← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

فصل قال ابن عباس: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها السفينة فأرساها الله بالجبال الثقال. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾ وجهان: أحدهما: أنه (مفعول به) و «سُبُلاً» بدل منه. والثاني: أنه منصوب على الحال من «سُبُلاً» ، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب كقوله: ٣٧١١ - لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ ... يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ ويدل على ذلك مجيئه صفة في قوله تعالى ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ٢٠] . وقال الزمخشري: فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كقوله تعالى: ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ٢٠] ، قلت: لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله: ٣٧١٢ - لعزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ قَدِيمُ ...

стр. 8227

فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قُلْتُ: أحدهما: إعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني: أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة. قال أبو حيان: يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفاً به حالة الإخبار عنه، وإن كان الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال: مررت بوحشيّ القاتل حمزة، وحالة المرور لم يمن قائماً به قتل حمزة. والفَجُّ الطَّرِيقُ الوَاسِعُ، والجمع الفِجَاج. والضمير في «فيها» يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ١٩، ٢٠] . وأن يعود على الرواسي، يعني أنه جعل في الجبال طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرّقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً. وقوله ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله. والمعنى: ليهتدوا إلى البلاد. وقيل: ليهتدوا إلى وحدانية الله بالاستدلال قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء وقد تقدم. وقيل: الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في أصل الاهتداء، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملاً في مفهوميه معاً. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ سميت سقفاً، لأنها كالسقف للبيت، ومعنى «محفوظاً» أي: محفوظاً من الوقوع كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض﴾ [الحج: ٦٥] . وقيل: محفوظاً من الشياطين. قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾ جملة استئنافية، ويضعف جعلها حالاً مقدرة. وقرأ مجاهد وحميد «عَنْ آيَتِهَا» بلفظ الإفراد. دعا الخلق آية وهي مشتملة على آيات، أو أطلق الواحد وأراد به الجنس

стр. 8228

والمعنى: أن الكفار معرضون عما خلق في السماء من الشمس والقمر والاستيضاء بنوريهما، والنجوم والاهتداء بها، وحياة الأرض بأمطارها، وعن كونها آية بينة على وجود الصانع ووحدانيته لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. قوله: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: كل منهما من الشمس والقمر أو منها أي من اليل والنهار والشمس والقمر. و «يَسْبَحُون» يجوز أن يكون خبر «كُلٌّ» على المعنى، و «في فَلَكٍ» متعلق به. ويجوز أن يكون حالاً والخبر «في فَلَكٍ» . وكون المضاف إليه يجوز أن يقدر بالأربعة الأشياء المذكورة ذكره أبو البقاء ولم يذكر غيره، إلا أن المضاف إليه (الشَّمْس والقَمَر) وهو الظاهر، لأن السباحة من صفتهما دون (اللَّيلِ والنَّهَارِ) ، وعلى هذا فيتعذر عن الإتيان بضمير الجمع، وعن كونه جمع من يعقل، أما الأول فقيل: إنما جمع، لأن ثم معطوفاً محذوفاً تقديره: والنجوم كما دلت عليه آيات أخر، فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة يعود هذا الضمير إليها. وقال الزمخشري: الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع مل يوم وليلة جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار. انتهى. والذي حسن ذلك كوته رأس آية. وقال أبو البقاء: و «يسبحون» على هذا الوجه حال، والخبر «في فَلَكٍ» . وقيل: التقدير: وكلها، والخبر «يَسْبَحُونَ» وأتى بضمير الجمع على معنى «كل» . وفي هذا الكلام نظر من حيث أنه لما جوز أن يكون المضاف إليه شيئين جعل الخبر الجار و «يَسْبَحُونَ» حالاً فراراً من عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، فوقع في تخالف الحال وصاحبها. وأما الثاني فلأنه لمَّا أسند إليها السباحة التي هي من أفعال العقلاء جمعها جمع

стр. 8229

العقلاء كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] و ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . قال الزمخشري: والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه أي: كلهم. ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وهذه الجملة يجوز أن يكون محلها النصب على الحال من «الشمس والقمر» . فإن قلنا: إن السباحة تنسب إلى الليل والنهار كما نقل عن أبي البقاء في أحد الوجهين يكون حالاً من الجميع، وإن كان لا يصح نسبتها إليهما كانت حالاً من «الشمس والقمر» وتأويل الجمع قد تقدم. قال أبو حيان: أو محلها النصب على الحال من «الشمس والقمر» لأن الليل والنهار لا يصفان بأنهما يجريان في فَلَكٍ فهو كقولك: رأيت هنداً وزيداً (متبرجة) . انتهى. وسبقه إلى هذا الزمخشري، يعني أنه قد دل على أن الحال من بعض ما تقدم كما في المثال المذكور، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: لكل واحد من القمرين فَلَكٌ على حدة فكيف قال: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . قُلْت: هذا كقولهم: كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي: كل واحد منهم. والسباحة العوم في الماء، وثد يعبر عن مطلق الذهاب وقد تقدم اشتقاقه في «سُبْحَانَكَ» . ومعنى «يُسَبِّحُونَ» يسيرون بسرعة كالسابح في الماء.

