنكرة بعده المنصوبة على التمييز، ومعناها الذمُّ؛ ك «بِئْسَ رجلاً» فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوف، تقديره: كبرت هي الكلمة كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاءُ. وقرأ العامة «كلمة» بالنصب، وفيها وجهان: النصبُ على التمييز تقديره كبرت الكلمة. قال الواحديُّ: ومعنى التمييز: أنَّك إذا قلت: كبرت المقالة أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنَّها كبرت كذباً، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: «كَلِمَة» فقد ميَّزتها من محتملاتها، فانتصبت على التَّمييز، والتقدير: كبرت الكلمة كلمة، فحصل فيه الإضمار. وأمَّا من رفع «كلمةٌ» فلا يضمر شيئاً. قال النحويُّون: النصب أقوى وأبلغ. وقد تقدَّم تحقيقه في الوجهين السابقين. والثاني: النصب على الحال، وليس بظاهر وقيل: نصباً على حذف حرف الجرّ، والتقدير: «مِنْ كَلمَةٍ» فحذف «مِنْ» فانتصب. قوله: «تَخرجُ» في الجملة وجهان: أحدهما: هي صفة لكلمة. والثاني: أنها صفة للمخصوص بالذَّم المقدر، تقديره: كبرت كلمةٌ خارجةٌ كلمةً. وقرأ الحسن، وابن محيصنٍ، وابن يعمر، وابن كثير - في رواية القوَّاس عنه - «كَلمَةٌ» بالرفع على الفاعلية، و «تَخْرجُ» صفة لها أيضاً، وقرئ «كَبْرَتْ» بسكون الباء، وهي لغة تميم. قوله: «كَذِباً» فيه وجهان: أحدهما: هو مفعولٌ به؛ لأنه يتضمَّن معنى جملة. والثاني: هو نعت مصدر محذوف، أي: قولاً كذباً. فصل في المراد من الكلمة المراد من هذه الكلمة هو قولهم: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ فصارت مضمرة في «كَبُرتْ» ، وسمِّيت: «كلمة» كما يسمُّون القصيدة كلمة.

стр. 7529

وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: هذا الذي يقولونه، لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتَّة؛ لكنه في غاية الفساد والبطلان، فكأنَّه يجري على لسانهم على سبيل التقليلد ﴿إِن يَقُولُونَ﴾ ، أي: ما يقولون إلَاّ كذباً. واختلف النَّاس في حقيقة الكذب، فقيل: هو الخبر الذي لا يطابقُ المخبر عنه. وقيل: قال بعضهم: يشترط علم قائله بأنَّه غير مطابقٍ. قال ابن الخطيب: وهذا القيد عندنا باطلٌ؛ لأنَّه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذباً مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه كذباً باطلاً، فعلمنا أن كلَّ خبر لا يطابقُ المخبر عنه، فهو كذبٌ، سواءٌ علم القائل بكونه كذباً، أو لم يعلم. ويمكن أن يجاب بأنَّ الله تعالى، إنما وصف علماءهم المحرِّفين للكلم عن مواضعه، ودخل المقلِّدون على سبيل التَّبع عليه. فصل في الرد على النّظام احتجَّ النظَّام على أنَّ الكلام جسمٌ بهذه الآية، قال: لأنَّه تعالى وصف الكلمة بأنَّها تخرجُ من أفواههم، والخروجُ عبارة عن الحركةِ، والحركةُ لا تصحُّ إلَاّ على الأجسام، وأجيب: بأنَّ الحروف والأصوات إنَّما تحدث بسبب خروجِ النفس من الحلق، فلما كان خروج النَّفسِ سبباً لحدوثِ الكلمةِ، أطلق لفظ الخروج على الكلمة.

стр. 7530

والمقصود منه أنَّه قيل لرسول الله ﷺ َ: لا يعظم حزنك وأسفك؛ بسبب كفرهم، فإنَّا بعثناك منذراً ومبشّراً، فأما تحصيلُ الإيمان في قلوبهم، فلا قدرة لك عليه، والغرض منه تسلية الرَّسُول ﷺ َ. ومعنى: «بَاخعٌ نَفْسكَ» أي: قاتلٌ نفسك. قال الليثُ: بخع الرَّجلُ نفيه إذا قتلها غيظاً من شدَّة وجده، والفاء في قوله: (فَلعلَّكَ) قيل: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ قدم عليه، ومعناه التأخير. وقال الجمهور: جواب الشرط محذوف لدلالة قوله: «فَلعلَّكَ» . و «لَعلَّكَ» قيل: للإشفاق على بابها. وقيل: للاستفهام، وهو رأيُ الكوفيِّين. وقيل: للنَّهي، أي: لا تَبْخَعْ.

стр. 7531

والبَخْعُ: الإهلاك، يقال: بَخَع الرجل نفسه يَبخَعُهَا بَخْعاً وبُخُوعاً، أهلكها وجداً. قال ذو الرمة: [الطويل] ٣٤٨٣ - ألا أيُّهذا البَاخِعُ الوجْدُ نفسهُ ... لِشيءٍ نَحَتْهُ عَن يَديْهِ المَقادِرُ يريد: نحَّته بالتشديد، فخفف، قال الأصمعي: كان ينشده: «الوَجْدَ» بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدة رواه بالرَّفع على الفاعلية ب «البَاخِع» . وقيل: البَخْعُ: أن تضعفَ الأرض بالزِّراعةِ، قاله الكسائي، وقيل: هو جهدُ الأرض وعلى هذا معنى «بَاخعٌ نَفْسكَ» أي ناهكها وجاهدها؛ حتَّى تهلكها، وقيل: هو جهد الأرض في حديث عائشة - رضي اله عنها - عن عمر: «بَخَعَ الأرض» تعني جهدها؛ حتَّى أخذ ما فيها من أموالِ ملوكها، وهذا استعارة، ولم يفسِّره الزمخشري هنا بغير القتل والإهلاك، وقال في سورة الشعراء: «البَخْع» : أن يبلغَ بالذَّبْح البِخَاع بالباء وهو عرقٌ مستبطن الفقار، وذلك أقصى حدِّ الذابح. قال شهاب الدين: وسمعت شيخنا علاء الدين القونيَّ يقول: «تَتبَّعتُ كُتبَ الطبِّ والتشريح، فلم أجد لهذا اصلاً» . فصل يحتمل أنه لما ذكروه، سمَّوه باسم آخر؛ لكونه أشهر فميا بينهم. وقال الرَّاغب: «البَخْعُ: قتلُ النفس غمًّا» ثم قال: «وبَخعَ فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقرَّ به، وأذعن مع كراهةٍ شديدةٍ، تجري مجرى بخعِ نفسه في شدَّته» . قوله: «عَلى آثَارِهمْ» متعلقٌ ب «بَاخِعٌ» أي: من بعد هلاكهم. يقال: مات فلانٌ على أثر فلانٍ، أي بعده، وأصل هذا أنَّ الإنسان، إذا مات، بقيت علاماتهُ، وآثارهُ بعد موته مدَّة، ثمَّ إنَّها تنمحي وتبطل بالكليَّة، فإذا كان موته قريباً من [موت] الأول، كان موته حاصلاً حال بقاءِ آثار الأول، فصحَّ أن يقال: مات فلانٌ على أثرِ فلانٍ. قوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث﴾ يعني القرآن. قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديثٌ، وذلك يدلُّ على فساد قول من يقول: إنه قديمٌ. وأجيب بأنه محمول على الألفاظ، وهي حادثة. قوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ : قرأ العامة بكسر «إنْ» على أنها شرطية، والجواب محذوفٌ

стр. 7532

عند الجمهور؛ لدلالة قوله: «فَلعلَّكَ» ، وعند غيرهم هو جوابٌ متقدِّم، وقرئ: «أنْ لَمْ» بالفتح؛ على حذف الجارِّ، أي: لأنْ لم يؤمنوا. وقُرئ «بَاخِعُ نَفْسِكَ» بالإضافة، والأصل النصبُ، وقال الزمخشري «وقرئ طبَاخعُ نَفْسكَ» على الأصل، وعلى الإضافة. أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ «إنْ لمْ يُؤمِنُوا» ، وللمضيِّ فيمن قرأ «إنْ لم تُؤمنوا» بمعنى: لأن لم تُؤمِنُوا «يعني أنَّ باخعاً للاستقبال في قراءة كسر» إنْ «فإنها شرطية، وللمضيِّ في قراءةِ فتحها، وذلك لا يأتي إلا في قراءة الإضافة؛ إذ لا يتصوَّر المضيُّ مع النصب عند البصريين، وعلى هذا يلزم ألَاّ يقرأ بالفتح، إلا من قرأ بإضافة» بَاخِع «، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوقيف. قوله:» أسفاً «يجوز أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه» بَاخعٌ «وأن يكون مصدراً في موضع الحال من الضمير في» بَاخعٌ «. والأسف: الحزن، وقيل: الغضب، وقد تقدَّم في الأعراف عند قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [الأعراف: ١٥٠] وفي يوسف عند قوله: ﴿ياأسفى عَلَى يُوسُفَ وابيضت﴾ [يوسف: ٨٤] .

стр. 7533

قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا﴾ الآية. قال القاضي: وجه النَّظم كأنه يقول: يا محمد، إنِّي خلقتُ الأرض، وزينتها، وأخرجتُ منها أنواع المنافع والمصالح، وأيضاً، فالمقصود من خلقها بما فيها من المصالح ابتلاء الخلق بهذه التكاليف، ثم إنَّهم يكفرون ويتمرَّدون، ومع ذلك، فلا أقطع عنهم موادَّ هذه النِّعم، فأنت أيضاً يا محمد لا يهمُّك الحزن؛ بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدِّين. قوله: ﴿زِينَةً﴾ : يجوز أن ينتصب على المفعول له، وأن ينتصب على الحال، إن جعلت «جَعلْنَا» بمعنى «خَلقْنَا» ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، إن ك انت «جَعَلَ» تصييرية، و «لها» متعلق ب «زَينةً» على العلَّة، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ صفة ل «زينةً» . وقوله: «لنَبْلُوهُمْ» متعلق ب «جَعلْنَا» بمعنييه.

