← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ الآية. قال ابن عباس: لما أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [النساء: ٢٩] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعُمْي والعرج وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية. وعلى هذا التأويل تكون «على» بمعنى «في» أي: ليس في الأعمى، أي: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج. وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما: «كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس

стр. 8892

يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، ويقول الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج: ربما أخذ مكان اثنين، فنزلت هذه الآية» . وقال مجاهد: نزلت هذه الآية (ترخيصاً لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله بهذه الآية) لأن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب العلم، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بعض من سمى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره، فأنزل الله هذه الآية وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا اختلفوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وقال الحسن: نزلت الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال: تم الكلام عند قوله: ﴿وَلَا عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ وقوله تعالى: «وَعَلى أَنْفسكُمْ» كلام منقطع عما قبله. وقيل: لما نزل قوله: ﴿وَلَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله : ﴿وَلَا على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ ، أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم، نسب بيوت الأولاد إلى الآباء كقوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» . فصل دلَّت هذه الآية بظاهرها على إباحة الأكل من هذه المواضع بغير استئذان، وهو

стр. 8893

منقول عن قتادة، وأنكره الجمهور، ثم اختلفوا: فقيل: كان ذلك في صدر الإسلام، فنسخ بقوله ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ويدل على هذا النسخ قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكان في أزواج الرسول من لهنَّ الآباء والأخوات، فعم بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بالإذن في الأكل. فإن قيل: إنما أذن الله تعالى في هذه الآية، لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا في بيوتهم، حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك؟ فالجواب: لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى، لأن غيرهم كهم في ذلك. وقال أبو مسلم: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين، لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: ﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ثم إنه تعالى أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال: ويدل عليه أن في هذه السورة (أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: ﴿حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل) أمر أن يسلموا على أنفسهم، فالمقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات. وقيل: لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم، والعادة كالإذن، فيجوز أن يقال: خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأصل توجد منهم، ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى النسخ. قوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ . قال ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر، وملك المفتاح: كونه في يده وحفظه قال المفضل: «المفاتح» واحدها «مَفْتَح» بفتح الميم، وواحد

стр. 8894

المفاتيح: مِفْتح (بكسر الميم) . وقال الضحاك: يعني: من بيوت عبيدكم ومماليككم، لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح: الخزائن، لقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ [الأنعام: ٥٩] ، ويجوز أن يكون الذي يفتح به. وقال عكرمة: «إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير» . وقال السُّديّ: الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه. وقيل: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ : ما خزنتموه عندكم. قال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم. قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ العامة على فتح الميم واللام مخففة. وابن جُبير: «مُلِّكْتُم» ، بضم الميم وكسر اللام مشدّدة؛ أي: «مَلَّكَكُمْ غَيْرُكُمْ» . والعامة على «مَفَاتِحَه» دون ياء، جمع «مَفْتَح» . وابن جُبَير «مَفَاتِيحَهُ» بالياء بعد التاء، جمع «مِفْتَاح» . وجوَّز أبو البقاء أن يكون جمع «مِفْتَح» بالكسر، وهو الآلة، وأن يكون جمع «مَفتح» بالفتح، وهو المصدر بمعنى الفتح. والأول أقيس. وقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه: «مِفْتَاحَهُ» بالإفراد، وهي قراءة قتادة. قوله: «أَوْ صَدِيقكُمْ» . العامة على فتح الصاد. وحُمَيد الجزَّارُ روى كسرها إتباعاً لكسرة الدّال والصديق: يقع للواحد والجمع كالخليط والفطين وشبههما. فصل الصديق: الذي صدقك في المودة. قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازياً مع رسول الله ﷺ َ - وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده

стр. 8895

مجهوداً، فسأله عن حاله فقال: تحرجت من أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية. والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا. يحكى أن الحسن دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد أخرجوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة مكبون عليها يأكلون، فتهلل أسارير وجهه سروراً وضحك، وقال: «هكذا وجدناهم» يعني: كبراء الصحابة. وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، لأن أهل جهنم لمّا استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، بل قالوا: ﴿مَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] . وحكي أن أخا الربيع بن خيثم دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل، فلما قدم أخبرته بذلك، فانسر لذلك وقال: إن صدقت فأنت حرة. فصل احتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع، لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم، ودخولها بغير أذنهم، فلا يكون ماله محرزاً منهم. فإن قيل: فيلزم ألا يقطع إذا سرق من مال صديقه؟ فالجواب: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له. قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ قال الأكثرون: نزلت في بني ليث بن عمرو حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده، ويمكث يومه حتى يجد ضيفاً يأكل معه، فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا

стр. 8896

يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل. هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج. وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأحتج، أي: أتحرج أن آكل معك، وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية وقال عكرمة وأبو صالح: «نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلاّ مع ضيفهم، فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا جميعاً مجتمعين، أو اشتاتاً متفرقين» . وقال الكلبي: «كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك المزمن والمريض، فبيّن الله لهم أن ذلك غير واجب» . قوله: «جَمِيعاً» حال من فاعل «تَأْكُلُوا» ، و «أَشْتَاتاً» عطف عليه، وهو جمع «شَتّ» و «شَتَّى» جمع «شَتيت» . و «شَتَّانَ» تثنية «شت» . قال المفضل: وقيل: الشت: مصدر بمعنى: التفرق، ثم يوصف به ويجمع. قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾ . أي: ليسلم بعضكم على بعض، جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . قال ابن عباس: «فإن لم يكن أحد فعلى نفسه يسلم، ليقل: السلام علينا من قبل ربنا» . قال جابر وطاوس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار: «إذا دخل الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته» . وقال قتادة: «إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، حدثنا أن الملائكة ترد عليه» وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾ قال: «إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» . قال القفال: «وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل: السلام على من اتبع الهدى» . قوله: «تَحيَّةً» منصوب على المصدر من معنى «فَسَلِّمُوا» فهو من باب: قَعَدْتُ

стр. 8897

جُلُوساً، كأنه قال: فحيوا تحية، وتقدم وزن «التحية» . و ﴿مِّنْ عِندِ الله﴾ يجوز أن يتعلق بنفس «تَحية» أي: التحية صادرة من جهة الله، و «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً إلا أنه يعكر على الوصف تأخر الصفة الصريحة عن المؤولة، وتقدم ما فيه. فصل ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله﴾ أي: مما أمركم الله به. قال ابن عباس: من قال: السلام عليكم، (معناه: اسم الله عليكم «مُبَارَكَةً طَيِّبَةً» . قال ابن عباس) : «حسنة جميلة» وقال الضحاك: «معنى البركة فيه تضعيف الثواب» ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي: يفصل الله شرائعه «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» عن الله أمره ونهيه. قال أنس: «وقفت على رأس النبي ﷺ َ - أصب الماء على يديه، فرفع رأسه وقال:» ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها «؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بلى. قال:» من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت بيتاً فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين «.

