← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

قال ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ

стр. 8717

شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤] قال عاصم بن عدي الأنصاري: «إنْ دخل رجلٌ منا بيته فرأى رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت عن غيظ، اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عُوَيْمِر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت شريك بن سَحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ َ - فقال: يا رسول الله، ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، فقال رسول الله ﷺ َ -:» وما ذاك «؟ فقال: أخبرني عويمر ابن عمي أنه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خوله، فدعا رسول الله ﷺ َ - لهم جميعاً، فقال لعويمر:» اتقِ اللَّهَ في زوجتكِ وابنة عمك، ولا تقذفها «فقال: يا رسول الله، تالله لقد رأيت شريكاً على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غَيري. فقال لها رسول الله ﷺ َ -» اتّقي اللَّهَ ولا تخبرِي إلا بما صنعتِ «فقالت: يا رسول الله، إن عويمر رجلٌ غيور، وإنه رأى شريكاً يطيل النظر ويتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسولُ الله ﷺ َ) بأن يؤذَّن: الصلاة جامعة، فصلى العصر ثم قال لعُوَيْمِر: قم وقل: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد أني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمنَ الصادقين، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عُوَيْمِر (يعني: نفسه) إن كان من الكاذبين. ثم قال: اقعد، وقال لخولة: قومي، فقامت وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: أشهد بالله ما أنا حُبْلى منه وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الرابعة: اشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه من الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عُوَيْمر من الصادقين في قوله، ففرق النبي ﷺ َ - بينهما» . وفي رواية عكرمة عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ َ -

стр. 8718

بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ َ -:» البينة وإلا حدٌّ في ظهرك «. فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ َ - يقول:» البينَةُ وإلَاّ حَدٌّ في ظهْرِك «. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزيل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِن كَانَ مِنَ الصادقين﴾ فانصرف رسول الله ﷺ َ - فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ َ - يقول:» إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ «؟ . ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، وقال النبي ﷺ َ -: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، حدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء. فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ َ -:» لَوْلَا مَا مَضَى من كتابِ الله لكانَ لِي ولَهَا شَأْن «. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال:» لما نزلت ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ... ﴾ [النور: ٤] الآية قال سعد بن عبادة: لو أتيت لَكَاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة - فقال رسول الله ﷺ َ -: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ» . قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، ولا طلق امرأة له واجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك، فقال ﵇: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْبَى إِلَاّ ذلك» . فقال: صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن أمية (من حديقة له) ، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فرأى

стр. 8719

رجلاً مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ َ - وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً فوجدتُ رجلاً مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ َ - ما جاء به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق، وما قلت إلا حقاً، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجاً، فهم رسول الله ﷺ َ - بضربه، قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، يُجْلَد هلال وتبطل شهادته، فإنهم لكذلك ورسول الله ﷺ َ - يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... إلى آخر الآيات﴾ . فقال رسول الله ﷺ َ -: «أبشر يا هلال، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ فَرجاً» . فقال: كنت أرجو ذلك من الله فقال رسول الله ﷺ َ -: «أرسلوا إلَيْها» فجاءت فكذبت هلال. فقال ﵇: «اللَّه يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» ؟ وأمر بالملاعنة، وشهد هلال أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقال ﵇ له عند الخامسة: «اتَّقِ اللَّهَ يَا هلالُ، فإنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة» . فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله، وشهد الخامسة: أنَّ لعنةَ الله إِنْ كَانَ مِنَ الكاذِبين، ثم قال رسول الله ﷺ : " أتشهدين "؟ فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم قال لها عند الخامسة ووقفها: «اتقي الله فإنها الخامسة الموجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس» . فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كانَ من الصَّادقين. ففرق رسول الله ﷺ َ - بينهما، وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله ﷺ َ -: «إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي قِيلَ فِيهِ» . فجاءت به غلاماً كأنه جمل أورق، على التشبيه المكروه، وكان بعد أميراً بمصر ولا يدرى من أبوه «. فصل إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة، والتعزير إن لم تكن محصنة، كما في رمي الأجنبي، إلا أن قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف، أو ببينة أربعة شهداء على الزنا.

стр. 8720

وفي قذف الزوجة يسقط الحد عنه بأحد هذين الأمرين وباللعان. وإنما اعتبر الشارع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات، لأنه لا معيرة عليه في زنا الأجنبية، والأولى له سترة. وأما في الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه. فصل إذا قذف زوجته ونكل عن اللعان لزمه حد القذف، فإذا لَاعَن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا. وقال أبو حنيفة: يجلس الناكل منهما حتى يلاعن. حجة القول الأول: قوله تعالى: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَاّ أَنفُسُهُمْ ... ﴾ الآية؛ فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد. وأيضاً قوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ والألف واللام في «العَذَاب» للمعهود السابق وهو الحدّ، وليس للعموم، لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب. ومما يدل على بطلان الحبس في حق المرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدُّوني، وإن كان كاذباً فخلوني. وليس حبس في كتاب الله وسنة رسوله ولا الإجماع ولا القياس. واحتج أبو حنيفة بأن المرأة ما فعلت سوى أنها تركت اللعان وهذا الترك ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به، فوجب ألا يجوز رجمها لقوله ﵇: «لا يَحلُّ دَمُ امرئٍ مُسْلِمٍ» الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن، لأن لا قائل بالفرق. وأيضاً فالنكول بصريح الإقرار، فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.