стр. 7534

قوله: «أيُّهمْ أحْسنُ» يجوز في «أيُّهُمْ» وجهان: أحدهما: أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، و «أحسنُ» خبرها، والجملة في محلِّ نصب متعلقة ب «نَبْلُوهُمْ» لأنه سببُ العلم، والسؤال، والنظر. والثاني: أنَّها موصولة بمعنى الذي و «أحْسَنُ» خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملة صلة ل «أيُّهمْ» ويكون هذا الموصول في محلِّ نصبٍ بدلاً من مفعول «لنَبْلُوهُمْ» تقديره لِنَبلُو الذي هو أحسنُ؛ وحينئذٍ تحتمل الضمة في «ايُّهم» أن تكون للبناء، كهي في قوله تعالى: ﴿لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] على أحد الأقوالِ، وفي قوله: [المتقارب] ٣٤٨٤ - إذَا مَا أتَيْتَ بَنِي مالكٍ ... فَسلِّمْ عَلى أيُّهُم أفْضَلُ وشرط البناء موجودٌ، وهو الإضافة لفظاً، وحذف صدر الصلة، وهذا مذهب سيبويه، وأن تكون للإعراب؛ لأنَّ البناء جائزٌ لا واجبٌ، ومن الإعراب ما قُرِئ به شاذًّا ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن﴾ [مريم: ٦٩] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في مريم. والضمير في «لِنبلوهُمْ» و «أيُّهم» عائد على ما يفهم من السِّياق، وهم سكان الأرض. وقيل: يعود على ما على الأرض، إذا أريد بها العقلاء، وفي التفسير: المراد بذلك الرُّعاة. وقيل: العلماء والصلحاء والخلفاء. فصل في المقصود بالزينة اختلفوا في تفسير هذه الزينة، فقيل: النَّبات، والشجر، والأنهار. كما قال تعالى: ﴿حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت﴾ [يونس: ٢٤] وضمَّ بعضهم إليه الذَّهب، والفضَّة، والمعادن، وضمَّ بعضهم إلى ذلك جميع الحيوان، فإن قيل: أي زينة في الحيَّات والعقارب [والشياطين] . فالجواب: فيها زينةٌ؛ بمعنى أنَّها تدلُّ على وحدانيَّة الله تعالى. وقال مجاهد: أراد الرجال خاصَّة هم زينة الأرض. وقيل: أراد به العلماء والصلحاء. وقيل: أراد به الناس.

стр. 7535

وبالجملة، فليس في الأرض إلَاّ المواليد الثلاثة، وهي المعادن، والنبات، والحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. قال القاضي: الأولى ألَاّ يدخل المكلَّف في هذه الزِّينة؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم﴾ فمن يبلوهم يجب ألَاّ يدخل في ذلك. وأجيب بأن قوله: ﴿زِينَةً لَّهَا﴾ أي للأرض، ولا يمتنع أن يكون ما تحسن به الأرض زينة لها، كما جعل الله السَّماء مزينة بالكواكب. وقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبرهم ﴿أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، أي: أصلح عملاً. وقيل: أيُّهم أترك للدُّنيا. فصل ذهب هشام بن الحكم إلى أنَّه تعالى لا يعلم الحوادث إلَاّ عند دخولها في الوجود، فعلى هذا: الابتلاءُ والامتحانُ على الله جائز؛ واحتجَّ بأنه تعالى لو كان عالماً بالجزئيَّات قبل وقوعها، لكان كلُّ ماعلم وقوعه واجب الوقوعِ، وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوعِ، وإلَاّ لزم انقلابُ علمه جهلاً، وذلك محالٌ، والمفضي إلى المحال محالٌ، ولو كان ذلك واجباً، فالذي علم وقوعه يجبُ كونه فاعلاً له، ولا قدرة له على التَّرك، والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع، ولا قدرة له على الفعل، وعلى هذا يلزم ألَاّ يكون الله قادراً على شيءٍ أصلاًن بل يكون موجباً بالذَّات. وأيضاً، فيلزم ألا يكون للعبد قدرة على الفعل، ولا على التركِ؛ لأنَّ ماعلم الله وقوعه، امتنع من العبد تركه، وما علم عدمه، امتنع منه فعله، فالقول بكونه تعالى عالماً بالأشياء قبل وقوعها، يقدح في الربوبيَّة، وفي العبوديَّة، وذلك باطلٌ؛ فثبت أنَّه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها، أي عند ذلك، وعلى هذا التقدير، فالابتلاءُ والامتحانُ والختبار غي رجائز عليه، وعند هذا قال: يجرى قوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ على ظاهره. وأمَّا جمهور علماء الإسلام، فقد استبعدوا هذا القول، وقالوا: إنه تعالى من الأزل إلى الأبدِ عالمٌ بجميع الجزئيَّات، والابتلاءُ والامتحان عليه محال، وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة، لو صدرت عن غيره، لكانت على سبيل الابتلاءِ والامتحانِ. فصل في تعليل أفعال الله تعالى قالت المعتزلةُ: دلَّت هذه الآية ظاهراً على أنَّ أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض وقال أهل السنة: هذا محالٌ؛ لأنَّ التعليل بالغرض إنَّما يصحُّ في حقِّ من لا يصحُّ منه

стр. 7536

تحصيل ذلك الغرض، إلَاّ بتلك الواسطة، وهذا يقتضي العجز، وهو على الله تعالى محالٌ. قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ . والمعنى أنَّه تعالى إنما زيَّن الأرض؛ لأجل الامتحان والابتلاء، لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعِّماً بها لا زاهداً فيها أي: لجاعلون ما عليها من هذه الزِّينة ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ . ونظيره: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] . وقوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لَاّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٦، ١٠٧] . وقوله: ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣، ٤] . والمعنى أنَّه لا بدَّ من المجازاةِ بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض، إلا أنَّ سائر الآيات دلَّت أيضاً على أنَّ الأرض لا تبقى، وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [إبراهيم: ٤٨] . قوله: ﴿صَعِيدًا﴾ : مفعول ثانٍ؛ لأنَّ الجعل هنا تصيير ليس إلَاّ، والصعيد: التراب. وقال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض. وقال الزجاج: هو الطَّريق الذي لا طين له، أو لا نبات فيهز وقد تقدَّم في آية التيمم. والجُرزُ: الذي لا نيات به، يقال: سَنةٌ جُرُز، وسنُونَ أجرازٌ: لا مطر فيها، وأرضٌ جُرزٌ، وأرضُونَ أجْرازٌ: لا نبات فيها قال الفراء: جَرزَتِ الأرض؛ فهي مجروزة إذا ذهب نباتها بقحطٍ أو جرازٍ يقال جرزها الجراد والشياة والإبل إذا أكل ما عليها وامرأة مجروز: إذا كانت أكولة. قال الشاعر: [الرجز] ٣٤٨٥ - إنَّ العَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزا ... تَأكلُ كُلَّ لَيْلةٍ قَفِيزا وسيف جراز، إذا كان مستأصلاً.

стр. 7537

قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ الآية. معناها: أظننت، يا محمد، أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتنا عجباً.

стр. 7538

وقيل: معناه أنَّهم ليسوا بأعجب من آياتنا؛ فإنَّ ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجبُ منهم، فكيف يستبعدُ من قدرته ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنةٍ وأكثر؟ هذا وجه النظم. وقد تقدَّم سببُ نزولِ قصَّة أصحاب الكهف عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ [الإسراء: ٨٥] . والكهف هو الغار في الجبل وقيل: مطلق الغار، وقيل: هو ما اتسع ف يالجبل، فإن لم يتَّسِعْ، فهو غارٌ، والجمع «كُهُوف» في الكثرة، و «أكْهُفٌ» في القِلَّةِ. والرَّقيم: قيل: بمعنى مرقوم. وعلى هذا قال أهل المعاني: الرَّقيمُ الكتاب. ومنه قوله: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أي: مكتوب. قال الفراء: الرقيم لوحٌ كان فيه أسماؤهم وصفاتهم، وسمِّي رقيماً؛ لأنَّ أسماءهم كانت مرقومة فيه. قال سعيد بن جبيرٍ، ومجاهدٌ: كان لوحاً من حجارةٍ، وقيل: من رصاصٍ، كتبنا فيه أسماءهم وصفاتهم، وشدَّ ذلك اللَّوح على باب الكهف، وهو أظهر الأقوال. وقيل: بمعنى راقم، وقيل: هو اسم الكلب الذي لأصحاب الكهفِ، وأنشدوا لأمية بن أبي الصَّلت: [الطّويل] ٣٤٨٦ - وليْسَ بِهَا إلَاّ الرَّقيمُ مُجاوِراً ... وصِيدَهُمُ، والقَوْمُ بالكهْفِ هُمَّدُ وروى عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّه قال: كلُّ القرآن معلومٌ إلا أربعة: غسلين، وحناناً، والأوَّاه، والرَّقيم. وروى عكرمة عن ابن عبَّاس أنه سئل عن الرَّقيم فقال: زعم كعبٌ أنَّها القرية التي خرجوا منها، وهو قول السديِّ. وحكي عن ابن عباس: أنَّه اسمٌ للوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وعلى هذا هو من رقمة الوادي، وهو جانبه.

