← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومنتزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد: «إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ جَنَّاتٍ» في الآخرة وقصوراً في الدنيا. روي أنه ﵇ قال: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكة ذَهَباً، فقلتُ: لا يَا رَبِّ، وَلكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وأَجُوعُ يَوْماً - أَوْ قال ثَلاثاً، أَوْ نَحْوَ هَذَا - فإِذا جعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَدَعَوْتُكَ، وإذا شَبِعْت حَمِدْتُك وشَكَرْتُكَ» وروت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ َ -: «لو شئتُ لسارت معي جبالُ الذهب جاءني ملكٌ فقال: إنَّ ربك يقرأ عليك السلام ويقول إِنْ شِئْتَ كنت نبياً عبداً، وإن شئْتَ نبياً مَلكاً، فنظرت إلى جبريل ﵇ فأشار إليَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فقلت: نبياً عبداً قالت: وكان النبيُّ ﷺ َ - بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول: آكل كما يَأْكُلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ َ - جالس وجبريل ﵇ معه فقال جبريل:» هذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ استأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتك «فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاءَ المَلَكُ وسلم على رسول الله ﷺ َ - وقال:» إِنَّ اللَّهَ يُخيركَ أَنْ يُعْطِيكَ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ لَمْ يُعْطَ أحد قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئاً «فقال ﵇: بل يجمعهما لي جميعاً في الآخرة» فنزل ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة﴾ أي: بالقيامة، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً فلا يتكلفون النظر والفكر ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾ . قال أبو مسلم: «أَعْتَدْنَا» أي: جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير: النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن: أنه اسم جهنم. فصل احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية.

стр. 8927

قال الجبائي: يحتمل في قوله: «وَاَعْتَدْنَا» أن المراد منه نار الدنيا، وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم، ويحتمل نار الآخرة، ويكون المعنى: «وأَعْتَدْنَا» أي: سنعدّها، كقوله تعالى: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهذا جواب ساقط، لأن المراد من السعير إما نار الدنيا، أو نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا، والثاني - أيضاً - باطل؛ لأنه لم يقل أحد من الأمة إنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا. فثبت أن المراد نار الآخرة وأنها معدة. وأما حمل الآية على أن الله تعالى سيجعلها معدة فترك للظاهر من غير دليل. قوله: «إِذَا رَأَتْهُمْ» هذه الجملة الشرطية في موضع نصب صفة ل «سَعِيراً» ، لأنه مؤنث بمعنى النار. قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ فإن قيل: التَّغَيُّظُ لا يُسمع. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: صوت تغيظها. والثاني: أنه على حذف تقديره: سمعوا ورأوا تغيظاً وزفيراً، فيرجع كل واحد إلى ما يليق به، أي: رأوا تغيظاً وسمعوا زفيراً. والثالث: أن يضمن «سَمِعُوا» معنى يشمل الشيئين، أي: أدركوا لها تغيظاً وزفيراً. وهذان الوجهان الأخيران منقولان من قوله: ٣٨٦٥ - وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا ومن قوله: ٣٨٦٦ - عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بَارداً ... أي: ومعتقلاً رمحاً، وسقيتها ماء، أو يُضَمَّن (مُتَقَلِّداً) معنى متسلحاً،

стр. 8928

و (علفتها) معنى أطعمتها تبناً وماءً بارداً. فصل معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . قال الكلبي والسديّ من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. روي عن رسول الله ﷺ َ - أنه قال: «مَنْ كَذَب علَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ بَيْنَ عَيْنَي جهنمَ مَقْعَدا» قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تسمع قول الله ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ «. وقيل: إذا رأتهم زبانيتها. قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلين بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار، فهو كقوله» وَاسْأَلِ القَرْيَةَ «وأراد أهلها. قوله: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً﴾ .» مَكَاناً «منصوب على الظرف، و» منها «في محل نصب على الحال من» مكاناً «. لأنه في الأصل صفة له. و» مُقَرَّنينَ «حال من مفعول» أُلْقُوا «، و» ثُبُوراً «مفعول به، فيقولون: واثبوراه، ويجوز أن يكون مصدراً من معنى» دعوا «، وقيل: منصوب بفعل من لفظه مقدر تقديره ثبرنا ثبوراً. وقرأ معاذ بن جبل «مُقَرَّنُونَ» بالواو، ووجهها أن تكون بدلاً من مفعول «أُلْقُوا» وقرأ عمرو بن محمد «ثَبُوراً» بفتح الثاء، والمصادر التي على (

стр. 8929

فعول) بالفتح قليلة جداً، وينبغي أن يضم هذا إليها، وهي مذكورة في البقرة عند قوله ﴿وَقُودُهَا الناس﴾ [البقرة: ٢٤] . فصل قال ابن عباس: يُضَيق جهنم عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهو منقول أيضاً عن ابن عمر. وسئل النبي ﷺ َ - عن ذلك فقال: «إِنَّهُمْ يُسْتَكْرَهُونَ في النار كما يُسْتَكْرَه الوتد في الحائط» . قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب. قال الزمخشري: الكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ولذلك وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وقوله: «مُقَرَّنِينَ» (أي: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين) مع الشياطين في السلاسل، كل كافر مع شيطان، فعندما يشاهدون هذا العذاب دعوا بالويل والثبور. قال ابن عباس: يقولون: ويلاً. وقال الضحاك: هلاكاً. فيقولون: واثبوراه فهذا حينك وزمانك، فيقال لهم: ﴿لَاّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة.

стр. 8930

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات. قوله تعالى : ﴿أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ الآية. لما وصف العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة فقال: «أَذَلِكَ خَيْرٌ» . فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: السكر أحلى أم الصبر؟ فالجواب: هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له: أهذا خير أم ذلك؟ فصل قال أبو مسلم: جنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً﴾ [الإنسان: ٩] . فإن قيل: الجنة اسم لدار مخلدة، فأي فائدة في قوله: «جَنَّةُ الخُلْدِ» ؟ فالجواب: الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان صفات الكمال، كقوله تعالى: «الخَالِقُ البَارِئ» وهذا من هذا الباب. فصل احتج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: الأول: اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الموعود بمحض التفضيل فلا يسمى جزاء. والثاني: لو كان المراد بالجزاء ما صرتُم إليه بمجرد الوعد فلا يبقى بين قوله: «جَزَاءً» وبين قوله: «مَصِيراً» تفاوت، فيصير ذلك تكريراً من غير فائدة. والجواب: أنه لا نزاع في كونه جزاء إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين. فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً﴾ ؟ فالجواب من وجهين:

