← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

أَفْعَل فَعْلَاء) . وقرأ الحسن وابن مقسم: «الأَعْجَمِيِّينَ» بياء النسب - وهي مؤيدة لتخفيفه منه في قراءة العامة. فصل قوله «وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ» يعني: القرآن على رجل ليس بعربي اللسان «فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ» بغير لغة العرب ﴿مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وقالوا ما نفقه قولك، وجعلوه عذراً لجحودهم، ونظيره: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . وقيل: معنا: ولو أنزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتباعه. قوله: «كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ» أي: قيل ذلك، أو الأمر كذلك. والضمير في «سَلَكْنَاهُ» عائد على القرآن، وهو الظاهر، أي: سلكناه في قلوب المجرمين (كما سلكناه في قلوب المؤمنين) ، ومع ذلك لم ينجع فيهم. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين. وهذه الآية تدل على أنّ الكل بقضاء الله وخلقه. قال الزمخشري: إراد به أنه صار ذلك التكذيب متمكناً في قلوبهم أشدّ التمكن، فصار ذلك كالشيء الجبلِّي. والجواب: أنه إما أن يكون قد فعل الله تعالى فيهم ما يقتضي الترجيح أم لا، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أنَّ الترجيح لا يتحقق ما لم يثب إلى حد الوجوب، وحينئذ يحصل المقصود، وإن لم يفعل فيهم ما يقتضي الترجيح البتة امتنع قوله: «كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ» .

стр. 9137

قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في الجملة وجهان: أحدهما: الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبله. والثاني: أنها حال من الضمير في «سَلَكْنَاهُ» أي: غير مُؤْمِنٍ بِهِ. ويجوز أن يكون حالاً من «المُجْرِمِينَ» لأنَّ المضاف جزء من المضاف إليه ﴿حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ يعني: الموت. قوله: «فَيَأْتِيَهُمْ» و «فَيَقُولُوا» عطف على «يَرَوا» . وقرأ العامة بالياء من تحت. والحسن وعيسى بالتاء من فوق. أنّث ضمير العذاب. لأنه في معنى العقوبة. وقال الزمخشري: أنّثَ على أن الفاعل ضمير الساعة. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: «فَيَأْتِيَهُمْ» ؟ قُلْت: ليس المعنى التعقيب في الوجود، بل المعنى ترتُّبها في الدشة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب أشدَّ منها، ومثال ذلك أن تقول: إنْ أَسَأتَ مَقَتَكَ الصَّالِحُونَ فمَقَتَكَ اللَّه فإنك لا تقصد أنّ مَقْتَ اللَّهِ بعد مَقْتِ الصَّالِحينَ، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة المر على المسيء. وقرأ الحسن: «بَغَتَةً» بفتح الغين. فصل المعنى: يَأْتِيَهُمْ العذاب «بَغْتَةً» أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ به في الدنيا، ﴿فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: لنؤمن ونصدق، يتمنون الرجعة والنظرة، وإنما يقولون ذلك استرواحاً عند تعذر الخلاص، لأنهم يعلمون في الآخرة ألَاّ ملجأ لهم. قال مقاتل: لما وعدهم النبي ﷺ َ - بالعذاب قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب؟ ومتى هذا

стр. 9138

العذاب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ .

стр. 9139

قوله: «أَفَرَأيْتَ» تقدم تحقيقه وقد تنازع «أَفَرَأَيْتَ» وجَاءَهُمْ «في قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ فإن أعملت الثاني وهو» جَاءَهُمْ «رفعت به» مَا كَانُوا «فاعلاً به، ومفعول» أَرَأَيْتَ «الأول ضميره، ولكنه حذف، والمفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية في قوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ﴾ ، ولا بدَّ من رابط بين هذه الجملة وبين المفعول الأول المحذوف، وهو مقدر تقديره: أفرأيت ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم تمتُّعهم حين حلَّ، أي: الموعود به، ودلَّ على ذلك قوة الكلام. وإن أعملت الأول نصبت به ﴿مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ وأضمرت في» جَاءَهُمْ «ضميره فاعلاً به، والجملة الاستفهامية مفعول ثانٍ أيضاً، والعائد مقدر على ما تقرر في الوجه قبله، والشرط معترض، وجوابه محذوف، وهذا كله مفهوم مما تقدم في سورة الأنعام وإنما ذكرناه هنا لأنه تقديرٌ (عَسِرٌ يحتاج) إلى تأمل. وهذا كله إنما يتأتيى على قولنا:» مَا «استفهامية، ولا يضير تفسيرهم لها بالنفي، فإن الاستفهام قد يرد بمعنى النفي. وأما إذا جعلتها نافية حرفاً، كما قاله أبو البقاء فلا يتأتي ذلك، لأنَّ مفعول» أَرَأَيْتَ «الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كما تقرر. قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ

стр. 9140

إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ كثيرة في الدنيا، يعني كفار مكة، ولم نهلكهم ﴿ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ يعني: العذاب ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾ في تلك السنين، أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتع عنهم شيئاً، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط. قوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ﴾ يجوز أن تكون» مَا «استفهامية في محل نصب مفعولاً مقدماً، و» مَا كَانُوا «هو الفاعل، و» مَا «مصدرية بمعنى: أيُّ شَيْءٍ أغنى عنهم كونهم متمتعين. وأن تكون نافية، والمفعول محذوف، أي: لَمْ يُغْنِ عنهم تمتعهم شيئاً. وقرىء» يُمْتَعُونَ «بإسكان الميم وتخفيف التاء من: أمْتَعَ اللَّهُ زَيداً بكذا. قوله: ﴿إِلَاّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ يجوز أن تكون الجملة صفة ل» قَرْيَةٍ «وأن تكون حالاً منها. وسوغ ذلك سبق النفي. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد» إلَاّ «ولم تعزل عنها في قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَاّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] ؟ قلت: الأصل عزل الواو، لأنَّ الجملة صفة ل» قَرْيَةٍ «وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . قال أبو حيان: ولو قدرنا» لَهَا مُنْذِرُونَ «جملة لم يجز أن تجيء صفة بعد (إلَاّ) ، ومذهب الجمهور أنه لا تجيء الصفة بعد» إلَاّ «معتمدة على أداة الاستثناء، نحو: مَا جَاءَنِي أحدٌ إلَاّ رَاكِبٌ، وإذا سمع مثل هذا خرّجوه على البدل، أي: إلَاّ رجل راكب، ويدل على صحة هذا المذهب أنَّ العرب تقول: ما مررت بأحدٍ إلَاّ قائماً ولا يحفظ عنهم» إِلَاّ قَائِم «يعني: بالجر، فلو كانت الجملة صفة بعد» إلَاّ « (لَسُمِعَ الجَرُّ) في هذا. وأيضاً فلو كانت الجملة صفة للنكرة لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد «إِلَاّ» . يعني نحو: مَا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ إِلَاّ العَاقِلِ.

