Полный текст (12 961 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.
стр. 7561
وقرأ أمير المؤمنين «بوارقكم» اسم فاعلٍ، أي: صاحب ورقٍ، ك «لابنٍ» وقيل: هو اسم جمع كجاملٍ وباقرٍ.
والوَرِقُ: الفضَّة المضروبة، وقيل: الفضَّة مطلقاً مضروبة كانت، أو غير مضروبة؛ ويدلُّ عليه ما رُوي أنَّ عرفجة اتَّخذَ أنفاً من ورقٍ.
فصل في لغات «الوَرِق»
قال الفراء والزجاج: فيه ثلاثُ لغاتٍ: وَرِقٌ، ووَرْقٌ، ووِرْقٌ، ك «كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ» وكسر الواو أردؤها يقال لها: «الرِّقةُ» بحذف الواو، وفي الحديث: «في الرِّقةِ ربعُ العُشْرِ» وجمعت شذوذاً جمع المذكر السالم.
فصل
قال المفسرون: كان معهم دراهم عليها صورة الملكِ الذي كان في زمانهم، ثم قال تعالى: ﴿إلى المدينة﴾ وهي الَّتي يقال لها اليوم (طرسوس) ، وكان اسمها في الجاهلية «أفسوس» ، وهذه الآية تدل على أنَّ السَّعي في إمساك الزَّاد أمرٌ مشروعٌ.
قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً﴾ [يجوز في «أي» أن تكون استفهامية، وأن تكون موصولة. قال الزجاج: إنها رفع بالابتداء و «أزكى» خبرها، وتقدم الكلام على نظيره في قوله: ﴿أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] ، ولا بد ها هنا من حذف «أيُّ» أي: أيّ أهلها أزكى و «طعاماً» ] تمييزٌ، أي: لا يكون من غصبٍ، أي: سببٍ حرام.
وقيل: لا حذف، والضميرُ عائدٌ على الأطعمة المدلول عليها من السِّياق.
قيل: أمروهُ أن يطلب ذبيحة مؤمنٍ، ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون ينكرون إيمانهم.
فصل في معنى «أزكى»
قال الضحاك: أزكى طعاماً، أي: أطيب.
وقال مقاتلٌ: أجود.
وقال عكرمة: أكثر.
стр. 7562
وأصل الزَّكاة النُّمو والزيادة.
وقيل: أرخص طعاماً ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي: قوتٍ وطعامٍ تأكلونه.
قوله: «ولْيَتلَطَّفْ» قرأ العامة بسكون لام الأمر، والحسنُ بكسرها على الأصل، [وقتيبة الميَّال] «وليُتَلَطَّفْ» مبنياً للمفعول، وأبو جعفر وأبو صالحٍ، وقتيبة «ولا يشعُرنَّ» بفتح الياء وضمِّ العين.
فإن قيل: «بكُمْ» «أحدٌ» فاعل به.
فالجواب: معنى «وليَتَلطَّفْ» أي: يكون في سترة، وكتمانٍ في دخول المدينة، قاله الزمخشريُّ، ويجوز أن يعود على قومهم؛ لدلالة السِّياق عليهم.
وقرأ زيدُ بن عليٍّ «يُظْهرُوا» مبنيًّا للمفعول.
فصل
﴿يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: يطَّلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم.
وقيل: أو يشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرتُ على فلانٍ، إذا علوتهُ، وظهرتُ على السَّطح، إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أي عالين.
وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: ليعليه.
قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ . قال ابن جريج: يَشْتموكُمْ، ويُؤذُوكم بالقول، وقيل: يقتلوكم بالحجارة، والرجمُ بمعنى القتل كثيرٌ. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] وقوله: ﴿أَن تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] والرجم أخبث القتل، قاله الزجاج.
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي يردُّوكم إلى دينهم.
قوله: ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ أي إن رجعتم إلى دينهم، لم تسعدوا في الدنيا، ولا في الآخرة، ف «إذاً» جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن يظهروا، فلن تفلحوا.
وقال الزجاج: لن تُفْلِحُوا، إذا رجعتم إلى ملتهم أبداً، فإن قيل: أليس أنَّهم لو أكرهوا على الكفر، حتى أظهروا الكفر، لم يكن عليهم مضرَّة، فكيف قالوا: ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ ؟ .
стр. 7563
فالجواب: يحتمل أن يكون المراد أنَّهم لو ردُّوا إلى الكفر، وبقوا مظهرين له، فقد يميل بهم ذلك غلى الكفر، ويصيروا كافرين حقيقة، فكان تخوُّفهم من هذا الاحتمال.
قوله
: ﴿وكذلك
أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ : أي: وكما أنمناهم، وبعثناهم، لما فيه من الحكم الظاهرة؛ أعثرنا، أي: أطلعنا. وتقدَّم الكلام على مادَّة «عثر» في المائدة.
يقال: عثرتُ على كذا، أي: علمته، وأصله أن من كان غافلاً عن شيءٍ فعثر به، نظر إليه، فعرفه، وكان العثارُ سبباً لحصول العلم، فأطلق اسم السَّببِ على المسبَّب «ليَعْلَمُوا» متعلق ب «أعْثرْنَا» والضمير: قيل: يعود على مفعول «أعْثَرنَا» المحذوف، تقديره: أعثرنا النَّاس، وقيل: يعود على أهل الكهف.
فصل في سبب تعرف الناس عليهم
اختلفوا في السَّبب الذي عرف الناس به واقعة أصحاب الكهف، فقيل: لطول شعورهم، وأظفارهم؛ بخلاف العادة، وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبةٌ يستدلُّ بها على أن مدَّتهم طالت طولاً بخلاف العادة.
وقيل: لأن أحدهم لما ذهب إلى المدينةِ؛ ليشتري الطَّعام، أخرج الدراهم لثمن الطَّعام، فقال صاحب الطعام: هذه النُّقود غير موجودة في هذا الزَّمان، وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدَّة مديدة؛ [فلعلك] وجدتَّ كنزاً، فحملوه إلى ملك تلك المدينة، فقال له الملك: أين وجدتَّ تلك الدَّراهم؟ فقال: بعتُ بها أمس تمراً، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس، فعرف الملك أنَّه ما وجد كنزاً، وأنَّ الله تعالى بعثه بعد موته.
ومعنى قوله: ﴿ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي: إنما أطلعنا القوم على أحوالهم؛ ليعلم القوم أنَّ وعد الله حقٌّ بالبعث والنَّشر؛ فإنَّ ملكَ ذلك الزَّمان كان منكر البعث، فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملكِ.
وقيل: اختلف أهلُ ذلك الزَّمانِ، فقال بعضهم: الرُّوحُ والجسد يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: إنَّما يبعثُ الرُّوح فقط، فكان الملك يتضرَّع إلى الله تعالى أن يظهر له آية يستدلُّ بها على الحقِّ في هذه المسالة، فأطلعه الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدلَّ بهم على صحَّة بعث الأجساد؛ لأنَّ انتباههم بعد ذلك النَّوم الطويل يشبه من يموت، ثم يبعث.
стр. 7564
قوله: «إذ يَتنازعُونَ» يجوز أن يعمل فيه «أعْثَرنا» أو «لِيعْلمُوا» أو لمعنى «حقٌّ» أو ل «وَعْد» عند من يتَّسعُ في الظرف، وأمَّا من لا يتَّسعُ، فلا يجوز عنده الإخبار عن الموصول قبل تمامِ صلته.
واختلف في هذا التَّنازع، فقيل: كانوا يتنازعون في صحَّة البعث، فاستدلَّ القائلون بصحَّة هذه الواقعةِ، وقالوا: كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدَّة ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها.
وقيل: إنَّ الملك وقومه، لما رأوا أصحاب الكهف، ووقفوا على أحوالهم، عاد القوم إلى كهفهم، فأماتهم الله، فعند هذا اختلف الناس، فقال قومٌ: إنَّ بعضهم قال: إنهم نيامٌ، كالكرَّة الأولى.
وقال آخرون: بل الآن ماتوا.
وقيل: إن بعضهم، قال: سدّوا عليهم باب الكهف مسجدٌ، وهذا القول يدلُّ على أنَّ هؤلاء القوم كانوا عارفين بالله تعالى، ويعترفون بالعبادة والصلاة.
وقيل: إنَّ الكفار قالوا: إنهم على ديننا، فنتخذ عليهم بنياناً، وقال المسلمون [إنهم] على ديننا، فنتخذ عليهم مسجداً.
وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم.
وقيل: تنازعوا في عددهم، وأسمائهم.
قوله: «بُنْياناً» يجوز أن يكون مفعولاً به، جمع بنيانةٍ، وأن يكون مصدراً.
قوله: ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يجوز أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلامِ المتنازعين فيهم، ثم قال ﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ﴾ قيل: هو الملك المسلم، واسمه بيدروس وقيل: رؤساء البلد.
قوله «غلبوا» قرأ عيسى الثقفيُّ، والحسن بضمِّ الغين، وكسر اللام.
قوله: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ يعبد الله فيه، ونستبقي آثار اصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد.
стр. 7565
قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ : قيل: إنَّما أتي بالسِّين في هذا؛ لأنَّ في الكلام طيًّا وإدماجاً، تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصَّة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم سيقولون. ولم يأت بها في باقية الأفعال؛ لأنها معطوفة على ما فيه السين، فأعطيت حكمه من الاستقبال.
وقرأ ابن محيصن «ثلاثٌ» بإدغام الثاء المثلثة في تاء التأنيث؛ لقرب مخرجيهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكن معتل.
﴿رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الجملة في محل رفع صفة ل «ثَلاثَة» .
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ﴾ قرأ ابن كثير في رواية بفتح الميم، وهي لغة كعشرةٍ، وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، يعني تاء «خمسةٌ» في سين «سادسهم» وهي قراءة ثقيلة جداً؛ لتوالي كسرتين وثلاث سيناتٍ، قال شهاب الدين ولا أظن مثل هذا إلا غلطاً على مثله، وروي عنه إدغام التنوين في السين من غيرغنَّة.
و «ثَلاثةٌ» و «خَمسةٌ» و «سَبعةٌ» إخبار المبتدأ محذوف مضمرٍ، أي: هم ثلاثة، وهم خمسة، وهم سبعة، وما بعد «ثلاثة» و «خمسة» من الجملة صفة لهما، كما تقدَّم، ولا يجوز أن تكون الجملة حالاً، لعدم عامل فيها، ولا يجوز أن يكون التقدير: هؤلاء ثرثة، وهؤلاء خمسةٌ، ويكون العامل اسم الإشارة أو التنبيه، قال أبو البقاء: لأنَّها إشارةٌ إلى حاضر، ولم يشيروا إلى حاضر «.
قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنه مفعولٌ من أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغيب.
والثاني: أنه في موضع الحال، أي: ظانِّين.
والثالث: أنه منصوب ب» يَقُولونَ «لأنه بمعناه.
والرابع: أنه منصوب بمقدر من لفظه، أي: يرجمون بذلك رجماً.
والرَّجمُ في الأصل: الرَّميُ بالرِّجامِ، وهي الحجارة الصِّغارُ، ثم عبِّر به عن الظنِّ، قال زهير: [الطويل]
٣٥٠٥ - ومَا الحَربُ إلَاّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُم ... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ
أي: المظنون.
стр. 7566
قوله:» وثامنُهم «في هذه الواو أوجهٌ:
أحدها: أنها عاطفة، عطفت هذه الجملة على جملة قوله» هُم سَبْعةٌ «فيكونون قد أخبروا بخبرين، الأول: أنهم سبعة رجالٍ على البتِّ. والثاني أنَّ ثامنهم كلبهم، وهذا يؤذنُ بأن جملة قوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ من كلام المتنازعين فيهم.
الثاني: أن الواو للاستئناف، وأنه من كلام الله تعالى أخبر عنهم بذلك، قال هذا القائل: وجيء بالواو؛ لتعطي انقطاع هذا ممَّا قبله.
الثالث: أنها الواو الداخلة على الصفة؛ تأكيداً، ودلالة على لصق الصفة بالموصوف، وإليه ذهب الزمخشري، ونظره بقوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلَاّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] .
وردَّ أبو حيَّان عليه: بأنَّ أحداً من النحاة لم يقله، وقد تقدَّم الكلام عليه في ذلك.
الرابع: أنَّ هذه تسمَّى واو الثمانية، وأنَّ لغة قريشٍ، إذا عدُّوا يقولون: خمسةٌ ستَّة سبعة، وثمانية تسْعةٌ، فيدخلون الواو على عقد الثمانية خاصة، ذكر ذلك ابن خالويه، وأبو بكر راوي عاصم، قلت: وقد قال ذلك بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَ﴾ [الزمر: ٧٣] في الزمر، فقال: دخلت في أبواب الجنة؛ لأنها ثمانية، ولذلك لم يجأ بها في أبواب جهنَّم؛ لأنها سبعة، وسيأتي هذا، إن شاء الله.
قال أصحاب هذا القول: إنَّ السبعة عند العرب أمثل في المبالغة في العدد؛ قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] .
ولما كان كذلك، فلما وصلوا إلى الثَّمانية، ذكروا لفظاً يدلُّ على الاستئناف فقالوا: وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿والناهون عَنِ المنكر﴾ [التوبة: ١١٢] ؛ لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة.
وقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ، وأبواب النَّار سبعة، فلم يأتِ بالواو فيها.
وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم: ٥] هو العدد الثامن مما تقدَّم.
قال القفال: وهذا ليس بشيء؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الله الذي لَا إله إِلَاّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ [الحشر: ٢٣] ولم يذكر الواو في النَّعت الثامن.
وقرئ: «كَالبُهمْ» أي: صاحب كلبهم، ولهذه القراءةِ قدَّر بعضهم في قراءة العامة: وثامنهم صاحب كلبهم.
стр. 7567
وثلاثةٌ وخمسةٌ وسبعةٌ: مضافة لمعدودٍ محذوف، فقدَّره أبو حيان: ثلاثة اشخاص، قال: «وإنَّما قدَّرنا أشخاصاً؛ لأنَّ رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير، والمعنى: أنه ربعهم، أي: جعلهم أربعة، وصيَّرهم إلى هذا العدد، فلو قدَّرناه رجالاً، استحال أن يصيِّر ثلاثة رجالٍ أربعة؛ لاختلافِ الجنسين» وهو كلامٌ حسنٌ.
فصل
وقال أبو البقاء: «ولا يعمل اسم الفاعل هنا؛ لأنه ماض» قلت: يعني أنَّ رابعهم فيما مضى، فلا يعمل النصب تقديراً، والإضافة محضة، وليس كما زعم، فإنَّ المعنى على: يصير الكلب لهم أربعة، فهو ناصبٌ تقديراً، وإنما عمل، وهو ماضٍ؛ لحكاية الحال ك «بَاسِطٌ» .
فصل
روي أن السيِّد والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران، كانوا عند النبيِّ ﷺ َ فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيِّد - وكان يعقوبياً -: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم.
وقال العاقبُ - وكان نُسطوريًّا -: كانوا خمسة سادسهم كلبهم.
وقال المسلمون: ك انوا سبعة، وثامنهم كلبهم، فحقَّق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى، فقال: «سَيقُولونَ ثَلاثةٌ رابعهُم كَلْبهُم، ويَقُولونَ خَمسَةٌ سَادسهُمْ كَلبُهمْ رجماً بالغيب ويَقُولونَ: سَبْعةٌ وثَامنهُمْ كَلبُهمْ» .
قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ أي: ظنًّا وحدساً من غير يقينٍ، ولم يقل هذا في السبعة، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ .
فصل
قال أكثر المفسرين: هذا هو الحقُّ؛ ويدلُّ عليه وجوهُ:
الأول: أنَّ الواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنَّكرة، كما تدخل ع لى الجملة الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك: «جَاءنِي رجلٌ، ومَعهُ آخَرُ» ومررت بزيدٍ، ومعه سيفٌ، ومنه قوله:
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَاّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] .
وفائدتها: تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أنَّ اتصافه به أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ، فكانت هذه الواو دالة على أنَّ الذين كانوا في الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.
الثاني: أنه تعالى خصَّ هذا الموضع بهذا الحرف الزَّائد وهو الواو؛ فوجب أن
стр. 7568
يحصل به فائدة زائدة؛ صوناً للفظ عن التعطيل، وليس الفائدة إلَاّ تخصيص هذا القول بالإثبات والتَّصحيح.
الثالث: أنه تعالى أتبع القولين بقوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ ولم يقله في السَّبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدلُّ على أنَّ الحال في الباقي بخلافه، وأنه مخالف لهما في كونه «رجْماً بالغَيْب» .
الرابع: أنه قال بعده: ﴿رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ فدلَّ على أن هذا القول ممتازٌ عن القولين الأوَّلين بمزيد القوَّة والصَّحة.
الخامس: أنه تعالى قال: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ فدلَّ على أنَّه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل، وكلُّ من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب، قال: إنهم كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم؛ فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول، وكان عليٌّ ﵁ يقول: كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، وأسماؤهم: ميليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وعن يساره: مرنوس، ديرنوس، سادنوس، وكان الملكُ يستشير هؤلاء الستَّة، يتصرَّفون في مهمَّاته، والسَّابع هو الرَّاعي الذي وافقهم، لمَّا هربوا من ملكهم، واسم كلبهم قطميرٌ، وروي عن ابن عباس أنه قال: مكسلمينا، ويلميخا، ومرطوس وبينويس، وسارينوس، وذونوانس، وكشفيطيطونونس وهو الراعي، وكان ابن عباس يقول: أنا من أولئك العدد القليل.
السادس: أنه تعالى، لما قال: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ .
والظاهر أنَّه لما حكى الأقوال، فقد حكى كلَّ ما قيل من الحقِّ والباطل، ويبعد أنَّه تعالى ذكر الأقوال الباطلة، ولم يذكر ما هو الحقُّ، فثبت أن جملة الأقوال الحقَّة والباطلة ليست إلَاّ هذه الثَّلاثة، ثم خصَّ الأولين بأنه رجمٌ بالغيب؛ فوجب أن يكون الحق هو الثالث.
السابع: أنه قال لرسوله ﵊ ُ -: ﴿فَلا تُمارِ فِيهمْ إلَاّ مِراءً ظَاهِراً، ولا تَسْتفْتِ فِيهم مِنهُمْ أحَداً﴾ فمنعه من المناظرة معهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون، لو علم حكم هذه الواقعة، ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبيِّ ﷺ َ ولا يحصل للنبيِّ ﵇ فعلمنا أنَّ العلم بهذه الواقعة حصل للنبيِّ ﷺ َ والظاهر أنه لم يحصل ذلك إلَاّ بهذا الوحي؛ لأنَّ الأصل فيما سواهُ العدم، فيكون الأمر كذلك، ويكون الحقُّ قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذه الوجوه، وإن كان فيها بعض الضعف إلَاّ أنه لما تقوَّى بعضها ببعضٍ، حصل فيها تمامٌ وكمالٌ.
стр. 7569
فصل
في هذه الآية محذوفٌ، وتقديره: سيقولون: هم ثلاثة، فحذف المبتدأ؛ لدلالة الكلام عليه، ثم قال تعالى: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ أي: بعددهم ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ ، وهذا هو الحق؛ لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم، وحوادثه في الماضي والمستقبل، لا يحصل إلَاّ عند الله، أو عند من أخبره الله تعالى، ثم لمَّا ذكر تعالى هذه القصَّة، نهى رسول الله ﷺ َ عن المراءِ والاستفتاء، فقال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَاّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ ، أي لا تجادل، ولا تقل في عددهم وشأنهم إلَاّ مراء ظاهراً إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾ أي من أهل الكتاب، أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك؛ لأنَّه ليس عندهم علمٌ في هذا الباب إلَاّ رجماً بالغيب.
فصل
واعلم أنَّ نفاة القياس تمسَّكوا بهذه الآية، قالوا: لأن قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ قيل: كان ظنًّا بالغيب؛ لأنَّهم أكثروا أن يقولوا رجماً بالظنِّ، مكان قولهم: «ظنَّ» حتى لم يبق عندهم فرقٌ بين العبارتين، كما قال: [الطويل]
٣٥٠٦ - ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ
أي: المظنون، ثم إنه تعالى، لمَّا ذم هذه الطريقة، رتَّب عليها المنع من استفتاء هؤلاء الظانِّين، فدلَّ على أن الفتوى بالمظنون غير جائزٍ عند الله تعالى، وتقدَّم جوابهم.