стр. 8721

فصل من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً، أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية. فإن قيل: اللعان شهادة، فوجب ألا يصح إلا من أهل الشهادة. وإنما قلنا: اللعان شهادة، لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ فسمى اللعان شهادة كقوله: «واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ» ، ولأن النبي ﷺ َ - أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين، وإذا ثبت أن اللعان شهادة وجب ألا تقبل من المحدودين في القذف لقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور: ٤] ، وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة، أو لأنه لا قائل بالفرق. فالجواب: أن اللعان ليس شهادة في الحقيقة، بل هو يمين مخصوصة، لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا تجوز شهادتهما فإن قيل: الفاسق والفاسقة قد يتوبان. قلنا: وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته. فصل قال عثمان البتي: إذا تَلَاعَنَ الزوجان لم تقع الفرقة، لأن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة، فلا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة، ولأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قوله، وهذا لا يوجب تحريماً، (ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريماً) ، فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة فأولى ألا يوجب تحريماً. وأيضاً لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة، فكذا عند الحاكم. وأيضاً فاللعان إسقاط الحد (فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد) .

стр. 8722

وأيضاً فلو أكذب الزوج نفسه في قذفة إياها ثم حُدَّ لم يوجب ذلك الفرقة، فكذا إذا لَاعَن، لأن اللعان قائم مقام درء الحد. وأما تفريق النبي ﷺ َ - في قصة العجلاني، وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما. وقال أصحاب الرأي: لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما، لما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ولأن في قصة عويمر أنهما لما فرغا قال: كذبتُ عليْهَا يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً، (فطلقها ثلاثاً) قبل أن يأمرهما، ولو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: كذبت عليها إن أمسكتُها، لأن إمساكها غير ممكن، ولأن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم، فوجب ألا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم، كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم وقال مالك والليث وزفر: (إذا فرغا) من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم بينهما، لأنه لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا، بل فرق بينهما، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة. وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة فقد زال فراش امرأته، ولا يحل له أبداً لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب ... الآية﴾ ، فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج، ولأن لعان الزوج مستقلّ بنفي الولد، فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها. فصل في كيفية اللعان وهو مذكور في الآية صريحاً. قال العلماء: يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة،

стр. 8723

وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له: إني أخاف إن لم تكن صادقاً. ويكون اللعان عند الحاكم، فإن كان بمكة كان بين المقام والركن، وإن كان بالمدينة عند المنبر، وبيت المقدس في مسجده، وفي المواضع المعظمة. ولعان المشرك في الكنيسة وأما في الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد من حضور جماعة، وأقلهم أربعة. وهذا التغليظ قيل: واجب. وقيل: مستحب. فصل معنى الآية: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: يقذفون نساءهم ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ﴾ يشهدون على صحة ما قالوا «إلَاّ أَنْفُسُهُمْ» أي: غير أنفسهم ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ . قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَاّ أَنفُسُهُمْ﴾ . في رفع «أنفسهم» وجهان: أحدهما: أنه بدل من «شُهَدَاءُ» ، ولم يذكر الزمخشري في غضون كلامه (غيره) . والثاني: أنه نعت له على أن «إلا» بمعنى: غير. قال أبو البقاء: ولو قرئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر «كانَ» ، أو منصوباً على الاستثناء، وإنما كان الرفع هنا أقوى لأن «إلا» هنا صفة للنكرة كما ذكرنا في سورة الأنبياء. قال شهاب الدين: وعلى قراءة الرفع يحتمل أن تكون «كان» ناقصة، وخبرها الجار، وأن تكون تامة، أي: ولم يوجد لهم شهداء. وقرأ العامة «يَكُنْ» بالياء من تحت، وهو الفصيح، لأنه إذا أسند الفعل لما بعد «إلا» على سبيل التفريغ وجب عند بعضهم التذكير في الفعل نحو «ما قام إلا هند» ولا يجوز «ما قامت» إلا في ضرورة كقوله:

стр. 8724

٣٨١٥ - وَمَا بَقِيَتْ إِلَاّ الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ ... أو في شذوذ، كقراءة الحسن: ﴿لَا تُرَى إِلَاّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ . وقرئ: «وَلَمْ تَكُنْ» بالتاء من فوق، وقد عرف ما فيه. قوله: «فَشَهَادةُ أَحَدِهِمْ» في رفعها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ، وخبره مقدر التقديم، أي: فعليهم شَهَادة، أو مؤخر أي: فشهادة أحدهم كافية أو واجبة. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب شهادة أحدهم. الثالث: أن يكون فاعلاً بفعل مقدر، أي: فيكفي، والمصدر هنا مضاف للفاعل. وقرأ العامة: «أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» بالنصب على المصدر، والعامل فيه «شَهَادة» . فالناصب للمصدر مصدر مثله كما تقدم في قوله: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ [الإسراء: ٦٣] . وقرأ الأخوان وحفص برفع «أَرْبَعُ» على أنها خبر المبتدأ، وهو قوله: «فَشَهادةُ» . ويتخرج على القراءتين تعلق الجار في قوله: «بِاللَّهِ» .