стр. 9141

ثم قال: فإن كانت الصفة غير معتمدة على الأداة جاءت الصفة بعد «إلَاّ» نحو: ما جاءني أحدٌ إلَاّ زيدٌ خيرٌ من عمرٍو، والتقدير: ما جاءني أحدٌ خيرٌ من عمرٍو إلَاّ زيدٌ. وأمَّا كون الواو تزاد لتأكيد وصل الصفة بالموصوف فغير معهود في عبارة النحويين، لو قلت: جاءني رجلٌ وعاقلٌ. لم يجز، وإنما تدخل الواو في الصفات جوازاً إذا عطف بعضها على بعض وتغاير مدلولها، نحو: «مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الشجع والشاعر» . وأما ﴿وثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فتقدم الكلام عليه. قال شهاب الدين: أما كون الصفة لا تقع بعد (إلَاّ) معتمدةً فالزمخشري يختار غير هذا، فإنَّها مسألة خلافية، وأما كونه لم يقل (إلَاّ قائماً) بالنصب دون «قَائِم» بالجر فذلك على أحد الجائزين، وليس فيه دليل على المنع من قسيمه. وأما قوله: فغير معهود في كلام النحويين. فممنوع، هذا ابن جنِّي نصَّ عليه في بعض كتبه، وأما إلزامه أنها لوكانت الجملة صفة بعد (إلَاّ) للنكرة، لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد (إلَاّ) فغير لازم، لأنَّ ذلك مختص بكون الصفة جملة، وإذا كانت جملة تعذر كونها صفة للمعرفة، وإنَّما اختص ذلك بكون الصفة جملة، لأنها لتأكيد وصل الصفة والتأكيد لائق بالجمل. وأمَّا قوله: لو قلت: جاءني رجلٌ وعاقلٌ. لم يجز، فمسلَّم، ولكن إنما امتنع ذلك في الصفة المفردة لئلا يلبس أإن الجائي اثنان: رجدلٌ وآخر عاقلٌ، بخلاف كونها جملة فإنَّ اللبس منتفٍ، وقد تقدم (الكلام في) ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ الكهف: ٢٢] . قوله: «ذِكْرضى» يجوز فيها أوجه: أحدها: أنها مفعول من أجله، وإذا كانت مفعولاً من أجله ففي العامل فيها وجهان: أحدهما: «مُنْذِرُونَ» على أنَّ المعنى: منذرون لأجل الموعظة والتذكرة. الثاني: «أَهْلَكْنَا» . قال الزمخشري: والمعنى: وَمَا أَهْلَكْنَا من أهل قريةٍ ظالمين إلَاّ بعد ما ألزمناهم الحجَّة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون تذكرة وعبرةً لغيرهم، فلا يعصون مثل

стр. 9142

عصيانهم: ثم قال: وهذا الوجه عليه المُعَوَّل. قال أبو حيان: وهذا لا معوَّل عليه، فإنَّ مذهب الجمهور أنَّ ما قبل إلَاّ لا يعمل فيما بعدها إلَاّ أن يكون مستثنى أو مستثنى منه، أو تابعاً له غير معتمدٍ على الأداة نحو: ما مررتُ بأحدٍ إلَاّ زيدٌ خيرٌ من عمرٍو. والمفعول له ليس واحداً من هذه. ويتخرَّج مذهبه على مذهب الكسائي والأخفش، وإن كانا لم ينصَّا على المفعول له بخصوصيته. قال شهاب الدين: والجواب ما تقدم قبل ذلك من أنه يختار مذهب الأخفش. الثاني من الأوجه الأول: أنها في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هذه ذكرى، وتكون الجملة اعتراضية. الثالث: أنها صفة ل «مُنْذِرُونَ» إمَّا على المبالغة، وإمَّا على الحذف، أي: مُنْذِرُونَ ذوو ذكرى، أو على وقوع المصدر وقوع اسم الفاعل. أي: منذرون مذكِّرن. وتقدم تقريره. الرابع: أنها ي محل نصب على الحال، اي: مذكِّرين، أو ذوي ذكرى، أو جعلوا نفس الذكرى مبالغة. الخامس: أنها مصنوبة على المصدر المؤكد، وفي العامل فيها حينئذ وجهان: أحدهما: لفظ «مُنْذِرُونَ» لأنه من معناها، فهما ك (قَعَدْتُ جُلُوساً) . والثاني: أنه محذوف من لفظها، أي: يُذَكِّرُونَ ذكرى، وذلك المحذوف صفة ب «مُنْذِرُوَن» . قوله: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في تعذيبهم، حيث قدمنا الحجة عليهم، وأعذرنا إليه، أو: ما كنا ظالمين فنهلك قوماً غير ظالمين.

стр. 9143

قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾ . العامة على الياء ورفع النون، وهو جمع تكسير. وقرأ الحسن البصري وابن السميفع والأعمش بالواو مكان الياء والنون مفتوحة، إجراء له مجرى جمع السلامة وهذه القراءة (قَدْ ردَّها) جمع كثير من النحويين. قال الفراء: غلط الشَّيخ، ظنَّ أنَّها النون التي على هجائين. فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتجَّ بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز أن يحتجَّ بقول الحسن وصاحبه - يعني: محمد بن السميفع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ به إلَاّ وقد سمعا فيه. وقال النحاس: هو غلظ عند جميع النحويين. وقال المهدوي: هو غير جائز في العربية. وقال أبو حاتم: هي غلطٌ منه أو عليه. وقد أثبت هذه القراءة جماعة من أهل العلم ودفعوا عنها الغلط، فإنَّ القارىء بها من العلم بمكان مكينٍ. وأجابوا عنها بأجوبة صالحة. فقال النضر بن شميل: قال يونس بن حبيب: سمعت أعرابياً يقول: دخلت بساتين من ورائها بَسَاتُون. فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. وخرَّجها بعضهم على أنها جمع (شَيَّاطٍ) بالتشديد، مثال مبالغة. مثل: (ضَرَّاب وقَتَّال) على أن يكون مشتقاً من: شَاطَ يَشِيطُ، أي: أُحرق، ثم جُمِع جمع سلامة مع تخفيف الياء، فوزنه: (فَعَالُونَ) مخففا من (فَعَّالِينَ) بتشديد العين. ويدل على ذلك أنَّهما وغيرهما قرءوا بذلك، أعني: بتشديد الياء، وهذا منقول عن مؤرج السَّدوسيّ. ووجَّهها آخرون بأنَّ (آخره لما) كان يشبه يبرين، وفلسطين، أجري إعرابه تارة على النون، وتارة بالحرف، كما قالوا: هذه يبرين وفلسطين ويبرون وفلسطون، وتقدم القول في ذلك في البقرة. والهاء في «بِه» تعود على