стр. 7570
وذلك أن أهل مكَّة سألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فقال: أخبركم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحيُ أيَّاماً، ثم نزلت هذه الآية.
فصل
اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين:
الأول: أنَّ رسول الله ﷺ َ كان عالماً بأنَّه إذا أخبر أنه سيفعل الفعل الفلانيَّ غداً، فربَّما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائقٌ عن ذلك الفعل غداً، وإذا كانت هذه الأمور محتملة، فلو لم يقل: إن شاء الله، خرج الكلام مخالفاً لما عليه، وذلك يوجب التنفير عنه.
أما إذا قال: «إن شاء الله تعالى» كان محترزاً عن هذا المحذور المذكور، وإذا
стр. 7571
كان كذلك، كان من البعيد أن يعد بشيءٍ، ولم يقل: إن شاء الله.
الثاني: أن هذه الآية مشتملةٌ على قواعد كثيرةٍ، وأحكام جمَّة، فيبعد قصرها على هذا السبب، إذ يمكن أن يجاب عن الأول بأنه لا يمتنع أن الأولى أن يقول: «إن شاء الله تعالى» ، إلَاّ أنه ربَّما اتَّفق له نسيان قول «إن شاء الله» لسبب من الأسباب، وكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، وأنه يجاب عن الثاني بأنَّ اشتماله على الفوائد الكثيرةِ لا يمتنع أن يكون نزوله بسببٍ واحدٍ منها.
قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ : قال أبو البقاء: في المستثنى منه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: هو من النَّهي. والمعنى: لا تقولنَّ: افعلُ غداً، إلَاّ أن يؤذن لك في القول.
الثاني: هو من «فاعلٌ» ، أي: لا تقولنَّ إني فاعل غداً؛ حتَّى تقرن به قول «إن شاء الله» .
والثالث: أنه منقطعٌ، وموضع «أن يشاء الله» نصب على وجهين:
أحدهما: على الاستثناء، والتقدير: لا تقولنَّ ذلك في وقتٍ إلَاّ وقت أن يشاء الله، أي: يأذن، فحذف الوقت، وهو المراد.
الثاني: هو حالٌ، والتقدير: لا تقولنَّ: أفعل غداً إلا قائلاً: «إن شاء الله» وحذف القول كثير، وقيل: التقدير إلَاّ بأن يشاء الله، أي: إلَاّ ملتبساً بقول: «إن شاء الله» .
وقد ردَّ الزمخشريُّ الوجه الثاني، فقال: «إلَاّ أن يشاءَ» متعلقٌ بالنهي، لا بقوله «إنِّي فاعلٌ» لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك ممَّا لا مدخل فيه للنهي.
معناه أنَّ النهي عن مثل هذا المعنى، لا يحسن.
ثم قال: «وتعلُّقهُ بالنهي من وجهين:
أحدهما: ولا تقولنَّ ذلك القول، إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه.
والثاني: ولا تقولنَّه إلَاّ بأن يشاء الله، أي: إلَاّ بمشيئته، وهو في موضع الحال، أي: ملتبساً بمشيئة الله، قائلاً إن شاء الله.
وفيه وجه ثالثٌ: وهو أن يكون «إلَاّ أن يشاء» في معنى كلمة تأبيدٍ، كأنَّه قيل: ولا تقولنَّه أبداً، ونحوه: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] لأن عودهم في ملتهم ممَّا لم يشأ الله «.
وهذا الذي ذكره الزمخشري قد ردَّه ابن عطيَّة بعد أن حكاه عن الطبري وغيره، ولم يوضِّح وجه الفساد.
стр. 7572
وقال أبو حيان:» وإلا أن يشاء الله، استثناء لا يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه يكون داخلاً تحت القول، فيكونُ من المقول، ولا ينهاه الله أن يقول: إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله؛ لأنه قول صحيحٌ في نفسه، لا يمكن أن ينهى عنه، فاحتيج في تأويل هذا الظاهر إلى تقديرٍ، فقال ابن عطيَّة: في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسِّنهُ الإيجاز، تقديره: إلَاّ أن يقول: إلا أن يشاء الله، أو إلَاّ أن تقول: إن شاء الله، والمعنى: إلَاّ أن تذكر مشيئة الله، فليس «إلَاّ أن يشاء الله» من القول الذي نهي عنه «.
فصل
قال كثيرٌ من الفقهاء: إذا قال الرَّجل لزوجته:» أنْتِ طالقٌ، إن شاء الله «لم يقع الطَّلاق؛ لأنه لما علَّق وقوع الطَّلاق على مشيئة الله، لم يقعِ الطَّلاق إلا إذا علمنا حصول المشيئة، ومشيئةُ الله غيبٌ لا سبيل لنا إلى العلم بحصولها، إلا إذا علمنا أن متعلَّق المشيئة وقع وحصل، وهو هذا الطلاق، وعلى هذا لا يعرف حصول المشيئة، إلَاّ إذا وقع الطلاق، ولا يعرف وقوع الطلاق، إلَاّ إذا عرفنا المشيئة، فيوقف كلُّ واحدٍ منهما على العلم بالآخرِ، وهو دورٌ؛ فلهذا لم يقع الطَّلاق.
فصل
احتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم شيءٌ، قالوا: لأنَّ الشيء الذي سيفعله غداً سمَّاه الله تعالى في الحال شيئاً، وهو معدومٌ في الحال.
[وأجيب] بأنَّ هذا الاستدلال لا يفيدُ إلَاّ أنَّ المعدوم مسمى بكونه شيئاً، والسبب فيه أنَّ الذي يصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال تسمية للشيء بما يئولُ إليه؛ لقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] والمراد سيأتي أمر الله.
ثم قال تعالى: ﴿واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن: معناه: إذا نسيت الاستثناء، ثم ذكرت، فاستثنِ.
وقيَّده الحسن وطاوس بالمجلس.
стр. 7573
وعن سعيد بن جبيرٍ: بعد سنة، أو شهرٍ، أو أسبوعٍ، أو يوم.
وعن عطاءٍ: بمقدار حلب ناقةٍ غزيرةٍ.
وعند عامة الفقهاء: لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً، وقالوا: لأنا لو جوَّزنا ذلك، لزم ألَاّ يستقرَّ شيءٌ من العهود والإيمان.
[يحكى] أنه بلغ المنصور أنّ أبا حنيفة خالف ابن عبَّاس في الاستثناء المنفصل، فاستحضره؛ لينكر عليه، فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك؛ فإنك تأخذ البيعة بالأيمان، أترضى أن يخرجوا من عندك، فيستثنوا، فيخرجوا عليك، فاستحسن المنصور كلامه، ورضي عنه.
واعلم أن هذا تخصيص النصِّ بالقياس، وفيه ما فيه.
وأيضاً فلو قال: «إنْ شَاءَ الله» خفية؛ بحيث لا يسمع، كان دافعاً للحنث بالإجماع، مع أنَّ المحضور باقٍ، فما عوَّلوا عليه ليس بقويٍّ، [والأولى] أن يحتجَّ في وجوب كون الاستثناء متَّصلاً بالآيات الكثيرة الدالة على وجوب الوفىءِ بالعقد والعهد؛ كقوله: ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المائدة: ١] ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] ، فإذا أتى بعهدٍ، وجب عليه الوفاء بمقتضاه بهذه الآيات.
خالفنا الدليل فيما إذا كان متَّصلاً؛ لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد؛ بدليل أنَّ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً، فهو جارٍ مجرى بعض الكلمة الواحدة، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وإذا كان كذلك، فإن لم يكن منفصلاً، حصل الالتزام التَّامُّ بالكلام؛ فوجب عليه الوفاء بذلك المتلزم.
وقيل: إن قوله: ﴿واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لا تعلّق له بما قبله.
فصل
قال عكرمة: واذكر ربَّك، إذا غضبت.
وقال وهبٌ: مكتوب في الإنجيل «ابن آدمَ، اذكُرنِي حين تغضبُ، أذكرك حينَ أغْضَبُ» .
стр. 7574
وقال الضحاك، والسديُّ: هذا في الصَّلاة المنسيَّة.
قال ابن الخطيب: وتعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القضيَّة، وجعله مستأنفاً يصير الكلام مبتدأ منقطعاً، وذلك لا يجوز.
ثم قال: ﴿وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ وفيه وجوهٌ:
الأول: أن ترك قوله: «إنْ شَاءَ اللهُ» ليس بحسن، وذكره أحسن من تركه، وهو قوله: ﴿لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ المراد منه ذكر هذه الجملة.
الثاني: أنَّه لمَّا وعدهم بشيءٍ، وقال معه (إن شاء الله تعالى) فيقول: عسى أن يهديني ربِّي لشيءٍ أحسن وأكمل مما وعدتُّكم به.
الثالث: أن قوله: ﴿عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ إشارة إلى قصَّة أصحاب الكهف، أي: لعلَّ الله يؤتيني من البيِّنات والدلائل على صحَّة نبوَّتي وصدقي في ادِّعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة، وأقرب رشداً من قصَّة أصحاب الكهف، وقد فعل الله ذلك حين آتاهُ من قصص الأنبياء، والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك.
стр. 7575
قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعاً﴾ .
قال قتادة: هذا من كلام القوم؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى أن قال: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ﴾ أي: إنَّ أولئك الأقوام، قالوا ذلك، ويؤيِّده قوله تعالى بعده ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ وهذا يشبهُ الردَّ على الكلام المذكور قبله.
ويؤيِّده أيضاً ما ورد في مصحف عبد الله: (وقالوا ولبثوا في كهفهم) .
وقال آخرون: هو كلام الله تعالى أخبر عن كميَّة هذه المدَّة.
стр. 7576
وأما قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فهو كلامٌ تقدَّم، وقد تخلَّل بينه وبين هذه الآية ما يوجبُ انقطاع أحدهما عن الآخر، وهو قوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَاّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ [الكهف: ٢٢] .
وقوله تعالى: ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ لا يوجب أنَّ ما قبله حكاية؛ لأنَّه تعالى أراد بل الله أعلم بما لبثوا، فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب، والمعنى أن الأمر في مدَّة لبثهم، كما ذكرنا، فإن نازعوك فيها، فأجبهم فقل: ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ أي: فهو أعلم منكم، وقد أخبر بمدَّة لبثهم.
وقيل: إنَّ أهل الكتاب قالوا: إنَّ المدَّة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائة وتسع سنين، فردَّ الله عليهم، وقال: ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا، لا يعلمه إلَاّ الله.
