Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.
стр. 8751
الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب ألا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة، وغيره لم يفعل شيئاً، وتقدم الكلام على (نظيره) .
стр. 8752
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب «لولا» محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة.
قال ابن عباس: يريد مسطحاً وحسان وحَمْنة. ويجوز أن يكون الخطاب عاماً.
وقيل: جوابه في قوله: ﴿مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ .
وقيل: جوابه: لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة، وهو قول أبي مسلم. والأقرب أن جوابه محذوف، لأن قوله من بعد: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ﴾ كالمنفصل من الأول، فلا يكون جواباً للأول خصوصاً (وقد) وقع بين الكلامين كلام آخر.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ الآية قرئ «خُطُوَاتِ» بضم الطاء وسكونها. والخُطُوات: جمع خُطْوة وهو من خَطَا الرجلُ يَخْطُوا خَطْواً فإذا أردت الواحدة قلت: خَطْوَة مفتوحة الأول، والمراد بذلك: السيرة.
والمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة، والله
стр. 8753
تعالى وإن خص بذلك المؤمنين، فهو نهي لكل المكلفين، لأن قوله: ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ منع لكل المكلفين من ذلك والفحشاء: ما أفْرَط قُبْحُهُ. والمُنْكَر: ما تنكره النفوس، فتنفر عنه ولا ترتضيه.
قوله: «فإنه يأمر» في هذه الهاء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها ضمير الشأن، وبه بدأ أبو البقاء.
والثاني: أنها ضمير الشيطان.
وهذان الوجهان إنما يجوزان على رأي من لا يشترط عود الضمير على اسم الشرط من جملة الجزاء.
والثالث: أنه عائد على «مَنْ» الشرطية.
قوله: «مَا زَكَى» . العامة على تخفيف الكاف، يقال: زَكَا يَزْكُو، وفي ألفه الإمالة وعدمها. وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بتشديدها. وكتبت ألفه ياء، وهو شاذ، لأنه من ذوات الواو كغزا، وإنما حمل على لغة من أمال، أو على كتابة المشدد.
فعلى قراءة التخفيف يكون «مِنْ أحَدٍ» فاعلاً. وعلى قراءة التشديد يكون مفعولاً، و «مِنْ» مزيدة على كلا التقديرين، والفاعل هو الله تعالى.
فصل
قال مقاتل: ما زَكَا: ما صلح.
وقال ابن قتيبة: ما (ظهر) .
وقيل: من بلغ في الطاعة لله مبلغ الرضا، (يقال: زكا الزرع) ، فإذا بلغ المؤمن
стр. 8754
في الصلاح في الدين ما يرضاه (تعالى) سمي زكياً، فلا يقال: زكى إلا إذا وجد زاكياً، كما لا يقال لمن ترك الهدى: هداه الله مطلقاً، بل يقال: هداه الله فلم يهتد. ودلت الآية على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، لأن التزكية كالتسويد والتحمير، فكما أن التسويد يحصل السواد، فكذا التزكية تحصل الزكاء في المحل.
والمعتزلة حملوها هنا على فعل الإلطاف، أو على الحكم بكون العبد زكياً، وهو خلاف الظاهر، ولأن الله تعالى قال: ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ علق التزكية على الفضل والرحمة، وخلق الإلطاف واجباً فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة، وأما الحكم بكونه زكياً فذلك واجب، لأنه لولا الحكم له لكان كذباً (و) الكذب على الله محال، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟ .
فصل
قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا خطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما ظهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، أي: ما قبل منكم توبة أحد أبداً، ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ يطهر «مَنْ يَشَاءُ» من الذنب بالرحمة والمغفرة ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يسمع أقوالكم في القذف، وأقوالكم في البراءة و «عَلِيمٌ» بما في قلوبهم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.
стр. 8755
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ﴾ الآية.
يجوز أن يكون «يَأْتَلِ» : «يفتعل» ، من الألية، وهي الحلف، كقوله:
٣٨٢١ - وَآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلِ ...
стр. 8756
ونصر الزمخشري هذا بقراءة الحسن «ولا يَتَأَلَّ» من الأليَّة، كقوله: «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذبْهُ» .
ويجوز أن يكون «يفتعل» من أَلَوْت، أي: قَصَّرْتُ، كقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] قال:
٣٨٢٢ - وَمَا المَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَة نَفْسِهِ ... بمُدْرِكِ أَطْرَافِ الخُطُوبِ وَلَا آلِ
وقال أبو البقاء: وقرئ: «وَلَا يَتَأَلَّ» على «يَتفعل» وهو من الألية أيضاً، ومنه:
٣٨٢٣ - تَألَّى ابنُ أَوْسٍ حَلْفَةً لَيَرُدُّنِي ... إلى نِسْوَةٍ كَأَنَّهُنَّ مَفَائِدُ
قوله: «أَنْ يُؤْتُوا» هو على إسقاط الجار، وتقديره على القول الأول: ولا يأتل أولو الفضل على أن لا يحسنوا. وعلى الثاني: ولا يقصر أولو الفضل في أن يحسنوا.
وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسيم وابن قطيب: «تؤتوا» بتاء الخطاب، وهو التفات موافق لقوله: «أَلَا تُحِبُّون» . وقرأ الحسن وسفيان بن الحسين «ولتعفوا ولتصفحوا» بالخطاب وهو موافق لما بعده.
стр. 8757
فصل
المشهور أن معنى الآية: لا يحلف أولو الفضل، فيكون «افتعال» من الألية.
قال أبو مسلم: وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع عن الحلف على الإعطاء، وهم أرادوا المنع على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب، وجعل المنهي عنه مأموراً به.
