← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

بعثته المسيح، ومن جبال فاران بعثته المصطفى منها، وفاران: مكة. وهل كان ذلك نوره ؟ قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعال، كما جاء في الحديث: «حجابُهُ النَّارُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خلقه» والسبب الذي لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها: حدوث هذا الأمر العظيم فيها، وهو تكليم موسى وجعله رسولاً، وإظهار المعجزات عليه، ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٧] وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء ﵈ ومهبط الوحي، وكفاتهم أحياء وأمواتاً. ولما نزه نفسه، - وهو المنزه من كل سوء وعيب - تعرف إلى موسى بصفاته في قوله: ﴿ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم﴾ . في اسم «إنَّ» وجهان: أظهرهما أنَّه ضمير الشأن ( «وَأَنَّا اللَّهُ» مبتدأ) وخبره، و «العزيز الحَكِيمُ» صفتان لله. والثاني: أنه ضمير راجع إلى دلَّ عليه ما قبله، يعني: إن مكلِّمك أنا، و «الله» بيان ل «أَنَا» ، و «العَزِيزُ الحَكِيمُ» : صفتان للبيان قاله الزمخشري. قال أبو حيان، وإذا حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فلا يجوز أن يعود الضمير على ذلك المحذوف: إذ قد غيِّر الفعل عن بنائه له وعزم على أن لا يكون محدِّثاً عنه، فعود الضمير إليه ممَّا ينافي ذلك؛ إذ يصير معتنًى به. قال شهاب الدين: وفيه نظر، لأنه قد يلتفت إليه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، ثم قال: «وَأَدَاءٌ إلَيْهِ» ، قيل: إلا الذي عفي له وهو وليُّ الدم ما تقدم تحريره ولئن سلِّم ذلك، فالزمخشري لم يقل إنه عائد على ذلك الفاعل، إنما قالك راجع إلى ما دل عليه ما قبله يعني من (السِّياق) .

стр. 9172

وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ضمير ربِّ: أي: إن الرب أنا الله، فيكون «أنَا» فصلاً أو توكيداً أو خبر إن، والله بدل منه. وقيل: الهاء في قوله «إنَّهُ» عماد، وليست كناية، فإن قيل: هذا النداء قد يجوز أن يكون من عند غير الله، فكيف علم موسى أنه من الله؟ فالجواب: لأهل السنة فيه طريقان: الأول: أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة كلام المخلوقين، فعلم بالضرورة أنه صفة الله. الثاني: قول أئمة ما وراء النهر، وهو أنه ﵇ سمع الصوت من الشجرة، فنقول: إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور: أحدها: أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة، علم أنه من قبل الله تعالى: لأن أحداً منا لا يقدر عليه، وهذا ضعيف، لاحتمال أن الشيطان دخل في النار والشجرة، ثم نادى. والثاني: يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف، لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين، فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم. وثالثها: أنه قد يقترن به معجز دل على ذلك، وقيل: إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق، فصار ذلك لكالمعجزة وهذا أيضاً في غاية الضعف والبعد، لأنه كيف تنادي النار أو الشجرة، وتقول: يا موسى إني أنا ربك، أو إني أنا الله رب العالمين!!

стр. 9173

قوله: ﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على ما قبله من الجملة الاسمية الخبرية، وقد تقدم أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز: جاء زيدٌ ومن أبوك، وتقدمت أدلته أول البقرة. وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: «وَأَلْقِ عَصَاكَ» ؟ قلت: على قوله: «

стр. 9174

بُورِكَ» لأن معنى: نودي أن بورك، وقيل له: ألق عصاك، والدليل على ذلك قوله: ﴿وأن ألق عصاك﴾ ، بعد قوله: أن يا موسى إني أنا الله على تكرير حرف التفسير، كما يقول: كتبت إليه أن حجَّ واعتمر، وإن شئت، أن حجَّ وأن اعتمر. قال أبو حيان: وقوله إنه معطوف على «بُورِكَ» مُنَافٍ لتقديره، وقيل له: ألق عصاك، لأن هذه جملة معطوفة على «بُورِكَ» وليس جزؤها الذي هو معمول، وقيل: معطوفاً على «بُرِكَ» ، وإنما احتاج إلى تقدير: وقيل له: ألق، ليكون جملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها، كأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة. والصحيح أنه لا يشترط ذلك، ثم ذكر مذهب سيبويه. ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ ، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، سميت جانّاً، لأنها تستر عن الناس. وقرأ الحسن، والزهري، وعمرو بن عبيد «جَأنٌّ» بهمزة مكان الألف، وقد تقدم تقرير هذا عند ﴿وَلَا الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبَّة ودأبَّة. «وَلَّي مُدْبِراً» هرب من الخوف، و «وَلَمْ يُعَقِّبْ» : لم يرجع، يقال: عقب فلان: إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله: ﴿ياموسى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾ ، يريد: إذا أمَّنتهم لا يخافون، وقيل: المراد إذا أرمتهم بإظهار معجز أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة، لأن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا يفارقهم، قال النبي ﷺ َ -: «أنا أخاشكم لله» قوله: «تَهْتَزُّ» جملة حالية من (هاء) «رآها» ، لأن الرؤية بصريَّة، وقوله: «

стр. 9175

كَأنَّهَا جَانٌّ» : يجوز أن تكون حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من ضمير «تَهْتَزُّ» ، فيكون حالاً متداخلة، وقوله: «وَلَمْ يُعَقّبْ» يجوز أن يكون عطفاً على «وَلَّى» ، وأن يكون حالاً أخرى، والمعنى: ولم يرجع على عقبه، كقوله: ٣٩٣٣ - فَمَا عَقَّبُوا إذْ قِيلَ هَلْ مِنْ مُعَقِّب ... وَلَا نَزلُوا يَومَ الكَرِيهَةِ مَنْزِلا قوله: ﴿إَلَاّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه استثناء منقطع، لأنَّ المرسلين معصومون من المعاصي، وهذا هو الظاهر الصحيح، والمعنى: لكن من ظلم من سائر الناس، فإنه يخاف فإنه تاب وبدل حسناً بعد سوء فإنِّي غفورٌ رحيمٌ. والثاني: أنَّه متصلٌ، وللمفسرين فيه عبارات، قال الحسن: إنَّ موسى ظلم بقتل القبطي، ثم تاب فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ [القصص: ٢٢] . وقال ابن جريح: قال الله لموسى: أخفتك لقتلك النفس، وقال: معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلاّ بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب. وقيل: محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل. وقال بعض النحويين: «إلا» هاهنا بمعنى ولا، يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: ١٥٠] . يعني ولا الذين ظلموا. وعن الفراء أنه متصل، لكن من جملة محذوفة تقديره: وإنما يخاف غيرهم إلَاّ من ظلم.

стр. 9176

وردَّه النحاس: بأنه لو جاز هذا لجاز: لا أضربُ القوم إلَاّ زيداً أي: وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً، وهذا ضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه. وقدره الزمخشري ب «لكن» ، وهي علامة على أنه منقطع - وذكر كلاماً طويلاً - فعلى الانقطاع يكون منصوباً فقط على لغة الحجاز، وعلى لغة تميم يجوز فيه النصب والرفع على البدل من الفاعل قبله، وأما على الاتصال: فيجوز فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيار البدل، لأن الكلام غير موجب. وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم «أَلَا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام - جعلاها حرف تنبيه - و «مَنْ» شرطية، وجوابها: «فَإِنِّي غَفُورٌ» والعامة على تنوين «حُسْناً» ، ومحمد بن عيسى الأصبهاني غير منوّن، جعله فعلى مصدراً كرجعى، فمنعها الصَّرف لألف التأنيث، وابن مقسم بضم الحاء والسين منوناً، ومجاهد وأبو حيوة ورويت عن أبي عمرو بفتحهما، وتقدم تحقيق القراءتين في البقرة. قوله: «تَخْرُجْ» الظاهر أنه جواب لقوله «أَدْخِلْ» أي: إن أدْخلْتها تَخْرُجُ على هذه الصفة، وقيل: في الكلام حذفٌ تقديره: وادْخِلْ يَدَكَ تَدْخُل، وأخرجها تخرج، فحذف من الثاني ما أثبته في الأول، ومن الأول ما أثبته في الثاني، وهذا تقدير ما لا حاجة إليه. قوله: «بَيْضَاء» حال من فاعل «تَخْرُجْ» ، و «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» يجوز أن يكون حالاً أخرى أو من الضمير في «بَيْضَاءَ» ، أو صفة ل «بَيْضَاءَ» والمراد بالجيب: جيب القميص، قال المفسرون كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا إزار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق. قوله: «في تِسْعِ» فيه أوجه: أحدها: أنه حال ثالثة، قاله أبو البقاء يني من فاعل «تخرج» ، أي آية في تسع آيات، كذا قدره.