قوله: ﴿ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ : قرأ الأخوان بإضافة «مِئةِ» إلى «سنين» والباقون بتنوين «مِئةٍ» .
فأمَّا الأولى: فأوقع فيها الجمع موقع المفرد؛ كقوله: ﴿بالأخسرين أَعْمَالاً﴾ [الكهف: ١٠٣] . قاله الزمخشريُّ يعني أنه أوقع «أعْمَالاً» موقع «عملاً» وقد أنحى أبو حاتمٍ على هذه القراءة ولا يلتفت إليه، وفي مصحف عبد الله «سنة» بالإفراد، وبها قرأ أبيّ، وقرأ الضحاك «سِنُونَ» بالواو على أنها خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هي سنُونَ.
وأمَّا الباقون، فلما لم يروا إضافة «مِئَة» إلى جمعٍ، نَوَّنُوا، وجعلوا «سِنينَ» بدلاً من «ثَلاثمائةٍ» أو عطف بيان.
قال البغويُّ: فإن قيل لِمَ قال: «ثلاثمائة سنين» ولم يقل سنة؟ فالجواب، لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ﴾ فقالوا: أيَّاماً، أو شهوراً، أو سنين، فنزلت «سنين» .
وقال الفراء: من العرب من يضع «سنين» موضع سنة.
ونقل أبو البقاء أنها بدل من «مِئَةٍ» لأنها في معنى الجمع. ولا يجوز أن يكون «سِنينَ» في هذه القراءة تمييزاً؛ لأنَّ ذلك إنما يجيء في ضرورةٍ مع إفرادِ التمييز؛ كقوله:
٣٥٠٧ - أ - إذَا عَاشَ الفَتَى مِئَتيْنِ عَاماً ... فَقدْ ذَهبَ اللَّذاذَةُ والفَتَاءُ.
стр. 7577
فصل
قيل: المعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ .
قال الكلبيُّ: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما التسع، فلا علم لنا بها، فنزلت: ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ .
روي عن عليٍّ ﵁ أنه قال: عند أهل الكتاب: أنَّهم لبثُوا ثَلاثمائَةٍ شَمْسيَّة، والله تعالى ذَكرَ ثَلاثمَائةِ سنةٍ قمريَّة، والتَّفاوتُ بين الشَّمسية والقمريَّة في كلِّ مائةِ سنةٍ ثلاث سنين، فيكونُ ثَلاثمائَةٍ، وتِسْع سنينَ، فَلذلِكَ قال: «وازْدَادُوا تِسْعاً» .
قال ابن الخطيب: وهذا مشكلٌ؛ لأنه لا يصحُّ بالحساب، فإن قيل: لِمَ لا قيل: ثلاثمائة، وتسع سنين؟ .
وما الفائدة في قوله: «وازْدَادُوا تِسْعاً» ؟ .
فالجواب: أن يقال: لعلَّهم لما استكمل لهم ثلاثمائة سنة، قرب أمرهم من الانتباه، ثمَّ اتفق ما أوجب [بقاءهم في النَّوم] تسع سنين.
قوله: «تِسْعاً» أي: تسع سنين، حذف المميِّز؛ لدلالةِ ما تقدَّم عليه؛ إذ لا يقال: عندي ثلاثمائة درهم وتسعة، إلا وأنت تعني: تسعة دراهم، ولو أردتَّ ثياباً ونحوها، لم يجزْ؛ لأنه إلغازٌ، و «تِسْعاً» مفعولٌ به، وازداد: افتعل، أبدلت التاء دالاً بعد الزاي، وكان متعدِّياً لاثنين؛ نحو: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ، فلما بني على الافتعال، نقص واحداً.
وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «تسعاً» بفتح التاء كعشرٍ.
قوله: ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدَّة من الناس الذين اختلفوا فيها؛ لأنَّه إله السموات والأرض ومدبِّر العالم له غيبُ السَّموات والأرض.
والغَيْبُ: ما يغيب عن إدراكك، والله - تعالى - لا يغيبُ عن إدراكه شيءٌ، ومن كان عالماً بغيب السموات والأرض، يكون عالماً بهذه الواقعة، لا محالة.
قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ : صيغة تعجُّب بمعنى «مَا أبْصرَهُ» على سبيل المجاز، والهاء لله تعالى، وفي مثل هذا ثلاثة مذاهب: الأصح: أنه بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، والباء مزيدة
стр. 7578
في الفاعل؛ إصلاحاً للفظ أي ما أبصر الله بكلِّ موجودٍ، وأسمعه بكلِّ مسموعٍ.
والثاني: أنَّ الفاعل ضمير المصدر.
والثالث: أنه ضمير المخاطب، أي: أوقع أيُّها المخاطب، وقيل: هو أمر حقيقة لا تعجب، وأن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام.
وقرأ عيسى: «أسْمعَ» و «أبْصرَ» فعلاً ماضياً، والفاعل الله تعالى، وكذلك الهاء في «به» ، أي: أبصر عباده وأسمعهم.
وتقدَّم الكلام على هذه الكلمة عند قوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ [البقرة: ١٧٥] .
قوله: ﴿مَا لَهُم﴾ أي: ما لأهلِ السموات والأرض.
قوله: «مِنْ دُونهِ» أي: من دون الله.
قوله: «مِنْ وليٍّ» أي من ناصرٍ.
و «مِنْ وليٍّ» يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ.
قوله: «ولا يُشْرِكُ» قرأ ابن عامر بالتاء والجزم [عطفاً على قوله:
﴿وَلَا تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] وقوله: ﴿واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عسى﴾ ] أي: ولا تشركْ أنت أيها الإنسانُ، والباقون بالياء من تحت، ورفع الفعل، أي: ولا يشرك الله في حكمه أحداً، فهو نفيٌ محضٌ.
فصل في المراد بالحكم في الآية
قيل: الحكم ها هنا علم الغيب، أي: لا يشركُ في علم غيبه أحداً.
وقرأ مجاهد وقتادة: «ولا يُشرِكْ» بالياء من تحت والجزم.
قال يعقوب: «لا أعرف وجهه» . قال شهاب الدين: وجهه أنَّ الفاعل ضميرُ الإنسان، أضمر للعلم به.
والضمير في قوله «مَا لهُمْ» يعود على معاصري رسول الله ﷺ َ، قال ابن عطية: «وتكون الآية اعتراضاً بتهديد» كأنَّه يعني بالاعتراض: أنهم ليسوا ممَّن سيق الكلام لأجلهم، ولا يريد الاعتراض الصِّناعي.
فصل
قوله: ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ .
стр. 7579
قيل: ما لأصحاب الكهف من دون الله وليٌّ؛ فإنَّه هو الذي يتولَّى حفظهم في ذلك النَّوم الطَّويل.
وقيل: ليس لهؤلاءِ القوم المختلفين في مدَّة لبث أصحاب الكهف وليٌّ من دون الله، يتولَّى أمرهم، ويقيم لهم تدبير أنفسهم، فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه، فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير إعلامه؟! .
فصل
واختلفوا في زمن أصحاب الكهف وفي مكانهم، فقيل: كانوا قبل موسى ﵊ ُ - وأنَّ موسى ﷺ َ ذكرهم في التَّوراة، فلهذا سأل اليهودُ رسول الله ﷺ َ عن قصَّتهم.
وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح، وأخبر المسيحُ بخبرهم، ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى، وبين محمد ﷺ َ.
وقيل: إنَّهم دخلوا الكهف بعد الميسح، حكى هذا القول القفَّال عن محمد بن إسحاق، وذكر أنهم لم يموتوا، ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وأمَّا مكان الكهف، فحكى القفَّال عن محمد بن موسى الخُوارزميِّ المنجم: أن الواثق أنفذه؛ ليعرف حال أصحاب الكهف من ملك الرُّوم، قال: فوجَّه ملكُ الرُّوم معي أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه.
وقيل: إنَّ الرجل قال: إنَّ الرجل الموكَّل بذلك الموضع فزَّعني من الدُّخول عليهم، قال: فدخلت فرأيت الشُّعور على صدورهم.
قال: وعرفت أنَّ ذلك تمويهٌ واحتيالٌ، وأنَّ الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة؛ لتصونها عن البلاء؛ كالتلطيخ بالصَّبر وغيره.
قال القفَّال: والذي عندنا أنَّ موضع أصحاب الكهف لا يعرف، ولا عبرة بقول أهل الرُّوم، وذكر الزمخشري عن معاوية «أنَّه لما غزا الرُّومَ، فمرَّ بالكهف، فقال: لو كشف عن هؤلاء، ننظر إليهم، فقال له ابن عباس: أيُّ شيءٍ لك في ذلك؟ قد منع الله من هو خيرٌ منك، فقال: ﴿لَو اطَّلعتَ عَليْهِمْ، لولَّيتَ مِنهُمْ فِراراً، ولمُلِئْتَ مِنهُمْ رُعْباً﴾ .
فقال: لا أنتهي عن ذلك، حتَّى أعلم حالهم، فبعث أناساً، فقال: اذهبوا، فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً، [فأخرجتهم] » .
فصل
قال ابن الخطيب: والعلم بذلك الزَّمان، وذلك المكان، ليس للعقل فيه مجالٌ،
стр. 7580
وإنما يستفاد ذلك من نصٍّ، وهو مفقودٌ؛ فثبت أنَّه لا سبيل إليه.
قال ابن الخطيب: هذه السورة الثلاث اشتملت كلُّ واحدة منها على حصول حالةٍ غريبةٍ عجيبةٍ نادرةٍ في هذا العالم: سورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بالجسد الشريف ﷺ َ من مكة إلى الشَّام، وهي حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدَّة ثلاثمائة سنةٍ، وأزيد، وهي أيضاً حالة عجيبة وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب، وهي أيضاً حاله غريبة والمعتمد في بيان هذه العجائب، والغرائب المذكورة: أنَّه تعالى قادر على كلِّ الممكنات، عالمٌ بجميع المعلومات من الجزئيات والكليَّات، فإنَّ كلَّ ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات.
وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث، ولما كان قادراً على الكل وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن، فكذلك بقاؤهُ مدة ثلاثمائة سنةٍ، يوجب أن يكون ممكناً، بمعنى: أن إله العالم يحفظه عن الآفةِ.