стр. 8931

الأول: أن ما وعده فهو في تحققه كأنه قد كان؛ ولأنه قد كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم (ومصيراً) . قوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ هو نظير قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] ، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس﴾ [الزخرف: ٧١] . فإن قيل: أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ ، وأيضاً فالأب إذا كان ولده في دركات النيران وأشد العذاب فلو اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب، (فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه) ، فإن فعل قدح ذلك في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] ، وفي قوله: ( ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ﴾ ) . والجواب أن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم. قوله: «خَالِدينَ» منصوب على الحال، إما من فاعل «يَشَاءونَ» وإما من فاعل «لَهُمْ» ، لوقوعه خبراً، والعائد على «ما» محذوف، أي: لهم فيها الذي يشاءونه حال كونهم خالدين. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ﴾ في اسم «كَانَ» وجهان: أحدهما: أنه ضمير «ما يشاءون» ذكره أبو البقاء. والثاني: أن يعود على الوعد المفهوم من قوله «وُعِدَ المُتَّقُونَ» . و «مَسْؤولاً» على المجاز، يسأل هل وفى لك أم لا، أو يسأله من وعد به. فصل قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق كما تقدم. وقوله: «مَسْؤولاً» أي: مطلوباً، قيل: إن المتقين سألوا

стр. 8932

ربهم في الدنيا فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وقال محمد بن كعب القرظي: الملائكة سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨] . وقيل: إن المكلفين سألوه بلسان الحال؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي: ٣٨٦٧ - وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وَفِيكَ فَطَانَةٌ ... سُكُوتِي كَلَامٌ عَنْدَهَا وَخِطَابُ وقيل: «وَعْداً مَسؤولاً» أي: واجباً وإن لم يسأل. قاله الفراء وقيل: «مَسْؤولاً» أي: من حقه أن يكون مسؤولاً، لأنه حق واجب إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.

стр. 8933

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية قرأ ابن عامر «نَحْشَرُهُمْ ... فَنَقُولُ» بالنون فيهما، وابن كثير وحفص بالياء من تحت فيهما، والباقون بالنون في الأوّل وبالياء في الثاني. وهُنّ واضحات.

стр. 8934

وقرأ الأعرج «نَحْشِرهُمْ» بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن عطية: هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين. وقال أبو الفضل الرازي: وهو القياس في الأفعال الثلاثية المتعدية؛ لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فَعُل بضمها في الماضي. قال أبو حيان: وليس كما ذكرا بل فعل المُتعدي الصحيح جميع حروفه إذا لم يكن للمبالغة، ولا حلقي عين ولا لام فإنه جاء على يفعِل ويفعُل كثيراً، فإن شُهِرَ أحد الاستعمالين اتُّبع وإلا فالخيار حتى إن بعض أصحابنا خيَّر فيهما سُمِعَا للكلمة أم لم يُسْمَعَا. قال شهاب الدين: الذي خيَّر في ذلك ابن عصفور، فيجيز أن يقول: زيد يفعِل بكسر العين، ويَضْرِب بكسر الراء مع سماع الضم في الأول والكسر في الثاني وسبقه إلى ذلك ابن درستويه (إلا أن) النحاة على خلافه. قوله: «وَمَا يَعْبُدُونَ» عطف على مفعول «يَحْشُرُهُمْ» ، ويضعف نصبه على المعية، وغلب غير العاقل عليه فأتي ب «ما» دون «من» .

стр. 8935

فصل ظاهر قوله: «وَمَا يَعْبُدُونَ» أنها الأصنام، لأن (ما) لما لا يعقل. وظاهر قوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ﴾ أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وعزير وغيرهم؛ لأن الإضلال وجد بهم فلهذا اختلفوا. فقال مجاهد: أراد الملائكة والجن والمسيح وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام. فقيل لهم: كيف يخاطب الله تعالى الجماد فأجابوا بوجهين: أحدهما: أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها. والثاني: أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات، وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟ فإن لم يحصل جواباً أجابتك اعتباراً. وقال الأكثرون: المراد الملائكة وعيسى وعزير ﵈ قالوا: ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] فإن قيل: لفظة «ما» لا تستعمل في العقلاء. فالجواب من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة «ما» لا تستعمل لمن لا يعقل؛ لأنهم قالوا: «مَنْ» لمن لا يعقل في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] . الثاني: أنه أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبودهم. وقال تعالى : ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] ، ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] وهذا لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين. فصل قالت المعتزلة: (وفيه كسر بيّن لقول من يقول إن) الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقول: إلهنا ههنا قسم ثالث

стр. 8936

غيرهما هو الحق، وهو أنّك أضللتهم فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا ضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أنه تعالى لا يضل أحداً من عباده، فإن قيل: لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، وقالوا: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر﴾ ، وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم، وهو أنه تعالى متَّعهم وآباءهم بنعيم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزم أن يصير الله محجوجاً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملوماً. وأجاب أهل السنة بأن القدرة على الضلالة إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله، وإن صلحت له لم يترجح اقتدارها للضلال على اقتدارها على الاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند ذلك يزول السؤال. وأما ظاهر الآية وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظوهر المطابقة لقولنا. قوله: «هؤلاء» يجوز أن يكون نعتاً ل «عِبَادي» أو بدلاً أو بياناً. قوله: «ضلّوا السَّبِيلَ» على حذف حرف الجر وهو «عن» كما صرح به في قوله ﴿يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] ثم اتُّسع فيه فحُذِف نحو هَدَى، فإنَّه يتعدَّى ب (إلى) وقد يُحْذَف اتساعاً. و «ضلَّ» مطاوع (أَضَلَّ) . فإن قيل: إِنَّهُ تعالى كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟ فالجواب: هذا سؤال تقريع للمشركين كما قيل لعيسى ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] . فإن قيل: فما فائدة «أَنْتُمْ» ، وهلَاّ قيل: أَأَضْلَلْتُمْ عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ فالجواب: هذا سؤال عن الفاعل فلا بدَّ من ذكره حتى يعلم أنه المسؤول عنه. وقوله: «أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ ... أَمْ هُمْ ضَلُّوا» (إنما قدم الاسم على الفعل)