стр. 8230

فصل اعلم أن للكواكب حركتين الأولى: مجمع عليها وهي حركتها من المشرق إلى المغرب. والحركة الثانية: قالت الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إن للكواكب حركة أخرى من المشرق إلى المغرب، قالوا: وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا بأنا وجدنا الكواكب السيارة كل ما كان منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة منه تقدمه نحو المشرق. وهذا في القمر ظاهر جداً، فإنه يظهر بعد الاجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس، ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقه على ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه، ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي، وينكشف ذلك الكوكب بطرفه الغربي. فعلمنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق. وأجيبوا: بأن ذلك محال، لأن الشمس مثلاً إذا كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة، وهي متحركة بسبب الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة واحدة، وذلك محال، لأن التحرك إلى جهة يقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها، فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين، وهو محال. قالوا: ما ذكرتموه ينتقض بما إذا دارت الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها متحركة على خلاف ذلك الجانب. وللكلام في هذه المسألة مكان غير هذا. فصل والفَلَكُ مدار النجوم، والفَلَكُ في كلام العرب كل مستدير وجمعه أَفْلَاك، ومنه فلك المغزل. قال الضحاك: الفلك ليس بجسم، وإنما هو مدار هذه النجوم. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء. وقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: ماء مجموع تجري فيه الكواكب. واحتجوا

стр. 8231

بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. وأجيبوا بالمنع، فإنه يقال في الفرس الذي يمدّ يديه في الجري «سابح. وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول. واختلف الناس في حركات الكواكب، فقال بعضهم: الفلك ساكن والكواكب تتحرك فيه كحركة السمكة في الماء، وقال آخرون: الفلك متحرك، والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته، أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة. وقيل: الفلك متحرك والكواكب مغزورة فيه. أما الأول فقالت فذلك أيضاً يوجب الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق، وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم، لأن الكوكب يتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق. فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن يكون الكوكب مغزوراً في الفلك، والفلك يتحرك، فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك. واعلم أن مدار هذا الكلام على أن امتناع الخرق على الأفلاك باطلن بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة، والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي دل عليه لفظ القرآن أن الأفلاك ثابتة والكواكب جارية كما تسبح السمكة في الماء. فصل احتج ابن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله» يَسْبَحُونَ «قال: والجمع

стр. 8232

بالواو والنون لا يكون للعقلاء، وبقوله تعالى: ﴿والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . والجواب إنما أتى بضمير العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.

стр. 8233

قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ الآية. لما استدل بالأشياء المذكورة، وهي من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما يدل على أن هذه الدنيا أمرها كذلك يبقى ولا يدوم، وإنما خلقها للابتلاء والامتحان، وليتوصل بها إلى دار الخلود فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ . قال مقاتل: إن ناساً كانوا يقولون: إن محمداً لا يكون فنزلت هذه الآية. وقيل: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون به في قولهم: نتربص بمحمد ريب المنون، فنفى الله عنه الشماتة بهذه الآية فقال: ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشراً لا أنت ولا هم، وفي هذا المعنى قول القائل: ٣٧١٣ - فَقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سيلقى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا وقيل: يحتمل أنه لما أظهر أنه ﵇ خاتم الأنبياء، وجاز أن يقدم مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه، فنبه الله تعالى على أنه حاله كحال غيره من الأنبياء ﵈ في الموت.

стр. 8234

قوله: ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ﴾ تقدم نظيره في آل عمران عند قوله: ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه، وهو أنه إذا اجتمع شرط واستفهام أجيب الشرط، فتكون الآية قد دخلت فيها همزة الاستفهام على جملة الشرط، وليست مصبًّا للاستفهام، وزعم يونس أن الاستفهام منصب على الجملة المقترنة بالفاء، وأن الشرط معترض بين الاستفهام وبينها، وجوابه محذوف. وليس بشيء إذ لو كان كما قال لكان التركيب: أفإن مت هم الخالدون بغير فاء. وكان ابن عطية ينحى منحى يونس فإنه قال: وألف استفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط. قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ هذا العموم مخصوص فإن له تعالى نفساً لقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] مع الموت لا يجوز عليه. قال ابن الخطيب: وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول والنفوس الفلكية لا تموت. واعلم أن الذوق ها هنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إذ ذاك خاص، فيجوز جعله مجازاً عن اصل الإدراك. وأما الموت فالمراد منه هنا مقدماته من الآلام العظيمة، لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه، وحال وجوده يصير الشخص ميتاً، والميت لا يدرك شيئاً والإضافة

стр. 8235

في ﴿ذَآئِقَةُ الموت﴾ في تقدير الانفصال، لأنه لما يستقبل، كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصيد﴾ [المائدة: ١] و ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] . قوله: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير﴾ «نَبْلُوكُمْ» نختبركم «بالشَّر والخَيْرِ» بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر. وقيل: بما تحبون وما تكرهون لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم. وإنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما يكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار. قوله: «فِتْنَةً» في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله. الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي فاتنين. الثالث: أنه مصدر من معنى العامل لا من لفظه، لأن الابتلاء فتنة، فكأنه قيل: نفتنكم فتنة. ثم قال: «وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» أي: إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته بيّن بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد. وقرأ العامة «ترجعون» بتاء الخطاب مبنياً للمفعول. وغيرهم بياء الغيبة على الالتفات.

