Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.
стр. 8261
فصل
اعلم أنَّ القوم لم يجدوا في جوابه إلَاّ طريقة التقليد فأجابوه بأنَّ آباءهم سلكوا هذا الطريق، فاقتدوا بهم، فلا جرم أجابهم إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ فبين أنَّ الباطل لا يصير حقاً بكثرة المتمسكين به. قوله: «أَنْتُمْ» تأكيد للضمير المتصل.
قال الزمخشري: و «أَنْتُمْ» من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع، ونحوه ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] . قال أبو حيان: وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنَّ الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل، ولا فصل، وتنظير ذلك ب ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] مخالف لمذهبه في ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] لأنه يزعم أَنَّ «وَزَوْجَكَ» ليس معطوفاً على الضمير المستكن في «اسْكُنْ» بل مرفوع بفعل مضمر أي: وليسكن، فهو عنده من قبيل عطف الجمل، وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه.
стр. 8262
قال شهاب الدين: لا يلزم من ذلك أنه خالف مذهبه إذ يجوز أن ينظر بذلك عند من يعتقد ذلك وإن لم يعتقد (هو) .
و «فِي ضَلَالٍ» يجوز أن يكون خبراً إن كانت (كَانَ) ناقصة، أو متعلقاً ب «كُنْتُمْ» إن كانت تامة.
قوله
: ﴿أَجِئْتَنَا
بالحق
أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ لما حقق ﵇ ذلك عليهم، ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه منكراً عليهم من كثرتهم ﴿قالوا أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ فأوهموه بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك، وقالوا: أجاد أنت فيما تقول أم لاعب، فأجابهم بقوله ﵇ ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض﴾ الآية. قوله «بالحَقِّ» متعلق ب «جئت» ، وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً. و «أَمْ أَنْتَ» «أَمْ» متصلة وإن كان بعدها جملة، لأنها في حكم المفرد إذ التقدير: أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعلك كقوله:
٣٧٢٥ - ما أُبَالِي أَنَبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ ... أَمْ لَحَانِي بِظَهْرٍ غَيْبٍ لَئِيمُ
وقوله:
٣٧٢٦ - لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإِنْ كُنْتَ دَارِياً ... شُعَيْبُ بنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
стр. 8263
يريد: أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لَقُدِّرَتْ ب (بل) والهمزة وليس ذلك مراداً. قوله: «الذي فَطَرَهُنَّ» يجوز أن يكون مرفوع الموضع أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في «فَطَرَهُنَّ» للسموات والأرض. قال أبو حيان: ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة. قال شهاب الدين: إن عنى لم تبلغ كل واحد من السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع الكثرة، اللهم إلَاّ أنْ نقول: إنَّ الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء على ما رآه بعضهمن فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه. وقيل: على التماثيل.
قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم.
وقال ابن عطية: «فَطَرَهُنَّ» عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره: «فَطَرَهُنَّ» أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل مَنْ يعقل، فإنَّ الله تعالى أخبر بقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وقوله ﵇ «أطَتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطّ» قال شهاب الدين: كأنَّ ابن عطية وذا القائل توهما أنَّ (هُنَّ) من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها قال تعالى: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] .
قوله: «عَلَى ذَلِكُمْ» متعلق بمحذوف أو ب «الشَّاهشدِينَ» اتساعاً، أو على
стр. 8264
البيان، وقد تقدم نظيره نحو ﴿لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] .
فصل
اعلم أنَّ القوم لمَّا أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم أظهر ذلك بالقول أولاً ثم بالفعل ثانياً.
أمَّا القول فهو قوله: ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض﴾ وهذا يدل على أنَّ الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي نظير قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يَبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٤٢] ، ثم قال: ﴿وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين﴾ أي: على أنه لا إله إلا الذي يستحق العبادة إلا هو. وقيل: ﴿مِّنَ الشاهدين﴾ على أنه خالق السموات والأرض.
وقيل: إنِّي قادر علىإثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل: المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح آخر أو ذمه: أشهد أنه كريم أو ذميم.
стр. 8265
وأما الفعل فقوله: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ لأمكرن بها. قرأ العامة «تَاللهِ» بالتاء المثناة فوق. وقرأ معاذ بن جبل، وأحمد بن حنبل بالباء الموحدة. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ «ما الفرق بين التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه. أما قوله: إنَّ الباء في الأصل فيدل على ذلك تصرفها
стр. 8266
في الباب بخلاف الواو والتاء، وإن كان السُّهيلي قد ردَّ كون الواو بدلاً منها.
وقال أبو حيان: النظر يقتضي أن كلاً منهما أصل. وأما قوله: التعجب فنصوص النحويين أنه يجوز فيها التعجب وعدمه، وإنما يلزم ذلك مع اللام كقوله:
٣٧٢٧ - للهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ ... بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيانُ والآسُ
و» بَعْدُ «منصوب ب» لأكِيدَنَّ «، و» مُدْبِرِينَ «حال مؤكدة، لأن» تُوَلُّوا «يفهم معناها. وقرأ العامة» تُوَلُّوا «بضم التاء مضارع (وَلَّى) مشدداً.
وقرأ عيسى بن عمر» تَوَلَّوا «بفتحهما مضارع (تَوَلَّى) ، والأصل: تتولوا فحذف
стр. 8267
إحدى التاءين إمَّا الأولى على رأي هشام، وإمَّا الثانية على رأي البصريين وينصرها قراءة الجميع ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ، ولم يقرأ أحد» تُوَلُّوا «وهي قياس قراءة الناس هنا، وعلى كلتا القراءتين فلام الكلمة محذوفة، وهو الياء، لأنه من» وَلَّى «، ومتعلق هذا الفعل محذوف تقديره: تولوا إلى عيدكم ونحوه. فإن قيل: الكيد ضرر الغير بحيث لا يشعر به ولا يتأتى ذلك في الأصنام فكيف قال: ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ؟
فالجواب: توسعاً لما كان عندهم أنَّ الضرر يجوز عليها، وقيل: المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أنزل بهم الغم.