стр. 9177

الثاني: أنه متعلق بمحذوف، أي: اذهب في تسع آياتٍ، وقد تقدم اختيار الزمخشري كذلك عند ذكر البسملة، ونظره بقوله الآخر: ٣٩٣٤ - فَقُلْتُ إلَى الطَّعَامِ فَقَالَ مِنْهُمْ ... وقولهم: بالرَّفاء والبنين وجعل هذا التقدير أقرب وأحسن. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: وألْقِ عَصَاكَ وَأَدْخِلْ يَدَكَ في تِسْع آيَاتٍ، أي: في جملة تسع آياتٍ. ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة منها اثنتان اليد والعصا، والتِّسع الفَلْقُ، والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضَّفادع، والدَّم، والطَّمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان من مزارعهم انتهى. وعلى هذا تكون (في) بمعنى (مَعَ) أي: هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن إلى فرعون وقومه، لأن اليد والعصا حينئذ خارجتان من التسع، وكذا قال ابن عطية، أعني أنه جعل «فِي تِسْعِ» متصلاً ب «أَلْقِ» و «أَدْخِلْ» ، إلا أنه جعل اليد والعصا من جملة التسع، وقال: تقديره: تُمَهِّدُ لك ذلك وتيسِّر في تسع، وجعل في الزجاج (في) بمعنى (من) ، قال كما تقول: خذ لي من الإبل عشراً فيها فحلان، أي منها فحلان. قوله: «إلَى فِرْعَونَ» هذا يتعلق بما تعلق به «فِي تِسْع» إذا لم نجعله حالاً، فإن جعلناه حالاً علقناه بمحذوف، فقدّره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون. وفيه نظر، لأنه كونٌ مقيَّدٌ، وسبقه إلى هذا التقدير الزجاج، وكأنهما أرادا تفسير المعنى دون الإعراب.

стр. 9178

وجوَّز أبو البقاء أيضاً أن تكن صفة ل «آيَاتٍ» ، وقدَّره: واصلةً إلى فرعون، وفيه ما تقدم. قوله: «مُبْصِرَةً» حال، ونسب الإبصار إليها مجازاً، لأن بها يبصر، وقيل: بل هي من أبصر المنقولة بالهمزة من بصر، أي: أنها تبصر غيرها لما فيها من الظهور، ولكنه مجاز آخر غير الأول، وقيل: هو بمعنى مفعول، نحو «مَاءٌ دَافِقٌ» أي: مدفوق. وقرأ عليّ بن الحسين وقتادة بفتح الميم والصاد، أي: على وزن أرض مسبعةٌ، ذات سباعٍ، ونصبها على الحال أيضاً، وجعلها أبو البقاء في هذه القراءة مفعولاً من أجله، وقد تقدم ذلك. ومعنى «مُبْصِرَةً» : بينة واضحة. ﴿قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ظاهر. قوله: «وَجَحَدُوا بِهَا» أي: أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند الله. قوله: «وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ» يجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على الجملة قبلها، ويجوز أن تكون حالاً من فاعل «جَحدُوا» ، وهو أبلغ في الذم، واستفعل هنا بمعنى «تَفَعَّلَ» ، نحو: استعظم واستكبر، والمعنى: أنهم علموا أنها من عند الله، وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان. قوله: «ظُلْماً وَعُلُواً» يجوز أن يكونا في موضع الحال، أي: ظالمين عالين، وأن يكونا مفعولاً من أجلهما، أي: الحامل على ذلك الظلم والعلو. وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة: «وَعِليّاً» بكسر العين واللام وقلب الواو

стр. 9179

ياء، وتقدم تحقيقه في «عِتِيّاً» في مريم، وروي عن الأعمش وابن وثاب ضم العين كما في «عِتيّاً» . وقرىء: «وَغُلُوّاً» بالغين المعجمة، وهو قريب من هذا المعنى، وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً؟ والعلو: الترفع عن الإيمان، والشرك وعدم الإيمان بما جاء به موسى، كقوله: ﴿فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] . ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾ . قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ «كَيْفَ» خر مقدم، و «عَاقِبَةُ» اسمها، والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض لأنها معلقة ل «انْظُرْ» بمعنى تَفَكَّرْ.

стр. 9180

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾ الآية. . والمراد بالعلم أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسبيح الجبال، والمعنى: طائفة من العلم، او علماً سنياً عزيزاً. قوله: «وَقَالَا» ، قال الزمخشري: فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟ قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعار بأنَّ ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيءٌ من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، قال: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفاه حقَّ معرفته، وقالا الحمد لله، انتهى.

стр. 9181

وإنَّما نكر «عِلْما» تعظيماً له، أي علماً سنياً، أو دلالة على التبعيض، لأنه قليل جداً بالنسبة إلى علمه تعالى. فصل المعنى: ﴿وَقَالَا الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا﴾ بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين، والجن والإنس ﴿على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين﴾ ، ولم يفضلوا أنفسهم على الكل، وذلك يدل على حسن التواضع. قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ، قال الحسن: المال لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث، وقال غيره: بل النبوة والعلم والملك دون سائر أولاده، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال لا يورث من الأنبياء، لقوله ﵇: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَث مَا تَرَكْنَاهُ صدقة» ، وأيضاً فإن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرثه الولد إذا كان مؤمناً، ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، ولا كذلك النبوة، لأن الموتا لا يكون سبباً لنبوة الولد، وكان لداود تسعة عشر ابناً، واعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين، قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليطان، وكان سليمان شاكراً لنعم الله. ﴿وَقَالَ يا أيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير﴾ ، يعني صوته، سمي صوت الطير منطقاً، لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس، روي عن كعب قال: صاح ورشان عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: إنه يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا لا، قال

стр. 9182

فإنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح الطاووس فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: كما تدين تدان، قال: وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاحت طيطوى، فقال أتدرون ما تقول؟ قالوا لا، قال فإنه يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى (ملء سمائة وأ ﴿ضه، وصاح قمري، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى) ، قال: والغراب يدعو على العشَّار، والحدأة تقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببعاء: ويلٌ لِمَنِ الدُّنْيَا هَمُّهُ، والضفدع يقول: سبحان ربِّي القدُّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده. وعن مكحول قال: صاح دُرَّاج عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: ﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾ [طه: ٥] . قوله: ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ تؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين

стр. 9183

والريح ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين﴾ ، والمراد بقوله: ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ كثرة ما أوتي، لأن كثرة المشاركة سبب لجواز الاستعارة، فلا جرم يطلق لفظ الكلم على الكثرة، كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين﴾ ، أي: الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، روي أن سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة (سنة) وستة أشهر، ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة. فقوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين﴾ تقرير لقوله: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا﴾ والمقصود منه: الشكر والمحمدة، كما قال ﵇: «أَنَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» فإن قيل: كيف قال «عُلِّمنا» و «أُوتِينَا» ، وهو كلام المتكبر؟ فالجواب من وجهين، الأول: أن يريد نفسه وأباه. والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع، وكان ملكاً مطاعاً. قوله: «وَحُشرَ لسُلَيْمَانَ» : وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسير له، فقوله: «مِن الجَنّ» وما بعده بيان ل «جنوده» فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون هذا الجار حالاً، فيتعلق بمحذوف أيضاً. قوله: «فهم يُوزَعُون» أي: يمنعنون ويكفُّون، والوزع: الكف والحبس، يقال: وزعه يزعه فهو وازع وموزوع، وقال عثمان ﵁: «مَا يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ القُرْآنُ» ، وعنه: «لَا بُدَّ لِلقَاضِي مِنْ وَزَعَةٍ» وقال الشاعر: ٣٩٣٥ - وَمَنْ لَمْ يَزَعْهُ لُبُّهُ وحَيَاؤُهُ ... فَلَيْسَ لَهْ مِنْ شَيْبِ فَوْدَيْهِ وَازعُ