стр. 8236

قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَاّ هُزُواً﴾ المعنى: ما يتخذونك إلا هزواً، وهذا رجوع إلى تهجين كفرهم. قال السدي ومقاتل: «نزلت في أبي جهل قرية النبي ﷺ َ - وكان أبو سفيان مع أبي جهل، لأبي سفيان: هذا نبيّ عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف. فسمع رسول الله ﷺ َ - قولهما فقال لأبي جهل» ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلته رحمة «فنزلت هذه الآية. فوله:» إنْ يَتَّخِذونَك «» إنْ «هنا نافية، وهي وما في حيزها جواب الشرط بإذا. و» إذا «مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب (إن) النافية أو ب (ما) النافية وجب الإتيان بالفاء تقول: إن أتيتني فإن أهنتك، أو فما أهنتك، وتقول: إذا أتيتني ما أهنتك بغير فاء يدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥] و» اتخذ «هنا متعد لاثنين و» هُزُواً «هو الثاني إما على حذف مضاف، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة، وإما على وقوعه موقع اسم المفعول. وفي جواب» إذَا «قولان: أحدهما: أنه» إِنْ «النافية وقد تقدم. والثاني: أنه محذوف، وهو القول الذي قد حكي به الجملة الاستفهامية في قوله ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ إذ التقدير: وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وبين جوابه المقدر. قوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ﴾ » هُمْ «الأولى مبتدأ مخبر عنه ب» كَافِرُونَ «، و» بِذِكْرِ «متعلق بالخبر، والتقدير: وهم كافرون بذكر، و» هُمْ «الثانية تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول. وفي هذه الجملة قولان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر، أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحالة.

стр. 8237

والثاني: أنها حال من فاعل «يتخذونك» ، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله. فصل والمعنى: أنهم يعيبون عليه كونه يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء مع أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم الخالق المحيي المميت كافرون، ولا فعل أقبح من ذلك فيكون الهزؤ واللعن والذم عليهم من حيث لا يشعرون. ويحتمل أن يراد «بذكر الرحمن» القرآن. ومعنى إعادة «وهم» أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به، وأيضاً فإن في إعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.

стр. 8238

قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية. في المراد بالإنسان قولان: أحدهما: أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ . (والمعنى أن ينبته من العجلة وعليها طبع كما قال: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] . فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ فالجواب أنه تعالى نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها. القول الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث.

стр. 8239

وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك: المراد آدم ﵇. وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم قال: خلق آدم بعد كل شيء من آخر نهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فوقع فقيل: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ والقول الأول أولى، لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع. قوله: «من عجل» فيه قولان: أحدهما: أنه من باب القلب، والأصل: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ لشدة صدوره منه وملازمته له وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءة عبد الله: «وَخُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ» . والقلب موجود في كلامهم قال الشاعر: ٣٧١٤ - حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخذُهُ ... يريد: حسرت السربال عن كفي. ومثله في الكلام: إذا طلعت الشِّعرى استوى العود على الحِرْبَاء وقالوا: عرضت الناقة على الحوض، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصه بالضرورة وتقدم فيه ثلاثة مذاهب. والثاني: أنه لا قلب فيه، وفيه ثلاث تأويلات أحسنها أن ذلك على المبالغة

стр. 8240

جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد: نار تشعل العرب قد تسمى المرء بما يكثر منه، فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم، وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر: ٣٧١٥ - تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حتى إذَا ادَّكَرَتْ ... فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ ويتأكد هذا بقوله: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] . قال المبرد: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي من شأنه العجلة كقوله ﴿خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] أي: ضُعَفَاء. ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله ﵇: «لست من الدَّدِ وَلَا الدِّدُ مِنِّي» ، والدُّدُ: اللعب، وفيه لغات: دَدٌ محذوف اللام ودَدَا مقصوراً كعصا، ودَدَنٌ بالنون. وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدري أهي عن ياء أو واو. وقيل: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي بسرعة، وتعجيل من غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه خلقاً آخر. وقال أبو عبيدة: العَجَل الطين بلغة حمير قال شاعرهم: ٣٧١٦ - والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبِتُهُ ... والنَّخْلُ يَنْبِتُ بَيْنَ المَاءِ وَالعَجَلِ قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت: والله أعلم بصحته. قال شهاب الدين: وهو معذور. وهذا الجار يحتمل تعلقه ب «خُلِقَ» على