стр. 8725

فعلى قراءة النصب يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «شَهَادَاتٍ» لأنه أقرب إليه. والثاني: أنه متعلق بقوله: «فَشَهَادَةُ» أي: فشهادة أحدهم بالله، ولا يضر الفصل ب «أَرْبَعُ» لأنها معمولة للمصدر فليست أجنبية. الثالث: أن المسألة من باب التنازع، فإن كلاًّ من «شَهَادَةُ» أو «شَهَادَاتٍ» يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهو مختار البصريين وعلى قراءة الرفع يتعين تعلقه ب «شَهَادَاتٍ» إذ لو علقت ب «شَهَادةُ» لزم الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، ولا يجوز أنه أجنبي. ولم يختلف في «أَرْبَعَ» الثانية، وهي قوله: ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ أنها منصوبة، للتصريح بالعامل فيها وهو الفعل. قوله: «والخَامِسَةُ» اتفق السبعة على رفع «الخَامِسَةُ» الأولى، واختلفوا في الثانية: فنصبها حفص. ونصبهما معاً الحسن والسلمي وطلحة والأعمش. فالرفع على الابتداء، وما بعده من «أَنَّ» وما في حيزها الخبر. وأما نصب الأولى فعلى قراءة من نصب «أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» يكون النصب للعطف على المنصوب قبلها. وعلى قراءة من رفع يكون النصب بفعل مقدر، أي: وتشهد الخامسة. وأما نصب الثانية فعطف على ما قبلها من المنصوب وهو «أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» ، والنصب هنا أقوى منه في الأولى لقوة النصب فيما قبلها كما تقدم تقريره، ولذلك لم يختلف فيه. وأما «أَنَّ» وما في حيزها فعلى قراءة الرفع يكون في محل رفع خبراً للمبتدأ كما تقدم، وعلى قراءة النصب يكون على إسقاط الخافض ويتعلق الخافض بذلك الناصب

стр. 8726

ل «الخامسة» أي: ويشهد الخامسة بأنَّ لعنة الله، وبأن غضب الله وجوَّز أبو البقاء أن يكون بدلاً من «الخَامِسَة» . قوله: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ﴾ . قرأ العامة بتشديد «أنَّ» في الموضعين. وقرأ نافع بتخفيفها في الموضعين، إلا أنه يقرأ «غَضِبَ اللَّهُ» يجعل «غَضِبَ» فعلاً ماضياً، والجلالة فاعله، كذا نقل أبو حيان عنه التخفيف في الأولى أيضاً، ولم ينقله غيره. فعلى قراءته يكون اسم «أَن» ضمير الشأن في الموضعين، و «لَعنةُ اللَّهِ» مبتدأ و «عَلَيْهِ» خبرها، والجملة خبر «أَنْ» ، وفي الثانية يكون «غَضِبَ اللَّهُ» جملة فعلية في محل خبر «أَنْ» أيضاً. ولكنه يقال: يلزمكم أحد أمرين: وهو إمَّا عدم الفصل بين المخففة والفعل الواقع خبراً، وإما وقوع الطلب خبراً في هذا الباب، وهو ممتنع. تقرير ذلك: أن خبر (أنْ) المخففة متى كان فِعْلاً متصرفاً غير مقرون ب «قَدْ» وجب الفصل بينهما بما تقدم في سورة المائدة. فإن أجيب بأنه دعاء، اعترض بأن الدعاء طلب، وقد نصوا على أن الجمل الطلبية لا تقع خبراً ل «أَنَّ» ، حتى تأولوا قوله: ٣٨١٦ - إِنَّ الرِّياضَةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيْبِ ... وقوله: ٣٨١٧ - إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ ... لَا تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا على إضمار القول. ومثله: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ [النمل: ٨] .

стр. 8727

وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسُّلَمي وعيسى بتخفيف «أن» و «غَضَبُ الله» بالرفع على الابتداء، والجار بعده خبره، والجملة خبر «أَنْ» . وقال ابن عطية: و (أَنْ) الخفيفة على قراءة (نافع) في قوله: (أَنْ غَضِب) قد وليها الفعل. قال أبو علي: وأهل العربية يستقبحون أن يَلِيهَا الفعل، إِلَاّ أن يُفْصل بينها وبينه بشيء، نحو قوله: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] ، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَاّ يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩] ، فأما قوله: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ﴾ [النجم: ٣٩] فذلك لقلة تمكن (ليس) في الأفعال، وأما قوله: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ [النمل: ٨] و (بُورِكَ) في معنى الدعاء، فلم يجئ دخول الفاعل لئلا يفسد المعنى، فظاهر هذا أن (غَضِب) ليس دعاء، بل هو خبر عن ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها﴾ . والظاهر أنه دعاء كما أن (بُورِكَ) كذلك، وليس المعنى على الإخبار فيهما فاعتراض أبي علي وأبي محمد ليس بمرضي. قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله﴾ . جواب: «لَوْلَا» محذوف أي: لهلكتم أو لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان، ﴿وَأَنَّ الله تَوَّابٌ﴾ يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة «حَكِيمٌ» فيما فرض من الحدود.