стр. 7539

وقيل: اسم للجبلِ الذي فيه الكهف. قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ : «أم» هذه منقطعة، فتقدَّر ب «بل» التي للانتقال، لا للإبطال، وبهمزة الاستفهام عند جمهور النحاة، و «بل» وحدها أو بالهمزة وحدها عند غيرهم، وتقدَّم تحقيق القولِ فيها. و «أنَّ» وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدَّ المفعولين، أو أحدهما، على الخلافِ المشهور. قوله: «عَجَباً» يجوز أن تكون خبراً، و «مِنْ آيَاتِنَا» حالٌ منه، وأن يكون خبراً ثانياً، و «مِنْ آيَاتِنَا» خبراً أوَّل، وأن يكون «عجباً» حالاً من الضمير المستتر في «من آيَاتِنَا» لوقوعه خبراً، ووحَّد، وإن كان صفة في المعنى لجماعة؛ لأن أصله المصدر قال ابن الخطيب: عجباً، و «العجب» ها هنا مصدر، سمِّي المفعول به، والتقدير: «كانوا معجوباً منهم» فسمُّوا بالمصدر. وقالوا: «عَجَباً» في الأصل صفة لمحذوفٍ، تقديره: آية عجباً، وقيل: على حذف مضافٍ، أي: آية ذات عجبٍ. قوله: ﴿إِذْ أَوَى﴾ : يجوز أن ينتصب ب «عَجَباً» وأن ينتصب ب «اذْكُرْ» ؛ لأنه لا يجوز أن يكون «إذْ» ههنا متعلقاً بما قبله على تقدير «أمْ حَسِبْتَ» ؛ لأنَّه كان بين النبي ﷺ َ وبينهم مدة طويلة، فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف، بل يتعلق بمحذوفٍ. والتقدير: اذكر إذ أوى الفتيةُ إلى الكهف، والمعنى صاروا إليه، وجعلوهُ مأواهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ أي من خزائن رحمتك. قوله: «وهَيِّئ» : العامة على همزة بعد الياء المشددة، وأبو جعفر وشيبة والزهريُّ بياءين: الثانية خفيفة، وكأنَّه أبدل الهمزة ياء، وإن كان سكونها عارضاً، ورُوِيَ عن عاصم «وهيِّ» بياءٍ مشددة فقط، فيحتمل أن يكون حذف الهمزة من أول وهلةٍ تخفيفاً، وأن يكون أبدلها؛ كما فعل أبو جعفرٍ، ثم أجرى الياء مجرى حرفِ العلَّة الأصليِّ، فحذفه، وإن كان الكثير خلافه، ومنه: ٣٤٨٧ - جَرِيءٍ مَتَى يُظلمْ يُعَاقِبْ بظُلمهِ سَرِيعاً وإلَاّ يُبْدَ بالظُّلمِ يَظلِمِ معنى «هيِّئ لنا» أصلخ من قولك «هيَّأت الأمرَ، فتهيَّأ» . وقرأ أبو رجاء «رُشداً» ها هنا بضم الراء وسكون الشين، وتقدم تحقيق ذلك في الأعراف، وقراءة العامة هنا أليق؛ لتوافق الفواصل. والتقدير: هيِّئ لنا أمراً ذا رشدٍ؛ حتَّى نكون بسببه راشدين مهتدين. وقيل: اجعل أمرنا رشداً كلَّهُ؛ كقولك: رَأيتُ منه رشداً.

стр. 7540

قوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾ : مفعوله محذوف، أي: ضربنا الحجاب المانع، و «عَلَى آذانِهم» استعارة للزوم النوم؛ كقول الأسود: [الكامل] ٣٤٨٨ - ضَربتْ عَليْكَ العَنْكبُوتَ بِنَسْجِهَا ... وقضَى عَليْكَ بشهِ الكِتابُ المُنزَلُ ونصَّ على الآذان؛ لأنَّ بالضَّرب عليها خصوصاً يحصل النُّومُ. وأمال «آذانهم» . قوله: ﴿فِي الكهف﴾ وهو ظرف المكان، ومعنى الكلام: إنَّما هم في الكهف، واسمه خيرم، واسم الجبل الذي هو فيه [مخلوس] . وقوله: «سِنينَ» ظرف «زمان» ل «ضَربْنَا» و «عَدداً» يجوز فيه أن يكون مصدراً، وأن يكون «فعلاً» بمعنى مفعول، أي من باب تسمية المفعول باسم المصدر، كالقبض والنَّقض. فعلى الأول: يجوز نصبه من وجهين: احدهما: النعت ل «سنين» على حذف مضافٍ، اي: ذوات عدد، أو على المبالغة على سبيل التأكيد والنصب بفعلٍ مقدرٍ، أي: تعدُّ عدداً. وعلى الثاني: نعتٌ ليس إلا، أي: معدودة. فصل [اذكر العدد هنا على سبيل التأكيد] قال الزجاج: ذكر العدد ها هنا يفيد كثرة السِّنين، وكذلك كل شيءٍ ممَّا يعدُّ إذا ذكر فيه العددُ، ووصف به، اريد كثرته؛ لأنَّه إذا قلَّ، فهم مقداره بدون التعديد، أمَّا إذا ذكر فيه العددُ، ووصف به، أريد كثرته؛ لأنَّه إذا قلَّ، فهم مقداره بدون التعديد، أمَّا إذا كثر فهناك يحتاج إلى التعديد، فإذا قلت: أقمتُ أيَّاماً عدداً، أردتَّ به الكثرة. قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ﴾ . اللام لامُ الغرض؛ فيدل على أن أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض، وقد تقدم الكلام فيه، ونظير هذه الآية في القرآن كثير، منها ما سبق في هذه السورة، وفي سورة البقرة: ﴿إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وفي آل عمران: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ﴾ [محمد: ٣١] . فصل وقال بعض العلماء: «لِنعلمَ» أي: علم المشاهدة. وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ : متعلق بالبعث، والعامة على نون العظمة؛ جرياً على ما تقدم

стр. 7541

وقرأ الزهريُّ «ليَعْلم» بياء الغيبة، والفاعل الله تعالى، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يكون الفاعل «أيُّ الحِزبينِ» إذا جعلناها موصولة، كما سيأتي. وقرئ «ليُعلمَ» مبنيًّا للمفعول، والقائم مقام الفاعل، قال الزمخشريُّ: «مضمون الجملة، كما أنه مفعول العلم» . وردَّه أبو حيان بأنه ليس مذهب البصريين، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة. وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل أو المفعولِ الذي لم يسمَّ فاعله: الجواز مطلقاً، والتفصيل بين ما تعلق به؛ كهذه الآية فيجوز، فالزمخشريُّ نحا نحوهم على قوليهم، وإذا جعلنا «أيُّ الحزبَينِ» موصولة، جاز أن يكون الفعل مسنداً إليه في هذه القراءة أيضاً؛ كما جاز إسناده إليه في القراءة قبلها. وقرئ «ليُعْلِمَ» بضم الياء، والفاعل الله تعالى، والمفعول الأول محذوف، تقديره: ليعلم الله الناس، و «أيُّ الحِزْبيْنِ» في موضع الثاني فقط، إن كانت عرفانية، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينيَّة. وفي هذه القراءة فائدتان: إحداهما: أنَّ على هذا التقدير: لا يلزم إثبات العلم المتجدَّد لله، بل المقصود أنَّا بعثناهم؛ ليحصل هذا العلمُ لبعض الخالقِ. والثانية: أنَّ على هذا لتقدير: يجب ظهور النَّصب في قوله «أيُّ» لكن لقائلٍ أن يقول الإشكال باقٍ؛ لأنَّ ارتفاع لفظة «أيُّ» بالابتداء لا بإسناده «ليُعْلِمَ» إليه. ولمجيبٍ بأن يجيب؛ فيقول: لا يمتنعُ اجتماعُ عاملين على معمولٍ واحدٍ؛ لأنَّ العوامل النحوية علاماتٌ ومعرفاتٌ، ولا يمتنع اجتماع معرفاتٍ كثيرة على شيءٍ واحد. قوله: «أحْصَى» يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه أفعلُ تفضيلٍ، وهو خبر ل «أيُّهُم» و «أيُّهُم» استفهامية، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها، و «لِمَا لَبثُوا» حال من «أمَداً» ، لأنه لو تأخَّر عنه، لكان نعتاً له، ويجوز أن تكون اللامُ على بابها من العلَّة، أي: لأجل، قاله أبو البقاء، ويجوز أن تكون زائدة، و «ما» مفعولة: إمَّا ب «أحْصَى» على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به، وإما بإذمار فعلٍ، و «أمداً» مفول «لبثُوا» أو منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ يدلُّ عليه أفعل عند الجمهور، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك.