стр. 9144

القرآن. وجاءت هذه الجمل الثلاثة منفية على أحسن ترتيب، نَفَى أوَّلاً تنزيل الشياطين به، لأنَّ النفي في الغالب يكون في الممكن، وإن كان الإمكان هنا منتفياً ثم نفى ثانياً ابتغاء ذلك، أي: ولو فرض الإمكان لم يكونوا أهلاً له. ثم نفى ثالثاً الاستطاعة والقدرة، ثم ذكر علة ذلك وهي انعازلهم عن السماع من الملأ الأعلى، لأنهم يرجمون بالشهب لو (تَسَمَّعُوا) . فصل لما احتج على صدق محمد ﵇ بكون القرآن تنزيل رب العالمين، لوقوعه في الفصاحة القصوى، ولاشتماله على قصص المتقدمين من غير تفاوت، مع أنه ﵇ لم يتعلم من أحد، وكان الكفار يقولون: هذا من إلقاء الجنّ والشياطين كسائر ما ينزل به على الكهنة، فأجاب الله تعالى بأنَّ ذلك لا يستهل للشياطين، لأنهم معزولون عن استماع كلام اهل السماء برجمهم بالشهب. فإن قيل: العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يحصل إلا بخبر النبي الصادق فإذا أثبتنا كون محمد ﵇ صادقاً بفصاحة القرآن، وإخباره عن الغيب، ولا يثبت كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزاً إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك. (فلزم الدور. فالجواب: لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك) لا يستفاد إلا من قول النبيّ ﷺ َ - لأنا نعلم بالضرورة أن النبيّ ﷺ َ - كان يلعن الشياطين، ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان ذلك إنما حصل من إلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم، فيجب أن يكون اقتار الكفار على مثله أولى. ولما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين ممنوعون، لأنهم معزولون عن تعرف الغيوب. ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الجواب خاطب الرسول ﵇ فقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ . قال ابن عباس: يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق عليَّ ولو اتخذت إلهاً غيري لعذبتك. وقوله: «فَتَكُونَ» منصوب في جواب النهي.

стр. 9145

قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ . روى عبد الله بن عباس عن علي بن أبي

стр. 9146

طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ َ - ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ دعاني رسول الله ﷺ َ - فقال: «يا عليّ، إنَّ اللَّه أمرني أَنْ أنذر عشيرتي الأقربين، وضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال: يا محمد: إلَاّ تفعل ما تؤمر يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عُسَّا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب عت أبلغهم ما أمرت به» . ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يؤمئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً او ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله ﷺ َ - جَذْبَةً من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الحصفة، ثم قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسْقِ القومَ. فجئت بذلك العُسْ فشربوا حتى رووا جميعاً، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ َ - أن يكلمهم بَدَرهُ أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم: فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله ﷺ َ - فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فأعدّ لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم ففعلت، ثم دعاني بالطعام فقدمته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا، ثم تكلم رسول الله ﷺ َ - فقال: يا نبي عبد المطلب: إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فإيكم يؤازرني على أمري ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، فقلت وأنا أحدثهم سنّاً: أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عيله، قال: فأخذ برقبتي ثم قال: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب. قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع «

стр. 9147

وعن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ » خرج رسول الله ﷺ َ - حتى صعد الصفا، فهتف: يا صَبَاحَاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: «أرأيتم إنْ أَخبرتكم أن خَيْلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيَّ» ؟ قالوا: ما جَرَّبْنَا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبّاً لك ما جمعتنا إلا لهذا « ، ثم قام، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . قوله: ﴿واخفض جَنَاحَكَ﴾ : ألن جانبّك ﴿لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ . واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب. قوله: «فِإِنْ عَصَوْكَ» : في هذه الواو وجهان: أحدهما: أنها ضمير الكفار، أي: فإن عصاك الكفار في أمرك لهم بالتوحيد. والثاني: أنها ضمير المؤمنين، أي: فإن عصاك المؤمنون في فروع الإسلام وبعض الأحكام بعد تصديقك والإيمان برسالتك، وهذا في غاية البعد ﴿إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (من الكفر وعبادة غير الله) . فصل قال الجُبَّائيّ: هذا يدل على أنه ﵇ كان بريئاً من معاصيهم، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضاً بريء من عملهم كالرسول، وإلا كان مخالفة لله، كما لو رضي عن شخص فإن الله راضٍ عنه، وإذا كان تعالى بريئاً من عملهم فلا يكون فاعلاً له. والجواب: أنه تعالى بريء من المعاصي، بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم، بدليل انه علم وقوعها، وكل ما كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع، وإلَاّ لانقلب علمه جهلاً، وهو محال، والمفضي إلى المحال محال، وعلم ما هو واجب الوقوع لا يراد عدم وقوعه، فثبت قولنا. قوله: «وَتَوَكَّلْ» . قرأ نافع وابن عامر بالفاء. والباقون بالواو.

стр. 9148

فأما قراءة الفاء فإنه جُعِل فيها ما بعد الفاء كالجزاء لما قبلها مترتباً عليه. وقراءة الواو لمجرد عطف جملة على أخرى. والتوكل: عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يكل أمره ويقدر على نفعه وضره. ثم قال: ﴿عَلَى العزيز الرحيم﴾ ليكفيك كيد الأعداء بعزته وينصرك عليهم برحمته. قوله: «الَّذِي يَرَاَكَ» يجوز أن يكون مرفوع المحل خبراً لمبتدأ محذوف، أو منصوبه على المدح، أو مجرورة على النعت أو البدل أو البيان. قال أكثر المفسرين: معناه: يراك حين تقوم إلى صلاتك. وقال مجاهد: يراك أينما كنت. وقيل: حين تقوم لدعائهم. قوله: «وَتَقَلُّبَكَ» . عطف على مفعول «يَرَاكَ» أي: ويرى تَقَلُّبَكَ، وهذه قراءة العامة. وقرأ جماح بن حبيش بالياء من تحت مضمومة، وكسر اللام، ورفع الباء، جعله فعلاً، مضارع (قَلَّبَ) بالتشديد، وعطفه على المضارع قبله، وهو «يَرَاكَ» أي: الذي يُقَلِّبُكَ. فصل معنى تقلبه أي: تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك، قال عكرمة وعطية عن ابن عباس: «فِي السَّاجِدِينَ» أي: في المصلين. وقال مقاتل والكلبي: أي: مع المصلين في الجماعة، أي: يراك حين تقوم وحدك للصلاة، ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة. وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإِنَّهُ كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه. قال ﵇: «واللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ ولا رُكُوعُكُمْ، وإِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» وقال الحسن: «تقلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» أي: تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. وقال سعيد بن جبير: يعني: وتصرّفك في

стр. 9149

أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك. والسَّاجدون: هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس: أراد: وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة. ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ السميع لما تقوله، العليم بما تنويه.

стр. 9150

قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ الآية. أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين: الأول: قوله: ﴿تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ كما تقدم من أنَّ الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان، ومحمد يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة منه. والثاني: قوله: ﴿يُلْقُونَ السمع وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ومعناه: أنهم كانوا يقيسمون حال النبي ﷺ َ - على حال الكهنة (فكأنه قيل: إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب، فجيب أن تكون حال الرسول كذلك، فلما لم يظهر في إخبار الرسول عن المغيبات إلا الصدق علمنا أنَّ حاله بخلاف حال الكهنة) . قوله: «عَلَى مَنْ» متعلق ب «تَنَزَّلُ» بعده. وإنما قُدِّم، لأَنَّ له صدر الكلام، وهو مُعلقٌ لما قبله من فِعْل التَّنْبِئَة، لأنها بمعنى العلم. ويجوز أن تكون هنا متعدية لاثنين، فتسد الجملة المشتملةُ على الاستفهام مسدّ الثاني، لأنَّ الأول ضمير المخاطبين. وأن تكون متعديةً لثلاثة فتسد مسدّ اثنين. وقرأ البَزِّيُّ: ﴿عَلَى مَنْ تَّنزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَّنَزَّلُ﴾ بتشديد التاء من «تنزل» في الموضعين والأصل: «تَتَنَزَّل» بتاءين فأدغم، والإدغام في الثاني سهل، لتحرك ما قبل المدغم، وفي الأول صُعُوبةٌ لسكون ما قبله وهو نُونُ «مَنْ» . وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧] . قوله: «يُلْقُونَ» . يجوز أن يعود الضمير على «الشَّيَاطِين» فيجوز أن تكون الجملة «يُلْقُونَ» حالاً، وأن تكون مستأنفة. ومعنى إلقائهم السمعَ: إنصاتهم إلى الملأ الأعلى لِيَسْتَرِقُوا شيئاً، أو يلقون الشيء المسموع إلى الكهنة.