стр. 8937

كما تقدم في قوله: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] . قوله: «يَنْبَغِي» العامة على بنائه للفاعل، وأبو عيسى الأسود القارئ «يُنْبَغَى» مبنيًّا للمفعول. قال ابن خالويه: زعم سيبويه أنَّ «يُنْبَغَى» لغة. قوله: «أَنْ نَتَّخِذَ» فاعل «يَنْبَغِي» ، أو مفعول قائم مقام الفاعل في قراءة الأسود وقرأ العامة «نَتَّخِذَ» مبنيًّا للفاعل، و «مِنْ أَوْلِيَاء» مفعوله وزيدت فيه (مِنْ) ويجوز أن يكون مفعولاً أوَّلَ على أن (اتَّخَذَ) متعدياً لاثنين. ويجوز أن لا تكون المتعدية لاثنين بل لواحد، فعلى هذا «مِنْ دُونِكَ» متعلق بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنه حال من «أَوْلِيَاء» . وقرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو رجاء، والحسن، وأبو جعفر في آخرين: «نُتَّخَذَ» مبنيًّا للمفعول. وفيه أوجه: أحدها: أنها المتعدية لاثنين، فالأول: «هُمْ» ضمير الاثنين، والثاني: قوله: «مِن أَوْلِيَاء» و «مِنْ» للتبعيض، أي: ما كان ينبغي أن نتخذ بعض أولياء، قاله الزمخشري. الثاني: أنَّ «مِنْ أَوْلِيَاء» هو المفعول الثاني - (أيضاً - إلَاّ أن «مِنْ» مزيدة في المفعول الثاني) . وهذا مردود بأن «مِنْ» لا تزاد في المفعول الثاني إنما تزاد في الأول. قال ابن عطية: ويضعف هذه القراءة دخول «مِنْ» في قوله: «مِنْ أَوْلِيَاء» اعترض بذلك سعيد بن جبير وغيره. قال الزجاج: أخطأ من قرأ بفتح الخاء وضم النون، لأنَّ «مِنْ» إنما تدخل في هذا الباب إذا كانت مفعولةً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال، تقول: ما اتخذت من

стр. 8938

أحدٍ ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من وليٍّ. الثالث: أن يكون «مِنْ أَوْلِيَاء» في موضع الحال قاله ابن جني إلَاّ أنه قال: ودخلت «مِنْ» زيادة لمكان النفي المتقدم كقولك: ما اتخذت زيداً من وكيل. فظاهر هذا أنه جعل الجار والمجرور (في موضع الحال، وحينئذ يستحيل أن تكون «مِنْ» مزيدة ولكنه يريد أن هذا المجرور) هو الحال نفسه و «مِنْ» مزيدة فيه إلَاّ أنه لا يحفظ زيادة «مِنْ» في الحال وإن كانت منفية وإنما حفظ زيادة الباء فيها على خلاف في ذلك. فإن قيل: هذه القراءة غير جائزة، لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء. قلنا: المراد أنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا؟ وقرأ الحجاج: نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ [أولياء] فبلغ عاصماً فقال: مَقَّتَ المُخْدجُ، أو ما علم أنَّ فيها «مِنْ» . فصل أجابوا بقولهم: «سُبْحَانَكَ» . وفيه وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم، تعجبوا مما قيل لهم؛ لأنهم ملائكة، والأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختصٌّ بإبليس وجنوده. وثانيها: أنهم نطقوا ب «سُبْحَانَكَ» ليدلوا على أنهم المسبحون الموسومون بذلك، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده.

стр. 8939

وثالثها: قصدوا بالتسبيح تنزيهه عن الأنداد سواء كان المسبح وثناً أو نبياً أو ملكاً. ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إبراء من كان بريئاً من الجرم، بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم. وقولهم: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ . معناه: إذا كنا لا نرى أن يتخذ من دونك ولياً، فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك، أي ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. وقيل: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين. وقيل: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي: إنا علمنا أنك لا ترضى بهذا فما فعلنا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: قالت الملائكة: (إنَّا وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً فضلاً عن أن يتخذ عبداً آخر إلهاً. وقيل: قالت الأصنام) : إنا لا يصلح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادعاؤنا من المعبودين. قوله: «وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ» . لمَّا تضمَّن كلامهم أنَّا لم نضلهم ولم نحملهم على الضلال حسن هذا الاستدراك، وهو أن ذكروا سببه، أي: أنعمت عليهم وتفضلت فجعلوا ذلك ذريعةً إلى ضلالهم عكس القضية. والمعنى متعتهم وآباءهم في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة. ﴿حتى نَسُواْ الذكر﴾ تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه. قوله: ﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان. و «بُوراً» يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع بائر كعائذ وعوذ. والثاني: أنه مصدر في الأصل كالزور، فيستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وهو من البوار والهلاك. وقيل من الفساد، وهي لغة الأزد، يقولون: بَارَتْ بِضَاعَتَهُ أي: فسدت، وأمرنا بائر، أي: فاسد، وهذا معنى قولهم: كسدت البضاعة. وقال الحسن: هو من قولهم: أرض بورٌ، أي: لا نبات بها. وهذا يرجع إلى معنى الهلاك والفساد.

стр. 8940

قوله تعالى: «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ» هذا خطاب مع المشركين، أي: كَذَّبَكُمُ المعبودون في قولكم إنهم آلهة وإنهم أضلوكم. وقيل: خطاب للمؤمنين في الدنيا، أي: فقد كذبوكم أيها المؤمنون الكفار بما تقولون من التوحيد في الدُّنيا، وهو معنى قوله «بِما تَقُولُونَ» . وهذه الجملة من كلام الله تعالى اتفاقاً، فهي على إضمار القول والالتفات. قال الزمخشري: هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنةٌ رائعةٌ وخاصة إذا انضمَّ إليها الالتفات وحذف القول، ونحوها قوله: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ [فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ] ﴾ [المائدة: ١٩] ، وقول القائل: ٣٨٦٨ - قالوا خُراسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا ... ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا انتهى. يريد أنَّ الأصل في الآية الكريمة فقلنا فقد كذبوكم، وفي البيت: فقلنا قد جئنا. وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياء من تحت، أي: «فَقَدْ كَذَبَكُم الآلِهَةُ بِمَا يَقُولُونَ (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ» إلى آخره وقيل: المعنى: فقد كذبكم أيها المؤمنون الكفار بما يقولون) من الافتراء عليكم. قوله: «فَمَا يَسْتَطِيعُونَ» . قرأ حفص بتاء الخطاب، والمراد عبَّادها، والمعنى فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف: التوبة، وقيل: الحيلة.