стр. 7542

والوجه الثاني: أن يكون «أحْصَى» فعلاً ماضياً [أي: أيهم ضبط أمداً لأوقات لبثهم] و «أمداً» مفعوله، و «لما لبثُوا» متعلق به، أو حال من «أمداً» أو اللام فيه مزيدة، وعلى هذا: ف طأمداً «منصوب ب» لبثُوا «و» ما «مصدريَّة، أو بمعنى» الذي «واختار الأول - أعني كون» أحْصى «للتفضيل - الزجاج والتبريزيُّ، واختار الثاني أبو عليٍّ والزمخشري وابن عطية، قال الزمخشري:» فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثيِّ ليس بقياسٍ، ونحو «أعْدَى من الجَربِ» و «أفلسُ من ابنِ المُذلَّقِ» شادٌّ، والقياس على الشاذِّ في غير القرآن ممتنعٌ، فكيف به؟ ولأنَّ «أمَداً» : إمَّا أن ينتصب بأفعل، وأفعلُ لا يعمل، وإمَّا أن ينتصب ب «لَبِثُوا» فلا يسدُّ عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بفعلٍ مضمرٍ، كما أضمر في قوله: ٣٤٩٠ - ... ... ... ... ... ..... وأضْرَبَ منَّا بالسُّيُوفِ القَوانِسَا فقد أبعدتَّ المتناول؛ حيث أبَيْتَ أن يكون «أحْصَى» فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره «. وناقشه أبو حيان فقال:» أمَّا دعواه أنَّه شاذٌّ، فمذهب سيبويه خلافه، وذلك أنَّ أفعل فيه ثلاثةُ مذاهب: الجواز مطلقاً، ويعزى لسيبويه، والمنع مطلقاً، وهو مذهبُ الفارسيِّ، والتفصيل: بين أن يكون همزته للتعديةِ، فيمتنع، وبين ألَاّ تكون، فيجوز، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية، وأما قوله: «أفْعَلُ لا يَعْملُ» فليس بصحيح؛ لأنه يعمل في التمييز، و «أمَداً» تمييزٌ لا مفعولٌ به، كما تقول: زيدٌ أقطع النَّاس سيفاً، وزيدٌ أقطع للْهَامِ سَيْفاً «. فصل قال شهاب الدين: الذي أحوج الزمخشريَّ إلى عدمِ جعله تمييزاً، مع ظهوره في بادئ الرأي عدم صحَّة معناه، وذلك: أنَّ التمييز شرطه في هذا الباب: أن تصحَّ نسبةُ ذلك الوصفِ الذي قبله إليه، ويتَّصف به؛ ألا ترى إلى مثاله في قوله: زَيْدٌ أقطعُ النَّاس سَيْفاً» كيف يصحُّ أن يسند إليه، فيقال: زيدٌ قطع سيفه، وسيفه قاطعٌ، إلى غير ذلك، وهنا ليس الإحصاء من صفة الأمدِ، ولا تصحُّ نسبته إليه، وإنَّما هو من صفات الحزبين، وهو دقيق. وكان أبو حيان نقل عن ابي البقاء نصبه على التمييز، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله «أحْصَى» أفعل تفضيلٍ، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعل ماضٍ، قال أبو البقاء: في أحصى وجهان:

стр. 7543

أحدهما: هو فعلٌ ماضٍ، و «أمَداً» مفعوله. و «لما لبثُوا» نعتُ له، قدِّم، فصار حالاً، أو مفعولاً له، أي: لأجل لبثهم، وقيل: اللام زائدة و «ما» بمعنى «الذي» و «أمداً» مفعول «لَبِثُوا» وهو خطأ، وإنما الوجه أن يكون تمييزاً، والتقدير: لما لبثوهُ. والوجه الثاني: هو اسم، و «أمداً» منصوب بفعلٍ دلَّ عليه الاسم انتهى، فهذا تصريح بأنَّ «أمَداً» حال جعله «أحْصَى» اسماً، ليس بتمييز بل مفعول به بفعل مقدر، وأنه جعله تمييزاً عن طلبثُوا «كما رأيت. ثم قال أبو حيَّان:» وأمَّا قوله «وإمَّا أن ينصب ب» لبثُوا «فلا يسدُّ عليه المعنى، أي: لا يكون معناه سديداً، فقد ذهب الطبريُّ إلى أنه منصوب ب» لبِثوا «قال ابن عطيَّة:» وهو غير متَّجهٍ «انتهى، وقد يتَّجه: وذلك أنَّ الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدَّة من حيث إنَّ المدَّة غاية هي أمد المدَّة على الحقيقة، و» ما «بمعنى» الذي «و» أمداً «منصوب على إسقاط الحرف، وتقديره: لما لبثوا من أمدٍ، أي: من مدة، ويصير» مِنْ أمدٍ «تفسيراً لما أبهم من لفظ» ما «كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] ولمَّا سقط الحرف، وصل إليه الفعل» . قال شهاب الدين: يكفيه أنَّ مثل ابن عطيَّة جعله غير متَّجهٍ، وعلى تقدير ذلك، فلا نسلِّم أن الطبري عنى نصبه ب «لَبِثُوا» مفعولاً به، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزاً؛ كما قاله أبو البقاء. ثم قال: وأمَّا قوله: فإنْ زَعَمْتَ إلى آخره، فنقول: لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنَّه ينصب «القَوانِسَ» بنفس «أضْرَبُ» ولذلك جعل بعض النحاة أنَّ «أعْلَمُ» ناصب ل «مَنْ» في قوله: ﴿أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ﴾ [الأنعام: ١١٧] ، وذلك لأنَّ أفعل مضمَّن لمعنى المصدر؛ إذ التقدير: «يزيدُ ضَرْبنَا القَوانِسَ على ضَرْبِ غَيْرنا» . قال شهاب الدين: هذا مذهبٌ مرجوحٌ، وأفعل التفضيل ضعيف، ولذلك قصر عن الصفةِ المشبهة باسم الفاعل؛ حيث لم يؤنَّث، ولم يثنَّ، ولم يجمع. وإذا جعلنا «أحْصَى» اسماً فجوَّز أبو حيان في «اي» أن تكون الموصولة، و «أحْصَى» خبر لمبتدأ محذوف، هو عائدها، وأنَّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه لوجود شرط البناء، وهو إضافتها لفظاً، وحذف صدر صلتها، وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان؛ لأنَّه ليس في الكلام إلا مفعولٌ واحدٌ، وتقدير آخر لا حاجة إليه، إلا أنَّ في إسناد «عَلِمَ» بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالاً تقدَّم تحريره في الأنفالِ وغيرها، وإذا جعلناه فعلاً، امتنع أن تكون موصولة؛ إذ لا وجه لبنائها حينئذ، وهو حسن.

стр. 7544

فصل في المراد بالحزبين روى عطاءٌ عن ابن عبَّاس أنَّ المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك، فأصحاب الكهف حزبٌ، والملوك حزبٌ. وقال مجاهدٌ: «الحزبين» من قوم الفتية؛ لأنَّهم لما انتبهوا، اختلفوا في أنَّهم كم ناموا؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] . وكأنَّ الذين قالوا: «ربُّكُمْ أعلم بِمَا لَبثْتُم» هم الذين علمُوا بطول مكثهم. وقال الفراء: هم طائفتان من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدَّة لبثهم. وقولهم: ﴿أحصى لِمَا لَبِثُواْ﴾ أي: أ؛ فظ لما مكثُوا في كهفهم نياماً ﴿أَمَدًا﴾ أي: غاية. وقال مجاهد: عدداً.

стр. 7545

قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق﴾ [أي: نقص عليك نبأهم] على وجه الصدق. قوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ شبَّان ﴿آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ إيماناً وبصيرة. وقوله: ﴿آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ : فيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة؛ إذ لو جاء على نسقِ الكلامِ، لقيل: إنَّهم فتيةٌ آمنوا بنا، وقوله: «وَزِدْنَاهُم» التفات من هذه الغيبة إلى التكلم أيضاً. ومعنى قوله: «ورَبَطْنَا» وشددنا «عَلى قُلوبِهمْ» بالصَّبْر والتثبت، وقوَّيناهم بنور الإيمان، حتَّى صبروا على هجران ديار قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش،

стр. 7546

وفرُّوا بدينهم إلى الكهف، والرَّبطُ: استعارةٌ لتقوية كلمة في ذلك المكان الدَّحض. قوله: ﴿إِذْ قَامُواْ﴾ : منصوب ب «رَبَطْنَا» . وفي هذا لقيام أقوالٌ: أحدها: قال مجاهدٌ: كانوا عظماء مدينتهم، فخرجوا، فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعادٍ، فقال أكبرهم: إنِّي لأجد في نفسي شيئاً، إنَّ ربِّي ربُّ السموات والأرض، فقالوا: نحن كذلك نجد في أنفسنا، فقاموا جميعاً، فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض﴾ . والثاني: أنَّهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس، حين عاتبهم على ترك عبادة الصَّنم، ﴿فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها﴾ فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم، حتَّى عصوا ذلك الجبَّار، وأقرُّوا بربوبيَّة الله تعالى. الثالث: قال عطاءٌ ومقاتلٌ: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النَّوم، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ الله تعالى استأنف قصَّتهم فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم﴾ . قوله: ﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ . «إذن» جواب وجزاء، أي: لقد قلنا قولاً شططاً، إن دعونا من دونه إلهاً، و «شططاً» في الأصل مصدر، يقال: شطَّ شططاً وشُطُوطاً، أي: جار وتجاوز حدَّه، ومنه: شطَّ في السَّوم، وأشطَّ، أي: جاوز القدر حكاه الزجاج وغيره، ومن قوله: «ولا تشطط» وشطَّ المنزلُ: أي بعد، [من ذلك] وشطَّت الجارية شطاطاً أي: طالت، من ذلك. فصل قال الفراء: ولم أسمع إلا «أشطَّ يُشطُّ إشطاطاً» فالشطُّ البعد عن الحقِّ. قال ابن عباس: «شَطَطاً» أي: جوراً. وقال قتادة: كذباً. وفي انتصابه ثلاثة أوجه: الأول: مذهب سيبويه النصب على الحال، من ضمير مصدر «قُلْنَا» . الثاني: نعت لمصدر، أي: قولاً ذا شططٍ، أو هو الشَّططُ نفسه؛ مبالغة. الثالث: أنه مفعول ب «قُلنا» لتضمُّنه معنى الجملة. قوله: ﴿هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا﴾ : يجوز في «قَوْمنَا» أن يكون بدلاً، أو بياناً، و «اتَّخذُوا» هو خبر «هؤلاء» ويجوز أن يكون «قَوْمُنا» هو الخبر، و «اتَّخذوا» حالاً،