قوله:» فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً «. قرأ العامة» جُذَاذاً «بضم الجيم، والكسائي بكسرها وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها. قال قطرب: هي لغاتها كلها مصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث والظاهر أنَّ المضموم اسم للشيء المكسر كالحطام والرفات والفتات بمعنى الشيء المحطم والمفتت. وقال اليزيدي: المضموم جمع جُذَاذَة بالضم نحو زجاج في زجاجة، والمكسور جمع جَذِيذ نحو كِرَام في كَرِيم. وقال بعضهم: المفتوح مصدر بمعنى المفعول أي: مَجْذُوذِينَ. ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي: ذوات جذاذ.
стр. 8268
وقيل: المضموم جمع جُذَاذَة بالضم، والمكسور جمع جِذَاذَة بالكسر، والمفتوح مصدر وقرأ ابن وثاب» جُذُذاً «بضمتين دون ألف بين الذالين، وهو جمع جَذِيذ كقَلِيب وقُلُبٍ. وقرئ بضم الجيم وفتح الذال، وفيها وجهان:
أحدهما: أن يكون أصلها ضمتين، وإنما خففت بإبدال الضمة فتحة نحو سُرَر وذُلَل في جمع سرير وذليل، وهي لغة لبني كلب.
والثاني: أنه جمع جذَّة نحو قبب في قبة ودرر في درة.
والجذ القطع والتكسير، وعليه قوله:
٣٧٢٨ - بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دَابِرَهُمْ ... أَمْسَوا رَمَاداً فَلَا أصْلٌ وَلَا طَرَفُ
وتقدم هذا مستوفى في هود. فإن قيل: لِمَ قال «جَعَلَهُمْ» وهذا جمع لا يليق إلا بالعقلاء؟
فالجواب عَامَلَ الأصنام مُعَاملة العقلاء حيث اعتقدوا فيها ذلك.
قوله: «إلَاّ كَبِيراً» استثناء من المنصوب في «فَجَعَلَهُمْ» أي: لم يكسره بل تركه
стр. 8269
و «لَهُمْ» صفة له، وهذا الضمير يجوز أن يعود على الأصنام، وتأويل عود ضمير العقلاء عليها تقدم. ويجوز أن يعود على عابديها. والضمير في «إلَيْهِ
يجوز أن يعود إلى» إبراهيم «، أي: يرجعون إلى مقالته حين يظهر لهم الحق، أو غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما شاهدوه من إنكاره لدينهم، وسب آلهتهم، فيبكتهم بما أهانهم به من قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] .
ويجوز أن يعود إلى الكبير، وفيه وجهان:
أحدهما: لعلهم يرجعون إليه كما يرجعون إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك؟ وهذا قول الكلبي. وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم، فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم.
والثاني: أنه ﵇ قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه (استهزاء بهم) .
فصل
قال السّدّيّ: كان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إنِّي سَقِيم أشتكي رِجْلي،، فلمَّا مَضَوْا وبقي ضعفاء الناس، نادى وقال: ﴿تالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: إلى عيدكم. فسمعوها منه. واحتج هذا القائل بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ .
وقال الكلبيّ: كان إبراهيم ﵇ من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلَاّ مريضاً، فلما هَمَّ إبراهيم بكسر الأصنام، نظر قبل يوم العيد إلى السماء، وقال لأصحابه: أراني أشتكي غداً، وهو قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩] . وأصبح في الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم ليعيدهم
стр. 8270
ولم يتخلف أحد غيره، فقال: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمع رجل منهم هذا القول، فحفظه عيله، ثم أخبر به غيره، وانتشر ذلك في جماعة، فلذلك قال تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ ، ثم إن إبراهيم ﵇ دخل بيت الأصنام فوجد سبعين صنماً مصطفة، وعند الباب صنم عظيم من ذهب مستقبل الباب وفي عينه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفاس في يده حتى لم يبق إلَاّ الكبير علق الفأس في عنقه.
فإن قيل: أولئك الأقوام إمَّا أنْ يكونوا عقلاء أو لم يكونوا عقلاء، فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أنَّ تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضرّ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها؟ أقصى ما في الباب أن يقال: القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب وكسرها لا يقدح في تعظيمها من هذا الوجه.
وإن لم يكونوا عقلاء لم يحسن مناظرتهم ولا بعثة الرسل إليهم.
فالجواب: أنهم كانوا عقلاء وكانول عالمين بالضرورة أنها جمادات، ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل للكواكب، وأنها طلمسات موضوعة، بحيث إنَّ كل من عبدها انتفع، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد، ثم إنَّ إبراهيم ﵇ كسرها ولم ينله منها ضرر ألبتة، فكان فعله دالاً على فساد مذهبهم. قوله ﴿مَن فَعَلَ هذا﴾ يجوز في «مَنْ» أن تكون استفهامية وهو الظاهر، فعلى هذا تكون الجملة من قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾ استئنافاً لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون موصولة بمعنى (الَّذِي) ، وعلى هذا فالجملة من «إنَّهُ» في محل رفع خبراً للموصول، والتقدير: الذي فعل في الظلمة إما لجرأته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام، وإما لأنهم رأوا إفراطاً في كسرها، وتمادياً في الاستهانة بها.
قوله: «يَذْكُرُهُمْ» . في هذه الجملة أوجه:
أحدها: أن «سمع» هنا يتعدى لاثنين، لأنها متعلقة بعين، فيكون «فَتًى» مفعولاً أولاً و «يَذْكُرُهُمْ» هذه الجملة في محل نصب مفعول ثانياً، ألا ترى أنك لو قلت: سَمِعْتُ زَيْداً، وسَكَّتَ لم يكن كلاماً بخلاف: سمعت قراءته وحديثه.
стр. 8271
والثاني: أنها في محل نصب أيضاً صفة ل «إبراهيم» .
قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: ما حكم الفعلين بعد «سَمِعْنَا» ، وما الفرق بينهما؟ قلت: هما صفنان ل «فَتًى» إلَاّ أنَّ الأول وهو «يَذْكُرُهُمْ» لا بدَّ منه ل «سَمِع» لأنك لا تقول: سَمِعْتُ زَيْداً وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمعن وأما الثاني فليس كذلك. وهذا الذي قاله لا يتعين لما عرفت أن سمع إن تعلقت بما سمع نحو سمعت مقالة بكر فلا خلاف أنها تتعدى لواحد. وإن تعلقت بما لا يسمع فلا يكتفى به أيضاً بلا خلاف بل لا بدّ من ذكر شيء يسمع، فلو قلت: سَمِعْتُ زَيْداً، وسكت، أم سَمِعْتُ زَيْداً يركب، لم يجز، فإن قلت: سمعته يقرأ صح، وجرى في ذلك خرف بين النحاة فأبو علي يجعلها متعدية لاثنين، ولا يتمشى عليه قول الزمخشري. وغيره يجعلها متعدية لواحد، ويجعل الجملة بعد المعرفة حالاً وبعد النكرة صفة، وهذا أراد الزمخشري.
قوله: «إِبْرَاهِيمُ» . في رفع «إِبْرَاهِيمُ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله، أي: يقال له هذا اللفظ، وكذلك قال أبو البقاء: فالمراد الاسم لا المسمى.
وفي هذه المسألة خلاف بين النحويين أعني تسلط القول على المفرد الذي يؤدي معنى جملة ولا هو مقتطع من جملة، ولا هو مصدر ل «قال» ، ولا هو صفة لمصدره نحو: قلت زَيْداً، أي: قلت هذا اللفظ، فأجازه جماعة كالزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن مالك، ومنعه آخرون. وممن اختار
стр. 8272
رفع «إِبْرَاهِيمُ» على ما ذكرت الزمخشري وابن عطية. أمَّا إذا كان المفرد مؤدياً معنى جملة كقولهم: قلت خطبة وشعراً وقصيدة أو اقتطع من جملة كقوله:
٣٧٢٩ - إذَا ذُقْتَ فَاهَا قُلْتَ طَعْمُ مُدَامةٍ ... مُعَتَّقَةٍ مِمَّا يَجِيءُ بِهِ التُّجُرْ
أو كان مصدراً نحو قُلْتُ قَوْلاً، أو صفة له نحو: قُلْتُ حقاً أو باطِلاً، فإنه يتسلط عليه كذا قالوا. وفي قولهم: المفرد المقتطع من الجملة نظر، لأنَّ هذا لم يتسلط عيله القول إنما تسلط على الجملة المشتملة عليه.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، يقال له: هذا إبراهيم، أو هو إبراهيم.
الثالث: أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له إبراهيم فاعل ذلك.
الرابع: أنه منادى وحرف النداء محذوف أي: يا إبراهيم.
وعلى الأوجه الثلاثة فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة محكية ب «يُقَالُ» وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ ] [٥٨ رفعاً ونصباً وفي الأعراف عند
стр. 8273
قوله ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: ١٦٤] رفعاً ونصباً. والجملة من «» يُقَالُ لَهُ «يحتمل أن تكون مفعولاً آخر نحو ظننت زيداً كاتباً شاعراً. وأن تكون على رأي الزمخشري ومن تابعه وأن تكون حالاً من» فَتًى «وجاز ذلك لتخصصها بالوصف.
فصل
стр. 8274
لما سمع بعض القوم قول إبراهيم ﵇ ﴿تالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ وسمعوا سبّه لآلهتهم غلب على ظنهم أنه الفاعل لذلك، فلذلك قالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يعيبهم ويسبهم ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ، فهو الذي يظن أنه الذي صنع هذا.
فبلغ ذلك نمروذ الجبار، وأشراف قومه، فقالوا فيما بينهم ﴿فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس﴾ قال نمروذ، أي: جيئوا به ظاهراً، أي بمرأى من الناس ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه أنه الذي فعله. قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينةٍ. وقال محمد بن إسحاق: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يحضرون عقابه فينزجروا عن الإقدام على مثله. وقال
стр. 8275
الكلبي ومقاتل: المراد مجموع الأمرين أي: يشهدون عليه عقابه.
قوله: ﴿على أَعْيُنِ﴾ في محل نصب على الحال من الهاء في «بِهِ» أي: ائتوا به ظاهراً مكشوفاً بمرأى منهم ومنظر. قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ «ما معنى الاستعلاء في:» عَلَى «؟ قُلْتُ: هو وارد على طريق المثل، أي يثبت إتيانه على الأعين، ويتمكن ثبات الراكب على المركوب، وتمكنه منه.
قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾ . في» ءَأَنْتَ «وجهان:
أحدهما: أنه فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده، والتقدير: أفعلت هذا بآلهتنا فلمّا حذف الفعل انفصل الضمير.
والثاني: أنه مبتدأ والخبر بعد الجملة.
والفرق بين الوجهين من حيث اللفظ واضح، فإنَّ الجملة من قوله» فَعَلْتَ «الملفوظ بها على الأول لا محل لها، لأنها مفسرة ومحلها الرفع على الثاني، ومن حيث المعنى أنّ الاستفهام إذا دخل على الفعل أشعر بأنَّ الشك إنما تعلق به (هل وقع أم لا؟ من غير شك في فاعله. وإذا دخل على الاسم وقع الشك فيه) هل هو الفاعل أم غيره؟ والفعل غير مشكوك في وقوعه، بل هو واقع فقط.
فإذا قلت: أَقَامَ زَيْدٌ؟ كان شكك في قيامه. وإذا قلت: أَزَيْدٌ قَامَ؟ وجعلته مبتدأ كان شكك في صدور الفعل منه أم من عمرو.
والوجه الأولى هو المختار عند النحاة، لأنَّ الفعل تقدم ما يطلبه، وهو أداة الاستفهام.
قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ هذا الإضراب عن جملة محذوفة تقديره: لم أفعله إنما الفاعل حقيقة الله تعالى، وإسناد الفعل إلى» كَبِيرُهُمْ «من أبلغ التعاريض.
قوله:» هَذَا «فيه ستة أوجه:
стр. 8276
أحدها: أن يكونَ نعتاً ل» كَبِيرُهُمْ «.
الثاني: أن يكون بدلاً من» كَبِيرُهُمْ «.
الثالث: أن يكون خبراً ل» كَبِيرُهُمْ «على أنَّ الكلام يتم عند قوله» بَلْ فَعَلَهُ «وفاعل الفعل محذوف. كذا نقله أبو البقاء، وقال: وهذا بعيد، لأنَّ حذف الفاعل لا يسوغ. قال شهاب الدين: وهذا القول يعزى للكسائي، وحينئذ لا يحسن الرد عيله بحذف الفاعل فإنه يجيز ذلك، ويلزمه، ويجعل التقدير: بل فعله من فعله ويجوز أن يكون أراد بالحذف الإضمار، لأنه لمّا لم يذكر الفاعل لفظاً سمى ذلك حذفاً.
الرابع: أن يكونَ الفاعل ضمير «فَتًى» .
الخامس: أني كون الفاعل ضمير «إبْرَاهِيم» .
وهذان الوجهان يؤيدان أنَّ المراد بحذف الفاعل إنَّمَا هو الإضمار.
السادس: أن «فَعَلَهُ» ليس فعلاً، بل الفاء حرف عطف دخلت على «عَلَّ» التي أصلها «لَعَلَّ» حرف ترج وحذف اللام الأولى ثابت، فصار اللفظ «فَعَلَّهُ» أي: فَلعلّه، ثم حذف اللام الأولى وخففت الثانية. وهذا يعزى للفراء وهو مرغوب عنه. وقد استدل على مذهبه بقراءة ابن السميفع «فَعَلَّهُ» بتشديد اللام، وهي قراءة شاذة لا يرجع بالقراءة المشهورة إليها، وكأن الذي حملهم على هذا خفاء وجه صدور هذا الكلام من النبي ﵇.
стр. 8277
فصل
اعلم أن القوم لمّا قالوا له ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾ طلبوا منه الاعتراف بذلك، ليقدموا على إيذائه، فقلب الأمر عليهم وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ ، وكان قد علق الفأس في رقبته، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم وإظهار جهلهم في عبادة الأوثان، وقال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ واعلم أنّ للناس هاهنا قولان:
الأول: قول كافة المحققين، وهو أنّ قول إبراهيم ﵇ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ من قبيل التعريض، وهو من وجوه:
أحدها: أنًّ قصد إبراهيم ﵇ تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضيّ، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم، وهذا كما لو قال صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط، ولا يقدر هو إلا على خرمشة فاسدة: أأنت كتبت هذا، فقلت له: بل كتبته أنت، وكأن قصدك بهذا تقريره لك كع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء وإثبات للقادر.
وثانيها: أنَّ إبراهيم ﵇ غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحال عليه.
وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم عن مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإنَّ حق من يُعْبَد، ويُدْعَى إلهاً أن يقدر على هذا أو أشد منه ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري.
ورابعها: ما تقدم عن الكسائي أنه اكن يقف عند قوله «كَبِيرُهُمْ» ثم يبتدئ فيقول: ﴿هذا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ . والمعنى: بل فعله كبيرهم، وعنى نفسه، لأنّ الإنسان أكبر من كل صنم، وأنه كناية عن غير مذكور، أي: فعله من فعله و «كَبِيرهُمْ» ابتداء كلام.
وخامسها: قال الطِّيبي معناه على التقديم والتأخير، أي بل فعله كبيرهم إن كانوا
стр. 8278
ينطقون فاسألوهم، فجعل النطق شرطاً للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك.
وسادسها: قراءة ابن السميفع المتقدمة.
والقول الثاني: قال البغوي: والأصح أن إبراهيم ﵇ أراد بذلك الفعل إقامة الحجة عليهم فذلك قوله: ﴿هذا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، لما «روي أبو هريرة عن رسول الله ﷺ َ - أنه قال: لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله، قوله:» إنِّي سَقِيمٌ «، وقوله:» بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا «، وقوله لسارة:» هذه أختي «وفي حديث الشفاعة قول إبراهيم ﵇» إنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ «والقائلون بهذا القول قدروه من جهة العقل وقالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته فإنَّ النبي إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان فجاء الظالم وسأل عنه، فإنه يجب الكذب فيه، وإذا كان كذلك، فأي بُعْد في ان يأذن الله في ذلك لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما أذن ليوسف ﵇ حين أمر مناديه لإخوته: ﴿أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] ولم يكونوا سرقوا.
قال ابن الخطيب: وهذا القول مرغوب عنه أما الخبر فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه فلنجر هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، وتطرق المهمة إلى كلها، ثم لو صح ذلك الخب فهو محمول على المعاريض على ما قاله ﵇» إنَّ في المَعَارِيضِ لمندوحةً عن الكَذِبِ «.
стр. 8279
فأمّا قوله:» إني سَقِيمٌ «فلعله سقيم القلب كما يجيء في موضعه.
وأمّا قوله:» بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ «فقد ظهر الجواب عنه. وأما قوله لسارة: هذه أختي، أي: في الدين. وأما قصة يوسف ﵇ فتقدم الكلام عليها.
قوله: ﴿إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ جوابه محذوف لدلالة ما قبله، ومن جوَّز التقديم جعل» فَاسْألُوهُمْ «هو الجواب.
قوله: ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾ فيه وجوه:
الأول: أنَّ إبْراهيم ﵇ لما نبههم على قبح طريقتهم بما أورده عليهم علموا أنَّ عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور وجهل في ذلك.
الثاني: قال مقاتل: ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ﴾ فلاموها وقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾ لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير.