стр. 9184

وقوله: ﴿أوزعني أَنْ أَشْكُرَ﴾ بمعنى ألهمني من هذا، لأنَّ تحقيقه: اجعلني من حيث أزع نفسي عن الكفر فقوله: «فَهُمْ يُوزَعُونَ» معناه: يحبسون، وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع متسلط على من يرده ويكفيه. وقال قتادة: كان كل صنف من جنوده وزعة ترد أولها على آخرها لئلا يتقدمون في المسير، والوازع: الحابس والنقيب، وقال، وقال مقاتل يوزعون يساقون، وقال السدي: يوقفون، وقيل يجمعون. قوله: «حَتَّى إذَا» في المُغَيَّا ب «حتى» وجهان: أحدهما: هو «يُوزَعُونَ» ، لأنه مضمن معنى فهم يسيرون ممنوعاً بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا. والثاني: أنه محذوف، أي فساروا حتى وتقدم الكلام في حتى الداخلة على إذا، هل هي حرف ابتداء أو حرف جر. قوله: «عَلَى وَادِي» متعلق ب «أَتَوا» ، وإنما عدِّي ب «عَلَى» ، لأنَّ الواقع كذا، لأنهم كانوا محمولين على الريح، فهم مستعلون. وقي: هو من قولهم: أتيت عليه، أي استقصيته إلى آخره، والمعنى أنهم قطعوا الوادي كله وبلغوا آخره. ووقف القراء كلهم على «وَادِ» دون ياء اتباعاً للرسم، ولأنها محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين في الوصل، ولأنها قد حذفت حيث لم تحذف لالتقاء الساكنين (نحو ﴿جَابُواْ الصخر بالواد﴾ [الفجر: ٩] فحذفها وقفاً، وقد عهد حذفها دون التقاء الساكنين) ، فحذفها عند التقاء الساكنين أولى، إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل، وقد زال، فعادت اللام، واعتذر عن مخالفة الرسم بقوة الأصل. والنَّملُ: اسم جنس معروف واحده نملةٌ، ويقال: نُمْلَةٌ ونُمْلٌ بضم النون وسكون الميم، ونُمُلَة ونُمُل بضمّهما، ونَمْلَة بالفتح، والضم بوزن سمرة، ونَمُل بوزن رجل، واشتقاقه من: التَّنمُّل، لكثرة حركته، ومنه قيل للواشي: المُنَمِّل، يقال: أنْمَلَ بين القوم مُنْمِل، أي: وشَى وَنَمَّ، لكثرة تردده، وحركته في ذلك، قال:

стр. 9185

٣٩٣٦ - وَلَسْتُ بِذِي فِيهِمُ ... وَلَا مُنْمِشٍ منهم مُنْمِلِ ويقال أيضاً: نَمِل يَنْمِلُ، فهو نَمِلٌ ونَمَّالٌ، وتَنَمَّلَ القومُ: تفرقوا للجميع تفرُّق النمل، وفي المثل: «أجْمَعُ مِنْ نَمْلَةٍ» والنَّمْلةُ أيضاً: قرحةٌ تخرج في الجنب، تشبيهاً بها في الهيئة، والنملة أيضاً شقٌّ في الحافر، ومنه: فرسٌ منمول القوائم، والأنْمُلة: طرف الإصبع من ذلك؛ لدقتها وسرعة حركتها، والجمع: أنامل. فصل قال كعب: كان سليمان إذا سار بعسكره حملته الريح تهوي بهم فسار من اصطخر إلى اليمن، فمرّ على مدينة الرسول ﷺ َ -، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي الله في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه، ورأى حول البيت أصناماً تعبد من دون الله، فلما جاوز سليمان البيت بكى فأوحى الله إلى البيت: ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مروا عليّ فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله إليه، لا تبك، فإني سوف أملأك وجوهاً سجداً، وأنزل فيك قرآناً جديداً، وأبعث منك في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ وأجعل فيك عماراً من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي فريضة يزفون إيلك زفيف النسور إلى أوكارها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان، ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا قال كعب إنه واد بالطائف، وقال مقاتل: إنه وادٍ بالشام كثير النمل، وقيل وادٍ كان يسكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم. قوله: «قَالَتْ نَمْلَةٌ» هذه النملة هنا مؤنثة حقيقة، بدليل لحاق علامة التأنيث فعلها، لأن نملة تطلق على الذكر وعلى الأنثى، فإذا أريد تمييز ذلك قيل: نملة ذكر، ونملة أنثى، نحو: حَمامَة ويَمَامة. وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة ﵀ أنه وقف على قتادة وهو يقول: سلوني، فأمر من سأله عن نملة سليمان: هل كانت ذكراً أو

стр. 9186

أنثى، فلم يجب، فقيل لأبي حنيفة في ذلك، فقال: كانت أنثى، واستدل بلحق العلامة. قال الزمخشري: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على المذكر والمؤنث، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وهو وهي، انتهى. وقد ردَّ هذا أبو حيان، فقال: ولحاق التاء في «قالت» لا يدلّ على أن الملة مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر: قالت نملة؛ لأن نملة وإن كانت بالتاء هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث، وما كان كذلك كاليمامة والقملة ممابينه في الجمع وبين واحدة تاء التأنيث من الحيوان، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث، (ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث) على أنه ذكر أو أنثى، لأن التاء دخلت فيه للفرق لا للدلالة على التأنيث الحقيقي، بل دالة على اواحد من هذا الجنس، قال: وكان قتادة بصيراً بالعربية، وكونه أفحم يدل على معرفته باللسان إذ علم أن النملة يخبر عناه إخبار المؤنث وإن كانت تنطلق على الأنثى والذكر إذ لا يتميز فيه أحد هذين، ولحاق العلامة لا يدل، فلا يعلم التذكير والتأنيث إلا بوحي من الله، قال: وإنما استنباط تأنيثه من كتاب الله ب «قالت» ، ولو كان ذكراً لقيل: «قال» فكلام النحاة على خلافه، وأنه لا يخبر عنه إلا إخبارا المؤنث، سواء كان ذكراً أم أنثى. قال: وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة، فبينهما قدر مشترك يتميز فيهما المذكر من المؤنث فيمكن أن تقول: حمامة ذكر، وحمامة أنثى فتميزه بالصفة، وأما تميزه ب «هو» و «هي» فإنه لا يجوز، لا تقول هو الحمامة، ولا هو الشاة، وأما النملة والقملة فلا يتميز فيه المذكر من المؤنث، ولا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث وحكمه حكم المؤنث بالتاء من الحيوان نحو: المرأة، أو غير العاقل كالدابة، إلا إن وقع فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه من ذلك، فيجوز أن تلحق العلامة وأن لا تلحقها، على ما تقرر في علم العربية. انتهى.

стр. 9187

قال شهاب الدين: اما ما ذكره ففيه نظر، من حيث إن التأنيث إما لفظي أو معنوي، واللفظي لا يتبر (في لحاق العلامة) البتة، بدليل أنه لا يجوز (قامت رَبْعَةٌ وأنت تعني رجلاً، وكذلك) لا يجوز: قامت طلحة، ولا حمزة - على مذكر - فتعين أن يكون اللحاق إنما هو للتأنيث المعنوي، وإنما يعتبر لفظ التأنيث والتذكير في بابا العدد على معنى خاص أيضً، وهو أنا ننظر إلى ما عاملت العرب ذلك اللفظ به من تذكير أو تأنيث من غير نظر إلى مدلوله، فهناك له هذا الاعتبار، وتحقيقه هنا يخرجنا عن المقصود وإنما نبهتك على القدر المحتاج إليه. وأما قوله: وأما النملة والقملة فلا يتميَّز، يعني لا يتوصَّلُ لمعرفة الذكر منهما ولا الأنثى بخلاف الحمامة والشاة، فإن الاطلاع على ذلك ممكن، فهو أيضاً ممنوع إذ قد يمكن الاطلاع على (ذلك، وأن الاطلاع على ذكورية الحمامة والشاة أسهل من الاطلاع على) ذكورية النملة والقملة، ومنعه أيضاً أن يقال هو الشاة وهو الحمامة ممنوع. وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان: «النّمُلُ» و «نَمُلَة» بضم الميم وفتح النون بزنة رجل وسمرة، وسليمان التيمي بضمتين فيهما، وتقدم ان ذلك لغات في الواحد والجمع. قوله «لَا يَحْطِمَنَّكُم» ، فيه وجهان: أحدهما: أنه نهي. والثاني: أنه جواب للأمر. وإذا كان نهياً ففيه وجهان: أحدهما: أنه نهي مستأنف لا تعلق له بما قبله من حيث الإعراب، وإنما هو نهي للجنود في اللفظ، وفي المعنى للنمل، أي لا تكونوا بحيث يحطمونكم، كقولهم: لا أَرَينَّك ههُنَا.