стр. 8941

وقرأ الباقون باء الغيبة، والمراد الآلهة التي كانوا يعبدونها من عاقل وغيره، ولذلك غلب العاقل وأتى بواو الضمير، والمعنى: فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب وأن يحتالوا لكم. قوله: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ﴾ . قرأ العامة «نُذِقْهُ» بنون العظمة، وقرئ بالياء، وفي الفاعل وجهان: أظهرهما: أنه الله تعالى لدلالة قراءة العامة على ذلك. والثاني: أنه ضمير الظلم المفهوم من الفعل، وفيه تجوز بإسناد إذاقة العذاب إلى سببها وهو الظلم، والمعنى: ومن يشرك منكم نذقه عذاباً كبيراً. فصل تمسك المعتزلة بهذه الآية (في القطع بوعيد أهل الكبائر، قالوا: ثبت أن كلمة «مَنْ» في معرض الشرط للعموم، وثبت أن الكافر ظالم لقوله ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ، والفاسق ظالم لقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون﴾ [الحجرات: ١١] فثبت بهذه الآية) أن الفاسق لا يعفى عنه بل يعذب لا محالة. والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة «مَنْ» في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم لكن قطعاً أم ظاهراً؟ ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام والاستعمال المشهور استعمال صيغ العموم مع إرادة الأكثر أو لأن المراد أقوام معينون ويدل عليه قوله تعالى ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع أن يقال: قولنا «الَّذِينَ كَفَرُوا» كان يفيد العموم، لكن المراد منه إمَّا الغالب أو المراد منه أقوام مخصصون. وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو.

стр. 8942

سلمنا دلالته، لكن أجمعنا على أن قوله: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ﴾ مشروط بأن لا يزيل ذلك الظلم بتوبة أو بطاعة هي أعظم من ذلك الظلم، فيرجع حاصل الأمر إلى أن قوله: «يَظْلِمْ مِنْكُمْ» مشروط بأن لا يعاجل ما يزيله وعند هذا فنقول: هذا مسلم، لكن لم قلتم: إنه لم يوجد ما يزيله؟ فإن العفو عندنا أحد الأمور الثلاثة التي تزيله، وذلك هو أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] . فإن قيل: آيات الوعيد أولى، لأن السارق يُقْطع على سبيل التنكيل، وإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب محبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال. قلنا: لا نسلم أنَّ السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه (لا) يقطع على سبيل التنكيل (بل على سبيل المحنة) . نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ﴾ خطاب مع قوم مخصوصين معينين، فهب أنه لا يعفو عن غيرهم. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين﴾ الآية هذا جواب عن قولهم: ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] أي: هذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن. قوله: ﴿إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ حق الكلام أن يقال: إلَاّ أنَّهُمْ. بفتح الألف، لأنه متوسط، والمكسورة لا تليق إلَاّ بالابتداء، فلهذا ذكروا في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محل نصب صفة لمفعول محذوف، فقدره الزجاج والزمخشري: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ أحَداً مِن المُرْسَلِين إلا آكِلِين وَمَاشِينَ» . وإنما حذف، لأن في قوله: «مِنَ المُرْسَلِينَ» دليلاً عليه، نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] بمعنى: مَا مِنَّا أحدٌ. وقدره ابن عطية: رجالاً أو رسلاً. والضمير في «إنَّهم» وما بعده عائد على هذا الموصوف المحذوف. والثاني: قال الفراء: إنها لا محل لها من الإعراب، وإنما هي صلة لموصول

стр. 8943

محذوف هو المفعول (ل «أَرْسَلْنَا» ) ، تقديره: إلا من أنهم. فالضمير في «إنَّهُمْ» وما بعده عائد على معنى «مَنْ» المقدرة، واكتفي بقوله: «مِنَ المُرْسَلِينَ» عنه كقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا (كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً) ﴾ [مريم: ٧١] ، أي: إلَاّ من يردها. فعلى قول الزجاج الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين إلَاّ في مواضع، تقدَّم التنبيه عليها في البقرة. الثالث: أن الجملة محلها النصب على الحال، وإليه ذهاب ابن الأنباري قال: التقدير: إلَاّ وإنهم، يعني أنها حالية، فقدَّر معها الواو بياناً للحالية، فكسر بعد استئناف. وردَّ بكون ما بعد «إلَاّ» صفة لما قبلها، وقدره أبو البقاء أيضاً. والعامة على كسر «إنَّ» ، لوجود اللام في خبرها، ولكون الجملة حالاً على الراجح. قال أبو البقاء: وقيل: لَوْ لَمْ تكن اللام لكسرت أيضاً لأن الجملة حالية، إذ المعنى: إلَاّ وَهُمْ. وقيل: المعنى: إلا قيل أنهم. وقرئ «أنَّهُمْ» بالفتح على زيادة اللام وأن مصدرية، والتقدير: إلَاّ لأنَّهُمْ أي: ما جعلنا رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم. وقرأ العامة «يَمْشُونَ» خفيفة، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وعبد الله «يُمَشُّونَ» مشدداً مبنيًّا للمفعول، أي: تُمَشِّيهِمْ حَوَائِجُهُمْ أو الناس. وقرأ عبد الرحمن: «يَمشُّونَ» بالتشديد مبنيًّا للفاعل، وهي بمعنى «يَمْشُونَ» قال الشاعر: ٣٨٦٩ - وَمَشَّى بِأَعْطَانِ المِيَاهِ وابْتَغَى ... قَلَائِصَ مِنْهَا صَعْبَةٌ وَرَكُوبُ

стр. 8944

قال الزمخشري: ولو قرئ «يَمَشُّونَ» لكان أوجه لولا الرواية. يعني بالتشديد. قال شهاب الدين: قد قرأ بها السُّلَمِيّ ولله الحمد. فصل روى الضحاك عن ابن عباس قال: لمَّا عيَّر المشركون رسول الله ﷺ َ - وقالوا: ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] أنزل الله هذه الآية. يعني: ما أنا إلا رسول، وما كنت بدعاً من الرسل، وهم كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كما قال في موضع آخر: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] . ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي: بلية، فالغني فتنة للفقير، (ويقول الفقير) : ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. قال ابن عباس: أي: جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم وتتبعون الهدى. وقال الكلبي والزجاج والفراء: نزلت في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أَنِفَ أن يسلم، وأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وقيل: هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ َ - قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، (وويل للرعية من السلطان) ، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية. وروي عن ابن عباس والحسن هذا في أصحاب البلاء والعافية (هذا يقول لِمَ لَمْ أجعل مثله) في الخلق، والخلق، وفي العقل، وفي العلم، وفي الرزق، وفي الأجل. وقيل: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته لهم في البشريّة وصفاتها، فالمرسلون يتأذون من المرسل إليهم بأنواع الأذى على ما قال: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً﴾ [آل عمران: ١٨٦] ،

стр. 8945

والمرسل إليهم يتأذون أيضاً (من الرسل) بحسب الحسد، وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً. والأولى حمل الآية على الكل، لأن بين الجميع قدراً مشتركاً. قال ﵇: «إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ والجَسدِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ دُونَهُ في المالِ والجَسَدِ» . قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ . «أَتَصْبِرُونَ» المعادل محذوف، أي: أم لا تصبرون وهذه الجملة استفهام، والمراد منه: التقرير بأن موقعه بعد الفتنة موقع أيّكم بعد الابتلاء في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧] بمعنى: أنها معلِّقة لما فيها من معنى فعل القلب، فتكون منصوبة المحل على إسقاط الخافض والمعنى: «أَتَصْبِرُونَ» على البلاء، فقد علمتم ما وعد الصابرون، ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أي: عالم بمن يصبر، وبمن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.