стр. 8898

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ﴾ أي: مع رسول الله ﷺ َ -

стр. 8899

﴿على أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يجمعهم من حرب حضرت، أو صلاة جمعة، أو عيد، أو جماعة، أو تشاور في أمر نزل. فقوله «أَمْرٍ جَامِع» من الإسناد المجازي (لأنه لما كان سبباً في جمعهم نسب الفعل) إليه مجازاً. وقرأ اليماني: ﴿عَلَى أَمْرٍ جَميعٍ﴾ فيحتمل أن يكون صيغة مبالغة بمعنى «مُجمع» وألا يكون. والجملة الشرطية من قوله: «وَإِذَا كَانُوا» وجوابها عطف على الصلة من قوله: «آمَنُوا» . والأمر الجامع: هو الذي يعم ضرره أو نفعه، والمراد به: الخطب الجليل الذي لا بُدَّ لرسول الله ﷺ َ - من أرباب التجارب (والآراء) ليستعين بتجاربهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يَشُق على قلبه. فصل قال الكلبي: كان النبي ﷺ َ - يُعَرِّضُ في خطبته بالمنافقين ويعيبهم، فينظر المنافقون يميناً وشمالاً، فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت الآية، فكان المؤمن بعد نزول هذه الآية لا يخرج لحاجته حتى يستأذن رسول الله ﷺ َ - وكان المنافقون يخرجون بغير إذن. فصل قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلاّ بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، (فإن حدث سبب يمنعه من المقام) بأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان. فصل قال الجبائي: دلَّت الآية على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان. والجواب: هذا بناء على أن كلمة «إنما» للحصر، وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافاً، وذلك كفر.

стр. 8900

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي: يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه. قال الضحاك ومقاتل: المراد: عمر بن الخطاب، وذلك أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال: «انطلق، فوالله ما أنت بمنافق» يريد أن يُسْمِع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل. قال ابن عباس: «إن عمر استأذن رسول الله ﷺ َ - في العمرة، فأذن له، ثم قال:» يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك «. قوله:» لِبَعْض شَأْنِهِمْ «تعليل، أي: لأجل بعض حاجتهم. وأظهر العامةُ الضادَ عند الشين. وأدغمها أبو عمرو فيها، لما بينهما من التقارب، لأن الضاد من أقصَى حافة اللسان والشين من وسطه. وقد استضعف جماعة من النحويين هذه الرواية واستبعدوها عن أبي عمرو - رأس الصناعة - من حيث إن الضادَ أقوى من الشين، ولا يدغم الأقوى في الأضعف وأساء الزمخشري على راويها السوسيّ. وقد أجاب الناس عنه، فقيل: وجه الإدغام أن الشين أشد استطالة من الضاد، وفيها تَفَشِّي ليس في الضاد، فقد صارت الضاد أَنْقَصَ منها، وإدغام الأنقص في الأزْيَدِ جائز، قال:

стр. 8901

ويُؤَيّد هذا أن سيبويه حكى عن بعض العرب «اطَّجَع» في «اضْطَجع» ، وإذا جاز إدغامها في الطاء فإدغامها في الشين أولى. والخصم لا يسلم جميع ما ذكر، ومستند المنع واضح. فصل ﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف، أي: إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، ﴿واستغفر لَهُمُ الله﴾ وهذا تنبيه على أن الأولى ألا يستأذنوا وإن أذن، لأن الاستغفار يكون عن ذنب. ويحتمل أن يكون أمره بالاستغفار لهم مقابلة على تمسكهم بإذن الله تعالى في الاستئذان. فصل قال مجاهد: قوله: فأذن لمن شئت منهم نسخت هذه الآية. وقال قتادة: نسخت هذه الآية بقوله: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . والآية تدل على أنه تعالى فوض إلى رسول الله بعض أمر الدين ليجتهد فيه رأيه. قوله: ﴿لَاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ . قال سعيد بن جبير وجماعة كثيرة: لا تنادونه باسمه فتقولون: يا محمد، ولا بكنيته فتقولون: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير: يا رسول الله، يا نبي الله. وعلى هذا يكون المصدر مضافاً لمفعوله. وقال المبرد والقفال: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض فتتباطؤون كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر، بل يجب عليكم المبادرة لأمره، ويؤيده قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ . وعلى هذا يكون المصدر مضافاً للفاعل. وقال ابن عباس: «احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره» . وروي عنه أيضاً: «لا ترفعوا أصواتكم في دعائه» . وهو المراد من قوله: ﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله﴾ [الحجرات: ٣] وقول المبرد أقرب إلى نظم الآية. وقرأ الحسن: «نبيكم» بتقديم النون على الباء المكسورة، بعدها ياء

