Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.
стр. 9101
(قوم إبراهيم، ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به، فيكون هذا تسلية للرسول ﷺ فيما يجده) من تكذيب قومه. و" إن ربك لهو العزيز الرحيم " أي: أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكي يؤمنوا. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ الآيات. لما قصَّ على محمد ﷺ َ - خبر موسى وإبراهيم ﵉ تسلية له مما يلقاه من قومه قص عليه أيضاً نبأ نوح، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنه دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذبه قومه.
قوله: «كَذَّبَتْ» إنما أَنتَ فعل القوم لأنه مؤنث بدليل تصغير «القوم» على (قُوَيْمَة) وقيل: لأن القوم بمعنى أُمَّةٍ، ولما كانت آحاده عقلاء ذكوراً وإناثاً عاد الضمير عليه باعتبار تغليب الذكور، فقيل: لهم أخوهم. وحكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين:
أحدهما: أنهم وإن كذبوا نوحاً لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف من حيث المعنى؛ لأن كل واحد من المرسلين جاء بما جاء به الآخر، فلذلك حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين.
وثانيهما: أن قوم نوح كذبوا جميع رسل الله، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة.
стр. 9102
قوله: «أَخُوهُمْ» لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم. يريدون يا واحداً منهم، فهو أخوهم في النسب لا في الدين «أَلَا تَتَّقُونَ» أي: عقاب الله، فحذف مفعول (تَتَّقُونَ) .
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي: على الوحي، وكان مشهوراً فيهم بالأمانة كمحمد ﷺ َ - في قريش، فكأنه قال: كنتُ أميناً من قبل، فكيف تتهمونني اليوم؟ ثم قال: «فاتَّقُوا الله» بطاعته وعبادته «وأَطِيْعُون» فيما أمرتكم به من الإيمان والتوحيد، ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة. لئلا يظن به أنه دعاهم رغبة في الدنيا، ثم قال: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ . فإن قيل: فلماذا كرر الأمر بالتقوى؟
فالجواب: لأنه في الأول أراد: ألا تتقون مخالفتي، وأنا رسول الله، وفي الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذاً منكم أجراً، فهو في المعنى مختلف، ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً، ألا تتقي الله وقد علمتك كبيراً. وإنما قدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته، فقدم العلة على المعلول.
قوله ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ «وَاتَّبَعَ» جملة حالية من كاف «لك» .
قال الزمخشري: والواو للحال، وحقها أن يضمر بعدها (قد) وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة: «وَأَتْبَاعُكَ» مرفوعاً جمع تابع «كَصَاحِبٍ وَأَصْحَاب» أو تَبيع ك «شَرِيْف وأَشْرَاف» ، أو «تبع» ك (برم وأَبْرام) وفي رفعه وجهان:
أحدهما: أنه مبتدأ، و «الأَرْذَلُونَ» خبره، والجملة حالية أيضاً.
والثاني: أنه عطف على الضمير المرفوع في «نُؤْمِنُ» ، وحسَّنَ ذلك الفصل بالجار، و «الأَرْذَلُونَ» صفته.
стр. 9103
وقرأ اليمانيُّ: «وأَتْبَاعِكَ» بالجر عطفاً على الكاف في «ذَلِكَ» وهو ضعيف أو ممنوع عند البصريين، وعلى هذا فيرتفع «الأَرْذَلُونَ» على خبر ابتداء مضمر، أي: هم الأرذلون وقد تقدم مادّةُ «الأَرْذَلِ» في هود.
فصل
الرذالة: الخِسَّة والذِّلة، وإنما استرذلوهم لاتّضاع نسبهم وقلة نصيبهم في الدنيا.
وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحِجَامَة.
وهذه الشبهة في غاية الركاكة، لأن نوحاً ﵇ بعث إلى الخلق كافة، فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها، فأجابهم نوح عنه بالجواب الحق، وهو قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس عليّ من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء، إنما كُلِّفت أن أدعوهم إلى الله ولي منهم ظاهر أمرهم.
قوله: «وَمَا عِلْمِي» يجوز في «مَا» وجهان:
أظهرهما: أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «عِلْمِي» خبرها، والباء متعلقة به.
والثاني: أنها نافية، والباء متعلقة ب «علمي» أيضاً، قاله الحوفي. ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلام به (جملة) .
стр. 9104
قوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَاّ على رَبِّي﴾ «إِنْ» نافية، أي: ما حسابهم إلا على ربي، ومعناه: لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى.
قوله: «لَوْ تَشْعُرُوْن» جوابها محذوف، ومفعول «تشعرون» أيضاً، والمعنى «لَوْ تَشْعُرُونَ» تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم.
قال الزجاج: الصناعات لا تَضُرُّ في الدِّيَانَاتِ. وقيل: معناه: إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم، ويوفقهم ويخذلكم.
وقرأ الأعرج وأبو زُرعة: «لَوْ يَشْعُرُونَ» بياء الغيبة، هو التفات، ولا يحسُنُ عَوْدُه على المؤمنين.
قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين﴾ وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم فبيّن أن الدين يمنعه عن طردهم، وقد آمنوا به، وبيَّن أن الغرض من تحمل الرسالة كونه نذيراً: فقال: ﴿إِنْ أَنَا إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: إني أُخَوِّف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد، فلما أجابهم بهذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد فقالوا: ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانوح لَتَكُونَنَّ مِنَ المجرمين﴾ .
قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة.
وقال الضحاك: من الشمئومين. فعند ذلك حصل اليأس لنوح من فلاحهم، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ . وليس الغرض منه إخبار الله تعالى بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة، ولكنه أراد: لا أدعوك عليهم لما آذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ورسالتك: ﴿فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: فاحكم بيني وبينهم.
و «فَتْحاً» يجوز أن يكون مفعولاً به بمعنى المفتوح، وان يكون مصدراً مؤكداً. والفَتَاحَةُ: الحكومة. والفَتَّاح: الحكم، لأنه يفتح المستغلق. والمراد إنزال العقوبة عليهم لقوله عقيبه: «وَنَجِّنِي» ، ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى.
стр. 9105
قوله: «وَنَجِّنِي» المُنجَّى «منه محذوف لفهم المعنى، أي: مما يَحِلُّ بقومي، و» مِنَ المُؤْمِنِينَ «بيان لقوله:» مَنْ مَعِيَ «.
قوله: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك المشحون﴾ .
قال الزمخشري: الفُلك: السفينة، واحدها: فُلْك، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] فالواحد بوزن (قُفْل) والجمع بوزن (أًسْد) وَالمَشْحُون:» المَمْلُوء المُوقَر «، يقال: شَحَنَها عليهم خَيْلاً ورجَالاً أي ملأها والشَّحْنَاء: العداغوة لأنهما تملأ الصدور إحناً. والفُلْك هنا مفرد بدليل وصفه بالمرفد، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة.
فصل
دلَّت الآية على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة، وأن الفك امتلأ بهم وبما صحبهم من الحيوانات، ثم إنه تعالى بعد أن نجاهم أغرق الباقين فقال: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الباقين إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ .
стр. 9106
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين﴾ الآية. الكلام في فاتحة هذه القصة كالكلام في فاتحة قصة نوح. وقوله: «تَعْبَثُون» جملة حالية من فاعل «تبنون» . والرِّيعْ - بكسر الراء وفتحها -: جمع «رِيْعَة» وهو في اللغة: المكان المرتفع، قال ذو الرمّة.
стр. 9107
٣٩١٦ - طِرَاقُ الخَوَافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيْعَةٍ ... نَدَى لَيْلِهِ فِي ريْشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقال أبو عبيدة: وهو الطريق، وأنشد للمسيَّب بن علس يصف ظعناً:
٣٩١٧ - فِي الآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرفَعُهَا ... رِيْعٌ يَلُوْحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ
والرَّيع - بالفتح -: ما يحصل في الخراج.
فصل
قال الوالبي عن ابن عباس: الرَّيْع: كل شرف. وقال الضحاك ومقاتل: بكل طريق وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وعن مجاهد قال: هو الفج بين جبلين وعنه أيضاً أنه المنظر. و «الآية» : العَلَم.
قال ابن عباس: كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود ﵇. وقيل: كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم، فنهُوا عنه، ونسبوا إلى العبث. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: هي بروج الحمام، لأنهم كانوا يلعبون بالحمام.
قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال مجاهد: قصوراً مُشَيَّدة.
واحدتها مَصْنَعة. «لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون» . العامة على تخفيفه مبنياً للفاعل. وقتادة: بالتشديد مبنياً للمفعول، ومنه قور امرىء القيس:
٣٩١٨ - وَهَلْ يَنْعَمَنْ إِلَاّ سَعِيْدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيْلُ الهُمُوْم مَا يَبيْتُ بِأَوْجَال
стр. 9108
و «لَعَل» هنا على بابها. وقيل: للتعليل. ويؤيده قراءة عبد الله: «كَيْ تَخْلِدُون» .
وقيل: للاستفهام، قاله زيد بن عليّ، وبه قال الكوفيون. وقيل: معناه التشبيه، أي: كأنكم تخلدون. ويؤيده ما في حرف أبيّ: «كَأَنَّكم تُخلدون» بضم التاء مخففاً ومشدداً. وقرىء: «كأَنَّكُم خَالِدُونَ» ولم يعلم من نصب عليها أنها تكون للتشبيه. والمعنى: كأنكم تبقون فيها خالدين. قوله: «وَإِذَا بَطَشْتُم» أي: وإذا أردتم، وإنما احتجنا إلى تقدير الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء، و «جَبَّارِين» حال. واعلم أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب الدنيا، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، وهذه صفات الإِلهية وهي ممتنعة الحصول للعبد ولما ذكر هود هذه الأشياء قال: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ زيادة في دعائهم إلى الآخرة، وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والتجبر، ثم وصل هذا الوعظ بما يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم فقال: ﴿واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون، ثم فصل ذلك الإعطاء فقال] : ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي: بساتين وأنها، ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ .
قال ابن عباس: «إِن عَصَيْتُمُوني» عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم.
قوله: «أَمَدَّكُم بأَنْعَام» فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة الثانية بيان للأولى وتفسير لها.
والثاني: أن «بأنعام» بدل من قوله: «بِمَا تَعْلَمُون» بإعادة العامل، كقوله: ﴿اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لَاّ يَسْأَلُكُمْ (أَجْراً) ﴾ [يس: ٢٠ - ٢١] .
قال أبو حيان: والأكثرون لا يجعلون هذا بدلاً وإنما يجعلونه تكريراً، وإنما يجعلون بدلاً بإعادة العامل إذا كان حرف جر من غير إعادة متعلقه نحو: «مَرَرْتُ بزيد بأخيك» ولا يقولون: «مررت بزيد مررت بأخيط» على البدل.
قوله: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين﴾ معادلة لقوله: «أَوَعَظْتَ» . وإنما أتى بالمعادل كذا
стр. 9109
دون قوله: «أم لم تعظ» لتواخي الفواصل. وأبدى له الزمخشري معنى فقال: وبينهما فرق، لأن المعنى: سواء علينا أفلعت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك: «أم لم تعظ» .
وقرأ العامة: «أَوَعَظْتَ» بإظهار الظاء قبل التاء. وروي عن أبي عمرو والكسائي وعاصم، وبها قرأ الأعمش وابن محيصن بالإدغام. وهي ضعيفة، لأن الظاء أقوى، ولا يدغم الأقوى في الأضعف، على أنه قد جاء من هذا في القرآن العزيز أشياء متواترة يجب قبولها نحو: «زُحْزِحَ عَنْ» و «لَئِنْ بَسَطْتَ» .
فصل
لما وعظهم ورغبهم وخوفهم أجابهوه بقولهم: «سَوَاءٌ عَلَيْنَا» أي: مستو عدنا أوعظت أم لم تكن من الواعظين أظهروا قلة أكتراثهم بكلامه، ثم قالوا: ﴿إِنْ هذا إِلَاّ خُلُقُ الأولين﴾ . قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم، كقوله: «وَتَخْلُقُونَ إفْكاً» والباقون بضمتين. فقيل: معناهما: الاختلاق، وهو الكذب. وكذا قرأ ابن مسعود. وقيل: عادة الأولين من قبلنا حياة وموت هو خلق الأولين وعادتهم. وروى الأصمعي عن نافع، وبها قرأ أبو قلابة ضم الخاء وسكون اللام، وهي تخفيف المضمومة. ثم قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ
стр. 9110
بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظهروا بذلك تقوية نفسوهم فيما تمسكوا به من إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق بيان كيفية الهلاك.
стр. 9111
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين﴾ تقدم نظيره.
وقُوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا [هَاهُنَآ آمِنِينَ﴾ أي: أتظنون أنكم تتركون] في دياركم «آمِنِينَ» وتطعمون في أنه لا دار [للمجازاة] .
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَآ﴾ : في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسَّره [بقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ] .
قوله: «فِي جَنَّاتٍ» بدل في «فِي ما ههُنَا» بإعادة العامل، فصّل بعدما أجمل كما في القصة قبلها، و «ما» موصولة وظرف المكان صلتها.
قوله: «وَنَخْل» يجوز أن يكون من باب ذكر الخاص بعد العام، لأن الجنات تشمل النخل، ويجوز أن يكون تكريراً للشيء الواحد بلفظ آخر، فإنهم يطلقون الجنة ولا يريدون إلا النخيل، قال زهير:
стр. 9112
٣٩١٩ - كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مِنَ النَّوَاضِعِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقَا
و «سُحُقاً» : جمع سَحُوق، ولا يوصف به إلا النخيل. وقيل: المراد ب «الجَنَّات» غيرها من الشجر، لأن اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل. والطلع الكفرى وهو: عنقود التمر قبل خروجه من الكم. وقال الزمخشري: الطلع: هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو والقنو: هو اسم للخارج من الجذع كما هو بِعُرْجُونه، و «الهضيم» : قال ابن عباس: هو اللطيف، ومنه قولهم: كشح هضيم. وروى عطية عنه: يانع. وقال عكرمة: اللين. وقيل: المتراكب. قال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضاً حتى هضم بعضه بعضاً، أي: كسره.