وأما الفلاسفةُ فإنهم يقولون: لا يبعد وقوع أشكالٍ فلكية غريبة توجب في عالم الكون والفساد حصول أحوالٍ غريبة نادرة، وذكر أبو علي بن سفيان في «باب الزَّمان» من كتاب «الشِّفا» أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المباطيل حالةٌ شبيهة بأصحاب الكهف.
قال ابن سينا: ويدلُّ التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف.
قوله تعالى: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ الآية.
اعلم أن كفَّار قريش اجتمعوا، وقالوا لرسول الله ﷺ َ: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الذين آمنوا بك، فنهاهُ الله عن ذلك، وبيّن في هذه الآيات أنَّ الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب شيئاً واحداً، وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه، ولا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنتهم، فقال: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي التزم قراءة الكتاب الذي أوحي إليك والزم العمل به ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا مغيِّر للقرآن، وهذه آية تدل على أنه لا يجوز تخصيص النصِّ بالقياس؛ لأن معنى الكلام: الزم العمل بمقتضى هذا الكتاب، وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره.
فإن قيل: فيجب ألا يتطرَّق النسخ إليه أيضاً.
فالجواب: أن هذا مذهبُ أبي مسلم الأصفهاني، وليس ببعيد، وأيضاً فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديلٍ؛ لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ، فالناسخ
стр. 7581
كالمغاير، فكيف يكون تبديلاً؟ ثم قال: ﴿ولن تَجدِ مِنْ دُونهِ مُلتحداً﴾ أي: ملجأ، قال أهل اللغة: هو من لحد وألحد: إذا مال، ومنه قوله
﴿الذين يُلْحِدُونَ﴾ [فصلت: ٤٠] والملحدُ: الماثل عن الدِّين.
قال ابن عباس: حرزاً.
وقال الحسن: مدخلاً.
وقال مجاهد: ملجأ.
وقيل: ولن تجد من دونه ملتحداً في البيان والإرشاد.
قوله: ﴿واصبر نَفْسَكَ﴾ أي: احبسها وثبتها قال أبو ذؤيب: [الكامل]
٣٥٠٧ - ب - فَصَبرْتُ نَفْساً عِنْدَ ذلِكَ حُرَّة ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبانِ تَطلَّعُ
وقوله: «بالغَداةِ» تقدَّم الكلام عليها في الأنعام.
فصل في نزول الآية
نزلت في عيينة بن حصن الفزاريِّ، أتى النَّبي ﷺ َ قبل أن يسلم، وعنده جماعةٌ من الفقراءِ فيهم سلمان، وعليه شملةٌ قد عرق فيها، وبيده خوصةٌ يشقها، ثم ينسجها؛ فقال عيينة للنبي ﷺ َ: أما يؤذيكَ ريحُ هؤلاء؟ ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا، أسلم الناس، وما يمنعنا من اتِّباعِكَ إلَاّ هؤلاء، حتى نتبعك، واجعل لنا مجلساً، ولهم مجلساً، فأنزل الله تعالى: ﴿واصبر نَفْسَكَ﴾ ، أي: احبسْ يا محمد نفسك ﴿مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ طرفي النَّهار، ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يريدون الله، لا يريدون به عرضاً من الدنيا.
وقال قتادة: نزلت في أصحاب الصُّفة، وكانوا سبعمائة رجلٍ فقراء في مسجد رسول الله ﷺ َ لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع، يصلُّون صلاة، وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية، قال النبيُّ ﷺ َ: «الحمد لله الذي جعل في أمَّتي من أمرتُ أن أصبر نفسي معهم» . وهذه القصة منقطعة عما قبلها، وكلامٌ مفيدٌ مستقلٌّ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي﴾ [الأنعام: ٥٢] ففي تلك الآية نهى الرسول ﵇ عن طردهم، وفي هذه الآية أمرهُ بمجالستهم والمصابرة معهم.
فصل في قراءات الآية
قرأ ابن عامر بالغداة والعشيّ، بضمِّ الغين، والباقون بالغَداة، وهما لغتان، فقيل:
стр. 7582
المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كلِّ الأوقاتِ كقول القائل: ليس لفلانٍ عمل بالغداة والعشيِّ إلَاّ شتم الناس، وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر.
وقيل: المراد الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النَّوم إلى اليقظة، ومن اليقظة إلى النَّوم.
قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن مفعوله محذوف، تقديره: ولا تعد عيناك النظر.
والثاني: أ، هـ ضمِّن معنى ما يتعدَّى ب «عَنْ» قال الزمخشريُّ: «يقال: عدَّاه، أي: جاوزه فإنما عدِّي ب» عَنْ «لتضمين» عَدا «معنى نبا وعلا في قولك: نَبتْ عنه عينه، وعلتْ عنه عينه، إذا اقتحمته، ولم تعلق به، فإن قيل: أي غرضٍ في هذا التضمين؟ وهلَاّ قيل: ولا تعدهم عيناك، أو: ولا تعل عيناك عنهم؟ فالجواب: الغرض منه إعطاءُ مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى [فذٍّ] ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك متجاوزتين إلى غيرهم، ونحوه
﴿وَلَا
تأكلوا
أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ، أي: لا تضمُّوها إليها آكلين لها «.
وردَّه أبو حيان: بأنَّ مذهب البصريين أن التضمين لا ينقاس، وإنما يصار إليه عند الضرورة، فإذا أمكن الخروج عنه، فلا يصار إليه.
وقرأ لحسن» ولا تُعدِ عَينَيْكَ «من أعدى رباعيًّا، وقرأ هو، وعيسى، والأعمش» ولا تُعدِّ «بالتشديد، من عدَّى يعدِّي مضعفاً، عدَّاه في الأولى بالهمزة، وفي الثانية بالتثقيل؛ كقول النابغة: [البسيط]
٣٥٠٨ - فَعدِّ عَمَّا تَرَى إذْ لا ارتِجاعَ لهُ ... وانْمِ القُتودَ على عَيْرانةٍ أجُدِ
كذا قال الزمخشري، وأبو الفضل، وردَّ عليهما أبو حيان: بأنه لو كان تعدِّيه في هاتين القراءتين بالهمزة، أو التضعيف، لتعدَّى لاثنين؛ لأنه قبل ذلك متعد لواحد بنفسه، وقد أقرَّ الزمخشري بذلك؛ حيث قال:» يقال: عداهُ إذا جاوزه، وإنَّما عدِّي ب «عن» لتضمنه معنى علا، ونبا «فحينئذٍ يكون» أفْعلَ «و» فعَّل «ممَّا وافقا المجرَّد وهو اعتراضٌ حسنٌ.
فصل
يقال: عدَّاه، إذا جاوزه، ومنه قولهم: عدا طورهُ، وجاءني القومُ عدا زيداً؛ لأنَّها تفيد المباعدة، فكأنَّه تعالى نهى نبيَّه عن مباعدتهم، والمعنى: لا تزدري فقراء المؤمنين،
стр. 7583
ولا تثني عينيك عنهم؛ لأجل مجالسته الأغنياء.
ثم قال:» تُريدُ «جملة حالية، ويجوز أن يكون فاعل» تريدُ «المخاطب، أي: تريد أنت، ويجوز أن يكون ضمير العينين، وإنما وحِّد؛ لأنهما متلازمان يجوز أن يخبرَ عنهما خبر الواحد، ومنه قول امرئ القيس: [الهزج]
٣٥٠٩ - لِمَنْ زُحلوفَةٌ زُلُّ ... بِهَا العَيْنانِ تَنهَلُّ
وقول الاخر: [الكامل]
٣٥١٠ - وكَأنَّ في العَيْنينِ حبَّ قَنْفُلٍ ... أو سُنْبُلاً كُحلَْ بِهِ فانهَلَّتِ
وفيه غير ذلك، ونسبة الإرادة إلى العينين مجازٌ، وقال الزمخشري:» الجملة في موضع الحال «قال أبو حيان:» وصاحبُ الحال، إن قدِّر «عَيْناكَ» فكان يكون التركيبُ: يريدان «. قال شهاب الدين: غفل عن القاعدة المتقدِّمة: من أنَّ الشيئين المتلازمين يجوز أن يخبر عنهما إخبار الواحد، ثم قال:» وإن قدَّر الكاف، فمجيءُ الحال من المجرورِ بالإضافة نحو هذا فيه إشكالٌ؛ لاختلاف العامل في الحال، وذي الحال، وقد أجاز ذلك بعضهم، إذا كان المضاف جزءاً أو كالجزءِ، وحسَّن ذلك أنَّ المقصود هو نهيه ﵊ ُ - وإنما جيء بقوله «عَيْناكَ» والمقصود هو؛ لأنَّهما بهما تكونُ المراعاة للشخص والتلفُّتُ له «.
قال شهاب الدين: وقد ظهر لي وجهٌ حسنٌ، لم أر غيري ذكره: وهو أن يكون» تَعْدُ «مسنداً لضمير المخاطب ﷺ َ، و» عَيْناَ «بدلا من الضمير، بدل بعض من كل، و» تُرِيدُ «على وجهيها من كونها حالاً من» عَيْناكَ «أو من الضمير في» تَعْدُ «إلا أن في جعلها حالاً من الضمير في» ولا تعدُ «ضعفاً؛ من حيث إنَّ مراعاة المبدل منه بعد ذكر البدل قليلٌ جدًّا، تقول:» الجاريةُ حسنها فاتنٌ «ولا يجوز» فَاتِنةٌ «إلَاّ قليلاً، كقوله:
٣٥١١ - أ - فَكَأنَّهُ لَهِقُ السَّراة كأنَّهُ ... مَا حَاجِبَيْهِ مُعيَّنٌ بِسوَادِ
فقال: «مُعيَّنٌ» مراعاة للهاء في «كَأنَّه» وكان الفصيحُ أن يقول: «مُعيَّنانِ» مراعاة لحاجبيه الذي هو البدل.
فصل
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾ ، أي تطلب مجالسة الأغنياء، والأشراف، وصحبة أهل الدنيا، ولما جاء أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى قول الأغنياء والمتكبرين، فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ يعني عيينة بن حصين، وقيل: أميَّة بن
стр. 7584
خلف، ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ في طلب الشَّهوات ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ قال قتادة ومجاهد: ضياعاً.
وقيل: ندماً، وقال مقاتلٌ: سرفاً.
وقال الفراء: متروكاً.
وقيل: باطلاً.
وقال الأخفش: مجاوزاً للحدِّ.