стр. 8902

مشددة مخفوضة مكان «بينكم» الظرف في قراءة العامة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من الرسول. الثاني: أنه عطف بيان له، لأَنَّ النبيَّ بإضافته إلى المخاطبين صار أشهر من الرسول. الثالث: أنه نعتٌ. لا يقال: إنه لا يجوز لأن هذا كما قَرَّرتم أعرف، والنعت لا يكون أعرف من المنعوت بل إمَّا أقلُّ أو مساوٍ، لأنَّ الرَّسول صار علماً بالغلبة على محمد ﷺ َ - فقد تساويا تعريفاً. قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله﴾ . «قد» تدل على التقليل مع المضارع إلاّ في أفعال الله فتدل على التحقيق كهذه الآية. وقد ردَّها بعضهم إلى التقليل، لكن إلى متعلَّق العلم، يعني: أن الفاعلين لذلك قليل، فالتقليل ليس في العلم بل في متعلِّقه. قوله: لِوَاذاً فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول، إذ التقدير: يتسلّلون منكم تَسَلُّلاً، أو يُلَاذُون لواذاً. والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: مُلَاوِذين. واللِّواذُ: مصدر لَاوذَ، وإنما صحَّت الواو وإن انكسر ما قبلها ولم تُقلب ياءً كما قُلبَتْ في «قِيَام» و «صِيَام» ، لأنه صحَّت في الفعل نحو «لَاوَذَ» ، فلو أُعِلَّتْ في الفعل أُعِلَّتْ في المصدر نحو «القيام» و «الصِّيَام» لقلبها ألفاً في «قام» و «صام» . وأما مصدر: «لَاذَ بكذا يَلُوذُ به» فمعتل نحو: «لَاذَ لِيَاذاً» مثل: «صَامَ صِياماً، وقام قِياماً» . واللِّوَاذُ والمُلَاوَذَةُ: التَّستُّر، يقال: لَاوَذَ فلانٌ بكذا: إذا استتر بِهِ. واللَّوذُ:

стр. 8903

ما يُطيفُ بالجبل. وقيل: اللِّوَاذُ: الرَوَغَان من شيءٍ إلى شيءٍ في خفيةٍ، ووجه المفاعلة أَنَّ كُلاًّ منهم يلُوذُ بصاحبه، فالمشاركة موجودة. وقرأ يزيد بن قطيب: «لَوَاذاً» بفتح اللام، وهي محتملة لوجهين: أحدهما: أن يكون مصدر «لاذ» ثلاثياً، فيكون مثل «طاف طوافاً» . والثاني: أن يكون مصدر «لَاوَذَ» إلاّ أنه فتحت الفاء إتباعاً لفتحة العين. وهو تعليل ضعيف يصلح لمثل هذه القراءة. فصل المعنى: قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يخرجون مستترين بالناس من غير استئذان حتى لا يروا. قال ابن عباس: كان المنافقون يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي ﷺ َ - فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار وقال مجاهد: يتسللون من الصف في القتال. وقيل: كان هذا في حفر الخندق ينصرفون عن رسول الله ﷺ َ - مختفين. وقيل: يعرضون عن الله وعن كتابه وعن ذكره وعن نبيه. قوله: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ» فيه وجهان: أشهرهما، وهو الذي لا يعرف النحاة غيره: أن الموصول هو الفاعل و «أن تصيبهم» مفعوله، أي: فليحذر المخالفون عن أمره إصابتهم فتنة. والثاني: أن فاعل «فَلْيَحْذَر» ضمير مستتر، والموصول مفعول به. وردَّ هذا بوجوهٍ:

стр. 8904

منها: أن الإضمار خلاف الاصل. وفيه نظر، لأنَّ هذا الإضمار في قوة المنطوق به، فلا يقال: هو خلاف الأصل، ألا ترى أن نحو: «قُمْ» و «ليقُمْ» فاعله مضمر، ولا يقال في شيء منه هو خلاف الأصل، وإنما الإضمار خلاف الأصل فيما كان حذفاً نحو: «وَاسْأَلِ القَرْيَةَ» . ومنها: أنَّ هذا الضمير لا مرجع له، أي: ليس له شيء يعود عليه، فبطل أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً. وأجيب بأن الذي يعود عليه الضمير هو الموصولُ الأول، أي: فَلْيَحْذَر المُتَسَلِّلُونَ المخالفين عن أمره، فيكونون قد أمروا بالحذر منهم، أي: أُمرُوا باجتنابهم، كما يُؤْمَرُ باجتناب الفُسَّاقِ. وردُّوا هذا بوجهين: أحدهما: أنَّ الضمير مفرد، والذي يعود عليه جمع، ففاتت المطابقةُ التي هي شرطٌ في تفسير الضمائر. الثاني: أن المُتَسلِّلينَ هم المُخالِفُون، فلو أمروا بالحذر عن الذين يخالفون لكانوا قد أُمِرُوا بالحذر عن أنفسهم، وهو لا يجوز، لأنه لا يمكن أن يُؤْمَرُوا بالحذر عن أنفسهم. ويمكن أن يُجاب عن الأول بأن الضمير وإن كان مفرداً فإنما عاد على جمع باعتبار أن المعنى: فليحذر هو، أي من ذكر قبل ذلك، وحكى سيبويه: «ضَرَبَني وضربت قومك» أي: ضَرَبَني من ثمَّ ومن ذكر، وهي مسألة معروفة في النحو. أو يكون التقدير: فَلْيَحْذَر كلُّ واحد من المتسللين. وعن الثاني: بأنه يجوز أن يُؤْمَر الإنسانُ بالحذر عن نفسه مجازاً، يعني: أنه لا يطاوعها على شهواتها، وما تُسوِّلُه له من السوء، وكأنه قيل: فليحذر المخالفون أنفسهم فلا يطيعوها فيما تأمرهم به، ولهذا يقال: أمَرَ نفسهُ ونَهَاهَا، وأَمرتهُ نفسهُ باعتبار المجاز.