стр. 8728

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ الآية. في خبر «إِنَّ» وجهان: أحدهما: أنه عصبةٌ و «مِنْكُمْ» صفته. قال أبو البقاء: «وبه أفاد الخبر» . والثاني: أن الخبر الجملة من قوله: «لَا تَحْسَبُوهُ» ، ويكون «عُصْبَةٌ» ، بدلاً من فاعل «جَاءوا» . قال ابن عطية: التقدير: إنَّ فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون «عُصْبَةٌ» خبر (إِنَّ) . كذا أورده عنه أبو حيان غير معترض عليه؛

стр. 8729

والاعتراض عليه واضح من حيث أنه أوقع خبر «إِنَّ» جملة طلبية، وقد تقدم أنه لا يجوز وإن ورد منه شيء في الشعر أُوِّلَ كالبيتين المتقدمين. وتقدير ابن عطية ذلك المضاف قبل الموصول ليصحّ به التركيب الكلامي، إذ لو لم يقدر لكان التركيب «لَا تَحْسَبُوهُمْ» . ولا يعود الضمير في «لا تَحْسَبُوهُ» على قول ابن عطية على الإفك لئلا تخلو الجملة من رابط يربطها بالمبتدأ. وفي قول غيره يجوز أن يعود على الإفك، أو على القذف، أو على المصدر المفهوم من «جَاءُوا» ، أو على ما نال المسلمين من الغم. فصل سبب نزول هذه الآية ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ َ - إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها قبل بني المصطلق فخرج بها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ َ - بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج فسِرْنَا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ َ - من غزوته تلك وقفل دنونا من المدينة قافلين نزل منزلاً ثم آذَنَ بالرحيل، فقمت حين آذنوا ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني

стр. 8730

أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظَفَار وقد انقطع، فرجعت والتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفتي، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يُهْبَّلْنَ ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقَة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن فظنوا أني في الهودج، وذهبوا بالبعير، ووجدت عقدي بعدما اسْتَمَرَّت الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني ويعودون في طلبي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش يتبع أمتعة الناس يحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب شيء، فلما رآني عرفني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحتله فوطئ على يديها، فقمت إليها فركبتها، وانطلق يقود بي حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول، وافتقدني

стр. 8731

الناس حين نزلوا، وماج الناس في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم، فتكلم القوم وخاضوا في حديثي. قالت: فَهَلَك مَنْ هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أُبيّ ابن سَلولٍ. قال عروة: لم يسلم من الإفك إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أُثاثة، وحمنة بنت جحش. في أناس آخرين لا علم بهم غير أنهم عصبة كما قال . قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يُسَب عندها حسان وتقول: إنه هو الذي قال: ٣٨١٨ - فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ قالت عائشة: وقدم رسول الله ﷺ َ) المدينة، ولم أر فيه ﵇ ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، فاشتكيت حتى قدمت شهراً، وهو يريبني في وجعي أنَّي لا أرى من رسول الله ﷺ َ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ َ - فيسلم ثم يقول: «كيف تيكُمْ» ؟ ثم ينصرف، فذلك يَريبُني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مِسْطَح قِبَلَ المناصع وكان

стр. 8732

متبرَّزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى الليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا قالت: فانطلقت أنا وأم مِسْطَح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق ﵁ وابنُها مِسْطَح بن أُثَاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مِسْطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مِسْطَح في مرطها، فقالت: تعس مِسْطَح. فقلت لها: بئس ما قلت، أَتَسُبِّين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، وقالت: أشهد بالله إنك من المؤمنات الغافلات. فازددتُ مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله ﷺ َ - ثم قال: «كيف تِيكُمْ» ؟ فقلت له أتأذن لي أن آتي أَبَوَيّ؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ َ - فقلت لأمي: يا أماه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هَوِّني عليك، فوالله لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضراء إلا كَثَّرنَ عليها. فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدث الناس بها؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يَرْقَأُ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فدخل عليَّ أبي وأنا أبكي، فقال لأمي: ما يبكيها؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل فيها، فأقبل يبكي. قالت: ودعا رسول الله ﷺ َ - عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق

стр. 8733

أهله، فقال أسامة: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيراً. وأما عليّ فقال: لم يضيِّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تَصْدُقكَ، فدعا رسول الله ﷺ َ بَرِيرَة، فقال: «هَلْ رأيتِ من شيء يُريبُك» ؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق نبياً ما رأيت عليها أمراً قط أغضه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام نبي الله خطيباً على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرُني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي - يعني: عبد الله بن أُبيّ - فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ أخو بني الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعْذِرُك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً، ولكن أخذته الحمية، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حُضَير، وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتله، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ َ - على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا. قالت: فبكيتُ يَوْمِي ذلك كله وليلتي لا يَرْقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً حتى أني لأظنّ أن البكاء فالق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ َ - علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل فِيَّ ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد رسول الله ﷺ َ - حين جلس ثم قال: أمَّا بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن

стр. 8734

كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه قالت: فلمَّا قضى رسول الله ﷺ َ - مقالته قلص دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، (فقلت) لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ َ - فيما قال. فقال: والله ما أردي ما أقول لرسول الله. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ َ - فقالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ َ - فقلت وأنا جارية حديثة السِّن لا أقرأ من القرآن كثيراً: إني والله لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقونني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم وأنا أعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يُتلى، ولَشَأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأَمْرٍ، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ َ - رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما قام رسول الله ﷺ َ - من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر فيه العرق مثل الجمان في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فسري عن رسول الله ﷺ َ - وهو يضحك، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما الله قد برأك» قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: فوالله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله. قالت: وأنزل الله ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ. .﴾ العشر آيات. فقال أبو بكر: والله لا أنفق على مِسْطَح بعدها، وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة. .﴾ [النور: ٢٢] إلى قوله: «غَفُورٌ رَحِيمٌ» . فلما سمع أبو بكر قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] قال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة على مِسْطح وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قال: فلما نزل عُذْري قام رسول الله ﷺ َ - فذكر