стр. 7547

و «اتَّخذ» يجوز أن يتعدى لواحد؛ بمعنى «عملوا» لأنهم نحتوها بأيديهم، ويجوز أن تكون متعدية لاثنين؛ بمعنى «صيَّروا» و «مِن دونه» هو الثاني قدِّم، و «آلهة» هو الأول، وعلى الوجه الأول يجوز في «من دونه» أن يتعلق ب «اتَّخذُوا» وأن يتعلق بمحذوفٍ حالاً من «ىلهة» إذ لو تأخَّر، لجاز أن يكون صفة ل «آلهة» . قوله: «لَوْلَا يَأتُونَ» تحضيض فيه معنى الإنكار، و «عَليْهِمْ» أي: على عبادتهم، أو على اتخاذهم، فحذف المضاف للعلم به، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة التحضيضية صفة ل «آلهة» لفساده؛ معنى وصناعة؛ لأنها جملة طلبية. فإن قلت: أضمر قولاً؛ كقوله: [الرجز] ٣٤٩١ - جَاءُوا بمَذْقٍ هل رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ ... هذا قول أصِحاب الكهف يعنون أهل بلدهم هم الذين كانوا في زمن دقيانوس، عبدوا الأصنام ﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ﴾ هلا يأتون «عَليْهِمْ» على عبادتهم «بسُلْطَانٍ» بحجَّة بينة واضحة، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدَّليل لا يدلُّ على عدم المدلول، وهذه الآية تدلُّ على صحَّة هذه الطريقة؛ لأنَّه تعالى استدلَّ على عدم الشركاء والأضداد؛ لعدمِ الدَّليل عليه، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ فزعم أ، َّ له شريكاً، وولداً، يعني أنَّ الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلمٌ وافتراءٌ على الله وكذبٌ، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتَّقليد. قوله: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم﴾ : «إذْ» منصوب بمحذوف، أي: وقال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم، وجوَّز بعضهم أن تكون «إذ» للتعليل، أي: فأووا إلى الكهف؛ لاعتزالكم إيَّاهم، ولا يصحُّ. قوله: «ومَا يَعبُدُونَ» يجوز في «مَا» ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون بمعنى «الذي» والعائد مقدر، أي: واعتزلتم الذي يعبدونه وهذا واضح. و «إلَاّ الله» يجوز فيه أن يكون استثناء متصلاً، فقد روي أنَّهم كانوا يعبدون الله

стр. 7548

ويشركون به غيره، ومنقطعاً؛ فقد روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط، والمستثنى منه يجوز أن يكون الموصول، وأن يكون عائدهُ، والمعنى واحد. والثاني: أن تكون مصدرية، أي: واعتزلتم عبادتهم، أي: تركتموها، و «إلَاّ الله» على حذف مضافٍ، أي: إلَاّ عبادة الله، وفي الاستثناء الوجهان المتقدمان. الثالث: أنها نافية، وأنه من كلام الله تعالى، وعلى هذا، فهذه الجملة معترضة بين أثناء القصَّة، وإليه ذهب الزمخشريُّ، و «إلَاّ الله» استثناء مفرَّغٌ، أخبر الله عن الفتيةِ أنهم لا يعبدون غيره، وقال ابو البقاء: «والثالث: أنها حرف نفيٍ، فيخرج في الاستثناء وجهان: أحدهما: هو منقطعٌ، والثاني: هو متصل، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم إلا الله وما يعبدون إلا الله» . فظاهر هذا الكلام: أن الانقطاع والاتصال في الاستثناء مترتِّبان على القول يكون «ما» نافية، وليس الأمر كذلك. فصل في كلام أهل الكهف قال المفسِّرون: إنَّ أهل الكهف قال بعضهم لبعض: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم﴾ يعني قومكم ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَاّ الله﴾ ، أي: اعتزلتموهم، وجميع ما يعبدون إلا الله، فإنَّكم لم تعتزلوا عبادته، فإنَّهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأوثان. وقرأ أبو مسعود: «ومَا يعبدون من دون الله، فأووا إلى الكهف» . قال الفراء: هو جواب «إذْ» كما تقولُ: إذ فعلت كذا فافعل كذا، والمعنى اذهبوا إليه، واجعلوه مأواكم. ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي يبسطها عليكم، ﴿وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ﴾ يسهِّل لكم ﴿مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ ما يعود إليه رفقكم. قوله: «مرفقاً» قرأ الجمهور بكسر الميم، وفتح الفاءِ. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية البرجمي وأبو جعفر بالعكس، وفيها خلاف عند أهل اللغة؛ فقيل: هما بمعنى واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر، وقيل: هو بكسر الميم لليد، وبفتحها للأمر، وقد يستعمل كل واحدٍ منهما موضع الآخر، حكاه الأزهريُّ عن ثعلب، وأنشد الفراء جمعاً بين اللغتين في الجارحة: [الرجز] ٣٤٩٢ - بِتُّ أجَافِي مِرْفقاً عن مَرْفقِ ...

стр. 7549

و [قد] يستعملان معاً في الأمرِ، وفي الجارحة، حكاه الزجاج. وحكى مكيٌّ، عن الفرَّاء أنه قال: «لا أعرفُ في الأمر، ولا في اليد، ولا في كلِّ شيء إلا كسر الميم» . قلت: وتواترُ قراءة نافعٍ والشاميين يردُّ عليه، وأنكر الكسائي كسر الميم في الجارحة، وقال: لا أعرفُ فيه إلا الفتح، وهو عكس قول تلميذه، ولكن خالفه أبو حاتم، وقال: «هو بفتح الميم: الموضع كالمسجد، وقال أبو زيد: هو بفتح الميم مصدر جاء على مفعلٍ» وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأمَّا الجارحةُ، فبكسر الميم فقط، وحكي عن الفراء أنه قال: «أهل الحجاز يقولون:» مرفقاً «بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به، ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب بعد يكسرون الميم منهما جميعاً» وأجاز معاذٌ فتح الميم والفاء، وهو مصدر كالمضرب والمقتل. و «مِنْ أمْرِكُم» متعلق بالفعل قبله، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أو للتبعيض. وقيل: هي بمعنى بدلٍ، قاله ابن الأنباري، وأنشد: [الطويل] ٣٤٩٣ - فَليْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزمَ شَرْبةً ... مُبرَّدةً باتتْ على طَهيَانِ أي: بدلاً. ويجوز أن يكون حالاً من «مِرْفقاً» فيتعلق بمحذوفٍ.

стр. 7550

قوله: ﴿وَتَرَى الشمس﴾ أي: أنت أيُّها المخاطب، وليس المراد أنَّ من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكنَّ العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو. قوله: ﴿إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ . قرأ ابن عامر ويعقوب «تَزْوَرُّ» بسكون الزاي بزنة تَحْمَرُّ. والكوفيون «تَزاوَرُ» بتخفيف الزاي، والباقون بتثقيلها، ف «تَزْورُّ» بمعنى «تميلُ» من الزَّورِ، وهو الميل، و «زاره» بمعنى «مال إليه» وقول الزُّور: ميلٌ عن الحق، ومنه الأزورُ، وهو المائلُ بعينه وبغيرها، قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] ٣٤٩٤ - ... ... ... ... ... . ... وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ

стр. 7551

وقيل: تَزورُّ بمعنى تنقبضُ من «ازْوَرَّ» أي: انقبض، ومنه قول عنترة: [الكامل] ٣٤٩٥ - فَازْوَرَّ من وقْع القَنا بِلبَانهِ ... وشَكَا إليَّ بِعبْرةٍ وتَحمْحُمِ وقيل: مال، ومثله قول بشر بن أبي خازم: [الوافر] ٣٤٩٦ - يُؤمُّ بِهَا الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ... وفِيهَا عن أبَانيْنِ ازْوِرَارُ أي: ميلٌ. وأما «تَزاوَرُ» و «تزَّاوَرُ» فأصلهما «تَتزاورُ» بتاءين، فالكوفيون حذفوا إحدى التاءين، وبعضهم أدغم، وقد تقدَّم نظائر هذا في ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [الآية: ٨٥ من البقرة] و ﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] ونحوهما، ومعنى ذلك الميل أيضاً. وقرأ أبو رجاء، والجحدريُّ، وابن أبي عبلة، وأيوبُ السَّختيانيُّ «تَزوَارُّ» بزنة «تحْمَارُّ» وعبد الله، وأبو المتوكل «تَزوَئِرُّ» بهمزة مكسورة قبل راء مشددة، وأصلها «تَزوَارُّ» كقراءة أبي رجاء، ومن معه، وإنما كرهَ الجمع بين الساكنين، فأبدل الألف همزة على حدِّ إبدالها في ﴿الجآن﴾ [الرحمن: ١٥] و ﴿الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] . وقد تقدم تحقيقه آخر الفاتحة. و «إذا طلعت» معمول ل «ترى» أو ل «تَزاوَرُ» وكذا «إذا غَربَتْ» معمولٌ للأول، أو للثاني، وهو «تَقْرِضُهمْ» والظاهر تمحّضهُ للظرفيةِ، ويجوز أن تكون شرطية. ومعنى «تَقْرضُهمْ» : تقطعهم، لا تقربهم؛ إذ القرض القطع؛ من القطيعة والصَّرم، قال ذو الرمَّة: [الطويل] ٣٤٩٧ - إلى ظُعنٍ يَقْرضْن أقْوازَ مُشرِفٍ ... شِمَالاً، وعنْ أيْمانِهنَّ الفَوارِسُ والقَرْضُ: القطعُ، وتقدم تحقيقه في البقرة، وق لالفارسي: «معنى تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئاً، ثم تزول سريعاً، كالقرض يستردُّ» وقد ضعِّف قوله؛ بأنه كان ينبغي أن يقرأ «تُقرضُهمْ» بضمِّ التاء، لأنه من أقرضَ. وقرئ «يَقْرضُهمْ» بالياء من تحت، أي: الكهف، وفيه مخالفةٌ بين الفعلين