стр. 8905

ومنها: أنه يصير قوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مفلَّتاً ضائعاً، لأنَّ «يحذر» يتعدى لواحد، وقد أخذه على زعمكم، وهو الذين يخالفون ولا يتعدى إلى اثنين حتى يقولوا: إن ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ في محل مفعوله الثاني، فيبقى ضائعاً. وفيه نظرٌ، لأنَّا لا نُسلِّم ضياعهُ، لأنه مفعول من أجله. واعترض على هذا بأنه لا يستكمل شروط النصب لاختلاف الفاعل، لأن فاعل الحذر غير فاعل الإصابة. وهو ضعيف، لأن حذف حرف الجر يطرد مع «أَنَّ» و «أَنْ» منقول مسلمٌ: شروط النصب غير موجودةٍ، وهو مجرور باللام تقديراً، وإنما حُذفت مع أَنْ لطولها بالصلة. و «يُخَالِفُونَ» يتعدى بنفسه نحو: خَالَفْتُ أَمْر زيدٍ، وب «إِلَى» نحو: خالفتُ إلى كذا، فكيف تعدَّى هذا بحرفِ المجاورة؟ وفيه أوجه: أحدها: أنه ضُمِّنَ معنى «صَدَّ» و «أَعْرَضَ» أي: صدَّ عن أمره، وأَعْرَضَ عنه مُخَالِفاً له. الثاني: قال ابن عطية: معناه: يقعُ خلافُهُمْ بعدَ أَمْرِه، كما تقول: كان المطر عَنْ ريح كذا، و «عن» لِمَا عدا الشي. الثالث: أنها مزيدة، أي: يخالفون أمره، وإليه نحا الأخفش وأبو عبيدة. والزيادة خلافُ الأصل. وقُرِئ: «يُخَلِّفُونَ» بالتشديد، ومفعوله محذوف، أي: يُخَلِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ. فصل المعنى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ﴾ أي: يعرضون «عَنْ أَمْرِهِ» ، أو يخالفون أمره وينصرفون عنه بغير إذنه ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: لئلا تصيبهم فتنة. قال مجاهد: بلاء في الدنيا. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وجيع في الآخرة. والضمير في «أمره» يرجع إلى «الرسول» . وقال أبو بكر الرازي: الأظهر أنه لله تعالى لأنه يليه.

стр. 8906

فصل الآية تدل على أن الأمر للوجوب، لأن تارك المأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. قوله تعالى: ﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي: ملكاً وعبيداً، وهذا تنبيه على كمال قدرته تعالى عليهما، وعلى ما بينهما وفيهما. قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ . قال الزمخشري: أدخل «قد» ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن «قد» إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى «رُبَّما» فوافقت «ربما» في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: ٣٨٥٨ - فَإِنْ يُمْسي مَهْجُورَ الفَنَاءِ فَرُبَّمَا ... أقام به بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ ونحو من ذلك قول زهير: ٣٨٥٩ - أَخِي ثِقَةٍ لَا تُهْلِكُ الخَمْرُ مَالَهُ ... وَلكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُه قال أبو حيان: وكونُ «قَدْ» إذا دخلت على المضارع أفادت التكثير قولٌ لبعض النحاة، وليس بصحيح، وإنما التكثير مفهوم من السياق. والصحيح أن رُبَّ لتقليل

стр. 8907

الشيء أو لتقليل نظيره، وإن فُهِمَ تكثير فمن السياق لا منها. قوله: «وَيَوْمَ يُرجَعُونَ» ، في «يَوْمَ» وجهان: أحدهما: أنه مفعول به لا ظرف، لعطفه على قوله: ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ ، أي: يعلم الذي أنتم عليه من جميع أحوالكم، ويعلم يوم يرجعون، كقوله ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] . وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَاّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . والثاني: أنه ظرف لشيء محذوف. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون التقدير: والعلم الظاهر لكم أو نحو: هذا يومَ، فيكون النصب على الظرف. انتهى. وقرأ العامة «يُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وأبو عمرو في آخرين مبنيًّا للفاعل، وعلى كلتا القراءتين فيجوز وجهان: أحدهما: أن يكون في الكلام التفات من الخطاب في قوله: ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلى الغيبة في قوله «يرجعون» . والثاني: أنَّ ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ خطاب عام لكل أحد، والضمير في «يرجعون» للمنافقين خاصة، فلا التفات حينئذ. فصل المعنى: ﴿يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الإيمان والنفاق و «قَدْ» صلة ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعني يوم البعث، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ من الخير والشر، ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾ . روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ َ -: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغَزْلَ وسورة النور» . وروى الثعلبي عن أبي أُمامة عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ - «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن فيما مضى وفيما بقي» .

стр. 8908

سورة الفرقان

стр. 8909

مكية، وهي سبع وسبعون آية، وثمانمائة واثنتان وسبعون كلمة، وعدد حروفها ثلاثة آلاف وسبعمائة وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ الآية. اعلم أنه تعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة ثم ختمها بذكر العباد المخلصين المؤمنين. قال الزجاج: «تبارك» تفاعل من البركة. والبركة كثرة الخيرة وزيادته، وفيه معنيان: أحدهما: تزايد خيره وتكاثره. قال ابن عباس: معناه: جاء بكل بركة، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] . والثاني: قال الضحاك: تعظّم الذي نزل الفرقان، أي: القرآن على عبده. وقيل: الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء. وسميت البركة بركة، لثبوت الماء فيها، والمعنى: أنه سبحانه باق في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير، وباق في صفاته ممتنع التبدل. فإن قيل: كلمة «الذي» موضوعة في اللغة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه

стр. 8910

بقضية معلومة، وإذا كان كذلك فالقوم ما كانوا عالمين بأنه - سبحانه - الذي نزل الفرقان. فالجواب: أنه لما ظهر الدليل على كونه من عند الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه مجرى المعلوم. فصل وصف القرآن بالفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل في نبوة محمد ﵇ وبين الحلال والحرام، أو لأنه فرق في النزول كقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] ، وهذا أقرب، لأنه قال: ﴿نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ ولفظة «نزل» تدل على التفريق، ولفظة «أنزل» تدل على الجمع، ولهذا قال في سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق (مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿وَأَنْزَلَ التوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ٣] . والمراد بالعبد ههنا محمد ﷺ َ -. قوله: «ليكون» . اللام متعلقة ب «نزَّل» ، وفي اسم «يكون» ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير يعود على «الَّذِي نزّل» ، أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيراً. الثاني: أنه يعود على «الفرقان» وهو القرآن، أي: ليكون الفرقان نذيراً (أضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله: ﴿إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي﴾ [الإسراء: ٩] وهذا بعيد؛ لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، ووصف القرآن به مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى) . الثالث: أنه يعود على «عبده» ، أي: ليكون عبده محمد ﷺ َ - نذيراً. وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة لقربه مما يعود عليه الضمير على أقرب مذكور. و «لِلعَالَمِين» متعلق ب «نَذِيراً» ، وإنما قدم لأجل الفواصل، ودعوى إفادة الاختصاص بعيدة، لعدم تأتيها هنا، ورجح أبو حيان عوده على «الذي» ، قال: لأنه العمدة المسند إليه الفعل، وهو من وصفه تعالى كقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] ، و «نذيراً» الظاهر فيه أنه بمعنى منذر، وجوَّزوا أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] فإن قوله: «تبارك» يدل على كثرة