стр. 8735

ذلك وتلا القرآن، فلما نزل ضرب عبد الله بن أُبيِّ ومِسْطَح وحسَّان وحَمنَة الحد. فصل الإفك: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وهو أسوأ الكذب. وسمي إفكاً لكونه مصروفاً عن الحق من قولهم: أفك الشيء: إذا قلبه عن وجهه. قيل: هو البهتان وأجمع المسلمون على أن المراد: ما أفك به على عائشة. وإنما وصف الله ذلك الكذب بكونه إفكاً لكون المعروف من حال عائشة خلافه، وذلك من وجوه: الأول: أن كونها زوجة المعصوم يمنع من ذلك، لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعونهم ويستعطفونهم، فيجب ألا يكون معهم ما ينفر عنهم، وكون زوجة الإنسان مسافحة من أعظم المنفرات. فإن قيل: كيف جاز أن تكون امرأة الرسول كافرة كامرأة نوح ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؟ وأيضاً فلو لم يجز لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما خاف ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة؟ فالجواب عن الأول: أن الكفر ليس من المنفرات بخلاف الفجوز فإنه من المنفرات. والجواب عن الثاني: أنه ﵇ كثيراً ما يكون يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] فهذا من ذاك الباب. الثاني: أن المعروف من عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به. الثالث: أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وكلام المفتري ضرب من الهذيان. فلمجموع هذه كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي.

стр. 8736

فصل العُصْبَةُ: قيل: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العِصَابَة، وهم عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. قوله: «كِبْرَهُ» العامة على كسر الكاف. وضمّها في قراءته الحسن والزهري وأبو رجاء وأبو البرهسم وابن أبي عبلة ومجاهد وعَمْرة بنت عبد الرحمن. ورويت أيضاً عن أبي عمرو والكسائي. فقيل: هما لغتان في مصدر: كبر الشيء، أي: عظم، لكن غلب في الاستعمال أن المضموم في السن والمكانة، يقال: هو كُبر القوم بالضم، أي: أكبرهم سناً أو مكانة، وفي الحديث قصة مُحَيْصَة وحويصة: «الكُبْرَ الكُبْرَ» . وقيل: بالضم: معظم الإفك. وبالكسر: البداءة. وقيل: بالكسر: الإثم. قوله: «مِنْكُم» معناه: إن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون، لأن عبد الله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً. قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ هذا شرح حال المقذوف وليس خطاب مع القاذفين. فإن قيل: هذا مشكل من وجهين: أحدهما: أنه لم يتقدم ذكرهم. والثاني: أن المقذوفين هم عائشة وصفوان، فكيف يحمل عليهما صيغة الجمع في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ ؟ فالجواب عن الأول: أنه تقدم ذكرهم في قوله: «مِنْكُمْ» .

стр. 8737

وعن الثاني: أن المراد من لفظ الجمع: كل من تأذّى بذلك الكذب، ومعلوم أنه ﷺ َ - تأذّى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به. فإن قيل: فمن أي جهة يصير خيراً لهم مع أنه مَضَرّة؟ فالجواب: لوجوه: أحدها: أنهم صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين. وثانيها: لولا إظهار الإفك كان يجوز أن يبقى الهَمُّ كامِنٌ في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم. وثالثها: صار خيراً لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثماني عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة، وشهد الله بكذب القاذفين، ونسبهم إلى الإفك، وأوجب عليهم اللعن والذم، وهذا غاية الشرف والفضل. ورابعها: صيرورتها بحال تعلق الكفر بقذفها، فإن الله لما نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه، فكل من شك فيه كان كافراً قطعاً، وهذه درجة عالية. وقال بعضهم: قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ خطاب مع القاذفين وجعل الله خيراً لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة، ومن حيث تاب بعضهم عنده. وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى خاطبهم بالكاف، ولما وصف أهل الإفك خاطبهم بالهاء بقوله: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم﴾ ، ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة، فالمراد: لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا، والمعنى: أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض. قوله: ﴿والذي تولى كِبْرَهُ﴾ . أي: الذي قام بإشاعة هذا الحديث وهو عبد الله بن (أبيّ ابن) سلول. والعذاب العظيم هو النار في الآخرة. روي عن عائشة في حديث الإفك قالت: ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين، وكان عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس، فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها. وشرع في ذلك أيضاً حسان بن ثابت، ومِسْطَح، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد الله، فهم الذين تولوا كِبْرَه. والأقرب أنه عبد الله بن أُبيّ، فإنه كان منافقاً يطلب ما يقدح في (الرسول) .