стр. 7552

وفاعلهما، فالأولى أن يعود على الشمس، ويكون كقوله: [المتقارب] ٣٤٩٨ - ... ... ... ... ... . ... ولا أرْضَ أبْقلَ إبْقَالهَا وهو قول ابن كيسان. و «ذات اليمينِ» و «ذاتَ الشِّمالِ» ظرفا مكانٍ بمعنى جهة اليمين، وجهة الشِّمال. فصل قال المفسرون: «تَزاوَرُ» بمعنى «تَمِيلُ» وتعدل عن كهفهم ﴿ذَاتَ اليمين﴾ ، أي: جهة ذات اليمين، وأصله أنَّ ذات اليمين صفة أقيمت مقام الموصوف؛ لأنَّها تأنيث «ذو» في قولهم: «رجلٌ ذُو مالٍ، وامرأةٌ ذات مالٍ» ؛ فكأنَّه قال: تَزاورُ عن كهفهم جهة ذات اليمين، ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال﴾ . قال الكسائيُّ: قرضت المكان، أي: عدلتُ عنه. وقال أبو عبيدة: القرض في أشياء، منها القطع، وكذلك السَّير في البلاد، إذا قطعتها؛ تقول لصاحبك: هل وردتَّ [موضع] كذا؟ فيقول المجيب: إنما قرضتهُ. فقوله: ﴿تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال﴾ ، أي: تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشِّمال. ثم ها هنا قولان: الأول: قال ابن قتيبة وغيره: كان كهفهم مستقبل بناتِ نعشٍ، لا تقع فيه الشمس عند الطُّلوع، ولا عند الغروب، ولا فيما بين ذلك وكان الهواء الطيِّب والنَّسيم الموافقُ يصل إليهم، فلا جرم بقيتْ أجسادهم مصونة عن العفونة والفساد. والثاني: أن الله تعالى منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم عند طلوعها، وكذا عند غروبها، وكان ذلك فعلاً خارقاً للعادة، وكرامة عظيمة، خصَّ الله بها أصحاب الكهف، قاله الزجاج، واحتجَّ على صحَّته بقوله: ﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾ ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول، لكان ذلك أمراص معتاداً مألوفاً، ولم يكن من آيات الله تعالى. ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ أي متَّسعٍ من الكهف، وجمعها فجواتٌ. قال أبو عبيدة: ومنه الحديث: فإذا وجد فجوة نصَّ. وقال غيره: الفجوة المتَّسع من الفجاء، وهو تباعد ما بين الفخذين، يقال: رجل أفجأ، وامرأةٌ فجواء، وجمع الفجوة فجاء كقصعة وقصاع. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ جملة حالية، أي: نفعل هذا مع اتساع مكانهم، وهو أعجب لحالهم؛ إذ كان ينبغي أن تصيبهم الشمس لاتساع مكانهم.

стр. 7553

فصل قال المفسرون: اختار الله تعالى لهم مضجعاً في مقناة لا تدخل عليهم الشمس، فتؤذيهم بحرِّها، وتغيِّر ألوانهم، وهم في متَّسع ينالهم بردُ الرِّيح، ويدفع عنهم كرب الغار. قوله: «ذلِكَ» مبتدأ أشأر به إلى جميع ما تقدم من قصَّتهم. وقيل: «ذلِكَ» إشارةٌ إلى الحفظ الذي حفظهم الله تعالى في ذلك الغار تلك المدَّة الطويلة. قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ الله﴾ العجيبة الدَّالة على قدرته، وبدائع حكمته، و ﴿مِنْ آيَاتِ الله﴾ الخبر، ويجوز أن يكون «ذلك» خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، و ﴿مِنْ آيَاتِ الله﴾ حال. ثم بين تعالى أنه كما أبقاهم هذه المدَّة الطويلة مصونينعن الموت والهلاك من لطفه وكرمه، فكذلك رجوعهم أوَّلاً عن الكفر، ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه؛ فقال: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ مثل أصحاب الكهف «ومن يُضْلِل» ، أي: يضلله الله، ولم يرشده؛ ك «دقيانُوس» وأصحابه ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً﴾ معيناً «مُرْشِداً» .

стр. 7554

قوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً﴾ أي: لو رأيتهم، لحسبتهم. وقال شهبا الدِّين: لا حاجة إلى هذا التقدير. ﴿أَيْقَاظاً﴾ : جمع «يَقُظٍ» بضم القاف، وبجمع على يقاظٍ، ويقظ وأيقاظ، كعضدٍ وأعضادٍ، ويقظ ويقاظ، كرجلٍ ورجالٍ، وظاهرُ كلام الزمخشريِّ أنه يقال: «يقظٌ» بالكسر؛ لأنه قال: وأيقاظٌ جمع «يقظٍ» كأنكاد في «نكدٍ» . وقال الخفش، وأبو عبيدة، والزجاج: أيقاظٌ جمع يقظٍ ويقظان. وأنشدوا [لرؤبة] : [الرجز] ٣٤٩٩ - ووَجدُوا إخْوانَهُم أيْقَاظا..... ... ... ... . . وقال البغوي: أيقاظاً جمع يقيظ ويقظ، واليقظة: الانتباه عند النَّوم.

стр. 7555

قال الواحديُّ: وإنما يحسبون أيقاظاً؛ لأنَّ أعينهم مفتحةٌ، وهم نيامٌ. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم يظنُّ أنهم أيقاظٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ والرقود جمع راقدٍ، كقاعدٍ وقعود. فصل في مدة تقليبهم اختلفوا في مقدار مدَّة التَّقليب: فعن أبي هريرة ﵁: «أنَّ لهم في كلِّ عام تَقْليبَتَيْنِ» وعن مجاهدٍ: يمكثون رقوداً على أيمانهم تسع سنينَ، ثم ينقلبون على شمائلهم، فيمكثون رقوداً تسع سنين. وقيل: لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء. وقال ابن الخطيب: وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، والقرآن لا يدل عليها، وما جاء فيه خبر صحيح، فكيف يعرف؟ وقال ابن عباس: فائدة تقليبهم؛ لئلا تأكل الأرض لحومهم وتبليهم. قال ابن الخطيب: عجبت من ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قدر على أن يمسك حياتهم ثلاثمائة سنة وأكثر، فلم لا يقدر على حفظ أجسامهم من غير تقليب؟! . قوله: «ونُقلِّبهُم» قرأ العامة «نُقلِّبهُم» مضارعاً مسنداً للمعظِّم نفسه. وقرئ أيضاً بالياء من تحت، أي: الله أو الملك، وقرأ الحسن: «يُقلِبُهمْ» بالياء من تحت ساكن القاف، مخفف اللام، وفاعله، إمَّا الله أو الملكُ. وقرأ أيضاً «وتَقَلُّبَهُم» بفتح التاء، وضمِّ اللام مشددة مصدر تقلَّب كقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩] ونصب الباء، وخرَّجه أبو الفتح على إضمار فعل، أي: ونرى تقلُّبهم، أو نشاهد تقلُّبهم، وروي عنه أيضاً رفع الباء على الابتداءِ، والخبر الظرف بعده،

стр. 7556

ويجوز أن يكون محذوفاً، أي: آية عظيمة. وقرأ عكرمة «وتقلبُهمْ» بتاء التأنيث مضارع «قَلبَ» مخفَّفاً، وفاعله ضمير الملائكةِ المدلولِ عليهم بالسِّياق. وقوله: «ذَاتَ» منصوب على الظَّرف، لأنَّ المعنى: ونُقلِّبُهمْ من ناحية اليمين أو على ناحية «اليمين» كما تقدَّم في قوله: ﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين﴾ [الكهف: ١٧] . وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ . قرأ العامة «وكَلْبُهمْ» وقرأ جعفر الصادق «كَالبُهمْ» أي: صاحب كلبهم كلابنٍ وتامر، ونقل أبو عمر الزاهدُ غلامُ ثعلبٍ «وكَالِئُهُمْ» بهمزة مضمومة اسم فاعل من كَلأ يَْلأُ أي: حفظ يحفظُ. و «باسطٌ» اسم فاعل ماض، وإنما عمل على حكاية الحال، الكسائي يعمله، ويستشهد بالآية. والوَصِيدُ: الباب؛ قاله ابن عبَّاس والسديُّ. وقيل: العَتبَةُ. والكهفُ لا يكون له بابٌ، ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب. وقال الزجاج: الوصيد فناءُ البيت، وفناء الدَّار. وقيل: الصَّعيدُ والتُّراب. قال الشاعر: [الطويل] ٣٥٠٠ - بأرْضِ فَضاءٍ لا يسدُّ وصيدُها ... عَليَّ ومَعرُوفِي بها غَيْرُ مُنْكرِ وجمعه: وصائد ووصدٌ. وقيل: الوصيدُ: الصَّعيدُ والتراب. قال يونس، والأخفش، والفراء: الأصيدُ والوصيدُ لغتان؛ مثل: الوكاف والإكاف. وقال مجاهدٌ، والضحاك: «الوَصِيدُ» : الكهف. وأكثر المفسرين على أنَّ الكلب كان من جنس الكلاب. وروي عن ابن جريج: أنه كان أسداً، وسمِّي الأسد كلباً، فإن النبي ﷺ َ دعا على عتبة بن أبي لهبٍ، فقال: «اللَّهُم سلِّط عليه كلباً من كِلابِكَ» فافترسه الأسدُ.