стр. 8911

الخير والبركة، فالمذكور عقيبه لا بد وأن يكون سبباً لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف، فكيف يليق ذكره بهذا الموضع؟ فالجواب: أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر (كان الإحسان إليه أكثر، لما أن ذلك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيراً) كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه بأنه معطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتّة. قوله: ﴿الذي لَهُ مُلْكُ﴾ يجوز في «الّذِي» الرفع نعتاً للذي الأول، أو بياناً، أو بدلاً، أو خبراً لمبتدأ محذوف، أو النصب على المدح. وما بعد بدل من تمام الصلة فليس أجنبياً، فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعاً له. فصل ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه حال حدوثها، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ أي: هو الفرد أبداً، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه، وهذا رد على النصارى. ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل ما سواه، ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه، وفيه رد على الثنوية، والقائلين بعبادة النجوم والأوثان. قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الخلق هنا عبارة عن الإحداث والتهيئة لما يصلح له، لا

стр. 8912

خلل فيه ولا تفاوت حتى يجيء قوله: «فقدره تقديراً» مفيداً إذ لو حملنا ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام: وقدر كل شيء فقدره. فصل قوله: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يدل على أنه تعالى خلق الأعمال من وجهين: الأول: أن قوله: «كل شيء» يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد. والثاني: أنه تعالى نفى الشريك، فكأن قائلاً قال: ههنا أقوام معترفون بنفي الشريك والأنداد ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله تعالى هذه الآية رداً عليهم. قال القاضي: الآية تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه تعالى صرح بكون العبد خالقاً فقال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير﴾ [المائدة: ١١٠] ، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] وتمدح بأنه قدره تقديراً، ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره. فظاهر الآية لا يدل إلا على التقدير، لأن الخلق عبارة عن التقدير، فلا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير وهو الأجسام لا الأعراض. والجواب: أن قوله: «إِذْ تَخْلُقُ» ، وقوله: «أَحْسَنُ الخَالِقِينَ» معارض بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وبقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ [فاطر: ٣] وقولهم: لا يجوز التمدح بخلق الفساد، فالجواب: لم لا يجوز أن يتمدح به من حيث نفاذ القدرة. قوله تعالى : ﴿واتخذوا ﴾ يجوز أن يعود الضمير على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين، وأن يعود على من ادَّعى لله شريكاً وولداً، لدلالة قوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] وأن يعود على المنذرين، لدلالة «نذيراً» عليهم.

стр. 8913

قوله: «لا يَخْلُقُونَ» صفة ل «آلهة» ، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالكواكب والأصنام. ومعنى «لا يخلقون» لا يقدرون على التقدير، والخلق يوصف به العباد قال زهير: ٣٨٦٠ - ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وبع ... ضُ القَوم يخلُق ثم لا يَفْرِي ويقال: خلقت الأديم: أي: قدرته، وهذا إذا أريد بالخلق التقدير، فإن أريد به الإيجاد فلا يوصف به غير الباري - تعالى - وقد تقدم. وقيل: بمعنى يختلقون كقوله: «وتَخْلُقُون إفْكاً» . فصل لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب عبدة الأوثان من وجوه: منها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد ومنها: أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنياً. ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ومن كان كذلك لا يملك موتاً ولا حياةً ولا نُشُوراً. أي: لا يقدر على الإحياء والإماتة لا في زمن التكليف، ولا في زمن المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً، وكيف يستحق العبادة؟ . فصل احتج أهل السنة بقوله: «ولا يَخْلُقُونَ شَيْئاً» على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأنه عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يَخْلُق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً. وأجاب الكعبي بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى، (وقال بعض أصحابنا في الخلق: إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ولا يكون ذلك إلا لله تعالى. ثم قال: قد قال الله تعالى) : ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ﴾ [الأعراف: ١٩٥] في وصف الأصنام، أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد. فإذا قالوا: لا. قيل: فكذلك ما ذكرتم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] هذا كله كلام الكعبي.

стр. 8914

والجواب: قوله: لا نطلق اسم الخالق على العبد. قلنا: بل يجب ذلك، لأن الخلق في اللغة هو التقدير، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في العبد مجازاً في الله، فكيف يمكنهم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟ . وأما قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ﴾ [الأعراف: ١٩٥] فالعيب إنما وقع عليهم، فلا جرم أن من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] فتقدم الكلام عليه. واعلم أن في استدلال أهل السنة بالآية نظر، لاحتمال أن الغيب إنما حصل بمجموع الأمرين، وهو كونهم ليسوا بخالقين، وكونهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق، فلا يلزم أن يكون العبد إلهاً معبوداً. فصل دلَّت الآية على البعث، لأنه تعالى ذكر النشور، ومعناه: أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية.

стр. 8915

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلَاّ إِفْكٌ افتراه﴾ الآية. لما تكلم أولاً في التوحيد وثانياً في الرد على عبدة الأوثان، تكلم ههنا في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد ﷺ َ -. فالشبهة الأولى: قوله: ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلَاّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .

стр. 8916

قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث هو الذي قال هذا القول ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني: عامر مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبير مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة، فلما أسلموا، وكان النبي يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. وقال الحسن: عبيد بن الحصر الحبشيّ الكاهر. وقيل: جبر ويسار وعداء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً يأخذ منهم. قوله: «افتراه» الهاء تعود على «إفك» وقال أبو البقاء: الهاء تعود على «عبده» في أول السورة. قال شهاب الدين: ولا أظنه إلا غلطاً وكأنه أراد أن يقول الضمير المرفوع في «افتراه» فغلط. قوله «ظلماً» فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول به، لأن جاء يتعدى بنفسه (وكذلك أتى) . والثاني: أنه على إسقاط الخافض، أي: جاءوا بظلم. قاله الزجاج. الثالث: أنه في موضع الحال، فيجيء فيه ما في قولك: جاء زيد عدلاً. قال الزمخشري: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ أي: أتوا ظلماً وكذباً كقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [مريم: ٨٩] فانتصب بوقوع المجيء. أما كونه «ظلماً»

стр. 8917

فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم. وأما كونه «زوراً» فلأنهم كذبوا، قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول. الشبهة الثانية: قوله تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين. اكتتبها﴾ الآية. يجوز في «اكْتَتَبَهَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون حالاً من «أساطير» ، والعامل فيها معنى التنبيه أو الإشارة المقدرة، فإن «أَسَاطِير» خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه أساطير الأولين مكتتبة. الثاني: أن يكون في موضع خبر ثان ل «هذه» . الثالث: أن يكون «أساطير» مبتدأ و «اكْتَتَبَها» خبره. و «اكْتَتَبَها» الافتعال هنا يجوز أن يكون بمعنى: أمر بكتابتها كافتصد واحتجم إذا أمر بذلك ويجوز أن يكون بمعنى كتبها، وهو من جملة افترائهم عليه، لأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ويكون كقولهم: (استكبه واصطبه، أي: سكبه وصبه) ، والافتعال مشعر بالتكليف. ويجوز أن يكون من كتب بمعنى جمع من الكتب، وهو الجمع لا من الكتابة بالقلم. وقرأ طلحة «اكتُتِبهَا» مبنياً للمفعول. قال الزمخشري: والمعنى: اكتتبها له كاتب، لأنه كان أمياً لا يكتب بيده، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتُتِبها إياه كاتب، كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ، ثم بنى الفعل للضمير الذي هُوَ إيَّاه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار «اكتُتِبَها» كما ترى. قال أبو حيان: ولا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين، لأن «اكتَتَبها» له

стр. 8918

كاتب، وصل الفعل فيه المفعولين: أحدهما: مسرح، وهو ضمير الأساطير والآخر مقيّد، وهو ضميره ﵇ ثم اتسع في الفعل، فحذف حرف الجر، فصار «اكْتَتَبَها إياه كاتبٌ» ، فإذا بني هذا للمفعول إنما ينوب عن الفاعل المفعول المسرح لفظاً وتقديراً، لا المسرح لفظاً المقيد تقديراً، فعلى هذا كان يكون التركيب (اكتَتَبه) لا (اكتَتَبها) ، وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع، قال الفرزدق: ٣٨٦١ - ومنَّا الَّذِي اختير الرجال سماحةً ... وجوداً إذا هبَّ الرياحُ الزّعازعُ ولو جاء على ما قدره الزمخشري لجاء التركيب: ومنَّا الذي اختيره الرجال. لأن (اختير) تعدى إلى الرجال بإسقاط حرف الجر؛ إذ تقديره: اختير من الرجال. وهو اعتراض حسن بالنسبة إلى مذهب الجمهور، ولكن الزمخشري قد لا يلتزمه، ويوافق الأخفش والكوفيين، وإذا كان الأخفش وهم يتركون المسرح لفظاً وتقديراً، ويقيمون المجرور بالحرف مع وجوده، فهذا أولى. والظاهر أن الجملة من قوله ﴿اكتتبها فهي تملى﴾ من تتمة قول الكفار. وعن الحسن أنها من كلام الباري تعالى، وكان حق الكلام على هذا أن يقرأ «أَكْتَتَبَها» بهمزة مقطوعة مفتوحة للاستفهام كقوله: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] . ويمكن أن يعتذر عنه أنه حذف الهمزة للعلم بها كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] . وقول الآخر:

стр. 8919

٣٨٦٢ - أفْرَحُ أَنْ أُرزأَ الكرام وأن ... أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبلَا يريد: أو تلك، أو أأفرح، فحذف لدلالة الحال، وحقه أن يقف على «الأولين» قال الزمخشري: كيف قيل: ﴿اكتَتَبها فهي تملى عليه﴾ وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتبها. قلت فيه وجهان: أحدهما: اراد اكتِتَابها وطلبه، فهي تملى عليه، أو كتبت له، وهو أمر فهي تملى عليه، أي: تلقى عليه من كتاب يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. وقرأ عيسى وطلحة «تُتْلَى» بتاءين من [فوق من التلاوة. و «بُكْرَةً وأَصِيلاً» ظرفا زمان للإملاء، والياء في «تُمْلَى» بدل من] اللام، كقوله: «فَلْيُمْلِلِ» وقد تقدم. فصل المعنى: أن هذا القرآن ليس من الله، إنما هو مما سطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة استنسخها محمد من أهل الكتاب ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ﴾ أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها «بُكْرَةً وأَصِيلاً» غدوة وعشيًّا. قوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر﴾ الآية. وهذا جواب عن شبههم، وذلك أنه ﵇ تحداهم بالمعارضة وأظهر عجزهم عنها، ولو كان ﵇ أتى بالقرآن من عند نفسه، أو استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد، فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال: «قُلْ أَنْزَلَهُ» يعني: القرآن ﴿الذي يَعْلَمُ السر﴾ أي: الغيب ﴿فِي السماوات والأرض﴾ ؛ لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخفيها، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله

стр. 8920

لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ، فذكر الغفور في هذا الموضع لوجهين: أحدهما: قال أبو مسلم: إنه لما أنزله لأجل الإنذار وجب أن يكون غفوراً رحيماً، غير مستعجل بالعقوبة. الثاني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العقاب صبًّا، ولكن صرف عنهم كونه غفوراً رحيماً، يمهل ولا يعاجل. الشبهة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ . الآية. «ما» استفهامية مبتدأة، والجار بعدها خبر، و «يأكل» جملة حالية، وبها تتم فائدة الإخبار، كقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] وقد تقدم في النساء أن لام الجر كتبت مفصولة من مجرورها، وهو خارج عن قياس الخط. والعامل في الحال الاستقرار العامل في الجر، أو نفس الجر ذكره أبو البقاء. قوله: «فَيَكُونَ» . العامة على نصبه، وفيه وجهان: أحدهما: نصبه على جواب التحضيض. والثاني: قال أبو البقاء: «فَيَكُونَ» منصوب على جواب الاستفهام. وفيه نظر، لأن ما بعد الفاء لا يترتب على هذا الاستفهام، وشرط النصب أن ينعقد منهما شرط وجزاء. وقرئ «فَيَكُونُ» بالرفع وهو معطوف على «أُنْزِلَ» ، وجاز عطفه على الماضي؛ لأن المراد بالماضي المستقبل إذ التقدير: لولا ينزل. قوله: «أَوْ يُلقَى ... أَوْ تَكُون» معطوفان على «أنزل» لما تقدم من كونه بمعنى