стр. 8738

قال مسروق: دخلتُ على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشد شعراً يشبب بأبيات له وقال: ٣٨١٩ - حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لحُومِ (الغَوَافِلِ) فقالت له عائشة: «لكنك لست كذلك» . قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله: « ﴿والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؟ قالت:» وأيُّ عذابٍ أشد من العمى «. وروي أن عائشة ذكرت حسان وقالت: «أَرْجُو لَهُ الجنةَ» . فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟ فقالت: «إذا سَمِعْتُ شِعْرَهُ في مدحِ الرسولِ رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ» وقال ﵇: «إِنَّ الله يؤيد حسان بروح القدس في شعره» . وروي أن النبي ﷺ َ أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد جميعاً. فصل المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئاَ بذلك القول، فلا جرم حصل له من العقاب ما حصل لكل من قال ذلك، لقوله ﵇: «من سنَّ سُنّة سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» . وقال أبو مسلم: «سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة» .

стр. 8739

قوله تعالى: ﴿لولاا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ «لَوْلَا» هذه تحضيضية، أي: هَلَاّ، وذلك كثير في اللغة إذا كانت تلي الفعل كقوله: «لَوْلَا أَخَّرْتَنِي» وقوله: «فَلَوْلَا كَانَتْ» . فأما إذا ولي الاسم فليس كذلك كقوله: ﴿لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] ، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ٢١] . و «إذْ» منصوب ب «ظَنَّ» والتقدير: لولا ظَنَّ المؤمنون بأنفسهم إذ سَمِعْتُمُوه. وفي هذا الكلام التفات. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: لولا إذ سمعتموه، ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم، ولِمَ عَدَل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق (أحد قالةً في أخيه، وألا يظن بالمسلمين إلا خيراً) . وقوله: «وَلِمَ عدل عن الخطاب» ؟ يعني في قوله: «وَقَالُوا» فإنه كان الأصل: «وقلتم» ، فعدل عن هذا الخطاب إلى الغيبة في «وَقَالُوا» . وقوله: «وعن الضمير» يعني أن الأصل كان «ظَنَنْتُمْ» فعدل عن ضمير الخطاب إلى لفظ المؤمنين. فصل المعنى: هلَاّ ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بإخوانهم «خَيْراً» . وقال الحسن: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، كقوله: ﴿وَلَا تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] المعنى: بأمثالكم من المؤمنين. وقيل: جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى

стр. 8740

على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم، كما قال ﵇ «مَثَلُ المُسْلِمينَ في تَوَاصُلِهِمْ وتراحُمِهِمْ كمثل الجَسَد إذا وجع بعضه وجع كله بالسَّهر والحُمَّى» ، وقال ﵇: «المؤمنُون كالبُنْيَانِ يشدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» . وقوله: ﴿هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ أي: كذب بين.

стр. 8741

قوله: «لَوْلَا جَاءُوا» : هَلَاّ جاءوا ﴿عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ أي: على ما زعموا يشهدون على معاينتهم ما رَمَوْها به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ﴾ ولم يقيموا بينةً على ما قالوه ﴿فأولئك عِندَ الله﴾ أي: في حكمه «هُمُ الكَاذِبُون» . فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ فالجواب: معناه: كذبوهم بأمر الله. وقيل: هذا في حق عائشة خاصة، فإنهم كانوا عند الله كاذبين. وقيل: المعنى: في حكم الكاذبين، فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب، والقاذف إذا لم يأت بالشهود فإنه يجب زجره، فلما (كان) شأنه (شأن) الكاذب في الزجر أطلق عليه أنه كاذب مجازاً. قوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ﴾ . «إذْ» منصوب ب «الكَاذِبُونَ» في قوله: ﴿فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون﴾ ، وهذا كلام في قوة شرط وجزاء. قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من

стр. 8742

الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . (وهذا زجر) و «لَوْلَا» هاهنا لامتناع الشيء لوجود غيره ويقال: أفاض في الحديث: اندفع وخاض. والمعنى: ولو أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال، وأتَرَحَّم عليكم في الآخرة بالعفو، لعاجلتُكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. وقيل: المعنى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لمَسَّكُم العَذَابُ في الدُّنْيَا والآخرة معاً، فيكون فيه تقديم وتأخير. وهذا الفضل هو حكم الله لمن تاب. وقال ابن عباس: المراد بالعذاب العظيم أي: عذاب لا انقطاع له. أي: في الآخرة لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل فقال: ﴿والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] وقد أصابه، فإنه جلد وحدّ.

стр. 8743

قوله: «إذْ تَلَقَّوْنَهُ» . «إذْ» منصوب ب «مَسَّكُمْ» أو ب «أَفَضْتُمْ» . وقرأ العامة: «تَلَقَّوْنَهُ» والأصل: تَتَلَقَّوْنَهُ، فحُذِفَ إحدى التاءين ك «تَنَزَّل» ونحوه، ومعناه: يَتَلَقَّاهُ بعضكُمْ من بعضٍ. قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا، يتلقونه تلقياً. قال الزجاج: يلقيه بعضهم إلى بعض. والبَزِّي على أصله في أنه يُشَدِّدُ التَّاءَ وَصْلاً، وتقدم تحقيقه في البقرة نحو «ولا تَيَمَّمُوا» وهو هناك سهل، لأن ما قبله حرف لين بخلافه هنا.