وقال أهل المعاني: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر.
وقال الأزهري: الهضيم: هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعامة. وقيل: هضيم، أي: هاضم يهضهم الطعام، وكل هذا للطافته.
قوله: «وَتَنْحَتُونَ» . العامة على الخطاب وكسر الحاء. والحسن وعيسى وأبو حيوة يفتحها. وعن الحسن أيضاً: «تَنْحَاتُونَ» بألف للإشباع. وعنه وعن أبي حيوة «يَنْحِتُونَ»
стр. 9113
بالياء من تحت، وتقدم ذلك كله في الأعراف.
قوله: «فَارِهِينَ» . قرأ الكوفيون وابن ذكوان: «فارهين» بالألف، كما قرءوا: «حَاذِرُونَ» بها. والباقون: «فَرِهِينَ» بدون ألف، كما قرءوا: «حَذِرُونَ» بدونها.
والفراهة: النشاط والقوة. وقيل: الحذق، يقال دابة فاره، ولا يقال: فارهة، وقد فره يفره فراهة و «فارهين» حال من الناحتين.
فصل
من قرأ: «فرهين» قال ابن عباس: أشِرين بطرين. وقال عكرمة: (ناعمين) . وقال مجاهد: شرهين. وقال قتادة: معجبين بصنيعكم. وقال السدي: متجبرين. وقال الأخفش: فرحين، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل: مدحته ومدهته. وقال الضحاك: كيسين. ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَلَا تطيعوا أَمْرَ المسرفين﴾ .
قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة (وهم الَّذِينَ) يُفْسِدُونَ فِي الأَرْض بالمعاصي «ولا يُصْلِحُونَ» مع قوله: ﴿الذين يُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ ؟ فالجواب: أن فسادهم خالص ليس معه شيء من الصلاح كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. ثم إن القوم أجابوه بقولهم: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين﴾ . قال مجاهد.
стр. 9114
وقتادة: من المسحورين: من المخدوعين، أي: ممن سحر مرة بعد مرة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب. قال المؤرج:
المسحَّر: المخلوق بلغة بجيل، يريد: أنك تأكل الطعام والشراب، أي: لست بملك، بل أن تبشر مثلنا.
والمعنى: «من المسحرين» أي: ممن له سحر، وكل دابة تأكل فهي سحرة، والسحر: أعلى البطن. وعن الفراء: المسحَّر: من له جوف، أراد: وإنك تأكل الطعام والشراب ﴿مَآ أَنتَ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ فكيف تكون نبياً؟ «فَأْتِ بِآيَةٍ» على صحة ما تقول ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أنك رسول الله إلينا. فقال صالح: ﴿هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ﴾ يجوز أن يكون الوصف وحده الجا روالمجرور، وهو قوله: ( «لَهَا شِرْبٌ» ) و «شِرْبٌ» فاعل به لاعتماده. ويجوز أن يكون «لَهَا شِرْبٌ» صفة ل «ناقة» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «شُرْبٌ» بالضم فيهما. والشِّرْب - بالكسر - النصيب من الماء كالسِّقي، وبالضم: المصدر.
فصل
روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من الصخرة فتلد سقباً. فتفكر صالح، فقال له جبريل ﵇ صلِّ ركعتين، وسل ربك الناقة. ففعل، فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم، وحصل سقب مثلها في العظم، ثم قال لهم صالح: ﴿هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ﴾ حظ ونصيب من الماء ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمِ مَعْلُومٍ﴾ . قال قتادة: كانت يوم شربها تشرب ماءهم كلهم وشربهم في اليوم الذي لَا تشرب هي. ﴿وَلَا
стр. 9115
تَمَسُّوهَا بسوء﴾ بعقر أو ضرب أو غيرهما ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ روي أن مسطعاً ألجأها إلى مضيف فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار. ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ﴾ على عقرها. فإن قيل: لم أخذهم العذاب وقد ندموا؟ فالجواب: أن ندمهم كان عند معاينة العذاب حين لا ينفع الندم. وقيل: لم يكن ندمهم ندم [التائبين، لكن ندم] [الخائفين] من العقاب العاجل. ﴿فَأَخَذَهُمُ العذاب إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ .
стр. 9116
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين﴾ الآيات.
قوله: «مِنَ العالِمينَ» . يحتمل عوده إلى الآتي، أي: أنتم من جملة العالمين مخصوصون بهذه الصفة، وهي إتيان الذكران. [ويحتمل عوده إلى المأتى، أي: أنتم اخترتم الذكران] من العالمين لا الإناث منهم.
قوله: «مِنْ أَزْوَاجِكُمْ» . يصلح أن يكون تبييناً، وأن يكون للتبعيض، ويُراد بِمَا خلق العضو المباح منهن، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ . معتدون مجاوزون الحلال إلى الحرام، والعادي: المعتدي في ظلمه.
والمعنى: أتركبون هذه المعصية على عظمها ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ في جميع المعاصي ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين﴾ أي: من جملة من أخرجناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ الأحوال.
стр. 9117
قوله: «لِعَمَلِكُمْ» كقوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] وقد تقدم. وقيل: «مِنَ القَالِينَ» صفة لخبر محذوف، هذا الجار متعلق به، أي: إني قال: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ المبغضين. والقِلَى: البغض الشديد، كأنه بُغْضٌ يقلي الفؤاد والكبد. وقوله «مِنَ القَالِينَ» أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قالٍ، كما تقول: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم.
ويجوز أن يراد: من الكاملين في قِلاكم. [والقَالِي: المُبْغِضُ، يقال: قَلَاهُ يَقْلِيهِ قِلًى، وَيَقْلَاهُ، وهي شاذة، قال:
٣٩٢٠ - وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ ... وَتقْلِينَنِي لكِنَّ إيَّاكِ لَا أقْلِي
وقال آخر:
٣٩٢١ - والله مَا فَارَقْتكُمْ عَنْ قِلَى لكم ... وَلكنَّ مَا يُقْضَى فَسَوْفَ يَكُونُ
واسم المفعول فيه: «مَقْلِيّ» والأصل: «مَقْلُويٌّ» فأدغم ك «مَرْمِيٍّ» قال:
٣٩٢٢ - وَلَسْتُ بِمَقْليِّ الخِلَالِ ولَا قَالِي ...
стр. 9118
وغلط بعضهم فجعل ذلك من قولهم: قَلَى اللَّحْمَ، أي شَوَاهُ، فكأنه قلى كبده بالبغض ووجه الغلط أن هذا من ذوات الياءن وذلك من ذوات الواو.
يقال: قَلَى اللحمِ يَقْلُوه قَلْواً، فهو قال كَغَازٍ، و «مَقْلُوّ» كما تقدم] ، ثم دعا فقال: ﴿رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من العمل الخبيث.
قال الله تعالى: «فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ» من عقوبة عملهم ﴿إِلَاّ عَجُوزاً فِي الغابرين﴾ وهي امرأة لوط، بقيت في الهلاك والعذاب، فإنْ قيل: «فِي الغَابِرينَ» صفة لها، كأنه قيل: إلَاّ عَجُوزاً [غابرة، وإن لم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم؟ فالجواب: معناه: إلَاّ عجوزاً] مقدراً غبورها. قيل: إنما هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر من الحجارة. ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرين﴾ أي: أهلكناهم ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ والمخصوص بالذم محذوف، أي: (مَطَرُهُمْ) قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ .
فصل
قال القاضي عبد الجبار في تفسير قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ دليل على بطلان الجبر من وجوه:
الأول: أنه لا يقال: «تَذَرُونَ» إلَاّ مع القدرة على خلافه، ولذلك لا يقال للمرء: لم تذر الصعود إلى السماء، كما يقال: لم تذر (الدخول و) الخروج.
الثاني: أنه قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولو كان الفعل لله تعالى لكان الذي خلقه لهم ما خلقه فيهم ووجبه لا ما لم يفعلوه.
الثالث: قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ لإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون، فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا؟ وهل يقال للأسود: إنك متعد في لونك؟ وأجيب بأن حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجداً لأفعال نفسه لما
стр. 9119
توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه، (وليس لهذه) الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة إبراهيم وموسى ونوح وسائر القصص، فكيف خَصَّ هذه القصة بهذه الوجوه دون سائِر القصص. وإذا ثبت أن هذه الوجوه هي ذلك الوجه المشهور فالجواب عنها هما الجوابان المشهوران:
الأول: أنَّ اللَّهَ تعالى لمّا علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال، لأَنّ عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلاً، وهو محال، والمفضي إلى المحال محال، وإن كان عدمها محالاً كان التكليف بالترك تكليفاً بالمحال.
الثاني: أنَّ القادر لما كان قادراً على الضدين امتنع أن يرجح أحد المقدورين على الآخر لا لمرجح، والمرجح: هو الداعي والإرادة، وذلك المرجح مرجح محدث، فله مؤثر، وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان هو الله تعالى فذاك الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانيين القاطعين سقوط ما قاله.
стр. 9120
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة المرسلين﴾ .
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: «لَيْكَةَ» بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسماً غير مُعَرَّفٍ ب «أل» مضافاً إليه «أَصْحَاب» هنا وفي «ص» خاصة.
والباقون: «الأَيْكَةِ» معرفاً ب «أل» مُوافقةً لما أُجْمَعَ عليه في الحِجْر وفي «ق» .
стр. 9121
وقد اضطربت أقوال الناس في القراءة الأولى، وتجرأ بعضهم على قرائها.
ووَجْهُهَا على ما قال أبو عُبَيد: أن (ليكة) اسم للقرية التي كانوا فيها و (الأَيْكَة) .
اسم للبلد كُلِّه. قال أبو عُبَيد: لا أحب مفارقة الخط في شيءٍ من القرآن إلَاّ ما يخرُجُ من كلام العرب وهذا ليس بخارج من كلامها مع صحة المعنى في هذه الحروف، وذلك أَنَّا وجدنا في بعض التفاسير الفرق بين «لَيْكَة» ، و «الأيكة» ، فقيل: «لَيْكَةُ» هو اسمٌ للقرية التي كانوا فيها. والأَيْكَة: البلاد كلها، فصار الفرق بينهما شبيهاً بما بين (مَكَّةَ، وبكَّةَ) ورأيتهن مع هذا في الذي يقال: إنه الإمام - مصحف عثمان - مفترقان، فوجدت التي في «الحِجْر» والتي في «ق» : «الأَيْكَة» ، ووجدت التي في «الشعراء» والتي في «ص» «لَيْكَة» ثم اجتمعت عليها مصاحف الأَمْصَار بعدُ، فلا نعلمها إذاً اختلفت فيها، وقرأ أهل المدينة على هذا اللفظ الذي قَصَصْنا، يعني: بغير ألف ولام، ولا إجراء.
انتهى ما قاله أبو عبيدة. قال أبو شامة بعد نقله كلام أبي عبيدة: هذه عبارته، وليست سديدة، فإن اللام موجودة في «لَيْكَة» وصوابه: بغير ألف وهمزة. قال شهاب الدين: بل هي سديدة، فإنه يعني بغير ألفٍ ولامٍ مُعَرفَةٍ لا مطلق لامٍ في الجملة.
وقد تُعقِّبَ قول أبي عُبيد وأنكروا عليه، فقال أبو جعفر: اجمع القراء على خفض التي في «الحِجر» و «ق» فيجب أن يُرَدَّ ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه إذ كان البلد كله، فشيء لا يثبت ولا يُعْرَفُ مَنْ قاله ولو عُرِف لكان فيه نظر، لأَنَّ أهل العلم جميعاً من المفسرين والعالمين بكلام العرب على خلافه، ولا نعلم خلافاً بين أهل اللغة أن «الأَيْكَة» الشجر المُلْتَفُّ.
فأما احتجاج بعض من احتج لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح، لأنه في السواد «لَيْكَةَ» فلا حجة فيه، والقول فيه: إن أصله: «الأَيْكَة» ثم خففت الهمزة،
стр. 9122
فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل، لأَنَّ اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إِلَاّ الخفض، كما تقول: «مَرَرْتُ بِالأَحْمَر» على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: «بِلحْمَر» ، فإن شئت كتبته في الخط على كتبته أولاً، وإِنْ شئت كتبته بالحذف، ولم يَجُرْ إلَاّ الخف، فلذلك لا يجوز في «الأَيْكَة» إلَاّ الخَفْض، قال سيبويه: واعلم أَنَّ كل ما لم ينصرف إذا دَخَلَتْهُ الألف واللام أو أضفته (انصرف) .
ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا وقال المبرّد في كتاب الخط: كتبوا في بعض المواضع: «كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ﴾ بغير ألف، لأن الألف تذهب في الوصل، ولذلك غلط القارىء بالفتح فتوهم أن» لَيْكَة «اسم شيء، وأن اللام أصل فقرأ:» أَصْحَابُ لَيْكَة «.؟
وقال الفراء: نرى - والله أعلم - أنها كتبت في هذين الموضعين بترك الهمز، فسقطت الألفُ لتحريك اللام. قال مكيّ: تعقَّبَ ابن قتيبة على أبي عبيدة فاختار» الأَيْكَة «بالألف والهمزة والخفض، وقال: إِنَّمَا كُتِبَتْ بغير ألف على تخفيف الهمزة، قال: وقد أجمع الناس على ذلك، يعني: في» الحِجْر «و» ق «فوجب أن يُلحَق ما في» الشعراء «و» ص «بما أجمعُوا عليه، فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه. وقال أبو إسحاق: القراءة بِجَرِّ لَيْكَةِ وأنت تريد» الأَيْكَةِ «أجود من أن تجعلها» لَيْكَه «وتفتحها؛ لأَنَّها لا تتصرف لأن» لَيْكَة «لا تُعرَّفُ، وإنما هي» أَيْكَة «للواحد،
стр. 9123
و» أَيكٌ «للجمع، مثل: أَجمة وأَجَم. والأَيْكُ: الشجر الملتف، فأجود القراءة فيها الكسر وإسقاط الهمزة لموافقة المصحف؛ ولا أعلمه إلا قد قرىء به.