стр. 9188

والثاني: أنه بدل من جملة الأمر قبله، وهو «ادْخُلُوا» ، وقد تعرض الزمخشري لذلك، فقال: فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والذي جوَّز أن يكون بدلاً منه أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم، على طريقة: لَا أَرَيَنَّكَ ههُنَا، أرادت: لا يحطمنكم جنود شسليمان، فجاءت بما هو أبلغ، ونحوه: ٣٩٣٧ - عَجِبْتُ مِن نَفْسِي وَمِنْ إشْفَاقِهَا ... قال أبو حيان: اما تخريجه على أنه جواب الأمر، فلا يكون ذلك إلا على قراءة الأعمش، فإنه مجزوم مع أنه يحتمل أن يكون استئناف نهي يعني أن الأعمش قرأ: «لَا يَحْطَمْكُمْ» بجزم الميم دون نون توكيد، قال: وأما مع وجود نون التوكيد فلا يجوز ذلك إلا إن كان في شعر، وإذا لم يجز ذلك في جواب الشرط إلا في الشعر فأحرى أن لا جوز في جواب الأمر إلا في الشعر، وكونه جواب الأمر متنازع فيه على ما قرر في علم النحو. ومثال مجيء النون في جواب الشرط قوله الشاعر: ٣٩٣٨ - نَبَتُّمْ نَبَاتَ الخَيْزُرَانَةِ في الثَّرَى ... حَدِيثاً مَتَى مَا يَأْتِكَ الخَيْرُ يَنْفَعَا وقول الآخر: ٣٩٣٩ - فَمَهْمَا تَشَأْ مِنْهُ فَزَارَةُ تُعْطِكُمْ ... ومَهْمَا تَشَأْ مِنْهُ فَزَارَةُ تَمْنَعَا

стр. 9189

قال سيبويه: وهو قليل في الشعر شبهوهُ بالنهي حيث كان مجزوماً غير واجب، قال: وأما تخريجه على البدل فلا يجوز، لأن مدلول «لَا يَحْطِمَنَّكُمْ» مخالف لمدلول «ادخُلُوا» ، وأما قوله: لأنه بمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم، فتفسير معنى لا إعراب، والبدل من صفة الألفاظ، نعم لو كان اللفظ القرآني: لا تكونوا بحيث لا يحطمنكم، لتُخُيِّل فيه البدل، لأن الأمر بدخول المساكين نهي عن كونهم بظاهر الأرض. وأما قوله: إنه أراد لا يحطمنكم جنود سليمان إلى آخره، فيسوغ زيادة الأسماء، وهو لا يجوز، بل الظاهر إسناد الحطم إلى جنوده، وهو على حذف مضاف، أي: خيل سليمان وجنوده، إو نحو ذلك مما يصح تقديره، انتهى. أما منعه كونه جواب الأمر من أجل النون، فقد سبقه إليه أبو البقاء، فقال: وهو ضعيف، لأن جواب الشرط لا يؤكد بالنون في الاختيار. وأما منعه البدل بما ذكر فلا نسلم تغاير المدلول بالنسبة لما يؤول إليه المعنى. وأما قوله: فيسوغ زيادة الأسماء فهو لم يسوغ ذلك، وإنما فسر المعنى - وعلى تقدير ذلك - فقد قيل به شائعاً. وجاء الخطاب في قولها «ادخلوا» كخطاب العقلاء لما عوملوا معاملتهم. وقرأ أُبَيّ: ﴿ادْخُلْنَ مَساكِنَكُنَّ لَا يَحْطمنَّكُن﴾ - بالنون الخفيفة - جاء به على الأصل. وقرأ شهر به حوشب: «مَسْكَنَكم» بالإفراد وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء والنون مضارع حطمه بالتشديد. وقرأ الحسن أيضاً قراءتان: فتح الياء وتشديد الطاء مع سكون الحاء وكسرها والأصل: يَحطمَنَّكُمْ، فأدغم وإسكان الحاء مشكل تقدم نظيره في «لا يَهديِّي» ونحوه، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب وأبو عمرو في رواية بسكون نون التوكيد. والحطم: الكسرُ،

стр. 9190

يقال منه: حطمتهُ، ثم استعمل لكل كسر معناه، والحطام: ما تكسر يبساً وغلب على الأشياء التافهة، والحُطَم: السائق السريع، كأنه يحطم الإبل، قال: ٣٩٤٠ - قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بسواقٍ حَطَمْ ... لَيْسَ برَاعِي إبِلٍ وَلَا غَنَمْ ولا بِجَزَّارٍ ظَهْرٍ وَضَمْ والحُطَمَة: من دركات النار، ورجل حُطَمَةٌ للأكول، تشبيهاً لبطنه بالنار، كقوله: ٣٩٤١ - كَأَنَّمَا فَي جَوْفِهِ تَنُّورُ ... وقوله: «وهُمْ لا يشعُرُونَ» جملة حالية. فصل قال الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين، فنادت ﴿يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ، ولم تقل: ادخلن، لأنها لما جعلت لهم قولاً كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، «لَا يَحْطِمَنَّكُنمْ» لا يكسرنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فسمع سليمان قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان. فإن قيل: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده، وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كانت جنوده ركباناً وفيهم مشاة على الأرض تطوى بهم، وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. وقال المفسرون: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم، ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا

стр. 9191

مساكنكم وطئوكم ولم يشعروا بكم، وروي أن سليمان لما دخل وادي النمل حبس جنده، حتى دخل النمل بيوتهم. قال أهل المعاني: في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة: نادت، ونبّهت، وسمت، وأمرت، ونصت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وأعذرت، ووجهه: نادت: «يا» نبهت: «ها» سمت: «النمل» ، أمرت «ادخلوا» ، نصت: «مساكنكم» ، حذرت: «لا يحطمنكم» ، خصت: «سليمان» ، عمت و «جنوده» ، أشارت: «وَهُمْ» ، أعذرت: «لا يشعرون» . قوله: «ضاحكاً» قيل: هي حال مؤكدة لأنها مفهومة من (تبسم) ، وقيل: بل هي حال مقدرة، فإن التبسم ابتداء الضحك، وقيل: لما كان التبسم قد يكون للغضب، ومنه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الغضبان، أي تضاحكاً مسبباً له، قال عنترة: ٣٩٤٢ - لَمَّا رَآنِي قَدْ قَصَدْتُ أُرِيدُهُ ... أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ وتبسَّم: تَفَعَّلَ بمعنى بَسَمَ المجرّد، قال: ٣٩٤٣ - وَتَبْسِمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَوَّراً ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لَهُ نَدِي وقال بعض المولدين: ٣٩٤٤ - كَأَنَّمَا تَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ ... مُنَضَّدٍ أَوْ بَرَدِ أَوْ أَقَاح وقرأ ابن السميفع: «ضحكاً» مقصوراً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مصدر مؤكد معنى تبسم، لأنه بمعناه.

стр. 9192

والثاني: أنه في موضع الحال، فهو في المعنى كالذي قبله. الثالث: أنه اسم فاعل كفرح، وذلك لأن فعله على فَعِل بكسر العين، وهو لازم، فهو كفرح وبطِر. قوله: «أن أشكر» مفعول ثان ل «أوزعني» ، لأن معناه: ألهمني، وقيل معناه: اجعلني أزع شكر نعمتك، أي: أكفه وأمنعه حتى لا ينفلت مني، فلا أزال شاكراً، وتفسير الزجاج له بامنعني أن أكفر نعمتك من باب تفسير المعنى باللازم. فصل قال الزجاج أكثر ضحك الأنبياء التبسم، وقوله: «ضاحكاً» أي: مبتسماً، وقيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك، قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجباً، لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وعلى شهرة حاله وحالهم في التقوى، وهو قولها: «وهم لا يشعرون» . والثاني: سروره بما آتاه الله ما له يؤت أحداً، من سمعه كلام النملة وإحاطته بمعناه. ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه، فقال: ﴿رَبِّ أوزعني﴾ ألهمني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ وهذا يدل على أن دخول الجنة ببرحمته وفضله، لا باستحقاق العبد، والمعنى: أدخلني في جملتهم، وأثبت امسي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين. فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] ، وقال سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ ؟ . فالجواب: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية، وهذه درجة عالية.