стр. 8921

ينزل، ولا يجوز أن يُعطفا على «فَيَكُون» المنصوب في الجواب؛ لأنهما مندرجان في التحضيض في حكم الواقع بعد «لولا» ، وليس المعنى على أنهما جواب للتحضيض، فَيُعْطَفا على جوابه. وقرأ الأعمش وقتادة ﴿أَوْ يَكُونُ لَهُ﴾ بالياء من تحت؛ لأن تأنيث الجنة مجازي. قوله: «يَأْكُلُ مِنْهَا» الجملة في موضع الرفع صفة ل «جَنّة» . وقرأ الأخوان «نَأْكُلُ» بنون الجمع، والباقون بالياء من تحت أي: الرسول. قوله: «وَقَالَ الظَّالِمُون» وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ الأصل «وَقَالُوا» . قال الزمخشري: وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم. قال أبو حيان: وقوله ليس تركيباً سائغاً بل التركيب العربي أن يقول أرادهم بأعيانهم. فصل وهذه الشبهة التي ذكروها في نهاية الرذالة، فقالوا: ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ يلتمس المعاش كما نلتمس فمن أين له الفضل علينا؟ وكيف يمتاز عنّا بالنبوة، وهو مثلنا في هذه الأمور. وقالوا: ﴿لولاا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هلاّ أنزل إليه ملك ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ يصدقه ويشهد له، ويرد على من خالفه. ﴿أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ من السماء، فينفعه ولا يحتاج إلى تردد لطلب المعاش، وكانوا يقولون له: لستَ أنتَ بملك، لأنك تأكل والملك لا يأكل، ولست بملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدمياً، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له. وقالوا: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، والمعنى: إن لم يكن له كنز فلا أقلّ أن يكون كواحد من الدهاقين، فيكون له بستان يأكل منه ﴿وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ مخدوعاً، وقيل: مصروفاً عن الحق. وتقدمت هذه القصة في آخرِ بني إسرائيل. ثم أجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾

стр. 8922

يعني الأشباه فضلوا عن الحق ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ إلى الهدى ومخرجاً عن الضلالة. وبيان وجه الجواب كأنه تعالى قال: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها: لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوَّتِك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً البتّة، إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول.

стр. 8923

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك﴾ الآية وهذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة، أي: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ الذي قالوا، وأفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، أي: أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح، أو على وفق المشيئة، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله. قال ابن عباس: ﴿خَيْراً مِّن ذلك﴾ أي: مما عيَّروك بفقد الجنة الواحدة، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة. وقال في رواية عكرمة: ﴿خَيْراً مِّن ذلك﴾ أي: من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش. وقوله: «إِنْ شَاءَ» معناه: أنه تعالى قادرٌ على ذلك لا أنه شاكٌّ، لأن الشك لا يجوز على الله تعالى. وقيل: «إِنْ» ههنا بمعنى (قَدْ) ، أي: قد جعلنا لك في الآخرة جنات ومساكن، وإنما أدخل (إن) تنبيهاً للعبادة على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته، وليس لأحد من العباد حق على الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. قوله: «جَنَّاتٍ» . يجوز أن يكون بدلاً من «خَيْراً» وأن يكون عطف بيان لذلك الخير عند من يجوزه في النكرات، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. و ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ صفة. قوله: «وَيَجْعَل لَكَ» قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع «يَجْعَلُ» ، والباقون

стр. 8924

بإدغام لام «يَجْعَل» في لام «لك» وأما الرفع ففيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف. والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط. قال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع، كقوله: ٣٨٦٣ - وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ قال الزمخشري: وليس هذا مذهب سيبويه بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا المضارع مَنْوِيٌّ به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين أنه جواب لا على حذفها بل لما كان الشرط ماضياً ضعف تأثير (إن) فارتفع. فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال أبو حيان: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في ضرورة. وأما القراءة الثانية فتحتمل وجهين:

стр. 8925

أحدهما: أن سكون اللام للجزم عطفاً على محل (جعل) ؛ لأنه جواب الشرط. والثاني: أنه مرفوع، وإنما سكن لأجل الإدغام. قاله الزمخشري وغيره. وفيه نظر من حيث إن من جملة من قرأ بذلك وهو نافع والأخوان وحفص ليس من أصولهم الإدغام حتى يدعى لهم في هذا المكان. نعم أبو عمرو أصله الإدغام وهو يقر هنا بسكون اللام فيحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسن علم النحو والقراءات معاً وقال الواحدي: وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى: إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا، ولا يحسن الوقف على «الأَنْهَارُ» ومن رفع حسن الوقف (على «الأَنْهَار» ) واستأنف ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ في الآخرة. وقرأ ابن سليمان وطلحة بن سليمان «وَيَجْعَلَ» بالنصب، وذلك بإضمار أن على جواب الشرط، واستضعفها ابن جنيّ، ومثل هذه القراءة قوله: ٣٨٦٤ - فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ ... رَبيعُ النَّاسِ والبَلَدُ الحَرَامُ وَنَأْخُذ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ بالتثليث في (نأخذ) . فصل القصور جماعة القصر، وهو المسكن الرفيع. قال المفسرون: القصور هي البيوت