الثاني: أنه قلما يوجد في الكلام «أَفتعَلت» مكان «أفعلت» (وإنما وجد مكان «فعلت» ) وهنا آليْتُ من الأليّة: «افْتَعَلْتُ» فلا يقال: أفعلت، كما لا يقال من ألزمت التزمت، ومن أعطيت اعتطيت. ثم قال في «يأتل» : إن أصله «يأتلي» ذهبت الباء للجزم لأنه نهي، وهو من قولك: مَا ألوتُ فلاناً نصحاً، ولم آل في أمري جُهْداً، أي: ما قصرت. ولا يأل ولا يأتل ولم يأل والمراد: لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم، ويوجد كثيراً «افْتَعَلْتُ» مكان «فَعَلْت» ، تقول: كسبتُ واكتسبت، وصنعتُ واصطنعتُ، وهذا التأويل مروي عن أبي عبيدة. قال ابن الخطيب: «وهذا هو الصحيح دون الأول» .
وأجاب الزجاج عن الأول بأن «لا» تحذف في اليمين كثيراً، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس:
٣٨٢٤ - فَقُلْتُ يَمِين اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ... أي: لا أبرح.
وأجابوا عن السؤال الثاني أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظ باليمين، وقول واحد منهم حجة في اللغة، فكيف الكل؟ ويعضده قراءة الحسن: «ولا يَتَأَلَّ» .
فصل
قال المفسرون معناه: ولا يحلف ﴿أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة﴾ أي: أولوا الغنى،
стр. 8758
يعني: أبا بكر الصديق ﴿أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله﴾ يعني: مِسْطَحاً، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً ابن خالة أبي بكر حلف أبو بكر لا ينفق عليه «وَلْيَعْفُوا وليصْفَحُوا» عنهم خوضهم في أمر عائشة «أَلَا تُحِبُّونَ» يخاطب أبا بكر ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله (لَكُمْ) والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فلما قرأها رسول الله ﷺ َ - على أبي بكر قال: «بلى إنما أحب أن يغفر الله لي» ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: «والله لا أنزعها منه أبداً» .
وقال ابن عباس والصحابة أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية.
فصل
أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: «أولُوا الفَضْل» أبو بكر، وهذا يدل على أنه كان أفضل الناس بعد الرسول، لأن الفضل المذكور في الآية إما في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل، لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله بالدنيا غير جائز، ولأنه لو جاز ذلك لكان قوله: «والسَّعَة» تكريراً، فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساوياً له في الدرجة في الدين لم يكن هو صاحب الفضل، لأن المساوي لا يكون فاضلاً، فلما أثبت الله له الفضل غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق تُرك العمل به في حق الرسول ﵇ فيبقى معمولاً به في حق الغير.
وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو عليّ، فإذا تبين أنه ليس المراد عليًّا تعينت الآية في أبي بكر.
وإنما قلنا: ليس المراد عليًّا، لأن ما قبل الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر، ولأنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وأن عليًّا ﵁ لم يكن من أولي السَّعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعاً.
فصل
أجمعوا على أن مِسْطَحاً كان من البدريين، وصح عنه ﵇ أنه قال: «
стр. 8759
لَعَلَّ الله نظرَ إلى أهل بدر فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم، فقد غفرت لكم» فكيف صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدريًّا؟
والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد منه: افعلوا ما شئتم من المعاصي، فيأمر بها، لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم، ولو حملناه على ذلك لأفضى إلى زوال التكليف عنهم، ولو كان كذلك لما جاز أن يحدّ مِسْطح على ما فعل، فوجب حمله على أحد أمرين:
الأول: أنه تعالى علم توبة أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير، فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة.
والثاني: أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة، فكأنه تعالى قال: قد غفرتُ لكم لعلمي بأنَّكم تموتون على التوبة والإنابة، فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة.
فصل
دلت الآية على أن (الأيمان على) الامتناع من الخير غير جائز، وإنما يجوز إذا حصلت داعية صارفة عنه.
فصل
مذهب الجمهور أنَّ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه.
وقال بعضهم: إنه يأتي بالذي هو خير، وذلك هو كفارته، لأن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. ولقوله ﵇: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فرأى غيرها خيراً مِنْهَا فليأتِ الذي هو خير، وذلك كفارته» .
واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وقوله: ﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وقوله لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وقد علمنا أن الحنث كان خيراً من تركه، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها، بل كان يحنث بلا كفارة، وقال ﵇: «
стр. 8760
مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ فرَأَى غيرَها خيراً منْهَا فليأتِ الَّذِي هو خيرٌ وليكفِّرْ عن يمينه» .
وأما قولهم: إنَّ الله تعالى لم يذكر الكفارة في قصة أبي بكر، فإن حكمها كان معلوماً عندهم. وأما قوله ﵇: «وليأت الذي هو خير، وذلك كفارته» فمعناه: تكفير الذنب لا أنه الكفارة المذكورة في الكتاب.
فصل
روي عن عائشة أنها قالت: «فَضِلْتُ على أزواج النبي بعشر خصال:
تزوج رسول الله بي بكراً دون غيري، وأبواي مهاجران، وجاء جبريل بصورتي وأمره أن يتزوج بي، وكنت أغتسل معه في إنائه، وجبريل ينزل عليه وأنا معه في لحاف، وتزوج في شوال، وبنى بي في ذلك الشهر وقبض بين سحري ونحري، وأنزل الله عذري من السماء، ودفن في بيتي، وكل ذلك لم يساوني فيه غيري» .
وقال بعضهم: «لقد برَّأ الله أربعة بأربعة: بَرأ يوسف ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: ٢٦] ، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بهذه الآيات في كتابه المتلو على وجه الدهر» .
стр. 8761
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ العفائف «الغَافِلَات» عن الفواحش «المُؤْمِنَاتِ» والغافلة عن الفاحشة أي: لا تقع في مثلها، وكانت عائشة كذلك، فقال
стр. 8762
بعضهم: الصيغة عامة، فيدخل فيه قَذَفَةُ عائشة وغيرها.
وقيل: المراد قذفة عائشة.
قالت عائشة: رميت وأنا غافلة، وإنما بلغني بعد ذلك، فبينا رسول الله عندي إذ أوحى إليه، قال: «أبشري» وقرأ: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ .
وقيل: المراد جُملة أزواج رسول الله، وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحقٌ به. واحتج هؤلاء بأمور:
الأول: أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله في أول السورة: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤] إلى قوله: ﴿إِلَاّ الذين تَابُواْ ... ﴾ [النور: ٥] .
وأما القاذف في هذه الآية فإنه لا تقبل توبته لقوله تعالى: ﴿لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة﴾ ولم يذكر استثناء.
وأيضاً فهذه صفة المنافقين في قوله: ﴿مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا﴾ [الأحزاب: ٦١] .
الثاني: أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر، والقاذف في هذه الآية كافر، لقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ... ﴾ وذلك صفة الكفار والمنافقين لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار ... ﴾ [فصلت: ١٩] الآيات.
الثالث: أنه قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ والعذاب العظيم هو عذاب الكفر، (فدلّ على أن عذاب هذا القاذف عقاب الكفر) . وعقاب قذف سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر.
وروي أن ابن عياش كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير هذه الآية، فقال: «من أذنب ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة» .
وأجاب الأولون بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة، لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً، فإذا تاب عنه صار مغفوراً.
стр. 8763
وقيل: هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد، فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: «إنها خرجت لتفجر» فنزلت فيهم.
قوله: «يَوْمَ تَشْهَدُ» ، ناصبه الاستقرار الذي تعلق به «لَهُمْ» .
وقيل: بل ناصبه «عَذَابٌ» . ورد بأنه مصدر موصوف.
وأجيب بأن الظرف يُتَّسَعُ فيه ما لا يُتَّسَع في غيره.
وقرأ الأخوان: «يَشْهَدُ» بالياء من تحت، لأن التأنيث مجازي، وقد وقع الفصل والباقون: بالتاء مراعاة للفظ.
قوله: «يَوْمَئِذٍ» : التنوين في «إذْ» عِوَضٌ من الجملة تقديره: يَوْمئذ تَشْهَدُ، وقد تقدم خلاف الأخفش فيه.
وقرأ زيد بن علي «يُوفِيهِمْ» مخففاً من «أَوْفَى» .
وقرأ العامة بنصب «الحَقِّ» نعتاً ل «دِينَهُمْ» .
وأبو حَيْوَة وأبو رَوْق ومجاهد - وهي قراءة ابن مسعود - برفعه نعتاً لله تعالى.
فصل
قوله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ .
قال المفسرون: هذا قبل أن يختم على أفواههم وأيديهم وأرجلهم.
يروى أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق﴾ جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل،
стр. 8764
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾ يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا.
وإنما سُمِّيَ الله ب «الحق» لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره.
وقيل: سُمِّيَ ب «الحق» ومعناه: الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم، ومعنى «المُبين» : المظهر.
стр. 8765
قوله تعالى: «الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ» الآية.
قال أكثر المفسرين: «الخَبِيثَاتُ» من القول والكلام «لِلْخَبِيثِينَ» من الناس، «والخَبِيثُونَ» من الناس «لِلْخَبِيثَات» من القول، «والطيبات» من القول «للطَّيِّبِينَ» من الناس، «والطَّيِّبُونَ» من الناس «لِلطَّيِّبَاتِ» من القول.
والمعنى: أنَّ الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيِّب لا يليق إلا بالطيِّب فعائشة ﵂ لا يليق بها الخبيثات من القول، لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها.
وقال الزجاج: معناه: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ومدح للذين برّأوها بالطهار.
قال ابن زيد: معناه: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، أمثال عبد الله بن أبيّ والشاكين في الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، يريد: عائشة طيبها الله لرسوله الطيب ﷺ َ - «مُبَرءُونَ» يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما بلفظ الجمع كقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] أي: أخوان.
وقيل: «أولئك مُبَرَّؤُونَ» يعني: الطيبين والطيبات منزهون مما يقولون.
وقيل: الرَّمْيُ تعلق بالنبي ﵊ ُ - وبعائشة وصفوان، فبرأ الله كل واحد منهم.
стр. 8766
وقيل: المراد كل أزواج الرسول برأهن الله تعالى من هذا الإفك، ثم قال: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» يعني: براءة من الله. وقيل: العفو عن الذنوب. والرزق الكريم: الجنة.
قوله: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون في محل رفع خبراً ثانياً.
ويجوز أن يكون «لَهُمْ» خبر «أولئك» (و) «مَغْفِرَةٌ» فاعله.
قوله
تعالى
: ﴿يا
أيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية.
لما ذكر حكم الرمي والقذف ذكر ما يليق به، لأن أهل الإفك (إنما توصلوا) إلى بهتانهم لوجود الخلوة، فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى ألا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن الدخول على غير هذا الوجه يوقع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به.
قوله: «تَسْتَأنِسُوا» يجوز أن يكون من الاستئناس، لأنَّ الطارق يستوحش من أنه هل يؤذن له أو لا؟ فزال استيحاشه، وهو رديف الاستئذان فوضع موضعه.
وقيل: من الإيناس، وهو الإبصار، أي: حتى تستكشفوا الحال.
وفسره ابنُ عباس: «حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا» وليست قراءة، وما ينقل عنه أنه قال: «تَسْتَأنِسُوا» خطأ من الكاتب، إنما هو (تَسْتَأْذِنُوا) فشيء مفترى عليه.
وضعفه بعضهم بأن هذا يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي
стр. 8767
صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وإنه باطل.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: «إن في الكلام تقديماً وتاخيراً، فالمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا» . وهذا أيضاً خلاف الظاهر.
وفي قراءة عبد الله: ﴿حَتَّى تُسَلِّمُوا وَتَسْتَأْذِنُوا﴾ وهو أيضاً خلاف الظاهر.