قوله: «أغْفَلنَا قَلبَهُ» العامة على إسناد الفعل ل «ن» و «قلبهُ» مفعول به.
وقرأ عمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى الأسواري بفتح اللام، ورفع «قَلبهُ» أسندوا الإغفال إلى القلب، وفيه أوجهٌ، قال ابن جنِّي: من ظنَّنا غافلين عنه. وقال الزمخشريُّ: «من حَسِبنَا قلبُه غافلينَ، من أغفلته، إذا وجدته غافلاً» . وقال أبو البقاء: فيه وجهان:
أحدهما: وجدها قلبه معرضين عنه.
والثاني: أهمل أمرنا عن تذكُّرنا.
قوله: «فرطاً» يحتمل أن يكون وصفاً على «فعل» كقولهم: «فَرسٌ فرط» ، أي: متقدِّمٌ على الخيل، وكذلك هذا، أي: متقدِّماً للحقِّ، وأن يكون مصدراً بمعنى التفريط، أو الإفراط، قال ابن عطيَّة: الفرط: يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتَّضييع، أي: أمرهُ الذي يجب أن يلزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف.
قال الليث: الفرط: الأمرُ الذي يفرط فيه، يقال: كلُّ أمر فلانٍ فرطٌ، وأنشد: [الهزج]
٣٥١١ - ب - لَقدْ كَلَّفْتنِي شَطَطَا ... وأمْراً خائباً فُرُطا
فصل
دلَّت هذه الآية على أنذَه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهَّال.
قالت المعتزلة: المراد بقوله: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ : وجدنا قلبه غافلاً، وليس المراد منه: خلق الغفلة.
ويدلُّ عليه ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيديِّ أنَّه قال لبني سليم: «قَاتَلنَاكُمْ فَما أجَبْنَاكُمْ، وسَألناكُمْ فَما أبْخَلْناكُمْ، وهَجرْنَاكُمْ فمَا أفْحَمناكُمْ» أي ما وجدناكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين.
стр. 7585
وحمل اللفظ على هذا المعنى أولى؛ لوجوه:
الأول: لو كان كذلك، لما استحقُّوا الذمَّ.
الثاني: أنه قال بعد هذه الآية ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه، لما صحَّ ذلك.
الثالث: أنه لو خلق الغفلة في قلبه، لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، فاتبع هواهُ؛ لأن على هذا التقدير: يكون ذلك من أفعالش المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاءِ، لا بالواو، يقال: كسرتهُ، فانكسر، ودفعته فاندفع، ولا يقال: وانكسر، واندفع.
الرابع: قوله: ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ فلو أغفل قلبهم في الحقيقة، لم يجز أن يضاف ذلك إلى ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ .
والجواب عن الأول من وجهين:
الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل، فوجب أن يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، وجعله حقيقة ف يالتكوين، مجازاً في الوجدان أولى من العكس؛ لوجوه:
أحدها: مجيءُ بناءِ الأفعال بمعنى التَّكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان، والكثرة دليلٌ على الرُّجحان.
وثانيها: أن مبادرة الفهم من هذا البناءِ إلى التَّكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان، ومبادرة الفهم دليل الرجحان.
وثالثها: إنَّ جَعْلَنا إيَّاه حقيقة في التكوين أمكن من جعله مجازاً عن الوجدان؛ لأنَّ العلم بالشيء تابعٌ لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوعِ مجازاً في التَّبع موافقٌ للمعقول، أمَّا لو جعلناه حقيقة ف يالوجدان، مجازاً في الإيجاد، لزم جعله حقيقة في التَّبع مجازاً في الأصل، وهو عكسُ المعقول.
والوجه الثاني من الجواب: سلَّمنا كون اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان، إلَاّ أنَّا نقول: يجب حمل قوله: «أغْفَلْنَا» على إيجاد الغفلة؛ لأنَّ الدليل دلَّ على أنَّه يمتنع كون العبدُ موجداً للغفلة في نفسه؛ لأنَّه إذا حاول إيجاد الغفلة، فإمَّا أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة، أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معيَّن، والأول باطلٌ، وإلَاّ لم يكن حصول الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن يحصل له الغفلة عن شيءٍ آخر؛ لأنَّ الطبيعة المشتركة فيها بين الأنواعِ الكثيرةِ تكون نسبتها إلى كلِّ تلك [الأنواع] على السويَّة.
والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ الغفلة عبارةٌ عن غفلة لا تمتاز عن سائر الأقسام، إلَاّ
стр. 7586
بكونها منتسبة غلى ذلك الشيء المعيَّن بعينه، فعلى هذا: لا يمكن أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا، إلَاّ إذا تصوَّر العلم أن كون تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصوَّر تلك الغفلة غفلة عن كذا إلَاّ إذا تصوَّر كذا؛ لأنَّ العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروطٌ بتصوُّر كلِّ واحد من المنتسبين؛ فثبت أنَّه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة، إلَاّ عند الشعور بكذا، لكن الغفلة عن كذا ضدُّ الشعور بكذا؛ فثبت أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلَاّ عند اجتماع الضدين، وذلك محالٌ، والموقوف على المحال محالٌ، فثبت أنَّ العبد غير قادرٍ على إيجاد الغفلة؛ فوجب أن يكون خالقُ الغفلة وموجدها في العباد هو الله تعالى، وأما المدحُ والذمُّ فمعارضٌ بالعلم والدَّاعي، وقد تقدَّم.
وأما قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] فسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى.
وأما قولهم: لو كان المراد إيجاد الغفلة، لوجب ذكر الفاء، فهذا إنَّما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتِّباع الشَّهوة والهوة، كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى؛ لاحتمال أن يصير غافلاً عن ذكر الله، ولا يتَّبع الهوى، بل يبقى متوقِّفاً حيراناً مدهوشاً خائفاً.
وذكر القفَّال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوهاً:
أحدها: أنه تعالى، لما صبَّ عليهم الدنيا صبًّا، وأدَّى ذلك إلى حصول الغفلة في قلوبهم، صحَّ أن يقال: إنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلَاّ فِرَارا﴾ [نوح: ٦] .
وثانيها: أن معنى ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ أي: تركناه، فلم نسمهُ بسمةِ أهل الطَّهارة والتقوى.
وثالثها: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ أي خلَاّه مع الشيطان، ولم يمنعه منه. والجواب عن الأول: أنَّ فتح أبواب لذَّات الدنيا عليه، هل يؤثِّر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر؟ فإن أثر، كان أثر إيصال اللذَّات إليه سبباً لحصول الغفلة في قلبه، وذلك عينُ القول بأنه فعل الله، أي: فعل ما يوجب الغفلة في قلبه، وإن لم يؤثِّر في حصول الغفلة، فبطل إسناده غليه، وعلى الثاني وهو أنَّه بمعنى تركناه فهو لا يفيدُ إلَاّ ما ذكرناه.
وعن الثالث: إن كانت للتَّخلية؛ بمعنى حصول تلك الغفلة، فهو قولنا، وإلَاّ بطل إسناد تلك الغفلة إلى الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.
стр. 7587
في تقرير النَّظم وجوهٌ:
الأول: أنه تعالى، لمَّا أمر رسوله ألا يلتفت إلى قول الأغنياء، قال: ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآية أي: قل لهؤلاء: هذا الدِّين الحق من عند الله تعالى، فإن قبلتموه، عاد النَّفع عليكم، وإن لم تقبلوهُ، عاد الضَّرر إليكم، ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى.
والثاني: أنَّ المراد أنَّ الحقَّ ما جاء من عند الله، والحقَّ الذي جاءنا من عنده أن أصير نفسي مع هؤلاء الفقراء، ولا أطردهم، ولا ألتفت إلى الرؤساء، [ولا أنظر إلى] أهل الدنيا.
والثالث: أن يكون المراد هو أنَّ الحقَّ الذي جاء من عند الله ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وأنَّ الله تعالى لم يأذن في طرد أحدٍ ممَّن آمن وعمل صالحاً؛ لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار.
فإن قيل: أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهمِّ، وطرد أولئك الفقراء لا يوجب إلَاّ سقوط حرمتهم، وهذا ضررٌ قليلٌ.
وأما عدم طردهم، فإنَّه يوجبُ بقاء الكفَّار على الكفر] ، لكن من ترك الإيمان؛ حذراً من مجالسة الفقراء، فإنَّ إيمانهُ ليس بإيمان، بل هو نفاقٌ؛ فيجب على العاقل ألَاّ يلتفت إلى من هذا حاله.
الرابع: قل يا محمد للَّذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: يا أيُّها الناس، من ربكم الحقُّ، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضَّلال، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، وقد بعثتُ إلى الفقراءِ والأغنياء ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وهذا على طريق التهديد والوعيد، كقوله ﴿اعملوا مَا شِئْتُم﴾ [فصلت: ٤٠] والمعنى: لست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم، فآمنوا، وإن شئتم، فاكفروا.
قال ابن عبَّاس: معنى الآية: من شاء الله له الإيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، كفر.
فصل
قالت المعتزلة: هذه الآية صريحةٌ في أنَّ الإيمان والكفر والطاعة والمعصية باختيار العبد.
قال ابن الخطيب: وهذه الآية من أقوى الدَّلائلِ على صحَّة مذهب أهل السُّنَّة؛ لأنَّ الآية صريحةٌ في أنَّ حصول الإيمان، وحصول الكفر موقوفان على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر، وصريح العقل يدلُّ على أنَّ الفعل الاختياريَّ يمتنع حصوله بدون القصد إليه، وبدون الاختيار.
стр. 7588
وإذا عرفت هذا، فنقول: حصول ذلك القصد والاختيار، إن كان بقصدٍ آخر يتقدَّمه، لزم أن يكون كلُّ قصدٍ واختيارٍ مسبوقاً بقصدٍ آخر، واختيارٍ آخر إلى غير نهاية، وهو محالٌ؛ فوجب انتهاء ذلك القصد والاختيار إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة، وعند حصول ذلك القصد الضروريِّ، والاختيار الضروريِّ، يجب الفعل؛ فالإنسان شاء أو لم يشأ، فإنه تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعاصي، وإذا حصلت تلك المشيئةُ الجازمةُ، فشاء أو لم يشأ، يجب حصول الفعل، فالإنسان مضطرٌّ في صورة مختار.