стр. 8744

وأبو عمرو والكسائي وحمزة على أصولهم في إدغام الذال في التاء. وقرأ أُبيّ: «تَتَلَقَّوْنَهُ» بتاءين، وتقدم أنها الأصل. وقرأ ابن السميفع في رواية عنه: «تُلْقُونه» بضم التاء وسكون اللام وضم القاف مضارع: ألقى إلقاء. وقرأ هو في رواية أخرى: «تَلْقَونه» بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف مضارع: لقي. وقرأ ابن عباس وعائشة وعيسى وابن يعمر وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف من ولق الرجل: إذا كذب. قال ابن سيدة: جاءوا بالمتعدي شاهداً على غير المتعدي، وعندي أنه أراد: تلقون فيه، فحذف الحرف، ووصل الفعل للضمير، يعني: أنهم جاءوا ب «تَلَقَّوْنَهُ» وهو متعد مفسراً ب «تكذبون» وهو غير متعد، ثم حمله على ما ذكر. وقال الطبري وغيره: إن هذه اللفظة مأخوذة من الوَلَق وهو الإسراع بالشيء بعد الشيء، كعَدْوٍ في إثْر عدو، وكلامٍ في إثر كلامٍ، يقال: ولق في سيره أي: أسرع، وأنشد: ٣٨٢٠ - جَاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ ... وقال أبو البقاء: أي: يُسْرِعُون فيه، وأصله من «الولق» وهو الجنون. وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر: «تَأْلِقُونَهُ» بفتح التاء وهمزة ساكنة ولام مكسورة وقاف مضمومة من «الأَلَق» وهو الكَذِبُ. وقرأ يعقوب: «تِيلَقُونه» بكسر التاء من فوق،

стр. 8745

بعدها ياء ساكنة ولام مفتوحة وقاف مضمومة، وهو مضارع «وَلِق» بكسر اللام، كما قالوا: «تيجل» مضارع «وَجِل» . وقوله: «بِأَفْوَاهِكمْ» كقوله: «يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ» وقد تقدم. فصل اعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام، وعلق مس العذاب العظيم بها. أحدها: تلقي الإفك بألسنتهم، وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل يقول له: ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر، ولم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه. فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة، وذلك من العظائم. وثانيها: أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم، ونظيره: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وثالثها: أنهم كانوا يستصغرون ذلك، وهو عظيمة من العظائم. وتدل الآية على أن القذف من الكبائر لقوله: ﴿وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ﴾ ، وتدل على أن الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه. ونبه بقوله: «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً» على أن عمل المعصية لا يختلف بظن فاعله وحسبانه، بل ربما كان ذلك مؤكداً لعظمه. فإن قيل: ما معنى قوله: «بِأَفوَاهِكُمْ» والقول لا يكون إلاّ بالفم؟ فالجواب: معناه: أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه باللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦ ٧] . قوله : ﴿ولولاا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ كقوله: ﴿لولاا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ﴾ [النور: ١٢] ولكن الالتفات فيه قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل بين (لولا) و (قلتم) بالظرف؟ قلت:

стр. 8746

للظروف شأن ليس لغيرها، لأنها لا ينفك عنها ما يقع فيها، فلذلك اتسع فيها. قال أبو حيان: «وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظروف، وهو جائز في المفعول به، تقول: لولا زيداً ضربتُ، ولولا عَمْراً قتلتُ» . وقال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: أي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقِعَ فاصلاً؟ قلت: الفائدة فيه: بيان أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه. فإن قلت: ما معنى «يكون» والكلام بدون مُتْلَئِب لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟ قلت: معناه: ينبغي ويصح، أي: ما ينبغي وما يصح كقوله: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ﴾ [المائدة: ١١٦] . فصل قوله: ﴿ولولاا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ﴾ هذا اللفظ هنا معناه التعجب ﴿هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي: كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. روي أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ما يقول الناس في عائشة؟ فقال أبو أيوب: «سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ» فنزلت الآية على وفق قوله.

стр. 8747

قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ ... ﴾ الآية وهذا من باب الزواجر،

стр. 8748

أي: يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب، ولأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، لكي لا تعودوا إلى مثل هذا الفعل أبداً. قوله: «أَنْ تَعُودُوا» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: يعظكم كراهة أن تعودوا. الثاني: أنه على حذف «في» أي: في أن تعودوا، نحو: وعطف فلاناً في كذا، فتركه. الثالث: أنه ضمن معنى فعل يتعدى ب «عَنْ» ثم حذفت، أي: يَزْجُرُكُمْ بالوعظ عن العود. وعلى هذين القولين يجيء القولان في محل «أنْ» بعد نزع الخافض. قال ابن عباس: «يحرم الله عليكم» . وقال مجاهد: «يَنْهَاكم اللَّهَ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبداً إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُم الآيَات» في الأمر والنهي «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بأمر عائشة وصفوان «حَكِيمٌ» ببراءتهما. واعلم أن العليم الحكيم هو الذي لا يأمر إلا بما ينبغي، ولا يهمل جزاء المستحقين فلهذا ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر. فصل استدلت المعتزلة بقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان، لأن المعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط. وأجيبوا بأن هذا معارض بقوله: ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [النور: ١١] أي: منكم أيها المؤمنون، فدل ذلك على أن القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان، وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على التهيج في الاتعاظ والانزجار. فصل قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد مَنْ جميع من وعظه مجانبة ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع، فمن هذا الوجه يدل على أنه يريد منهم كلهم

стр. 8749

الطاعة وإن عصوا، ولأن قوله: ﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ﴾ ، أي: لكي لا تعودوا لمثله، وذلك يدل على الإرادة، وتقدم الجواب عنه مراراً. فإن قيل: هل يجوز أن يسمى الله واعظاً لقوله: «يَعِظُكُم اللَّهُ» ؟ فالأظهر أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن يسمى الله معلماً لقوله: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: ١ - ٢] .