стр. 9151

ويجوز أن يعود على ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ من حيث إنه جمعٌ في المعنىن فتكون الجملة إما مستأنفة، وأما صفة ل «كُلِّ أَفَّاكٍ» . ومعنى الإلقاء ما تقدم. وقال أبو حيان: حال عود الضمير على «الشَّيَاطين» ، وبعد ما ذكر المعنيين المتقدمين في إلقاء السمع قال: فعلى معنى الإنصات يكون «يُلْقُونَ» استئناف إخبارٍ، وعلى إلقاء المسموع إلى الكهنة يحتمل الاستئناف، واحتمل الحال من «الشَّيَاطِينَ» أي: تَنزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أثِيمٍ مُلْقِينَ ما سَمِعُوا. انتهى. وفي تخصيصه الاستئناف بالمعنى الأول وتجويزه الوجهين في المعنى الثاني نظرٌ، لأنَّ جواز الوجهين جارٍ في المعنيين فيحتاج في ذلك إلى دليل، فإن قيل: كيف قال: «وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ» بعد ما حكم عليهم أنَّ كل واحد منهم أفّاك؟ فالجواب: أنَّ الأَفاكين هم الذين يكثرون الكذب، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني، وأكثرهم يفتري عليه. قوله تعالى : ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ . قد تقدم أن نافعاً بتخفيف التاء ساكنة وفتح الباء في سورة الأعراف عند قوله: «لا يَتَّبِعُوكُمْ» والفرق بين المخفف والمثقل. وسكن الحسنُ العينَ، ورويت عن أبي عمرو، وليست ببعيدة عنه ك «يَنْصُرْكُمْ» وبابه وروى هارون عن بعضهم نصب العين، وهي غلط،

стр. 9152

والقول بأن الفتحة للإتباع خطأ، والعامة على رفع «الشُّعَرَاءُ» بالابتداء، والجملة بعده الخبر. وقرأ عيسى بالنصب على الاشتغال. فصل لمّا قال الكفار: لم لا يجوز أن يقالك الشياطين تنزل بالقرآن على محمد، كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، وعلى الشعراء بالشعر؟ ثم إنه تعالى فرق بين محمد ﵇ وبين الكهنة، ذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه وبين الشعراء: بأن الشعراء يتبعهم الغاوون، وهم: الضالون: ثم بيَّن أنَّ ذلك لا يمكن القول به لأمرين: الأول: ﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ والمراد منه: الطرق المختلفة، كقولك: أنا في يعظمونه بعدما يستحقرونه وبالعكس وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق، بخلاف أمر محمد ﵇ فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحدة، وهو الدعوة إلى الله، والترغيب في الآخرة، والإعراض عن الدنيا. والثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ . وذلك أيضاً من علامات الغواية، فإنهم يرغِّبُون في الجود، ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصيرون إليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عنهم وعن واحد من أسلافهم. ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة، وأما محمد ﵇ فإنه بدأ بنفسه ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣] ثم بالأقرب فالأقرب فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] وكل ذلك خلاف طريقة الشعراء، فظهر بهذا البيان أنَّ حال محمد ﵇ لم يشبه حال الشعراء. قوله: «يَهِيمُونَ» . يجوز أن تكون هذه الجملة خبر «أَنَّ» وهذا هو الظاهر، لأنه محط الفائدة، و «فِي كُلِّ وَادٍ» متعلق به. ويجوز أن يكون ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾ هو الخبر، أو نفس الجار كما تقدم في نظيره. ويجوز أن تكون الجملة خبراً بعد خبر عند من يَرَى تَعَدُّد

стр. 9153

الخبر مطلقاً. وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبَّه جَوَلَانَهم في أفانين القول، وطرائق المدح والذم، والتشبيب، وأنواع الشعر بِهَيْمِ الهائم في كل وجهٍ وطريق. وقيل: أراد ب «كُلِّ وَادٍ» أي: على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون (القوافي) . والهائم: الذي: يَخبِطُ في سَيْرِهِ ولا يقصد موضعاً معيناً، يقال هام على وجهه، أي: ذهب والهائم: العاشق من ذلك، والهَيْمَان: العطشان والهُيَامُ داءٌ يأخذ الإبلَ من العطش، وجَمَلٌ أَهْيَمُ وناقةٌ هَيْمَاءُ والجمع فيهما هِيمٌ قال تعالى: «شُرْبَ الهِيم» من الرمل: اليابس، فإنهم يخيلون فيه معنى العطش. فصل قال المفسرون: أراد شعراء الكفار، وكانوا يهجون رسول الله ﷺ َ - وذكر مقاتل أسمائهم فقال: منهم عبد الله بن الزِّبعرَى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل، وقالوا: نحن نقول كما قال محمد، وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم يشمعون أشعارهم حين يهجون رسول الله ﷺ َ - وأصحابه، ويروون عنهم ذلك فذلك قوله: «يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ» وهم الرواة الذين يريدون هجاء المسلمين. وقال قتادة: هم الشياطين. ثم إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف استثنى شعراء المسلمين الذي كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون الكفار ويكافحون عن النبي ﷺ َ - وأصحابه منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال: ﴿إِلَاّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ . روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي ﷺ َ - «إِنَّ اللَّهَ قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: النبي ﷺ َ -:» إِنَّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نصح النبل «وفي رواية قال له:» اهْجُهُمْ فالواذي نفسي بيده هو أشد عليهم من النبل « وكان يقول لحسان:» قُلْ فإنَّ روح القدس معك «.

стр. 9154

واعلم أن الله تعالى وصفهم بأمور: الأول: الإيمان، وهو قوله: ﴿إِلَاّ الذين آمَنُواْ﴾ . وثانيها: العمل الصالح، وهو قوله:» وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ «. وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة، ودعوة الحق، وهو قوله: [ ﴿وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ ] . ورابعها: أنْ لا يذكروا هجواً إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم وهو] ﴿وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ قال الله تعالى: ﴿لَاّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول إِلَاّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] . وروي أن النبي ﷺ َ - قال:» إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً «وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، [وكان عمر يقول الشعر] ، وكان عليٌّ أشعر الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده. وقوله: ﴿وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، ﴿وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ أي: انتصروا من المشركين، لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا﴾ أشركوا وهجوا رسول الله ﷺ َ - ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ أيّ مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير. قوله: «أَيَّ مُنْقَلَبٍ» منصوب على المصدر، والناصب له «يَنْقَلِبُونَ» وقُدِّم، لتضمنه معنى الاستفهام، وهو معلق ل «سَيَعْلَمُ» سادّاً مسدّ مفعوليها. وقال أبو البقاء: «أيَّ مُنْقَلَبٍ» صفة لمصدر محذوف، أي: ينقلبون انقلاباً أي منقلب، ولا يعمل في «سَيَعْلَمُ» لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وهذا مردود بأن أيّاً الواقعة صفة لا تكون استفهامية، وكذلك استفهامية لا تكون صفة لشيء بل كل منهما قسم برأسه.