стр. 8926

المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومنتزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد: «إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ جَنَّاتٍ» في الآخرة وقصوراً في الدنيا. روي أنه ﵇ قال: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكة ذَهَباً، فقلتُ: لا يَا رَبِّ، وَلكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وأَجُوعُ يَوْماً - أَوْ قال ثَلاثاً، أَوْ نَحْوَ هَذَا - فإِذا جعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَدَعَوْتُكَ، وإذا شَبِعْت حَمِدْتُك وشَكَرْتُكَ» وروت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ َ -: «لو شئتُ لسارت معي جبالُ الذهب جاءني ملكٌ فقال: إنَّ ربك يقرأ عليك السلام ويقول إِنْ شِئْتَ كنت نبياً عبداً، وإن شئْتَ نبياً مَلكاً، فنظرت إلى جبريل ﵇ فأشار إليَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فقلت: نبياً عبداً قالت: وكان النبيُّ ﷺ َ - بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول: آكل كما يَأْكُلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ َ - جالس وجبريل ﵇ معه فقال جبريل:» هذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ استأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتك «فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاءَ المَلَكُ وسلم على رسول الله ﷺ َ - وقال:» إِنَّ اللَّهَ يُخيركَ أَنْ يُعْطِيكَ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ لَمْ يُعْطَ أحد قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئاً «فقال ﵇: بل يجمعهما لي جميعاً في الآخرة» فنزل ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة﴾ أي: بالقيامة، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً فلا يتكلفون النظر والفكر ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾ . قال أبو مسلم: «أَعْتَدْنَا» أي: جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير: النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن: أنه اسم جهنم. فصل احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية.

стр. 8927

قال الجبائي: يحتمل في قوله: «وَاَعْتَدْنَا» أن المراد منه نار الدنيا، وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم، ويحتمل نار الآخرة، ويكون المعنى: «وأَعْتَدْنَا» أي: سنعدّها، كقوله تعالى: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهذا جواب ساقط، لأن المراد من السعير إما نار الدنيا، أو نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا، والثاني - أيضاً - باطل؛ لأنه لم يقل أحد من الأمة إنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا. فثبت أن المراد نار الآخرة وأنها معدة. وأما حمل الآية على أن الله تعالى سيجعلها معدة فترك للظاهر من غير دليل. قوله: «إِذَا رَأَتْهُمْ» هذه الجملة الشرطية في موضع نصب صفة ل «سَعِيراً» ، لأنه مؤنث بمعنى النار. قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ فإن قيل: التَّغَيُّظُ لا يُسمع. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: صوت تغيظها. والثاني: أنه على حذف تقديره: سمعوا ورأوا تغيظاً وزفيراً، فيرجع كل واحد إلى ما يليق به، أي: رأوا تغيظاً وسمعوا زفيراً. والثالث: أن يضمن «سَمِعُوا» معنى يشمل الشيئين، أي: أدركوا لها تغيظاً وزفيراً. وهذان الوجهان الأخيران منقولان من قوله: ٣٨٦٥ - وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا ومن قوله: ٣٨٦٦ - عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بَارداً ... أي: ومعتقلاً رمحاً، وسقيتها ماء، أو يُضَمَّن (مُتَقَلِّداً) معنى متسلحاً،

стр. 8928

و (علفتها) معنى أطعمتها تبناً وماءً بارداً. فصل معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . قال الكلبي والسديّ من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. روي عن رسول الله ﷺ َ - أنه قال: «مَنْ كَذَب علَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ بَيْنَ عَيْنَي جهنمَ مَقْعَدا» قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تسمع قول الله ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ «. وقيل: إذا رأتهم زبانيتها. قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلين بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار، فهو كقوله» وَاسْأَلِ القَرْيَةَ «وأراد أهلها. قوله: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً﴾ .» مَكَاناً «منصوب على الظرف، و» منها «في محل نصب على الحال من» مكاناً «. لأنه في الأصل صفة له. و» مُقَرَّنينَ «حال من مفعول» أُلْقُوا «، و» ثُبُوراً «مفعول به، فيقولون: واثبوراه، ويجوز أن يكون مصدراً من معنى» دعوا «، وقيل: منصوب بفعل من لفظه مقدر تقديره ثبرنا ثبوراً. وقرأ معاذ بن جبل «مُقَرَّنُونَ» بالواو، ووجهها أن تكون بدلاً من مفعول «أُلْقُوا» وقرأ عمرو بن محمد «ثَبُوراً» بفتح الثاء، والمصادر التي على (

стр. 8929

فعول) بالفتح قليلة جداً، وينبغي أن يضم هذا إليها، وهي مذكورة في البقرة عند قوله ﴿وَقُودُهَا الناس﴾ [البقرة: ٢٤] . فصل قال ابن عباس: يُضَيق جهنم عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهو منقول أيضاً عن ابن عمر. وسئل النبي ﷺ َ - عن ذلك فقال: «إِنَّهُمْ يُسْتَكْرَهُونَ في النار كما يُسْتَكْرَه الوتد في الحائط» . قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب. قال الزمخشري: الكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ولذلك وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وقوله: «مُقَرَّنِينَ» (أي: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين) مع الشياطين في السلاسل، كل كافر مع شيطان، فعندما يشاهدون هذا العذاب دعوا بالويل والثبور. قال ابن عباس: يقولون: ويلاً. وقال الضحاك: هلاكاً. فيقولون: واثبوراه فهذا حينك وزمانك، فيقال لهم: ﴿لَاّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة.

стр. 8930

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات. قوله تعالى : ﴿أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ الآية. لما وصف العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة فقال: «أَذَلِكَ خَيْرٌ» . فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: السكر أحلى أم الصبر؟ فالجواب: هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له: أهذا خير أم ذلك؟ فصل قال أبو مسلم: جنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً﴾ [الإنسان: ٩] . فإن قيل: الجنة اسم لدار مخلدة، فأي فائدة في قوله: «جَنَّةُ الخُلْدِ» ؟ فالجواب: الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان صفات الكمال، كقوله تعالى: «الخَالِقُ البَارِئ» وهذا من هذا الباب. فصل احتج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: الأول: اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الموعود بمحض التفضيل فلا يسمى جزاء. والثاني: لو كان المراد بالجزاء ما صرتُم إليه بمجرد الوعد فلا يبقى بين قوله: «جَزَاءً» وبين قوله: «مَصِيراً» تفاوت، فيصير ذلك تكريراً من غير فائدة. والجواب: أنه لا نزاع في كونه جزاء إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين. فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً﴾ ؟ فالجواب من وجهين:
следующие страницы →