стр. 8241

المجاز أو الحقيقة المتقدمتين. وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال كأنه قال: خلق الإنسان عجلاً. قاله أبو البقاء. وقرأ العامة «خُلِقَ» مبينياً للمفعول «الإنسان» مرفوعاً لقيامه مقام الفاعل. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم «خَلَقَ» مبنياً للفاعل «الإنسان» نصباً مفعولاً به. فإن قيل: القوم استعجلوا الوعيد على وجه التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة. فالجواب: أن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت، وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين حقيقة. قوله: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي﴾ مواعيدي؛ قيل: هي الهلاك المعجل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه سيأتي لا محالة في وقته، فلا تطلبوا العذاب قبل وقته، فأراهم يوم بدر. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: الآيات آثار القرون الماضية بالشام واليمن. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا هو الاستعجال المذموم على سبيل الاستهزاء، وهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: ٥٣] فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم. قوله: «مَتَى هَذَا» «مَتَى» خبر مقدم، فهي في محل رفع. وزعم بعض الكوفيين أنها في محل نصب على الظرف، والعامل فيها فعل مقدر ل «هَذَا» التقدير: متى يجيء هذا الوعد، أو متى يأتي ونحوه والأول أشهر. قوله: «لو يعلم» جوابها مقدر، لأنه أبلغ في الوعيد فقدره الزمخشري: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه

стр. 8242

عندهم وقدره ابن عطية: لما استعجلوا. وقدره الحوفي: لسارعوا. وقدره غيره: لعلموا صحة البعث. وقال البغوي: لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا بقولهم ﴿متى هذا الوعد﴾ . و «حين» مفعول به لعلموا، وليس منصوباً على الظرف، أي: لو يعلمون وقت عدم كف النار. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون «يعلم» متروكاً بلا تعدية بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و «حين» منصوب بمضمر أي حين ﴿لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ يعلمون أنهم كانوا على الباطل. وعلى هذا ف «حين» منصوب على الظرف، لأنه جعل مفعول العلم أنهم كانوا. وقال أبو حيان: والظاهر أن مفعول «يَعْلَمُ) محذوف لدلالة ما قبله، أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطأوه، و» حِينَ «منصوب بالمفعول الذي هوة مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني، والمعنى: لو يعلمون مباشرة النار حيت لا يكفونها عن وجوههم. فصل ثم إنه تعالى ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله ﷺ َ - وجهين: الأول: أنه بيَّن ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم» مَتَى هَذَا الوَعْدُ «وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدّام ومن خلف، فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم كقوله: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا﴾ [غافر: ٢٩] . وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لها أعظم موقعاً. قال بعضهم: ﴿وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ السياط. قوله» بَغْتَةٌ «نصب على الحال، أي: مباغتة. والضمير في» تأتيهم «يعود على النار، وقيل: على الحين، لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعة التي تضطرهم فيها إلى العذاب. وقيل: على الوعد،

стр. 8243

لأنه في معنى النار التي وعدوها قاله الزمخشري. وفيه تكلّف. وقرأ الأعمش:» بَلْ يَاْتِيهِمْ «بياء الغيبة» بَغْتَةٌ «بفتح الغين» فَيَبْهَتَهُمْ «بالياء أيضاً. فأما الياء فأعاج الضمير على الحين أو على الوعد، وقيل: على» النَّار «وإنام ذكر ضميرها، لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ» النَّارِ «فأنث في قوله:» رَدَّهَا «. وقوله» بَلْ تِأْتِيهِمْ «إضراب انتقال. وقال ابن عطية:» بَلْ «استدراك مُقَدَّرٌ قبله نفيٌّ تقديره: إنَّ الآيات لا تأتي على حسب اقتراحهم. وفيه نظر، لأنه يصير التقدير: لا تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، فيكون الظاهر أن الآيات تأتي بغتة، وليس ذلك مراداً قطعاً. وإن أراد أن يكون التقدير: بل تأتيهم الساعة أو النار، فليس مطابقاًُ لقاعدة الإضراب. فصل لما بين شدة هذا العقاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾ وهم غير محتسبين ولا مستعدين» فَتَبْهَتهُمْ «أي: تدعهم حيارى واقفين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] في ردها، ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة. وإنام لم يعلم المكلفين وقت الموت (والقيامة لما) فيه من المصلحة، لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً وأقرب إلى التلافي. ثم ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب الرسول ﵇ فقال: ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: عقوبة استهزائهم. و» حَاقَ «وحَقّ بمعنى كزَالَ وزَلَّ، والمعنى: فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.

стр. 8244

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم﴾ الآية لما بين أن الكفار في الآخرة ﴿لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلاكة، فقال لرسوله: طقُلْ «لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه ﴿مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار﴾ وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه: من ينصرك مني؟ وهل لك مخلص؟ والكلاءة: الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار ﴿مِنَ الرحمن﴾ إن نزل بكم عذابه. يقال: كَلأَهُ الله يَكْلَؤُهُ كِلَاءَةٌ بالكسر كذا ضبطه الجوهري فهو كالئ ومكلوء. قال ابن هرمة: ٣٧١٧ - إنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَزْرَؤُهَا واكْتَلأْتُ منه: احترست، ومنه سُمِّيَ النبات كلأ، لأنَّ به تقوم بنية البهائم وتحرس. ويقال: بلغ الله بك أكلأ العمر. والمُكَلأُ موضع يحفظ فيه السفن. وفي الحديث:» نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بَالكَالِئ «أي: بيع الدين بالدين كأنَّ كُلاًّ من رب الدينين بكلأ الآخر أي: يراقبه.