وقال الفارسي: قول من قال:» لَيْكَة «بفتح التاء مُشكِلٌ، لأنه فتح مع لحاق اللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: مَرَرْت بِلَحْمَر. فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة، وإنما كتبت» لَيْكَة «على تخفيف الهمز، والفتح لا يصح في العربية لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجرّ مع لام المعرفة، فهو على قياس قول من قال: مَرَرْتُ بِلَحْمَر، ويبعد أن يفتح نافع ذلك مع ما قال عنه ورش. يعني أنَّ وَرْشاً نقل عن نافع نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها حيث وُجِدَ بشروط مذكورة، ومن جملة ذلك ما في سورة» الحِجْر «و» ق «لفظ» الأَيْكَة «، فقرأ على قاعدته في السورتين بنقل الحركة وطرح الهمزة وخفض التاء، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم في هذين الموضعين أيضاً.
وقال الزمخشري: قرىء» أَصْحَابُ الأَيْكَةِ «بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة، وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أنَّ» لَيْكَة «بوزن:» لَيْلَة «- اسم البلد - فتوهُّمٌ قاد إليه خط المصحف. .
وإنما كتبت على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب (النحو) لان ولاولى على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف. وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة، على «أنَّ لَيْكَةَ» اسم لا يعرف، وروي أَنَّ «أَصْحَابَ الايْكَةِ» كانوا أصحاب شجر مُلْتَفٍّ، وكان شجرهم الدَّوم، وهو شَجَرُ المُقل. يعني أن مادة (ل ي ك) مفقودة في لسان العرب. كذا قال الثقات ممن تتبَّع ذلك.
قال: وهذا كما نصُّوا على أنَّ الخاء والذال المعجمتين لم يجامعا الجيم في لغة
стр. 9124
العرب، ولذلك لم يذكرها صاحب «الصحصاح» مع ذكره التفرقة المتقدمة عن أبي عبيد، ولو كانت موجودة في اللغة لذكرها مع ذكره التفرقة المتقدمة لشدة الاحتياج إليها. وقال الزجاج أيضاً: أهل المدينة يفتحون على ما جاء في التفسير أنَّ اسم المدينة التي كان فيها شعيب ( «لَيْكَة» ) .
قال أبو علي: لو صح هذا فلم أجمع القراء على الهمز في قوله: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة﴾ [الحجر: ٧٨] ، و «الأَيْكَةُ» التي ذكرت هاهنا هي «الأيْكَة» التي ذكرت هناك، وقد قال ابن عباس: الأَيْكَةُ: الغَيْضَة ولم يفسرها بالمدينة ولا البلد. قال شهاب الدين: وهؤلاء كلُّهم كأنهم زعموا أنَّ هؤلاء الأئمة الأثبات إنما أخذوا هذه القراءة من خط المصاحف دون أفواه الرجال، وكيف يظنُّ بمثل أسنِّ القرّاء وأعلاهم إسناداً، والآخذ القرن عن جملة من (جلّة) الصحابة أبي الدَّرداء وعثمان بن عفان وغيرهما، وبمثل إمام مكّة - شرّفها الله تعالى - وبمثل إمام المدينة، وكيف ينكر على أبي عبيد قوله أو يتَّهم في نقله؟ ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ؛ والتواتر قطعيٌّ فلا يعارض بالظني، وأما اختلاف القراءة مع اتحاد القصة فلا يضر ذلك، عبِّر عنها تارةٌ بالقرية خاصة وتارة بالمصر الجامع للقرى كلها، الشامل هو لها، وأما تفسير ابن عباس فلا ينافي ذلك، لأنَّه عبر عنها بما كثر فيها.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال: «أَخَاهُمْ» لأنه كان منهم، وكأن الله تعالى بعثه إلى قومه - أهل مدين - وإلى أصحاب الأيكة.
وفي الحديث: «إِنَّ شُعَيْباً أَخَا مَدْيَن أرسا إليهم وإلى أصحاب الأيكة» .
стр. 9125
[قال ابن كثير: ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أنَّ أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقول ضعيف، وإنما عمدتهم شيئان.
أحدهما: أنه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقل: «أَخُوهُمْ» كما قال: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف: ٨٥] .
والثاني: أنه ذكر عذابهم ب «يَوْم الظُّلَّةِ» وذكر في أولئك «الرجفة والصيحة» والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: «أَصْحَابُ الأَيْكَةِ» لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم.
وأما احتجاجهم ب «يَوْمِ الظُّلَّةِ» فإن كان دليلاً على أنهم أمة أخرى فليكن تعداد «الرجفة، والصيحة» دليلاً على أنهما أمتان، ولا يقول أحد.
وأيضاً فقد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدلّ على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب، وذكر في كل موضع ما يناسب ذلك الخطاب، فاجتمعوا تحت الظلّة، ورجفت بهم الأرض من تحتهم، وجاءتهم صيحة من السماء] .
قوله: ﴿أَوْفُواْ الكيل وَلَا تَكُونُواْ مِنَ المخسرين﴾ الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن. واعلم أنَّ الكيل على ثلاثة أضرب: وافٍ، وطفيف، وزائد. فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله: «أَوْفُوا الكَيْلَ» ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ المخسرين﴾ ، ولم يذكر الزائد، لأنه إن فعله فقد أحسن، وإن لمك يفعله فلا إثم عليه. ثم لما أمر بالإيفاء بين كيف يفعل، فقال: ﴿وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم﴾ . قرىء: «بالقُسْطَاسِ» مضموماً ومكسوراً، وهو: الميزان وقيل: القَرَسْطُون ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ . يقال بخسه حقه: إذا نقصه إياه، وهذا عام في كل
стр. 9126
حق. ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ وقد تقدم.
قوله: «وَالجِبِلَّةَ» العامة على كسر الجيم والباء وشد اللام. وأبو حصين والأعمش والحسن بضمّهما وشد اللام. والسُّلمي بفتح الجيم أو كسرها مع سكون الباء وهذه لغات في هذه الحرف، ومعناه: الخلق المتَّحد الغليظ، مأخوذٌ من الجبل قال الشاعر:
٣٩٢٣ - وَالمَوْتَ أَعْظَمُ حَادِثٍ ... مِمَّا يَمُرُّ على الجِبِلَّهْ
وقال الهروي: الجِبِلُّ والجُبُلُّ والجَبْلُ لغات، وهو الجمع الكثير العدد من الناس. وقيل: «الجِبِلَّةُ» من قولهم: جُبِلَ على كذا، أي: خُلِقَ وطُبِعَ عليه.، وسيأتي في «يس» إن شاء الله تعالى تمام الكلام على ذلك عند قوله: «جِبِلاًّ كَثِيراً» . والمراد ب «الجِبِلَّةِ الأَوَّلِينَ» : الأمم المتقدمين، أي: أنه المنفرد بخلقهم وخلق من تقدمهم.
قوله: ﴿قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين وَمَآ أَنتَ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ . جاء في قصة هود «مَا أَنْتَ» بغير واو، وهاهنا بالواو. فقال الزمخشري: إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مخالف للرسالة عندهم: التَّسحير والبشرية، وأنَّ الرسول لا يجوز أن يكون مُسَحَّراً ولا بَشَراً، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحَّراً،
стр. 9127
ثم (قرر) بكونه بَشَراً. ثم قالوا: ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ ومعناه ظاهر. ثم إنَّ شعيباً ﵇ كان يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء﴾ وقد تقدم كلام في «كِسَفاً» والشتقاقه في الإسراء.