стр. 9155

و «أي» تنقسم إلى أقسام كثيرة، وهي: الشرطية، والاستفهامية، والموصولة، والصفة، والموصوفة عند الأخفش خاصة، والمناداة نحو: يا أيهذا والمُوصّلة لنداء ما فيه (أل) نحو: يا أيُّهَا الرجلُ. عند غير الأخفش، والأخفش يجعلها في النداء موصولة. وقرأ ابن عباس والحسن ﴿أَيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ﴾ بالفاء والتاء من فوق من الانفلات. روى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس «أن النبي ﷺ َ - قال:» أُعْطيتُ السورة التي

стр. 9156

يذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي يذكر فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة « وعن أنس» أن رسول الله ﷺ َ - قال: «إنَّ اللَّه تعالى أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي» وعن أبي أمامة عن أُبيّ بن كعب قال: «قال رسول الله ﷺ َ -:» من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به، وهو: وشعيب، وصالح، وإبراهيم، وبعدد من كذب بعيسى، وصدق بمحمد ﷺ َ - «

стр. 9157

سورة النمل

стр. 9158

سورة النمل مكية، وهي ثلاث وتسعون آية، وألف ومائة وتسع وأربعون كلمة، وأربعة آلاف وسبع مائة وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ القرآن وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ . «تلك» إشارة إلى آيات السورة أي: هذه آيات القرآن. قوله: «وَكِتَابٍ» العامة على جره عطفاً على «القُرْآنِ» ، وهل المراد به نفس القرآن فيكون من عطف بعض الصفات على بعض، والمدلول واحد، أو اللوح المحفوظ، أو نفس السورة، أقوال. وقيل: القرآن والكتاب علمان للمنزل على نبينا ﷺ َ - فهما كالعباس وعباس، يعني فيكون «أل» فيهما للمح الصفة، وهذا خطأ؛ إذ لو كانا علمين لما وصفا بالنكرة، وقد وصف «قرآن» بها في قوله: ﴿آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١] - الحجر - ووصف بها «كتاب» كما في هذه الآية الكريمة. والذي يقال إنه نكر هنا لإفادة التفخيم، كقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وقرأ ابن أبي عبلة: «وكِتَابٌ مُبِينٌ» برفعها عطفاً على «آيَاتٌ» المخبر بها عن «تِلْكَ» .

стр. 9159

فإن قيل: كيف صَحَّ أن يشار لاثنين أحدهما مؤنث، والآخر مذكر باسم إشارة المؤنث.، ولو قلت: تلك هند وزيد لم يجز؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: (أن المراد بالكتاب) هو الآيات، لأن الكتاب عبارة عن آيات مجموعة، فلما كانا شيئاً واحداً، صحت الإشارة إليهما بإشارة الواحد المؤنث. الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: وآيات كتاب مبين. الثالث: أنه لما ولي المؤنث ما يصح الإشارة به إليه، اكتفى به وحسن، ولو أولي المذكر لم يحسن، ألا تراك تقول: جاءتني هند وزيد، ولو حذفت (هند) أو أخّرتها لم يجز تأنيث الفعل. قوله: «هُدًى وبُشْرَى» يجوز فيهما أوجه: أحدها: أن يكونا منصوبين على المصدر بفعل مقدر من لفظهما، أي: يهدي هدى، ويبشر بشرى. الثاني: أن يكونا في موضع الحال من «آيَات» والعامل فيها ما في «تِلْكَ» من معنى الإشارة. الثالث: أن يكونا في موضع الحال من «القُرْآن» وفيه ضعف، ومن حيث كونه مضافاً إليه. الرابع: أن يكونا حالاً من «كِتَاب» ، في قراءة من رفعه، يوضعف في قراءة من جره، لما تقدم من كونه في حكم المضاف إليه، لعطفه عليه. الخامس: أنَّهما حالان من الضمير المستتر في «مبين» سواء رفعته (أم جررته) . السادس: أن يكونا بدلين من «آيَاتُ» . السابع: أن يكونا خبراً بعد خبر.

стр. 9160

الثامن: أن يكونا خبري ابتداء مضمر، أي: (هي) هُدًى وبُشْرَى للمؤمنين. فصل المراد يهديهم إلى الجنة وبشرى لهمن كقوله تعالى: ( ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ) مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [النساء: ١٧٥] ، ولهذا خص به المؤمنين، وقيل: إنما تكون للمؤمنين أو لأنهم تمسكوا به، كقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] ، أو أنه يزيد في هداهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] . قوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ يجوز أن يكون مجرور المحل، نعتاً للمؤمنين، أو بدلاً أو بياناً، أو منصوبة عل المدح، أو مرفوعة على تقدير مبتدأ، أي: هم الذين، والمراد بها: الصلوات الخمس، وكذا القول في الزكاة، فإنها هي الواجبة، لأن التعريف بالألف واللام يقتضى ذلك. وإقامة الصلاة أن يؤديها بشرائطها، والزكاة بوضعها في مواضعها. قوله: ﴿وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ «هم» الثاني تكرير للأول على سبيل التوكيد اللفظي، وفهم الزمخشري منه الحصر، أي: لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء، المتصفون بهذه الصفات. ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية، وكرر فيها المبتدأ الذي هو «هم» حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. و «بالآخِرَةِ» متعلق ب «يوقنون» ، ولا يضر الفصل بينهما بالتوكيد. وهذه الجملة يحتمل أن تكون معطوفة على اصلة، داخلة في حيز الموصول، وحينئذ يكون قد غاير بين الصِّلأَتين لمعنى، وهو أنه لما كان إقامة الصلاة، وإيتاه الزكاة مما يتكرَّر ويتجدَّد بالصتين جملة فعلية، فقال: «يُقِيمُونَ» ، وَ «يُؤْتُونَ» . ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه، أتى بالصلة جملة اسمية، مكرراً فيها المسند إليه، مقدماً الموقن به، الدال على الاختصاص، ليدل على الثبات