стр. 9193

قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير﴾ الآية «تَفَقَّدَ الطَّيْرَ» : طلبها وبحث عنها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، والمعنى طلب ما فقد من الطير، واختلفوا فيما تفقده من أجله، فقيل: لأنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها، وقيل: لأن هندسة الماء كانت لديه، وكان يرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاج وكان يعرف قربه وبعده في عمق الأرض. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف، انظر ما يقول: إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ، حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر، وهذا القول فيه نظر، لأن الجن أعرف بالأرض من الهدهد، فإنهم سكانها، وقيل: لأنه كان يظله من الشمس. قوله: ﴿مَالِيَ لَا أَرَى الهدهد﴾ ، هذا استفهام توقيف ولا حاجة إلى ادعاء القلب وأن الأصل: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قوي دونه، والهدهد معروف، وتصغيره على هديهد، وهو القياس، وزعم بعض الحويين أنه تقلب ياء تصغيره ألفاً، فيقال: هداهد، وأنشد: ٣٩٤٥ - كَهُدَاهِدٍ كَسَرَ الرُّمَاةُ جَنَاحَهُ ... يَدْعُوا بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ هَدِيلاً كما قالوا: دُوَابَّة وشُوَابَّة، في: دُوَيْبَة وشُوَيْبَة، ورده بعضهم بأن الهداهد الحمام الكثير ترجيع الصوت. تزعم العرب أن جارحاً في زمن الطوفان اختطف فرخ حمامة

стр. 9194

تسمى الهديل، قالوا: فكل حمامة تبكي فإنما تبكي على الهديل. قوله: «أم كان» ، هذه «أم» المنقطعة، وتقدم الكلام فيها، وقال ابن عطية: قوله ﴿مَالِيَ لَا أَرَى الهدهد﴾ مقصد الكلام: الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله «مَالِيَ» ناب مناب الألف التي تحتاجها «أم» ، قال أبو حيان: فظاهر كلامه أن «أم» متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله: «مالي» ناب مناب ألف الاستفهام، فمعناه: أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل، ولم أشعر بغيبته؟ . قال شهاب الدين: ولا يظن بأبي محمد ذلك، فإنه لا يجهل أن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام أو التسوية لا مطلق الاستفهام. قوله: «عذاباً» ، أي تعذيباً، فهو اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] ، وقد كتبوا: «أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ» بزيادة ألف بين لام ألف والذال، ولا يجوز أن تُقْرَأ بها، وهذا كما تقدم أنهم كتبوا: ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] بزيادة ألف بين لام ألف والواو. قوله: «أو لَيَأْتِينِّي» ، قرأ ابن كثير بنون التوكيد المشددة بعدها نون الوقاية، وهذا هو الأصل، واتبع مع ذلك رسم مصحفه، والباقون بنون مشددة فقط، والأظهر أنها نون التوكيد الشديدة، توُصِّلَ بكسرها لياء المتكلم، وقيل: بل هي نون التوكيد الخفيفة أدغمت في نون الوقاية، وليس بشيء لمخالفة الفعلين قبله، وعيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة لم يصلها بالياء. فصل قال المفسرون: معنى الآية: ما للهدهد لا أراه، تقول العرب: مالي أراك كثيباً؟ فقال: ما لي لا أرى الهدهد، على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته فقال: أم كان من الغائبين، يعني أكان من الغائبين؟ والميم صلة، وقيل: أم

стр. 9195

بمعنى بل، ثم أوعد على غيبته، فقال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ، فقيل: بنتف ريشه ووضعه لهوام الأرض، وقيل: بحبسه في القفص، وقيل: بأن يفرق بينه وبين إلفه، وقيل: بحبسه مع ضده، ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ حُجَّة ظاهرة. قوله: «فَمَكَثَ» قرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها، وهما لغتان، إلا أن الفتح أشهر، ولذلك جاءت الصفة على ماكث، دون كيث، واعتذر عنه بأن فاعلاً قد جاء لفَعُل بالضم، نحو: حَمُضَ فهو حامض، وخَثُر فهو خاثر، وفَرُهَ فهو فاره. قوله: «غَيْرَ بعِيدٍ» ، يجوز أن يكون صفة للمصدر، أي مكثراً غير بعيد، وللزمان أي: زماناً غير بعيد، وللمكان أي: مكاناً غير بعيد، والظاهر أن الضمير في مكث للهدهد، وقيل: لسليمان ﵇ فقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك. قوله: «مِنْ سَبَأ» ، قرأ البزِّيّ، وأبو عمرو بفتح الهمزة، جعلاه اسماً للقبيلة أو البقعة، فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، وعليه قوله: ٣٩٤٦ - مِنْ سَبَأَ الحَاضِرِينَ مَأْربَ إِذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُون سَيْلِهِ العَرِمَا وقرأ قُنْبُل بسكو الهمزة، كأنه نوى الوقف وأجرى الوصل مجراه، والباقون بالجر والتنوين، جعلوه اسماً للحيِّ او المكان، وعليه قوله: ٣٩٤٧ - الوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذُرَى سَبَأٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيسِ

стр. 9196

وهذا الخلاف جارٍ بعينه في سورة سبأ. وفي قوله: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ فيه من البديع التجانس، وهو: تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف كهذه الآية، ومثله: ﴿تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] . وفي الحديث: «الخَيْلُ مَعْقُود بِنَواصِيهَا الخَيْرُ» ، وقال آخر: ٣٩٤٨ - لِلَّهِ مَا صَنَعَتْ بِنَا ... تِلْكَ المَعَاجِرُ وَالمَحَاجِرْ وقال الزمخشري: وقوله ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعاً، أو يصنعه عالم بجوهر هذا الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هنا زائداً على الصحة، فحسن وبدع لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان: «بنبأ» : «بخبر» لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. يريد بالزيادة: أن النبأ أخص من الخبر، لأأنه لا يقال إلا فيما له شأن من الأخبار، بخلاف الخبر، فإنه يطلق على ما له شأن، وعلى ما لا شأن له، فكلّ نبأ خبر من غير عكس. وبعضهم يعبر عن نحو: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ في علم البديع بالترديد، قاله صاحب التحرير، وقال غيره: إن الترديد عبارة عن رد أعجاز البيوت على صدورها، أو ردّ كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني، فمثال الأول قوله: ٣٩٤٩ - سَرِيعٌ إِلَى ابْنِ العَمِّ يَلْطمُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ إلَى دَاعِي الخَنَا بِسَرِيعِ

стр. 9197

ومثال الثاني قوله: ٣٩٥٠ - وَاللَّيَالِي إِذَا نَأَيْتُمْ طِوَالٌ ... واللَّيَالِي إذَا دَنَوْتُمْ قِصَارُ وقرأ ابن كثير في رواية: «مِنْ سباً» مقصوراً منوناً، وعنه أيضاً: «مِنْ سَبْأَ» بسكون الباء وفتح الهمزة، جعله على فَعْل ومنعه من الصرف، لما تقدم. وعن الأعمش: «من سَبَإِ» بهمزة مكسورة غير منونة، وفيها إشكال؛ إذ لا وجه للبناء، والذي يظهر أن تنوينها لا بد وأن يقلب ميماً وصلاً، ضرورة ملاقاته للباء، فسمعها الراوي؛ فظن أنه كسر من غير تنوين. وروي عن أبي عمرو: «مِنْ سَبَا» بالألف صريحة، كقولهم: تفرقوا أيدي سبا. وكذلك قرىء «بِنَبَا» بألف خالصة، وينبغي أن يكونا لقارىء واحد وسبأ في الأًل: اسم رجل من قحطان، واسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسبأ لقلب له، وإنما لقلب به: لأنه أول من سبأ. قوله: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ﴾ لما قال الهدهد لسليمان: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ، قال سليمان: وما ذاك؟ قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ﴾ وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن من نسل يعرب بن قحطان، وكان ملكاً عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤاً لي، وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس ولم يكن له ولد غيرها، وفي الحديث: «إن أحد أبوي بلقيس كان جنِّياً» وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس، والضمير في «تملكهم» راجع إلى «سبأ» ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريد المدينة فمعناه: تملك أهلها، قال ﵇ لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى: «لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة»