فصل
دلَّت الآية على أنَّ صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والدَّاعي محالٌ، وعلى أنَّ صيغة الأمر لا لمعنى الطَّلب في كتاب الله كثيرةٌ.
قال عليٌّ ﵁: هذه الصيغة تهديدٌ ووعيدٌ، وليست تخييراً.
ودلَّت أيضاً على أنَّه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين، ولا يتضرر بكفر الكافرين، بل نفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَ﴾ [الإسراء: ٧] .
قوله: ﴿وَقُلِ الحق﴾ : يجوز فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه خبر لمبتدأ مضمرٍ، أي: هذا، [أي] القرآن، أو ما سمعتم الحقُّ.
الثاني: أنه فاعل بفعلٍ مقدرٍ، دلَّ عليه السياقُ، أي: جاء الحق، كما صرَّح به في موضع آخر [في الآية ٨١ من الإسراء] ، إلَاّ أنَّ الفعل لا يضمر إلَاّ في مواضع تقدَّم التنبيه عليها، منها: أن يجاب به استفهام، أو يردَّ به نفي، أو يقع بعد فعلٍ مبني للمفعول، لا يصلح إسناده لما بعده؛ كقراءة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٦] كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره الجار بعده.
وقرأ أبو السمال قعنب: «وقُلُ الحقَّ» بضم اللام؛ حيث وقع، كأنه إتباعٌ لحركة القاف، وقرأ أيضاً بنصب «الحقَّ» قال صاحب «اللَّوامح» : «هو على صفة المصدر المقدَّر؛ لأنَّ الفعل يدلُّ على مصدره، وإن لم يذكر، فينصبه معرفة، كما ينصبه نكرة، وتقديره: وقل القول الحقَّ، وتعلق» مِنْ «بمضمرٍ على ذلك، أي: جاء من ربكم» انتهى.
وقرأ الحسن والثقفي بكسر لامي الأمر، في قوله: «فليُؤمِنْ» و «فَليَكْفُرْ» وهو الأصل.
стр. 7589
قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن﴾ يجوز في «مَنْ» أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، والفاء لشبهه بالشرط، وفاعل «شَاءَ» : الظاهر أنه ضمير يعود على «مَنْ» وقيل: ضمير يعود على الله، وبه فسَّر ابن عباس، والجمهور على خلافه.
قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾ أعددنا وهيَّأنا، من العتاد، ومن العدَّة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ للكافرين، أي: لمن ظلم نفسه، ووضع العبادة في غير موضعها.
واعلم أنَّه تعالى، لمَّا وصف الكفر والإيمان، والباطل والحق، أتبعه بذكر الوعيد على الكفر، وبذكر الوعد على الإيمان، والعمل الصَّالح.
قوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ في محل نصبٍ، صفة ل «ناراً» والسُّرادِقُ: قيل: ما أحاط بشيءٍ، كالمضرب والخباءِ، وقيل للحائط المشتمل على شيء: سُرادق، قاله الهوريّ، وقيل: هو الحجرة تكون حول الفسطاطِ، وقيل: هو ما يمدُّ على صحنِ الدار، وقيل: كل بيتٍ من كرسفٍ، فهو سرادق، قال رؤبة: [الرجز - السريع]
٣٥١٢ - يَا حكمُ بْنَ المُنذِرِ بْنِ الجَارُودْ ... سُرَادِقُ المَجْدِ عَليْكَ مَمدُودْ
ويقال: بيت مسردقٌ، قال الشاعر: [الطويل]
٣٥١٣ - هو المُدخِلُ النُّعْمانَ بيْتاً سَماؤهُ ... صُدورُ الفُيولِ بعد بيتِ مُسرْدَقِ
وكان أبرويز ملك الفرس قد قتل النعمان بن المنذر تحت أرجُلِ الفيلةِ، والفيول: جمع فيلٍ، وقيل: السُّرادقُ: الدِّهليزُ، قال الفرزدق: [الطويل]
٣٥١٤ - تَمنَّيْتهُمْ حتَّى إذا مَا لَقِيتَهُم ... تَركْتَ لَهُم قَبْلَ الضِّرابِ السُّرادِقَا
والسُّرادِقُ: فارسي معرب، أصله: سرادة، قاله الجواليقيُّ، وقال الراغب: «السُّرادِقُ فارسيٌّ معربٌ، وليس في كلامهم اسم مفرد، ثالث حروفه ألفٌ بعدها حرفان» .
فصل
أثبت تعالى للنَّار شيئاً شبيهاً بالسرادقِ تحيط بهم من سائرِ الجهاتِ، والمراد: أنهم لا مخلص لهم فيها، ولا فُرجة، بل هي محيطة بهم من كلِّ الجوانب.
وقيل: المراد بهذا السُّرادق الدخان الذي وصفه الله تعالى في قوله: ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَب﴾ [المرسلات: ٣٠] .
стр. 7590
وقالوا: هذه الإحاطة بهم إنَّما تكون قبل دخولهم، فيحيط بهم هذا الدخان كالسرادق حول الفسطاط.
وروى أبو سعيد الخدريُّ عن النبي ﷺ َ قال: «سُرادِقُ النَّارِ أربعةُ جُدُرٍ، كِثفُ كلِّ جدارٍ مَسِيرةُ أرْبعِينَ سنةً» .
وقال ابن عبَّاس: السُّرادِقُ حائط.
قوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ ، أي: يطلبوا الغوث، والياء عن واوٍ؛ إذ الأصل: يستغوثوا، فقلبت الواو ياء كما تقدم في قوله:
﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٢] وهذا الكلام من المشاكلة والتَّجانس، وإلَاّ فأيُّ إغاثةٍ لهم في ذلك؟ أو من باب التهكُّم؛ كقوله: [الوافر]
٣٥١٥ - ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وجيعُ
وهو كثيرٌ.
وقوله: «كالمُهْل» صفة ل «ماء» والمهلُ: دُرْدِيُّ الزيت، وقيل: ما أذيب من الجواهر كالنحاس والرصاص والذهب والفضة.
وعن ابن مسعود أنَّه دخل بيت المال، وأخرج ذهباً وفضة كانت فيه، وأوقد عليها، حتَّى تلألأتْ، وقال: هذا هو المهل.
وقيل: هو الصَّديد والقيح.
وقيل: ضرب من القطران، والمَهَل بفتحتين: التُّؤدَةُ والوَقارُ، قال: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين﴾ [الطارق: ١٧] .
قوله: «يَشوي الوجوه» يجوز أن تكون الجملة صفة ثانية، وأن تكون حالاً من «ماء» لأنه تخصَّص [بالوصف] ، ويجوز أن تكون حالاً من الجارِّ، وهو الكاف.
والشَّيءُ: الإنضاجُ بالنار من غير مرقةٍ، تكون مع ذلك الشيء المشويِّ.
فصل
روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ َ قال: «بِماءِ كالمُهْلِ» قال: كعكر الزَّيت، فإذا
стр. 7591
قرِّب إليه، سقطت فروة وجهه فيه.
وسئل ابن مسعود عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فأوقد عليهما النَّار، حتَّى ذابا، ثم قال: هذا أشبه شيءٍ بالمهل.
قيل: إذا طلبوا ماء للشُّرب، فيعطون هذا المهل.
قال تعالى: ﴿تصلى نَاراً حَامِيَةً تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٤، ٥] .
وقيل: إنَّهم يستغيثون من حرِّ جهنَّم، فيطلبون ماء يصبونه على وجوههم للتبريد، فيعطون هذا الماء؛ كما حكى عنهم قولهم: ﴿أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء﴾ [الأعراف: ٥٠] .
قوله: ﴿بِئْسَ الشراب﴾ المخصوص محذوف، تقديره: هو، أي: ذلك الماء المستغاث به.
قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ «ساءت» هنا متصرفة على بابها، وفاعلها ضمير النار، ومرتفقاً تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية، أي: ساء، وقبح مرتفقها. والمُرتَفقُ: المُتَّكأ ومنه سمي المرفق مرفقاً؛ لأنه يتكأ عليه، وقيل: المنزل قاله ابن عبَّاس.
وقال مجاهد: مجتمعاً للرُّفقة؛ لأنَّ أهل النَّار يجتمعون رفقاء، كما يجتمع أهل الجنَّة رفقاء.
فأمَّا رفقاء أهل الجنَّة، فهم الأنبياءُ والصِّديقُون والشُّهداء والصالحون ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] .
وأما رفقاء النَّار، فهم الكفَّار والشَّياطين، أي: بئسَ الرفقاءُ هؤلاءِ، وبئس موضعُ الترافق النَّار، كما أنه نعم الرفقاءُ أهل الجنَّة، ونعم موضع الرفقاء الجنَّة، قاله ابن عباس وقيل: هو مصدر بمعنى الارتفاق، وقيل: هو من باب المقابلة أيضاً؛ كقوله في وصف الجنة بعد: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٣١] ، وإلَاّ فأيُّ ارتفاقٍ في النار؟ قال الزمخشري: إلا أن يكون من قوله: [البسيط]
стр. 7592
٣٥١٦ - إنِّي أرِقْتُ قَبِتُّ اللَّيْلَ مُرتفِقاً ... كَأنَّ عينيَّ فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ
فهو يعني من باب التَّهكُّم.
стр. 7593
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
لما ذكر وعيد المبطلين، أردفه بوعد المحقِّين، وهذه الآية تدل على أنَّ العمل الصالح مغايرٌ للإيمان؛ لأنَّ العطف يوجب المغايرة.
قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ : يجوز أن يكون خبر «إنَّ الَّذينَ» والرابط: إمَّا تكرر الظاهر بمعناه، وهو قول الأخفش، ومثله في الصلة جائزٌ، ويجوز أن يكون الرابط محذوفاً، أي: منهم، ويجوز أن يكون الرابط العموم، ويجوز أن يكون الخبر قوله: ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراضاً، قال ابن عطية: ونحوه في الاعتراض قوله: [البسيط]
٣٥١٧ - إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ الله ألبَسهُ ... سِربَالَ مُلكٍ بهِ تُزْجَى الخَواتِيمُ
قال أبو حيَّان: ولا يتعيَّنُ أن يكون «إنَّ الله ألبسَهُ» اعتراضاً؛ لجواز أن يكون خبراً عن «إنَّ الخليفة» . قال شهاب الدين: وابن عطيَّة لم يجعل ذلك معيَّناً بل ذكر أحد الجائزين فيه، ويجوز أن تكون الجملتان - أعني قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ وقوله ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ - خبرين ل «إنَّ» عند من يرى جواز تعدد الخبر، وإن لم يكونا في معنى خبر واحد.