стр. 9161

والاستقرار، وجاء بخبر المبتدأ في هذه الجملة فعلاً مضارعاً، دلالة على أن ذلك متجدد كل وقت، غير منقطع. ويحتمل أن تكون مستأنفة غير داخلة في حيز الموصول. قال الزمخشري: ويحتمل أن تتم الصلة عنده، أي: عند قوله: «وَهُمْ» ، قال: وتكون الجملة اعتراضية. يريد أن الصلة تمت عند الزكاة، فيجوز فيه ذلك، وإلا فكيف يصح - إذا أخذنا بظاهر كلامه - أن الصلة تمت عند قوله: «وَهُمْ» وتسمية هذا اعتراضاً: يعني من حيث المعنى وسياق الكلام، وإلا فالاعتراض في الاصطلاح: إنما يكون بين متلازمين من مبتدأ أو خبر، وشرط وجزاء، وقسم وجوابه، وتابع ومتبوع، وصلة وموصول، وليس هنا شيء من ذلك. فإن قيل: إن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة، فما وجه ذكره مرة أخرى؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن الذي يستفاد منه طرق للنجاة هو معرفة المبدأ، ومعفرة المعاد، والعمل الصالح، وأشرفه الطاعة بالنفس والطاعة بالمال، فقوله: «لِلْمُؤْمِنِينَ» ، أي الذين يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ وهو إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله: ( ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ ، إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله: ﴿وَهُم) بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ إشارة إلى علم المعاد، فكأنه تعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولاً، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً، وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً بينهما. الثاثني: أن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة منهم من هو جازم بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكاً فيه، إلا أنه يأتي بهذه الطاعة احتياطاً، فيقول: إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئاً فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في بالقرآن، (وما من كان جازماً بالآخرة كان مهدياً به) . فلهذا ذكر هذا القيد.

стр. 9162

قوله: ﴿إِنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾ الآية. لما بيّن ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما للكفار من سوء العذاب، فقال: ﴿إِنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ القبيحة، حتى رأوها حسنة، «فهم يعمهون» يترددون فيها متحيرين. فإن قيل: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان في قوله ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤ ٨] ؟ . فالجواب: أما أهل السنة فأجروا الآية على ظاهرها، لأن الإنسان لا يفعل شيئاً ألبتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد، أو الظن بكون الفعل مشتملاً على منفعة، وهذا الداعي لا بد وأن يكون من فعل الله تعالى لوجهين: الأول: أنه لو كان لافتقر فيه إلى داع آخر، ولزم التسلسل، وهو محال. الثاني: أن العلم إما أن يكون ضرورياً، أو كسبياً، فإن كان ضرورياً فلا بد من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسباً، لأن المكتسب إن كان شاعراً به، فهو متصور له، وتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن متصوراً، كان غافلاً عنه، والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالباً له. فإن قيل: هو مشعور به من وجه، قلنا: فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به، فيعود التقسم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين. وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب ألبتة، والعلم الضروري هو الذي يكون مكتسباً، فإن كل واحد من تصوُّريه كاف في حصول التصديق، فالتصورات غير مكتسبة فهي مستلزمة التصديقات، فإذن متى حصلت التصورات البديهية، كان التصديق بها بديهياً فهي مستلزمة التصديقات، فإذن متى حصلت التصورات البديهية، كان التصديق بها بديهياً وليس كسبياً. ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة التصديقات النظرية، كانت كسبية، لأن لازم الضروري ضروري، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها علوماً نظرية كذلك، بل هي اعتقادات تقليدية، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا

стр. 9163

اعتقاد تحسيني بفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب، فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية، وثبت أن مبادىء الأفعال هي العلوم، وأفعال العباد بأسرها ضرورية فالإنسان مضطر في صورة مختار، فثبت أن الله تعالى هو الذي (زين لكل عامل عمله، والمراد من التزيين هو الذي) المضار والآفات، فثبت بهذه الدلائل العقلية القاطعة وجوب إجراء هذه الآية على ظاهرها. وأما المعتزلة فتأولوها بوجوه: أحدها: أن المراد بينا لهم أمر الدين، وما يلزمهم أن يتمسكوا به، وزيناه بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب، لأن التزيين من الله للعمل ليس إلا وصفه بأنه حسن واجب وحميد العاقبة، وهو المراد من قوله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] . وقوله: «فَهُمْ يَعْمَهُونَ» يدل على ذلك، إذ المراد: فهم يعدلون ويتخيرون عما زينا من أعمالهم. وثانيها: أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق، جعلوا إنعام الله عليها بذلك ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وعدم الانقياد لما يلزمهم من التكاليف، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم، ولذلك أشارت الملائكة عيلهم السلام بقولهم: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ [الفرقان: ١٨] ﴿وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ﴾ [الفرقان: ١٨] ﴿الذكر﴾ [الفرقان: ١٨] . وثالثها: أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه. والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ صيغة عموم، فوجب أن يكون الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسناً أو قبيحاً. وعن الثاني: أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه الأمور في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أثر، وليس لها أُر، وليس لها أثر فيه، فإن كان الأول فقد دللنا على أن التحصيل متى حصل فلا بد أن ينتهي إلى حد الوجودب والاستلزام وحينئذ يحصل الغرض - وإن لم يكن له فيه أُر - صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب، بالنسبة إلى أعمالهم، وذلك يمنع من إسناد فعلهم

стр. 9164

إليها، وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه. قوله: ﴿أولئك الذين لَهُمْ سواء العذاب﴾ أي: القتل والأسير يوم بدر، وقيل: المراد مطلق العذاب، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة، وسوء العذاب: شدته. قوله: «الأَخْسَرُونَ» في (أَفَعَلَ) قولان: أظهرهما: أنها على بابها من التفضيل، وذلك بالنسبة إلى الكفار، من حيث اختلاف الزمان والمكان، يعني: أنهم أكثر خسراناً في الآخرة منهم في الدنيا، أي أن خسرانهم في الآخرة أكثر من خسرانهم في الدنيا. وقال جماعة - منهم الكرماني - هي هنا للمبالغة لا للشَّركة، لأن المؤمن لا يخسران له في الآخرة ألبتة، وقد تقدم جواب ذلك، وهو أن الخسران راجع إلى شيء واحد، باعتبار اختلاف زمانه ومكانه. وقال ابن عطية: «الأَخْسَرُونَ» جمع ( «أَخْسَرَ» ، لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف، فتقوى رتبته في الأسماء، وفي هذا نظر. قال أبوحيان: ولا نظر في أنه يجمع جمع سلامة أو جمع تكسير إذا كان ب (ال) ، بل لا يجوز فيه إلا ذلك إذا كان قبله ما يطابقه في الجمعية، فيقول: الزيدون هم الأفضلون والأفاضل، والهندات هنّ الفضليات والفضل، وأما قوله: لا يجمع إلا أن يضاف) فلا يتعين إذ ذاك جمعه، بل إذا أضيف إلى نكرة فلا يجوز جمعه، وإن أضيف إلى معرفة جاز فيه الجمع والإفراد.

стр. 9165

قوله: «وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى» : (لقي) مخفَّفاً يتعدى لواحد، وبالتضعيف يتعدى لاثنين، فأقيم أولهما هنا مقام الفاعل، والثاني «القرآن» ، وقول من قال: إنَّ أصله (تُلَقَّن) بالنون تفسير معنى، فلا يتعلّق به متعلق بأن النون أبدلت حرف عِلَّة.