стр. 8946

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ الآية. هذه هي الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد ﷺ َ - وحاصلها: لم (لم) تنزَّل الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه، ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ فصل قال الفراء: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي: لا يخافون

стр. 8947

لقاءنا، فوضع الرجال موضع الخوف لغة تهاميّة إذا كان معه جحدٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ١٣] أي: لا تخافون لله عظمةً قال القاضي: لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، والمعلوم من حال عبّاد الأصنام أنهم كانوا لا يخافون العقاب، لتكذيبهم (بالمعاد) ، فكذلك لا يرجون الثواب لمثل ذلك، فقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ محمول على الحقيقة، وهو أنهم لا يرجون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب والجنة، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع (للرجاء) . فصل دلَّ ظاهر الآية على جواز الرؤية، لأن اللقاء جنس تحته أنواع، أحد أنواعه الرؤية، والآخر الاتصال والمماسّة. وهما باطلان، فدلَّ على جواز الرؤية، لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمي الرؤية لقاء. وقالت المعتزلة: تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، لأنه يقال في الدعاء: لقاك الله الخير. ويقول القائل: لم أَلْقَ الأمير. وإن رآه من بعد إذا حجب عنه، ويقال في الضرير: لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب، وقد يلقاه في الليلة الظلماء ولا يراه، بل المراد من اللقاء هنا المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار: ١٩] لا أنه رؤية البصر. قال ابن الخطيب وهذا كلام ضعيف، لأنَّ اللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ينطلق على كل واحد من تلك المعاني، فيصح قوله: لقاك الخير، ويصح قول الأعمى: لقيت الأمير، ويصح قول البصير: لقيته (بمعنى رأيته، وما لقيته) بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني وبين الوصول بالرؤية، وقد بطل الأول فتعيّن الثاني.

стр. 8948

وقولهم: المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه. صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أنّ إنكار الرؤية ليس إلا من دين (الكفار) . قوله: «لَوْلَا أُنْزِلَ» : هلاّ أنزل «عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ» فيخبرونا أن محمداً صادق ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا بذلك ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ﴾ (أي: تعظموا في أنفسهم) بهذه المقالة. قال الكلبي ومقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما المنكرين للنبوة والبعث. قوله: «عُتُواً» مصدر وقد صحَّ هنا وهو الأكثر وأُعِلَّ في مريم في «عِتِيًّا» ، لمناسبة ذكرت هناك، وهي تواخي رؤوس الفواصل. فصل قال مجاهد: «عُتُوًّا» طغواً. وقال مقاتل: «عتوًّا» غلوًّا في القول. والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. وقوله: «فِي أَنْفُسِهِمْ» ، لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه، كما قال: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ مَّا هُم (بِبَالِغِيهِ) ﴾ [غافر: ٥٦] . وعتوا: تجاوزوا الحد في الظلم. فصل وهذا جواب عن شبهتهم وبيانه من وجوه: أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت نبوة محمد ﵇ فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض التعنت والاستكبار.

стр. 8949

وثانيها: أنَّ نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات، فل يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك المعجز وردّ المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجِّح، وهو محض الاستكبار والتعنت. وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب، ويسألوه عن صدق محمد ﵇ وهو سبحانه يقول: نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد ﵇ لأنَّا بيَّنَّا أن المعجزة تقوم مقام التصديق بالقول، إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول: اللهم إن كنت صادقاً فأحْيِ هذا الميت، فيحييه الله تعالى، (والعادة لم تجر بمثله) ، وبين أن يقول له: صدقت. وإذا كان التصديق بالقول والتصديق الحاصل بالمعجز (سيّين) في كونه تصديقاً للمدعى، كان تعيين أحدهما محض استكبار وتعنت. ورابعها: يمكن أن يكون المراد أنَّ الله تعالى قال: لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت، فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به، فلا جرم لا أعطيهم ذلك. وخامسها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله لا يُرَى، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل الاستهزاء. فصل استدل المعتزلة بهذه الآية على عدم الرؤية، لأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً. قالوا: فقوله: ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ ليس إلا لأجل سؤال الرؤية، واستعظم في آية أخرى قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ [البقرة: ٥٥] . فثبت أن الاستكبار والعتو هاهنا إنما حصل لأجل سؤال الرؤية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. ونقول هاهنا: إنّا بينا أن قوله: ﴿وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ يدل على الرؤية، وأمّا الاستكبار والعتو فلا يدل ذلك على أن الرؤية

стр. 8950

مستحيلة، لأنَّ من طلب شيئاً محالاً لا يقال: إنه عَتَا واستكبر، ألا ترى قولهم: ﴿اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوًّا واستكباراً بل قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . ومما يدل على ذلك أن موسى ﵇ لما قال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ما وصفه الله بالاستكبار والعتوّ، لأنه ﵇ طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء لمَّا طلبوها امتحاناً وتعنتاً لا جرم وصفهم بذلك. قوله: «يَوْمَ يَرَونَ» فيه أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله: «لَا بُشْرَى» أي: يُمْنَعُونَ البُشْرَى يَوْمَ يَرَونَ. الثاني: أنه منصوب ب (اذكر) ، فيكون مفعولاً به. الثالث: أنَّه منصوب ب (يعذبون مقدراً. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس «البُشْرَى» لوجهين: أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أنَّها منفية ب (لا) ، (وما بعد (لا)) لا يعمل فيما قبلها. قوله: «لَا بُشْرَى» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يَرَون الملائكة يقولون لا بُشْرَى، فالقول حال من «المَلَائِكَة» ، وهو نظير التقدير في قوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ﴾ [الرعد: ٢٣] إلى قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤] . قال أبو حيان: واحتمل «بُشْرَى» أن يكون مبنيًّا مع «لَا» ، واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه كان مبنيًّا مع «لا» احتمل أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبراً بعد خبر، أو نعتاً ل «بُشْرَى» ،