стр. 9198

قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على «تَمْلِكُهُمْ» ، وجاز عطف الماضي على المضارع، (لأن المضارع) بمعناه، أي: ملكتهم، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من مرفوع «تملكهم» . و «قَدْ» معها مضمرة عند من يرى ذلك. وقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ عام مخصوص بالعقل؛ لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان. قوله: «وَلَهَا عَرْشٌ» يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة بنفسها سيقت للإخبار بها، وأن تكون معطوفة على «أُوتِيَتْ» ، وأن تكون حالاً من مرفوع «أُوتِيَتْ» ، والأحسن أن يجعل الحالَ الجارُّ، «وعَرْشٌ» مرفوع به، وبعضهم يقف على «عَرْشٌ» ويقطعه عن نعته. قال الزمخشري: ومن نَوْكى القُصَّاصِ من يقف على قوله: «وَلَهَا عَرْشٌ» ، ثم يبتدىء، «عَظِيمٌ وَجَدْتها» ، يريد: أمرٌ عظيم أَنْ وجدتها، فرَّ من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيم، وهي مسخ كتاب الله. قال شهاب الدين: النَّوكَى: الحمقى جمع َنْوَك وهذا الذي ذكره من أمر الوقف نقله الدّاني عن نافع وقرره أبو بكر بن الأنباري ورفعه إلى بعض أهل العلم، فلا ينبغي أن يقال (نَوْكَى القُصَّاص) ، وخرجه الداني على أن يكون «عَظِيمٌ» مبتدأ، و «وَجَدْتُهَا» الخبر، وهذا خطأ، كيف يبتدىء بنكرة من غير مسوِّغ، ويخبر عنها بجملة لا رابط بينهما وبينه، والإعراب ما قاله الزمخشري من أن عظيماً صفة لمحذوف خبراً مقدماً، و «وَجَدْتُهَا» مبتدأ مؤخراً مقدراً معه حرف مصدري أي: أمر عظيم وجداني إياها وقومها غير عابدي الله. قوله: «وَجَدْتُهَا» ، هي التي بمعنى لقيت وأصبت، فيتعدى لواحد، فيكون «يَسْجُدُونَ» حالاً من مفعولها وما عطف عليه، فإن قيل: كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان، وأيضاً: فكيف سوَّى بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟ . فالجواب عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش ويجوز أن يكون لسليمان - مع جلالته - مثله كما قد يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله للسلطان.

стр. 9199

وعن الثاني: أنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وَوَصْفُ عرشِ اللَّهِ بالعظم تعيمٌ له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض. قال المفسرون: العرش السرير الضخم كان مضروباً من الذهب مكلّلاً بالدرّ والياقوتالأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق. قال ابن عباس: كان عرشها ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً وطوله في السماء ثلاثون ذراعاً. واعلم أن قوله: ﴿الله لَا إله إِلَاّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦] إن قلنا: إنه من كلام الهدهد، فالهدهد قد استدرك على نفسه، واستقلّ عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله، وإن قلنا: إنه من كلام الله تعالى، فالله رد عليه استعظامه لعرشها. فصل طعنت الملاحدة في هذه القصة من وجوه: أحدها: أَنَّ هذه الآيات اشتملت على أنَّ النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك إلَاّ عن العقلاء وذلك يجر إلى السَّفْسَطَة، فإنَّا لوجوَّزنا ذلك لما أمِنّا من النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أَنْ تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والضئبان، ولجوزنا أن يكون فيهم الأنبياء والمعجزات والتكاليف، ومعلوم أنَّ مَنْ جوّزه كان إلى الجنون أقرب. وثانيها: أنَّ سليمان ﵇ كان بالشام، فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن، ثم رجع إليه؟ . وثالثها: كيف خفي على سليمان ﵇ ؟ تلك المملكة العظيمة مع أنَّ الجن والإنس كانوا في طاعته، وأنه ﵇ كان ملك الدنيا كلها، وكان

стр. 9200

تحت طاعة بلقيس - على ما يقال - اثنا عشر ألف تحت يد كل واحد منهم مائة ألف، مع ما يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلَاّ مسيرة ثلاثة أيام؟ رابعها: من أين حصل للهدهد إنكار سجودهم للشمس وإضافته للشيطان وتزيينه؟ والجواب عن الأول: أنّ ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع. وعن البواقي: أنَّ الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك. فصل قالت المعتزلة: قوله ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ يدل على أنَّ فعل العبد من جهته، لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم، وأورده مورد الذم، وبين أنهم لا يهتدون. والجواب من جوه: أحدها: أَنَّ هذا قول الهدهد فلا يكون حجة. وثانيها: أنه متروك الظاهر: فإنه قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ ، وعندكم الشيطان، فإنه ما صدّ الكافر عن السبيل، إذ لو صدّه الشيطان عن السبيل لكان معذوراً ممنوعاً، فيسقط عنه التكليف فلم يبق إلَاّ التمسك بالمدح والذم، وجوابه قد تقدم. قوله: «ألَاّ يَسْجُدُوا» قرأ الكسائي بتخفيف «أَلَا» ، والباقون بتشديدها، فأمَّا قراءة الكسائي، «أَلَا» فيها تنبيه واستفتاح، و «يَا» بعدها حرف نداء، أو تنبيه أيضاً على ما سيأتي، و «اسْجُدُوا» : فعل أمرٍ، فكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون يَا اسجُدُوا، ولكن الصحابة أسقطوا ألف «يَا» وهمزة الوصل من «اسْجُدُوا» خَطاً لما سقط لَفْظاً، ووصلوا الياء بسين «اسْجُدُوا» ، فصارت صورته «يَسْجُدُوا» كما ترى، فاتحدث القراءتان لفظاً وخطّاً، واختلفا تقديراً. واختلف النحويون في «يَا» هذه، هل هي حرف تنبيه أو للنداء والمنادى محذوف، تقيدره: يَا هَؤُلَاءِ اسْجُدُوا، وقد تقدم ذلك عند قوله في سورة النساء: «يَا لَيْتَنِي» والمُرَجَّحُ أَنْ تكون للتنبيه، لِئَلَاّ يؤدي إلى حذفٍ كثير من غير بقاءِ ما يدلّ على المحذوف، ألا ترى أنَّ جملة النداء حذفت، فلو ادَّعَيْتَ

стр. 9201

حَّذْفَ المنَادى كَثُرَ الحذف، ولم يبق معمولٌ يدل على عامله؛ بخلاف ما إذا جعلتَها للتنبيه. ولكن عَارَضنا هنا أَنَّ قبلها حرف تنبيه آخر، وهو «أَلا» وقد اعتُذِر عن ذلك بأنه جُمِعَ بينهما تأكيداً، وإذا كانوا قد جمعوا بين حرفن عاملين للتأكيد، كقوله: ٣٩٥١ - فَأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنْنِي عَنْ بِمَا بِهِ ... فغير العاملين أولى، وأيضاً فقد جمعوا بين حرفين عاملين مُتّحدي اللفظ والمعنى كقوله: ٣٩٥٢ - فَلَا وَاللَّهِ لَا يُلْفَى لِمَا بِي ... وَلَا لِلما بِهِمْ أَبَداً دَوَاءُ فهذا أولى، وقد كثر مباشرة «يا» لفعل الأَمر، وقبلها «أَلَا» التي للاستفتاح، كقوله: ٣٩٥٣ - أَلَا يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ... ثَلَاثَ تَحِيَّاتٍ وَإِنْ لَمْ تَكَلَّمِ وقوله: ٣٩٥٤ - أَلَا يَا اسْلَمِي دَارَ مَيٍّ عَلَى البِلَى ... وَلَا زالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِكَ القَطْرُ وقوله: ٣٩٥٥ - أَلَا يا اسْلَمِي ذَات الدَّمَالِيحجِ وَالعُقَد ... وذات اللثاث الحُمِّ والفَاحِمِ الجَعْدِ وقوله: ٣٩٥٦ - أَلَا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ ... وَإِنْ كَانَ حَيَّانا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ

стр. 9202

وقوله: ٣٩٥٧ - أَلَا يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ خَيْلِ أَبِي بَكْر ... لَعَلَّ مَنَايانَا قَرُبنَ ولَا نَدْرِي وقوله: ٣٩٥٨ - أَلَا يا اسْقِيانِي قَبْلَ غَارَةٍ سنجال ... [وقوله: ٣٩٥٩ - فَقَالَتْ أَلَا يَا اسْمَعْ أَعِظْكَ بخطبةٍ ... وقلتُ سمِعْنَا فَانطِقِي وأَصِيبِي] وقد جاء ذلك وإن لم يكن قبلها «أَلَا» ، كقوله: ٣٩٦٠ - يا دَارَ هِنْدٍ يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... بِسَمْسَمٍ أَوْ عَنْ يَمِينِ سَمْسَمِ فعلم أنه قراءة الكسائي قوية، لكثرة دَوْرِها في لغتهم، وقد سمع ذلك في النَّثْر، سُمِعَ بَعْضُهم يقول: أَلَا يَا ارحَمُوني، أَلَا يا تصدَّقُوا علينا، وأما قوله: ٣٩٦١ - يَا لَعْنَةُ اللَّهِ والأَقْوَامِ كُلِّهِم ... والصَّالِحِينَ عَلَى سَمْعَانَ مِنْ جِارِ فيحتمل أن تكون «يَا» للنداء، والمنادى محذوف، وأن يكون للتنبيه، وهو الأرجح لِمَا مَرَّ. واعلم أَنَّ الوقف عند الكسائي على «يَهْتَدُونَ» تام، وله أن يقف على «أَلَا يَا» معاً، ويبتدىء «اسْجُدُوا» بهمزة مضمومة. وله أن يقف على «أَلَا» وحدها، وعلى «يَا»

стр. 9203

وحدها، لأنهما حرفان منفصلان وهذا الوقفان وقفاً اخْتبارٍ لا اختيار، لأنهما حرفان لا يتم معناهما إلَاّ بما يتصلان به، وإنما فعله القراء امتحاناً وبياناً. فهذا توجيه قراءة الكسائي، والخَطْبُ وفيها سهل. وأما قراءة الباقين فتحتاج إلى إِمْعَان نظرٍ، وفيها أوجه كثيرة: أحدها: أنَّ «أَلَاّ» أصلها: أَنْ لا، فأَنْ ناصبة للفعل بعدها، ولذلك سقطت نون الرفع، و «لَا» بعدها حرفُ نَفْي، وأَنْ وما بعدها في موضع مفعول «يَهْتَدُونَ» على إسقاط الخافض أي: إلى أَنْ لا يسجُدُوا، و «لَا» مزيدة كزيادتها في: ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] ، والمعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. الثاني: أنه بدل من «أَعْمَالَهُمْ» وما بينهما اعتراض تقديره: وزَيَّنَ لهم الشيطانُ عدم السجود لله. الثالث: أنه بدل من «السَّبِيلِ» على زيادة «لَا» أيضاً، والتقدير: فَصَدَّهُمْ عن السجود لله. الرابع: أَنَّ «أَلَاّ يَسْجُدُوا» مفعولاً له، وفي متعلّقه وجهان: أحدهما: أنه «زَيَّنَ» أي: زيَّنَ لهم لأجل أَلَاّ يسجدوا. والثاني: انها متعلق ب «صَدَّهُمْ» ، أي: صَدَّهُمْ لأجل أن لَا يسجُدُوا، وفي «لَا» حينئذٍ وجهان: أحدهما: انها ليست مزيدة (بل باقية على معناها من النفي. والثاني: أنها مزيدة) والمعنى: وزيَّنَ لهم لأجل توقعه سجودهم، أو لأجل خوفه من سُجُودهم، وعدم الزيادة أظهر. الخامس: أنه خبرأ مبتدأ مضمر، وهذا المبتدأ إما أن يُقَدَّر ضميراً عائداً على «أَعْمَالَهُمْ» ، والقدير هي ألا يسجدوا، فتكون «لَا» على بابها من النفي، وإما أن

стр. 9204

يُقَدَّر ضميراً عائداً على «السَّبِيل» ، التقدير: هو أن لا يسجدوا، فتكون «لَا» مزيدة - على ما تقدم - ليصح المعنى. وعلى الأوجه الأربعة المتقدمة لا يجوز الوقفُ على «يَهْتَدُونَ» ، لأنَّ ما بعده إمَّا معمول له أو لِمَا قبله من «زَيَّنَ» وصَدَّ «أو بدل مما قبله أيضاً من» أَعْمَالَهُمْ «أو من» السَّبِيل «على ما قُرِّرَ، بخلاف الوجه الخامس، فإنه مَبنيٌّ على مبتدأ مضمر، وإنْ كان ذلك الضمير مُفَسراً بما سبق قبله، وقد كتبت» أَلَاّ «مصولة غير مفصولة، فلم تُكْتَبْ» أَنْ «منفصلة من» لَا «، فمن ثَمَّ: امتنع أن يُوقَف هؤلاء في الابتلاء والامتحان على» أَنْ «وحدها، لاتصالها بلا في الكتابة، بل يُوقَف لهم على» أَلَاّ «بجملتها، كذا قال القُرَّاءُ، والنحويون متى سُئِلوا عن مثل ذلك وقفوا لأجل البيان على كل كلمةٍ على حدتها. لضرورة البيان، كونها كُتِبَت متصلة ب» لا «غير مانعٍ من ذلك. ثُمَّ قول القُرَّاءِ: كتبت متصلة فيه تجوُّزٌ وتسامُح، لأَنَّ حقيقة هذا أن يُثْبِتُوا صورة نُونٍ ويصلونها بلاء، فيكتبونها» أَنْلَا «، ولكن لما أدغمت فيما بعدها لفظاً، وذهب لفظها إلى لفظ ما بعدها قالوا ذلك تسامحاً. وقد رتَّبَ أبو إسحاق على القراءتين حُكْماً، وهو وجوب سجود التلاوة وعدمه، فَأَوْجَبَهُ مع قراءة الكسائي، وكأنه لأجل الأمرِ بِهِ، ولم يوجبه في قراءة الباقين لعدم وجود الأمر فيها، إِلَاّ أَنَّ الزمخشري لم يرتضه منه، فإنه قال: فَإِنْ قُلْتَ: أَسَجدةُ التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً أو في واحدة منهما؟ قُلْتُ: هي واجبة فيهما. وإحدا القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك، وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد مرجوع إليه. قال شهاب الدين: وكأن الزجاج أخذ بظاهر الأمر، وظاهره الوجوب وهذا لو خلينا

стр. 9205

الآية لكان السُّجُودُ واجباً، ولكن دلَّت السنةُ على استحبابه دون وجوبه، على أَنَّا نقول: هذا مبنيٌّ على نظر آخر، وهو أَنَّ هذا الأمر من كلام الله تعالى أو من كلام الهدهد محكيّاً عنه، فإن كان من كلام الله تعالى فيقال: يقتضي الوجوب إلَاّ أَنْ يجيء دليل يصرفه عن ظاهره، وإنْ كان من كلام الهدهد - وهو الظاهر - ففي انتهاضة دليلاً نظر، وهذا الذي ذكروه ليس بشيء، لأنَّ المراد بالسجود ههنا عبادة الله لا عبادة الشمس، وعبادة الله واجبة وليس المراد من الآية سجود التلاوة، وأين كانت التلاوة في زمن سليمان ﵇ ولم يكن ثم قرآن. وقرأ الأعمش «هَلَاّ» و «هَلَا» بقلب الهمزة هاء مع تشديد «لَا» وتخفيفها، وكذا هي في مصحف عبد الله، (وقرأ عبد الله) «تَسْجُدُونَ» بتاء الخطاب ونون الرفع، وقرىء كذلك بالياء من تحت، فَمَنْ أَثْبَتَ نون الرفع ف «أَلَاّ» بالتشديد أو التخفيف للتحضيض، وقد تكون المخففة للعرض أيضاً نحو أَلَا تنزلُ عندنا فتحدَّثُ، وفي حرف عبد الله أيضاً ﴿أَلَا هَلْ تَسْجُدُونَ﴾ بالخطاب. قوله: ﴿الذي يُخْرِجُ الخبء﴾ يجوز أن يكون مجرور المحل نعتاً «للَّه» أو بدلاً منه أو بياناً، و «منصوبة على المدح، ومرفوعة على خبر ابتداءٍ مضمر. و» الخَبْءَ «مصدر خَبَأْتُ الشيء أَخْبَؤُهُ خَبْئاً أي: سَتَرَْتُهُ، ثم أطلِقَ على الشيء المَخْبُوءِ وَنَحْوُهُ ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] قال المفسرون: الخَبْء في السَّمواتِ المطر، وفي الأرض النبات، والخَابِيَةُ من هذا إلَاّ أَنَّهُم التزموا فيها ترك الهمزة كالبَريَّة والذّريّة عند بعضهم. وقيل: الخبء الغيب أي: يعلم