واعلم أن هذا نظير ما تقدم في الرعد: (في) ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ [الرعد: ٣١] وتقدم القول فيه. والاستئناس: الاستعلام (والاستكشاف، من أنس الشيء: إذا أبصره، كقوله: ﴿إني آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه: ١٠] ، والمعنى: حتى تستعلموا الحال، هل يراد دخولكم؟) قال:
٣٨٢٥ - كَأَنَّ رَحْلِيَ وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... يَوْمَ الجَلِيلِ على مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ
وقيل: هو من «الإنْس» بكسر الهمزة، أي: يَتَعرَّف هل فيها إنْسٌ أم لا؟
وحكى الطبري أنه بمعنى: «وَتُؤْنِسُوا أَنْفُسَكُمْ» .
قال ابن عطية: وتصريف الفعل يَأْبَى أن يكونَ مِنْ «أَنَس» .
стр. 8768
فصل
قال الخليل: الاستئناس: الاستبصار من (أنس الشيء إذا أبصره) كقوله: «آنسْتُ نَاراً» أي: أبصرت.
وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو بتنحنح يؤذن أهل البيت. وجملة حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان.
واختلفوا: هل يقدم الاستئذان أو السلام؟
فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل؟ سلام عليكم، لقوله: «حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا» أي: تستأذنوا ﴿وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ . والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم، أأدخل؟ ( «لما روي أن رجلاً دخل على النبي ﷺ َ - ولم يسلم ولم يستأذن، فقال النبي ﷺ َ -:» ارجع فقُل: السلام عليكم، أأدخل «) وروى ابن عمر أن رجلاً استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا، فأمر بعضهم الرجل أن يسلم، فسلَّم، فأذِنَ له.
وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلاّ قدم الاستئذان ثم يسلم. والحكمة في إيجاب تقديم الاستئذان ألَاّ يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه من الأحوال.
فصل
عدد الاستئذان ثلاثاً لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ َ - «الاستئذان ثلاثٌ، الأولى يستضيئون، والثانية يستصلحون، والثالثة يأذنون أو يردون» وعن أبي سعيد الخدري قال: «كُنت جالساً في مجلس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له: ما أفزعك؟ فقال: أخبرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، وقد قال ﵇:» إذا استأذنَ أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع «. فقال: لتأتيني (على هذا) بالبينة، أو لأعاقبنك، فقال أبو سعيد: لا يقوم معك إلا
стр. 8769
صغير القوم، قال: فقام أبو سعيد، فشهد له» .
وفي بعض الروايات أن عمر قال لأبي موسى: لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله.
وعن قتادة: «الاستئذانُ ثلاثةٌ: الأول ليسمع الحي، والثاني ليتهيأ، والثالث إن شاء أذن وإن شاء ردّ» .
وهذا من محاسن الآداب، لأنه في أول كرَّة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك ما يمنع، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع. ويجب أن يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما.
فأما قرع الباب بعنف، والصياح بصاحب الدار فذاك حرام، لأنه إيذاء، وكذا قصة بني أسد وما نزل فيها من قوله: ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] .
فصل
في كيفية الوقوف على الباب
روى أبو سعيد قال: استأذن رجلٌ على رسول الله ﷺ َ - وهو مستقبل الباب، فقال ﵇: «لا تستأذِنْ وأنت مستقبلُ البابِ» .
«وروي أنه ﵇ كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول:» السلامُ عليكُمْ «وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور.
فصل
كلمة» حَتَّى «للغاية، والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها، فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن.
стр. 8770
والجواب أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس، ولا يحصل إلا بعد الإذن.
وأيضاً فإنّا علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان ألا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه، فإنّ ذلك مما يسوؤه، وهذا المقصود لا يحصل إلا بعد الإذن.
وأيضاً قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا (حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾ ) فمنع الدخول إلا مع الإذن، فدل على أن الإذن شرط في إباحة الدخول في الآية الأولى.
وإذا ثبت هذا فنقول: لا بد من الإذن أو ما يقوم مقامه، لقوله ﵇ «إذا دُعِيَ أحدُكُم فجاء مع الرسول فإنَّ ذلك له إذن» .
وقال بعضهم: إن من جرت العادة بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان. واعلم أن ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذن صبياً أو امرأة أو عبداً أو ذمياً، فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة، وكذلك قبول إحضار هؤلاء في الهدايا ونحوها.
فصل
ويستأذن على المحارم، «لما روي أن رجلاً سأل النبيَّ ﷺ َ - فقال:» أأستأذن على أختي؟ «فقال ﵇:» نَعَمْ، أتحب أن تراها عريانة؟ «وسأل رجل حذيفة:» أأستأذن على أختي؟ «فقال:» إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك «. ولعموم قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩] إلا أنَّ ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوه.
فصل
إذا اطلع إنسان في دار إنسان بغير إذنه ففقأ عينه فهي هدر، لقوله ﵇:» مَن اطَّلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه «.
стр. 8771
وقال أبو بكر الرازي: هذا الخبر ورد على خلاف قياس الأصول، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً، وكان عليه القصاص إن كان عامداً، والأرش إن كان مخطئاً، والداخل قد اطَّلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صحَّ فمعناه: من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم فمنع فلم يمتنع فذهب عينه في حال الممانعة فهي هدر، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى:» العَيْن بِالعَيْنِ «إلى قوله:» والجُرُوحَ قِصَاصٌ «.
وأجيب بأن التمسك بقوله:» العَيْنُ بِالعَيْنِ «ضعيف، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة، فإنه لو كانت مستحقة القصاص، فلم قلت: إن من اطَّلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة؟
وأما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر.
والفرق بينهما أنه إذا دخل، علم القوم بدخوله عليهم، فاحترزوا عنه وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حُكْم الشرع أن يبالغ هنا في الزجر حسماً لهذه المفسدة.
وأيضاً فردّ حديث رسول الله ﷺ َ - بهذا القدر من الكلام ليس جائزاً.
فصل
إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق، أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان؟ فقيل: كل ذلك مستثنى بالدليل.
فأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، ونافٍ للحقد والضغائن.
قال ﵇: «لمَّا خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى هؤلاء الملائكة (
стр. 8772
وهم) ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك» وعن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ َ - «حق المسلم على المسلم ست: يسلِّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات» .