стр. 8951

أو متعلقاً بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون «يَوْمَئِذٍ» صفة ل «بُشْرَى» والخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» ، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس «لَا» أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع «لَا» وما بني معها. وإن كان في نية التنوين وهو معرب، (جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» ، و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، و) جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس «لَا» بإجماع. قال شهاب الدين: قوله: واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره لا يتأتَّى إلَاّ على قول أبي إسحاق، وهو أنه يرى أنَّ اسم (لَا) النافية للجنس معربٌ، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع إليه في الضرورة، وينشد: ٣٨٧٠ - أَلَا رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... ويتأوله البصريون على إضمار: ألا ترونني رجلاً، وكان يمكن الشيخ أن يجعله معرباً كما ادّعى بطريق أخرى، وهو: أن يجعل «بُشْرَى» عاملة في «يَوْمَئِذٍ» أو في «لِلْمُجْرِمِينَ» ، فيصير من قُبَيْل المطوَّل، والمطوَّل معربٌ، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي البقاء ﵀. ويجوز أن يكون «بُشْرَى» معرباً منصوباً بطريق أخرى، وهي أن تكون منصوبة بفعل مقدَّر، أي: لا يُبَشَّرُونَ بُشْرَى، كقوله تعالى: ﴿لَا مَرْحَباً (بِهِمْ) ﴾ [ص: ٥٩] ، (و) لا أهلاً ولا سهلاً، إلَاّ أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله على هذا لقوله: جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، فقد حكم أن لها خبراً، وإذا جُعِلَت منصوبة بفعل مقدر لا

стр. 8952

يكون [ل (لا) ] حينئذ خبر، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسنٌ. قوله: «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» قد تقدَّم في «يَوْمَئِذٍ» أوجه: وجوَّز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب «بُشْرَى» ، قال: إذا قدَّرت أنها منونة غير مبنيَّة مع (لا) ، ويكون الخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» . وجوَّز - أيضاً - هو والزمخشري أن يكون «يَوْمَئِذٍ» تكريراً ل «يَوْم) يَرَوْنَ» وردَّه أبو حيان سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظيّ أم أريد به البدل قال: لأنَّ «يَوْمَ» منصوب بما تقدم ذكره من (اذكر) (أو من) (يَعْدَمُونَ) البشرى، وما بعد (لَا) العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه يكون العامل فيه ما قبل (لَا) . وما ردَّه ليس بظاهر، لأنَّ الجملة المنفية معمولةٌ للقول المضمر الواقع حالاً من «المَلَائِكَةِ» ، و «الملائكة» معمولةٌ ل «يَرَوْنَ» ، و «يَرَوْنَ» معمول ل «يَوْمَ» خُصِّصَا بالإضافة، ف (لا) وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست بأجنبية ولا مانعةٍ من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها. والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و «لِلْمُجْرِمِينَ» من وضع الظاهر موضع المضمر شهادةً عليهم بذلك. والضمير في «يقُولُونَ» يجوز عوده للكفار (أو للملائكة) . و «حِجْراً» من المصادر الملتزم إضمار ناصبها، ولا يتصرَّف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوٍّ وهجوم نازلة، ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا فيقول: حِجْراً وهي من حجره: إذا منعه، لأنَّ المستعيذ

стр. 8953

طالب من الله أن يمنع المكروه ولا يلحقه، وكان المعنى: أسأل الله أن يمنعه منعاً ويحجره حجراً. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمِّها وهو لغة فيه. قال الزمخشري: ومجئيه على فِعْل أو فُعْل في قراءة الحسن تصرُّفٌ فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز: ٣٨٧١ - قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُم وَحُجْرُ ... وهذا الذي أنشده الزمخشري يقتضي تصرُّف «حِجْراً» . وقد تقدم نص سيبويه على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغةً ثالثةً وهي الفتح، قال: وقد قرئ بها. فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغاتٍ مقروء بهنَّ. و «مَحْجُوراً» صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل، والذيل: الهوان، ومَوْتٌ مَائِتٌ، والحِجْرُ: العقل، لأنه يمنع صاحبه. فصل قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة﴾ عند الموت. قاله ابن عباس، وقال الباقون: يريد يوم القيامة ﴿لَا بشرى يَوْمَئِذٍ﴾ للكافرين. قالت المعتزلة: الآية تدلّ على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله: «لَا بُشْرَى ... لِلْمُجْرِمِينَ» نكرة في سياق النفي فتعمّ

стр. 8954

جميع أنواع البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال: بل له بُشْرَى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله: «لَا بُشْرَى» يقتضي نفي جميع البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مراراً. فصل اختلفوا في القائلين «حِجْراً مَحْجُوراً» : فقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا: «حِجْراً مَحْجُوراً» ، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة. قال مجاهد: يعني: عوذاً مَعَاذاً، فيستعيذون به من الملائكة. وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله. قال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» أي: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى. قوله: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: وعمدنا إلى عملهم. قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ . الهَبَاءُ والهَبْوَةُ: التراب الدقيق. قاله ابن عرفة. قال الجوهري: يقال فيه: هَبَا يَهْبُو: إذا ارتفع، وأَهْبَبْتُهُ أَنَا إِهْبَاءً. وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوَّة يتراءى مع ضوء الشمس فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل. وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد.

стр. 8955

وقيل: الهَبَاءُ ما تطاير من شرر النَّار إذا أُضْرِمَتْ، والواحدة هباءة على حد تَمْر وتَمْرَة. و «مَنْثُوراً» أي: مفرَّقاً، نثرت الشيء فرَّقته. والنَّثْرَةُ لنجوم متفرقة. والنَّثْرُ: الكلام غير المنظوم على المقابلة بالشعر. قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح، وتذريه من التراب، (وحطام الشجر) . وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. وفائدة الوصف به أنَّ الهَبَاءَ تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حرّكته تفرَّق، فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك. وقال الزمخشري: أو مفعول ثالث ل «جَعَلْنَاهُ» أي: فَجَعَلْنَاهُ جامعاً لحقارة الهَبَاء والتناثر، كقوله: «كُونُوا» ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] أي: جامعين للمسخ والخسأ. قال أبو حيان: وخالف ابن درستويه، فخالف النحويين في منعه أن يكون ل (كان) خبران وأزيد، وقياس قوله في (جعل) أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث. قال شهاب الدين: مقصوده أن كلام الزمخشري مردودٌ قياساً على ما منعه ابن درستويه من تعديد خبر (كَانَ) . قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ أي: من هؤلاء المشركين المستكبرين. «وَأَحْسَن مَقِيلاً» موضع قائلة. وفي (أَفْعَل) هاهنا قولان: أحدهما: أنها على بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة

стр. 8956

مُسْتَقَراً من مُسْتَقَرِّ الكفار «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» من مقيلهم، لو فرض أن يكون لهم. والثاني: أن يكون لمجرَّد الوصف من غير مفاضلةٍ. فصل قال المفسرون: يعني أن أهل الجنة لا يمرّ بهم يوم إلا قدر النهار من أوله إلى قدر القائلة حتى يسكنوا مساكنهم من الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ: «ثُمَّ إن مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحِيمِ» وهكذا كان يقرأ. وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله. وقال قوم: حين قالوا في منازلهم. قال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله قال: «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» والجنة لا نوم فيها. وروي «أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس» .