الثالث: أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتموه ختى إنه يستهزئ بكم في الجواب.
قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ قرأ العامة:» نُكِسُوا «مبنياً للمفعول مخفف الكاف أي: نكسهم الله أو خجلهم.
و «عَلَى رُؤُوسِهِم» حال، أي: كائنين على رؤوسهم. ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل. والنَّكْسُ والتَّنْكِيسُ: القلب، يقال:
стр. 8280
نَكَسَ رَأْسَهُ ونَكَّسَهُ مخففاً ومشدداً. اي: طأطأه حتى صار أعلاه أسفله.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود وابن مقسم: «نُكِّسُوا» بالتشديد وقد تقدم أنه لغة في المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا لتكثير.
وقرأ رضوان بن عبد المعبود: «نَكَسُوا» مخففاً مبنياً للفاعل، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم.
فصل
قال المفسرون: أجرى اله الحق على ألسنتهم في القول الأول ثم أدركتهم الشقاوة فهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ أي: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم. وقيل: قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخزالاً مما بهتهم إبراهيم، فلما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة لإبراهيم ﵇ حين جادلهم - فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم.
قوله: ﴿مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ هذه الجملة جاب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مضمر، وذلك القول المضمر حال من مرفوع «نُكِسُوا» أي: نكسوا قائلين: والله لقد علمت.
قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ يجوز أن تكون «مَا» حجازية فيكون «هَؤُلَاءِ» و «يَنْطِقُونَ» في محل نصب خبرها.
أو تميمية فلا عمل لها. والجملة المنفية بأسرها سادة مسد المفعولين إن كانت «عَلِمْت» على بابها، ومسد واحد إن كانت عرفانية.
قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ إن عبدتموه، ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾
стр. 8281
إن تركتم عبادته. «أفٍّ لَكُمْ» أي: نتناً وقذراً لكم ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ تقدم الكلام على «أُفٍّ» في سورة سبحان. قال الزمخشري: «أُفٍّ» صوت إذا صوت به دل على أنّ صاحبه متضجر، وأن إبراهيم ﵇ أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد وضوح الحق وانقطاع عذرهم وزهوق الباطل فتأفف.
واللام في «لَكُم» وفي «لِمَا» لام التبيين، أي: لتأفيف لَكُمْ لا لغيركم، وهي نظير قوله: «هَيْتَ لَكَ» . ثم قال: «أَفَلَا تَعْقِلُونَ» أي: أليس لكم عقل تعقلون هذا وتعرفونه؟
стр. 8282
فلما ألزمهم الحجة وعجزوا الحجة عن الجواب ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ﴾ ليس في القرآن من القائل ذلك، والمشهور انه نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن مكوش بن حام بن نوح. وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنما أشار بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد من فارس.
ورى ابن جريج عن وهب عن شعيب قال: إن الذي قال حرقوه اسمه هرين فخسف الله به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
стр. 8283
فصل
قال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا له بنياناً كالحظيرة، وذلك قوله: ﴿قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجحيم﴾ [الصافات: ٩٧] . ثم جمعوا له الحطب الكثير، حتى إنَّ الرجل أو المرأة لو مرضت قالت: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم. وقيل: بنوا آتوناً بقرية يقال لها كوثى.
ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوماً، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتساباً في دينها، فلما اشتعلت النار، واشتدت حتى إن كانت الطير لتمر به وهي في أقصى الجو فيحترق من شدة وهجها. روي أنَّهم لم يعلموا كيف يلقوه فيها؟ فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له: هيزن، وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇ فوضعوه فيه مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة صيحة واحدة: أي ربنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: «إن استغاث به وأما وَليُّهُ فهلوا بيني وبينه، فإنه خليل ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري» .
فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار. وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء.
فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل.
قال ابن عباس: ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] قالها إبراهيم حين القي في النار، وقالها محمد حين قيل له: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤] فحين ألقي في النار قال: «لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك
стр. 8284
لك» . ثم رموه في المنجنيق إلى النار، فأتاه جبريل، فقال: يا إبراهيم الك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك قال: حسبه من سؤالي علمه بحالي.
فقال الله تعالى: ﴿يانار كُونِي بَرْداً وَسَلَامَا على إِبْرَاهِيمَ﴾ . قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ النار. «وروت أم شريك أنَّ رسول الله ﷺ َ - أمر بقتل الوزغ وقال:» كان ينفخ علىإبراهيم «وقال السُّدِّيّ: القائل ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلَامَا﴾ هو جبريل. وقال ابن عباس في رواية مجاهد: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، قال: ولم يبق يومئذ نار إلا طفئت، ولو لم يقل» عَلَى إِبْرَاهِيم «بقيت ذات برد أبداً. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، ولم تحرق النار منه لا وثاقه. وقال المنهال بن عمرو: أخبرت أنّ إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار كان فيها إما أربعين يوماً أو خمسين يوماً، وقال: ما كنت أطيب عيشاً مني إذا كنت فيها. قال ابن يسار: وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه، وأتى جبريل بقميص من حرير الجنة وَطِنْفسَة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال: يا إبراهيم إنَّ ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي.
ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق، فناداه نمروذ: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟
стр. 8285
قال: نعم، قم فاخرج، فقام يمشي حتى خرج منها.
قال له نمروذ: من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني، فقال له نمروذ: إني مقرِّب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، وإنِّي ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال إبراهيم ﵇ لا يقبل الله نمنك ما دمت على دينك هذا، قال نمروذ: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبحها ثم كف عن إبراهيم.
روي أن إبراهيم ﵇ ألقي في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وإنما اختاروا المعاقبة بالنار، لأنها أقوى العقوبات. وقيل: روي أن هاران أبا لوط قال لهم: إن النار لا تحرقه، لأنه سحر العقوبات. وقيل: روي أن هاران أبا لوط قال لهم: إن النار لا نحرقه، لأنه سحر النار، وبكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته، ففعلوا، فطارت شرارة في لحية أبي لوط فأحرقته.