стр. 9166

فصل المعنى لتؤتاه وتلقنه من عند أي حكيم وأي عليم، وهذا معنى مجيئهما منكرتين، وهذه الآية تمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من القصص كأنه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى، فإن قيل: الحكمة إما أن تكون نفس العلم، وإما أن يكون العلم داخلاً فيها، فبعد ذكر الحكمة لم ذكر العلم؟ فالجواب: أن الحكمة هي العلم بالأمور العملية فقط، والعلم أعم منه؛ لأن العلم قد يكون عملياً وقد يكون نظرياً، والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية، فذكر الحكمة على العموم ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال العلم، وكمال العلم من جهات ثلاثة: وحدتها، وعمون تعلقها بكل المعلومات، وبقاؤها مصونة عن كل التغيرات وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه (سبحانه) . قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ ... ﴾ الآيات، يجوز أن يكون «إذْ» منصوباً بإضمار اذكر، أو (يعلم) مقدر مدلولا عليه ب «عليم» ، (أو ب «عليم» ) وفيه ضعف لتقيد الصفة بهذا الظرف. فصل ﴿إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ﴾ في مسيره من مدين إلى مصر، قيل: إنه لم يكن مع موسى ﵇ غير امرأته ابنة شعيب ﵇، وقد كنى الله عنها بالأهل، فتبع لك ورود الخطاب بلفظ الجمع، وهو قوله: ﴿امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه: ١٠] : أبصرت ناراً، وذلك أنهما كانا يسيران ليلاً وقد اشتبه الطريق عليهما، والوقت وقت برد، وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار لما يرجى فيها من

стр. 9167

زوال الحيرة في أمر الطريق، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء، فلذلك بشرها فقال: ﴿إني آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ والخبر: ما يخبر به عن حال الطريق؛ لأنه كان قد ضله. ثم في كلام حذف، وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها، وقال: سآتيكم منها بخبر يعرف به الطريق. قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ قرأ الكوفيون بتنوين «شِهَاب» ، على أن «قَبَس» بدل من «شِهَابٍ» أو صفة له، لأنه بمعنى مقبوس، كالقبض والنفض، والباقون بالإضافة على البيان، لأنَّ الشِّهاب يكون قبساً وغيره. والشِّهَابُ: الشُّعلة، والقَبَسُ: القطعة منها يكون في عودٍ وغير عود. و «أو» : على بابها من التنويع، والطاء في «تَصْطَلُونَ» : يدل من تاء الافتعال، لأنه من صَلِيَ بالنار. فإن قيل: قال هاهنا: ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ، وفي موضع آخر، ﴿لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ﴾ [القصص: ٢٩] وهما كالمتدافعين، لأن أحدهما تَرَجٍّ والآخر تيقن. فالجواب: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا،

стр. 9168

مع تجويزه الخيبة. فإن قيل: كيف جاء بسين التسويف؟ فالجواب: عدة لأهله أنه يأتيهم به، وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة، وأدخل «أو» بين الأمرين المقصودين، يعني الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين، ظفر بأحدهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة منه بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده. «لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ» تستدفئون من البرد. قوله: «نُودِي» في القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير موسى، وهو الظاهر، وفي «أن» حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنها المفسرة، لتقدم ماهو بمعنى القول. والثاني: أنها الناصبة للمضارع، ولكن وصلت هنا بالماضي، وتقدم تحقيق ذلك، وذلك على إسقاط الخافض، أي: نودي موسى بأن بورك. الثالث: إنها المخففة، واسمها ضمير الشأن، و «بورك» خبرها، ولم يحتج هنا إلى فاصل، لأنه دعاء، وقد تقدم نحوه في النور، في قوله: ﴿أَنَّ غَضَبَ﴾ [النور: ٩]- في قراءته فعلاً ماضياً - قال الزمخشري: فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، اولتقدير: بأنه بورك، والشمير ضمير الشأن والقصة؟ قلت: لا؛ لأنَّه لا بدَّ من (قَدْ) ، فإن قلت: فعلى إضمارها؟ قلت: لا يصحّن لأنها علامة، والعلامة لا تحذف انتهى. فمنع أن تكون مخففة لما ذكر، وهذا بناء منه على أنَّ «بُورِكَ» خبر لا دعاء، أما إذا قلنا إنه دعاءكما تقدم في النور فلا حاجة إلى (الفاصل كما تقدم، وقد تقدم فيه استشكال، وهو الطلب أن لا يقع خبراً في هذا الباب، فكيف وقع هذا خبراً ل (أن) المخففة، وهو دعاء. الثاني من الأوجة الأول: انَّ القائم مقام) الفاعل نفس «أَنْ بُورِكَ» على حذف حرف الجرّ، أي: بأن بورك، ف (أَنْ) حينئذ إمّا ناصبة في الأصل، وإمّا مخففة.

стр. 9169

الثالث: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل، أي: نودي النِّداء، ثم فسِّر بما بعده ومثله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] . قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ مَنْ قَائمٌ مقام الفاعل ل «بُورِكَ» ، وبَارَكَ يتعدى بنفسه، ولذلك بُنِيَ للمفعول، يقال: بَارَكك اللَّهُ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وبَارَكَ فِيكَ، وَبَارَكَ لَكَ، وقال الشاعر: ٣٩٣٠ - فَبُورِكْتَ مَولُوداً وبُورِكْتَ نَاشِئاً ... وبُورِكْتَ عِنْدَ الشَّيبِ إذْ أَنْتَ أَشْيَبُ وقال عبد الله بن الزبير: ٣٩٣١ - فبُرك في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ ... إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِدَاءُ وقال آخر: ٣٩٣٢ - فَبُورِكَ في المَيتِ الغَرِيبِ كَمَا ... بُورِكَ نبع الرُّمَّانِ والزَّيْتُون فصل والمراد ب «مَنْ» إما الباري تعالى، وهو على حذف مضاف، أي من قدرته وسلطانه في النار، وقيل المراد به موسى والملائكة، وكذلك ب «مَنْ حَوْلَهَا» ، وقيل المراد ب «مَنْ» غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها، فالأول من مروي عن ابن عباس، وروى مجاهد عنه أنه قال: معناه بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضاً، قال: سمعت أبيّاً يقرأ: ﴿أَنْ بُورِكَتِ النَّارُ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ و «مَنْ» : قد تأتي بمعنى (

стр. 9170

ما) كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] ، و (مَا) قد تكون صلة في الكلام، كقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾ [ص: ١١] ، ومعناه: بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وفيمَنْ حَوْلَهَا وهم الملائكة وموسى ﵈، وقال الزمخشري: ﴿بُورِكَ مَن فِي النار﴾ : بورك من في مكان النار ومن حولها: مكانها، ومكانها: هي البقعة التي حصلت فيها، وهي البقة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة﴾ [القصص: ٣٠] وتدل عليه قراءة أبيّ. قوله: «وَسُبْحَانَ اللَّهِ» فيه أوجه: أحدها: أنه من تتمّة النداء: أي: نودي بالبركة وتنزيه ربِّ العزَّة، أي: نودي بمجموع الأمرين. الثاني: أنه من كلام الله تعالى مخاطباً لنبينا محمد ﷺ َ -، وهو على هذا اعتراض بين أثناء القصة. الثالث: أنّ معناه وبُورِكَ من سَبَّحَ اللَّهَ، يعني أنه حذف (مَنْ) وصلتها، وأبقى معمول الصلة، إذ التقدير: بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا، ومن قال: سُبْحَانَ اللَّهِ و «سُبْحَانَ» في الحقيقة ليس معمولاً لقال، بل لفعل من لفظه، وذلك الفعل هو المنصوب بالقول. فصل روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: ﴿بُورِكَ مَن فِي النار﴾ يعني: قُدِّس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه على معنى: أنه نادى موسى منها، وأسمعه كلامه من جهتها، كما روي أنه مكتوب في التوراة: «جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فران» ، فمجيئه من سيناء بعثته موسى منها، ومن ساعير