стр. 8957

قوله: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ» العامل في «يَوْمَ» إمّا (اذكر) ، وإمّا ينفرد الله بالمُلْكِ يَوْمَ تشقق، لدلالة قوله: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾ عليه. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو [هنا وفي (ق) «تَشَقَّقُ» بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهما واضحتان،

стр. 8958

حذف الأولون] تاء المضارعة أو تاء التفعل على خلاف في ذلك، والباقون أدغموا تاء التفعل في الشين لما بينهما من المقاربة، وهما ك «تَظَاهَرُونَ» و «تَظَّاهَرُونَ» حذفاً وإدغاماً، وقد مضى في البقرة. قوله: «بِالغَمَامِ» في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: على السببية، أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعها منها، ونحوه السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] كأنه الذي يتشقق به السماء. الثاني: أنها للحال، أي: مُلتَبِسَةً بالغمام. الثالث: أنها بمعنى (عَنْ) ، أي: عن الغَمَام كقوله: ﴿ (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ) ﴾ [ق: ٤٤] ، [والباء وعن يتعاقبان، تقول: رميت عن القوس وبالقوس] . قوله: «وَنُزِّلَ المَلَائِكَةُ» فيها اثنتا عشرة قراءة ثنتان في المتواتر، وعشر في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة «وَنُنْزِلُ» بنون مضمومة ثم أخرى ساكنة وزاي خفيفة مكسورة مضارع (أَنْزَلَ) ، و «المَلَائِكَةَ» بالنصب مفعول به، وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه القراءة على (إِنْزَال) . قال أبو علي: لما كان (أَنْزَلَ) و (نَزَّلَ) يجريان مجرى واحداً أجزأ مصدر أحدهما عن مصدر الآخر، وأنشد: ٣٨٧٢ - وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الحِضْبِ ...

стр. 8959

لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَويْتُ بمعنى، ومثله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] [أي: تَبَتُّلاً] وقرأ الباقون من السبعة «وَنُزِّلَ» بضم النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضياً مبنيًّا للمفعول، «المَلَائِكَةُ» بالرفع لقيامه مقام الفاعل، وهي موافقةٌ لمصدرها. وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء «وَنَزَّلَ» بالتشديد ماضياً مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، «المَلَائِكَةَ» مفعول به. وعنه - أيضاً - «وَأَنْزَلَ» مبنيًّا للفاعل عداه بالتضعيف مرة، وبالهمزة أخرى، والاعتذار عن مجيء مصدره على التفعيل كالاعتذار عن ابن كثير. وعنه - أيضاً - «وَأُنْزِلَ» مبنيًّا للمفعول. وقرأ هارون عن أبي عمرو «وَتُنَزِّلُ المَلَائِكَةُ» بالتاء من فوق وتشديد الزاي ورفع اللام مضارعاً مبنيًّا للفاعل، «المَلَائِكَةُ» بالرفعِ مضارع «نَزَّلَ» بالتشديد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف، أي: وتُنَزِّلُ المَلَائِكَةُ ما أُمِرَتْ أن تُنَزِّله. وقرأ الخفَّاف عنه، وجناح بن حبيش «وَنَزَلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، «المَلَائِكَةُ» بالرفع. وخارحة عن أبي عمرو - أيضاً - وأبو معاذ «ونُزِّلَ» بضم النون وتشديد الزاي، ونصب «المَلَائِكَةَ» ، والأصل: ونُنْزِلُ بنونين حذفت (إحداهما) وقرأ أبو عمرو

стр. 8960

وابن كثير في رواية عنهما بهذا الأصل «ونُنَزِّلَ» بنونين وتشديد الزاي. وقرأ أُبيّ «وَنُزِّلَتْ» بالتشديد مبنيًّا للمفعول، «وَتُنُزِّلَتْ» بزيادة تاء في أوله، وتاء التأنيث (فيهما) . وقرأ أبو عمرو في طريقة الخفاف عنه «وَنُزِلَ» بضم النون وكسر الزاي خفيفة مبنيًّا للمفعول. قال صاحب اللوامح: فإن صحت هذه القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: ونُزِلَ نُزُول الملائكة، فحذف النزول ونقل إعرابه إلى «المَلَائِكَة» بمعنى: نَزَلَ نَازِلُ الملائكة، لأنَّ المصدر يجيء بمعنى الاسم، وهذا مما يجيء على مذهب سيبويه ترتيب بناء اللازم للمفعول به، لأنَّ الفعل يدل على مصدره. قال شهاب الدين: وهذا تمحُّلٌ كثير دعت إليه ضرورة الصناعة. وقال ابن جني: وهذا غير معروف، لأنَّ (نَزَلَ) لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا للملائكة، ووجهه أن يكون مثل زكم الرَّجُلُ وجنَّ، فإنه لا يقال إلا أزكمه، وأجنّه الله، وهذا باب سماع لا قياس. ونظير هذه القراءة ما تقدم في سورة الكهف في قراءة من قرأ ﴿فَلَا يَقُومُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً﴾ بنصب الوزن من حيث تعدية القاصر، وتقدم ما فيها. فصل الغَمَامُ: هو الأبيض الرقيق مثل الضباب، ولم يكن إلَاّ لبني إسرائيل في تيههم. والألف واللام في «الغمام» ليس للعموم بل للمعهود، وهو ما ذكره في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] قال ابن عباس: تتشقق

стр. 8961

سماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، [ثم تشقق السماء ثانية، فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس] ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون، ثم حملة العرش. فإن قيل: ثبت بالقياس أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش، فملائكة هذه المواضع (بأسرها، فكيف تتسع الأرض لكل هؤلاء) ؟ فالجواب: قال بعض المفسرين: الملائكة يكونون في الغمام، والغمام يكون) مقرّ الملائكة. قوله: «المُلْكُ يَوْمَئذٍ» فيها أوجه: أحدها: أن يكون «المُلْكُ» مبتدأ والخبر «الحَقُّ» و «يَوْمَئِذٍ» متعلق ب «الملك» ، و «للرَّحْمَنِ» متعلق ب «الحَقّ» ، أو بمحذوف على التبيين، أو بمحذوف على أنه صفة للحق. الثاني: أنَّ الخبر «يَوْمَئِذٍ» ، و «الحَقُّ» نعت للملك، [و «للرحمن» على ما تقدم] . [الثالث: أنَّ الخبر «للرَّحْمَن» و «يَوْمَئِذٍ» متعلق ب «الملك» ، و «الحَقُّ» نعت للملك] . قيل: ويجوز نصب الحق بإضمار (أَعْنِي) .