стр. 7557

قال ابن عباس: كان كلباً أغرَّ، واسمه قطميرٌ، وعن عليِّ: اسمه «ريَّان» . وقال الأوزاعي: يشور قال السدي: يور. وقال كعبٌ: صهباً. وقال مقاتل: كان كلباً أصفر. وقال الكلبيُّ: لونه كالحليج، وقيل غير ذلك. قال خالد بن معدان: ليس في الجنَّة من الدوابِّ إلَاّ كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعام. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هربوا من ملكهم فمرُّوا براعٍ، معه كلبٌ، فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه. وقال الكلبيُّ: مرُّوا بكلبٍ فنبح عليهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: لا تخشوا جانبي؛ فإنِّي أحبُّ أحبَّاء الله، فناموا؛ حتَّى أحرسكم. فصل قال عبيد بن عميرٍ: كان ذلك كلب صيدهم، ومعنى ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ ، أي: ألقاها على الأرض مبسوطتين، غي رمقبوضتين. ومنه قوله ﷺ َ: «اعتدلوا في السُّجودِ، ولا يَبْسُط أحدكم ذِرَاعيْهِ انْبسَاطَ الكلْبِ» . قال المفسرون: كان الكلب بسط ذراعيه، وجعل وجهه عليهما. قوله: ﴿لَوِ اطلعت﴾ العامَّة على كسر الواو من «لَو اطَّلعْتَ» على أصل التقاء الساكنين، وقرأها مضمومة أبو جعفرٍ، وشيبة، ونافع، وابن وثَّاب، والأعمش؛ تشبيهاً بواوِ الضمير، وتقدَّم تحقيقه. قوله: ﴿لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً﴾ لما ألبسهم الله من الهيبة؛ حتَّى لا يصل إليهم أحدٌ؛ حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم. «فِرَاراً» يجوز أن يكون منصوباً على المصدر من معنى الفعل قبله؛ لأنَّ التولِّي

стр. 7558

والفرارَ من وادٍ واحدٍ، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: فارًّا، ويكون حالاً مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولاً له. قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ قرأ ابن كثير، ونافع «لمُلِّئْتَ» بالتشديد على التكثير. وأبو جعفرٍ، وشيبة كذلك، إلا أنه بإبدال الهمزة ياء، والزهري بتخفيف اللام والإبدال، وهو إبدال قياسي والباقون بتخفيف اللام، و «رُعباً» مفعول ثانٍ: وقيل: تمييزٌ. قال الأخفش: الخفيفة أجود في كلام العربِ. يقولون: ملأتنِي رعباً، ولا يكادون يعرفون ملأتنِي؛ ويدل على هذا أكثر استعمالهم؛ كقوله: [الوافر] ٣٥٠١ - فَتَمْلأ بَيْتنَا أقِطاً وسَمْنَا..... ... ... ... ... . . وقول الآخر: [الطويل] ٣٥٠٢ - أ - ومن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شيءِ غَيْرِهِ ... إذَا رَاحَ نحو الجمْرَةِ البِيضُ كالدُّمَى وقال الآخر: [الرجز] ٣٥٠٢ - ب - لا تَمْلأ الدَّلءو وعَرِّقْ فيها وقال الاخر: [الرجز] ٣٥٠٣ - امْتَلأ الحَوضُ وقَالَ قَطْنِي ... وقد جاء التثقيل أيضاً، أنشدوا للمخبَّل السعديِّ: [الطويل] ٣٥٠٤ - وإذْ قتل النُّعْمانُ بالنَّاسِ مُحرِمَا..... ... ... ... ... . .

стр. 7559

وقرأ ابن عامر والكسائي «رُعباً» بضمِّ العين في جميع القرآن، والباقون بالإسكان. فصل في سبب الرعب اختلفوا في ذلك الرُّعب كان لماذا؟ فقيل: من وحشة المكان، وقال الكلبي: لأنَّ أعينهم مفتَّحة، كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلَّم، وهم نيامٌ. وقيل: لكثرة شعورهم، وطول أظفارهم، وتقلُّبهم من غير حسٍّ، كالمستيقظ. وقيل: إنَّ الله تعالى، منعهم بالرُّعب؛ لئلَاّ يراهم أحدٌ. ورُوِيَ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس، قال: غزونا مع مُعاويةَ نحو الرُّوم، فمَررْنَا بالكَهْفِ الذي فِيهِ أصْحابُ الكهفِ، فقال مُعاوِيةُ: لو كُشِفَ لنَا عنْ هؤلاءِ، لنَظَرْنَا إليْهِمْ، فقَال ابْنُ عبَّاسٍ: قَدْ مَنَعَ الله ذلِكَ مَنْ هُو خَيْرٌ مِنْكَ: ﴿لو اطَّلعْتَ عَليْهِم لولَّيتَ مِنهُم فراراً﴾ ، فبعث معاوية ناساً، فقال: اذهبوا، فانظروا، فلمَّا دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحاً، أخرجتهم. قوله : ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ﴾ : الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: كما أنمناهم تلك النَّومةَ، كذلك بعثناهم؛ ادِّكاراً بقدرته، والإشارة ب «ذلِكَ» إلى المصدر المفهوم من قوله «فَضرَبْنَا» ، أي: مثل جعلنا إنامتهم هذه المدة المتطاولة آية، جعلنا بعثهم آية، قاله الزجاج والزمخشريُّ. قوله: ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ متعلقة بالبعث، وقيل: هي للصَّيرورة؛ لأن البعث لم يكن للتساؤل، قاله ابن عطيَّة، والصحيح أنَّها على بابها من السببية. قوله: ﴿كَم لَبِثْتُمْ﴾ «كم» منصوبة على الظرف، والمميز محذوف، تقديره: كم يوماً؛ لدلالةِ الجواب عليه، و «أوْ» في قوله: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ للشكِّ منه، وقيل: للتفصيل، أي: قال بعضهم كذا، وبعضهم كذا.

стр. 7560

فصل المعنى كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى، طول الزمان، فكذلك بعثناهم من النَّوم الذي يشبه الموت؛ ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضاً، واللام لام العاقبة؛ لأنَّهم لم يبعثوا للسُّؤال. فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟ . فالجواب: لا يبعد ذلك؛ لأنَّهم إذا تساءلوا، انكشف لهم من قدرة الله أمورٌ عجيبةٌ، وذلك أمرٌ مطلوبٌ. قاله ابن الخطيب. ثم قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾ وهو رئيسهم، واسمه مكسلمينا: ﴿كَم لَبِثْتُمْ﴾ في نومكم، أي: كم مقدار لبثنا في هذا الكهف ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النَّهار؛ فلذلك قالوا: يوماً، فلما رأوا الشمس، قالوا: أو بعض يوم، فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم «قَالُوا» أي: علموا أنَّهم لبثوا أكثر من يوم: ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ . قيل: إنَّ رئيسهم مكسلمينا، لما [رأى] الاختلاف بينهم قال: دعوا الخلاف. قوله: ﴿فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه﴾ يعني يمليخا، قاله ابن عباس. قوله: «بورِقكُمْ» حال من «أحَدكُمْ» ، أي: مصاحباً لها، وملتبساً بها، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر بفتح الواو وسكون الراء والفكِّ، وباقي السبعة بكسر الراء، والكسر هو الأصل، والتسكين [تخفيف] ك «نَبْق» في نَبِق، وحكى الزجاج كسر الواو، وسكون الراء، وهو نقلٌ، وهذا كما يقال: كَبِدٌ وكَبْدٌ وكِبْدٌ. وقرأ أبو رجاء، وابن محيصن كذلك، إلَاّ أنه بإدغام الفاق، واستضعفوها من حيث الجمع بين ساكنين على غير حدَّيهما، وقد تقدَّم ذلك في المتواتر ما يشبهُ هذه من نحو ﴿تُسْأَلُونَ عَمَّا﴾ [في الآية: ١٣٤ من البقرة] و ﴿لَا تَعْدُواْ فِي السبت﴾ [النساء: ١٥٤] و ﴿الخُلْدِ جَزَآءً﴾ [فصلت: ٣٨] و ﴿فِي المهد صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩] وروي عن ابن محيصن؛ أنَّه لمَّا أدغم كسر الراء فراراً ممَّا ذكرنا.

стр. 7561

وقرأ أمير المؤمنين «بوارقكم» اسم فاعلٍ، أي: صاحب ورقٍ، ك «لابنٍ» وقيل: هو اسم جمع كجاملٍ وباقرٍ. والوَرِقُ: الفضَّة المضروبة، وقيل: الفضَّة مطلقاً مضروبة كانت، أو غير مضروبة؛ ويدلُّ عليه ما رُوي أنَّ عرفجة اتَّخذَ أنفاً من ورقٍ. فصل في لغات «الوَرِق» قال الفراء والزجاج: فيه ثلاثُ لغاتٍ: وَرِقٌ، ووَرْقٌ، ووِرْقٌ، ك «كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ» وكسر الواو أردؤها يقال لها: «الرِّقةُ» بحذف الواو، وفي الحديث: «في الرِّقةِ ربعُ العُشْرِ» وجمعت شذوذاً جمع المذكر السالم. فصل قال المفسرون: كان معهم دراهم عليها صورة الملكِ الذي كان في زمانهم، ثم قال تعالى: ﴿إلى المدينة﴾ وهي الَّتي يقال لها اليوم (طرسوس) ، وكان اسمها في الجاهلية «أفسوس» ، وهذه الآية تدل على أنَّ السَّعي في إمساك الزَّاد أمرٌ مشروعٌ. قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً﴾ [يجوز في «أي» أن تكون استفهامية، وأن تكون موصولة. قال الزجاج: إنها رفع بالابتداء و «أزكى» خبرها، وتقدم الكلام على نظيره في قوله: ﴿أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] ، ولا بد ها هنا من حذف «أيُّ» أي: أيّ أهلها أزكى و «طعاماً» ] تمييزٌ، أي: لا يكون من غصبٍ، أي: سببٍ حرام. وقيل: لا حذف، والضميرُ عائدٌ على الأطعمة المدلول عليها من السِّياق. قيل: أمروهُ أن يطلب ذبيحة مؤمنٍ، ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون ينكرون إيمانهم. فصل في معنى «أزكى» قال الضحاك: أزكى طعاماً، أي: أطيب. وقال مقاتلٌ: أجود. وقال عكرمة: أكثر.