стр. 8245

(وقال ابن عباس: المعنى: مَنْ يمنعكم من عذاب الرحمن. وقرأ الزهري وابن القعقاع» يَكْلُوكُمْ «بضمة خفية دون همز. وحكى الكسائي والفراء» يَكْلَوْكُمْ «بفتح اللام وسكون الواو. قال شهاب الدين: ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ على الكلو وقفاً إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف) . قوله:» مِنَ الرَّحمنِ «متعلق ب» يَكْلَؤُكُمْ «على حذف مضاف أي من أمر الرحمن أو بأسه كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] .» وبِالَّيْلِ «بمعنى في الليل، وإنما ذكر الليل والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى: من بحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معاشكم. وخص ها هنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت لكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ [الانفطار: ٦] . فخص اسم الكريم تلقيناً. قوله:» بَلْ هُمْ «إضراب عما تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالئ ولا مانع غير الرحمن. والمراد ب» ذِكْرِ رَبِّهِمْ «القرآن ومواعظ الله» مُعْرِضُونَ «لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالئ لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ » أَمْ «منقطعة، أي بل ألهم؟ فالميم صلة والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها. وقوله:» من دُونِنَا «فيه وجهان:

стр. 8246

أحدهما: أنه متعلق ب» تَمْنَعُهُمْ «قبل، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز، وإلى هذا ذهب الحوفي. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل «آلهة» ، أي آلهة من دوننا تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديماً وتأخيراً. ثم وصف الآلهة بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا مستأنف لا محل له، ويجوز أن يكون صفة ل «آلهة» ، وفيه بعد من حيث المعنى. قال ابن الخطيب: «لا يسطيعون» خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا لم تقدر على حمية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها. قوله: ﴿وَلَا هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ . قال ابن عباس: يجاورون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد: يُنْصَرُونَ. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء﴾ الكفار «وَآبَاءَهُمْ» في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة. ﴿حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي امتد بهم الزمان فاغتروا. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله ﷺ َ -. ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ أم نحن وهو استفهام تقريع. قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: «نَنْقُصُهَا» بفتح البلدان. وروي عن ابن عباس رواية أخرى: المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة: تخريب القرى وموت أهلها.

стр. 8247

وقيل: موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله ﷺ َ - فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال: ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ . قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء.

стр. 8248

قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ أي: أخوفكم بالقرآن وقوله: «وَلا يَسْمَعُ» قرأ ابن عامر هنا «وَلَا تُسْمِعُ» بضم التاء للخطاب وكسر الميم، «الصُّمَّ الدُّعَاءَ» منصوبين. وقرأ ابن كثير في النمل والروم. وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغيبة بفتح ياء الغيبة والميم «الصُّمُّ» بالرفع «الدُّعَاءَ» بالنصب في جميع القرآن. وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلا أنه بياء الغيبة. وروى عنه ابن خالويه «وَلَا يُسْمَعُ» بياء الغيبة مبنياً للمفعول «الصُّمُّ» رفعاً «الدُّعَاءَ» نصباً. وروي عن أبي عمرو بن العلاء «وَلَا يُسْمِعُ» بضم الياء من تحت وكسر الميم «الصُّمَّ» نصباً «الدُّعَاءُ» رفعاً. فأما قراءة ابن عامر وابن كثير فالفاعل فيها ضمير المخاطب، وهو الرسول ﵇. فانتصب «الصُّمَّ» و «الدُّعَاءَ» على المفعولين، وأولهما هو الفاعل المعنوي.

стр. 8249

وأما قراءة الجماعة فالفعل مسند للصّمّ فانتصب «الدُّعَاءَ» مفعولاً به. وأما قراءة الحسن الأولى فأسند الفعل فيها إلى ضمير الرسول ﷺ َ - وهي كقراءة ابن عامر في المعنى. وأما قراءته الثانية فأسند الفعل فيها إلى «الصُّمم» قائماً مقام الفاعل، فانتصب الثاني وهو «الدُّعَاءَ» وأما قراءة أي عمرو فإنه أسند الفعل فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع وحذف المفعول الثاني للعلم به، والتقدير: ولا يسمع الدعاء الصم شيئاً البتة ولما وصل أبو البقاء إلى هنا قال: «وَلَا يَسْمَعُ» فيه قراءات وجوهها ظاهرة ولم يذكرها. و «إذَا» في ناصبه وجهان: أحدهما: أنه «يَسْمَعُ» . والثاني: أنه «لدّعاء» فأعمل المصدر المعرف ب (أل) وإذا أعملوه في المفعول الصريح ففي الظرف أولى. قال الزمخشري: فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشّر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل: ﴿إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ ؟ قلت: اللاّم في «الصُّم» عائدة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل: ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدهم أسماعهم إذا انذروا، أي أنتم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ عن الإنذارات والآيات. ثم بيَّن تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به، فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ينتفعون، وهذا المراد بقوله: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ وأصل النفح من الريح: اللين. قال الزمخشري: في المس والنفحة ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في النفح من معنى القلّة والنزار يقال: نفحته الدابة: رمحته رمحاً يسيراً. والنفح: الخطرة. قال ابن عباس: «