قوله:» بَرْداً «أي: ذات برد. والظاهر في» سَلَاماً «أنه نسق على» بَرْداً «فيكن خبراً عن» كوني «. وجوَّز بعضهم أن ينتصب على المصدر المقصود به التحية في العرف وقد رُدَّ هذا بأنه لو قصد ذلك لكان الرفع فيه أولى، نحو قول إبراهيم:» سَلَامٌ «، وهذا غير لازم، لأنه لا يجوز أن يأتي القرآن على الفصيح والأفصح، ويدل على ذلك أنه جاء مقصوداً، والمقصود به التحية نحو قول الملائكة:» قَالُوا سَلَاماً «.
وقوله «عَلَى إبْرَاهِيمَ» متعلق بنفس إن قصد به النحية. ويجوز أن يكون صفة فيتعلق بمحذوف، وعلى هذا فيحتمل أن يكون قد حذف صفة الأول لدلالة صفة الثاني عليه تقديره: كوني برداً عيله وسلاماً عليه.
فصل
قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قولنا «قُلْنَا يَا نَارُ» المعنى: أنه سبحانه وتعالى
стр. 8286
جعل النار برداً وسلاماً لا أنَّ هناك كلاماً كقوله: ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] أي: يكونه. واحتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه.
والأكثرون على انه وجد ذلك القول، ثم هؤلاء قولان:
أحدهما: قال السُّديِّ: القائل هو جبريل.
والثاني: قول الأكثرين إنَّ القائل هو الله تعالى، وهو الأقرب الأليق بالظاهر. وقوله: النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة.
فالجواب: لِمَ لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.
فصل
اختلفوا في كيفية برد النار. فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحرارة والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، والله على كل شيء قدير.
وقيل: إنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وقيل: إنه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه.
قال المحققون: والأول أولى، لأنَّ ظاهر قوله: ﴿يانار كُونِي بَرْداً﴾ أي نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تاثرها. فإن قيل: الناؤ إن بقيت كما كانت، والحرارة جزء من مسمى النار، وامتنع كون النار باردة، فإذن يجب أن يقال: المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجاء مسمى النار، وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى. فالجواب: أن المجاز الذي ذكرناهخ يبقى معه حصول البرد وفي الذيب ذكرتم لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى.
فصل
معنى كون النار سلاماً على إبراهيم: أنَّ البرد إذا أفرط أهلك كالحر فلا بُدّ من الاعتدال، وهو من وجوه:
стр. 8287
الأول: أن يقدر الله بردها بالمقدار الذي لا يؤثر.
والثاني: أنَّ بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد.
والثالث: أنه تعالى جعل في جسمه مزيدَ حرٍّ فانتفع بذلك البرد وَالتَذَّ بهِ.
فصل
روي أنّ كلّ النيران في ذلك الوقت زالت وصارت برداً، ويؤيد ذلك أنَّ النار اسم للماهية، فر بُدّ وأنْ يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية وقيل: بل اختصت بتلك النار، لأنّ الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار، وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد خلاص إبراهيم لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق.
فإن قيل: أفيجو ما روي من أنه لو لم يقل «وَسَلَاماً» لأتى الرد عليه. قال ابن الخطيب: ذلك بعيد، لأنَّ برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال: كان البرد يعظم لولا قوله: «سَلَاماً» .
قوله: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً﴾ أي: أرَادُوا ان يكيدوه ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾ .
قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم.
وقيل: فجعلناهم مغلوبين غالبوه فلقنه الله الحجة وقيل: أرسل الله على نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته.
قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ لما نصره الله تعالى أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجَّى لوطاً وهو ابن أخيه، وهو لوط بن هاران نجاهما من نمروذ وقومه من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة، وقيل: أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء.
وقال تعالى: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] قال أُبي بن كعب: سماها مباركة، لأنّ ما من ماء عذب وإلا وينبع أصله منتحت الصخرة التي ببيت المقدس وروى قتادة أنّ عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها
стр. 8288
مهاجر رسول الله ﷺ َ - وقبره، فقال إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده.
«وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ َ - يقول:» إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم «قوله:» وَلُوطاً «يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أَنْ يكونَ معطوفاً على المفعول قبله.
والثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً معه. والأول أولى.
وقوله:» إِلَى الأَرْضِ «يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلق ب،» نَجَّيْنَاهُ «علىأن يتضمن معنى أخرجناه بالنجاة فلما ضمن معنى أخرج تعدى تعديته.
والثاني: أنه لا تضمين فيه وأنَّ حرف الجر يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في» نَجَّيْنَاهُ «أي: نجيناه منتهياً إلى الأرض كذا قدره أبو حيان وفيه نظر من حيث إنه قدر كوناً مقيداً وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيره ذلك.
فصل
اعلم أنَّ لوطاً آمن بإبراهيم كما قال تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة، وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عن إبراهيم فخرج من كوشى من أرض حدود بابل بالعراق مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حَرَّان فمكث بها
стр. 8289
ما شاء الله، ثم ارتحل منها ونزل أرض السبع من فلسطين وهي برية الشام، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، ونزل لزط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب، وبعثه الله نبياً، فلذلك قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 8290
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ . قال مجاهد وعطاء: النافلة العطية وكذل النفل، ويسمى الرجل الكثير العطاء نوفلاً.
وقيل: الزيادة. وقيل: ولد الوالد.
فعلى الأول ينتصب انتصاب المصدر من معنى العامل وهو «وَهَبْنَا» لا من لفظه لأنّ الهبة والعطاء متقاربان فهي كالعاقبة والعافية. وعلى الآخرين ينتصب على الحال، والمراد بها يعقوب. والنافلة مختصة بيعقوب على كل تقدير، لأنّ إسحاق ولده لصلبه، وهذا قول ابن عباس وأُبيّ بن كعب وابن زيد وقتادة.