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ َ - «إن سرَّكم أن يسل الغل من صدروكم فأفشوا السلام بينكم» .
قوله: ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
أي: إن فعل ذلك خير لكم وأولى بكم من الهجوم بغير إذن «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» أي: لتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ﴾ أي: فإن لم تجدوا في البيوت «أَحَداً» يأذن لكم في دخولها ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾ لجواز أن يكون هناك أحوال مكتومة، ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا﴾ وذلك أنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار، فكذلك الوقوف على الباب قد يكرهه، فلا جرم كان الأولى له أن يرجع ﴿هُوَ أزكى لَكُمْ﴾ أي: الرجوع هو أطهر وأصلح لكم.
قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب، فإنَّ للناس حاجات، وإذا حضر فلم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز.
كان ابن عباس يأتي الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب (حتى يخرج) ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: «يا ابنَ عم رسول الله لو أخبرتني» فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردوداً «لما روي أن رجلاً اطلع على النبي ﷺ َ - من ستر الحجرة، وفي يد النبي ﷺ َ - مدراء، فقال:» لو علمتُ أن هذا ينظرني حتى آتيه لَطَعْنتُ بالمدراء في عينه، وهل جعل الاستئذان إلا من أجل البصر «
قوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي: من الدخول بالإذن وغير الإذن.
ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير
стр. 8773
مسكونة فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ .
قال المفسرون: لما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ . أي: بغير استئذان ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ أي: منفعة لكم.
قال محمد ابن الحنفية: إنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين.
وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع والشراء، وهو المنفعة قال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن.
وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثم يلج.
وقال عطاء: هي البيوت الخربة، و «المَتَاعُ» هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها.
وقيل: هي الحمامات.
وروي أن أبا بكر قال: يا رسولَ الله، إن الله قد أنزلَ عليكَ آيةً في الاستئذان، وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت هذه الآية.
والأصح أنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية، لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة، فإن لم يخف ذلك فله الدخول، لأنه مأذون فيها عرفاً.
﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وهذا وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
стр. 8774
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية. الغض: إطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية. قال:
٣٨٢٦ - فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْباً بَلَغْتَ وَلَا كِلَابا
وفي «مِنْ» أربعة أوجه:
أحدها: أنها للتبعيض، لأنه يُعْفَى عن الناظر أول نظرة تقع من غير قصد.
والثاني: لبيان الجنس، قاله أبو البقاء. وفيه نظر من حيث إنَّه لم يَتَقَدَّم مُبهمٌ يكونُ مُفَسَّراً ب «مِنْ» .
الثالث: أنها لابتداء الغاية، قاله ابن عطية.
الرابع: قال الأخفش: إنها مزيدة.
فصل
قال الأكثرون: المراد غض البص عما يحرم والاقتصار به على ما يحل.
فإن قيل: كيف دخلت «مِنْ» في غض البصر دون حفظ الفرج؟
فالجواب: أن ذلك دليل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن، وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفروج فمضيق.
وقيل: معنى ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أي: ينقصوا من نظرهم بالبصر إذا لم يكن من عمله فهو مغضوض.
وعلى هذا «مِنْ» ليست زائدة، ولا هي للتبعيض، بل هي صلة للغض، يقال: غضضت من فلان: إذا نقصت منه.
فصل
العورات تنقسم أربعة أقسام:
стр. 8775
عورة الرجل مع الرجل.
وعورة المرأة مع المرأة.
وعورة المرأة مع الرجل.
وعورة الرجل مع المرأة.
أما الرجل مع الرجل، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا العورة، وهي ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليسا بعورة.
وعند أبي حنيفة: الركبة عورة.
وقال مالك: «الفخذ ليس بعورة» .
وهو مردود بقوله ﵇: «غَطِّ فَخَذَكَ فإنَّهَا مِنَ العَوْرَةِ» .
وقوله لعلي: «لا تُبْرِزْ فَخذَكَ، وَلَا تَنْظُر إلى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» .
فإن كان أمر ولم يحل النظر إلى وجهه، ولا إلى شيء من سائر بدنه بشهوة، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش لقوله ﵇: «لا يُفضي الرجل إلى الرجل في فراش واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» وتكره معانقة الرجل للرجل وتقبيله إلا لولده شفقة لما روي عن أنس قال: «قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أيلزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ يده فيصافحه؟ قال: نعم» .
ونهى رسول الله ﷺ َ - عن المكاعمة والمكامعة، وهي: معانقة الرجل للرجل وتقبيله.
وأما عورة المرأة مع المرأة، فهي كالرجل مع الرجل فيما ذكرنا سواء.
والذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة؟ فقيل: هي كالمسلمة مع المسلمين.
стр. 8776
والصحيح أنه لا يجوز لها (النظر) لأنها أجنبية في الدين لقوله تعالى: «أَوْ نِسَائِهِنَّ» وليست الذمية من نسائنا.
وأما عورة المرأة مع الرجل، فإما أن تكون (أجنبية، أو ذات محرم، أو مستمتعة. فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة. فإن كانت) حرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، والمراد: الكف إلى الكوع. واعلم أن النظر إلى وجهها ينقسم ثلاثة أقسام:
إما ألاّ يكون فيه غرض ولا فتنة، وإما أن يكون فيه غرض ولا فتنة، وإما أن يكون لشهوة. فإن كان لغير غرض فلا يجوز النظر إلى وجهها، فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ . وقيل: يجوز مرة واحدة إذا لم تكن فتنة، وبه قال أبو حنيفة. ولا يجوز تكرار النظر لقوله ﵇: «لا تُتْبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» .
وقال جابر: سألت رسول الله ﷺ َ - عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري. فإن كان فيه غرض ولا فتنة، وهو أمور:
أحدها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيْها لقول رسول الله ﷺ َ - للرجل الذي سأله أنْ يتزوج امرأة من الأنصار: «انظُرْ إليْهَا، فإنَّ في أعين الأنصار شيئاً» وقال ﵇: «إذا خطب أحدُكُم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان ينظر إليها للخطبة» .