стр. 8962

فصل المعنى: أَنَّ الملك الذي هو الملك حقاً ملك الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أَنَّ يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. ومعنى وصفه بكونه حقاً: أنه لا يزول ولا يتغير. فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله: «يَوْمَئِذٍ» ؟ . فالجواب لأَنّ في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة، ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام. ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً﴾ أي: شديداً، وهذا الخطاب يدلُّ على أنه لا يكون على المؤمنين عسيراً؛ جاء في الحديث «أنه يهوّن يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أَخَفَّ عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم﴾ يَوْمَ معمول لمحذوف، أو معطوف على «يَوْمَ تَشَقَّقُ» . و «يَعضُّ» مضارع عَضَّ، ووزنه فَعِل بكسر العين بدليل قولهم: عَضِضْتُ أَعَضُّ. وحكى الكسائي فتحها في الماضي، فعلى هذا يقال: أَعِضُّ بالكسر في المضارع. والعَضُّ هنا كناية عن شدة الندم، ومثله: حَرَقَ نَابَهُ، قال: ٣٨٧٣ - أَبى الضَّيْم والنُّعْمَان يَحْرِقُ نَابَهُ ... عَلَيْهِ فَأَفْضَى والسّيُوفُ مَعَاقِلُه وهذه الكناية أبلغ من تصريح المكني عنه. فصل (أل) في «الظَّالم» تحتمل العهد والجنس على خلاف في ذلك. فالقائلون بالعهد اختلفوا على قولين: الأول: قال ابن عباس: «أراد بالظالم: عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس، كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً، ودعا إليه جيرته وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة

стр. 8963

النبي ﷺ َ - ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر، فصنع طعاماً، ودعا الناس، ودعا الرسول، فلما قرب الطعام قال رسول الله ﷺ َ -» ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله «فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أَنّ محمداً رسول الله، فأكل الرسول من طعامه، وكان عقبة صديقاً لأبيّ بن خلف، فلما أتى أُبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل عليّ فأبَى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلا أن تأتيه وتبزق في وجهه، وتطأ على عنقه، ففعل ذلك عقبة، فقال ﵇: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوتك بالسيف» ، فقتل عقبة يوم بدر صبراً، وأما أبيّ بن خلف فقتله النبي ﷺ َ - بيده يوم أحد. قال الضحاك: لما بزق عقبةُ في وجه رسول الله ﷺ َ - عاد بزاقه في وجهه، فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت. وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً، فكفر وارتد، فأنزل الله ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ يعني: عُقبة، يقول: ﴿ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ ، أي: ليتني اتبعت محمداً فاتخذت معه سبيلاً إلى الهدى. وقرأ أبو عمرو ﴿يَا لَيَتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. الثاني: قالت الرافضة: الظالم هو رجل بعينه، وإن المسلمين عرفوا اسمه وكتموه، وجعلوا فُلاناً بدلاً من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب الرسول. ومن حمل الألف واللام على العموم، لأنها إذا دخلت على الاسم المفرد أفادت العموم بالقرينة، وهي أنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلّ على أنَّ المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً، فيعم الحكم لعموم علته.

стр. 8964

وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة، ونزوله في واقعة خاصة (لا ينافي العموم) ، بل تدخل فيه تلك الصورة وغيرها. والمقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم. فصل قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم، يقال: عَضَّ أنامله، وعضَّ على يديه. قوله: «يَقُولُ» هذه الجملة حال من فاعل «يَعَضُّ» وجملة التمني بعد القول محكيةٌ به، وتقدم الكلام في مباشرة (يَا) ل «لَيْتَ» في النساء. قوله: «يَا وَيْلَتَى» . قرأ الحسن «يَا وَيْلَتِي» بكسر التاء وياء صريحة بعدها، وهي الأصل. وقرأ الدَّوْرِيُّ بالإمالة. قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء، فَمَنْ أَمَالَ رجع إلى الذي منه فَرَّ أولاً. وهذا منقوض بنحو (بَاعَ) فإن أصله الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا ﴿ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦] و «يَا أَسَفَى» وهما ك (ياء) «وَيْلَتِي» في كون ألفهما عن ياء المتكلم. و «فُلَان» كناية عن عَلَمِ من يعقل، وهو متصرف. و «فُلُ» كناية عن نكرة مَنْ يعقل من الذكور، و «فُلَةُ» عن مَنْ يعقل من الإناث. والفُلَانُ والفُلَانةُ بالألف عن غير العاقل، ويختص (فُلُ) ، و (فُلَةُ) بالنداء إلَاّ في ضرورة كقوله:

стр. 8965

٣٨٧٤ - فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَاناً عَنْ فُلِ ... وليس (فُلُ) مرخماً من (فلان) خلافاً للفراء. وزعم أبو حيان أنَّ ابن عصفور وابن مالك، وابن العلج وهموا في جعلهم (فُلُ) كناية عن عَلَمِ مَنْ يعقل (فلان) . ولام (فُلُ) و (فُلَانُ) فيها وجهان: أحدهما: أنها واو. والثاني: أنها ياء. فصل تقدم الكلام في «يَا وَيْلَتَى» في هود. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً﴾ يعني أبيّ بن خلف ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر﴾ عن الإيمان والقرآن، ﴿بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي﴾ يعني الذكر مع الرسول «وَكَانَ الشَّيْطَانُ» وهو كل متمرد عاتٍ من الجن والإنس، وكل من صدَّ عن سبيل الله فهو شيطان. وقييل: أشار إلى خليله. وقيل: أراد إبليس، فإنه الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المُضِل، ومخالفة الرسول، ثم خذله، وهو معنى قوله: «للإنْسَانِ خَذُولاً» أي: تاركاً يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب. وقوله: «وَكَانَ الشَّيْطَانُ» يحتمل أَنْ تكون هذه الجملة من مقول الظالم فتكون منصوبة المحل بالقول. وأن تكون من مقول الباري تعالى فلا محل لها، لاستئنافها.
следующие страницы →