стр. 8250

نَفْخَةٌ» طرف. وقيل: قليل: وقال ابن جريج: نصيب من قولهم: نفح فلان لفلان من ماله أي: أعطاه حظاً منه، قال: ٣٧١٨ - إِذَا رَيْدَةٌ مِنْ مَا نَفَحَتْ لَهُ ... أَتَاهُ برَيَّاهَا خَليلٌ يُوَاصِلُهْ وقيل: ضربة، من قولهم: نفحت الدابة برجلها، أي: ضربت. و «مِنْ عَذَابِ» صفة ل «نَفْحَةٌ» . ثم بيّن تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلاّ عدلاً فيهم بقولهم: ﴿لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالشرك. قوله: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ قال الزجاج: ذوات القسط، ووَضْعُها إحضارها. (وإنما جمع «المَوَازِينَ» لكثرة من توزن أعمالهم، وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات) . وفي نصب «القِسْطَ» وجهان: أحدهما: أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أُفردَ؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحّد مطلقاً. واثاني: أنه على حذف مضاف. الوجه الثاني: أنه مقعول من أجله أي: لأجل القسط، إلا أن في هذا نظراً، من حيث إن المفعول له إذا كان معرّفاً ب (أل) يقل تجرّده من حرف العلة تقول: جئت للإكرام، ويقل: جئت الإكرام، كقوله:

стр. 8251

٣٧١٩ - لَا أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ ... وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ وقرئ: القِصْطَ بالصاد، لأجل الطاء. وقد تقدّم. قوله: «لِيَوْمِ القِيَامَة» في هذه اللام أوجه: أحدها: قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة: ٣٧٢٠ - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ والثاني: أنها بمعنى (في) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين ومنه عندهم: «لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا» وكقول مسكين الدارمي: ٣٧٢١ - أُوْلَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوا لسبيلِهِمْ ... كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْل عَادٌ وَتُبَّعُ وكقول الآخر:

стр. 8252

٣٧٢٢ - وَكُلَّ أب وابن وإن عمرا معاً ... مقيمين مفقود لوقت وفاقد والثالث: أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي: لحساب يوم القيامة و «شَيْئاً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، لأي: شيئاً من الظلم. فصل في وضع الموازين قولان: أحدهما: قال مجاهد: هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويورى مثله عن قتادة والضحاك، والمراد بالوزن: القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي: ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير عن ابن عباس. والثاني: أنَّ الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، «روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل ﵇ يروى» أنَّ داود ﵇ سأل ربه أنْ يُرِيَهُ الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عد ملأتها بتمرة «. وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان: أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال. والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إمّا أن يكونوا عالمين بكونه - تعالى - عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا قائدة في وضع الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين. والجواب: قال ابن الخطيب: أما على قولنا ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وأيضاً ففيه

стр. 8253

ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين الحقيقة أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في ذلك. قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ﴾ قرأ نافع هنا وفي لقمان برفع «مِثْقَال» على أن «كَانَ» تامة، أي: وإنْ وجد مثقال. والباقون بالنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي: وإنْ كان العمل. و «مِنْ خَرْدَلٍ» صفة ل «حَبَّةٍ» . وقرأ العامة «أَتَيْنَا» من الإتيان بقصر الهمزة، وفيه أوجه: أصحها: أنَّه (فَاعَلْنَا) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، والمعنى: جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء. الثاني: أنَّها (مفاعلة) من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري.

стр. 8254

الثالث: أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية: ولو كان آتينا: أعطينا لما تَعَدَّتْ بحرف جر، وَيُوهِنُ هذه لقراءة أنَّ إبدال الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومة والمكسورة يعني: أنه كان من حق هذا القارئ أن يقرأ «وَأَتَيْنا» مثل وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارئ الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة. قال أبو البقاء: ويُقْرَأُ بالمد بمعنى جَازَيْنَا بها، فهو يَقْرُبُ من معنى أعطينا، لأنَّ الجزاء إعطاء، وليس منقولاً من أتينا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم. وقرأ حُمَيْدُ «أثَبْنَا» من الثواب، والضمير في «بِهَا» عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث، فهو كقوله: ٣٧٢٣ - كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... في اكتسابه التأنيث بالإضافة. فصل زعم الجبائي أنَّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان. وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأنَّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. فإن قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: «حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ» ؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله. ثم قال: ﴿وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . قال السّديّ: مُحْصِينَ. والحَسبُ: معناه العد. قال ابن عباس: عالمين

стр. 8255

حافظين، لأنَّ من حسب شيئاً علمه وحفظه. والغرض منه التحذير فإنَّ المحاسب إذا كان عالماً بحيث لا يمكن أن يفوته شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه.