وقال المغيرة بن شعبة: «خطبت امرأة، فقال ﵇: نظرت إليها؟ فقلت:
стр. 8777
لا. قال: فانظر فإنه أحْرى أن يؤدم (بينكما) » .
وذلك يدل على جواز النظر بشهوة إلى الوجه والكفين إذا أراد أن يتزوجها ولقوله تعالى: ﴿لَاّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن.
وثانيها: أنه إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر منها إلى ما ليس بعورة.
وثالثها: عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة.
ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة، ولا ينظر إلى غير الوجه. فإن كان النظر لشهوة فهو محرم لقوله ﵇: «العينان تزنيان» .
وأما النظر إلى بدن الأجنبية فلا يجوز إلا في صور:
أحدها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر للمعالجة والختان، ينظر إلى فرج المختون للضرورة.
وثانيها: أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين ليشهد على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها ليشهد على الولادة، وإلى ثدي المرضعة ليشهد على الرضاع.
وقال بعض العلماء لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء، فلا حاجة إلى نظر الرجال.
وثالثها: لو وقعت في غرق أو حرق له أن ينظر إلى بدنها لتخليصها. فإن كانت الأجنبية أمة قيل: عورتها ما بين السرة والركبة.
وقيل: عورتها ما لا يبين في المهنة، فخرج منه عنقها وساعدها ونحرها ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال إلا لحاجة، لأن اللمس أقوى من النظر، لأن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره.
стр. 8778
فصل
فإن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع فعورتها مع الرجل المحرم كعورة الرجل مع الرجل. وقيل: عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبي حنيفة. وستأتي بقية التفاصيل - إن شاء الله تعالى - في تفسير الآية.
فصل
فإن كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل وطؤها فيجوز للزوج والسيد أن ينظر إلى جميع بدنها حتى الفرج، إلا أنه يكره النظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه، لأنه يروى أنه يورث الطمس.
وقيل: لا يجوز (النظر) إلى فرجها، ولا فرق فيه بين أن تكون الأمة قِنّ أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة.
فإن كانت مجوسية، أو مرتدة، أو وثنية، أو مشتركة بينه وبين غيره، أو مزوجة، أو مكاتبة فهي كالأجنبية لقول النبي ﷺ َ -: «إذا زوَّج أحدُكُم جاريتَه عبدَه أو أجيره فعورته معها ما بين السرة والركبة» .
فصل
فأما عورة الرجل مع المرأة فلا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرير النظر إلى وجهه «لما روت أم سلمة أنَّها كانت عند رسول الله ﷺ َ - وميمونة، إذ أقبل ابن أم مكتوم، فقال:» احتجبَا عنه «فقالت: يا رسول الله، أليس هو
стр. 8779
أعمى لا يبصرُنا؟ فقال ﵇:» أَفعمياوان أنْتُمَا؟ ألستما تبصرانه «؟ . وإن كان محرماً لها فعورته ما بين السرة والركبة.
وإن كان زوجها أو سيدها الذي له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه، غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها.
فصل
ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خالٍ وله ما يستر عورته، لأنه ﵇ سئل عنه فقال:» الله أحق أن يُسْتَحيَى منه «وقال ﵇:» إيَّاكُمْ والتَّعَرِّي، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله «.
قوله:» وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ «أي: عما لا يحل.
وقال أبو العالية: كلُّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه.
وهذا ضعيف، لأنه تخصيص من غير دليل، والذي يقتضيه الظاهر حفظ الفروج عن سائر ما حرم عليهما من الزنا واللمس والنظر.
قوله
: ﴿ذلك
أزكى
لَهُمْ
﴾ .
أي: غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم، أي: خير لهم وأطهر ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ عليمٌ بما يفعلون.
قوله: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الكلام فيه كما تقدم وقدم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراز منه.
قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: لا يظهرن زينتهن لغير محرم، والمراد بالزينة: الخفية، وهما زينتان: خفية وظاهرة. فالخفية: مثل الخلخال والخضاب في الرِّجْل،
стр. 8780
والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلا يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها. والمراد بالزينة: موضع الزينة.
وقيل: المراد بالزينة: محاسن الخَلْق التي خلقها الله، وما تزين به الإنسان من فضل لباس، لأن كثيراً من النساء ينفردن بخَلْقِهِنَّ من سائر ما يُعَدُّ زينة، فإذا حملناه على الخِلْقَة وفينا العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخِلْقة فيه، ولأنَّ قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ يدل على أن المراد من الزينة ما يعم الخِلْقة وغيرها، فكأنها تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقهن، موجباً سترها بالخمار.
قوله: ﴿إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . أما الذين حملوا الزينة على الخلقة فقال القفال: معنى الآية: إلا ما يظهره الإنسان في العادة، وذلك من النساء: الوجه والكفان، ومن الرجال: الوجه واليدان والرجلان، فرخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه، وأدت الضرورة إلى إظهاره، وأمرهم بستر ما لا ضرورة في كشفه. ولما كان ظهور الوجه والكفين ضرورة لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة.
وأما القدم فليس ظهوره ضرورياً فلا جرم اختلفوا فيه هل هو من العورة أم لا؟ والصحيح أنه عورة. وفي صوتها وجهان:
أصحهما ليس بعورة، لأن نساء النبي ﵇ كن يروين الأخبار للرجال.
وأما الذين حملوا الزينة على ما عد الخلقة، قالوا: إنه تعالى إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف في أنه يحل النظر إليها حال (انفصالها عن أعضاء المرأة، فلما حرم الله النظر إليها حال) اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة. وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوَشمَة والغُمْرَة، وزينة بدنها من
стр. 8781
الخضاب والخواتيم والثياب، لأن سترها فيه حرج، لأن المرأة لا بد لها من مزاولة الأشياء بيديها، والحاجة إلى كشف وجهها للشهادة والمحاكمة والنكاح.
قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: «الزينة الظاهرة التي استثنى الله الوجهُ والكفان» .
وقال ابن مسعود: هي الثياب، لقوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] .
وقال الحسن: الوجه والثياب.
وقال ابن عباس: الكحْل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف شيئاً منها غض البصر.
فصل
واتفقوا على تخصيص قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالحرائر دون الإماء والمعنى فيه ظاهر، لأن الأمة مالٌ، فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء.
قوله: «وَلْيَضْرِبْنَ» . ضمن «يضْرِبْنَ» معنى «يُلْقِينَ» فلذلك عداه ب «على» . وقرأ أبو عمرو في رواية بكسر لام الأمر.
وقرأ طلحة: «بِخُمْرهنَّ» بسكون الميم. وتسكين «فَعْل» في الجمع أولى من تسكين المفرد. وكسر الجيم من «جِيُوبِهِنَّ» ابن كثير والأخوان وابن ذكوان.
والخُمُر: جمع خمار، وفي القلة يجمع على أخْمِرة. قال امرؤ القيس:
стр. 8782
٣٨٢٧ - وَتَرَى الشَّجْراءَ فِي رِيِّقِهِ ... كَرُؤُوسٍ قُطِعَتْ فِيهَا الخُمُرْ
والجيب: ما في طوق القميص يبدو منه بعض الجسد.
فصل
قال المفسرون: إنَّ نساء الجاهلية كنَّ يُسْدِلْنَ خُمُرهن من خلفهن، وإن جيوبهن كانت من قدام، وكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتغطي بذلك أعناقهن ونحورهن.
قالت عائشة: رحم الله نساءَ المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها.
قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الزينة الخفية التي لم يبح لهنَّ كشفها في الصلاة ولا للأجانب، وهو ما عد الوجه والكفين «إِلَاّ لِبُعولَتهنَّ» قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن ﴿أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة إلا الزوج فإنه يجوز له أن ينظر على ما تقدم، وهؤلاء محارم.
فإن قيل: أيحل لذي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل في المؤمنة؟
فالجواب: إذا ملك المرأة من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة فإن قيل: فما القول في العم والخال؟
فالجواب: أن الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر، وهو قول الحسن البصري قال: لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع، وهو كالنسب، وقال في سورة الأحزاب ﴿لَاّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٥] ولم يذكر فيها البعولة، وقد ذكره هنا.
стр. 8783
وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفها العم عند ابنه، والخال كذلك.
والمعنى: أن سائر القرابات تشترك مع الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وابناهما، وإذا رآها الأب وصفها لابنه وليس بمحرم، وهذا من الدلالات البليغة في وجوب الاحتياط عليهن في النسب.
فصل
والسبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة هو الحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن واحتياج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار في النزول والركوب.
قوله: «أَوْ نِسَائِهِنَّ» .
قال أكثر المفسرين: المراد اللَاّئِي على دينهن.
قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة، ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها.
وكتب عُمَر إلى أبي عبيدة أن تمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات. وقيل: المراد ب «نِسَائِهِنَّ» جميع النساء.
وهذا هو الأولى، وقول السلف محمول على الاستحباب.
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ . وهذا يشمل العبيد والإماء، واختلفوا في ذلك: فقال قوم: عبد المرأة مَحْرَم لها يجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفاً، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم، وهو ظاهر القرآن، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة. «وروي أن النبي ﷺ َ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قَنعْت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله ﷺ َ - ما تلقى قال:» إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغُلامك «وعن مجاهد:» كنَّ أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم «. وكانت عائشة تمتشط والعبد ينظر إليها.
وقال ابن مسعود والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: لا ينظر العبد إلى شعر مولاته. وهو قول أبي حنيفة.
стр. 8784
وقال ابن جريج: المراد من الآية: الإماء دون العبيد، وأن قوله: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أنه لا يحل لامرأةٍ مسلمة أن تتجرد بين امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المشركة أمةً لها.
قوله: ﴿أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال﴾ .
قرأ ابن عامر وأبو بكر:» غَيْرَ «نصباً، وفيها وجهان:
أحدهما: أنه استثناء.
وقيل: على القطع، لأن» التَّابِعِينَ «معرفة و» غَيْر «نكرة.
والثاني: أنه حال. والباقون:» غيرِ «بالجر نعتاً، أو بدلاً، أو بياناً.
والإِرْبَةُ: الحاجةُ. وتقدم اشتقاقها في» طه «.
(قوله:» مِنَ الرِّجَالِ «حال من» أُولِي «) .
فصل
المراد ب ﴿التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة﴾ .
قال مجاهد وعكرمة والشعبي: هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم، لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء.
وعن ابن عباس: أنه الأحمق العنين.
وقال الحسن:» هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن «.
وقال سعيد بن جبير: المعتوه. وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: هو
стр. 8785
المخنّث. وقال مقاتل: هو الشيخ الهم والعنِّين والخَصِيّ والمجبوب ونحوه.
واعلم أن الخَصِيّ والمجبوب ومن يشاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع، ويكون له إربة فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد، فيجب أن يحمل المراد على من لا إربة له في سائر وجوه التمتع لما روت عائشة قالت:
«كانَ رجلٌ مخنَّثٌ يدخل على أزواج - النبي ﷺ َ - فكانوا يَعدُّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ َ - يوماً وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمانٍ. فقال النبي ﷺ َ -:» أَلَا أرى هذا يعلم ما هَهُنا، لا يَدْخُلَنَّ هَذا «فحجبوه» .
وفي رواية عن زينب بنت أم سلمة «أن النبي ﷺ َ - دخلَ عليها وعندها مخنَّث، فأقبل على أخي أم سلمة، فقال:» يا عبد الله، إن فتح الله غداً لكم الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان «. فقال ﵇:» لا يدخُلَنَّ عليكم هذا «فأباح رسول الله ﷺ َ - دخول المخنث عليهن، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهنَّ علم أنه من أولي الإربة، فحجبه.