وإنما طلبوا ذلك لاسبتعادهم وقوعه فقال شعيب: ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إليَّ، وما عليّ إلا الدعوة. فلم يدع عليهم، بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى.
قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة﴾ . وذلك أنَّه أخذهم حرّ شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرّاً، فخرجوا، فأظلتهم سحابة، وهي الظُّلَّة، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليها ناراً فاحترقوا. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنَّ العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان بسبب كفرهم، بل بسبب تأثيرات الكواكب واتصالاتها على ما أتفق عليه المنجمون؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص، لأنَّ الاعتبار إنما يحصل إذا علمنا أنَّ نزول العذاب كان بسبب كفرهم، وأيضاً فيحتمل أن ينزل العذاب محنة للمكلّفين كما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين﴾ [محمد: ٣١] وقد ابتلي المؤمنون بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة، وإذا كان كذلك لم يدلّ نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين؟ فالجواب: هذا سؤال باطل، لأنه يقال: ما الاتصالات التي أوجبت نجاة بني إسرائيل من البحر وأغرقت فرعون وقومه في ساعة واحدة، وما الاتصالات التي أوجبت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم على القبط دون بني إسرائيل وهم معهم في بلد واحد، وما الاتصالات التي نجّت لوطاً ومن معه وأهلكت قومه وهم قريب منهم، وما الاتصالات التي أوجبت حمل الطير الأبابيل حجارة من سجيل ورمت بها أصحاب الفيل دون غيرهم، وما الاتصالات التي فرقت البحر اثني عشر فرقاً بعدد أسباق بني إسرائيل، وقلبت العصا حية تسعى، وتلقفت ما صنعته السحرة، ونتقت الجبل فوق بني إسرائيل كأنه ظلّة، وأخرجت الناقة من الحجر، وأطفأت نار إبراهيم، وكل ذلك ثابت بالتواتر لا يمكن إنكاره.
стр. 9128
وأيضاً فإنَّ الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد ﵇ تسلية له وإزالة للحزن عن قلبه. فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم جزاءً على كفرهم علم أنَّ الأمر كذلك، وحينئذ حصل له التسلي.
стр. 9129
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾ . الهاء تعود على القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به. و «تَنْزِيلٌ» بمعنى مُنَزَّلٌ، أو على حذف مضاف أي: ذُو تَنزيل، وقوله: «نَزَلَ» قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص: «نَزَلَ» مخففاً، و «الرُّوحُ الأمينُ» مرفوعان على إسناد الفعل ل «الروج» و «الأمِين» نعته، والمراد به جبريل.
وباقي السبعة: بالتشديد مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى، و «الرُّوح الأَمِين» منصوبان على المفعول به، و «الأَمِين» صفته أيضاً، وقرىء: «نُزِّلَ» مشدداً مبنياً للمفعول، و «الرُّوحُ الأَمِينُ» مرفوعان على ما لم يسم فاعله. و «بِهِ» إمَّا متعلق ب «نَزَل» أو بمحوذف على أنه حال.
قوله: ﴿على قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ . قال أبو حيان: الظاهر تعلُّق «عَلَى قَلْبِكَ» و «لِتَكُونَ» ب «نَزَل» . ولم يذكر ما يقابل هذا الظاهر. وأكثر ما يتخيَّل أنه يجوز أن يتعلقا ب «تنزيل» أي: وإنه لتنزيل ربِّ العالمين على قلبك لتكون، ولكن فيه ضعفٌ من حبث الفصل بين المصدر ومعموله بجملة: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ» .
وقد يجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أنَّ هذه الجملة اعتراضية، وفيها تأكيد وتشديد، فليست بأجنبية.
والثاني: الاغتفار في الظرف وعديله. وعلى هذا فلا يبعد أن يجيء في المسألة باب الإعمال، فإن كلاًّ من «تَنْزِيل» و «نَزَل» يطلب هذين الجارين.
стр. 9130
فصل
لما ذكر قصص الأنبياء لمحمد ﵇ أتبعه بما يدل على نبوته فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾ لأنه لفصاحته معجز فيكون من رب العالمين. وأيضاً فلأنه إخبار عن الأمم الماضية من غير تعلم ألبتة، وذلك إلَاّ بوحي من الله تعالى. وأيضاً فقوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين﴾ مؤكد لما ذكرنا، لأن ذكر هذه القصص على ما هي في زبر الأولين من غير تفاوت أصلاً مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستفادة دليل على أنه ليس إلا من عند الله، ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ عَلَى قَلْبِكَ يا محمد، أي: فهمك إياه وأثبته في قلبك كي لا تنساه كقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿لِتَكُونَ مِنَ المنذرين﴾ : المخوِّفين. وسمي جبريل روحاً، لأنه خلق من الروح. وقيل: لأنه نجاة الخلق في باب الدين، فهو كالروح التي تستتبع الحياة. وقيل: لأنه روح كله، لا كالناس في أبدانهم روح. وسماه أميناً لأنه مؤتمن على ما يؤديه للأنبياء - ﵈ -.
فصل
روي أنَّ جبريل ﵇ نزل على آدم ﵇ اثنا عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات وعلى محمد ﵇ أربع عشرة ألف مرة.
فإن قيل: لم قال: «عَلَى قَلْبِكَ» وهو إنما أنزل عليه؟
فالجواب: ليؤكد أنّ ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن من قبله لا يجوز عليه التغيير، ولأنَّ القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأما سار الأعضاء فمسخّرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] ، ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] واستحقاق الجزاء ليس إلَاّ على ما في القلب، قال تعالى: ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] والتقوى في القلب لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾ [الحجرات: ٣] وقوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي
стр. 9131
الصدور﴾ [العاديات: ١٠] . وحكى عن أهل النار قولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ [الملك: ١٠] والعقل في القلب، والسمع منفذٌ إليه، وقال: ﴿إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] والسمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور﴾ [غافر: ١٩] ولم تخن الأعين إلا بما تضمر القلوب إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الحديث فقوله ﵇: «أَلَا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فسد الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»
وأما المعقول فإنَّ القلب إذا غشي عليه، فإذا قطع سائر الأعضاء لم يحصل به الشعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات.
وأيضاً فإذا فرح القلب أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك. وأيضاً فإن القلب منبع المشيئات الباعثة على الأفعال الصادر عن سار الأعضاء.
قوله: «بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ» . يجوز أن يتعلق ب «المُنْذِرينَ» أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان العربي، وهم: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد ﷺ (و) يجوز أن يتعلق ب «نَزَلَ» أي: نزل باللسان العربي لتنذر به، لأنه لو نزل بالأعجمي لقالوا: لم نزل علينا ما لا نفهمه؟ وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من «بِهِ» بإعادة العامل، قال: أي نزل بلسان عربي، أي: برسالة أو لغة. قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ما فيه.
قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين﴾ . أي: وإن القرآن. وقيل: وإن محمداً ونعته ﴿لَفِي زُبُرِ الأولين﴾ أي: كتب الأولين. وقيل: المراد وجوه التخويف، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم، وفيه التفات، إذ لو جرى على ما تقدم لقيل: «وإنك لفي زبر» . وقرأ الأعمش: «زُبْرِ» بسكون الباء، وهي مخففة من المشهور.
стр. 9132
قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً﴾ . قرأ ابن عامر «تَكُنْ» بالتاء من فوقه «آيَةٌ» بالرفع. والباقون «يَكُنْ» بالياء من تحت «آيَةً» بالنصب. وابن عباس: «تَكُنْ» بالتاء من فوق «آيَةٌ» بالنصب. فأما قراءة ابن عامر فتكون يحتمل أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة. فإن كانت تامة جاز أن يكون «لَهُمْ» متعلقاً بها، و «آيَةٌ» فاعلاً بها، و «أَنْ يَعْلَمَهُ» إما بدل من «آيَةٌ» وإما خبر مبتدأ مضمر، أي: أو لم تحدث لهم علامةُ علم علماء بني إسرائيل. وإن كانت ناقصة جاز فيها أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون اسمها مضمراً فيها بمعنى القصة، و ﴿آيَةً أَن يَعْلَمَهُ﴾ جملة قدم فيها الخبر واقعةٌ موقع خبر «تَكُنْ» .
الثاني: أن يكون امسها ضمير القصة أيضاً و «لَهُمْ» خبر مقدم، و «آيَةٌ» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «تَكُنْ» ، و «أَنْ يَعْلَمَهُ» إما بدل من «آيَةٌ» وإما خبر مبتدأ مضمر، أي: أن يعلمه.
الثالث: أن يكون «لَهُمْ» خبر «تَكُنْ» مقدماً على اسمها، و «آيَةٌ» امسها، و «أنْ يَعْلَمَهُ» على الوجهين المتقدمين: البدلية، وخبر ابتداء مضمر.
الرابع: أن تكون «آيَةٌ» اسمها، و «أَنْ يَعْلَمَهُ» خبرها. وقد اعترض هذا بأنه يلزم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة وقد نص بعضهم على أنه ضرورة كقوله:
стр. 9133
٣٩٢٤ - وَلَا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الوَدَاعَا ... وقوله:
٣٩٢٥ - يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءٌ ... وقد اعتذر عن ذلك بأنَّ «آيَةٌ» قد تخصصت بقوله: «لَهُمْ» فإنه حال منها، والحال صفة، وبأن تعريف الخبر ضعيف لعمومه. وهو اعتذار باطل، ولا ضرورة تدعو إلى هذا التخريج، بل التخريج ما تقدم. وأما قراءة الباقين فواضحة جداً، ف «آيَةٌ» خبر مقدم، و «أَنْ يَعْلَمَهُ» اسمها مؤخر، و «لَهُمْ» متعلق ب «آيَةٌ» حالاً من «آية» . وأما قراءة ابن عباس كقراءة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] ، وكقول لبيد:
٣٩٢٦ - فَمَضَى وَقَدَّمَهَا وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إذَا هِيَ عَرَّدَتْ أَقْدَامُهَا
إما لتأنيث الاسم لتأنيث (الخبر) ، وإما لأنه بمعنى المؤنث، ألا ترى أنَّ «أَنْ يَعْلَمَهُ» في قوة المعرفة، و ﴿إِلَاّ أَنْ قَالُواْ﴾ في قوة مقالتهم، وإِقْدَامُهَا بإقْدَامَتِهَا.
وقرأ الجحدريّ: «أَنْ تَعْلَمَهُ» بالتاء من فوق، شبَّه البنين بجمع التكسير في تغيّر واحده صورةً، فعامل فعله المسند إليه معاملة فعله في لحاق علامة التأنيث، وهذا كقوله:
٣٩٢٧ - قَالَتْ بَنُو عَامِرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ ... يَا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوَامِ
стр. 9134
وكتبوا في الرسم الكريم: «عُلَمواء» بواو بين الميم والألف. قيل: هو على لغة من يميل الألف نحو الواو، وهذا كما فعل في «الصَّلاة والزَّكْاة» .
فصل
المعنى: أو لم يكن لهؤلاء المنكرين علم بني إسرائيل علامة ودلالة على نبوة محمد ﷺ َ - لأنّ العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كاناو يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، كعبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد. قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد ﷺ َ - فقالوا: إنَّ هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على صدقه.
قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين﴾ . قال صاحب التحرير: الأعجمين: جمع أعجمي بالتخفيف، ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع سلامة.
قال شهاب لادين: وكأنَّ سبب منع جمعه أنه من باب: أفعل فعلاء، ك «أَحْمَرَ حَمْرَاءَ» . والبصريون لا يجيزون جمعه جمع سلامة إلاّ ضرورة، كقوله:
٣٩٢٨ - حَلَائِلَ أَسْوَدِينَ وَأَحْمَرِينَا ... فلذلك قدره مسنوباً مخفف الياء. وقد جعله ابن عطية «أَعْجَم» فقال: الأعجمون: جمع أعجم، وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب يقال له: أعجم، وذلك يقال للحيوانات، ومنه قول النبي ﷺ َ -: «العَجْمَاء جُبَار» وأسند الطَّبريّ عن
стр. 9135
عبد الله بن مطيع أنه كان واقفاً بعرفة وتحته جمل، فقال: جَمَلِي هذا أَعْجَمٌ، ولو أنَّه أنزل عليه ما كانوا يؤمنون.
والعجميُّ: هو الذي نسبته في العجم وإن كان أفصح الناس.
وقال الزمخشري: الأعجم: الذي لا يفصح، وفي لسانه عجمة واستعجام، والأعجمي مثله لا أنَّ فيه زيادة ياء النسب توكيداً. وقتدم نحو من هذا في سورة النحل وقد صرَّح أبو البقاء يمنع أن يكون «الأعْجَمِينَ» جمع أعجم، وإنما هو جمع أعجمي مخففاً من «أَعْجَمِيّ» «كَالأَشْعَرُون» في الأَشْعَرِيّ. قال: «الأعجمين» الأعجميِّين، فحذف ياء النسب، كما قالوا: (الأَشْعَرُونَ أي) : الأَشْعَرِيُّون، وواحده (أَعْجَمِي) ولا يجوز أن يكون جمع (أَعْجَم) لأنَّ مؤنثه (عَجْمَاء) ، ومثل هذا لا يجمع جمع التصحيح. قال شهاب الدين: وفيما قاله ابن عطية نظر، وأام الزمخشري فليس في كلامه أنه جمع (أَعْجَم) مخففاً أو غير مخفف، وإن كان ظاهره أنه جمع (أعجم) من غير تخفيف، ولكن الذي قاله ابن عطية تبع فيه الفراء فإنَّه قال: الأعجمين: جمع (أَعْجَم) أو (أَعْجَمِي) على حذف ياء النسب، كما قالوا: الأشعرين وواحدهم. (أشعري) وأنشد للكميت:
٣٩٢٩ - وَلَوْ جَهَّزتَ قَافِيةً شَرُوداً ... لَقَدْ دَخَلَتْ بيُوتَ الأَشْعَرِينَا
لكن الفراء لا يضره ذلك، فإنه من الكوفيين، وقد تقدم عنهم أنهم يجيزون جمع (
стр. 9136
أَفْعَل فَعْلَاء) .