стр. 8256

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ الآية. لما أمر رسوله أن يقول ﴿إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ [الأنبياء: ٤٥] أتبعه بأنه عادة الله في الأنبياء قبله. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ يعني: الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة، وكان «ضِيَاءٌ» لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى في معرفة الشرائع، وكان «ذكرى» أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم. وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل. وهو مروي عن ابن عباس، ولأنه أدخل الواو في قوله «وَضِيَاءٌ» أي: آتينا موسى النصر والضياء، وهو التوراة، لأنَّ العطف يقتضي المغايرة. وقيل: المراد بالفرقان: البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل. وقال الضحاك: الفرقان هو فلق البحر. وقال محمد بن كعب: الفرقان الخروج عن الشبهات. ومن قال المراد بالفرقان: التوراة قال: الواو في قوله: «وَضِيَاءٌ» تكون من عطف الصفات، والمراد به شيء واحد، أي: آتيناه الجامع بين هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة. قال أبو البقاء ف «ضِيَاءٌ» حال على هذا. وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في قوله «هُدىً للمتّقين» . قوله: «الذين يَخْشَوْنَ» في محله ثلاثة أوجه: (البحر على النعت أو البدل أو البيان، والنصب والرفع على القطع) . وفي معنى «الغَيْب» وجوه:

стр. 8257

الأول: «يَخْشَوْنَ» أي: يخافون ربهم ولم يروه فيأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه. وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها. وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس ﴿وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ثم قال: ولما أنزلت عليه القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ يعني: القرآن «ذِكْرٌ» لمن تذكر به «مُبَارَكٌ» يتبرك به، ويطلب منه الخير، «أَفَأنْتُمْ» يا أهل مكة «لَهُ مُنْكِرُونَ» جاحدون، استفهام إنكار وتوبيخ، والمعنى: لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه.

стр. 8258

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ الآية. «رُشْدَهُ» مفعول ثان. وقرأ العامة «رُشْدَهُ» بضم الراء وسكون الشين، وعيسى الثقفي بفتحها. والرُّشْدُ والرَّشَدُ كالعُدْم والعَدَم، وقد تقدم الكلام عليهما. والمراد بالرُّشْدُ: النبوة لقوله ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ ، لأنه تعالى إنَّمَا يخص بالنوبة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحثها ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول. وقيلب: الرُّشْد: الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] وقيل: يدخل تحت الرشد النبوة والاهتداء.

стр. 8259

قوله: «مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل موسى وهارون، قاله ابن عباس، وهاذ أحسن ما قدر به المضاف إليه وقيل: من قبل بلوغه أو نبوته حين كان في السرب فظهرت له الكواكب، فاستدل بها، وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته ﵇ قبل البلوغ. قاله مقاتل. وروى الضحاك عن ابن عباس معنى «مِنْ قَبْلُ» أي: حين كان في صلب آدم لما أخذ الله ميثاق النبيين. والضمير في «بِهِ» يعود على «إبْرَاهِيمَ» . وقيل: على «رُشْدَهُ» . والمعنى: أنه تعالى علم منه أشياء بديعة وأسراراً عجيبة حتى أهّله لأن يكون خليلاً له، وهذا كقولك في رجل كبير: أنا عالم بفلان، فإنَّ هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت حال كماله. فصل دَلَّت الآية على أنَّ الإيمان مخلوق لله تعالى، لأنَّهُ لو كان الرشد هو التوفيق والبيان، وقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم. وأجاب الكعبي: بأنَّ هذا يقال فيمن قَبِلَ لا فيمن ردَّ، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره، وردَّه الآخر أو أخذه ثم ضيعه، يقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال فيمن ضيع. وهذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرّشد وذلك باطل، لأنَّ المسمى إذا كان متركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدر الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى الفاعل، فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صريح في أنَّ ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل قوله. قوله: «إذْ قَالَ» يجوز أن يكون منصوباً ب «آتَيْنَا» أو ب، «رُشْدَهُ» أو ب «عَالِمِينَ» أو بمضمر أي: اذكر وقت قوله. وجَوَّز أبو البقاء فيه أن يكون بدلاً من موضع «

стр. 8260

قَبْلُ» . أي: أنه يحب محله فيصح المعنى إذْ يصير التقدير: ولقد آتيناه رشداً إذْ قال. وهو بعيدٌ من المعنى بهذا التقدير. قوله: ﴿مَا هذه التماثيل﴾ أي: الصور، يعني: الأصنام. والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله. وأصله من مثَّلْتُ الشيء بالشيء: إذا شبهته به، فاسم ذلك المُمَثَّل تِمْثَال. والتَّمَاثِيلُ: جمع تِمْثَال، وهو الصورة المصنوعة من رخام، أو نحاس، أو خشب، أو حديد؛ يشبه بخلق الآدمي وغيره من الحيوانات، فال امرؤ القيس: ٣٧٢٤ - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ ... بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ قوله: «لَهَا» قيل: اللام للعلة، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: بمعنى (على) ، أي: عاكفون عليها. وقيل: ضمّن «عَاكِفُونَ» معنى عابدين فلذلك أتى باللام وقال أبو البقاء: وقيل: أفادت معنى الاختصاص. وقال الزمخشري: لم ينو للعاكفين مفعولاً، وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله: فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها. فإن قلت: هلَاّ قيل: عليها عاكفون كقوله: ﴿يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] قلت: لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي «على» . قال شهاب الدين: الأولى أن تكون اللام للتعليل وصلة «عَاكِفُونَ» محذوفة أي: عاكفون عليها، أي: لأجلها لا لشيء آخر. قوله: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ «عَابِدِينَ» مفعول ثان ل «وَجَدْنَا» و «لَهَا» لا تعلق له، لأنَّ اللام زائدة في المفعول به لتقدمه.