стр. 9206

غيب السموات والأرض، وقرأ أبيّ وعيسى» الخَبَ «بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة فيصير نحو: رأيت لَبَ، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار» الخَبَا «بألفٍ صريحةٍ، وجهها أنه أبدل الهمزة ألفاً فلزم تحريك الباء، وذلك على لغة مَنْ يقف من العرب بإبدال الهمزة حرفاً يجانس حركتها، فيقول: هذا الخَبُو، ورأيت الخبا، ومررت بالخبي، ثم أُجْرِي الوَصْلُ مَجْرَى الوقْفِ، وقيل: إنه لمَّا نَقَلَ حركة الهمزة إلى الساكن قبلها لم يحذفها بل تركها، فَسَكَنَتْ بعد فتحةٍ فَدُبِرَتْ بحركة ما قبلها وهي لغة ثابتة، يقولون: المرأة والكماة بألف مكان الهمزة بهذه الطريقة، وقد طعن أبو حاتم على هذه القراءة وقال: لا يجوز في العربية، لأَنَّه إن حذف الهمزة أَلْقَى حركتها على الباء، فقال الخَبَ، وإن حوَّلَها قال الخَبْي، بسكون الباء وياء بعدها. قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو، لم يَلْحَقْ بهم إلَاّ أنه إذا خرج من بلدهم لم يلق أَعْلَم منه. قوله: «في السَّماوَاتِ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «الخَبْءَ» ، أي؛ المَخْبُوءُ في السموات. والثاني: أنه متعلق ب «يُخْرِجُ» على أنَّ معنى (في) بمعنى (مِنْ) ، أي: يخرجه من السموات، و «مِنْ» و «فِي» يتعاقبان، يقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، أي منكم - قاله الفراء -، وقرأ عبد الله: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماواتِ﴾ . قوله: «مَا تُخْفُونَ» قرأ الكسائي وحفص بالتاء من فوق فيهما، والباقون بالياء

стр. 9207

من تحت، فالخطاب ظاهر على قراءة الكسائي، لأن ما قبله أَمرهُمْ بالسجود وخطابهم به والغيبة على قراءة الباقين غير حفص ظاهرة أيضاً، لتقدم الضمائر الغائبة في قوله: «لَهُمْ» ، و «أَعْمَالَهُمْ» و «صَدَّهُمْ» و «فَهُمْ» وأما قراءة حفص فتأويلها أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن أَتَمَّ قصة أهل سبأ، ويجوز أن يكون التفاتاً على أنه نزل الغائب منزلة الحاضر، فخاطبه ملتفتاً إليه. وقال ابن عطية: القراءة بيان الغيبة تُعْطِي أَنَّ الية من كلام الهدهد، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطاب الله لأُمّة محمد ﷺ َ - وقد تقدم أن الظاهر أنه من كلام الهدهد مطلقاً.

стр. 9208

قوله تعالى: ﴿الله لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ هل هو من كلام الهدهد استدراكاً منه لمَّا وصف عرش بلقيس بالعظم، أو من كلام الله تعالى رَدّاً عليه في وصفه عرشها بالعظم. والعامة على جر «العَظِيمِ» تابعاً للجلالة، وابن محيصن، بالرفع وهو يحتمل وجهين: أن يكون نعتاً للربّ، وأن يكون مقطوعاً عن تبعيَّةِ «العرش» إلى الرفع بإضمار مبتدأ. فصل دلّ قوله: ﴿يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض﴾ [النمل: ٢٥] (على كمال القدرة، وسمي المخبوء بالمصدر ليتناول جميع الأرزاق والأموال، فدلَّ قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] على كمال العلم، وإذا كان قادراً على كل المقدرات عالماً بكل المعلومات، وجب أن يكون إلهاً، والشمس ليست كذلك، فلا تكون إلهاً، وإذا لم تكن إلهاً، لم تستحق العبادة. فإن قيل: إنَّ إبراهيم وموسى ﵉ قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق، فإِنَّ إبراهيم قال: ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ، ثم

стр. 9209

قال: ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق﴾ [البقرة: ٢٥٨] ، وموسى ﵇ قال ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ [الشعراء: ٢٦] ، ثم قال: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ [الشعراء: ٢٨] وههنا قدم خبأ السموات على خبء الأرض، فجوابه، أَن إبراهيم وموسى ناظرا من ادعى إلهية البشر، فابتدءا بإبطال إلهية البشر، ثم انتقلا إلى إلهية السماء، وههنا الكلام مع من ادعى إلهية الشمس، قوله ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله﴾ [النمل: ٢٤] فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات، ثم بالأرضيات. قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ﴾ الجملة الاستفهامية في محل نصب ب «نَنْظُرُ» ، لأنَّها مُعلّقة لها، و «أَمْ» هنا متصلة، وقوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ أبلغ من قوله: «أَمْ كَذَبْتَ» - وإن كان هو الأصل - لأنّ المعنى من الذين اتصفوا وانخرطوا في سلك الكاذبين. وقوله: «سَنَنْظُرُ» من النظر الذي هو التأمل. قوله: «هذَا» يجوز أن يكون صفة ل «كِتَابِي» أو بدلاً منه أو بياناً له. قال المفسرون: إن سليمان ﵇ كتب كتاباً فيه: «من عند سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السَّلامُ على من اتَّبع الهُدَى، أما بعد، أَلَاّ تَعْلُوا عليَّ وَأْتُوني مُسلمين» . قال ابن جريرج: لم يزد سليمان على ما قصّة الله في كتابه، ثم ختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: «اذْهَبْ بِكَتَابِي هذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ» . قوله: «فَأَلْقِهِ» ، قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر بإسكان الهاء، وقالون بكسرها فقط من غير صلة بلا خلاف عنه، وهشام عنه وجهان: القصر والصلة، والباقون بالصلة بلا خلاف، وتقدم توجيه ذلك في «آل عمران» و «النساء» وغيرهما، عند ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] و ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ [النساء: ١١٥] . وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء موصولة بواو «فَأَلْقِهُو إِلَيْهِمْ» ، وقد تقدمخ ان الضم الأصل، وقال «إليهم» - على لفظ

стр. 9210

الجمع - لأنه قال: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ [النمل: ٢٤] والمعنى: فألقه إلى الذين هذا دينهم. قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ، زعم أبو علي وغيره أن في الكلام تقديماً، وأن الأصل: فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. ولا حاجة إلى هذا، لأن المعنى بدونه صحيح، أي: قف قريباً منهم لتنظر ماذا يكون. قوله: «مَاذَا يَرْجِعُونَ» إن جعلنا (انظر) بمعنى: تأمل وتفكر كانت «ما» استفهامية، وفيها حينئذٍ وجهان: أحدهما: أن يجعل مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، وتكون مفعولة ب «يرجعون» تقديره: أي شيء ترجعون. والثاني: أن يجعل «ما» مبتدأ، و «ذا» بمعنى الذي، و «يرجعون» صلتها، وعائدها محذوف تقديره: أي شيء الذي يرجعونه، وهذا الموصول هو خبر ما الاستفهامية وعلى التقديرين فالجملة الاستفهامية مُعَلِّقة ل «انظر» فمحلّها النصب على إٍقاط الخافض أي: انظر في كذا وفكر فيه وإن جعلناه بمعنى انتظر من قوله ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] كانت «مَاذَا» بمعنى الذي، (و «يَرْجعُونَ» صلتها وعائدها محذوف) ، والعائد مقدّر كما تقرر وهذا الموصول مفعول به، أي: انتظر الذي يرجعون. قال أبو حيان: و «ماذا» إن كان معنى «فانظُر» معنى التأمل بالفكر كان انظر معلقاً، و «ماذا» إما أن يكون كلمة استفهام في موضع نصب، وإما أن يكون «ما» استفهاما، و «ذا» موصولة بمعنى الذي، فعلى الأول يكون «يرجعون» خبراً عن «ماذا» ، وعلى الثاني يكون «ذا» هو الخبر، و «يرجعون» صلة انتهى. وهذا غلط إما من الكاتب، وإما من غيره؛ وذلك أن قوله: «فعلى الأول» يعني به أن «ماذا» كلمة استفهام في موضع نصب يمنع قوله: «يَرْجِعُونَ» خبراً عن «ماذا» ، كيف يكون خبراً عنه وهو منصوب به كما تقرر، وقد صرَّح هو بأنه منصوب يعني
следующие страницы →