стр. 9171

بعثته المسيح، ومن جبال فاران بعثته المصطفى منها، وفاران: مكة. وهل كان ذلك نوره ؟ قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعال، كما جاء في الحديث: «حجابُهُ النَّارُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خلقه» والسبب الذي لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها: حدوث هذا الأمر العظيم فيها، وهو تكليم موسى وجعله رسولاً، وإظهار المعجزات عليه، ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٧] وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء ﵈ ومهبط الوحي، وكفاتهم أحياء وأمواتاً. ولما نزه نفسه، - وهو المنزه من كل سوء وعيب - تعرف إلى موسى بصفاته في قوله: ﴿ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم﴾ . في اسم «إنَّ» وجهان: أظهرهما أنَّه ضمير الشأن ( «وَأَنَّا اللَّهُ» مبتدأ) وخبره، و «العزيز الحَكِيمُ» صفتان لله. والثاني: أنه ضمير راجع إلى دلَّ عليه ما قبله، يعني: إن مكلِّمك أنا، و «الله» بيان ل «أَنَا» ، و «العَزِيزُ الحَكِيمُ» : صفتان للبيان قاله الزمخشري. قال أبو حيان، وإذا حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فلا يجوز أن يعود الضمير على ذلك المحذوف: إذ قد غيِّر الفعل عن بنائه له وعزم على أن لا يكون محدِّثاً عنه، فعود الضمير إليه ممَّا ينافي ذلك؛ إذ يصير معتنًى به. قال شهاب الدين: وفيه نظر، لأنه قد يلتفت إليه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، ثم قال: «وَأَدَاءٌ إلَيْهِ» ، قيل: إلا الذي عفي له وهو وليُّ الدم ما تقدم تحريره ولئن سلِّم ذلك، فالزمخشري لم يقل إنه عائد على ذلك الفاعل، إنما قالك راجع إلى ما دل عليه ما قبله يعني من (السِّياق) .

стр. 9172

وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ضمير ربِّ: أي: إن الرب أنا الله، فيكون «أنَا» فصلاً أو توكيداً أو خبر إن، والله بدل منه. وقيل: الهاء في قوله «إنَّهُ» عماد، وليست كناية، فإن قيل: هذا النداء قد يجوز أن يكون من عند غير الله، فكيف علم موسى أنه من الله؟ فالجواب: لأهل السنة فيه طريقان: الأول: أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة كلام المخلوقين، فعلم بالضرورة أنه صفة الله. الثاني: قول أئمة ما وراء النهر، وهو أنه ﵇ سمع الصوت من الشجرة، فنقول: إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور: أحدها: أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة، علم أنه من قبل الله تعالى: لأن أحداً منا لا يقدر عليه، وهذا ضعيف، لاحتمال أن الشيطان دخل في النار والشجرة، ثم نادى. والثاني: يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف، لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين، فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم. وثالثها: أنه قد يقترن به معجز دل على ذلك، وقيل: إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق، فصار ذلك لكالمعجزة وهذا أيضاً في غاية الضعف والبعد، لأنه كيف تنادي النار أو الشجرة، وتقول: يا موسى إني أنا ربك، أو إني أنا الله رب العالمين!!

стр. 9173

قوله: ﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على ما قبله من الجملة الاسمية الخبرية، وقد تقدم أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز: جاء زيدٌ ومن أبوك، وتقدمت أدلته أول البقرة. وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: «وَأَلْقِ عَصَاكَ» ؟ قلت: على قوله: «

стр. 9174

بُورِكَ» لأن معنى: نودي أن بورك، وقيل له: ألق عصاك، والدليل على ذلك قوله: ﴿وأن ألق عصاك﴾ ، بعد قوله: أن يا موسى إني أنا الله على تكرير حرف التفسير، كما يقول: كتبت إليه أن حجَّ واعتمر، وإن شئت، أن حجَّ وأن اعتمر. قال أبو حيان: وقوله إنه معطوف على «بُورِكَ» مُنَافٍ لتقديره، وقيل له: ألق عصاك، لأن هذه جملة معطوفة على «بُورِكَ» وليس جزؤها الذي هو معمول، وقيل: معطوفاً على «بُرِكَ» ، وإنما احتاج إلى تقدير: وقيل له: ألق، ليكون جملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها، كأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة. والصحيح أنه لا يشترط ذلك، ثم ذكر مذهب سيبويه. ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ ، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، سميت جانّاً، لأنها تستر عن الناس. وقرأ الحسن، والزهري، وعمرو بن عبيد «جَأنٌّ» بهمزة مكان الألف، وقد تقدم تقرير هذا عند ﴿وَلَا الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبَّة ودأبَّة. «وَلَّي مُدْبِراً» هرب من الخوف، و «وَلَمْ يُعَقِّبْ» : لم يرجع، يقال: عقب فلان: إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله: ﴿ياموسى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾ ، يريد: إذا أمَّنتهم لا يخافون، وقيل: المراد إذا أرمتهم بإظهار معجز أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة، لأن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا يفارقهم، قال النبي ﷺ َ -: «أنا أخاشكم لله» قوله: «تَهْتَزُّ» جملة حالية من (هاء) «رآها» ، لأن الرؤية بصريَّة، وقوله: «

стр. 9175

كَأنَّهَا جَانٌّ» : يجوز أن تكون حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من ضمير «تَهْتَزُّ» ، فيكون حالاً متداخلة، وقوله: «وَلَمْ يُعَقّبْ» يجوز أن يكون عطفاً على «وَلَّى» ، وأن يكون حالاً أخرى، والمعنى: ولم يرجع على عقبه، كقوله: ٣٩٣٣ - فَمَا عَقَّبُوا إذْ قِيلَ هَلْ مِنْ مُعَقِّب ... وَلَا نَزلُوا يَومَ الكَرِيهَةِ مَنْزِلا قوله: ﴿إَلَاّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه استثناء منقطع، لأنَّ المرسلين معصومون من المعاصي، وهذا هو الظاهر الصحيح، والمعنى: لكن من ظلم من سائر الناس، فإنه يخاف فإنه تاب وبدل حسناً بعد سوء فإنِّي غفورٌ رحيمٌ. والثاني: أنَّه متصلٌ، وللمفسرين فيه عبارات، قال الحسن: إنَّ موسى ظلم بقتل القبطي، ثم تاب فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ [القصص: ٢٢] . وقال ابن جريح: قال الله لموسى: أخفتك لقتلك النفس، وقال: معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلاّ بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب. وقيل: محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل. وقال بعض النحويين: «إلا» هاهنا بمعنى ولا، يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: ١٥٠] . يعني ولا الذين ظلموا. وعن الفراء أنه متصل، لكن من جملة محذوفة تقديره: وإنما يخاف غيرهم إلَاّ من ظلم.
следующие страницы →