стр. 8261

فصل اعلم أنَّ القوم لم يجدوا في جوابه إلَاّ طريقة التقليد فأجابوه بأنَّ آباءهم سلكوا هذا الطريق، فاقتدوا بهم، فلا جرم أجابهم إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ فبين أنَّ الباطل لا يصير حقاً بكثرة المتمسكين به. قوله: «أَنْتُمْ» تأكيد للضمير المتصل. قال الزمخشري: و «أَنْتُمْ» من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع، ونحوه ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] . قال أبو حيان: وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنَّ الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل، ولا فصل، وتنظير ذلك ب ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] مخالف لمذهبه في ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] لأنه يزعم أَنَّ «وَزَوْجَكَ» ليس معطوفاً على الضمير المستكن في «اسْكُنْ» بل مرفوع بفعل مضمر أي: وليسكن، فهو عنده من قبيل عطف الجمل، وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه.

стр. 8262

قال شهاب الدين: لا يلزم من ذلك أنه خالف مذهبه إذ يجوز أن ينظر بذلك عند من يعتقد ذلك وإن لم يعتقد (هو) . و «فِي ضَلَالٍ» يجوز أن يكون خبراً إن كانت (كَانَ) ناقصة، أو متعلقاً ب «كُنْتُمْ» إن كانت تامة. قوله : ﴿أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ لما حقق ﵇ ذلك عليهم، ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه منكراً عليهم من كثرتهم ﴿قالوا أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ فأوهموه بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك، وقالوا: أجاد أنت فيما تقول أم لاعب، فأجابهم بقوله ﵇ ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض﴾ الآية. قوله «بالحَقِّ» متعلق ب «جئت» ، وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً. و «أَمْ أَنْتَ» «أَمْ» متصلة وإن كان بعدها جملة، لأنها في حكم المفرد إذ التقدير: أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعلك كقوله: ٣٧٢٥ - ما أُبَالِي أَنَبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ ... أَمْ لَحَانِي بِظَهْرٍ غَيْبٍ لَئِيمُ وقوله: ٣٧٢٦ - لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإِنْ كُنْتَ دَارِياً ... شُعَيْبُ بنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ

стр. 8263

يريد: أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لَقُدِّرَتْ ب (بل) والهمزة وليس ذلك مراداً. قوله: «الذي فَطَرَهُنَّ» يجوز أن يكون مرفوع الموضع أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في «فَطَرَهُنَّ» للسموات والأرض. قال أبو حيان: ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة. قال شهاب الدين: إن عنى لم تبلغ كل واحد من السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع الكثرة، اللهم إلَاّ أنْ نقول: إنَّ الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء على ما رآه بعضهمن فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه. وقيل: على التماثيل. قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم. وقال ابن عطية: «فَطَرَهُنَّ» عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره: «فَطَرَهُنَّ» أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل مَنْ يعقل، فإنَّ الله تعالى أخبر بقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وقوله ﵇ «أطَتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطّ» قال شهاب الدين: كأنَّ ابن عطية وذا القائل توهما أنَّ (هُنَّ) من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها قال تعالى: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] . قوله: «عَلَى ذَلِكُمْ» متعلق بمحذوف أو ب «الشَّاهشدِينَ» اتساعاً، أو على

стр. 8264

البيان، وقد تقدم نظيره نحو ﴿لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] . فصل اعلم أنَّ القوم لمَّا أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم أظهر ذلك بالقول أولاً ثم بالفعل ثانياً. أمَّا القول فهو قوله: ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض﴾ وهذا يدل على أنَّ الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي نظير قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يَبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٤٢] ، ثم قال: ﴿وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين﴾ أي: على أنه لا إله إلا الذي يستحق العبادة إلا هو. وقيل: ﴿مِّنَ الشاهدين﴾ على أنه خالق السموات والأرض. وقيل: إنِّي قادر علىإثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل: المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح آخر أو ذمه: أشهد أنه كريم أو ذميم.

стр. 8265

وأما الفعل فقوله: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ لأمكرن بها. قرأ العامة «تَاللهِ» بالتاء المثناة فوق. وقرأ معاذ بن جبل، وأحمد بن حنبل بالباء الموحدة. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ «ما الفرق بين التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه. أما قوله: إنَّ الباء في الأصل فيدل على ذلك تصرفها
следующие страницы →