وقرأ الحسن وابن مقسم: «الأَعْجَمِيِّينَ» بياء النسب - وهي مؤيدة لتخفيفه منه في قراءة العامة.
فصل
قوله «وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ» يعني: القرآن على رجل ليس بعربي اللسان «فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ» بغير لغة العرب ﴿مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وقالوا ما نفقه قولك، وجعلوه عذراً لجحودهم، ونظيره: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] .
وقيل: معنا: ولو أنزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتباعه.
قوله: «كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ» أي: قيل ذلك، أو الأمر كذلك. والضمير في «سَلَكْنَاهُ» عائد على القرآن، وهو الظاهر، أي: سلكناه في قلوب المجرمين (كما سلكناه في قلوب المؤمنين) ، ومع ذلك لم ينجع فيهم. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين.
وهذه الآية تدل على أنّ الكل بقضاء الله وخلقه. قال الزمخشري: إراد به أنه صار ذلك التكذيب متمكناً في قلوبهم أشدّ التمكن، فصار ذلك كالشيء الجبلِّي.
والجواب: أنه إما أن يكون قد فعل الله تعالى فيهم ما يقتضي الترجيح أم لا، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أنَّ الترجيح لا يتحقق ما لم يثب إلى حد الوجوب، وحينئذ يحصل المقصود، وإن لم يفعل فيهم ما يقتضي الترجيح البتة امتنع قوله: «كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ» .
стр. 9137
قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في الجملة وجهان:
أحدهما: الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبله.
والثاني: أنها حال من الضمير في «سَلَكْنَاهُ» أي: غير مُؤْمِنٍ بِهِ.
ويجوز أن يكون حالاً من «المُجْرِمِينَ» لأنَّ المضاف جزء من المضاف إليه ﴿حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ يعني: الموت.
قوله: «فَيَأْتِيَهُمْ» و «فَيَقُولُوا» عطف على «يَرَوا» .
وقرأ العامة بالياء من تحت. والحسن وعيسى بالتاء من فوق.
أنّث ضمير العذاب. لأنه في معنى العقوبة. وقال الزمخشري: أنّثَ على أن الفاعل ضمير الساعة. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: «فَيَأْتِيَهُمْ» ؟ قُلْت: ليس المعنى التعقيب في الوجود، بل المعنى ترتُّبها في الدشة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب أشدَّ منها، ومثال ذلك أن تقول: إنْ أَسَأتَ مَقَتَكَ الصَّالِحُونَ فمَقَتَكَ اللَّه فإنك لا تقصد أنّ مَقْتَ اللَّهِ بعد مَقْتِ الصَّالِحينَ، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة المر على المسيء.
وقرأ الحسن: «بَغَتَةً» بفتح الغين.
فصل
المعنى: يَأْتِيَهُمْ العذاب «بَغْتَةً» أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ به في الدنيا، ﴿فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: لنؤمن ونصدق، يتمنون الرجعة والنظرة، وإنما يقولون ذلك استرواحاً عند تعذر الخلاص، لأنهم يعلمون في الآخرة ألَاّ ملجأ لهم. قال مقاتل: لما وعدهم النبي ﷺ َ - بالعذاب قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب؟ ومتى هذا
стр. 9138
العذاب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ .
стр. 9139
قوله: «أَفَرَأيْتَ» تقدم تحقيقه وقد تنازع «أَفَرَأَيْتَ» وجَاءَهُمْ «في قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ فإن أعملت الثاني وهو» جَاءَهُمْ «رفعت به» مَا كَانُوا «فاعلاً به، ومفعول» أَرَأَيْتَ «الأول ضميره، ولكنه حذف، والمفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية في قوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ﴾ ، ولا بدَّ من رابط بين هذه الجملة وبين المفعول الأول المحذوف، وهو مقدر تقديره: أفرأيت ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم تمتُّعهم حين حلَّ، أي: الموعود به، ودلَّ على ذلك قوة الكلام.
وإن أعملت الأول نصبت به ﴿مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ وأضمرت في» جَاءَهُمْ «ضميره فاعلاً به، والجملة الاستفهامية مفعول ثانٍ أيضاً، والعائد مقدر على ما تقرر في الوجه قبله، والشرط معترض، وجوابه محذوف، وهذا كله مفهوم مما تقدم في سورة الأنعام وإنما ذكرناه هنا لأنه تقديرٌ (عَسِرٌ يحتاج) إلى تأمل. وهذا كله إنما يتأتيى على قولنا:» مَا «استفهامية، ولا يضير تفسيرهم لها بالنفي، فإن الاستفهام قد يرد بمعنى النفي. وأما إذا جعلتها نافية حرفاً، كما قاله أبو البقاء فلا يتأتي ذلك، لأنَّ مفعول» أَرَأَيْتَ «الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كما تقرر. قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ
стр. 9140
إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ كثيرة في الدنيا، يعني كفار مكة، ولم نهلكهم ﴿ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ يعني: العذاب ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾ في تلك السنين، أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتع عنهم شيئاً، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط.
قوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ﴾ يجوز أن تكون» مَا «استفهامية في محل نصب مفعولاً مقدماً، و» مَا كَانُوا «هو الفاعل، و» مَا «مصدرية بمعنى: أيُّ شَيْءٍ أغنى عنهم كونهم متمتعين. وأن تكون نافية، والمفعول محذوف، أي: لَمْ يُغْنِ عنهم تمتعهم شيئاً. وقرىء» يُمْتَعُونَ «بإسكان الميم وتخفيف التاء من: أمْتَعَ اللَّهُ زَيداً بكذا.
قوله: ﴿إِلَاّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ يجوز أن تكون الجملة صفة ل» قَرْيَةٍ «وأن تكون حالاً منها. وسوغ ذلك سبق النفي. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد» إلَاّ «ولم تعزل عنها في قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَاّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] ؟ قلت: الأصل عزل الواو، لأنَّ الجملة صفة ل» قَرْيَةٍ «وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . قال أبو حيان: ولو قدرنا» لَهَا مُنْذِرُونَ «جملة لم يجز أن تجيء صفة بعد (إلَاّ) ، ومذهب الجمهور أنه لا تجيء الصفة بعد» إلَاّ «معتمدة على أداة الاستثناء، نحو: مَا جَاءَنِي أحدٌ إلَاّ رَاكِبٌ، وإذا سمع مثل هذا خرّجوه على البدل، أي: إلَاّ رجل راكب، ويدل على صحة هذا المذهب أنَّ العرب تقول: ما مررت بأحدٍ إلَاّ قائماً ولا يحفظ عنهم» إِلَاّ قَائِم «يعني: بالجر، فلو كانت الجملة صفة بعد» إلَاّ « (لَسُمِعَ الجَرُّ) في هذا.
وأيضاً فلو كانت الجملة صفة للنكرة لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد «إِلَاّ» . يعني نحو: مَا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ إِلَاّ العَاقِلِ.
следующие страницы →