وفي الخَصِيّ والمجبوب ثلاثة أوجه:
أحدها: استباحة الزينة الباطنة.
والثاني: تحريمها.
(والثالث: تحريمها) على المَخْصِيّ دون المجبوب.
قوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء﴾ .
تقدم في الحج أن الطفل يطلق على المثنى والمجموع، فلذلك وصف بالجمع.
وقيل: لما قصد به الجنس روعي فيه الجمع كقولهم:» أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَار الحمْر والدِّرْهَمُ البِيضُ «. و» عَورَاتِ «جمع عَوْرَةٍ، وهو ما يريد الإنسان ستره من بدنه، وغلب في السَّوأَتَيْن. والعامة على» عوْرات «بسكون الواو، وهي لغة عامة العرب،
стр. 8786
سكنوها تخفيفاً لحرف العلة. وقرأ ابن عامر في رواية» عَوَرَاتِ «بفتح الواو.
ونقل ابن خالويه أنها قراءة ابن أبي إسحاق والأعمش، وهي لغة هذيل بن مدركة. قال الفراء: وأنشد في بعضهم:
٣٨٢٨ - أَخُو بَيَضَاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ... رَفِيقٌ بمَسْحِ المَنْكبَيْنِ سَبوح
وجعلها ابنُ مجاهد لحناً وخطأ، يعني: من طريق الرواة، وإلا فهي لغة ثانية.
(فصل)
الظهور على الشيء يكون بمعنى العلم به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] أي: يشعروا بكم. ويكون بمعنى الغلبة عليه، كقوله:» فَأَصْبَحُوا ظَاهِرينَ «.
فلهذا قال مجاهد وابن قتيبة: معناه: لم يطلعوا على عورات النساء، ولم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر.
وقال الفراء والزجاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء.
وقيل: لم يبلغوا حدّ الشهوة.
стр. 8787
فصل
فأما المراهق فيلزم المرأة أن تستُر منه ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ستر ما عداه وجهان:
الأول: لا يلزم، لأن القلم غير جار عليه.
والثاني: يلزم كالرجل، لأنه مشتهى، والمرأة قد تشتهيه، واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم وأما الشيخ فإن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم تبق له شهوة ففيه وجهان:
أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة، والعورة معه ما بين السرة والركبة.
والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة.
وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، (والرضاع كالنسب) .
قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ .
قال ابن عباس وقتادة: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخالها، فنُهِينَ عن ذلك؛ لأن الذي تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة إلى مشاهدتهن، وعلل تعالى ذلك بقوله: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ وفي الآية فوائد:
الأولى: لما نهي عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة، فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى.
الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب، إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة (من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عنه.
الثالثة: تدل على تحريم النظر إلى وجهها بشهوة، لأن ذلك أقرب إلى الفتنة) .
قوله تعالى: ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا المؤمنون﴾ . قال ابن عابس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. وقيل: تُوبُوا من
стр. 8788
التقصير الواقع منكم في أمره ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.
قوله: «أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ» . العامة على فتح الهاء وإثبات ألف بعد الهاء، وهي «ها» التي للتنبيه. وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف «يأَيُّهُ السَّاحِر» وفي الرحمن «أَيُّهُ الثقلان» بضم الهاء وصلاً، فإذا وقف سكن.
ووجهها: أنه لما حذفت الألف لالتقاء الساكنين استحقت الفتحة على حرف خفي، فضمت الهاء إتباعاً. وقد رُسِمَتْ هذه المواضع الثلاثة دون ألف، فوقف أبو عمرو والكسائي بألف والباقون بدونها اتباعاً للرسمِ، ولموافقة الخط للفظ. وثبتت في غير هذه المواضع حَمْلاً لها على الأصل نحو: «يَأَيُّهَا النَّاسُ» ، «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» وبالجملة فالرسم سنة متبعة.
стр. 8789
قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ .
لما أمر تعالى بغض الأبصار وحفظ الفروج بيَّن بعده أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، ثم ذكر بعد ذلك طريق الحِلّ فقال: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ . الأيامى: جمع أيِّم ب «زنة» : «فَيْعل» ، يقال منه: آم يَئيم كباع يبيع، قال الشاعر:
٣٨٢٩ - كُلُّ امْرِئٍ سَتَئيم مِن ... هُ العِرْسُ أَوْ مِنْهَا يَئِيمُ
وقياس جمعه: أَيائِم، كسيِّد وسَيَائِد. و «أَيامى» فيه وجهان:
стр. 8790
أظهرهما من كلام سيبويه أنه جمع على «فَعَالَى» غير مقلوب، وكذلك «يَتَامَى» .
وقيل: إن الأصل «أَيَايم» و «يَتَايم» و «يَتِيم» (فقلبا) .
والأَيِّم: (من لا زوج له) ذكراً كان أو أنثى. قال النضر بن شميل: الأَيِّمُ في كلام العرب: كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها. وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك، يقول: زوجوا أياماكم بعضكم من بعض. وخصَّه أبو بكر الخفَّاف بمن فقدت زوجها، فإطلاقه على البِكْر مجاز. وقال الزمخشري: «تأيَّما إذا لم يتزوجا بِكرين كانا أو ثيّبين» ، وأنشد:
٣٨٣٠ - فَإِنْ تَنْكِحي أَنْكِح وإِنْ تَتَأَيَّمِي ... وَإِنْ كُنْتُ أَفْتَى مِنْكُم أَتَأَيَّمُ
وعن رسول الله ﷺ َ -: «اللَّهم إني أعوذ بك من العَيْمَة والغَيْمَة والأَيْمَة والكَرم والقَرَم» العَيْمة - بالمهملة: شدة شهوة اللبن. وبالمعجمة: شدة العطش. والأَيْمَة: طول العزبة. والكَرَم: شدة شهوة الأكل والقَرَم: شدة شهوة
следующие страницы →