قوله: «وَكُلاًّ» مفعول أول ل «جَعَلْنَا» و «صَالِحِينَ» هو الثاني توسط العامل بينهما، والأصل: وجعلنا أي: صيرنا كلاًّ من إبراهيم ومن ذكر معه صالحين. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ كما تقدم إلا أنه لم يتوسط العامل.
وقوله: «يَهْدُونَ» صفة ل «أئمةً» و «بأَمْرِنَا» متعلق ب «يَهْدُونَ» وقد تقدم التصريف المتعلق بلفظ «أَئِمَّة» وقراءة القراء فيها.
فصل
المعنى: «وَكُلاً» من إبراهيم وإسحاق ويعقوب «جَعَلْنَا صَالِحِينَ» .
стр. 8291
قال الضحاك: أي: مرسلين، وقال آخرون: عاملين بطاعة الله. «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً» يقتدى بهم في الخبر «يَهْدُونَ» يدعون الناس إلى ديننا ﴿بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات﴾ أي: العمل بالشرائع. وقال أبو مسلم: المراد النبوة. «وَإِقَام الصَّلَاةِ» أي: وإقامة الصلاة، يعني المحافظة؟ ﴿وَإِيتَآءَ الزكاة وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾ موحدين. دلَّت هذه الآية على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ يدل على أنّ الصلاح من قبله.
وأجاب الجبائي: بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم «صَالِحِيْنَ» ويكونهم «أَئِمَّةٌ» وبكونهم «عَابِدَيْنَ» ، ولما مدحهم بذلك، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من التأويل وهو من وجهين:
الأول: أنْ يكونَ المراد أنه تعالى أتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به.
والثاني: أنَّ المراد تسميتهم بذلك كما يقال: زيد فسق فلاناً وكفره، إذا وصفه بذلك وكان مصدقاً عند الناس، وكما يقال في الحاكم زكى فلاناً، وعدله، وجرحه، إذا حكم بذلك. والجواب: المعارضة بمسألة العلم والداعي، وأما الحمل على اللطف فباطل، لأنَّ فعل الإلطاف عام في المكلفين، فلا بُدَّ في هذا التخصيص من مزيد فائدة، ولأنّ قوله: جعلته صالحاً كقولك: جعلته متحركاً، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ترك للظاهر. وأما الحمل على التسمية فمحال، لأنّ ذلك إنما يصار إليه إلا عند الضرورة في بعض المواضع، ولا ضرورة ههنا إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم وحينئذ نرجع إلى مسألتي الداعي والعلم.
قوله: «فِعْلَ الخَيْرَاتِ» قال الزمخشري: أصله انْ تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، (ثم فعل الخيرات) وكذلك ﴿إِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾ .
قال أبو حيَّان: كأنَّ الزمخشري لما رأى أنَّ فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليس من الأحكام المختصة بالموحي إليهم، بل هم وغيرهم في ذلك مشتركون بنى الفعل للمفعول حتى لا يكون المصدر مضافاً من حيث المعنى إلى ضمير الموحى إليهم، فلا يكون فعلهم الخيرات وإقامتهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة، ولا يلزم ذلك إذ الفاعل
стр. 8292
مع المصدر محذوف. ويجوز أنْ يكونَ من حيث المعنى مضافاً إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم، والتقدير: فعل المكلفين الخيرات. ويجوز أن يكون مضافاً إلى ضمير الموحى إليهم أي: أن يفعلوا الخيرات ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وإذا كانوا هم قد أوحى إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك، ولا يلزم اختصاصهم به. ثم اعتقاد بناء المصدر للمفعول مختلف فيه أجاز ذلك الأخفش، والصحيح منعه، فليس ما اختاره الزمخشري بمختار. قال شهاب الدين: الذي يظهر أنّ الزمخشري لم يقدر هذا التقدير الذي ذكره الشيخ حتى يلزمه ما قاله بل إنما قدّر ذلك، لأن نفس الفعل الذي هو معنى صادر من فاعله لا يوحى إنما يوحى ألفاط تدل عليه فكأنه قيل: وأوحينا هذا اللفظ وهو أن نفعل الخيرات، ثم صاغ ذلك الحرف المصدري مع ما بعده منوناً ناصباً لما بعده، ثم جعله مصدراً مضافاً لمفعوله.
وقال ابن عطية: والإقام مصدر وفي هذا نظر انتهى، يعني ابن عطية بالنظر أن مصدر (أفعل) على (الإفعال) ، فإنْ كان صحيح العين جاء تاماً كالإكرام، وإنْ كان معتلها حذف منه إحدى الألفين، وعوض منه تاء التأنيث فيقال: إقامة، إذا اعتلت عينه،
стр. 8293
وحسن ذلك أنه قابل: «وَإِيتَاءَ الزَّكاة» وهو بغير تاء فتقع الموازنة بين قوله ﴿وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾ . وقال الزجاج: حذف التاء من إقامة، لأنَّ الإضافة عوض عنها. وهذا قول الفراء زعم أنَّ التاء تحذف للإضافة كالتنوين.
стр. 8294
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ الآية.
في الواو في قوله: «وَلُوطاً» قولان:
أحدهما: قال الزجاج: إنَّه عطف على قوله «وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ» .
والثاني: قال أبو مسلم: إنه عطف على قوله ﴿آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] ولا بُدَّ من ضمير في قوله: «وَلُوطاً» كأنه قال: وآتينا لوطاً، فهو منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده تقديره: وآتينا لوطاً آتيناه، فهي من الاشتغال والنصب في مثله هو الراجح، ولذلك لم يقرأ به لعطف جملته على جملة فعلية وهو أحد المرجحات.
стр. 8295
وقيل: إنَّ «لُوطاً» منصوب ب (اذكر) لوطاً.
«آتَيْنَاهُ حُكْماً» أي: الحكمة، أو الفصل بين الخصوم بالحق، وقيل: النبوة «وَعِلْماً» قيل: أدخل التنوين على الحكم والعلم دلالة على علو شأن ذلك الحكم وذلك العلم.
قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القرية﴾ أي: من أهل، يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ وكذلك أسند عمل الخبائث إليها، والمراد أهلها يريد سدوساً.
والخبائث صفة لموصوف محذوف أي: يعمل الأعمال لخبائث، كانوا يأتون الذكران في أدبارهم، ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أُخَر كانوا يعلمون من المنكرات ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ قال مقاتل: الرحمة النبوة وقال ابن عباس والضحاك: إنَّها الثواب. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصالحين﴾ .
стр. 8296
قوله تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ الآية. في نصب «نوحاً» وجهان:
أحدهما: أنه منصوب عطفاً على «لوطاً» فيكون مشتركاً معه في عامله الذي هو «آتَيْنَاهُ» المفسر ب «آتَيْنَاهُ» الظاهر، وكذلك ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ والتقدير: وَنُوحاً آتيناه حُكْماً وداود وسليمان آتيناهما حكماً، وعلى هذا ف «إذْ» بدل من «نُوحاً» ومن «داود وسليمان» بدل اشتمال، وتقدم تحقيق مثل هذا في طه.
стр. 8297
الثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر) ، أي: اذكر نوحاً وداود وسليمان أي: اذكر خبرها وقصتهم، وعلى هذا فيكون «إذْ» منصوبة بنفس المضاف المقدر، أي: خبرهم الواقع في وقت كان كيت وكيت.
وقوله: «مَنْ قَبْلُ» أي: من قبل هؤلاء المذكورين.
فصل
المراد من هذا النداء: دعاؤه على قومه بالعذاب، ويدل على لك قوله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر﴾ [القمر: ١٠] ، وقوله: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] ويؤكده قوله تعالى ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ «فَنَجَّيْنَاهُ» ، يدل على ذلك أنَّ نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من الأذى بسبب تكذيبهم وردهم عليه واتفق المحققون على أنَّ ذلك النداء كان بأمر الله، لأنَّه لو لم يكن بإذنه لم يؤمن أن يكون المصلحة أن لا يجاب إليه، فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء. وقال آخرون: لم يكن مأذوناً له في ذلك. قال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله كحسرة آدم ونوح ﵉ فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه على قومه فأوحى الله إليه أن دعوتك وافقت قدرتي قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم﴾ المراد بالأهل هنا اهل دينه قال ابن عباس: المراد ﴿مِنَ الكرب العظيم﴾ من الغرق وتكذيبه قومه وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عُمراً وأشدَّهُمْ بلاءً، والكرب أشد الغم.
قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يُضمن «نَصَرْنَاهُ» معنى منعناه وعصمناه، ومثله ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩] فلما تضمن معناه تعدى تعديته.
стр. 8298
والثاني أن (نصر) مطاوعه (انتصر) فتعدى تعدية ما طاوعه، قال الزمخشري هو نصر الذي نطاوعه انتصر، وسمعت هذيلاً يدعو على سارق اللهم انصرهم منه أي: اجعلهم منتصرين منه. ولم يظهر فرق بالنسبة إلى التضمين المذكور فإن معنى قوله: منتصرين منه أي: ممتنعين أو معصومين منه.
الثالث: أن «مِنْ» بمعنى «عَلَى» أي: على القوم، (وقرأ أبي «ونَصَرْنَاهُ عَلَى القَوْمِ» ) . قال المبرد: ونصرناه من مكروه القوم.
قال تعالى: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩] . والمعنى منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أن يصلوا إليه بسوء ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ﴾ لتكذيبهم له وردهم عليه ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فخلصه منهم بذلك.
стр. 8299
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية. تقدم الكلام على الإعراب.
واعلم أَنَّ المقصود ذكر نعم الله على داود وسليمان، فذكر أولاً النعمة المشتركة بينهما ثم ذكر ما يخصّ كل واحد منهما من النعم. أما النعمة المشتركة فهي قصة الحكومة، وهو أن الله زينهما بالعلم والفهم في قوله: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ قال أكثر المفسرين: المراد بالحرث الزرع. وقال ابن مسعود وابن عباس: كان الحرث كرماً قد تدلت عناقيده. ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم﴾ أي رعته ليلاً فأفسدته؛
стр. 8300
والنَّقْشُ: الرعي بالليل. قاله ابن السكيت، وهو قول جمهور المفسرين. والنَّفْشُ: الانتشار، ومنه ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ونفشت الماشية أي: رعت ليلاً بغير راع، عكس الهَمَل وهو رعيها نهاراً بلا راع. وعن الحسن: أنَّ النفش هو الرعي بلا راع كان أو نهاراً.
قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ في الضمير المضاف إليه «حُكْم» أوجه:
أحدها: أنه ضمير جمع يراد به المثنى، وإنما وقع الجمع موقع التثنية مجازاً، أو لن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل علىأنَّ المراد التثنية قراءة ابن عباس «لِحُكْمِهما» بصيغة التثنية.
الثاني: أنَّ المصدر مضاف للحاكمين والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة.
وهذا يلزم منه إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعو واحدة، وهو إنما يضاف لأحدهما فقط. وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله.
الثالث: أنَّ هذا مصدر لا يراد به الدلالة على علاج، بل جيء به للدلالة على أنَّ هذا الحدث وقع وصدر كقولهم: له ذكاء الحكماء، وفهم فهم الأذكياء فلا ينحل بحرف مصدري وفعل، وإذا كان كذلك فهو مضاف في المعنى للحاكم والمحكوم له والمحكوم عيله، ويندفع المحذوران المذكوران.
قوله: «فَفَهَّمْنَاهَا» . قرأ العامة «فَفَهَّمْنَاهَا» بالتضعيف الذي للتعدية، والضمير للمسألة أو للفتيا.
وقرأ عكرمة: «فَأَفْهَمْنَاهَا» بالهمزة عداه بالهمزة كما عدّاه العامة بالتضعيف.
следующие страницы →