وقرأ الثقفيُّ «لا نُضيِّعُ» بالتشديد، عدَّاه بالتشديد، كما عدَّاه الجمهور بالهمزة.
وقيل: ولك أن تجعل «أولئك» كلاماً مستأنفاً بياناً للأجرِ المبهمِ.
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ ظاهره يقتضي أنَّه
стр. 7594
استوجب المؤمن على الله بحسن عمله أجراً، وعندنا الاستيجاب حصل بحكم الوعد. وعند المعتزلة: بذات الفعل، وهو باطلٌ؛ لأنَّ نعم الله كثيرةٌ، وهي موجبةٌ للشكر والعبوديَّة، فلا يصير الشُّكر والعبودية بموجبٍ لثوابٍ آخر؛ لنَّ أداء الواجب لا يوجبُ شيئاً آخر.
واعلم أنَّه تعالى، لمَّا أثبت الأجر المبهم، أردفه بالتفصيل، فبيَّن أولاً صفة مكانهم، فقال: ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ والعدنُ في اللغة عبارة عن الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به، فيجوز أن يكون المعنى: أولئك لهم جنات إقامة [كما يقال: دار إقامة]
ويجوز أن يكون العدن اسماً [الموضع] معيَّن في الجنَّة، وهو وسطها.
وقوله: «جنَّاتُ» اسم مع، فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ويمكن أ، يكون المراد نصيب كلِّ واحدٍ من المكلَّفين جنَّة على حدةٍ، ثم ذكر أنَّ من صفات تلك الجنات أنَّ الأنهار تجري من تحتها، وذلك لأنَّ أحسن مساكن الدنيا البساتين التي تجري فيها الأنهار، ثمَّ ذكر ثانياً أنَّ لباسهم فيها ينقسم قسمين: لباسُ التستُّر، ولباس التحلِّي.
فأمَّا لباس التحلِّي فقال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ فقيل: على كلِّ واحد منهم ثلاثة أسورة: سوارٌ من ذهبٍ لهذه الآية، وسوار من فضَّة؛ لقوله:
﴿وحلوا
أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] ، وسوار من لؤلؤ؛ لقوله ﴿وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] .
وأمَّا لباسُ التستُّر، فلقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ .
فالأول: هو الدِّيباجُ الرَّقيق.
والثاني: هو الديباجُ الصَّفيق.
وقيل: أصله فارسيٌّ معرَّبٌ، وهو «إستبره» : أي غليظٌ.
قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ : في «مِنْ» هذه أربعة أوجه:
الأوّل: أنها للابتداءِ.
والثاني: أنها للتبعيض.
والثالث: أنها لبيان الجنس، أي: أشياء من أساور.
والرابع: أنها زائدة عند الأخفش؛ ويدلُّ عليه قوله: ﴿وحلوا أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١] . [ذكر هذه الثلاثة الأخيرة أبو البقاء] .
وأساور جمع أسورةٍ، [وأسْوِرَة] جمع سِوار، كحِمار وأحْمِرة، فهو جمع الجمع. وقيل: جمع إسوارٍ، وأنشد: [الرجز]
стр. 7595
٣٥١٨ - واللهِ لَوْلَا صِبْيَةٌ صِغَارُ ... كَأنَّمَا وجُوهُهمْ أقْمَارُ
أخَافُ أنْ يُصِيبَهُمْ إقْتَارُ ... أو لاطِمٌ ليْسَ لهُ إسْوَارُ
لمَّا رَآنِي مَلِكٌ جَبَّارُ ... بِبَابهِ مَا طَلَعَ النَّهارُ
وقال أبو عبيدة: هو جمع «إسوارٍ» على حذف الزيادة، وأصله أساوِيرُ.
وقرأ أبان، عن عاصم «أسْوِرَة» جمع سوارٍ، وستأتي إن شاء الله تعالى في الزخرف [الزخرف: ٣٠] هاتان القراءتان في المتواتر، وهناك يذكر الفرق إن شاء الله تعالى.
والسِّوارُ يجمع في القلَّة على «أسْوِرَةٍ» وف يالكثرة على «سُورٍ» بسكون الواو، وأصلها كقُذلٍ وحُمرٍ، وإنما سكنت؛ لأجل حرف العلَّة، وقد يضمُّ في الضرورة، قال: [السريع]
٣٥١٩ - عَنْ مُبرِقاتٍ بالبُرِينِ وتَبْ ... دُو في الأكُفِّ اللامعاتِ سُورْ
وقال أهل اللغة: السِّوارُ: ما جعل في الذِّراعِ من ذهبٍ، أو فضَّة، أو نحاسٍ، فإن كان من عاج، فهو قلبٌ.
قوله: «مِنْ ذهبٍ» يجوز أن تكون للبيان، أو للتبعيض، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ؛ صفة لأساور، فموضعه جرٌّ، وأن تتعلق بنفس «يُحلَّوْنَ» فموضعها نصبٌ.
قوله: «ويَلْبَسُونَ» عطف على «يُحلَّوْن» وبني الفعل في التحليةِ للمفعول؛ إيذاناً بكرامتهم، وأنَّ غيرهم يفعل بهم ذلك ويزيِّنهم به، كقول امرئ القيس: [الطويل]
٣٥٢٠ - عَرائِسُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمَةٍ ... يُحلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفقَّرا
اللِّبس، فإنَّ الإنسان يتعاطاه بنفسه، وقدِّم التَّحلِّي على اللباس؛ لأنه أشهى للنَّفس.
وقرأ أبان عن عاصم «ويَلْبِسُونَ» بكسر الباء. ﴿مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ «مِنْ» لبيانِ الجنس، وهي نعتٌ لثياب.
والسُّندسُ: ما رقَّ من الدِّيباج، والإستبرق: ما غلظ منه وعن أبي عمران الجونيِّ اقل: السُّندسُ: هو الديباجُ المنسوج بالذَّهب، وهما جمعُ سندسةٍ وإستَبْرقةٍ، وقيل: ليسا جمعين، وهل «إسْتَبْرق» عربيُّ الأصل، مشتقٌّ من البريق، أو معرب أصله إستبره؟ خلاف بين اللغويين. وقيل: الإستبرق اسم للحرير وأنشد للمرقش: [الطويل]
стр. 7596
٣٥٢١ - تَراهُنَّ يَلبَسْنَ المشَاعِر مرَّةً ... وإسْتَبْرَقُ الدِّيباجِ طَوراً لِباسُهَا
وهو صالحٌ لما تقدَّم، وقال ابن حجرٍ: «الإستبرقُ: ما نسج بالذَّهب» .
ووزن سُنْدسٍ: فُعْلُلٌ، ونونه أصليةٌ.
وقرأ ابن محيصن «واستبرق» بوصل الهمزة وفتح القافِ غير منونة، فقال ابن جنِّي: «هذا سهوٌ، أو كالسَّهو» قال شهاب الدين: كأنه زعم أنَّه منعه الصَّرف، ولا وجه لمنعه؛ لأنَّ شرط منع الاسم الأعجمي: أن يكون علماً، وهذا اسم جنسٍ، وقد وجَّهها غيره على أنه جعلها فعلاً ماضياً من «البريق» و «استَفْعَلَ» بمعنى «فعل» المجرد؛ نحو: قرَّ، واستقرَّ. وقال الأهوازيُّ في «الإقناعِ» : «واسْتَبْرَقَ بالوصل وفتح القاف حيث كان لا يصرفه» وظاهر هذا أنه اسم، وليس بفعلٍ، وليس لمنعه وجه؛ كما تقدَّم عن ابن جنِّي، وصاحب «اللوامح» لمَّا ذكر وصل الهمزة، لم يزد على ذلك، بل نصَّ على بقائه منصرفاً، ولم يذكر فتح القاف أيضاً، وقال ابنُ محيصنٍ: «واسْتَبْرَق» بوصل الهمزة في جميع القرآن، فيجوز أنه حذف الهمزة تخفيفاً؛ على غير قياسٍ، ويجوز أنَّه جعله عربيًّا من بَرِق يبرقُ بريقاً، ووزنه استفعل، فلمَّا سمِّي به، عامله معاملة الفعل في وصل الهمزة، ومعاملة التمكين من الأسماء في الصَّرف والتنوين، وأكثر التفاسير على أنَّه عربية، وليس بمستعربٍ، دخل في كلامهم، فأعربوه «.
قوله:» مُتَّكئين «حالٌ، والأرائِكُ: جمع أريكةٍ، وهي الأسرَّة، بشرط أن تكون في الحجالِ، فإن لم تكن لم تسمَّ أريكة، وقيل: الأرائكُ: الفرشُ في الحجالِ أيضاً، وقال الراغب:» الأريكةُ: حجلة على سريرٍ، فتسميتها بذلك: إمَّا لكونها في الأرض متَّخذة من أراك، أو من كونها مكاناً للإقامة؛ من قولهم: أَرَكَ بالمكانِ أروكاً، وأصل الأروكِ الإقامة على رعي الأرَاكِ، ثم تجوز به في غيره من الإقامات «.
وقرأ ابن محيصن» عَلَّرائِكِ «وذلك: أنه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، فالتقى مثلان: لام» على «- فإنَّ ألفها حذفت؛ لالتقاء الساكنين - ولام التعريف، واعتدَّ بحركة النقل، فأدغم اللام في اللام؛ فصار اللفظ كما ترى، ومثله قول الشاعر: [الطويل]
٣٥٢٢ - فَمَا أصْبحَتْ عَلَّرْضِ نفسٌ بَريئةٌ ... ولا غَيْرُهَا إلَاّ سُليْمَانُ نَالهَا
يريد» عَلَى الأرض «وقد تقدَّم قراءة قريبة من هذه أوَّل البقرة:» بما أنزِلَّيكَ «، أي:
стр. 7597
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩] .
قوله
تعالى
: ﴿واضرب
لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: ٥١، ٥٢] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما
стр. 7598
أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي ﷺ َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
٣٥٢٣ - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
стр. 7599
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: ٢٣] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلَا أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلَا أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: ١٢] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
стр. 7600
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: ٩٩] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
٣٥٢٤ - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
٣٥٢٥ - ومَا المَرْءُ إلَاّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: ٣٩] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
٣٥٢٦ - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
следующие страницы →