стр. 8750

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة﴾ الآية. لمَّا بين ما على الإفك وعلى مَنْ سُمِع مِنْهُ وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله: ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة﴾ ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا كما شارك فيه من فعله. والإشاعة: الانتشار، يقال: في هذا العقار سهم شائع: إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلاً. وشاع الحديث: إذا ظهر في الجميع ولم يكن منفصلاً. وشاع الحديث: إذا ظهر في العامة. والمعنى: ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ﴾ أن يظهر ويذيع الزنا ﴿فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة﴾ يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين والعذاب في الدنيا: الحد. وفي الآخرة: النار. وظاهر الآية يتناول كل من كان بهذه الصفة. والآية إنما نزلت في قَذَفَةِ عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم قال: ﴿والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا حسن الموقع في هذا الموضع، لأن محبة القلب كافية ونحن لا نعلمها إلا بالإبانة، وأما الله - سبحانه - فإنه لا يخفى عليه، وهذا نهاية في الزجر، لأن من أحبّ إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء عليه. وهذه الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم ذنب، وأن إرادة الفسق فسق، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبّة إشاعة الفاحشة. فصل قالت المعتزلة: إن الله بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة، فلو كان تعالى هو

стр. 8751

الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب ألا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة، وغيره لم يفعل شيئاً، وتقدم الكلام على (نظيره) .

стр. 8752

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب «لولا» محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة. قال ابن عباس: يريد مسطحاً وحسان وحَمْنة. ويجوز أن يكون الخطاب عاماً. وقيل: جوابه في قوله: ﴿مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ . وقيل: جوابه: لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة، وهو قول أبي مسلم. والأقرب أن جوابه محذوف، لأن قوله من بعد: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ﴾ كالمنفصل من الأول، فلا يكون جواباً للأول خصوصاً (وقد) وقع بين الكلامين كلام آخر. قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ الآية قرئ «خُطُوَاتِ» بضم الطاء وسكونها. والخُطُوات: جمع خُطْوة وهو من خَطَا الرجلُ يَخْطُوا خَطْواً فإذا أردت الواحدة قلت: خَطْوَة مفتوحة الأول، والمراد بذلك: السيرة. والمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة، والله

стр. 8753

تعالى وإن خص بذلك المؤمنين، فهو نهي لكل المكلفين، لأن قوله: ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ منع لكل المكلفين من ذلك والفحشاء: ما أفْرَط قُبْحُهُ. والمُنْكَر: ما تنكره النفوس، فتنفر عنه ولا ترتضيه. قوله: «فإنه يأمر» في هذه الهاء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها ضمير الشأن، وبه بدأ أبو البقاء. والثاني: أنها ضمير الشيطان. وهذان الوجهان إنما يجوزان على رأي من لا يشترط عود الضمير على اسم الشرط من جملة الجزاء. والثالث: أنه عائد على «مَنْ» الشرطية. قوله: «مَا زَكَى» . العامة على تخفيف الكاف، يقال: زَكَا يَزْكُو، وفي ألفه الإمالة وعدمها. وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بتشديدها. وكتبت ألفه ياء، وهو شاذ، لأنه من ذوات الواو كغزا، وإنما حمل على لغة من أمال، أو على كتابة المشدد. فعلى قراءة التخفيف يكون «مِنْ أحَدٍ» فاعلاً. وعلى قراءة التشديد يكون مفعولاً، و «مِنْ» مزيدة على كلا التقديرين، والفاعل هو الله تعالى. فصل قال مقاتل: ما زَكَا: ما صلح. وقال ابن قتيبة: ما (ظهر) . وقيل: من بلغ في الطاعة لله مبلغ الرضا، (يقال: زكا الزرع) ، فإذا بلغ المؤمن

стр. 8754

في الصلاح في الدين ما يرضاه (تعالى) سمي زكياً، فلا يقال: زكى إلا إذا وجد زاكياً، كما لا يقال لمن ترك الهدى: هداه الله مطلقاً، بل يقال: هداه الله فلم يهتد. ودلت الآية على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، لأن التزكية كالتسويد والتحمير، فكما أن التسويد يحصل السواد، فكذا التزكية تحصل الزكاء في المحل. والمعتزلة حملوها هنا على فعل الإلطاف، أو على الحكم بكون العبد زكياً، وهو خلاف الظاهر، ولأن الله تعالى قال: ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ علق التزكية على الفضل والرحمة، وخلق الإلطاف واجباً فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة، وأما الحكم بكونه زكياً فذلك واجب، لأنه لولا الحكم له لكان كذباً (و) الكذب على الله محال، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟ . فصل قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا خطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما ظهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، أي: ما قبل منكم توبة أحد أبداً، ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ يطهر «مَنْ يَشَاءُ» من الذنب بالرحمة والمغفرة ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يسمع أقوالكم في القذف، وأقوالكم في البراءة و «عَلِيمٌ» بما في قلوبهم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.

стр. 8755

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ﴾ الآية. يجوز أن يكون «يَأْتَلِ» : «يفتعل» ، من الألية، وهي الحلف، كقوله: ٣٨٢١ - وَآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلِ ...
следующие страницы →