стр. 7562

وأصل الزَّكاة النُّمو والزيادة. وقيل: أرخص طعاماً ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي: قوتٍ وطعامٍ تأكلونه. قوله: «ولْيَتلَطَّفْ» قرأ العامة بسكون لام الأمر، والحسنُ بكسرها على الأصل، [وقتيبة الميَّال] «وليُتَلَطَّفْ» مبنياً للمفعول، وأبو جعفر وأبو صالحٍ، وقتيبة «ولا يشعُرنَّ» بفتح الياء وضمِّ العين. فإن قيل: «بكُمْ» «أحدٌ» فاعل به. فالجواب: معنى «وليَتَلطَّفْ» أي: يكون في سترة، وكتمانٍ في دخول المدينة، قاله الزمخشريُّ، ويجوز أن يعود على قومهم؛ لدلالة السِّياق عليهم. وقرأ زيدُ بن عليٍّ «يُظْهرُوا» مبنيًّا للمفعول. فصل ﴿يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: يطَّلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم. وقيل: أو يشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرتُ على فلانٍ، إذا علوتهُ، وظهرتُ على السَّطح، إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أي عالين. وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: ليعليه. قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ . قال ابن جريج: يَشْتموكُمْ، ويُؤذُوكم بالقول، وقيل: يقتلوكم بالحجارة، والرجمُ بمعنى القتل كثيرٌ. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] وقوله: ﴿أَن تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] والرجم أخبث القتل، قاله الزجاج. ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي يردُّوكم إلى دينهم. قوله: ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ أي إن رجعتم إلى دينهم، لم تسعدوا في الدنيا، ولا في الآخرة، ف «إذاً» جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن يظهروا، فلن تفلحوا. وقال الزجاج: لن تُفْلِحُوا، إذا رجعتم إلى ملتهم أبداً، فإن قيل: أليس أنَّهم لو أكرهوا على الكفر، حتى أظهروا الكفر، لم يكن عليهم مضرَّة، فكيف قالوا: ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ ؟ .

стр. 7563

فالجواب: يحتمل أن يكون المراد أنَّهم لو ردُّوا إلى الكفر، وبقوا مظهرين له، فقد يميل بهم ذلك غلى الكفر، ويصيروا كافرين حقيقة، فكان تخوُّفهم من هذا الاحتمال. قوله : ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ : أي: وكما أنمناهم، وبعثناهم، لما فيه من الحكم الظاهرة؛ أعثرنا، أي: أطلعنا. وتقدَّم الكلام على مادَّة «عثر» في المائدة. يقال: عثرتُ على كذا، أي: علمته، وأصله أن من كان غافلاً عن شيءٍ فعثر به، نظر إليه، فعرفه، وكان العثارُ سبباً لحصول العلم، فأطلق اسم السَّببِ على المسبَّب «ليَعْلَمُوا» متعلق ب «أعْثرْنَا» والضمير: قيل: يعود على مفعول «أعْثَرنَا» المحذوف، تقديره: أعثرنا النَّاس، وقيل: يعود على أهل الكهف. فصل في سبب تعرف الناس عليهم اختلفوا في السَّبب الذي عرف الناس به واقعة أصحاب الكهف، فقيل: لطول شعورهم، وأظفارهم؛ بخلاف العادة، وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبةٌ يستدلُّ بها على أن مدَّتهم طالت طولاً بخلاف العادة. وقيل: لأن أحدهم لما ذهب إلى المدينةِ؛ ليشتري الطَّعام، أخرج الدراهم لثمن الطَّعام، فقال صاحب الطعام: هذه النُّقود غير موجودة في هذا الزَّمان، وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدَّة مديدة؛ [فلعلك] وجدتَّ كنزاً، فحملوه إلى ملك تلك المدينة، فقال له الملك: أين وجدتَّ تلك الدَّراهم؟ فقال: بعتُ بها أمس تمراً، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس، فعرف الملك أنَّه ما وجد كنزاً، وأنَّ الله تعالى بعثه بعد موته. ومعنى قوله: ﴿ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي: إنما أطلعنا القوم على أحوالهم؛ ليعلم القوم أنَّ وعد الله حقٌّ بالبعث والنَّشر؛ فإنَّ ملكَ ذلك الزَّمان كان منكر البعث، فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملكِ. وقيل: اختلف أهلُ ذلك الزَّمانِ، فقال بعضهم: الرُّوحُ والجسد يبعثان جميعاً. وقال آخرون: إنَّما يبعثُ الرُّوح فقط، فكان الملك يتضرَّع إلى الله تعالى أن يظهر له آية يستدلُّ بها على الحقِّ في هذه المسالة، فأطلعه الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدلَّ بهم على صحَّة بعث الأجساد؛ لأنَّ انتباههم بعد ذلك النَّوم الطويل يشبه من يموت، ثم يبعث.

стр. 7564

قوله: «إذ يَتنازعُونَ» يجوز أن يعمل فيه «أعْثَرنا» أو «لِيعْلمُوا» أو لمعنى «حقٌّ» أو ل «وَعْد» عند من يتَّسعُ في الظرف، وأمَّا من لا يتَّسعُ، فلا يجوز عنده الإخبار عن الموصول قبل تمامِ صلته. واختلف في هذا التَّنازع، فقيل: كانوا يتنازعون في صحَّة البعث، فاستدلَّ القائلون بصحَّة هذه الواقعةِ، وقالوا: كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدَّة ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها. وقيل: إنَّ الملك وقومه، لما رأوا أصحاب الكهف، ووقفوا على أحوالهم، عاد القوم إلى كهفهم، فأماتهم الله، فعند هذا اختلف الناس، فقال قومٌ: إنَّ بعضهم قال: إنهم نيامٌ، كالكرَّة الأولى. وقال آخرون: بل الآن ماتوا. وقيل: إن بعضهم، قال: سدّوا عليهم باب الكهف مسجدٌ، وهذا القول يدلُّ على أنَّ هؤلاء القوم كانوا عارفين بالله تعالى، ويعترفون بالعبادة والصلاة. وقيل: إنَّ الكفار قالوا: إنهم على ديننا، فنتخذ عليهم بنياناً، وقال المسلمون [إنهم] على ديننا، فنتخذ عليهم مسجداً. وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم. وقيل: تنازعوا في عددهم، وأسمائهم. قوله: «بُنْياناً» يجوز أن يكون مفعولاً به، جمع بنيانةٍ، وأن يكون مصدراً. قوله: ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يجوز أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلامِ المتنازعين فيهم، ثم قال ﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ﴾ قيل: هو الملك المسلم، واسمه بيدروس وقيل: رؤساء البلد. قوله «غلبوا» قرأ عيسى الثقفيُّ، والحسن بضمِّ الغين، وكسر اللام. قوله: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ يعبد الله فيه، ونستبقي آثار اصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد.

стр. 7565

قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ : قيل: إنَّما أتي بالسِّين في هذا؛ لأنَّ في الكلام طيًّا وإدماجاً، تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصَّة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم سيقولون. ولم يأت بها في باقية الأفعال؛ لأنها معطوفة على ما فيه السين، فأعطيت حكمه من الاستقبال. وقرأ ابن محيصن «ثلاثٌ» بإدغام الثاء المثلثة في تاء التأنيث؛ لقرب مخرجيهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكن معتل. ﴿رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الجملة في محل رفع صفة ل «ثَلاثَة» . قوله: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ﴾ قرأ ابن كثير في رواية بفتح الميم، وهي لغة كعشرةٍ، وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، يعني تاء «خمسةٌ» في سين «سادسهم» وهي قراءة ثقيلة جداً؛ لتوالي كسرتين وثلاث سيناتٍ، قال شهاب الدين ولا أظن مثل هذا إلا غلطاً على مثله، وروي عنه إدغام التنوين في السين من غيرغنَّة. و «ثَلاثةٌ» و «خَمسةٌ» و «سَبعةٌ» إخبار المبتدأ محذوف مضمرٍ، أي: هم ثلاثة، وهم خمسة، وهم سبعة، وما بعد «ثلاثة» و «خمسة» من الجملة صفة لهما، كما تقدَّم، ولا يجوز أن تكون الجملة حالاً، لعدم عامل فيها، ولا يجوز أن يكون التقدير: هؤلاء ثرثة، وهؤلاء خمسةٌ، ويكون العامل اسم الإشارة أو التنبيه، قال أبو البقاء: لأنَّها إشارةٌ إلى حاضر، ولم يشيروا إلى حاضر «. قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه مفعولٌ من أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغيب. والثاني: أنه في موضع الحال، أي: ظانِّين. والثالث: أنه منصوب ب» يَقُولونَ «لأنه بمعناه. والرابع: أنه منصوب بمقدر من لفظه، أي: يرجمون بذلك رجماً. والرَّجمُ في الأصل: الرَّميُ بالرِّجامِ، وهي الحجارة الصِّغارُ، ثم عبِّر به عن الظنِّ، قال زهير: [الطويل] ٣٥٠٥ - ومَا الحَربُ إلَاّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُم ... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ أي: المظنون.
следующие страницы →